معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

مختصر منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية - ج2 - عبد الله الغنيمان ..
الكاتب : عبد الله الغنيمان ..

 مخُتْصَرُ مِنْهَاجِ السُّنَّة

لأبي العباس شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله

اختصره

الشيخ عبد الله الغنيمان

المدرس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية (سابقاً)

بالمدينة المنورة

الجزء الثاني 1410ه

(فصــل )

قال الرافضي:  (( وقال في خطبة له : من غالى في مهر امرأة جعلته في بيت المال. فقالت له امرأة : كيف تمنعنا ما أعطانا الله في كتـابه حين قال : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً (1)   فقال : كل أحد أَفْقه من عمر حتى المخَدَّرات)) .

والجواب : أن هذه القصة دليل على كمال فضل عمر ودينه وتقواه، ورجوعه إلى الحق إذا تبين له، وأنه يقبل الحق حتى من امرأة، ويتواضع له، وأنه معترف بفضل الواحد عليه، ولو في أدنى مسألة. وليس من شرط الأفضل أن لا ينبهه المفضول لأمر من الأمور، فقـد قال الهـدهد لسليمان : أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ(2) وقد قال موسى للخضر: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً(3). والفرق بين موسى والخضر أعظم من الفرق بين عمر وبين أشباهه من الصحابة،  ولم يكن هذا بالذي أوجب أن يكون الخضر قريبا من موسى، فضلا عن أن يكون مثله، بل الأنبياء المتّبعون لموسى، كهارون ويوشع وداود وسليمان وغيرهم، أفضل من الخضر. 

فالصحابة أعلم الأمة وأفقهها وأدينها. ولهذا أحسن الشافعي رحمه الله في قوله :  (( هم فوقنا في كل علم وفقهٍ ودين وهدى، وفي كل سبب يُنال به علم وهدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا )) أو كلاما هذا معناه. 

وقال أحمد بن حنبل:  (( أصول السنة عندنا التمسك بما عليه أصحاب رسول الله )). 

وما أحسن قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال :  (( أيها الناس من كان منكم مستنّاً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد كانوا أفضل هذه الأمة : أبرّها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسّكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم )). 

وقال حذيفة رضي الله عنه :  (( يا معشر القرّاء استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن استقمتم قد سبقتم سبقا بعيدا، وإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيداً )). 

( فصــل )

قال الرافضي :  (( ولم يحدّ قدامة في الخمر، لأنه تلا عليه : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا(1) الآية. فقال له عليٌّ : ليس قدامة من أهل هذه الآية، فلم يدر كم يحدّه. فقال له أمير المؤمنين : حدّه ثمانين. إن شارب الخمر إذا شربها سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى)). 

والجواب: أن هذا من الكذب البين الظاهر على عمر رضي الله عنه ؛ فإن علم ابن الخطاب بالحكم في مثل هذه القضية أَبْيَن من أن يحتاج إلى دليل، فإنه قد جَلَدَ في الخمر غير مرة هو وأبو بكر قبله، وكانوا يضربون فيها تارة أربعين وتارة ثمانين، وكان عمر أحيانا يعزِّز فيها بحلق الرأس والنفي، وكانوا يضربون فيها تارة بالجريد، وتارة بالنعال والأيدي وأطراف الثياب. 

وأما قصة قدامة، فقد روى أبو إسحاق الجوزجاني وغيره عن ابن عباس أن قدامة بن مظعون شرب الخمر، فقال له عمر ما يحملك على ذلك ؟ فقال:إن الله يقول:لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ( ) وإني من المهاجرين الأوَّلين من أهل بدر وأحد. فقال عمر : أجيبوا الرجل. فسكتوا عنه. فقال لابن عباس : أجبه. فقال : إنما أنزلها الله عُذْرًا للماضين لمن شربها قبل أن تُحَرَّم، وأنزل :إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ( ) حجة  على الناس. ثم سأل عمر عن الحد فيها، فقال عليّ بن أبي طالب : إذا شرب هَذَى، وإذا هَذَى افترى، فاجلده ثمانين جلدة، فجلد عمر ثمانين )) ففيه أن علياّ أشار بثمانين، وفيه نظر. 

فإن الذي ثبت في الصحيح أن علياًّ جَلَد أربعين عند عثمان بن عفان، لما جلد الوليد بن عقبة، وأنه أضاف الثمانين إلى عمر. وثبت في الصحيح أن عبد الرحمن بن عوف أشار بالثمانين، فلم يكن جلد الثمانين مما استفاد عمر من عليّ. وعليّ قد نُقل عنه أنه جلد في خلافته ثمانين،فدل عَلَى أنه كان يجلد تارة أربعين وتارة ثمانين. ورُوى عن عليّ أنه قال : ما كنت لأقيم حداًّ على أحد فيموت، فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات لوديته، لأن النبي  لم يسنّه لنا. 

وهذا لم يقل به أحد من الصحابة، والفقهاء في الأربعين فما دونها، ولا ينبغي أن يحمل كلام عليّ على ما يخالف الإجماع. 

(فصــل )

قال الرافضي:  (( وأرسل إلى حامل يستدعيها فأسقطت خوفا. فقال له الصحابة : نراك مؤدِّبا ولا شيء عليك. ثم سأل أمير المؤمنين فأوجب الدية على عاقلته )). 

والجواب : أن هذه مسألة اجتهاد تنازع فيها العلماء، وكان عمر بن الخطاب يشاور الصحابة رضي الله عنهم في الحوادث، يشاور عثمان وعلياًّ وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وزيد بن ثابت وغيرهم، حتى يشاور ابن عباس. وهذا كان من كمال فضله وعقله ودينه، ولهذا كان من أسدّ الناس رأياً، وكان يرجع تارة إلى رأي هذا وتارة إلى رأي هذا. وقد أُوتى بامرأة قد أقرّت بالزنا، فاتفقوا على رجمها،وعثمان ساكت. فقال : مالك لا تتكلم ؟ فقال : أراها تستهلُّ به استهلال من لا يعلم أن الزنا محرَّم، فرجع فاسقط الحدَّ عنها لما ذكره له عثمان. ومعنى كلامه أنها تجهر وتبوح به، كما يجهر الإنسان ويبوح بالشيء الذي لا يراه قبيحا، مثل الأكل والشرب والتزوج والتسرّى. 

(فصــل )

قال الرافضي :  (( وتنازعت امرأتان في طفل، ولم يعلم الحكم، وفزع فيه إلى أمير المؤمنين عليّ، فاستدعى أمير المؤمنين المرأتين ووعظهما فلم ترجعا. فقال : ائتوني بمنشار، فقالت المرأتان ما تصنع به ؟ فقال : أقُدُّه بينكما نصفين فتأخذ كل واحدة نصفاً. فرضيت واحدة. وقالت الأخرى : الله الله يا أبا الحسن، إن كان ولا بد من ذلك فقد سمحت لها به. فقال عليّ : الله أكبر هو ابنك دونها، ولو كان ابنها لرقّت عليه. فاعترفت الأخرى أن الحق مع صاحبتها، ففرح عمر، ودعا لأمير المؤمنين )). 

والجـواب :أن هذه القصة لم يَذكر لها إسناداً ولا يُعرف صحتها، ولا أعلم أحدا من أهل العلم ذكرها، ولو كان لها حقيقة لذكروها، ولا تُعرف عن عُمر وعليّ، ولكن هي معروفة عن سليمان بن داود عليهما السلام. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( وأمر برجم امرأة ولدت لستة شهور، فقال له عليّ : إن خَاصَمَتْكَ بكتاب الله تعالى خَصَمَتْك، إن الله يقول :وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً( ) ، وقال تعالى :وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنَ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ( ) .

والجواب : أن عمر كان يستشير الصحابة، فتارة يشير عليه عثمان بما يراه صوابا، وتارة يشير عليه عليّ، وتارة يشير عليه عبد الرحمن بن عوف، وتارة يشير عليه غيرهم. وبهذا مدح الله المؤمنين بقوله تعالى : وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ( ) . والناس متنازعون في المرأة إذا ظهر بها حمل ولم يكن لها زوج ولا سيد ولا ادّعت شبهة : هل ترجم ؟ فمذهب مالك وغيره من أهل المدينة والسلف : أنها تُرجم. وهو قول أحمد في إحدى الروايتين. ومذهب أبي حنيفة والشافعي : لا تُرجم، وهي الرواية الثانية عن أحمد. قالوا : لأنها قد تكون مستكرهة على الوطء، أو موطوءة بشبهة، أو حملت بغير وطء. 

والقول الأول هو الثابت عن الخلفاء الراشدين. وقد ثبت في الصحيحين أن عمر بن الخطاب خطب الناس في آخر عمره، وقال : الرجم في كتاب الله حقّ على من زنى من الرجال والنساء، إذا قامت البيِّنة، أو كان الحَبَل، أو الاعتراف( ) . فجعل الحبل دليلا على ثبوت الزنا كالشهود. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( وكان يفضِّل في الغنيمة والعطاء، وأوجب الله تعالى التسوية )). 

والجـواب : أما الغنيمة لم يكن يقسّمها هو بنفسه، وإنما يقسّمها الجيش الغانمون بعد الخُمس يرسل إليه، كما يرسل إلى غيره، فيقسّمه بين أهله. ولم يقل عمر ولا غيره : إن الغنيمة يجب فيها التفضيل. ولكن تنازع العلماء : هل للإمام أن يفضِّل بعض الغانمين على بعض، إذا تبين له زيادة نفع ؟ 

وفي الجملة فهذه مسألة اجتهاد. فإذا كان عمر يسوِّغ التفضيل للمصلحة، فهو الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه . 

وأما التفضيل في العطاء فلا ريب أن عمر كان يفضّل فيه ويجعل الناس فيه على مراتب. ورُوى عنه أنه قال : لئن عشت إلى قابل لأجعلن الناس بابا واحدا، أي نوعا واحدا. 

وأما قول القائل :  (( إن الله أوجب التسوية فيه )). 

فهو لم يذكر على ذلك دليلا. ولو ذكر دليلا لتكلمنا عليه، كما نتكلم في مسائل الاجتهاد. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( وقال بالرأي والحدس والظن )). 

والجـواب : أن القول بالرأي لم يختص به عمر رضي الله عنه، بل عليّ كان من أقولهم بالرأي، وكذلك أبو بكر وعثمان وزيد وابن مسعود وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون بالرأي. وكان رأي عليّ في دماء أهل القبلة ونحوه من الأمور العظائم. كما في سنن أبي داود وغيره عن الحسن، عن قيس بن عبّاد قال : قلت لعليّ : أخبرنا عن مسيرك هذا، أعهد عهده إليك رسول الله  أم رأي رأيته ؟ قال : ما عهد النبي  إليّ شيئا ولكنه رأي رأيته))(1). وهذا أمر ثابت ، ولهذا لم يرو عن عليّ رضي الله عنه في قتال الجمل وصفّين شيئا. كما رواه في قتال الخوارج. ))

وما يتمارى في كمال سيرة عمر وعلمه وعدله وفضله من له أدنى مُسكة من عقل وإنصاف، ولا يطعن على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا أحد رجلين : إما رجل منافق زنديق ملحد عدو للإسلام، يتوصل بالطعن فيهما إلى الطعن في الرسول ودين الإسلام، وهذا حال المعلِّم الأول للرافضة، أول من ابتدع الرفض، وحال أئمة الباطنية. وإما جاهل مفرط في الجهل والهوى، وهو الغالب على عامة الشيعة، إذا كانوا مسلمين في الباطن. 

وإذا قال الرافضي : عليٌّ كان معصوماً لا يقول برأيه، بل كل ما قاله فهو مثل نصّ الرسول، وهو الإمام المعصوم المنصوص على إمامته من جهة الرسول. قيل له : نظيرك في البدعة الخوارج، كلُّهم يكفّرون علياًّ، مع أنهم أعلم وأصدق وأَدْيَن من الرافضة. لا يستريب في هذا كل من عرف حال هؤلاء وهؤلاء. 

(فصــل)

قال الرافضي : (( وجعل الأمر شورى بعده، وخالف فيه من تقدَّمه ؛ فإنه لم يفوِّض الأمر فيه إلى اختيار الناس، ولا نصَّ على إمام بعده، بل تأسَّف على سالم مَوْلى أبي حذيفة، وقال : لو كان حياًّ لم يختلجني فيه شك، وأمير المؤمنين عليٌّ حاضر. 

وجمع فيمن يختار بين الفاضل والمفضول، ومن حق الفاضل التقدّم على المفضول. ثم طعن في كل واحد ممن اختاره للشورى، وأظهر أنه يكره أن يتقلَّد أمر المسلمين ميّتا كما تقلَّده حياًّ. ثم تقلَّده ميّتا بأن جعل الإمامة في ستة، ثم ناقص فجعلها في أربعة، ثم في ثلاثة، ثم في واحد، فجعل إلى عبد الرحمن بن عوف الاختيار، بعد أن وصفه بالضعف والقصور. ثم قال : إن اجتمع أمير المؤمنين وعثمان، فالقول ما قالاه. وإن صاروا ثلاثة فالقول قول الذي صار فيهم عبد الرحمن بن عوف، لعلمه أن علياًّ وعثمان لا يجتمعان على أمر واحد، وأن عبد الرحمن لا يَعْدِل الأمر عن أخيه وهو عثمان وابن عمه، ثم أمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن البيعة ثلاثة أيام، مع أنهم عندهم من العشرة المبشّرة بالجنة، وأمر بقتل من خالف الأربعة منهم، وأمر بقتل من خالف الثلاثة الذين بينهم عبد الرحمن، وكل ذلك مخالف للدين.

وقال لعليّ : وإن وليتها  وليسوا فاعلين  لتركبنَّهم على المحجّة البيضاء. وفيه إشارة إلى أنهم لا يولّونه إياها. قال لعثمان : إن وليتها لتركبنّ آل أبي معيط على رقاب الناس، وإن فعلت لتُقتلن. وفيه إشارة إلى الأمر بقتله )). 

والجـواب : أن هذا الكلام كله لا يخرج عن قسمين : إما كذب في النقل، وإما قدح في الحق، فإن منه ما هو كذب معلوم الكذب أو غير معلوم الصدق، وما عُلم أنه صدق فليس فيه ما يوجب الطعن على عمر رضي الله عنه، بل ذلك معدود من فضائله ومحاسنه التي ختم الله بها عمله. 

ولكن هؤلاء القوم لفرط جهلهم وهواهم يقلبون الحقائق في المنقول والمعقول، فيأتون إلى الأمور التي وقعت وعُلم أنها وقعت، فيقولون : ما وقعت، وإلى أمور ما كانت ويُعلم أنها ما كانت، فيقولون : كانت، ويأتون إلى الأمور التي هي خير وصلاح، فيقولون : هي فساد، وإلى الأمور التي هي فساد، فيقولون: هي خير وصلاح ؛ فليس لهم لا عقل ولا نقل، بل لهم نصيب من قوله :وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(1).

وأما قول الرافضي : ((وجعل الأمر شورى بعده وخالف فيه من تقدّمه )). 

فالجـواب : أن الخلاف نوعان : خلاف تضاد، وخلاف تنّوع.فالأول : مثل أن يوجب هذا شيئاً ويحرّمه الآخر. والنوع الثاني : مثل القراءات التي يجوز كل منها، وإن كان هذا يختار قراءة، وهذا يختار قراءة. كما ثبت في الصحاح، بل استفاض عن النبي .

وروى ابن بطّة بالإسناد الثابت من حديث الزنجي بن خالد عن إسماعيل بن أمية قال : قال رسول الله  لأبي بكر وعمر :  (( لولا أنكما تختلفان عليَّ ما خالفتكما))( ) . وكان السلف متفقين على تقديمهما حتى شيعة عليّ رضي الله عنهما. 

وروى ابن بطّة عن شيخه المعروف بأبي العباس بن مسروق، حدّثنا محمد بن حميد، حدثنا جرير، عن سفيان، عن عبد الله بن زياد بن حُدَير،قال :  ((قدم أبو إسحاق السبيعي الكوفة، قال لنا شمر بن عطية : قوموا إليه، فجلسنا إليه، فتحدّثوا، فقال أبو إسحاق : خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما، وقدمت الآن وهم يقولون ويقولون، ولا والله ما أدري ما يقولون. 

وقال : حدثنا النيسابوري، حدثنا أبو أسامة الحلبي، حدثنا أبي ضمرة، عن سعيد بن حسن، قال: سمعت ليث بن أبي سليم يقول : أدركت الشيعة الأولى وما يفضّلون عَلَى أبي بكر وعمر أحداً. 

وقال أحمد بن حنبل : ((حدَّثنا ابن عيينة، عن خالد بن سلمة، عن الشعبي، عن مسروق قال : حبُّ أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنّة. ومسروق من أجلّ تابعي الكوفة، وكذلك قال طاووس : (( حبُّ أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة )). وقد رُوى ذلك عن ابن مسعود. 

وكيف لا تقدّم الشيعة الأولى أبا بكر وعمر، وقد تواتر عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال :  (( خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ))( ) وقد روى هذا عنه من طرق كثيرة، قيل : إنها تبلغ ثمانين طريقا. 

وقد رواه البخاري عنه في صحيحه من حديث الهمدانيين الذين هم أخص الناس بعليّ حتى كان يقول : 

ولو كنت بَّوابا على باب جنَّةٍ      لقلتُ لهمدان ادخلي بسلام 

وقد رواه البخاري من حديث سفيان الثوري، وهو همداني عن منذر وهو همداني عن محمد بن الحنفية قال : قلت لأبي : يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله  ؟ فقال : يا بُنَيَّ أو ما تعرف ؟ فقلت : لا. قال : أبو بكر. فقلت : ثم من ؟ قال : عمر )) وهذا يقوله لابنه بينه وبينه، ليس هو مما يجوز أن يقوله تقيَّة ويرويه عن أبيه خاصة، وقاله على المنبر. وعنه أنه كان يقول :  (( لا أُوتى بأحد يفضِّلنى على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفترى )). 

وفي السنن عنه  أنه قال: (( اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر))( ) . 

وعمر رضي الله عنه إمام، وعليه أن يستخلف الأصلح للمسلمين، فاجتهد في ذلك ورأى أن هؤلاء الستة أحقّ من غيرهم، وهو كما رأى ؛ فإنه لم يقل أحد أن غيرهم أحقّ منهم. وَجَعَل التعيين إليهم خوفا أن يعيِّن واحدا منهم ويكون غيره أصلح لهم، فإنه ظهر له رجحان الستة دون رجحان التعيين، وقال : الأمر في التعيين إلى الستة يعيِّنون واحداً منهم. 

وهذا أحسن اجتهاد إمام عالم عادل ناصح لا هوى له رضي الله عنه. 

وأيضا فقد قال تعالى : وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم( )، وقال :  وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ( ) .فكان ما فعله من الشورى مصلحة، وكان ما فعله أبو بكر رضي الله عنه من تعيين عمر هو المصلحة أيضا ؛ فإن أبا بكر تبيَّن له من كمال عمر وفضله واستحقاقه للأمر ما لم يحتج معه إلى الشورى، وظهر أثر هذا الرأي المبارك الميمون على المسلمين. فإن كل عاقل منصف يعلم أن عثمان أو علياًّ أو طلحة أو الزبير أو سعداً أو عبد الرحمن بن عوف لا يقوم مقام عمر، فكان تعيين عمر في الاستحقاق كتعيين أبي بكر في مبايعتهم له. 

ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :  (( أفرس الناس ثلاثة : بنت صاحب مدين حيث قالت :يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ( ) ، وامرأة العزيز حيث قالت : عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً( )  وأبو بكر حيث استخلف عمر )). 

وأما عمر رضي الله عنه فرأى الأمر في الستة متقاربا، فإنهم وإن كان لبعضهم من الفضيلة ما ليس لبعض، فلذلك المفضول مزية أخرى ليست للآخر، ورأى أنه إذا عين واحدا فقد يحصل بولايته نوع من الخلل، فيكون منسوبا إليه، فترك التعيين خوفا من الله تعالى وعلم أنه ليس واحد أحق بهذا الأمر منهم فجمع بين المصلحتين بين تعيينهم إذ لا أحقّ منهم، وترك تعيين واحد منهم لما تخوفه من التقصير. 

ولا ريب أن الستة الذين تُوفى رسول الله وهو عنهم راضٍ، الذين عيّنهم عمر، لا يوجد أفضل منهم، وإن كان في كل منهم ما كرهه، فإن غيرهم يكون فيه من المكروه أعظم. ولهذا لم يتولّ بعد عثمان خير منه ولا أحسن سيرة، ولا تولّى بعد عليّ خير منه، ولا تولّى ملك من ملوك المسلمين أحسن سيرة من معاوية رضي الله عنه، كما ذكر الناس سيرته وفضائله. 

وإذا كان الواحد من هؤلاء له ذنوب، فغيرهم أعظم ذنوبا، وأقل حسنات. فهذا من الأمور التي ينبغي أن تُعرف، فإن الجاهل بمنزلة الذباب الذي لا يقع إلا على العقير ولا يقع على الصحيح. والعاقل يزن الأمور جميعا : هذا وهذا. 

وهؤلاء الرافضة من أجهل الناس، يعيبون على من يذمونه ما يُعاب أعظم منه على من يمدحونه، فإذا سُلك معهم ميزان العدل تبين أن الذي ذموه أَوْلى بالتفضيل ممن مدحوه. 

وأما ما يُروى من ذكره لسالم مولى أبي حذيفة ؛ فقد عُلم أن عمر وغيره من الصحابة كانوا يعلمون أن الإمامة في قريش، كما استفاضت بذلك السنن عن النبي  :  (( لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان )) وفي لفظ :  (( ما بقي منهم اثنان ))( ) .

وأما قول الرافضي :  (( وجمع بين الفاضل والمفضول، ومن حق الفاضل التقدّم على المفضول )). 

فيقال له : أولا : هؤلاء كانوا متقاربين في الفضيلة، ولم يكن تقدّم بعضهم على بعض ظاهراً، كتقدم أبي بكر وعمر على الباقين. ولهذا كان في الشورى تارة يُؤخذ برأي عثمان، وتارة يؤخذ برأي علي ، وتارة يؤخذ برأي عبد الرحمن. وكل منهم له فضائل لم يشركه فيها الآخر. 

ثم يقال له : ثانيا : وإذا كان فيهم فاضل ومفضول، فلم قلت : إن علياًّ هو الفاضل، وعثمان وغيره هم المفضولون ؟ وهذا قول خلاف ما أجمع عليه المهاجرون والأنصار، كما قال غير واحد من الأئمة، منهم أيوب السختياني وغيره : من قدّم علياًّ على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. 

وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال :  (( كنّا نفاضل على عهد رسول الله  : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان )). وفي لفظ :  (( ثم ندع أصحاب النبي  لا نفاضل بينهم ))( ) . 

فهذا إخبار عمّا كان عليه الصحابة على عهد النبي  من تفضيل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان. وقد رُوى أن ذلك كان يبلغ النبي  فلا ينكره. 

وحينئذ فيكون هذا التفضيل ثابتا بالنص. وإلا فيكون ثابتا بما ظهر بين المهاجرين والأنصار على عهد النبي  من غير نكير، وبما ظهر لمّا تُوفى عمر ؛ فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن عفان من غير رغبة ولا رهبة، ولم ينكر هذه الولاية منكر منهم. 

قال الإمام أحمد :  (( ولم يجتمعوا على بيعة أحد ما اجتمعوا على بيعة عثمان )) وسئل عن خلافة النبوة فقال :  (( كل بيعة كانت بالمدينة )). وهو كما قال ؛فإنهم كانوا في آخر ولاية عمر أعزّ ما كانوا وأظهر ما كانوا قبل ذلك. 

وكلهم بايع عثمان بلا رغبة بذلها ولا رهبة ؛ فإنه لم يعط أحداً على ولايته لا مالا ولا ولاية. وعبد الرحمن الذي بايعه لم يولّه ولم يعطه مالا. وكان عبد الرحمن من أبعد الناس عن الأغراض، مع أن عبد الرحمن شاور جميع الناس، ولم يكن لبني أمية شوكة، ولا كان في الشورى منهم أحد غير عثمان. 

مع أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا كما وصفهم الله عز وجل : يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَومَةَ لاَئم(1). وقد بايعوا النبي  على أن يقولوا الحق حيثما كانوا، لا يخافون في الله لومة لائم، ولم ينكر أحد منهم ولاية عثمان، بل كان في الذين بايعوه عمّار بن ياسر وصهيب وأبو ذر وخبّاب والمقداد بن الأسود وابن مسعود. وقال ابن مسعود : ولّينا أعلانا ذا فوق ولم نألُ. 

وفيهم العباس بن عبد المطلب، وفيهم من النقباء مثل عبادة بن الصامت وأمثاله، وفيهم مثل أبي أيوب الأنصاري وأمثاله. 

فلولا علم القوم أن عثمان أحقهم بالولاية لما ولّوه. وهذا أمر كلما تدبّره الخبير ازداد به خبرة وعلما، ولا يشك فيه إلا من لم يتدبره من أهل العلم بالاستدلال، أو من هو جاهل بالواقع أو بطريق النظر والاستدلال. 

وأما قول الرافضي :  (( إنه طعن في كل واحد ممن اختاره للشورى، وأظهر أنه يكره أن يتقلّد أمر المسلمين ميّتا كما تقلّده حياّ، ثم تقلّده بأن جعل الإمامة في ستة )). 

فالجـواب :أن عمر لم يطعن فيهم طعن من يجعل غيرهم أحق بالإمامة منهم، بل لم يكن عنده أحق بالإمامة منهم، كما نصّ على ذلك. لكن بيَّن عذره المانع له من تعيين واحد منهم، وكره أن يتقلّد ولاية معيّن، ولم يكره أن يتقلد تعيين الستة، لأنه قد علم أنه لا أحداً أحق بالأمر منهم، فالذي علمه وعلم أن الله يثيبه عليه ولا تبعة عليه فيه إن تقلّده هو اختيار الستة، والذي خاف أن يكون عليه فيه تبعة، وهو تعيين واحد منهم، تركه. 

وهذا من كمال عقله ودينه رضي الله عنه. ليس كراهته لتقلّده ميّتا كما تقلّده حيّا لطعنه في تقلّده حيا؛ فإنه إنما تقلّد الأمر حيّا باختياره، وبأن تقلده كان خيرا له وللأمة، وإن كان خائفا من تبعة الحساب. 

وأما قوله :  (( ثم ناقض فجعلها في أربعة، ثم في ثلاثة، ثم في واحد، فجعل إلى عبد الرحمن بن عوف الاختيار، بعد أن وصف بالضعف والقصور )). 

فالجـواب : أولا: أنه ينبغي لمن احتجّ بالمنقول أن يثبته أولا. وإذا قال القائل : هذا غير معلوم الصحة، لم يكن عليه حجة. والنقل الثابت في صحيح البخاري وغيره ليس فيه شيء من هذا، بل هو يدل على نقيض هذا، وأن الستة هم الذين جعلوا الأمر في ثلاثة، ثم الثلاثة جعلوا الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف واحد منهم، ليس لعمر في ذلك أمر. 

وفي الحديث الثابت عن عمرو بن ميمون أن عمر بن الخطاب لما طُعن قال :  (( إن الناس يقولون : استخلف، وإن الأمر إلى هؤلاء الستة الذين توفى رسول الله  وهو عنهم راضٍ : عليّ وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالك، ويشهدهم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء، فإن أصابت الخلافة سعداً،وإلا فليستعن به من وُلِّىَ، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة)).ثم قال: (( أوصى الخليفة من بعدي بتقوى الله تعالى، وأوصيه بالمهاجرين الأوّلين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم : أن يعرف لهم حقّهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار الذين تبوّأوا الدار والإيمان من قبلهم : أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام، وغيظ العدو، وجباة الأموال، لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضا منهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام : أن يؤخذ منهم من حواشى أموالهم فترد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله ورسوله أن يوفّى لهم بعهدهم، ويقاتل من وراءهم، ولا يُكلَّفوا إلا طاقتهم ))(1).

وأما قوله : ثم قال : إن اجتمع علي و عثمان فالقول ما قالاه ، وإن صاروا ثلاثة ، فالقول قول الذين صار فيهم عبد الرحمن ، لعلمه أن عليا ًُ وعثمان لايجتمعان على أمر ، و أن عبد الرحمن لا يعدل بالأمر عن أخيه عثمان وابن عمه )) .

فيقال له : من الذي قال إن عمر قال ذلك ؟ وإن كان قد قال ذلك فلا يجوز أن يُظَنَّ به أنه كان غرضه ولاية عثمان محاباة له، ومنع عليّ معاداة له، فإنه لو كان قصده هذا لولّى عثمان ابتداء، ولم ينتطح فيها عنزان. كيف والذين عاشوا بعده قدّموا عثمان بدون تعيين عمر له ؟ فلو كان عمر عيّنه، لكانوا أعظم متابعة له وطاعة، سواء كانوا كما يقوله المؤمنون : أهل دين وخير وعدل، أو كانوا كما يقوله المنافقون الطاعنون فيهم : إن مقصودهم الظلم والشر. لا سيما وعمر كان في حال الحياة لا يخاف أحدا، والرافضة تسمّيه : فرعون هذه الأمة. فإذا كان في حياته لم يخف من تقديم أبي بكر، والأمر في أوله، والنفوس لم تتوطن على طاعة أحد معيّن بعد النبي ، ولا صار لعمر أمر، فكيف يخاف من تقديم عثمان عند موته والناس كلهم مطيعوه، وقد تمرّنوا على طاعته ؟ 

فعُلم أنه لو كان له غرض في تقديم عثمان لقدّمه، ولم يحتج إلى هذه الدورة البعيدة. ثم أي غرض يكون لعمر رضي الله عنه في عثمان دون عليّ؟ وليس بينه وبين عثمان من أسباب الصلة أكثر مما بينه وبين عليّ، لا من جهة القبيلة، ولا من غير جهة القبيلة. 

وكذلك قول القائل : إنه عَلِم أن علياًّ وعثمان لا يجتمعان عَلَى أمر، كذب عَلَى عمر رضي الله عنه. ولم يكن بين عثمان وعليّ نزاع في حياة عمر أصلا، بل كان أحدهما أقرب إلى صاحبه من سائر الأربعة إليهما، كلاهما من بني عبد مناف. وما زال بنو عبد مناف يدا واحدة.

وقوله:  (( إن عمر علم أن عبد الرحمن لا يعدل الأمر عن أخيه وان عمه)). فهذا كذب بين على عمر وعلى أنسابهم ؛ فإن عبد الرحمن ليس أخاً لعثمان ولا ابن عمه ولا من قبيلته أصلا، بل هذا من بني زهرة وهذا من بني أمية. وبنو زهرة إلى بني هاشم أكثر ميلا منهم إلى بني أمية، فإن بني زهرة أخوال النبي ، ومنهم عبد الرحمن بن عوف،وسعد بن أبي وقاص الذي قال له النبي  :  (( هذا خالي، فليرنى امرؤ خاله ))(1).

ولم يكن أيضا بين عثمان وعبد الرحمن مؤاخاة ولا مخالطة ؛ فإن النبي  لم يؤاخ بين مهاجري ومهاجري، ولا بين أنصاري وأنصاري، وإنما آخى بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وحديثه مشهور ثابت في الصحاح وغيرها، يعرفه أهل العلم بذلك، ولم يؤاخ بين عثمان وعبد الرحمن. 

وأما قوله :  (( ثم أمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن البيعة ثلاثة أيام)).

فيقال : أولا: من قال إن هذا صحيح ؟ وأين النقل الثابت بهذا ؟ وإنما المعروف أنه أمر الأنصار أن لا يفارقوهم حتى يبايعوا واحدا منهم. 

ثم يقال : ثانيا: هذا من الكذب على عمر، ولم يَنْقُل هذا أحدٌ من أهل العلم بإسناد يعرف، ولا أمر عمر قط بقتل الستة الذين يعلم أنهم خيار الأمة. وكيف يأمر بقتلهم، وإذا قُتلوا كان الأمر بعد قتلهم أشد فسادا ؟ ثم لو أمر بقتلهم لقال ولُّوا بعد قتلهم فلاناً وفلاناً، فكيف يأمر بقتل المستحقِّين للأمر، ولا يولِّي بعدهم أحداً ؟ 

فهذا من اختلاق مفترٍ لا يدري ما يكتب لا شرعا ولا عادة. 

ثم من العجب أن الرافضة يزعمون أن الذين أمر عمر بقتلهم، بتقدير صحة هذا النقل، يستحقِّون القتل إلا علياًّ. فإن عمر أمر بقتلهم، فلماذا ينكرون عليه ذلك، ثم يقولون : إنه كان يحابيهم في الولاية ويأمر بقتلهم ؟ فهذا جمع بين الضدين. 

وإن قلتم : كان مقصوده قتل عليّ. 

قيل : لو بايعوا إلا علياًّ لم يكن ذلك يضر الولاية، فإنما يقتل من يخاف. وقد تخلَّف سعد بن عبادة عن بيعة أبي بكر، ولم يضربوه ولم يحبسوه، فضلا عن القتل. 

وكذلك من يقول : إن علياًّ وبني هاشم تخلّفوا عن بيعة أبي بكر ستة أشهر، يقول : إنهم لم يضربوا أحدا منهم، ولا أكرهوه على البيعة. فإذا لم يكره أحد عَلَى مبايعة أبي بكر، التي هي عنده متعيّنة، فكيف يأمر بقتل الناس على مبايعة عثمان، وهي عنده غير متعيّنة ؟ وأبو بكر وعمر مدة خلافتهما ما زالا مكرِّمين غاية الإكرام لعليّ وسائر بني هاشم يقدِّمونهم على سائر الناس، ويقول أبو بكر : أيها الناس ارقبوا محمداً في أهل بيته. وأبو بكر يذهب وحده إلى بيت عليّ، وعنده بنو هاشم، فيذكر لهم فضلهم، ويذكرون له فضله، ويعترفون له باستحقاقه الخلافة، ويعتذرون من التأخر، ويبايعونه وهو عندهم وحده. 

والآثار المتواترة بما كان بين القوم من المحبة والائتلاف توجب كذب من نقل ما يخالف ذلك. ولو أراد أبو بكر وعمر في ولايتهما إيذاء عليّ بطريق من الطرق، لكانا أقدر عَلَى ذلك من صرف الأمر عنه بعد موت النبي . 

فهؤلاء المفترون يزعمون أنهم ظلموه في حال كان فيها أقدر على دفع الظلم عن نفسه، ومنعهما من ظلمه، وكانا أعجز عن ظلمه لو أراد ذلك، فهلاَّ ظلماه بعد قوّتهما ومطاوعة الناس لهما إن كانا مريدَيْن لظلمه ؟ 

وكذلك قوله :  (( أمر بقتل من خالف الأربعة وأمر بقتل من خالف الثلاثة، منهم عبد الرحمن )). 

فيقال : هذا من الكذب المفتَرَى. ولو قدِّر أنه فعل ذلك لم يكن عمر قد خالف الدين، بل يكون قد أمر بقتل من يقصد الفتنة. كما قال النبي  :  (( من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرِّق جماعتكم، فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان ))(1). 

والمعروف عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقتل من أراد أن ينفرد عن المسلمين ببيعة بلا مشاورة لأجل هذا الحديث. 

وأما قتل الواحد المتخلف عن البيعة إذا لم تقم فتنة، فلم يأمر عمر بقتل مثل هذا، ولا يجوز قتل مثل هذا. 

وكذلك ما ذكره من الإشارة إلى قتل عثمان، ومن الإشارة إلى ترك ولاية عليّ، كذب بيِّن على عمر. فإن قوله :  (( لئن فعلت ليقتلنك الناس )) إخبار عما يفعله الناس، ليس فيه أمر لهم بذلك. 

وكذلك قوله :  (( لا يولّونه إياها )). 

إخبار عمّا سيقع، ليس فيه نهي لهم عن الولاية. مع أن هذا اللفظ بهذا السياق ليس بثابت عن عمر. بل هو كذب عليه. والله تعالى أعلم. 

( فصــل )

قال الرافضي :  (( وأما عثمان فإنه ولَّى أمور المسلمين من لا يصلح للولاية، حتى ظهر من بعضهم الفسوق، ومن بعضهم الخيانة، وقسَّم الولايات بين أقاربه، وعُوتب على ذلك مراراً فلم يرجع، واستعمل الوليد بن عقبة، حتى ظهر منه شرب الخمر، وصلّى بالناس وهو سكران، واستعمل سعيد بن العاص على الكوفة، وظهر منه ما أدّى إلى أن أخرجه أهل الكوفة منها. وولَّى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر حتى تظلَّم منه أهلها، وكاتبه أن يستمر على ولايته سراًّ، خلاف ما كتب إليه جهراً، وأمر بقتل محمد بن أبي بكر. وولَّى معاوية الشام، فأحدث من الفتن ما أحدث. وولَّى عبد الله بن عامر البصرة ففعل من المناكير ما فعل. وولَّى مروان أمره، وألقى إليه مقاليد أموره، ودفع إليه خاتمه، فحدث من ذلك قتل عثمان، وحدث من الفتنة بين الأمة ما حدث. وكان يُؤثر أهله بالأموال الكثيرة من بيت المال، حتى إنه دفع إلى أربعة نفر من قريش  زوَّجهم بناته  أربعمائة ألف دينار، ودفع إلى مروان ألف ألف دينار. وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفّره، ولما حَكَم ضربه حتى مات. وضرب عمّاراً حتى صار به فتق. وقد قال فيه النبي  : عمار جلدة بين عينى تقتله الفئة الباغية، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة. وكان عمَّار يطعن عليه. وطرد رسول الله  الحكم بن أبي العاص عم عثمان عن المدينة، ومعه ابنه مروان، فلم يزل هو وابنه- طريداً في زمن النبي  وأبي بكر وعمر. فلما وَلِيَ عثمان آواه وردّه إلى المدينة، وجعل مروان كاتبه وصاحب تدبيره. مع أن الله تعالى قال :  لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ باللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ(1) ونفى أبا ذر إلى الرَّبذَة، وضربه ضربا وجيعا، مع أن النبي  قال في حقه : ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. وقال : إن الله أوحى إليَّ أنه يحب أربعة من أصحابي وأمرني بحبهم. فقيل من هم يا رسول الله ؟ قال سيدهم عليّ وسلمان والمقداد وأبو ذر. وضيّع حدود الله فلم يقتل عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان مولى أمير المؤمنين بعد إسلامه، وكان أمير المؤمنين يطلب عبيد الله لإقامة القصاص عليه، فلحق بمعاوية. وأراد أن يعطِّل حد الشرب في الوليد بن عقبة حتى حدّه أمير المؤمنين، وقال : لا يبطل حد الله وأنا حاضر. وزاد الأذان الثاني يوم الجمعة، وهو بدعة، وصار سنة إلى الآن. وخالفه المسلمون كلهم حتى قُتل، وعابوا أفعاله، وقالوا له : غبتَ عن بدر، وهربت يوم أحد، ولم تشهد بيعة الرضوان. والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى )). 

والجـواب : أن يقال : نُوَّاب عليّ خانوه وعصوه أكثر مما خان عمّال عثمان له وعصوه. وقد صنَّف الناس كتبا فيمن ولاَّه عليٌّ فاخذ المال وخانه، وفيمن تركه وذهب إلى معاوية. وقد ولَّى عليٌّ رضي الله عنه زياد بن أبي سفيان أبا عبيد الله بن زياد قاتل الحسين، وولَّى الأشتر النخعى، وولَّى محمد بن أبي بكر وأمثال هؤلاء. 

ولا يشك عاقل أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان خيراً من هؤلاء كلهم. ومن العجب أن الشيعة ينكرون عَلَى عثمان ما يدَّعون أن علياًّ كان أبلغ فيه من عثمان. فيقولون : إن عثمان ولَّى أقاربه من بني أمية. ومعلوم أن علياًّ ولَّى أقاربه من قِبَل أبيه وأمه، كعبد الله وعبيد الله ابني العبّاس. فولَّى عبيد الله بن عباس على اليمن، وولَّى على مكة والطائف قثم بن العباس. وأما المدينة فقيل إنه ولَّى عليها سهل بن حُنَيْف. وقيل : ثمامة بن العباس. وأما البصرة فولَّى عليها عبد الله بن عباس. وولَّى على مصر ربيبه محمد بن أبي بكر الذي ربَّاه في حجره. 

ثم إن الإِمامة تدَّعى أن علياًّ نص على أولاده في الخلافة، أو عَلَى ولده، وولد عَلَى ولده الآخر، وهَلُمَّ جراًّ. 

ومن المعلوم أنه إن كان تولية الأقربين منكرا، فتولية الخلافة العظمى أعظم من إمارة بعض الأعمال، وتولية الأولاد أقرب إلى الإنكار من تولية بني العم. ولهذا كان الوكيل والولي الذي لا يشترى لنفسه لا يشترى لابنه أيضا في أحد قولَىْ العلماء، والذي دفع إليه المال ليعطيه لمن يشاء لا يأخذه لنفسه ولا يعطيه لولده في أحد قوليهم. 

وكذلك تنازعوا في الخلافة : هل للخليفة أن يوصى بها لولده ؟ على قولين. والشهادة لابنه مردودة عند أكثر العلماء. ولا ترد الشهادة لبني عمه. وهكذا غير ذلك من الأحكام. 

وذلك أن النبي  قال: (( أنت ومالك لأبيك ))(1). وقال :  (( ليس لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما وهبه لولده ))(2). 

فإن قالوا : إن علياًّ رضي الله عنه فعل ذلك بالنص. 

قيل: أولا: نحن نعتقد أن علياًّ خليفة راشد، وكذلك عثمان. لكن قبل أن نعلم حجة كل منهما فيما فعل، فلا ريب أن تطرّق الظنون والتهم إلى ما فعله عليّ أعظم من تطرّق التهم والظنون إلى ما فعله عثمان. 

وإذا قال لقائل : لعليّ حجة فيما فعله . 

قيل له : وحجة عثمان فيما فعله أعظم. وإذا ادُّعِيَ لعليّ العصمة ونحوها مما يقطع عنه ألسنة الطاعنين، كان ما يدَّعى لعثمان من الاجتهاد الذي يقطع ألسنة الطاعنين أقرب إلى المعقول والمنقول. 

فإن الرافضي يجيء إلى أشخاص ظهر بصريح المعقول وصحيح المنقول بأن بعضهم أكمل سيرة من بعض، فيجعل الفاضل مذموماً مستحقاً للقدح، ويجعل المفضول معصوماً مستحقاً للمدح، كما فعلت النصارى : يجيئون إلى الأنبياء صلوات الله عليهم، وقد فضَّل الله بعضهم على بعض، فيجعلون المفضول إلها والفاضل منقوصا دون الحواريين الذين صحبوا المسيح، فيكون ذلك قلبا للحقائق. وأعجب من ذلك أنهم يجعلون الحواريين الذين ليسوا أنبياء معصومين عن الخطأ، ويقدحون في بعض الأنبياء كسليمان وغيره. 

ومعلوم أن إبراهيم ومحمداً أفضل من نفس المسيح صلوات الله وسلامه عليهم بالدلائل الكثيرة، بل وكذلك موسى. فكيف يُجعل الذين صحبوا المسيح أفضل من إبراهيم ومحمد ؟ 

وهذا من الجهل والغلو الذي نهاهم الله عنه. قال تعالى :  يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ(1) 

 وكذلك الرافضة موصوفون بالغلو عند الأمة، فإن فيهم من ادّعى الإلهية في عليّ. وهؤلاء شرٌّ من النصارى، وفيهم من ادّعى النبوة فيه. ومن أثبت نبياًّ بعد محمد فهو شبيه بأتباع مسيلمة الكذاب وأمثاله من المتنبئين، إلا أن علياًّ رضي الله عنه بريء من هذه الدعوة، بخلاف من ادّعى النبوة لنفسه كمسيلمة وأمثاله. 

وهؤلاء الإمامية يدَّعون ثبوت إمامته بالنص، وأنه كان معصوماً هو وكثير من ذريته، وأن القوم ظلموه وغصبوه. 

ودعوى العصمة تضاهى المشاركة في النبوة. فإن المعصوم يجب اتّباعه في كل ما يقول، لا يجوز أن يخالف في شيء. وهذه خاصة الأنبياء. ولهذا أمرنا أن نؤمن بما أنزل إليهم فقال تعالى :  قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ( ) ، فأمرنا أن نقول : آمنا بما أوتي النبيون. 

فالإيمان بما جاء به النبيون مما أمرنا أن نقوله ونؤمن به. وهذا مما اتفق عليه المسلمون : أنه يجب الإيمان بكل نبي، ومن كفر بنبي واحد فهو كافر، ومن سبّه وجب قتله باتفاق العلماء. 

وليس كذلك من سوى الأنبياء، سواء سمُّوا أولياء أو أئمة أو حكماء أو علماء أو غير ذلك. فمن جعل بعد الرسول معصوما يجب الإيمان بكل ما يقوله فقد أعطاه معنى النبوة، وإن لم يعطه لفظها. 

ويقال لهذا : ما الفرق بين هذا وبين أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا مأمورين باتّباع شريعة التوراة ؟

ومعلوم أن كل هذه الأقوال مخالفة لدين الإسلام : للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها. فإن الله تعالى يقول :  وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأَوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ( ) ، فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول، فمن أثبت شخصا معصوما غير الرسول، أوجب ردّ ما تنازعوا فيه إليه، لأنه لا يقول عنده إلا الحق كالرسول. وهذا خلاف القرآن. 

وأيضا فإن المعصوم تجب طاعته مطلقاً بلا قيد، ومخالفه يستحق الوعيد. والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة. قال تعالى :  وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُول فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا( ) . وقال : وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً( ) فدل القرآن في غير موضع على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر. 

ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد، وإن قدِّر أنه أطاع من ظنّ أنه معصوم، فالرسول  هو الذي فرّق الله به بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الأبرار والفجّار، وبين الحق والباطل، وبين الغيّ والرشاد، والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسم الله به عباده إلى شقيّ وسعيد، فمن اتّبعه فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقيّ. وليست هذه المرتبة لغيره.

ولهذا اتفق أهل العلم  أهل الكتاب والسنة  على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويُترك، إلا رسول الله ، فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل أمر، فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وهو الذي يُسأل الناس عنه يوم القيامة كما قال تعالى : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ( ) . 

وهو الذي يمتحن به الناس في قبورهم، فيُقال لأحدهم : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ ويُقال : ما تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم ؟ فيثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول : هو عبد الله ورسوله، جاءنا بالبيِّنات والهدى فآمنّا به واتّبعناه. ولو ذكر بدل الرسول من ذكره من الصحابة والأئمة والتابعين والعلماء لم ينفعه ذلك، ولا يُمتحن في قبره بشخص غير الرسول. 

والمقصود هنا أن ما يُعتذر به عن عليّ فيما أُنكر عليه يُعتذر بأقوى منه عن عثمان، فإن عليًّا قاتل على الولاية، وقُتل بسبب ذلك خلقٌ كثير عظيم، ولم يحصل في ولايته لا قتال للكفار، ولا فتح لبلادهم، ولا كان المسلمون في زيادة خير، وقد ولَّى من أقاربه من ولاّه، فولاية الأقارب مشتركة، ونوَّاب عثمان كانوا أطوع من نوَّاب عليّ وأبعد عن الشر. 

وأما الأموال التي تأوَّل فيها عثمان، فكما تأوّل عليّ في الدماء. وأمر الدماء أخطر وأعظم. 

ويقال : ثانيا: هذا النصّ الذي تدّعونه، أنتم فيه مختلفون اختلافا يُوجب العلم الضروري بأنه ليس عندكم ما يُعتمد عليه فيه، بل كل قوم منكم يفترون ما شاءوا. 

وأيضا فجماهير المسلمين يقولون : إنّا نعلم علماً يقينا، بل ضروريا، كذب هذا النصّ، بطرق كثيرة مبسوطة في مواضعها. 

ويقال : ثالثا: إذا كان كذلك ظهرت حجة عثمان ؛ فإن عثمان يقول : إن بني أمية كان رسول الله  يستعملهم في حياته، واستعملهم بعده من لا يُتهم بقرابة : فيهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وعمر رضي الله عنه ، ولا نعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمّال لرسول الله  أكثر من بني عبد شمس، لأنهم كانوا كثيرين، وكان فيهم شرف وسؤدد، فاستعمل النبي  في عزّة الإسلام عَلَى أفضل الأرض مكّة عتّاب بن أثسيد بن أبي العيص بن أمية، واستعمل عَلَى نجران أبا سفيان بن حرب بن أمية، واستعمل أيضا خالد بن سعيد بن العاص على صدقات بني مذحج وعلى صنعاء اليمن، فلم يزل عليها حتى مات رسول الله ، واستعمل عثمان بن سعيد بن العاص على تيماء وخيبر وقرى عُرَيْنة، واستعمل أبان بن سعيد بن العاص على بعض السرايا، ثم استعمله على البحرين فلم يزل عليها بعد العلاء بن الحضرمي حتى تُوفى النبي  ، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط حتى أنزل الله فيه : إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ(1).

فيقول عثمان : أنا لم استعمل إلا من استعمله النبي  منهم ومن جنسهم ومن قبيلتهم، وكذلك أبو بكر وعمر بعده، فقد ولَّى أبو بكر يزيد بن أبي سفيان بن حرب في فتوح الشام، وأقرَّه عمر، ثم ولَّى عمر بعد أخاه معاوية. 

وهذا النقل عن النبي  في استعمال هؤلاء ثابت مشهور عنه، بل متواتر عند أهل العلم. ومنه متواتر عند علماء الحديث، ومنه ما يعرفه العلماء منهم، ولا ينكره أحد منهم. 

(فصــل)

والقاعدة الكلية في هذا أن لا نعتقد أن أحداً معصوم بعد النبي ، بل الخلفاء وغير الخلفاء يجوز عليهم الخطأ، والذنوب التي تقع منهم قد يتوبون منها، وقد تُكَفَّر عنهم بحسناتهم الكثيرة، وقد يبتلون أيضا بمصائب يكفّر الله عنهم بها، وقد يكفّر عنهم بغير ذلك. 

فكل ما يُنقل عن عثمان غايته أن يكون ذنباً أو خطأً. وعثمان رضي الله عنه قد حصلت له أسباب المغفرة من وجوه كثيرة، منها سابقته وإيمانه وجهاده وغير ذلك من طاعاته. 

وقد ثبت أن النبي  شهد له، بل بشَّره بالجنة على بلوى تصيبه. 

ومنها أنه تاب من عامة ما أنكره عليه، وأنه ابتُلى ببلاء عظيم، فكفّر الله به خطاياه، وصبر حتى قُتل شهيداً مظلوما. وهذا من أعظم ما يكفِّر الله به الخطايا. 

وكذلك عليّ رضي الله عنه : ما تنكره الخوارج وغيرهم علي غايته أن يكون ذنباً أو خطأً، وكان قد حصلت له أسباب المغفرة من وجوه كثيرة. منها سابقته وإيمانه وجهاده، وغير ذلك من طاعته، وشهادة النبي  له بالجنة. ومنها أنه تاب من أمور كثيرة أُنكرت عليه وندم عليها، ومنها أنه قتل مظلوما شهيدا. 

فهذه القاعدة تغنينا أن نجعل كل ما فعل واحد منهم هو الواجب أو المستحب من غير حاجة بنا إلى ذلك. 

وحينئذ فقول الرافضي : إن عثمان ولَّى من لا يصلح للولاية. إما أن يكون هذا باطلا، ولم يولّ إلا من يصلح. وإما أن يكون ولَّى من لا يصلح في نفس الأمر، لكنه كان مجتهدا في ذلك، فظن أنه كان يصلح وأخطأ ظنه، وهذا لا يقدح فيه. 

وهذا الوليد بن عقبة الذي أُنكر عليه ولايته قد اشتهر في التفسير والحديث والسِّيَر أن النبي  ولاَّه على صدقات ناسٍ من العرب فلما قرب منهم خرجوا إليه، فظن أنهم  يحاربونه، فأرسل إلى النبي  يذكر محاربتهم له، فأراد النبي  أن يرسل إليهم جيشا، فأنزل الله تعالى :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(1). 

فإذا كان حال هذا خَفِيَ على النبي ، فكيف لا يخفى على عثمان ؟! 

وإذا قيل : إن عثمان ولاّه بعد ذلك. 

فيقال : باب التوبة مفتوح. وقد كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح ارتد عن الإسلام، ثم جاء تائبا، وقَبِل النبي  إسلامه وتوبته بعد أن كان أهدر دمه. 

وعليّ رضي الله عنه تبين له من عمَّاله ما لم يكن يظنه فيهم. فهذا لا يقدح في عثمان ولا غيره. وغاية ما يُقال : إن عثمان ولَّى من يعلم أن غيره أصلح منه، وهذا من موارد الاجتهاد. 

أو يقال : إن محبته لأقاربه ميَّلته إليهم، حتى صار يظنهم أحق من غيرهم، أو أن ما فعله كان ذنبا، وقد تقدّم أن ذنبه لا يُعاقب عليه في الآخرة. 

وقوله : حتى ظهر من بعضهم الفسق، ومن بعضهم الخيانة. 

فيقال : ظهور ذلك بعد الولاية لا يدل على كونه كان ثابتا حين الولاية، ولا على أن المولِّي علم ذلك. وعثمان رضي الله عنه لما علم أن الوليد بن عقبة شرب الخمر طلبه وأقام عليه الحد. وكان يعزل من يراه مستحقا للعزل، ويقيم الحدّ على من يراه مستحقاً لإقامة الحد عليه.

وأما قوله : وقسَّم المال بين أقاربه. 

فهذا غايته أن يكون ذنباً لا يُعاقب عليه في الآخرة، فكيف إذا كان من موارد الاجتهاد ؟ 

وبالجملة فعامّة من تولى الأمر بعد عمر كان يخصّ بعض أقاربه : إما بولاية، وإما بمالٍ. وعليّ ولّى أقاربه أيضا. 

وأما قوله : استعمل الوليد بن عقبة حتى ظهر منه شرب الخمر،وصلّى بالناس وهو سكران. 

فيقال : لا جرم طَلَبَه وأقام عليه الحد بمشهد من عليّ بن أبي طالب، وقال لعليّ : قم فاضربه. فأمر عليّ الحسن بضربه، فامتنع. وقال لعبد الله بن جعفر : قم فاضربه، فضربه أربعين . ثم قال : أمسك، ضرب رسول الله  أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة، وهذا أحبّ إليّ. رواه مسلم وغيره(1). 

فإذا أقام الحد برأي عليّ وأمره، فقد فعل الواجب. 

وكذلك قوله : إنه استعمل سعيد بن العاص على الكوفة، وظهر منه ما أدَّى إلى أن أخرجه أهل الكوفة منها. 

فيقال : مجرد إخراج أهل الكوفة لا يدل على ذنب يوجب ذاك، فإن القوم كانوا يقومون عل كل والٍ. قد أقاموا على سعد بن أبي وقاص، وهو الذي فتح البلاد، وكسر جنود كسرى، وهو أحد أهل الشورى، ولم يتول عليهم نائب مثله. وقد شكوا غيره مثل عمَّار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم. ودعا عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : اللهم إنهم قد لبَّسوا عليَّ فلبِّس عليهم. 

وإذا قدِّر أنه أذنب ذنباً، فمجرد ذلك لا يوجب أن يكون عثمان راضياً بذنبه، ونوّاب عليّ قد أذنبوا ذنوباً كثيرة. بل كان غير واحدٍ من نوّاب النبي  يذنبون ذنوباً كثيرة، وإنما يكون الإمام مذنبا إذا ترك ما يجب عليه من إقامة حد، أو استيفاء حق، أو اعتداء ونحو ذلك. 

وإذا قُدِّر أن هناك ذنباً، فقد عُلم الكلام فيه. 

وأما قوله : وولَّى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر حتى تظلَّم منه أهلها، وكاتبه أن يستمر على ولايته سراًّ، خلاف ما كتب إليه جهرا.

والجـواب : أن هذا كذب عَلَى عثمان وقد حلف عثمان أنه لم يكتب شيئا من ذلك، وهو الصادق البارّ بلا يمين، وغاية ما قيل : إن مروان كتب بغير علمه، وأنهم طلبوا أن يسلِّم إليهم مروان ليقتلوه، فامتنع. فإن كان قَتْلُ مروان لا يجوز، فقد فعل الواجب، وإن كان يجوز ولا يجب، فقد فعل الجائز، وإن كان قتله واجباً، فذاك من موارد الاجتهاد ؛ فإنه لم يثبت لمروان ذنب يُوجب قتله شرعا، فإن مجرد التزوير لا يوجب القتل. وبتقدير أن يكون تَرَكَ الواجب فقد قدَّمنا الجواب العام. 

وأما قوله : أمر بقتل محمد بن أبي بكر. 

فهذا من الكذب المعلوم عَلَى عثمان. وكل ذي علم بحال عثمان وإنصاف له، يعلم أنه لم يكن ممن يأمر بقتل محمد بن أبي بكر ولا أمثاله، ولا عرف منه قط  أنه قتل أحداً من هذا الضرب، وقد سعوا في قتله، ودخل عليه محمد فيمن دخل، وهو لا يأمر بقتالهم دفعاً عن نفسه، فكيف يبتدئ بقتل معصوم الدم ؟ 

وإن ثبت أن عثمان أمر بقتل محمد بن أبي بكر، لم يُطعن على عثمان. بل عثمان إن كان أمر بقتل محمد بن أبي بكر أَوْلى بالطاعة ممن طلب قتل مروان، لأن عثمان إمام هُدى، وخليفة راشد، يجب عليه سياسة رعيته، وقتل من لا يُدفع شرّه إلا بالقتل. وأما الذين طلبوا قتل مروان فقوم خوارج مفسدون في الأرض، ليس لهم قتل أحدٍ، ولا إقامة حد. وغايتهم أن يكونوا ظُلموا في بعض الأمور، وليس لكل مظلوم أن يقتل بيده كل من ظلمه، بل ولا يقيم الحد. 

وليس مروان أَوْلى بالفتنة والشر من محمد بن أبي بكر، ولا هو أشهر بالعلم والدين منه. بل أخرج أهل الصحاح عدة أحاديث عن مروان، وله قول مع أهل الفتيا، واختُلف في صحبته. 

وأما قوله :  (( ولّى معاوية الشام، فأحدث من الفتن ما أحدثه )). 

فالجـواب : أن معاوية إنما ولاّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لما مات أخوه يزيد بن أبي سفيان ولاّه عمر مكان أخيه. واستمر في ولاية عثمان، وزاده عثمان في الولاية. وكانت سيرة معاوية مع رعيته من خيار سير الولاة، وكانت رعيته يحبونه. 

وقد ثبت في الصحيح عن النبي  أنه قال :  (( خيار أئمتكم الذين تحبّونهم ويحبونكم، وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم ))(1).

وإنما ظهر الأحداث من معاوية في الفتنة لما قُتل عثمان، ولما قُتل عثمان كانت الفتنة شاملة لأكثر الناس، لم يختص بها معاوية، بل كان معاوية أطلب للسلامة من كثيرٍ منهم، وأبعد عن الشر من كثير منهم. 

ومعاوية كان خيرا من الأشتر النخعي، ومن محمد بن أبي بكر، ومن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، ومن أبي الأعور السلمي، ومن هاشم بن هاشم بن هاشم المرقال، ومن الأشعث بن قيس الكندي، ومن بُسر بن أبي أرطأة، وغير هؤلاء من الذين كانوا معه ومع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما. 

وأما قوله :  (( وولَّى عبد الله بن عامر البصرة، ففعل من المناكير ما فعل )). 

فالجـواب : إن قتل عثمان والفتنة لم يكن سببها مروان وحده، بل اجتمعت أمور متعددة، من جملتها أمور تُنكر من مروان. وعثمان رضي الله عنه كان قد كَبُر، وكانوا يفعلون أشياء لا يُعلمونه بها، فلم يكن آمراً لهم بالأمور التي أنكرتموها عليه، بل كان يأمر بإبعادهم وعزلهم، فتارة يفعل ذلك، وتارة لا يفعل ذلك. وقد تقدم الجواب العام. 

ولما قدم المفسدون الذين أرادوا قتل عثمان، وشكوا أمورا، أزالها كلها عثمان، حتى أنه أجابهم إلى عزل من يريدون عزله، وإلى أن مفاتيح بيت المال تعطى لمن يرتضونه، وأنه لا يعطى أحداً من المال إلا بمشورة الصحابة ورضاهم، ولم يَبْقَ لهم طلب. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها:(( مصصتموه كما يُمص الثوب، ثم عمدتم إليه فقتلتموه )). 

وقد قيل : إنه زُوِّر عليه كتابٌ بقتلهم، وأنهم أخذوه في الطريق، فأنكر عثمان الكتاب، وهو الصادق. وأنهم اتهموا به مروان، وطلبوا تسليمه إليهم، فلم يسلّمه. 

وهذا بتقدير أن يكون صحيحا، لا يبيح شيئا مما فعلوه بعثمان. وغايته أن يكون مروان قد أذنب في إرادته قتلهم، ولكن لم يتم غرضه. ومن سعى في قتل إنسان ولم يقتله، لم يجب قتله. فما كان يجب قتل مروان بمثل هذا. نعم ينبغي الاحتراز ممن يفعل مثل هذا، وتأخيره وتأديبه. ونحو ذلك. أما الدم فأمر عظيم. 

وأما قوله :  (( وكان يؤثر أهله بالأموال الكثيرة من بيت المال، حتى أنه دفع إلى أربعة نفر من قريش، زوَّجهم بناته، أربعمائة ألف دينار، ودفع إلى مروان ألف ألف دينار )). 

فالجـواب : أولا أن يُقال : أين النقل الثابت بهذا ؟ نعم كان يعطي أقاربه عطاءً كثيرا، ويعطى غير أقاربه أيضا، وكان محسنا إلى جميع المسلمين. وأما هذا القدر الكثير فيحتاج إلى نقل ثابت. 

ثم يقال : ثانيا : هذا من الكذب البيّن، فإنه لا عثمان ولا غيره من الخلفاء الراشدين أعطوا أحداً ما يقارب هذا المبلغ. ومن المعلوم أن معاوية كان يعطي من يتألّفه أكثر من عثمان. ومع هذا فغاية ما أعطى الحسن بن عليّ مائة ألف أو ثلاثمائة ألف درهم. وذكروا أنه لم يعط أحدا قدر هذا قط. 

نعم كان عثمان يعطي بعض أقاربه ما يعطيهم من العطاء الذي أُنكر عليه، وقد تقدم تأويله في ذلك، والجواب العام يأتي على ذلك. 

وبالجملة، فلا بد لكل ذوى أمر من أقوام يأتمنهم على نفسه، ويدفعون عنه من يريد ضرره. فإن لم يكن الناس مع إمامهم كما كانوا مع أبي بكر وعمر، احتاج الأمر إلى بطانة يطمئن إليهم، وهم لا بد لهم من كفاية. فهذا أحد التأويلين. 

والتأويل الثاني : أنه كان يعمل في المال. وقد قال الله تعالى:وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا(1). والعامل على الصدقة الغنى له أن يأخذ بعمالته باتفاق المسلمين. 

وأما قوله :  ((وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفّره )). 

فالجـواب : أن هذا من الكذب البيّن على ابن مسعود، فإن علماء أهل النقل يعلمون أن ابن مسعود ما كان يكفّر عثمان، بل لما وَلِيَ عثمان وذهب ابن مسعود إلى الكوفة قال :  (( ولَّينَا أعلانا ذا فوق ولم نأل )).

وكان عثمان في السنين الأُوَل من ولايته لا ينقمون منه شيئا ولما كانت السنين الآخرة نقموا منه أشياء، بعضها هم معذورون فيه، وكثير منها كان عثمان هو المعذور فيه. 

من جملة ذلك أمر ابن مسعود ؛ فإن ابن مسعود بقي في نفسه من أمر المصحف، لما فوَّض كتابته إلى زيد دونه، وأمر الصحابة أن يغسلوا مصاحفهم. وجمهور الصحابة كانوا على ابن مسعود مع عثمان. 

وعثمان أفضل من كل من تكلَّم فيه. هو أفضل من ابن مسعود وعمَّار وأبي ذر ومن غيرهم من وجوه كثيرة، كما ثبت ذلك بالدلائل الكثيرة. 

فليس جعل كلام المفضول قادحاً في الفاضل بأَوْلى من العكس، بل إن أمكن الكلام بينهما بعلم وعدل، وإلا تكلم بما يُعلم من فضلهما ودينهما، وكان ما شجر بينهما وتنازعا فيه أمره إلى الله. 

ولهذا أوصوا بالإمساك عما شجر بينهم، لأنا لا نُسأل عن ذلك. 

كما قال عمر بن عبد العزيز :  (( تلك دماء طهَّر الله منها يدى، فلا أحب أن أخضّب بها لساني )). وقال آخر :  تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(1).

لكن إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل، فلا بد من الذبّ عنهم، وذكر ما يبطل حجته بعلمٍ وعدل. 

وكذلك ما نقل من تكلّم عمّار في عثمان، وقول الحسن فيه، ونقل عنه أنه قال :  (( لقد كَفَر عثمان كفرة صلعاء )) وأن الحسن بن عليّ أنكر ذلك عليه، وكذلك عليّ، وقال له :  (( يا عمار أتكفر بربٍّ آمن به عثمان ؟ )). 

وأما قوله :  (( أنه لما حكم ضرب ابن مسعود حتى مات )). 

فهذا كذب باتفاق أهل العلم، فإنه لما وَلِيَ أقرّ ابن مسعود على ما كان عليه من الكوفة، إلى أن جرى من ابن مسعود ما جرى. وما مات ابن مسعود من ضرب عثمان أصلا. 

وفي الجملة فإذا قيل إن عثمان ضرب ابن مسعود أو عمَّاراً، فهذا لا يقدح في أحد منهم ؛ فإنه نشهد أن الثلاثة في الجنة، وأنهم من أكابر أولياء الله المتقين. وقد قدَّمنا أن ولي الله قد يصدر منه ما يستحق عليه العقوبة الشرعية، فكيف بالتعزير ؟. 

وأما قوله :  (( وقال فيه النبي  :  (( عمّار جلدة بين عَيْنَيْ، تقتله الفئة الباغية، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة )). 

فيقال : الذي في الصحيح :  (( تقتل عمّار الفئة الباغية )) (2) وطائفة من العلماء ضعفوا هذا الحديث، منهم الحسين الكرابيسي وغيره، ونقل ذلك عن أحمد أيضا. 

وأما قوله :  (( لا أنالهم الله شفاعتي )) فكذب مزيد في الحديث، لم يروه أحد من أهل العلم بإسناد معروف. 

وكذلك قوله :  (( عمّار جلدة بين عيني )) لا يعرف له إسناد. 

ولو قيل مثل ذلك، فقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال :  (( إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها ))( ) . وفي الصحيح عنه أنه قال :  (( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ))( ) . وثبت عنه في الصحيح أنه كان يحب أسامة، ثم يقول :  (( اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه ))( ) . ومع هذا لما قتل ذلك الرجل أنكر عليه إنكار شديدا وقال :  (( يا أسامة أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله ؟ أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله )) قال : فما زال يكررها عليّ حتى تمنّيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ))( ) .

كذلك عثمان فيمن أقام عليه حدًّا أو تعزيرا هو أولى بالعلم والعدل منهم. وإذا وجب الذبّ عن عليّ لمن يريد أن يتكلم فيه بمثل ذلك، فالذبّ عن عثمان لمن يريد أن يتكلم فيه بمثل ذلك أَوْلى. 

وقوله :  (( وطرد رسول الله  الحكم بن أبي العاص عم عثمان عن المدينة، ومعه ابنه مروان، فلم يزل هو وابنه طريدين في زمن النبي  وأبي بكر وعمر، فلما وَليَ عثمان آواه وردّه إلى المدينة، وجعل مروان كاتبه وصاحب تدبيره. مع أن الله قال :  لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ باللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ( ) . 

والجـواب : أن الحكم بن أبي العاص كان من مسلمة الفتح، وكانوا ألفىْ رجل،ومروان ابنه كان صغيرا إذ ذاك، فإنه من أقران ابن الزبير والمسور بن مخرمة، عمره حين الفتح سن التمييز : إما سبع سنين، أو أكثر بقليل، أو أقل بقليل، فلم يكن لمروان ذنب يُطرد عليه على عهد النبي ، ولم تكن الطلقاء تسكن بالمدينة في حياة النبي . فإن كان قد طرده، فإنما طرده من مكة لا من المدينة، ولو طرده من المدينة لكان يرسله إلى مكة. وقد طعن كثير من أهل العلم في نفيه، وقالوا : هو ذهب باختياره. 

وأما استكتابه مروان، فمروان لم يكن له في ذلك ذنب، لأنه كان صغيرا لم يجر عليه القلم، ومات النبي  ومروان لم يبلغ الحُلُم باتفاق أهل العلم، بل غايته أن يكون عشر سنين أو قريب منها، وكان مسلما باطنا وظاهرا، يقرأ القرآن ويتفقه في الدين، ولم يكن قبل الفتنة معروفاً بشيء يُعاب به، فلا ذنب لعثمان في استكتابه. 

وأما الفتنة فأصابت من هو أفضل من مروان، ولم يكن مروان ممن يحادّ الله ورسوله. وأما أبوه الحكم فهو من الطلقاء، والطلقاء حسن إسلام أكثرهم، وبعضهم فيه نظر. ومجرد ذنب يعزَّر عليه لا يوجب أن يكون منافقا في الباطن. 

وأما قوله :  (( إنه نفى أبا ذر إلىالرَّبذَة وضربه ضربا وجيعا، مع أن النبي  قال في حقه : ما أقلَّت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذى لهجة أصدق من أبي ذر. وقال : إن الله أوحى إليّ أنه يحب أربعة من أصحابي وأمرني بحبهم. فقيل له : من هم يا رسول الله ؟ قال : عليّ سيدهم، وسلمان، والمقداد، وأبو ذر )). 

فالجـواب : أن أبا ذر سكن الربذة ومات بها لسبب ما كان يقع بينه وبين الناس، فإن أبا ذر رضي الله عنه كان رجلا صالحا زاهدا، وكان من مذهبه أن الزهد واجب، وأن ما أمسكه الإنسان فاضلاً عن حاجته فهو كنز يُكوى به في النار، ولما توفى عبد الرحمن بن عوف وخلف مالاً، جعل أبو ذر ذلك من الكنز الذي يُعاقب عليه، وعثمان يناظره في ذلك، حتى دخل كعب ووافق عثمان، فضربه أبو ذر، وكان قد وقع بينه وبين معاوية بالشام بهذا السبب. 

وأما الخلفاء الراشدون وجماهير الصحابة والتابعين فعلى خلاف هذا القول. 

فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي  أنه قال :  (( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة ))( ) . فنفى الوجوب فيما دون المائتين، ولم يشترط كون صاحبها محتاجا إليها أم لا. 

وقال جمهور الصحابة : الكنز هو المال الذي لم تؤدّ حقوقه. 

وكان أبو ذر يريد أن يوجب على الناس ما لم يوجب الله عليهم، ويذمهم على ما لم يذمهم الله عليه، مع أنه مجتهد في ذلك، مثاب على طاعته رضي الله عنه، كسائر المجتهدين من أمثاله. 

فكان اعتزاز أبي در لهذا السبب، ولم يكن لعثمان مع أبي ذر غرض من الأغراض. 

وأما كون أبي ذر من أصدق الناس، فذاك لا يوجب أنه أفضل من غيره، بل كان أبو ذر مؤمنا ضعيفا. كما ثبت في الصحيح عن النبي  أنه قال له :  (( يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي. لا تأمّرن على اثنين. ولا تولين مال يتيم ))( ) . 

وقد ثبت في الصحيح أنه قال :  (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ))( ) . 

وأهل الشورى مؤمنون أقوياء، وأبو ذر وأمثاله مؤمنون ضعفاء. فالمؤمنون الصالحون لخلافة النبوة، كعثمان وعليّ وعبد الرحمن بن عوف، أفضل من أبي ذر وأمثاله. 

والحديث المذكور بهذا اللفظ الذي ذكره الرافضي ضعيف، بل موضوع، وليس له إسناد يقوم به. 

وأما قوله :  (( إنه ضيّع حدود الله، فلم يقتل عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان مولى أمير المؤمنين بعد إسلامه، وكان أمير المؤمنين يطلب عبيد الله لإقامة القصاص عليه، فلحق بمعاوية. وأراد أن يعطّل حدّ الشرب في الوليد بن عقبة، حتى حدّه أمير المؤمنين. وقال : لا تبطل حدود الله وأنا حاضر )). 

فالجـواب : أما قوله :  (( إن الهرمزان كان مولى عليّ )). 

فمن الكذب الواضح، فإن الهرمزان كان من الفرس الذين استنابهم كسرى على قتال المسلمين، فأسره المسلمون وقَدِموا به على عمر، فأظهر الإسلام، فمنّ عليه عمر وأعتقه، ولما قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان الذي قتله أبو لؤلؤة الكافر المجوسي مولى المغيرة بن شعبة، وكان بينه وبين الهرمزان مجانسة، وذُكر لعبيد الله بن عمر أنه رؤى عند الهرمزان حين قتل عمر، فكان ممن اتهم بالمعاونة على قتل عمر. 

وقد قال عبد الله بن عباس لما قُتل عمر، وقال له عمر : قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة. فقال : إن شئت أن نقتلهم. فقال :  (( كذبت، أما بعد إذ تكلموا بلسانكم، وصلُّوا إلى قبلتكم ))(1). 

فهذا ابن عباس وهو أفقه من عُبَيْد الله وأَدْيَن وأفْضَل بكثير يستأذن عمر في قتل علوج الفرس مطلقا الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموهم بالفساد اعتقد جواز مثل هذا، فكيف لا يعتقد عبيد الله جواز قتل الهرمزان ؟ فلما استشار عثمان الناس في قتله، فأشار عليه طائفة من الصحابة أن لا تقتله، فإن أباه قتل بالأمس ويُقتل هو اليوم، فيكون في هذا فساد في الإسلام، وكأنهم وقعت لهم شبهة في عصمة الهرمزان، وهل كان من الصائلين الذين كانوا يستحقون الدفع ؟ أو من المشاركين في قتل عمر الذين يستحقون القتل ؟ 

وإذا كان قتل عمر وعثمان وعليّ ونحوهم من باب المحاربة، فالمحاربة يشترك فيها الردء والمباشر عند الجمهور، فعلى هذا من أعان عَلَى قتل عمر،ولو بكلام، وجب قتله، وكان الهرمزان ممن ذُكر عنه أنه أعان عَلَى قتل عمر بن الخطاب. 

وإذا كان الأمر كذلك كان قتله واجبا، ولكن كان قتله إلى الأئمة، فافتات عبيد الله بقتله، وللإمام أن يعفو عمن افتات عليه. 

وأما قوله : إن علياًّ كان يريد قتل عبيد الله بن عمر. فهذا لو صح كان قدحاً في عليّ. والرافضة لا عقول لهم، يمدحون بما هو إلى الذم أقرب. 

ثم يقال : يا ليت شعرى متى عزم عليٌّ عَلَى قتل عبيد الله ؟ ومتى تمكن عليّ من قتل عبيد الله ؟ أو متى تفرّغ له حتى يظهر في أمره ؟ 

وعبيد الله كان معه ألوف مؤلفة من المسلمين مع معاوية، وفيهم خير من عبيد الله بكثير. وعليّ لم يمكنه عزل معاوية، وهو عزل مجرد. أفكان يمكنه قتل عبيد الله ؟! 

ومن العجب أن دم الهرمزان المتهم بالنفاق، والمحاربة لله ورسوله، والسعي في الأرض بالفساد، تُقام فيه القيامة، ودم عثمان يُجعل لا حرمة له، وهو إمام المسلمين المشهود له بالجنة، الذي هو  وإخوانه  أفضل الخلق بعد النبيين. ومن المعلوم بالتواتر أن عثمان كان من أكفِّ الناس عن الدماء، وأصبر الناس على من نال من عرضه، وعلى من سعى في دمه فحاصروه وسعوا في قتله، وقد عُرف إرادتهم لقتله، وقد جاء المسلمون من كل ناحية ينصرونه ويشيرون عليه بقتالهم، وهو يأمر الناس بالكف عن القتال، ويأمر من يطيعه أن لا يقاتلهم. ورُوى أنه قال لمماليكه : من كفَّ يده فهو حرّ. وقيل له : تذهب إلى مكة ؟ فقال : لا أكون ممن ألحد في الحرم. فقيل له: تذهب إلى الشام ؟ فقال : لا أفارق دار هجرتي. فقيل له : فقاتلهم. فقال : لا أكون أول من خلف محمداً في أمته بالسيف. 

فكان صبر عثمان حتى قُتل من أعظم فضائله على المسلمين. فمن قدح في عثمان بأنه كان يستحل إراقة دماء المسلمين بتعطيل الحدود، وكان قد طرَّق من القدح في عليّ ما هو أعظم من هذا، وسوَّغ لمن أبغض عليًّا وعاداه وقاتله أن يقول : إن عليّا عطَّل الحدود الواجبة على قتلة عثمان. وتعطيل تلك الحدود إن كانت واجبة أعظم فسادا من تعطيل حدٍّ وجب بقتل الهرمزان. 

وإذا كان من الواجب الدفع عن عليّ بأنه كان معذورا باجتهاد أو عجز، فلأن يُدفع عن عثمان بأنه كان معذورا بطريق الأَوْلى. 

وأما قوله :  (( أراد عثمان تعطيل حد الشرب في الوليد بن عقبة، حتى حدّه أمير المؤمنين )). 

فهذا كذب عليهما، بل عثمان هو الذي أمر عليًّا بإقامة الحد عليه،كما ثبت ذلك في الصحيح(1)، وعليّ خفف عنه وجَلَده أربعين، ولو جلده ثمانين لم ينكر عليه عثمان. 

وقول الرافضي :  (( إن عليًّا قال : لا يبطُل حدُّ الله وأنا حاضر )). 

فهو كذب. وإن كان صدقا فهو من أعظم المدح لعثمان ؛ فإن عثمان قَبِلَ قول عليّ ولم يمنعه من إقامة الحد، مع قدرة عثمان على منعه لو أراد، فإن عثمان كان إذا أراد شيئا فعله، ولم يقدر عليّ عَلَى منعه. وإلا فلو كان عليّ قادراً على منعه مما فعله من الأمور التي أُنكرت عليه ولم يمنعه مما هو عنده مُنْكَرٌ مع قدرته، كان هذا قدحاً في عليّ. فإذا كان عثمان أطاع عليًّا فيما أمره به من إقامة الحدّ دل ذلك على دِين عثمان وعدله. 

وعثمان وليّ الوليد بن عقبة هذا على الكوفة، وعندهم أن هذا لم يكن يجوز. فإن كان حراماً وعليٌّ قادر على منعه، وجب عَلَى عليٍّ منعه، فإذا لم يمنعه دلّ على جوازه عند عليّ، أو عَلَى عجز عليّ. وإذا عجز عن منعه عن الإمارة، فكيف لا يعجز عن ضربه الحد ؟ فعُلم أن عليّا كان عاجزاً عن حدّ الوليد، لولا عثمان أراد ذلك، فإذا أراده عثمان دلّ على دينه. 

والرافضة تتكلم بالكلام المتناقض الذي ينقض بعضه بعضا. 

وأما قوله :  (( إنه زاد الأذان الثاني يوم الجمعة، وهو بدعة، فصار سنة إلى الآن )). 

فالجـواب : أن عليًّا رضي الله عنه كان ممن يوافق على ذلك في حياة عثمان وبعد مقتله. ولهذا لما صار خليفة لم يأمر بإزالة الأذان، كما أمر بما أنكره من ولاية طائفة من عمّال عثمان، بل أمر بعزل معاوية وغيره. ومعلوم أن إبطال هذه البدعة كان أهون عليه من عزل أولئك ومقاتلتهم التي عجز عنها، فكان على إزالة هذه البدعة، من الكوفة ونحوها من أعماله، أقدر منه على إزالة أولئك، ولو أزال ذلك لعلمه الناس ونقلوه. 

فإن قيل : كان الناس لا يوافقونه على إزالتها. 

قيل : فهذا دليل على أن الناس وافقوا عثمان على استحبابها واستحسانها، حتى الذين قاتلوا مع عليّ، كعمّار وسهل بن حنيف وغيرهما من السابقين الأَوَّلين. ثم من العجب أن الرافضة تنكر شيئاً فعله عثمان بمشهد من الأنصار والمهاجرين، ولم ينكروه عليه، واتبعه المسلمون كلهم عليه في أذان الجمعة، وهم قد زادوا في الأذان شعارا لم يكن يعرف على عهد النبي . ولا نقل أحد أن النبي  أمر بذلك في الأذان، وهو قولهم :  (( حيّ على خير العمل )). 

ونحن نعلم بالاضطرار أن الأذان، الذي كان يؤذنه بلال وابن أم مكتوم في مسجد رسول الله  بالمدينة، وأبو محذورة بمكة، وسعد القرظ في قباء، لم يكن فيه هذا الشعار الرافضي. ولو كان فيه لنقله المسلمون ولم يهملوه، كما نقلوا ما هو أيسر منه. فلما لم يكن في الذين نقلوا الأذان مَنْ ذَكَر هذه الزيادة، عُلم أنها بدعة باطلة. 

وأما قوله :  (( وخالفه المسلمون كلهم حتى قُتل. وعابوا أفعاله، وقالوا له : غبت عن بدر، وهربت يوم أحد، ولم تشهد بيعة الرضوان. والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى )). 

فالجـواب :أما قوله :  (( وخالفه المسلمون كلهم حتى قتل )). 

فإن أراد أنهم خالفوه خلافا يبيح قتله، أو أنهم كلهم أمَروا بقتله، ورضوا بقتله، وأعانوا على قتله. فهذا مما يَعْلم  كل أحد أنه من أظهر الكذب، فإنه لم يقتله إلا طائفة قليلة باغية ظالمة. 

قال ابن الزبير :  (( لُعنت قتلة عثمان، خرجوا عليه كاللصوص من وراء القرية، فقتلهم الله كل قتلة، ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب )) يعني هربوا ليلا، وأكثر المسلمين كانوا غائبين، وكان أهل المدينة الحاضرين لم يكونوا يعلمون أنهم يريدون قتله حتى قتلوه.

وإن أراد أن كل المسلمين خالفوه في كل ما فعله، أو في كل ما أُنكر عليه. فهذا أيضا كذب. فما من شيء أُنكر عليه إلا وقد وافقه عليه كثير من المسلمين، بل من علمائهم الذين لا يُتهمون بمداهنة، والذين وافقوا عثمان على ما أُنكر عليه أكثر وأفضل عند المسلمين من الذين وافقوا عليًّا على ما أُنكر عليه : إما في كل الأمور، وإما في غالبها. 

وأما الساعون في قتله فكلهم مخطئون، بل ظالمون باغون معتدون. وإن قدِّر أن فيهم من قد يغفر الله له، فهذا لا يمنع كون عثمان قُتل مظلوما. 

والذي قال له : غبتَ عن بدر وبيعة الرضوان، وهربتَ يوم أحد، قليل جدا من المسلمين. ولم يعيّن منهم إلا اثنان أو ثلاثة أو نحو ذلك. وقد أجابهم عثمان وابن عمر وغيرهما عن هذا السؤال، وقالوا : يوم بدر غاب بأمر النبي  ليخلفه عن ابنة النبي ، فضرب له النبي  بسهمه وأجره. 

ويوم الحديبية بايع النبي  عن عثمان بيده. ويد رسول الله  خير له من يده لنفسه، وكانت البيعة بسببه، فإنه لما أرسله النبي  رسولا إلى أهل مكة بلغه أنهم قاتلوه، فبايع أصحابه على أن لا يفروا، أو على الموت، فكان عثمان شريكا في البيعة، مختصًّا بإرسال النبي . 

وأما التولّي يوم أحد، فقد قال الله تعالى :  إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ(1) فقد عفا الله عن جميع المتَولِّين يوم أحد، فدخل في العفو من هو دون عثمان، فكيف لا يدخل هو فيه مع فضله وكثرة حسناته ؟! 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( وقد ذكر الشهرستاني وهو من أشد المتعصبين على الإمامية، أن مثار الفساد بعد شبهة إبليس الاختلاف الواقع في مرض النبي . فأول تنازع وقع في مرضه ما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال :  (( لما اشتد بالنبي  مرضه الذي توفى فيه فقال : ائتوني بدواة وقرطاس، أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. فقال عمر : إن الرجل ليهجر، حسبنا كتاب الله. وكثر اللغط. فقال النبي  : قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع )). 

الجـواب : أن يُقال : ما ينقله الشهرستاني وأمثاله من المصنّفين في الملل والنحل، عامته مما ينقله بعضهم عن بعض، وكثير من ذلك لم يُحرر فيه أقوال المنقول عنهم، ولم يذكر الإسناد في عامة ما ينقله، بل هو يَنقل من كتب من صنّف المقالات قبله، مثل أبي عيسى الورَّاق وهو من المصنّفين للرافضة، المتهمين في كثير مما ينقلونه، ومثل أبي يحيى وغيرهما من الشيعة. ويَنقل أيضا من كتب بعض الزيدية والمعتزلة الطاعنين في كثير من الصحابة. 

وصاحب الهوى يقبل ما وافق هواه بلا حجة توجب صدقه، ويرد ما خالف هواه بلا حجة توجب رده. 

وليس في الطوائف أكثر تكذيبا بالصدق وتصديقا بالكذب من الرافضة، فإن رؤوس مذهبهم وأئمته الذين ابتدعوه وأسسوه كانوا منافقين زنادقة، كما ذكر ذلك عن غير واحد من أهل العلم. وهذا ظاهر لمن تأمله. 

وإذا كان كذلك فنقول : ما علم بالكتاب والسنة والنقل المتواتر، من محاسن الصحابة وفضائلهم، لا يجوز أن يُدفع بنقولٍ بعضها منقطع، وبعضها محرَّف، وبعضها لا يَقْدَح  فيما عُلم، فإن اليقين لا يزول بالشك، ونحن قد تيقَّنا ما دلّ عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف قبلنا، وما يصدّق ذلك من المنقولات المتواترة من أدلة العقل، من أن الصحابة رضي الله عنهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها، فكيف إذا علم بطلانها ؟! 

وأما قوله :  (( إن الشهرستاني من أشد المتعصبين على الإمامية )). 

فليس كذلك، بل يميل كثيرا إلى أشياء من أمورهم، بل يذكر أحيانا أشياء من كلام الإسماعيلية الباطنية منهم ويوجهه. ولهذا اتهمه بعض الناس بأنه من الإسماعيلية، وإن لم يكن الأمر كذلك. وقد ذكر من اتهمه شواهد من كلامه وسيرته. وقد يُقال : هو مع الشيعة بوجه، ومع أصحاب الأشعري بوجه. 

وأما قول القائل :  (( إن مثار الفساد بعد شبهة إبليس الاختلاف الواقع في مرض النبي  )). 

فهذا من أظهر الكذب الباطل، فإنه إن كان قصده أن هذا أول ذنب أُذنب، فهذا باطل ظاهر البطلان. 

وإن كان قصده أن هذا أول اختلاف وقع بعد تلك الشبهة، فهو باطل من وجوه : 

أحـدها : أن شبهة إبليس لم توقع خلافا بين الملائكة، ولا سمعها الآدميون منه حتى يوقع بينهم خلافا. 

والثـاني : أن الخلاف ما زال بين بني آدم من زمن نوح، واختلاف الناس قبل المسلمين أعظم بكثير من اختلاف المسلمين. 

الوجه الثالث : أن الذي وقع في مرضه كان أهون الأشياء وأَبْيَنِها. وقد ثبت في الصحيح أنه قال لعائشة في مرضه :  (( ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه الناس من بعدي )) ثم قال :  (( يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر )) فلما كان يوم الخميس همَّ أن يكتب كتاباً، فقال عمر :  (( ماله أَهَجَر ؟ ))(1) فشكّ عمر هل هذا القول من هَجْر الحمّى، أو هو مما يقول على عادته. فخاف عمر أن يكون من هَجْر الحمى، فكان هذا مما خفى على عمر، كما خفى عليه موت النبي  ، بل أنكره. ثم قال بعضهم : هاتوا كتابا. وقال بعضهم : لا تأتوا بكتاب. فرأى النبي  أن الكتاب في هذا الوقت لم يبق فيه فائدة، لأنهم يشكون : هل أملاه مع تغيّره بالمرض ؟ أم مع سلامته من ذلك ؟ فلا يرفع النزاع. فتركه. 

ولم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه أو يبلّغه في ذلك الوقت، إذ لو كان كذلك لما ترك  ما أمره الله به، لكن ذلك مما رآه مصلحة لدفع النزاع في خلافة أبي بكر. 

ومن جهل الرافضة أنهم يزعمون أن ذلك الكتاب كان كتابه بخلافة عليّ، وهذا ليس في القصة ما يدل عليه بوجهٍ من الوجوه. ولا في شيء من الحديث المعروف عند أهل النقل أنه جعل عليًّا خليفة. كما في الأحاديث الصحيحة ما يدل عَلَى خلافة أبي بكر. ثم يدّعون مع هذا أنه كان قد نصّ على خلافة عليّ نصًّا جليًّا قاطعا للعذر، فإن كان قد فعل ذلك فقد أغنى عن الكتاب، وإن كان الذين سمعوا ذلك لا يطيعونه فهم أيضا لا يطيعون الكتاب. فأي فائدة لهم في الكتاب لو كان كما زعموا ؟ 

وأما قوله :  (( الخلاف الثاني : الواقع في مرضه : أنه قال : جهِّزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه. فقال قوم : يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز، وقال قوم : قد اشتد مرضه، ولا يسع قلوبنا المفارقة )). 

فالجـواب : أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالنقل، فإن النبي  لم يقل :  (( لعن الله من تخلَّف عنه )) ولا نُقل هذا بإسناد ثبت، بل ليس له إسناد في كتب أهل الحديث أصلا، ولا امتنع أحدٌ من أصحاب أسامة من الخروج معه لو خرج، بل كان أسامة هو الذي توقف في الخروج، لما خاف أن يموت النبي ، فقال : كيف أذهب وأنت هكذا، أسأل عنك الركبان ؟ فأذن له النبي  في المقام. ولو عزم عَلَى أسامة في الذهاب لأطاعه، ولو ذهب أسامة لم يتخلّف عنه أحد ممن كان معه، وقد ذهبوا جميعهم معه بعد موت النبي ، ولم يتخلف عنه أحد بغير إذنه. 

وأبو بكر رضي الله عنه لم يكن في جيش أسامة باتفاق أهل العلم، لكن روى أن عمر كان فيهم، وكان عمر خارجا مع أسامة، لكن طلب منه أبو بكر أن يأذن له في المقام عنده لحاجته إليه، فأذن له، مع أن النبي  لما مات كان أحرص الناس على تجهيز أسامة هوأبو بكر. وجمهور الصحابة أشاروا عليه بأن لا يجهّزه خوفاً عليهم من العدو، فقال أبو بكر رضي الله عنه : والله لا أحل راية عقدها النبي . 

ولكن أهل الفرية يزعمون أن الجيش كان فيه أبو بكر وعمر، وأن مقصود الرسول كان إخراجهما لئلا ينازعا عليًّا. وهذا إنما يكذبه ويفتريه من هو من أجهل الناس بأحوال الرسول والصحابة، وأعظم الناس تعمداً للكذب، وإلا فالرسول  طول مرضه يأمر أبا بكر أن يصلّي بالناس، والناس كلهم حاضرون، ولو وَلَّى رسول الله  على الناس من ولاّه لأطاعوه، وكان المهاجرون والأنصار يحاربون من نازع أمر الله ورسوله، وهم الذين نصروا دينه أولا وآخرا. 

ولو أراد النبي  أن يستخلف عليًّا في الصلاة : هل كان                      يمكن أحدا أن يرده ؟ ولو أراد تأميره على الحج على أبي بكر ومن معه هل كان ينازعه أحد ؟ ولو قال لأصحابه : هذا هو الأمير عليكم والإمام بعدي، هل كان يقدر أحد أن يمنعه ذلك ؟ 

ومعه جماهير المسلمين من المهاجرين والأنصار كلهم مطيعون لرسول الله ، ليس فيهم من يبغض عليًّا، ولا من قتل عليّ أحداً من أقاربه. 

ولو أراد إخراجهما في جيش أسامة خوفاً منهما، لقال للناس : لا تبايعوهما ؟ فيا ليت شعري ممن كان يخاف الرسول ؟ فقد نصره الله وأعزّه، وحوله المهاجرون والأنصار الذين لو أمرهم بقتل آبائهم وأبنائهم لفعلوا. 

وقد أنزل الله سورة براءة، وكشف فيها حال المنافقين، وعرّفهم المسلمين، وكانوا مدحوضين مذمومين عند الرسول وأمته. 

وأبو بكر وعمر كانا أقرب الناس عنده، وأكرم الناس عليه، وأحبهم إليه، وأخصهم به، واكثر الناس له صحبة ليلاً ونهارا، وأعظمهم موافقة له ومحبة له، وأحرص الناس على امتثال أمره وإعلاء دينه. فكيف يُجَوِّز عاقلٌ أن يكون هؤلاء عند الرسول من جنس المنافقين، الذين كان أصحابه قد عرفوا إعراضه عنهم، وإهانته لهم، ولم يكن يقرِّب أحدا منهم بعد سورة براءة. 

هذا وأبو بكر عنده أعز الناس وأكرمهم وأحبهم إليه. 

وأما قوله :  (( الخلاف الثالث في موته )). 

فالجـواب : لا ريب أن عمر خَفِيَ عليه موته أولا، ثم أقرَّ به من الغد، واعترف بأنه كان مخطئا في إنكار موته، فارتفع الخلاف. وليس لفظ الحديث كما ذكره الشهرستاني. ولكن في الصحيحين عن ابن عبَّاس أن أبا بكر خرج وعمر يكلِّم الناس، فقال : اجلس يا عمر، فأبى أن يجلس، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر :  (( أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمداً فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى :  وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ(1). قال : والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله قد أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها. 

فأخبرني ابن المسيب أن عمر قال :  (( والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلّني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن رسول الله  قد مات ))(2). 

وأما قوله :  (( الخلاف الرابع : في الإمامة. وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة إذا ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان )). 

فالجـواب : أن هذا من أعظم الغلط، فإنه  ولله الحمد  لم يُسلّ سيفٌ على خلافة أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، ولا كان بين المسلمين في زمنهم نزاع في الإمامة، فضلا عن السيف، ولا كان بينهم سيف مسلول على شيء من الدين. والأنصار تكلّم بعضهم بكلام أنكره عليهم أفاضلهم، كأُسَيْد بن حضير وعبَّاد بن بشر وغيرهما ممن هو أفضل من سعد بن عبادة نفساً وبيتاً. 

فإن النبي  قد ثبت عنه في الصحيحين من غير وجه أنه قال :  (( خير دور الأنصار دار بني النجَّار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث بن الخزرج، ثم دار بني ساعدة. وفي كل دور الأنصار خير ))(1). 

فأهل الدور الثلاثة المفضَّلة : دار بني النجّار، وبني عبد الأشهل، وبني الحارث بن الخزرج لم يُعرف منهم من نازع في الإمامة، بل رجال بني النجّار، كأبي أيوب الأنصاري وأبي طلحة وأبَيّ بن كعب وغيرهم، كلهم لم يختاروا إلا أبا بكر. 

وأُسيد بن حضير هو الذي كان مقدّم الأنصار يوم فتح مكة، عن يسار النبي ، وأبو بكر عن يمينه، وهو كان من بني عبد الأشهل، وهو كان يأمر ببيعة أبي بكر رضي الله عنه، وكذلك غيره من رجال الأنصار. 

وإنما نازع سعد بن عبادة والحُبَاب بن المنذر وطائفة قليلة، ثم رجع هؤلاء وبايعوا الصدِّيق، ولم يُعرف أنه تخلّف منهم إلا سعد بن عبادة. 

وسعد، وإن كان رجلا صالحا، فليس هو معصوماً، بل له ذنوب يغفرها الله، وقد عرف المسلمون بعضها، وهو من أهل الجنّة السابقين الأوّلين من الأنصار، رضي الله عنهم وأرضاهم. 

فما ذكره الشهرستاني من أن الأنصار اتفقوا على تقديمهم سعد بن عبادة هو باطل باتفاق أهل المعرفة بالنقل، والأحاديث الثابتة بخلاف ذلك. وهو وأمثاله، وإن لم يتعمدوا الكذب، لكن ينقلون من كتب من ينقل عمَّن يتعمد الكذب. 

وكذلك قول القائل : إن عليًّا كان مشغولا بما أمره النبي  من دفنه وتجهيزه وملازمة قبره، فكذب ظاهر، وهو مناقض لما يدَّعونه، فإن النبي  لم يُدفن إلا بالليل، لم يدفن بالنهار. وقيل : إنه إنما دُفن من الليلة المقبلة، ولم يأمر أحدا بملازمة قبره، ولا لازم عليٌّ قبره، بل قُبِرَ في بيت عائشة، وعليٌّ أجنبي منها. 

ثم كيف يُأمر بملازمة قبره، وقد أمر بزعمهم  أن يكون إماما بعده ؟ 

ولم يشتغل بتجهيزه عليٌّ وحده، بل عليٌّ، والعباس، وبنو العباس، ومولاه شقران، وبعض الأنصار، وأبو بكر وعمر، وغيرهما عَلَى باب البيت، حاضرين غسله وتجهيزه، لم يكونوا حينئذ في بني ساعدة. 

لكن السنّة أن يتولّى الميت أهله، فتولّى أهله غسله، وأخّروا دفنه ليصلِّي المسلمون عليه، فإنه صلُّوا عليه أفراداً، واحد بعد واحد، رجالهم ونساؤهم : خلق كثير، فلم يتسع يوم الاثنين لذلك مع تغسيله وتكفينه، بل صلّوا عليه يوم الثلاثاء، ودفن يوم الأربعاء. 

وأيضا فالقتال الذي كان في زمن عليّ لم يكن على الإمامة، فإن أهل الجمل وصفّين والنهروان لم يقاتلوا عَلَى نصب إمامٍ غير عليّ، ولا كان معاوية يقول : أنا الإمام دون عليّ، ولا قال ذلك طلحة والزبير. 

فلم يكن أحد ممن قاتل عليًّا قبل الحكمَيْن نَصَب إماماً يقاتل عَلَى طاعته، فلم يكن شيء من هذا القتال على قاعدة من قواعد الإمامة المنازع فيها، لم يكن أحد من المقاتلين يقاتل طعناً في خلافة الثلاثة، ولا ادعاء للنص على غيرهم، ولا طعنا في جواز خلافة عليّ. 

فالأمر الذي تنازع فيه الناس من أمر الإمامة، كنزاع الرافضة والخوارج المعتزلة وغيرهم، ولم يقاتل عليه أحد من الصحابة أصلا، ولا قال أحد منهم : إن الإمام المنصوص عليه هو عليّ، ولا قال : إن الثلاثة كانت إمامتهم باطلة، ولا قال أحد منهم : إن عثمان وعليًّا وكل من والاهما كافر. 

فدعوى المدّعى أن أول سيف سُلَّ بين أهل القبلة كان مسلولا على قواعد الإمامة التي تنازع فيها الناس، دعوى كاذبة ظاهرة الكذب، يُعرف كذبها بأدنى تأمل، مع العلم بما وقع. 

وإنما كان القتال قتال فتنة عند كثير من العلماء، وعند كثير منهم هو من باب قتال أهل العدل والبغى، وهو القتال بتأويل سائغ لطاعة غير الإمام، لا على قاعدة دينية. 

ولو أن عثمان نازعه منازعون في الإمامة وقاتلهم، لكان قتالهم من جنس قتال عليّ، وإن كان ليس بينه وبين أولئك نزاع في القواعد الدينية. 

ولكن أول سيف سُلَّ على الخلاف في القواعد الدينية سيف الخوارج، وقتالهم من أعظم القتال،وهم الذين ابتدعوا أقوالاً خالفوا فيها الصحابة وقاتلوا عليها، وهم الذين تواترت النصوص بذكرهم، كقوله  :  (( تمرق مارقة على حين فُرقة من المسلمين، تقتلهم أَوْلى الطائفتين بالحق))(1). 

وعليّ رضي الله عنه لم يقاتل أحداً على إمامة من قاتله، ولا قاتله أحدٌ على إمامته نفسه، ولا ادّعى أحدٌ قط في زمن خلافته أنه أحقُّ بالإمامة منه : لا عائشة، ولا طلحة، ولا الزبير، ولا معاوية وأصحابه، ولا الخوارج، بل كل الأمة كانوا معترفين بفضل عليّ وسابقته بعد قتل عثمان، وأنه لم يبق في الصحابة من يماثله في زمن خلافته، كما كان عثمان كذلك : لم ينازع قط أحدٌ من المسلمين في إمامته وخلافته، ولا تخاصم اثنان في أن غيره أحق بالإمامة منه، فضلا عن القتال على ذلك. وكذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. 

وبالجملة فكل من له خبرة بأحوال القوم يعلم علما ضروريا أنه لم يكن بين المسلمين مخاصمة بين طائفتين في إمامة الثلاثة، فضلا عن قتالٍ.

وكذلك عليٌّ : لم يتخاصم طائفتان في أن غيره أحق بالإمامة منه. وإن كان بعض الناس كارهاً لولاية أحدٍ من الأربعة، فهذا لا بد منه. فإن من الناس من كان كارهاً لنبوّة محمد ، فكيف من لا يكون فيهم من يكره إمامة بعض الخلفاء ؟ 

ثم قد تبين أن الصحابة لم يقتتلوا على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان والنزاع بينهم. فتبين أن خلافتهم كانت بلا سيف مسلول أصلا، وإنما كان السيف مسلولا في خلافة عليّ. فإن كان هذا قدحاً، فالقدح يختص بمن كان السيف في زمانه بين الأمة. 

وهذه حجة للخوارج. وحجتهم أقوى من حجة الشيعة ، كما أن سيوفهم أقوى من سيوف الشيعة،ودينهم أصح، وهم صادقون لا يكذبون. ومع هذا فقد ثبت بالسنة المستفيضة عن النبي  واتفاق أصحابه أنهم مبتدعون مخطئون ضُلاَّل، فكيف بالرافضة، الذين هم أبعد منهم عن العقل والعلم والدين والصدق والشجاعة والورع وعامة خصال الخير؟! 

ولم يعرف في الطوائف أعظم من سيف الخوارج، ومع هذا فلم يقاتل القوم على خلافة أبي بكر وعمر، بل هم متفقون على إمامتهما وموالاتهما. 

وقوله :  (( الخلاف الخامس : في فَدَك والتوارث. رووا عن النبي  :  (( نحن معاشر الأنبياء لا نُورث، ما تركناه صدقة )). 

فيقال : هذا أيضا اختلاف في مسألة شرعية، وقد زال الخلاف فيها والخلاف في هذه دون الخلاف في ميراث الإخوة مع الجد، وميراث الجدة مع ابنها، وحجب الأم بالأخوين، وجعل الجد مع الأم كالأب، وأمثال ذلك من مسائل الفرائض التي تنازعوا فيها. 

وقد تولّى عليّ بعد ذلك، وصار فدك وغيرها تحت حكمه، ولم يعطها لأولاد فاطمة، ولا أخذ من زوجات النبي ،ولا ولد العباس شيئا من ميراثه. 

فلو كان ذلك ظلما وقدر على إزالته، لكان هذا أهون عليه من قتال معاوية وجيوشه. أفتراه يقاتل معاوية، مع ما جرى في ذلك من الشر العظيم، ولا يعطى هؤلاء قليلا من المال، وأمره أهون بكثير ؟ 

وأما قوله :  (( الخلاف السادس : في قتال مانعي الزكاة، قاتلهم أبو بكر، واجتهد عمر في أيام خلافته، فردّ السبايا والأموال إليهم، وأطلق المحبوسين )). 

فهذا من الكذب الذي لا يخفى على من عرف أحوال المسلمين ؛ فإن مانعي الزكاة اتفق أبو بكر وعمر على قتالهم، بعد أن راجعه عمر في ذلك. 

كما في الصحيحين عن أبي هريرة أن عمر قال لأبي بكر : يا خليفة رسول الله، كيف تقاتل الناس، وقد قال النبي  :  (( أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ))؟ 

فقال أبو بكر : ألم يقل إلا بحقِّها وحسابهم على الله ؟ فإن الزكاة من حقّها. والله لو منعونى عَنَاقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله  لقاتلتهم على منعها. قال عمر : فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق(1). 

فعمر وافق أبا بكر على قتال أهل الردة مانعي الزكاة، وكذلك سائر الصحابة. وأقرّ أولئك بالزكاة بعد امتناعهم منها، ولم تسب لهم ذرية، ولا حبس منهم أحد، ولا كان بالمدينة حَبْس لا على عهد رسول الله ، ولا على عهد أبي بكر. فكيف يموت وهم في حبسه ؟. 

وقوله :  (( الخلاف السابع : في تنصيص أبي بكر على عمر في الخلافة. فمن الناس من قال : ولّيت علينا فظًّا غليظاً )). 

والجـواب : أن يُقال : من جَعَل مثل هذا خلافا ؟ فقد كان مثل هذا على عهد النبي  : قد طعن بعض الصحابة في إمارة زيد بن حارثة، وبعضهم في إمارة أسامة ابنه. وقد كان غير واحد يطعن فيمن يولّيه أبو بكر وعمر. ثم إن القائل لها : كان طلحة، وقد رجع عن ذلك، وهو من أشد الناس تعظيما لعمر، كما أن الذين طعنوا في إمارة زيد وأسامة رجعوا عن طعنهم طاعة لله ورسوله. 

وقوله :  (( الخلاف الثامن : في إمرة الشورى، واتفقوا بعد الاختلاف على إمامة عثمان )). 

والجـواب : أن هذا من الكذب الذي اتفق أهل النقل على أنه كذب ؛ فإنه لم يختلف أحد في خلافة عثمان، ولكن بقي عبد الرحمن يشاور الناس ثلاثة أيام، وأخبر أن الناس لا يعدلون بعثمان، وأنه شاور حتى العذارى في خدورهن. وإن كان في نفس أحد كراهة، لم يَنْقل  أو قال  أحدٌ شيئا ولم ينقل إلينا. 

فمثل هذا قد يجري في مثل هذه الأمور. والأمر الذي يتشاور فيه الناس لا بد فيه من كلام، لكن لا يمكن الجزم بذلك بمجرد الحزر. 

وأما قوله : ووقعت اختلافات كثيرة منها : ردّه الحَكَم بن أمية إلى المدينة بعد أن طرده رسول الله ، وكان يُسمَّى طريد رسول الله ، بعد أن كان يشفع إلى أبي بكر وعمر أيام خلافتهما، فما أجاباه إلى ذلك، ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخاً )). 

فيقال : مثل هذا إن جعله اختلافا جعل كلما حكم خليفة بحكم ونازعه فيه قوم اختلافا. وقد كان ذكرك لما اختلفوا فيه من المواريث والطلاق وغير ذلك أصح وأنفع، فإن الخلاف في ذلك ثابت منقول عند أهل العلم، ينتفع الناس بذكره والمناظرة فيه. وهو خلاف في أمر كلّي يصلح أن تقع فيه المناظرة. 

وأما هذه الأمور فغايتها جزئية، ولا تُجعل مسائل خلاف يتناظر فيها الناس.

هذا مع أن فيما ذكره كذبا كثيراً، منه ما ذكره من أمر الحَكَم، وأنه طرده رسول الله ، وكان يسمى طريد رسول الله ، وأنه استشفع إلى أبي بكر وعمر أيام خلافتهما فما أجاباه إلى ذلك، وأن عمر نفاه من مقامه باليمن أربعين فرسخاً. فمن الذي نقل ذلك ؟ وأين إسناده ؟ ومتى ذهب هذا إلى اليمن ؟ وما الموجب لنفيه إلى اليمن وقد أقرَّه النبي  على ما يدعونه بالطائف، وهي أقرب إلى مكة والمدينة من اليمن ؟ فإذا كان رسول الله أقرّه قريبا منه، فما الموجب لنفيه بعد ثبوته إلى اليمن ؟ 

وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أن نفي الحَكَم باطل، فإن النبي  لم ينفه إلى الطائف، بل هو ذهب بنفسه. وذكر بعض الناس أنه نفاه، ولم يذكروا إسنادا صحيحاً بكيفية القصة وسببها. 

وقوله :  (( ومنها نفيه أبا ذر إلى الربذة،وتزويجه ابنته مروان بن الحكم، وتسليمه خمس غنائم إفريقية، وقد بلغت مائتى ألف دينار )). 

فيقال : أما قصة أبي ذر فقد تقدم ذكرها، وأما تزويجه مروان ابنته فأي شيء في هذا مما يجعل اختلافا ؟ وأما إعطاؤه خمس غنائم أفريقية. فمن الذي نقل هذا، وتقدم قوله : أعطاه ألف ألف دينار والمعروف أن خمس أفريقية لم يبلغ ذلك. 

وقوله : ومنها إيواؤه عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد أن أهدر النبي  دمه، وتوليته مصر. 

فالجـواب : إن كان المراد أنه لم يزل مهدر الدم حتى ولاه عثمان، كما يفهم من الكلام. فهذا لا يقوله إلا مفرط في الجهل بأحوال الرسول  وسيرته ؛ فإن الناس كلهم متفقون على أنه في عام فتح مكة، بعد أن كان النبي  أهدر دم جماعة منهم عبد الله بن سعد، أتى عثمان به النبي  وبايعه النبي  بعد مراجعة عثمان له في ذلك، وحقن دمه، وصار من المسلمين المعصومين، له ما لهم، وعليه ما عليهم.

وأما قوله :  (( كان عامل جنوده معاوية بن أبي سفيان عامل الشام، وعامل الكوفة سعيد بن العاص، وبعده عبد الله بن عامر، والوليد بن عقبة عامل البصرة )). 

فيقال : أمّا معاوية فولاّه عمر بن الخطاب لما مات أخوه يزيد بن أبي سفيان مكانه، ثم ولاّه عثمان رضي الله عنه الشام كله، وكانت سيرته في أهل الشام من أحسن السير، وكانت رعيته من أعظم الناس محبةً له. 

وفي الصحيح عن النبي  أنه قال :  (( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبّونكم، وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم ))(1). 

وكان معاوية تحبه رعيته وتدعو له، وهو يحبها ويدعو لها. 

وأما توليته لسعيد بن العاص فأهل الكوفة كانوا دائما يشكون من ولاتهم. وَلِيَ عليهم سعد بن أبي وقاص، وأبو موسى الأشعري، وعمَّار بن ياسر والمغيرة بن شعبة،وهم يشكون منهم، وسيرتهم في هذا مشهورة. ولا شك أنهم كانوا يشكون في زمن عثمان أكثر. وقد عُلم أن عثمان وعليًّا رضي الله عنهما كل منهما ولَّى أقاربه، وحصل له بسبب ذلك من كلام الناس وغير ذلك ما حصل. 

وأما قوله :  (( الخلاف التاسع : في زمن أمير المؤمنين عليه السلام بعد الاتفاق عليه وعقد البيعة له، فأوّلا خروج طلحة والزبير إلى مكة، ثم حمل عائشة إلى البصرة، ثم نصب القتال معه، ويُعرف ذلك بحرب الجمل، والخلاف  بينه وبين معاوية وحرب صفين، ومغادرة عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري، وكذا الخلاف بينه وبين الشرارة المارقين بالنهروان. وبالجملة كان عليّ مع الحق والحق معه، وظهر في زمانه الخوارج عليه، مثل الأشعث بن قيس، ومِسْعَر بن فَدَكى التميمي، وزيد بن حصين الطائي وغيرهم، وظهر في زمنه الغلاة كعبد الله بن سبأ. ومن الفرقتين ابتدأت الضلالة والبدع، وصدق فيه قول النبي  : يهلك فيك اثنان : محبٌّ غالٍ، ومبغضٌ قالٍ. 

فانظر بعين الإنصاف إلى كلام هذا الرجل، هل خرج موجب الفتنة عن المشايخ أو تعدّاهم ؟)). 

والجـواب : أن يقال هذا الكلام مما يبين تحامل الشهرستاني في هذا الكتاب مع الشيعة كما تقدم، وإلا فقد ذكر أبا بكر وعثمان، ولم يذكر من أحوالهم أن الحقّ معهم دون من خالفهم، ولما ذكر عليًّا قال :  (( وبالجملة كان الحق مع عليّ وعليّ مع الحق )) والناقل الذي لا غرض له : إما أن يحكى الأمور بالأمانة، وإما أن يعطى كل ذي حقٍ حقّه. فأما دعوى المدّعى أن الحق كان مع عليّ وعليّ مع الحق، وتخصيصه بهذا دون أبي بكر وعمر وعثمان، فهذا لا يقوله أحد من المسلمين غير الشيعة. 

ومما يبين فساد هذا الكلام قوله :  (( إن الاختلاف وقع في زمن عليّ بعد الاتفاق عليه وعقد البيعة له )). ومن المعلوم أن كثيراً من المسلمين لم يكونوا بايعوه، حتى كثير من أهل المدينة ومكة الذين رأوه لم يكونوا بايعوه، دع الذين كانوا بعيدين، كأهل الشام ومصر والمغرب والعراق وخراسان. 

وكيف يقال مثل هذا في بيعة عليّ، ولا يقال في بيعة عثمان التي اجتمع عليها المسلمون كلهم ولم يتنازع فيها اثنان ؟ 

وكذلك ما ذكره من التعريض بالطعن على طلحة والزبير وعائشة من غير أن يذكر لهم عذراً ولا رجوعا. وأهل العلم يعلمون أن طلحة والزبير لم يكونا قاصدين قتال عليّ ابتداءً. وكذلك أهل الشام لم يكن قصدهم قتاله، وكذلك عليّ لم يكن قصده قتال هؤلاء ولا هؤلاء. 

ولكن حرب الجمل جرى بغير اختياره ولا اختيرهم فإنهم كانوا قد اتفقوا على المصالحة وإقامة الحدود على قتلة عثمان، فتواطأت القتلة على إقامة الفتنة آخرا كما أقاموها أولا، فحملوا على طلحة والزبير وأصحابهما، فحملوا دفعاً عنهم، وأشعروا عليًّا أنهما حملا عليه، فحمل عليٌّ دفعاً عن نفسه، وكان كل منهما قصده دفع الصيال لا ابتداء القتال. هكذا ذكر غير واحد من أهل العلم بالسير. فإن كان الأمر قد جرى على وجه لا ملام فيه فلا كلام، وإن كان قد وقع خطأٌ أو ذنب من أحدهما أو كليهما فقد عرف أن هذا لا يمنع ما دل عليه الكتاب والسنة من أنهم من خيار أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده الصالحين، وأنهم من أهل الجنة. 

وقول هذا الرافضي :  (( انظر بعين الإنصاف إلى كلام هذا الرجل هل خرج موجب الفتنة عن المشايخ أو تعدّاهم ؟)). 

فالجـواب : أن يُقال : أمّا الفتنة فـإنما ظهرت في الإسلام من الشيعة، فإنهم أساس كل فتنة وشر، وهم قطب رحى الفتن، فإن أول فتنة كانت في الإسلام قتل عثمان. 

وقد روى الإمام أحمد في مسنده، عن النبي  أنه قال :  (( ثلاث من نجا منهن فقد نجا : موتى، وقتل خليفة مضطهد بغير حق، والدجَّال)).( ) 

ومن استقرأ أخبار العالم في جميع الفرق تبين له أنه لم يكن قط طائفة أعظم اتفاقا على الهدى والرشد، وأبعد عن الفتنة والتفرق والاختلاف من أصحاب رسول الله ، الذين هم خير الخلق بشهادة الله لهم بذلك، إذ يقول :  كُنتُم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ( ) . 

وأبعد الناس عن الطائفة المهدية المنصورة هم الرافضة، لأنهم أجهل وأظلم طوائف أهل الأهواء المنتسبين إلى القبلة، وخيار هذه الأمة هم الصحابة، فلم يكن في الأمة أعظم اجتماعا على الهدى ودين الحق ولا أبعد عن التفرق والاختلاف منهم، وكل ما يذكر عنهم مما فيه نقص فهذا إذا قيس إلى ما يوجد في غيرهم من الأمة كان قليلا من كثير. 

وأما ما يقترحه كل أحد في نفسه مما لم يُخلق، فهذا لا اعتبار به. فهذا يقترح معصوماً من الأئمة، وهذا يقترح ما هو كالمعصوم وإن لم يسمه معصوما، فيقترح في العالم والشيخ والأمير والملك ونحو ذلك، مع كثرة علمه ودينه ومحاسنه، وكثرة ما فعل الله على يديه من الخير، يقترح مع ذلك أن لا يكون قد خَفِيَ عليه شيء ولا يخطئ في مسألة، وأن يخرج عن حد البشرية فلا يغضب، بل كثير من هؤلاء فيهم مالا يقترح في الأنبياء. 

وقد أمر الله تعالى نوحاً ومحمداً أن يقولا :  لاَ أَقُولُ لَكُم عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ( ) فيريد الجهال من المتبوع أن يكون عالماً بكل ما يُسأل عنه، قادراً على كل ما يُطلب منه، غنيًّا عن الحاجات البشرية كالملائكة. وهذا الاقتراح من ولاة الأمر كاقتراح الخوارج في عموم الأمة، أن لا يكون لأحدهم ذنب، ومن كان له ذنب كان عندهم كافراً مخلداً في النار. 

وكل هذا باطل خلاف ما خلقه الله، وخلاف ما شرعه الله. 

فليس الضلال والغيّ في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في الرافضة، كما أن الهدى والرشاد والرحمة ليس في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في أهل الحديث والسنة المحضة، الذين لا ينتصرون إلا لرسول الله ، فإنهم خاصته، وهو إمامهم المطلق الذي لا يتبعون قول غيره إلا إذا اتّبع قوله، ومقصودهم نصر الله ورسوله. 

وقد تبين أن هذا الكلام الذي ذكره هذا الرجل فيه من الباطل ما لا يخفى على عاقل، ولا يحتج به إلا من هو جاهل، وأن هذا الرجل كان له بالشيعة إلمام واتصال، وأنه دخل في هواهم بما ذكره في هذا الكتاب، مع أنه ليس من علماء النقل والآثار،وإنما هو من جنس نقلة التواريخ التي لا يعتمد عليها أولو الأبصار. 

ومن نظر في كتب الحديث والتفسير والفقه والسير علم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأن أصل كل فتنة وبَلٍيَّة هم الشيعة ومن انضو إليهم، وكثير من السيوف التي سُلَّت في الإسلام إنما كانت من جهتهم، وعلم أن أصلهم ومادتهم منافقون، اختلقوا أكاذيب، وابتدعوا آراء فاسدة، ليفسدوا بها دين الإسلام، ويستزلّوا بها مَن ليس مِن أُولى الأحلام، فسعوا في قتل عثمان، وهو أول الفتن، ثم أنزووا إلى عليٍّ، لا حباًّ فيه ولا في أهل البيت، لكن ليقيموا سوق الفتنة بين المسلمين. 

ولهذا تجد الشيعة ينتصرون لأعداء الإسلام المرتدين، كبني حنيفة أتباع مُسَيْلمة الكذَّاب، ويقولون : إنهم كانوا مظلومين، كما ذكر صاحب هذا الكتاب، وينتصرون لأبي لؤلؤة الكافر المجوسي. 

وقد روى أنه طلب من عمر أن يكلِّم مولاه في خراجه، فتوقَّف عمر، وكان من نيَّته أن يكلّمه، فقتل عمر بُغضاً في الإسلام وأهله، وحبًّا للمجوس، وانتقاما للكفَّار، لما فعل بهم عمر حين فَتَحَ بلادهم، وقَتَلَ رؤساءهم، وقسَّم أموالهم. 

فهل ينتصر لأبي لؤلؤة مع هذا إلا من هو أعظم الناس كفرا بالله ورسوله، وبغضا في الإسلام، أومفرط في الجهل لا يعرف حال أبي لؤلؤة ؟ 

ودع ما يُسمع ويُنقل عمَّن خلا، فلينظر كل عاقل فيما يحدث في زمانه، وما يقرب من زمانه من الفتن والشرور والفساد في الإسلام، فإنه يجد معظم ذلك من قِبَل الرافضة، وتجدهم أعظم الناس فتنا وشراًّ، وأنهم لا يقعدون عمَّا يمكنهم من الفتن والشر وإيقاع الفساد بين الأمة. 

ونحن نعرف بالعيان والتواتر العام وما كان في زماننا، من حين خرج جنكزخان ملك الترك الكفَّار، وما جرى في الإسلام من الشر. فلا يشك عاقل أن استيلاء الكفّار المشركين، على بلاد الإسلام، وعلى أقارب رسول الله  من بني هاشم، كذريَّة العبّاس وغيرهم، بالقتل وسفك الدماء، وسبى النساء واستحلال فروجهن، وسبى الصبيان واستعبادهم وإخراجهم عن دين الله إلى الكفر، وقتل أهل العلم والدين من أهل القرآن والصلاة، وتعظيم بيوت الأصنام  التي يسمُّونها البذخانات والبيَع والكنائس  على المساجد، ورفع المشركين وأهل الكتاب من النصارى وغيرهم على المسلمين، بحيث يكون المشركون وأهل الكتاب أعظم عزّا، وأنفذ كلمة، وأكثر حرمة من المسلمين، إلى أمثال ذلك مما لا يشك عاقل أن هذا أضر على المسلمين  من قتال بعضهم بعضا، وأن رسول الله  إذا رأى ما جرى على أمته من هذا، كان كراهته له، وغضبه منه، أعظم من كراهته لاثنين مسلمين تقاتلا على الملك، ولم يسب أحدهما حريم الآخر، ولا نفع كافرا، ولا أبطل شيئا من شرائع الإسلام المواترة، وشعائره الظاهرة. 

ثم مع هذا الرافضة يعاونون أولئك الكفار، وينصرونهم على المسلمين، كما قد شاهده الناس، لمّا دخل هولاكو ملك الكفّار الترك الشام سنة ثمان وخمسين وستمائة، فإن الرافضة الذين كانوا بالشام، بالمدائن والعواصم، من أهل حلب وما حولها، ومن أهل دمشق وما حولها، وغيرهم، كانوا من أعظم الناس أنصاراً وأعوانا على إقامة ملكه، وتنفيذ أمره في زوال ملك المسلمين. 

وهكذا يعرف الناس  عامةً وخاصةً  ما كان بالعراق لمّا قَدمَ هولاكو إلى العراق، وقتل الخليفة، وسفك فيها من الدماء ما لا يحصيه إلا الله، فكان وزير الخليفة ابن العلقمى، والرافضة هم بطانته، الذين أعانوه على ذلك بأنواع كثيرة، باطنة وظاهرة، يطول وصفها. 

وهكذا ذُكر أنهم كانوا مع جنكزخان، وقد رآهم المسلمون بسواحل الشام وغيرها، إذا اقتتل المسلمون والنصارى هواهم مع النصارى، ينصرونهم بحسب الإمكان، ويكرهون فتح مدائنهم، كما كرهوا فتح عكا وغيرها، ويختارون إدالتهم على المسلمين، حتى أنهم لما انكسر عسكر المسلمين سنة غازان، سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وخلت الشام من جيش المسلمين، عاثوا في البلاد، وسعوا في أنواع من الفساد، من القتل وأخذ الأموال، وحمل راية الصليب، وتفضيل النصارى على المسلمين، وحمل السبى والأموال والسلاح من المسلمين إلى النصارى، أهل الحرب بقبرص وغيرها. 

فهذا  وأمثاله  قد عاينه الناس، وتواتر عند من لم يعاينه. ولو ذكرت أنا ما سمعتُه ورأيتُه من آثار ذلك لطال الكتاب ,وعند غيري من أخبار ذلك وتفاصيله ما لا أعلمه. 

فهذا أمر مشهود من معاونتهم للكفار على المسلمين، ومن اختيارهم لظهور الكفر وأهله على الإسلام وأهله. ولو قُدِّر أن المسلمين ظلمة فسقة، ومظهرون لأنواع من البدع التي هي أعظم من سبِّ عليٍّ وعثمان، لكان العاقل ينظر في خير الخَيْرين وشر الشَّرين. 

ألا ترى أن أهل السنة وإن كانوا يقولون في الخوارج والروافض وغيرهما من أهل البدع ما يقولون، لكن لا يعاونون الكفّار على دينهم، ولا يختارون ظهور الكفر وأهله على ظهور بدعةٍ دون ذلك ؟ 

والرافضة إذ تمكّنوا لا يتّقُون. وانظر ما حصل لهم في دولة السلطان خدابندا، الذي صنَّف له هذا الكتاب، كيف ظهر فيهم من الشرّ، الذي لو دام وقوى أبطلوا به عامة شرائع الإسلام ! لكن يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. 

وأما الخلفاء والصحابة فكل خير فيه المسلمون إلى يوم القيامة  من الإيمان والإسلام، والقرآن والعلم، والمعارف والعبادات، ودخول الجنة، والنجاة من النار، وانتصارهم على الكفار، وعلو كلمة الله  فإنما ببركة ما فعله الصحابة، الذين بلّغوا الدين، وجاهدوا في سبيل الله. 

وكل مؤمن آمن بالله فللصحابة رضي الله عنهم عليه فضل إلى يوم القيامة، وكل خير فيه الشيعة وغيرهم فهو ببركة الصحابة. وخير الصحابة تبع لخير الخلفاء الراشدين، فهم كانوا أَقْوَم بكل خير في الدين والدنيا من سائر الصحابة، فكيف يكون هؤلاء منبع الشر، ويكون أولئك الرافضة منبع الخير ؟! 

ومعلوم أن الرافضي يوالي أولئك الرافضة ويعادي الصحابة، فهل هذا إلاّ من شر من أعمى الله بصيرته ؟ فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( الفصل الثالث : في الأدلة الدالة على إمامة أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب بعد رسول الله . الأدلة في ذلك كثيرة لا تحصى، لكن نذكر المهم منها، وننظم أربعة مناهج : المنهج الأول : في الأدلة العقلية، وهي خمسة : 

الأول : أن الإمام يجب أن يكون معصوما، ومتى كان ذلك كان الإمام هو عليًّا عليه السلام. 

أما المقدمة الأولى : فلأن الإنسان مدنيّ بالطبع، لا يمكن أن يعيش منفردا، لافتقاره في بقائه إلى ما يأكل ويشرب ويلبس ويسكن، ولا يمكن أن يفعلها بنفسه، بل يفتقر إلى مساعدة غيره، بحيث يفزع كل واحد منهم إلى ما يحتاج إليه صَاحبه، حتى يتم قيام النوع. ولما كان الاجتماع في مظنّة التغالب والتغابن، بأن كل واحد من الأشخاص قد يحتاج إلى ما في يد غيره، فتدعوه قوته الشهوانية إلى أخذه وقهره عليه وظلمه فيه، فيؤدي ذلك إلى وقوع الهرج والمرج وإثارة الفتن، فلا بد من نصب إمامٍ معصوم يصدّهم عن الظلم والتعدّي، ويمنعهم عن التغالب والقهر، وينصف المظلوم من الظالم، ويوصِّل الحق إلى مستحقّه، لا يجوز عليه الخطأ ولا السهو ولا المعصية، وإلا افتقر إلى إمام آخر، لأن العلة المُحْوِجة إلى نصب الإمام هي جواز الخطأ على الأمة، فلو جاز الخطأ عليه لاحتاج إلى إمام آخر، فإن كان معصوماً كان هو الإمام، وإلا لزم التسلسل. 

أما المقدمة الثانية فظاهرة، لأن أبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا معصومين اتفاقاً، وعليّ معصوم، فيكون هو الإمام )). 

والجواب عن ذلك : أن نقول : كلتا المقدمتين باطلة. أما الأولى: فقوله:  (( ولا بد من نصب إمام معصوم يصدّهم عن الظلم والتعدّي، ويمنعهم عن التغالب والقهر، وينصف المظلوم من الظالم، ويوصِّل الحق إلى مستحقِّه، لا يجوز عليه الخطأ ولا السهو ولا المعصية )). 

فيقال له : نحن نقول بموجب هذا الدليل إن كان صحيحا، فإن الرسول هو المعصوم وطاعته واجبة في كل زمان على كل أحد. وعلم الأمة بأمره ونهيه أتم من علم آحاد الرعية بأمر الإمام الغالب، كالمنتظر ونحوه، بأمره ونهيه. فهذا رسول  إمام معصوم، والأمة تعرف أمره ونهيه، ومعصومهم ينتهي إلى الغائب المنتظر، الذي لو كان معصوما لم يعرف أحدٌ لا أمره ولا نهيه، بل ولا كانت رعية عليّ تعرف أمره ونهيه، كما تعرف الأمة أمر نبيّها ونهيه، بل عند أمة محمد  من علم أمره ونهيه ما أغناهم عن كل إمام سواه، بحيث أنهم لا يحتاجون قط إلى المتولّى عليهم في شيء من معرفة دينهم، ولا يحتاجون في العمل إلى ما يحتاجون فيه إلى التعاون. وهم يعلمون أمره ونهيه أعظم من معرفة آحاد رعيّة المعصوم، ولو قُدِّر وجوده بأمره. فإنه لم يتولّ على الناس ظاهراً من ادُّعيت له العصمة إلا عليٌّ. 

ونحن نعلم قطعا أنه كان في رعيته باليمن وخراسان وغيرهما من لا يدري بماذا أمر ولا عمَّاذا نهى، بل نوّابه كانوا يتصرفون بما لا يعرفه هو. 

وأما الورثة الذين ورثوا علم محمد  فهم يعرفون أمره ونهيه، ويَصْدُقُون في الإخبار عنه، أعظم من علم نواب عليّ بأمره ونهيه، ومن صِدْقهِم  في الإخبار عنه. وهم إنما يريدون أنه لا بد من إمام معصوم حيّ. 

فنقول : هذا الكلام باطل من وجـوه :  

أحدهـا : أن هذا الإمام الموصوف لم يوجد بهذه الصفة. أما في زماننا فلا يُعرف إمام معروف يُدَّعى فيه هذا، ولا يدعى لنفسه، بل مفقود غائب عند متّبعيه، ومعدوم لا حقيقة له عند العقلاء. ومثل هذا لا يحصل به شيء من مقاصد الإمامة أصلا، بل من وَلِيَ على الناس، ولو كان فيه بعض الجهل وبعض الظلم، كان أنفع لهم ممن لا ينفعهم بوجه من الوجوه. 

وهؤلاء المنتسبون إلى الإمام المعصوم لا يوجدون مستعينين في أمورهم إلا بغيره، بل هم ينتسبون إلى المعصوم، وإنما يستعينون بكفور أو ظلوم. فإذا كان المصدِّقون لهذا المعصوم المنتظر لم ينتفع به أحد منهم لا في دينه ولا في دنياه، لم يحصل لأحد به شيء من مقاصد الإمامة. 

وإذا كان المقصود لا يحصل منه شيء، لم يكن بنا حاجة إلى إثبات الوسيلة لأن الوسائل لا تُراد إلا لمقاصدها. فإذا جزمنا بانتفاء المقاصد كان الكلام في الوسيلة من السعي الفاسد، وكان هذا بمنزلة من يقول: الناس يحتاجون إلى من يطعمهم ويسقيهم، وينبغي أن يكون الطعام صفته كذا، والشراب صفته كذا، وهذا عند الطائفة الفلانية، وتلك الطائفة قد عُلم أنها من أفقر الناس، وأنهم معروفون بالإفلاس. 

وأي فائدة في طلب ما يُعلم عدمه، واتباع ما لا ينتفع به أصلا ؟ والإمام يُحتاج إليه في شيئين. إما في العلم لتبليغه وتعليمه، وإما في العمل به ليعين الناس عل ذلك بقوته وسلطانه. 

وهذا المنتظر لا ينتفع لا بهذا ولا بهذا. بل ما عندهم من العلم فهو من كلام مَنْ قَبْله، ومن العمل، إن كان ممّا يوافقهم عليه المسلمون استعانوا بهم، وإلا استعانوا بالكفّار والملاحدة ونحوهم، فهم أعجز الناس في العمل، وأجهل الناس في العلم، مع دعوهم ائتمامهم بالمعصوم، الذي مقصوده العلم والقدرة، ولم يحصل لهم لا علم ولا قدرة، فعلم انتفاء هذا مما يدّعونه. 

وأيضا فالأئمة الاثنا عشر لم يحصل لأحدٍ من الأمة بأحد منهم جميع مقاصد الإمامة.

أما من دون عليّ فإنما كان يحصل للناس من علمه ودينه مثل ما يحصل من نظرائه. وكان عليّ بن الحسين، وابنه جعفر بن محمد يعلّمون الناس ما علّمهم الله، كما علمه علماء زمانهم، وكان في زمنهم من هو أعلم منهم وأنفع للأمة. 

وهذا معروف عند أهل العلم. ولو قدِّر أنهم كانوا أعلم وأَدْيَن، فلم يحصل من أهل العلم و الدين ما يحصل من ذوي الولاية والقوة والسلطان، وإلزام الناس بالحق،ومنعهم باليد عن الباطل. 

وأما بعد الثلاثة كالعسكريَيْن، فهؤلاء لم يظهر عليهم علم تستفيده الأمة، ولا كان لهم يد تستعين بها الأمة، بل كانوا كأمثالهم من الهاشميين لهم حرمة ومكانة، وفيهم من معرفة ما يحتاجون إليه في الإسلام والدين ما في أمثالهم، وهو ما يعرفه كثير من عوام المسلمين. 

وأما ما يختص به أهل العلم، فهذا لم يعرف عنهم. ولهذا لم يأخذ عنهم أهل العلم، كما أخذوا عن أولئك الثلاثة. ولو وجدوا ما يُستفاد لأخذوا، ولكن طالب العلم يعرف مقصوده. 

وإذا كان للإنسان نسب شريف، كان ذلك مما يعينه على قبول الناس منه. ألا ترى أن ابن عبّاس لما كان كثير العلم عَرَفت الأمه له ذلك، واستفادت منه، وشاع ذكره بذلك في الخاصة والعامة. 

وكذلك الشافعي لما كان عنده من العلم والفقه ما يُستفاد منه، عرف المسلمون له ذلك، واستفادوا ذلك منه، وظهر ذكره بالعلم والفقه. 

ولكن إذا لم يجد الإنسان مقصوده في محل لم يطلبه منه. ألا ترى أنه لو قيل عن أحد : أنه طبيب أو نحوي، وعُظِّم حتى جاء إليه الأطباء أو النحاة، فوجدوه لا يعرف من الطب والنحو ما يطلبون، أعرضوا عنه، ولم ينفعه دعوى الجهّال وتعظيمهم ؟ 

وهؤلاء الإمامية أخذوا عن المعتزلة أن الله يجب عليه الإقدار والتمكين واللطف، بما يكون المكلَّف عنده أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، مع تمكّنه في الحالين. 

ثم قالوا : والإمامة واجبة، وهي أوجب عندهم من النبوة، لأن بها لطفاً في التكاليف. قالوا : إنّا نعلم يقينا بالعادات واستمرار الأوقات أن الجماعة متى كان لهم رئيس مهيب مطاع متصرّف منبسط اليد كانوا بوجوده أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإذا لم يكن لهم رئيس وقع الهرج والمرج بينهم، وكانوا عن الصلاح أبعد، ومن الفساد أقرب. وهذه الحال مشعرة بقضية العقل معلومة لا ينكرها إلا من جهل العادات ، ولم يعلم استمرار القاعدة المستمرة في العقل. قالوا : وإذا كان هذا لطفا في التكليف لزم وجوبه. ثم ذكروا صفاته من العصمة وغيرها. 

ثم أورد طائفة منهم على أنفسهم سؤالا، فقالوا : إذا قلتم : إن الإمام لطف، وهو غائب عنكم، فأين اللطف الحاصل مع غيبته ؟ وإذا لم يكن لطفه حاصلا مع الغيبة، وجاز التكليف، بطل أن يكون الإمام لطفاً في الدين. وحينئذ يفسد القول بإمامة المعصوم. 

وقالوا في الجواب عن هذا السؤال : إنَّا نقول : إن لطف الإمام حاصل في حالة الغيبة للعارفين به في حال الظهور. وإنما فات اللطف لمن لم يَقُل بإمامته. كما أن لطف المعرفة لم يحصل لمن لم يعرف الله تعالى، وحصل لمن كان عارفا به. قالوا : وهذا يُسقط هذا السؤال، ويوجب القول بإمامة المعصومين. 

فقيل لهم : لو كان اللطف حاصلا في حال الغيبة كحال الظهور، لوجب أن يستغنوا عن ظهوره، ويتبعوه إلى أن يموتوا. وهذا خلاف ما يذهبون إليه. 

فأجابوا بأنّا نقول : إن اللطف في غيبته عند العارف به من باب التنفير والتبعيد عن القبائح مثل حال الظهور، ولكن نوجب ظهوره لشيء غير ذلك، وهو رفع أيدي المتغلّبين عن المؤمنين، وأخذ الأموال ووضعها في مواضعها من أيدي الجبابرة، ورفع ممالك الظلم التي لا يمكننا رفعها إلا بطريقه، وجهاد الكفار الذي لا يمكن إلا مع ظهوره. 

فيقال لهم : هذا كلام ظاهر البطلان. وذلك أن الإمام الذي جعلتموه لطفاً، هو ما شهدت به العقول والعادات، وهو ما ذكرتموه. قلتم : إن الجماعة متى كان لهم رئيس مهيب مطاع متصرِّف منبسط اليد، كانوا بوجوده أقرب إلى الصلاح، وأبد عن الفساد، واشترطتم فيه العصمة. قلتم : لأن مقصود الانزجار لا يحصل إلا بها. ومن المعلوم أن الموجودين الذين كانوا قبل المنتظر، لم يكن أحد منهم بهذه الصفة : لم يكن أحد منهم منبسط اليد ولا متصرفا. 

وعليّ رضي الله عنه تولّى الخلافة، ولم يكن تصرفه وانبساطه تصرف من قبله وانبساطهم. وأما الباقون فلم تكن أيديهم منبسطة ولا متصرّفون، بل كان يحصل بأحدهم ما يحصل بنظرائه. 

وأما الغائب فلم يحصل به شيء، فإن المعترِف بوجوده إذا عَرَف أنه غاب من أكثر من أربعمائة سنة وستين سنة، وأنه خائف لا يمكنه الظهور، فضلا عن إقامة الحدود، ولا يمكنه أن يأمر أحداً ولا ينهاه  لم يزل الهرج والفساد بهذا. 

ولهذا يوجد  طوائف الرافضة أكثر الطوائف هرجاً وفساداً، واختلافا بالألسن والأيدي، ويوجد من الاقتتال والاختلاف وظلم بعضهم لبعض، ما لا يوجد فيمن لهم متولٍّ كافر، فضلا عن متولٍّ مسلم، فأي لطف حصل لمتبعيه به ؟ 

وأما قولهم إن اللطف به يحصل للعارفين به ، كما يحصل في حال الظهور، فهذه مكابرة ظاهرة ؛ فإنه إذا ظهر حصل به من إقامة الحدود والوعظ وغير ذلك، ما يوجب أن يكون في ذلك لطفٌ لا يحصل مع عدم الظهور. 

وتشبيههم معرفته بمعرفة الله في باب اللطف، وأن اللطف به يحصل للعارف دون غيره، قياس فاسد. فإن المعرفة بأن الله موجود حيّ قادر، يأمر بالطاعة ويثيب عليا، وينهى عن المعصية ويعاقب عليها، من أعظم الأسباب في الرغبة والرهبة منه، فتكون هذه المعرفة داعية إلى الرغبة في ثوابه، بفعل المأمور وترك المحظور، والرهبة من عقابه إذا عصى، لعلم العبد بأنه عالم قادر، وأنه قد جرت سنته بإثابة المطيعين وعقوبة العاصين. 

وأما شخص يعرف الناس أنه مفقود من أكثر من أربعمائة سنة، وأنه لم يعاقب أحداً، وأنه لم يثب أحداً، بل هو خائف على نفسه إذا ظهر، فضلا عن أن يأمر وينهى، فكيف تكون المعرفة به داعية إلى فعل ما أمر وترك ما حظر، بل المعرفة بعجزه وخوفه توجب الإقدام على فعل القبائح، لا سيما مع طول الزمان وتوالي الأوقات وقتا بعد وقت، وهو لم يعاقب أحداً ولم يثب أحداً. 

بل لو قُدِّر أنه يظهر في كل مائة سنة مرة فيعاقب، لم يكن ما يحصل به من اللطف مثل ما يحصل بآحاد ولاة الأمر، بل لو قيل : إنه يظهر في كل عشر سنين، بل ولو ظهر في السنة مرة، فإنه لا تكون منفعته كمنفعة ولاة الأمور الظاهرين للناس في كل وقت، بل هؤلاء  مع ذنوبهم وظلمهم في بعض الأمور  شرع الله بهم، وما يفعلونه من العقوبات، وما يبذلونه من الرغبات في الطاعات، أضعاف ما يقام بمن يظهر بعد كل مدة، فضلا عمَّن هو مفقود، يعلم جمهور العقلاء أنه لا وجود له،والمقرّون به يعلمون أنه عاجز خائف لم يفعل قط ما يفعله آحاد الناس، فضلا عن ولاة أمرهم. 

وأي هيبة لهذا ؟ وأي طاعة، وأي تصرّف، وأي يد منبسطة ؟ حتى إذا كان للناس رئيس مهيب مطاع متصرّف منبسط اليد، كانوا أقرب إلى الصلاح بوجوده. 

ومن تدبر هذا علم أن هؤلاء القوم في غاية الجهل والمكابرة والسفسطه، حيث جعلوا اللطف به في حال عجزه وغيبته، مثل اللطف به في حال ظهوره، وأن المعرفة به مع عجزه وخوفه وفقده لطف، كما لو كان ظاهراً قادراً آمنا، وأن مجرد هذه المعرفة لطف، كما أن معرفة الله لطف. 

الوجه الثاني : أن يقال : قولكم : لا بد من نصب إمامٍ معصوم يفعل هذه الأمور. أتريدون أنه لا بد أن يخلق الله ويقيم من يكون متصفاً بهذه الصفات ؟ أم يجب على الناس أن يبايعوا من يكون كذلك ؟ 

فإن أردتم الأول، فالله لم يخلق أحداً متصفاً بهذه الصفات ؛ فإن غاية ما عندكم أن تقولوا : إن عليًّا كان معصوما لكن الله لم يمكّنه ولو يؤيّده، لا بنفسه، ولا بجند خلقهم له حتى يفعل ما ذكرتموه. 

بل أنتم تقولون : إنه كان عاجزا مقهوراً مظلوما في زمن الثلاثة، ولما صار له جند، قام له جند آخرون قاتلوه، حتى لم يتمكن أن يفعل ما فعل الذين كانوا قبله، الذين هم عندكم ظلمة. 

فيكون الله قد أيد أولئك الذين كانوا قبله، حتى تمكنوا من فعل ما فعلوه من المصالح، ولم يؤيّده حتى يفعل ذلك. 

وحينئذ فما خلق الله هذا المعصوم المؤيِّد الذي اقترحتموه على الله. 

وإن قلتم : إن الناس يجب عليهم أن يبايعوه ويعاونوه. 

قلنا : أيضا فالناس لم يفعلوا ذلك، سواء كانوا مطيعين أو عصاة. وعلى كل تقدير فما حصل لأحد من المعصومين عندكم تأييد، لا من الله ولا من الناس. وهذه المصالح التي ذكرتموها لا تحصل إلا بتأييد، فإذا لم يحصل ذلك لم يحصل ما به تحصل المصالح، بل حصل أسباب ذلك، وذلك لا يفيد المقصود. 

الوجه الثالث : أن يقال : إذا كان لم يحصل مجموع ما به تحصل هذه المطالب، بل فات كثير من شروطها، فلم لا يجوز أن يكون الفائت هو العصمة ؟ وإذا كان المقصود فائتا : إما بعدم العصمة، وإما بعجز المعصوم، فلا فرق بين عدمها بهذا أو بهذا، فمن أين يُعلم بدليل العقل أنه يجب على الله أن يخلق إماماً معصوما ؟ 

وهو إنما يخلقه ليحصل به مصالح عباده، وقد خلقه عاجزاً لا يقدر على تلك المصالح، بل حصل به من الفساد ما لم يحصل إلا بوجوده. 

وهذا يتبين بالوجه الرابع : وهو أنه لو لم يخلق هذا المعصوم، لم يكن يجري في الدنيا من الشر أكثر مما جرى، إذا كان وجوده لم يدفع شيئاً من الشر، حتى يُقال : وجوده دفع كذا. بل وجوده أوجب أن كذَّب به الجمهور، وعادوا شيعته، وظلموه وظلموا أصحابه، وحصل من الشرور التي لا يعلمها إلا الله، بتقدير أن يكون معصوماً.

فإنه بتقدير أن لا يكون عليّ رضي الله عنه معصوما، ولا بقية الاثنى عشر ونحوهم، لا يكون ما وقع من تولية الثلاثة،وبني أمية، وبني العباس، فيه من الظلم والشر ما فيه، بتقدير كونهم أئمة معصومين. وبتقدير كونهم معصومين فما أزالوا من الشر إلا ما يزيله من ليس بمعصوم، فصار كونهم معصومين إنما حصل به الشر لا الخير. 

فكيف يجوز على الحكيم أن يخلق شيئا ليحصل به الخير، وهو لم يحصل به إلا الشر لا الخير ؟ 

وإذا قيل : هذا الشر حصل من ظلم الناس له. 

قيل : فالحكيم الذي خلقه إذا كان خلقه لدفع ظلمهم، وهو يعلم أنه إذا خلقه زاد ظلمهم، لم يكن خلقه حكمة بل سفهاً، وصار هذا كتسليم إنسانٍ ولدَه إلى من يأمره بإصلاحه، وهو يعلم أنه لا يطيعه بل يفسده. فهل يفعل هذا حكيم ؟ 

الوجه الخامس : إذا كان الإنسان مدينا بالطبع، وإنما وجب نصب المعصوم ليزيل الظلم والشر عن أهل المدينة، فهل تقولون : إنه لم يزل في كل مدينة خلقها الله تعالى معصوم يدفع ظلم الناس أم لا ؟ 

فإن قلتم بالأول، كان هذا مكابرة ظاهرة. فهل في بلاد الكفّار من المشركين وأهل الكتاب معصوم ؟ وهل كان في الشام عند معاوية معصوم ؟ 

وإن قلتم : بل نقول : هو في كل مدينة واحد،وله نوّاب في سائر المدائن. 

قيل : فكل معصوم له نوّاب في جميع مدائن الأرض أم في بعضها ؟ 

فإن قلتم:في الجميع،كان هذا مكابرة.وإن قلتم:في البعض دون البعض. 

قيل : فما الفرق إذا كان ما ذكرتموه واجبا على الله، وجميع المدائن حاجتهم إلى المعصوم واحدة ؟ 

الوجه السادس : أن يُقال : هذا المعصوم يكون وحده معصوما ؟ أو كلٌّ من نوابه معصوما ؟ وهم لا يقولون بالثاني، والقول به مكابرة. فإن نوّاب النبي  لم يكونوا معصومين، ولا نوّاب عليّ، بل كان في بعضهم من الشر والمعصية ما لم يكن مثله في نوّاب معاوية لأميرهم، فأين العصمة ؟ 

وإن قلت : يشترط فيه وحــده. 

قيل : فالبلاد الغائبة عن الإمام، لا سيما إذا لم يكن المعصوم قادراً على قهر نوابه بل هو عاجز، ماذا ينتفعون بعصمة الإمام، وهم يصلّون خلف غير معصوم، ويحكم بينهم غير معصوم، ويطيعون غير معصوم، ويأخذ أموالهم غير معصوم ؟ 

فإن قيل : الأمور ترجع إلى المعصومين. 

قيل : لو كان المعصوم قادراً ذا سلطان، كما كان عمر وعثمان ومعاوية وغيرهم، لم يتمكن أن يوصّل إلى كل من رعيته العدل الواجب الذي يعلمه هو. وغاية ما يقدر عليه أن يولِّي أفضل من يقدر عليه، لكن إذا لم يجد إلا عاجزاً أو ظالماً، فكيف يمكنه تولية قادر عادل ؟ 

فإن قالوا : إذا لم يخلق الله إلا هذا سقط عنه التكليف. 

قيل : فإذاً لم يجب على الله أن يخلق قادراً عادلاً مطلقا، بل أوجب على الإمام أن يفعل ما يقدر عليه، فكذلك الناس عليهم أن يولّوا أصلح من خلقه الله تعالى، وإن كان فيه نقص :إما من قدرته، وإما من عدله. 

وقد كان عمر رضي الله عنه  يقول :  (( اللهم إليك أشكو جَلَدَ الفاجر وعجز الثقة ))، وما ساس العالم أحدٌ مثل عمر، فكيف الظن بغيره؟

هذا إذا كان المتولّى نفسه قادراً عادلا، فكيف إذا كان المعصوم عاجزاً ؟ ومن الذي يُلْزمها بطاعته حتى تطيعه ؟ وإذا أظهر بعض نوّابه طاعته حتى يولّيه، ثم أخذ ما شاء من الأموال، وسكن في مدائن الملوك، فأي حيلة للمعصوم فيه ؟ 

فعلم أن المعصوم الواحد لا يحصل به المقصود، إذا كان ذا سلطان، فكيف إذا كان عاجزاً مقهوراً ؟ فكيف إذا كان مفقوداً غائبا لا يمكنه مخاطبة أحد ؟ فكيف إذا كان معدوما لا حقيقة له ؟ 

الوجه السابع : أن يُقال : صَدُّ غيره عن الظلم، وإنصاف المظلوم منه، وإيصال حق غيره إليه فرع على منع ظلمه، واستيفاء حقِّه. فإذا كان عاجزاً مقهوراً لا يمكنه دفع الظلم عن نفسه، ولا استيفاء حقّه من ولايةٍ ومال، ولا حق امرأته من ميراثها، فأي ظلم يَدْفع ؟ وأي حق يُوصِّل ؟ فكيف إذا كان معدوما أو خائفا لا يمكنه أن يظهر في قرية أو مدينة خوفا من الظالمين أن يقتلوه، وهو دائما على هذا الحال أكثر من أربعمائة وستين سنة، والأرض مملوءة من الظلم والفساد، وهو لا يقدر أن يعرّف بنفسه، فكيف يدفع الظلم عن الخلق،أو يُوصِّل الحق إلى المستحق ؟ وما أخلق هؤلاء بقوله تعالى :  أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَاْلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً(1) !

الوجه الثامن : أن يُقال :حاجة الإنسان إلى تدبير بدنه بنفسه، أعظم من حاجة المدينة إلى رئيسها.وإذا كان الله تعالى لم يخلق نفس الإنسان معصومةً، فكيف يجب عليه أن يخلق رئيساً معصوما؟ 

مع أن الإنسان يمكنه أن يكفر بباطنه، ويعصي بباطنه، وينفرد بأمور كثيرة من الظلم والفساد، والمعصوم لا يعلمها، وإن علمها لا يقدر على إزالتها، فإذا لم يجب هذا فكيف يجب ذاك ؟ 

الوجه التاسع : أن يقال : هل المطلوب من الأئمة أن يكون الصلاح بهم أكثر من الفساد، وأن يكون الإنسان معهم أقرب إلى المصلحة وأبعد عن المفسدة، مما لو عدموا ولم يقم مقامهم ؟ أم المقصود بهم وجود صلاحٍ لا فساد معه ؟ أم مقدار معين من الصلاح ؟ 

فإذا كان الأول، فهذا المقصود حاصل لغالب ولاة الأمور. وقد حصل هذا المقصود على عهد أبي بكر وعمر وعثمان، أعظم مما حصل على عهد عليّ. وهو حاصل بخلفاء بني أمية وبني العباس، أعظم مما هو حاصل بالاثنى عشر. وهذا حاصل بملوك الروم والترك والهند، أكثر مما هو حاصل بالمنتظر الملقّب صاحب الزمان، فإنه ما من أمير يتولى ثم يُقدَّر عدمه بلا نظير، إلا كان الفساد في عدمه أعظم من الفساد في وجوده، لكن قد يكون الصلاح في غيره أكثر منه، كما قد قيل :  (( ستون سنة مع إمام جائر خير من ليلة واحدة بلا إمام )). 

وإن قيل : بل المطلوب وجود صلاحٍ لا فساد معه. 

قيل : فهذا لم يقع، ولم يخلق الله ذلك، ولا خلق أسبابا توجب ذلك لا محالة. فمن أوجب ذلك، وأوجب ملزوماته على الله، كان إمّا مكابراً لعقله، وإما ذامًّا لربّه. وخَلْقُ ما يمكن معه وجود ذلك، لا يحصل به ذلك، إن لم يخلق ما يكون به ذلك. 

ومثل هذا يقال في أفعال العباد، لكن القول في المعصوم أشد،لأن مصلحته تتوقف على أسباب خارجة عن قدرته، بل عن قدرة الله عند هؤلاء. الذين هم معتزلة رافضة، فإيجاب ذلك على الله أفسد من إيجاب خلق مصلحة كل عبد له. 

الوجه العاشر : أن يقال : قوله :  (( لو لم يكن الإمام معصوما لافتقر إلى إمام آخر، لأن العلة المحوجة إلى إمام هي جواز الخطأ على الأمة، فلو جاز الخطأ عليه لاحتاج إلى إمام آخر )). 

فيقال له : لم لا يجوز أن يكون إذا أخطأ الإمام كان في الأمة من ينبهه على الخطأ، بحيث لا يحصل اتفاق المجموع على الخطأ، لكن إذا أخطأ بعض الأمة، نبهه الإمام أو نائبه أو غيره، وإن أخطأ الإمام أو نائبه نبهه آخر كذلك، وتكون العصمة ثابتة للمجموع، لا لكل واحد من الأفراد، كما يقوله أهل الجماعة ؟ 

وهذا كما أن كل واحد من أهل خبر التواتر يجوز عليه الخطأ، وربما جاز عليه تعمد الكذب، لكن المجموع لا يجوز عليهم ذلك في العادة. وكذلك الناظرون إلى الهلال أو غيره من الأشياء الدقيقة، قد يجوز الغلط على الواحد منهم، ولا يجوز على العدد الكثير. 

وكذلك الناظرون في الحساب والهندسة، ويجوز على الواحد منهم الغلط في مسألة أو مسألتين، فأما إذا كثر أهل المعرفة بذلك، امتنع في العادة غلطهم. 

ومن المعلوم أن ثبوت العصمة لقوم اتفقت كلمتهم، أقرب إلى العقل والوجود من ثبوتها لواحدٍ. فإن كانت العصمة لا تمكن للعدد الكثير، في حال اجتماعهم على الشيء المعيّن، فان لا تمكن للواحد أَولى. وإن أمكنت للواحد مفرداً، فلإن تمكن له ولأمثاله مجتمعين بطريق الأَوْلى والأحرى. 

فعُلم أن إثبات العصمة للمجموع أَوْلى من إثباتها للواحد، وبهذه العصمة يَحْصُل المقصود المطلوب من عصمة الإمام، فلا تتعين عصمة الإمام. 

ومن جهل الرافضة إنهم يوجبون عصمة واحد من المسلمين، ويجوّزون على مجموع المسلمين الخطأ إذا لم يكن فيهم واحد معصوم. والمعقول الصريح يشهد أن العلماء الكثيرين، مع اختلاف اجتهاداتهم، إذا اتفقوا على قولٍ كان أولى بالصواب من واحد، وأنه إذا أمكن حصول العلم بخبرٍ واحد، فحصوله بالأخبار المتواترة أَوْلى.

ومما يبيّن ذلك أن الإمام شريك الناس في المصالح العامة، إذ كان هو وحده لا يقدر أن يفعلها، إلا أن يشترك هو وهم فيها، فلا يمكنه أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق، ولا يوفّيها، ولا يجاهد عدواً إلا أن يعينوه، بل لا يمكنه أن يصلّي بهم جمعة ولا جماعة إن لم يصلّوا معه، ولا يمكن أن يفعلوا ما يأمرهم به إلا بقواهم وإرادتهم. فإذا كانوا مشاركين له في الفعل والقدرة، لا ينفرد عنهم بذلك، فكذلك العلم والرأي لا يجب أن ينفرد به بل يشاركهم فيه، فيعاونهم ويعاونونه، وكما أن قدرته تعجز إلا بمعاونتهم، فكذلك علمه يعجز إلا بمعاونتهم. 

 الوجه الحادي عشر : أن يُقال : العلم الديني الذي يحتاج إليه الأئمة والأمة نوعان : علم كلّي، كإيجاب الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، والزكاة، والحج، وتحريم الزنا والسرقة والخمر ونحو ذلك. وعلم جزئي، كوجوب الزكاة على هذا، ووجوب إقامة الحد على هذا، ونحو ذلك. 

فأما الأول، فالشريعة مستقلة به، لا تحتاج فيه إلى الإمام. فإن النبي إما أن يكون قد نصّ على كليات الشريعة التي لا بد منها، أو ترك منها ما يحتاج إلى القياس. فإن كان الأول ثبت المقصود. وإن كان الثاني، فذلك القدر يحصل بالقياس. 

وإن قيل : بل ترك فيها ما لا يُعلم بنصّه ولا بالقياس، بل بمجرد قول المعصوم، كان هذا المعصوم شريكا في النبوّة لم يكن نائبا ؛ فإنه إذا كان يُوجب ويحرّم من غير إسناد إلى نصوص النبي، كان مستقلا، لم يكن متّبعا له، وهذا لا يكون إلا نبيًّا، فأما من لا يكون إلا خليفة لنبيّ، فلا يستقل دونه. 

وأيضا فالقياس إن كان حجةً جاز إحالة الناس عليه، وإن لم يكن حجةً وجب أن ينصّ النبي على الكليّات. 

وأيضا فقد قال تعالى : اليَوْمَ أَكْملْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ اْلإِسْلاَمَ دِينًا(1). 

وهذا نصٌ في أن الدين كامل لا يحتاج معه إلى غيره. 

وأما الجزئيات فهذه لا يمكن النصّ على أعيانها، بل لا بد فيها من الاجتهاد المسمّى بتحقيق المناط، كما أن الشارع لا يمكن أن ينصَّ لكل مصلٍّ على جهة القبلة في حقِّه، ولكل حاكم على عدالة كل شاهد، وأمثال ذلك. 

وإذا كان كذلك، فإن ادّعوا عصمة الإمام في الجزئيات، فهذه مكابرة، ولا يدَّعيها أحد، فإن عليًّا رضي الله عنه كان يولِّي من تبين له خيانته وعجزه وغير ذلك، وقد قطع رجلا بشهادة شاهدين، ثم قالا : أخطأنا. فقال : لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما. 

وكذلك كان النبي ، ففي الصحيحين عنه أنه قال:  (( إنكم تختصمون إلىَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضى بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار))( 2).

الوجه الثاني عشر : أن يُقال : العصمة الثابتة للإمام : أهي فعل  للطاعات باختياره وتركه للمعاصي باختياره، مع أن الله تعالى عندكم لا يخلق اختياره ؟ أم هي خلق الإرادة له ؟ أم سلبه القدرة على المعصية ؟ 

فإن قلتم بالأول، وعندكم أن الله لا يخلق اختيار الفاعلين، لزمكم أن الله لا يقدر على خلق معصوم. 

وإن قلتم بالثاني بطل أصلكم الذي ذهبتم إليه في القدرة. 

وإن قلتم : سَلْبُ القدرة على المعصية، كان المعصوم عندكم هو العاجز عن الذنب. كما يعجز الأعمى عن نقط  المصاحف، والمُقعد عن المشي. 

والعاجز عن الشيء لا يُنهى عنه ولا يؤمر به، وإذا لم يُؤمر وُينه لم يستحق ثواباً على الطاعة، فيكون المعصوم عندكم لا ثواب له على ترك معصية، بل ولا على فعل طاعة. وهذا غاية النقص. 

وحينئذ فأيّ مسلم فُرض كان خيراً من هذا المعصوم، إذا أذنب ثم تاب، لأنه بالتوبة محيت سيئاته، بل بُدِّل بكل سيئة حسنة مع حسناته المتقدمة، فكان ثواب المكلَّفين خيراً من المعصوم عند هؤلاء، وهذا يناقض قولهم غاية المناقضة. 

وأما المقدمة الثانية : فلو قدر أنه لابد من معصوم، فقولهم ليس بمعصومٍ غير عليٍّ اتفاقاً ممنوع، بل كثير من الناس من عبَّادهم وصوفيتهم وجندهم وعامتهم يعتقدون في كثير من شيوخهم من العصمة، من جنس ما تعتقده الرافضة في الاثنى عشر، وربما عبَّروا عن ذلك بقولهم :  (( الشيخ محفوظ )). 

وإذا كانوا يعتقدون هذا في شيوخهم، مع اعتقادهم أن الصحابة أفضل منهم، فاعتقادهم ذلك في الخلفاء من الصحابة أَوْلى. 

وكثير من الناس فيهم من الغلو في شيوخهم من جنس ما في الشيعة من الغلو في الأئمة. 

وأيضا فالإسماعيلية يعتقدون عصمة أئمتهم، وهم غير الاثنى عشر. 

وأيضا فكثير من أتباع بني أمية  أو كثرهم  كانوا يعتقدون أن الإمام لا حساب عليه ولا عذاب، وأن الله لا يؤاخذهم على ما يطيعون فيه الإمام، بل تجب عليهم طاعة الإمام في كل شيء، والله أمرهم بذلك. وكلامهم في ذلك معروف كثير. 

وقد أراد يزيد بن عبد الملك أن يسير بسيرة عمر بن عبد العزير، فجاء إليه جماعة من شيوخهم، فحلفوا له بالله الذي لا إله إلا هو، أنه إذا ولَّى اللّهُ على الناس إماماً تقبل اللََََََََّهُ منه الحسنات وتجاوز عنه السيئات. 

ولهذا تجد في كلام كثير من كبارهم الأمر بطاعة وليّ الأمر مطلقا، وأن من أطاعه فقد أطاع الله. ولهذا كان يُضرب بهم المثل، يقال :  ((طاعة شاميّة )). 

وحينئذ فهؤلاء يقولون : إن إمامهم لا يأمرهم إلا بما أمرهم الله به، وليس فيهم شيعة، بل كثير منهم يبغض عليًّا ويسبُّه. 

ومن كان اعتقاده أن كل ما يأمر به فإنما مما أمر الله به، وأنه تجب طاعته، وأن الله يثيبه على ذلك، ويعاقبه على تركه  لم يحتج مع ذلك إلى معصوم غير إمامه. 

وحينئذ فالجواب من وجهين : أحدهما : أن يُقال : كلٌّ من هذه الطوائف إذا قيل لها : أنه لا بد لها من إمام معصومٍ. تقول : يكفيني عصمة الإمام الذي ائتممت به، لا أحتاج إلى عصمة الاثنى عشر : لا عليّ ولا غيره. ويقول هذا: شيخي وقدوتي. وهذا يقول : إمامي الأموي والإسماعيلي. بل كثير من الناس يعتقدون أن من يطيع الملوك لا ذنب له في ذلك، كائنا من كان، ويتأوَّلون قوله:أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي اْلأَمْرِ مِنْكُمْ(1). 

فإن قيل : هؤلاء لا يعتدّ بخلافهم. 

قيل : هؤلاء خيرٌ من الرافضة والإسماعيلية. 

وأيضا فإن أئمة هؤلاء وشيوخهم خير من معدوم لا يُنتفع به بحال. فهم بكل حال خير من الرافضة. 

وأيضا فبطلت حجة الرافضة بقولهم:لم تدّع العصمة إلا في عليّ وأهل بيته. 

فإن قيل:لم يكن في الصحابة من يدّعي العصمة لأبي بكر وعمر وعثمان. 

قيل : إن لم يكن فيهم من يدّعي العصمة لعليّ بطل قولكم. وإن كان فيهم من يدّعي العصمة لعليّ، لم يمتنع أن يكون فيهم من يدعي العصمة للثلاثة، بل دعوى العصمة لهؤلاء أَوْلى، فإنّا نعلم يقينا أن جمهور الصحابة كانوا يفضّلون أبا بكر وعمر، بل عليّ نفسه كان يفضلهما عليه، كما تواتر عنه. وحينئذ فدعواهم عصمة هذين أولى من دعوى عصمة عليّ. 

فإن قيل : فهذا لم يُنقل عنهم. 

قيل لهم : ولا نُقل عن واحدٍ منهم القول بعصمة عليّ. ونحن لا نثبت عصمة لا هذا ولا هذا، لكن نقول : ما يمكن أحداً أن ينفي نقل قول أحدٍ منهم بعصمة أحد الثلاثة ، مع دعواهم أنهم كانوا يقولون بعصمة علي . فهذا الفرق لا يمكن أحدا ًأن يدّعيه، ولا ينقله عن واحد منهم. وحينئذ فلا يُعلم زمان ادّعى فيه العصمة لعليّ أو لأحدٍ من الاثنى عشر، ولم يكن من ذلك الزمان من يدّعي عصمة غيرهم، فبطل أن يحتج بانتفاء عصمة الثلاثة ووقوع النزاع في عصمة عليّ. 

الوجه الرابع عشر : أن يقال : إما أن يجب وجود المعصوم في كل زمان، وإما أن لا يجب. فإن لم يجب بطل قولهم. وإن وجب لم نسلّم على هذا التقدير أن عليًّا كان هو المعصوم دون الثلاثة. بل إذا كان هذا القول حقًّا، لزم أن يكون أبو بكر وعمر وعثمان معصومين، فإن أهل السنّة متفقون على تفضيل أبي بكر وعمر، وأنهما أحق بالعصمة من عليّ، فإن كانت العصمة ممكنة، فهي إليهما أقرب، وإن كانت ممتنعة، فهي عنه أبعد. 

وليس أحد من أهل السنّة يقول بجواز عصمة عليّ دون أبي بكر وعمر، وهم لا يسلّمون انتفاء العصمة عن الثلاثة، إلا مع انتفائها عن عليّ. فأما انتفاؤها عن الثلاثة دون عليّ، فهذا ليس قول أحدٍ من أهل السنة. 

وإذا قال : أنتم تعتقدون انتفاء العصمة عن الثلاثة. 

قلنا : نعتقد انتفاء العصمة عن عليّ، ونعتقد أن انتفاءها عنه أَوْلى من انتفائها عن غيره، وأنهم أحق بها منه إن كانت ممكنة، فلا يمكن مع هذا أن يحتج علينا بقولنا. 

وأيضا فنحن إنما نسلّم انتفاء العصمة عن الثلاثة، لاعتقادنا أن الله لم يخلق إماماً معصوماً. فإن قُدِّر أن الله خلق إماماً معصوما فلا يُشك أنهم أحق بالعصمة من كل من جاء بعدهم، ونفينا لعصمتهم لاعتقادنا هذا التقدير. 

وهنا جواب ثالث عن أصل الحجة،وهو أن يُقال : من أين علمتم أن عليًّا معصوم، ومن سواه ليس بمعصوم. فإن قالوا بالإجماع على ثبوت عصمة عليّ وانتفاء عصمة غيره كما ذكروه من حجتهم. 

قيل لهم : إن لم يكن الإجماع حجة بطلت هذه الحجة، وإن كان حجة في إثبات عصمة عليّ  التي هي الأصل  أمكن أن يكون حجة في المقصود بعصمة من حفظ الشرع ونقله. وكن هؤلاء يحتجّون بالإجماع، ويردّون كون الإجماع حجة، فمن أين علموا أن عليًّا هو المعصوم دون من سواه ؟ 

فإن ادّعوا التواتر عندهم عن النبي في عصمته، كان القول في ذلك كالقول في تواتر النص على إمامته، وحينئذ فلا يكون لهم مستند آخر. 

الجواب الرابع : أن يُقال : الإجماع عندهم ليس بحجة، إلا أن يكون قول المعصوم فيه، فإن لم يعرفوا ثبوت المعصوم إلا به لزم الدور، فإنه لا يُعرف أنه معصوم إلا بقوله، ولا يُعرف أن قوله حجة إلا إذا عُرف أنه معصوم، فلا يثبت واحد منهما. 

فعُلم بطلان حجتهم على إثبات المعصوم. وهذا يبين أن القوم ليس لهم مستند علمي أصلا فيما يقولون. 

فإذا قيل لهم : بم عرفتم أنه معصوم، وأن من سواه ليسوا معصومين؟ 

قالوا : بأنه قال : أنا معصوم، ومن سواي ليس بمعصوم. وهذا مما يمكن كل أحد أن يقوله، فلا يكون حجة. 

فإذا قدِّر أن الحاجة إلى المعصوم ثابتة، فالكلام في تعيّنه. فإذا طُولب الإسماعيلي بتعيين معصومه، وما الدليل على أن هذا هو المعصوم دون غيره، لم يأت بحجة أصلا، وتناقضت أقواله. 

وكذلك الرافضي أخذ من القدرية كلامهم في وجوب رعاية الأصلح، وبنى عليه أنه لا بد من معصوم. وهي أقوال فاسدة، ولكن إذا طُولب بتعيينه، لم يكن له حجة أصلا، إلا مجرد قول من لم تثبت بعد عصمته : إني معصوم. 

فإن قيل : إذا ثبت بالعقل أنه لا بد من معصوم، فإذا قال عليّ : إني معصوم، لزم أن يكون هو المعصوم، لأنه لم يدّع هذا غيره. 

قيل لهم: لو قُدِّر ثبوت معصوم في الوجود، لم يكن مجرد قول شخص : أنا معصوم، مقبولاً لإمكان كون غيره هو المعصوم، وإن لم نعلم نحن دعواه، وإن لم يُظهر دعواه، بل يجوز أن يسكت عن دعوى العصمة وإظهارها على أصلهم، كما جاز للمنتظر أن يخفي نفسه خوفا من الظَّلَمَة. 

ومع هذا كله بتقدير دعوى عليّ العصمة، فإنما يُقبل هذا لو كان عليّ قال ذلك، وحاشاه من ذلك. 

وهذا جواب خامس وهو أنه إذا لم تكن الحجة على العصمة إلا قول المعصوم : إني معصوم، فنحن راضون بقول عليٍّ في هذه المسألة، فلا يمكن أحد أن يَنْقٍلَ عنه بإسناد ثابت أنه قال ذلك، بل النقول المتواترة عنه تنفي اعتقاده في نفسه العصمة. 

وهذا جواب سادس، فإن إقراره لقضاته على أن يحكموا بخلاف رأيه، دليل على أنه لم يعدّ نفسه معصوما. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( الوجه الثاني : أن الغمام يجب أن يكون منصوصاً عليه، لما بيَّنَّا من بطلان الاختيار، وأنه ليس بعض المختارين لبعض الأمة أَوْلى من البعض المختار الآخر، ولأدائه إلى التنازع والتشاجر، فيؤدّى نصب الإمام إلى أعظم أنواع الفساد التي لأجل إعدام الأقل منها أوجبنا نصبه. وغير عليٍّ من أئمتهم لم يكن منصوصا عليه بالإجماع فتعيّن أن يكون هو الإمام )). 

والجـواب : عن هذا بمنع المقدمتين أيضا، لكن النزاع هنا في الثانية أظهر وأَبْيَن، فإنه قد ذهب طوائف كثيرة من السلف والخلف، من أهل الحديث والفقه والكلام، إلى النصّ على أبي بكر. وذهبت طائفة من الرافضة إلى النصّ على العباس. 

وحينئذ فقوله: (( غير عليّ من أئمتهم لم يكن منصوصاً عليه بالإجماع )) كذب متيقن فإنه لا إجماع على نفي النصّ عن غير عليّ. وهذا الرافضي المصنِّف، وإن كان من أفضل بني جنسه، ومن المبرّزين على طائفته، فلا ريب أن الطائفة كلها جُهَّال. وإلا فمن له معرفة بمقالات الناس كيف يدَّعى مثل هذا الإجماع ؟!

ونجيب هنا بجواب ثالث مركَّب، وهو أن نقول : لا يخلو إما أن يُعتبر النص في الإمامة وإما أن لا يُعتبر. فإن اعتُبر منعنا المقدمة الثانية، إن قلنا : إن النص ثابت لأبي بكر. وإن لم يُعتبر بطلت المقدمة الأولى. 

وهنا جواب رابع : وهو أن نقول : الإجماع عندكم ليس بحجة، وإنما الحجة قول المعصوم، فيعود الأمر إلى إثبات النصّ بقول الذي يُدَّعى له العصمة. ولم يثبت بعد لا نص ولا عصمة، بل يكون قول القائل:  (( لم يُعرف صحة قوله : أنا المعصوم، وأنا المنصوص على إمامتي )) حجة، وهذا من أبلغ الجهل. وهذه الحجة من جنس التي قبلها. 

وجـواب خامس : وهو أن يُقال : ما تعني بقولك :  (( يجب أن يكون منصوصاً عليه ))؟. لأنه لا بد أن يقول : هذا هو الخليفة من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، فيكون الخليفة بمجرد هذا النص ؟ أم لا يصير هذا إماما حتى تُعقد له الإمامة مع ذلك ؟ 

فإن قلت بالأول. قيل : لا نسلّم وجوب النص بهذا الاعتبار. والزيدية مع الجماعة تنكر هذا النص، وهم من الشيعة الذين لا يُتَّهَمون عَلَى عليٍّ. 

أما قوله :  (( إنه إذا لم يكن كذلك أدّى إلى التنازع والتشاجر )). 

فيقال : النصوص التي تدل على استحقاقه الإمامة وتُعلم دلالتها بالنظر والاستدلال، يحصل بها المقصود في الأحكام، فليست كل الأحكام منصوصة نصاًّ جليا يستوي في فهمه العام والخاص. فإذا كانت الأمور الكلية التي تجب معرفتها في كل زمان يُكتفى فيها بهذا النص، فَلأَن يكتفى بذلك في القضية الجزئية، وهو تولية إمام معيّن، بطريق الأَوْلى والأحرى. فإنّا قد بينا أن الكليات يمكن نصّ الأنبياء عليها، بخلاف الجزئيات. 

وأيضا فيه إذا كانت الأدلة ظاهرة  في أن بعض الجماعة أحق بها من غيره استغنى بذلك عن استخلافه. 

والدلائل الدالّة على أن أبا بكر كان أحقهم بالإمامة ظاهرة بيّنة، لم ينازع فيها أحد من الصحابة، ومن نازع من الأنصار لم ينازع في أن أبا بكر أفضل المهاجرين، وإنما طلب أن يُولَّى واحدٌ من الأنصار مع  واحدٍ من المهاجرين. 

فإن قيل : إن كان لهم هوًى مُنٍعوا ذلك بدلالة النصوص. 

قيل : وإذا كان لهم هوىً عصوا تلك النصوص وأعرضوا عنها، كما ادعيتم أنتم عليهم. فمع قصدهم الحق يحصل المقصود بهذا وبهذا، ومع العناد لا ينفع هذا لا هذا. 

وجواب سادس : أن يقال : النص على الأحكام على وجهين : نص كلي عام يتناول أعيانها، ونص على الجزئيات. 

فإن قلتم : لا بد من النصّ على الإمام. إن أردتم النصّ على العام الكلي: عَلَى ما يُشترك للإمام،وما يجب عليه، وما يجب له، كالنص على الحكّام والمفتين والشهود وأئمة الصلاة والمؤذنين وأمراء الجهاد، وغير هؤلاء ممن يتقلّد شيئا من أمور المسلمين  فهذه النصوص ثابتة  ولله الحمد  كثيرة، كما هي ثابتة على سائر الأحكام. 

وجواب سابع : وهو أن يقال : أنتم أوجبتم النص، لئلا يفضى إلى التشاجر، المفضى إلى أعظم أنواع الفساد التي لأجل إعدام الأقل منها أوجبتم نصبه. 

فيقال : الأمر بالعكس، فإن أبا بكر رضي الله عنه تولّى بدون هذا الفساد. وعمر وعثمان توليا بدون هذا الفساد. فإنما عَظُم هذا الفساد في الإمام الذي ادّعيتم أنه منصوص عليه دون غيره، فوقع في ولايته من أنواع التشاجر والفساد التي لأجل إعدام الأقل منها أوجبتم نصبه، فكان ما جعلتموه وسيلة إنما حصل معه نقيض المقصود، وحصل المقصود بدون وسيلتكم، فبطل كون ما ذكرتموه وسيلة إلى المقصود. 

وهذا لأنهم أوجبوا على الله ما لا يجب عليه،وأخبروا بما لم يكن، فلزم من كذبهم وجهلهم هذا التناقض. 

وجواب ثامن : وهو أن يقال : النصّ الذي يزيل هذا الفساد يكون على وجوه : 

أحدها : أن يخبر النبي  بولاية الشخص ويثني عليه في ولايته، فحينئذ تعلم الأمة أن هذا إن تولّى كان محموداً مرضيا، فيرتفع النزاع، وإن لم يقل : وَلُّوه. 

وهذا النص وقع لأبي بكر وعمــر. 

الثاني : أن يخبر بأمور تستلزم صلاح الولاة، وهذه النصوص وقعت في خلافة أبي بكر وعمر. 

الثالث : أن يأمر من يأتي بعد موته شخصا يقوم مقامه، فيدل على أنه خليفة من بعده. وهذا وقع لأبي بكر. 

الرابع : أن يريد كتابة كتاب، ثم يقول : إن الله والمؤمنون لا يولُّون إلا فلاناً، وهذا وقع لأبي بكر. 

الخامس : أن يأمر بالاقتداء بعده بشخص، فيكون هو الخليفة بعده. 

السادس : أن يأمر باتّباع سنّة خلفائه الراشدين المهديين، ويجعل خلافتهم إلى مدة معينة، فيدل على أن المتولين في تلك المدة هم الخلفاء الراشدون. 

السابع : أن يخص بعض الأشخاص بأمر يقضى أنه هو المقدَّم عنده في الاستخلاف، وهذا موجود لأبي بكر.

كما في الصحيحين أنه قال لعائشة :  (( ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه الناس من بعدي )) ثم قال :  (( يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ))(1).

فعلم أن الله لا يولّي إلا أبا بكر والمؤمنون لا يبايعون إلا أبا بكر. وكذلك سائر الأحاديث الصحيحة تدلّ على أنه علم ذلك، وإنما كان ترك الأمر مع علمه أفضل، كما فعل النبي ، لأن الأمة إذا ولّته طوعاً منها بغير إلزام  وكان هو الذي يرضاه الله ورسوله  كان أفضل للأمة، ودلّ على علمها ودينها. 

(فصــل )

قال الرافضي :  (( الثالث : إن الإمام يجب أن يكون حافظا للشرع، لانقطاع الوحي بموت النبي ، وقصور الكتاب والسنة على تفاصيل الأحكام الجزئية الواقعة إلى يوم القيامة، فلا بد من إمام منصوب من الله تعالى، معصوم من الزلل والخطأ، لئلا يترك بعض الأحكام، أو يزيد فيها عمداً أو سهوا. وغير عليّ لم يكن كذلك بالإجماع )). 

والجواب من وجوه : أحدها : أنّا لا نسلم أنه يجب أن يكون حافظاً للشرع، بل يجب أن تكون الأمة حافظة للشرع. وحفظ الشرع يحصل بمجموع الأمة كما يحصل بالواحد ن بل الشرع إذا نقله أهل التواتر كان خيراً من أن ينقله واحد منهم. وإذا كان كل طائفة تقوم بهم الحجة تنقل بعضه، حصل المقصود.وعصمة أهل التواتر حصل في نقلهم أعظم عند بني آدم كلهم من عصمة من ليس بنبي، فإن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا  ولو قيل إنهم معصومون  فما نقله المهاجرون والأنصار أبلغ مما نقله هؤلاء. 

وأيضا فإن كان أكثر الناس يطعنون في عصمة الناقل لم يحصل المقصود، فكيف إذا كان كثير من الأمة يكفّره ؟ 

والتواتر يحصل بأخبار المخبرين الكثيرين وإن لم تعلم عدالتهم. 

الوجه الثاني : أن يقال : أتريد به من يكون حافظا للشرع وإن لم يكن معصوما ؟ أو من يكون معصوما ؟ فإن اشترطت العصمة فهذا من الوجه الأول، وقد كررته، وتقدم الجواب عليه. وإن اشترطت مجرد الحفظ، فلا نسلم أن عليًّا كان أحفظ للكتاب والسنة، وأعلم بهما من أبي بكر وعمر، بل هما كانا أعلم بالكتاب والسنة منه، فبطل ما ادّعاه من الإجماع. 

الوجه الثالث : أن يقال: أتعني بكونه حافظا للشرع معصوما أنه لا يُعلم صحة شيء من الشرع إلا بنقله ؟ أم يمكن أن يُعلم صحة شيء من الشرع بدون نقله ؟ 

إن قلت بالثاني لم يحتج لا إلى حفظه ولا إلى عصمته، فإنه إذا أمكن حفظ شيء من الشرع بدونه، أمكن حفظ الآخر، حتى يُحفظ الشرع كله من غير حاجة إليه.

وإن قلت : بل معناه أنه لا يمكن معرفة شيء من الشرع إلا بحفظه. 

فيقال : حينئذ لا تقوم حجة على أهل الأرض إلا بنقله، ولا يُعلم صحة نقله حتى يُعلم أنه معصوم، ولا يُعلم أنه معصوم إلا بالإجماع على نفي عصمة من سواه، فإن كان الإجماع معصوماً أمكن حفظ الشرع به، وإن لم يكن معصوماً لم تُعلم عصمته. 

الوجه الرابع : أن يُقال : لماذا لا يجوز أن تكون العصمة في الحفظ والبلاغ ثابتة لكل طائفة بحسب ما حملته من الشرع. فالقرَّاء معصومون في حفظ القرآن وتبليغه، والفقهاء معصومون في فهم الكلام والاستدلال على الأحكام. 

وهذا هو الواقع المعلوم الذي أغنى الله به عن واحد معدوم. 

الوجه الخامس : أنه إذا كان لا يحفظ الشرع ويبلّغه إلا واحدٌ بعد واحد، معصوم عن معصوم،وهذا المنتظر له أكثر من أربعمائة وستين سنة لم يأخذ عنه أحدٌ شيئا من الشرع، فمن أين علمتم القرآن من أكثر من أربعمائة سنة؟ ولم لا يجوز أن يكون هذا القرآن الذي تقرؤونه ليس فيه شيء من كلام الله ؟ 

وكذلك من أين لكم العلم بشيء من أحوال النبي  وأحكامه، وأنتم لم تسمعوا شيئا من ذلك من معصوم، لأن المعصوم إما مفقود وإما معدوم ؟ 

فإن قالوا : تواتر ذلك عند أصحابنا بنقلهم عن الأئمة المعصومين. 

قيل : فإذا كان تواتر أصحابكم عن الأئمة يوجب حفظ الشرع ونقله، فلماذا لا يجوز أن يكون تواتر الأمة كلها عن نبيها أَوْلى بحفظ الشرع ونقله، من غير احتياج إلى نقل واحد عن واحد ؟ 

الوجه السادس: أن يقال : قولك :  (( لانقطاع الوحي وقصور النصوص عن تفاصيل الأحكام )) أتريد به قصورها عن بيان جزئي جزئى بعينه ؟ أو قصورها عن البيان الكليّ المتناول للجزئيات ؟ 

فإن ادّعيت الأول، قيل لك : وكلام الإمام وكل أحد بهذه المنزلة، فإن الأمير إذا خاطب الناس فلا بد أن يخاطبهم بكلام عام يعمّ الأعيان والأفعال وغير ذلك، فإنه من الممتنع أن يعيّن بخطابه كل فعل من كل فاعل في كل وقت، فإن هذا غير ممكن، فإذاً لا يمكنه إلا الخطاب العام الكليّ، والخطاب العام الكلي ممكن من الرسول. 

وإن ادّعيت أن نفس نصوص الرسول ليست عامة كليـة. 

قيل لك : هذاممنوع، وبتقدير أن يُمنع هذا في نصوص الرسول الذي هو أكمل من الإمام، فمنع ذلك من نصوص الإمام أَوْلى وأحرى، فأنت مضطر في خطاب الإمام إلى أحد أمرين : إما ثبوت عموم الألفاظ، وإما ثبوت عموم المعاني بالاعتبار. وأيّهما كان أمكن إثباته في خطاب الرسول، فلا يحتاج في بيانه الأحكام إلى الإِمام. 

الوجه السابع : أن يُقال : وقد قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ(1)، وقال تعالى : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل( ) ، وقال تعالى : وَمَا عَلَى الرَّسُول إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبينَ( ) . وأمثال ذلك.

فيقال : وهل قامت الحجة على الخلق ببيان الرسول أم لا ؟ 

فإن لم تقم بطلت هذه الآيات وما كان في معناها، وإن قامت الحجة ببيان الرسول عُلم أنه لا يحتاج إلى معيّن آخر يفتقر الناس إلى بيانه، فضلا عن حفظ تبليغه، وأن ما جعل الله في الإنسان من القوة الناقلة لكلام الرسول وبيانه كافية من ذلك. لا سيما وقد ضمن الله حفظ ما أنزله من الذكر، فصار ذلك مأمونا أن يبدَّل أو يغيَّر. 

وبالجملة دعوى هؤلاء المخذولين أن دين الإسلام لا يُحفظ ولا يُفهم إلا بواحدٍ معيّن، من أعظم الإفساد لأصول الدين. وهذا لا يقوله  وهو يعلم لوازمه  إلا زنديق ملحد، قاصد لإبطال الدين، ولا يُروج هذا إلا على مفرط في الجهل والضلال. 

الوجه الثامن : أن يُقال قد عُلم بالاضطرار أن أكثر المسلمين بلغهم القرآن والسنة بدون نقل عليّ، فإن عمر رضي الله عنه لما فتح الأمصار بعث إلى الشام والعراق من علماء الصحابة من علَّمهم وفقههم، واتصل العلم من أولئك إلى سائر المسلمين، ولم يكن ما بلّغه عليّ للمسلمين أعظم مما بلّغه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وأمثالهما. 

وهذا أمر معلوم. ولو لم يُحفظ  الدين إلا بالنقل عن عليّ لبطل عامة الدين؛ فإنه لا يمكن أن يُنقل عن عليّ إلا أمر قليل لا يحصل به المقصود والنقل عنه ليس متواتراً، وليس في زماننا معصوم يمكن الرجوع إليه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وما أسخف عقول الرافضة! 

(فصــل )

قال الرافضي :  (( الرابع : أن الله تعالى قادر على نصب إمام معصوم، وحاجة العالم داعية إليه، ولا مفسدة فيه، فيجب نصبه. وغير عليّ لم يكن كذلك إجماعاً، فتعيّن أن يكون الإمام هو عليّ. أما القدرة فظاهرة، وأما الحاجة فظاهرة أيضاً لما بّيّنا من وقوع التنازع بين العالم. وأما انتفاء المفسدة فظاهر، لأن المفسدة لازمة لعدمه. وأما وجوب نصبه، فلأن ثبوت القدرة والداعي وانتفاء الصارف يجب الفعل )). 

والجـواب : أن هذا هو الوجه الأول بعينه ولكن قرّره. وقد تقدمت الأجوبة عنه بمنع المقدمة الأولى وبيان فساد هذا الاستدلال، فإن مبناه على الاحتجاج بالإجماع، فإن كان الإجماع معصوماً أغنى عن عصمة عليّ، وإن لم يكن معصوماً بطلت دلالته على عصمة عليّ، فبطل الدليل على التقديرين. 

ومن العجب أن الرافضة تثبت أصولها على ما تدَّعيه من النص والإجماع، وهم أبعد الأمة عن معرفة النصوص والإجماعات، والاستدلال بها، بخلاف السنّة والجماعة ؛ فإن السنّة تتضمن النص، والجماعة تتضمن الإجماع. فأهل السنّة والجماعة هم المتّبعون للنص والإجماع. 

ونحن نتكلم على هذا التقدير ببيان فساده، وذلك من وجوه : 

أحدهـا : أن يقال : لا نسلم أن الحاجة داعية إلى نصب إمام معصوم، وذلك لأن عصمة الأمة مغنية عن عصمته، وهذا مما ذكره العلماء في حكمة عصمة الأمة. 

الثاني : إن أُريد بالحاجة أن حالهم مع وجوده أكمل، فلا ريب أن حالهم مع عصمة نوّاب الإمام أكمل، وحالهم مع عصمة أنفسهم أكمل. وليس كل ما تقدّره الناس أكمل لكل منهم يفعله الله، ولا يجب عليه فعله. 

وأيضا فجعل غير النبي مماثلاً للنبي في ذلك، قد يكون من أعظم الشُّبَهْ والقدح في خاصة النبي، فإنه إذا وجب أن يؤمن بجميع ما يقوله هذا، كما يجب الإيمان بجميع ما يقوله النبي، لم تظهر خاصة النبوة، فإن الله أمرنا أن نؤمن بجميع ما أتى به النبيون، فلو كان لنا من يساومهم في العصمة، لوجب الإيمان بجميع ما يقوله، فيبطل الفرق. 

الوجه الثاني : أن يقال : المعصوم الذي تدعو الحاجة إليه : أهو القادر على تحصيل المصالح وإزالة المفاسد ؟ أم هوعاجز عن ذلك ؟ الثاني ممنوع ؛ فإن العاجز لا يحصل به وجود المصلحة ولا دفع المفسدة، بل القدرة شرط في ذلك، فإن العصمة تفيد وجود داعية إلى الصلاح،لكن حصول الداعي بدون القدرة لا يوجب حصول المطلوب.

وإن قيل : بل المعصوم القــادر. 

قيل : فهذا لم يوجد. وإن كان هؤلاء الاثنا عشر قادرين على ذلك ولم يفعلوه، لزم أن يكونوا عصاة لا معصومين، وإن لم يقدروا لزم أن يكونوا عاجزين. فأحد الأمرين لازم قطعا أو كلاهما : العجز وانتفاء العصمة. وإذا كان كذلك، فنحن نعلم بالضرورة انتفاء ما استدل به على وجوده. والضروريات لا تعارض بالاستدلال. 

ففي الجملة لا مصلحة في وجود معصوم بعد الرسول إلا وهي حاصلة بدونه وفيه من الفساد ما لا يزول إلا بعدمه. فقولهم :  (( الحاجة داعية إليه )) ممنوع. وقولهم :  (( المفسدة فيه معدومة )) ممنوع. 

بل الأمر بالعكس ؛ فالمفسدة معه موجودة، والمصلحة معه منتفية. وإذا كان اعتقاد وجوده قد أوجب من الفساد ما أوجب، فما الظن بتحقيق وجوده ؟ 

(فصــل)

قال الرافضي:  ((الخامس : أن الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيته. وعليّ أفضل أهل زمانه على ما يأتي، فيكون هو الإِمام لقُبْح تقديم  المفضول على الفاضل عقلا ونقلا. قال تعالى:أَفَمَن يَهْدِي إلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهْدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ( ) . 

والجواب من وجوه : أحدها : منع المقدمة الثانية الكبرى، فإنا لا نسلم أن عليًّا أفضل أهل زمانه. بل خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عثمان، كما ثبت ذلك عن عليّ وغيره. وسيأتي الجواب عمَّا ذكروه، وتقرير ما ذكرناه. 

الثاني : أن الجمهور من أصحابنا وغيرهم، وإن كانوا يقولون : يجب تولية الأفضل مع الإمكان، لكن هذا الرافضي لم يذكر حجة على هذه المقدمة. وقد نازعه فيها كثير من العلماء. وأما الآية المذكورة فلا حجة فيها له، لأن المذكور في الآية : من يهدي إلى الحق، ومن لا يَهِدِّي إلا أن يهدى. والمفضول لا يجب أن يُهدى إلا أن يهديه الفاضل، بل قد يحصل له هدىً كثير بدون تعلّم من الفاضل،وقد يكون الرجل أعلم ممن هو أفضل منه، وإن كان ذلك الأفضل قد مات، وهذا الحي الذي هو أفضل منه لم يتعلم منه شيئا. 

وأيضا فالذي يهدي إلى الحق مطلقا هو الله، والذي لا يَهدِّي إلا أن يُهدى صفة كل مخلوق لا يهدي إلا أن يهديه الله تعالى. وهذا هو المقصود بالآية وهي أن عبادة الله أولى من عبادة خلقه. 

كما قال في سياقها : قُلْ َهْل مِنْ شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهْدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى( ) .

فافتتح الآيات بقوله : قُلْ مَن يَرْزقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَاْلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَاْلأَبْصَارَ وَمَن يخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ( ) .إلى قوله : قُلْ َهْل مِنْ شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ( ) .

وأيضا فكثير من الناس يقول: ولاية الأفضل واجبة، إذا لم تكن في ولاية المفضول مصلحة راجحة، ولم يكن في ولاية الأفضل مفسدة. 

وهذه البحوث يبحثها من يرى عليًّا أفضل من أبي بكر وعمر، كالزيدية وبعض المعتزلة، أو من يتوقف في ذلك، كطائفة من المعتزلة. 

وأما أهل السنّة فلا يحتاجون إلى منع هذه المقدمة، بل الصدِّيق عندهم أفضل الأمة. لكن المقصود أن نبيّن أن الرافضة، وإن قالوا حقا، فلا يقدرون أن يدلُّوا عليه بدليل صحيح، لأنهم سدُّوا على أنفسهم كثيراً من طرق العلم، فصاروا عاجزين عن بيان الحق، حتى أنهم لا يمكنهم تقرير إيمان عليّ عَلَى الخوارج، ولا تقرير إمامته على المروانية، ومن قاتله فإن ما يستدل به على ذلك فقد أطلق جنسه على أنفسهم، لأنهم لا يدرون ما يلزم أقوالهم الباطلة من التناقض والفساد، لقوة جهلهم،واتباعهم الهوى بغير علم. 

قال الرافضي :  (( المنهج الثاني : في الأدلة المأخوذة من القرآن، والبراهين الدّالة على إمامة عليّ من الكتاب العزيز كثيرة. 

الأول : قوله تعالى : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينّ آمَنُوا الَّذِينَ يقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ( ) وقد أجمعوا أنها نزلت في عليّ. قال الثعلبي في إسناده إلى أبي ذر : قال: سمعت رسول الله  بهاتين وإلا صمتا، ورأيته بهاتين وإلا عميتا يقول :  (( عليٌّ قائد البررة، وقاتل الكفرة، فمنصور من نصره، ومخذول من خذله )) أَمَا إِنِّي صليت مع رسول الله  يوما صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحدٌ شيئا، فرفع السائل يده إلى السماء، وقال : اللهم إنك تشهد أنّي سألت في مسجد رسول الله  فلم يعطني أحدٌ شيئا، وكان عليٌّ راكعا، فأومأ بخنصره اليمنى، وكان متختماً فيها، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم، وذلك بعين النبي . فلما فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال :  (( اللهم إن موسى سألك وقال : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي*وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَل لّي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي( )  فأنزلت عليه قرآنا ناطقا :  سَنَشُد عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا( ) .اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري،واجعل لي وزيراً من أهلي، عليًّا اشدد به ظهري )) قال أبو ذر : فما استتم كلام رسول الله  حتى نزل عليه جبريل من عند الله فقال : يا محمد اقرأ. قال : وما أقرأ ؟ قال : اقرأ : إِنَّمَا َولِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَة َوَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ( ) .

ونقل الفقيه ابن المغازلي الواسطي الشافعي أن هذه نزلت في عليّ، والوليّ هو المتصرف، وقد أثبت له الولاية في الآية، كما أثبتها الله تعالى لنفسه ولرسوله )). 

والجواب من وجوه : أحدهـا : أن يقال : ليس فيما ذكره ما يصلح أن يقبل ظنا، بل كل ما ذكره كذب وباطل، من جنس السفسطة. وهو لو أفاد ظنونا كان تسميته براهين تسمية منكرة ؛ فإن البرهان في القرآن وغيره يطلق على ما يفيد العلم واليقين، كقوله تعالى : وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ( ) .

وقال تعالى : أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَاْلأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ( ) .

فالصادق لا بد له من برهان على صدقه، والصدق المجزوم بأنه صدق هو المعلوم. 

وهذا الرجل جميع ما ذكره من الحجج فيها كذب، فلا يمكن أن يذكر حجة واحدة جميع مقدماتها صادقة، فإن المقدمات الصادقة يمتنع أن تقوم على باطل. وسنين إن شاء الله تعالى عند كل واحدة منها ما يبين كذبها، فتسمية هذه براهين من أقبح الكذب. 

ثم إنه يعتمد في تفسير القرآن على قول يحكى عن بعض الناس، مع أنه قد يكون كذبا عليه، وإن كان صدقا فقد خالفه أكثر الناس. فإن كان قول الواحد الذي لم يُعلم صدقه، وقد خالفه الأكثرون برهاناً، فإنه يقيم براهين كثيرة من هذا الجنس على نقيض ما يقوله، فتتعارض البراهين فتتناقض، والبراهين لا تتناقض. 

بل سنبين إن شاء الله تعالى قيام البراهين الصادقة التي لا تتناقض على كذب ما يدّعيه من البراهين، وأن الكذب في عامتها كذب ظاهر، لا يخفى إلا على من أعمى الله قلبه، وأن البراهين الدالّة على نبوة الرسول حق، وأن القرآن حق، وأن دين الإسلام حق  تناقض ما ذكره من البراهين، فإن غاية ما يدّعيه من البراهين إذا تأمله اللبيب، وتأمل لوازمه وجده يقدح في الإيمان والقرآن والرسول. 

ثم نقول : ثانيا: الجواب عن هذه الآية حق من وجوه : الأول : أنّا نطالبه بصحة هذا النقل، أولاً يُذكر هذا الحديث على وجهٍ تقوم به الحجة ؛ فإن مجرد عزوه إلى تفسير الثعلبي، أو نقل الإجماع على ذلك من غير العالمين بالمنقولات، الصادقين في نقلها، ليس بحجة باتفاق أهل العلم، إن لم نعرف ثبوت إسناده. وكذلك إذا روى فضيلة لأبي بكر وعمر، لم يجز اعتقاد ثبوت ذلك بمجرد ثبوت روايته باتفاق أهل العلم. 

الثاني : قوله :  (( قد أجمعوا أنها نزلت في عليّ)) من أعظم الدعاوى الكاذبة بل أجمع أهل العلم بالنقل، على أنها لم تنزل في عليّ بخصوصه، وأن عليًّا لم يتصدٌّق بخاتمه في الصلاة، وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع. 

وأما ما نقله من تفسير الثعلبي، فقد أجمع أهل العلم بالحديث أن الثعلبي يروي طائفة من الأحاديث الموضوعات، كالحديث الذي يرويه في أول كل سورة عن أبي أمامة في فضل تلك السورة، وكأمثال ذلك. ولهذا يقولون :       (( هو كحاطب ليل)). 

وهكذا الواحدى تلميذه، وامثالهما من المفسرين : ينقلون الصحيح والضعيف. 

وإنما المقصود هنا بيان افتراء هذا المصنّف أو كثرة جهله، حيث قال :  (( وقد أجمعوا أنها نزلت في عليّ)) فياليت شعري من نقل هذا الإجماع من أهل العلم العالمين بالإجماع في مثل هذه الأمور ؟ فإن نقل الإجماع في مثل هذا لا يُقبل من غير أهل العلم بالمنقولات، وما فيها من إجماع واختلاف. 

فالمتكلم والمفسّر والمؤرخ ونحوهم، لو ادّعى أحدهم نقلاً مجرداً بلا إسناد ثابت لم يُعتمد عليه، فكيف إذا ادّعى إجماعاً؟!.

الوجه الثالث : أن يقال: هؤلاء المفسرون الذين نَقَل من كتبهم، هم  ومن هم أعلم منهم  قد نقلوا ما يناقض هذا الإجماع المدَّعَى، والثعلبي قد نقل في تفسيره أن ابن عباس يقول : نزلت في أبي بكر. ونقل عن عبد الملك : قال : سألت أبا جعفر، قال : هم المؤمنون. قلت : فإن ناساً يقولون : هو عليّ. قال : فعليٌّ من الذين آمنوا. وعن الضحاك مثله. 

الوجه الرابع : أنّا نعفيه من الإجماع، ونطالبه أن ينقل ذلك بإسناد واحد صحيح. وهذا الإسناد الذي ذكره الثعلبي إسناده ضعيف، فيه رجال متهمون. وأما نقل ابن المغازلي الواسطى فأضعف وأضعف، فإن هذا قد اجتمع في كتابه من الأحاديث الموضوعات ما لا يخفى أنه كذب عَلَى من له أدنى معرفة بالحديث، والمطالبة بإسناد يتناول هذا وهذا. 

الوجه الخامس : أن يُقال : لو كان المراد بالآية أن يؤتى الزكاة حال ركوعه، كما يزعمون أن عليًّا تصدق بخاتمه في الصلاة، لوجب أن يكون ذلك شرطا في الموالاة، وأن لا يتولى المسلمون إلا عليًّا وحده، فلا يُتَوَلَّى الحسن ولا الحسين ولا سائر بني هاشم. وهذا خلاف إجماع المسلمين. 

الوجه السادس : أن قوله :  (( الذين )) صيغة الجمع، فلا يصدق عَلَى عليٍّ وحده. 

الوجه السابع : أن الله تعالى لا يثني على الإنسان إلا بما هو محمود عنده : إما واجب، وإما مستحب. والصدقة والعتق والهدية والهبة والإجارة والنكاح والطلاق، وغير ذلك من العقود في الصلاة، ليست واجبة ولا مستحبة باتفاق المسلمين، بل كثير منهم يقول : إن ذلك يبطل الصلاة وإن لم يتكلم، بل تبطل بالإشارة المفهمة. وآخرون يقولون : لا يحصل المِلْك بها لعدم الإيجاب الشرعي. ولو كان هذا مستحباًّ، لكان النبي  يفعله ويحض عليه أصحابه، ولكان عليّ يفعله في غير هذه الواقعة. 

فلما لم يكن شيء من ذلك، عُلم أن التصدُّق في الصلاة ليس من الأعمال الصالحة، وإعطاء السائل لا يفوت، فيمكن المتصدق إذا سلَّم أن يعطيه، وإن في الصلاة لشغلا.

الوجه الثامن : أنه لو قُدِّر أن هذا مشروع في الصلاة، لم يختص بالركوع، بل يكون في القيام والقعود أَوْلى منه في الركوع، فكيف يُقال : لا وليّ لكم إلا الذين يتصدقون في حال الركوع، فلو تصدّق المتصدّق في حال القيام والقعود : أما كان يستحق هذه الموالاة ؟ 

الوجه التاسع : أن يُقال : قوله : وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ( )  على قولهم يقتضى أن يكون آتى الزكاة في حال ركوعه. وعليّ رضي الله عنه لم يكن ممن تجب عليه على عهد النبي ، فإنه كان فقيرا، وزكاة الفضة إنما تجب عَلَى من ملك النصاب حولاً، وعليٌّ لم يكن من هؤلاء. 

الوجه العاشر : إن إعطاء الخاتم في الزكاة لا يجزئ عند كثير من الفقهاء، إلا إذا قيل بوجوب الزكاة في الحُليّ. وقيل : إنه يخرج من جنس الحلى. ومن جوَّز ذلك بالقيمة، فالتقويم في الصلاة متعذّر، والقيم تختلف باختلاف الأحوال. 

الوجه الحادي عشر : أن هذه الآية بمنزلة قوله وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ( ) ، هذا أمر بالركوع. 

وكذلك قوله:يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ( ) ، وهذا أمر بالركوع. 

الوجه الثاني عشر : أنه من المعلوم المستفيض عند أهل التفسير، خلفاً عن سلف، أن هذه الآية نزلت في النهي عن موالاة الكفار،والأمر بموالاة المؤمنين، لَّما كان بعض المنافقين، كعبد الله بن أُبَيّ، يوالي اليهود، ويقول: إني أخاف الدوائر. فقال بعض المؤمنين، وهو عبادة بن الصامت : إنّي يا رسول الله أتولّى الله ورسوله، وأبرأ إلى الله ورسوله من حِلف هؤلاء الكفّار وولايتهم. 

الوجه الثالث عشر : أن سياق الكلام يدل على ذلك لمن تدبّر القرآن، فإنه قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( ) . فهذا نهي عن موالاة اليهود والنصارى.

ثم قال : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ إلى قوله : فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ( ) . فهذا وصف الذين في قلوبهم مرض، الذين يوالون الكفار كالمنافقين. 

ثم قال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( ) فذكر فعل المرتدّين وأنهم لن يضروا الله شيئا، وذكر من يأتي به بدلهم. 

ثم قال : إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ( ) . 

فتضمن هذا الكلام ذكر أحوال من دخل في الإسلام من المنافقين، وممن يرتد عنه، وحال المؤمنين الثابتين عليه ظاهراً وباطنا. 

فهذا السياق، مع إثباته بصيغة الجمع، مما يوجب لمن تدبّر ذلك علماً يقيناً لا يمكنه دفعه عن نفسه : أن الآية عامّة في كل المؤمنين المتصفين بهذه الصفات، لا تختص بواحد بعينه : لا أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا عليّ، ولا غيرهم. لكن هؤلاء أحقّ الأمة بالدخول فيها. 

الوجه الرابع عشر : أن الألفاظ المذكورة في الحديث مما يُعلم أنها كذب على النبي ، فإن عليًّا ليس قائدا لكل البررة، بل القائد لهذه الأمة رسول الله ، ولا هو أيضا قاتلا لكل الكفرة، بل قتل بعضهم، كما قتل غيره بعضهم. وما أحد من المجاهدين القاتلين لبعض الكفّار، إلا وهو قاتل لبعض الكفرة. 

وكذلك قوله :  (( منصور من نصره، مخذول من خذله )) هو خلاف الواقع. والنبي  لا يقول إلا حقًّا، لا سيما عَلَى قول الشيعة، فإنهم يدَّعون أن الأمة كلها خذلته إلى قتل عثمان.

فمن زعم أن النبي  سأل الله أن يشد أزره بشخص من الناس، كما سأل موسى أن يشد أزره بهارون، فقد افترى على رسول الله  وبخسه حقَّه. ولا ريب أن الرفض مشتق من الشرك والإلحاد والنفاق، لكن تارة يظهر لهم ذلك فيه وتارة يخفى. 

الوجه الخامس عشر : أن يُقال : غاية ما في الآية أن المؤمنين عليهم موالاة الله ورسوله والمؤمنين، فيوالون عليًّا. ولا ريب أن موالاة عليّ واجبة عَلَى كل مؤمن، كما يجب على كل مؤمن موالاة أمثاله من المؤمنين. 

قال تعالى :  وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ (1). فبيّن الله أن كل صالحٍ من المؤمنين فهو مَوْلَى رسول الله ، والله مولاه، وجبريل مولاه،وليس في شيء من هذه النصوص أن من كان وليًّا للآخر كان أميراً عليه دون غيره، وأنه يتصرف فيه دون سائر الناس. 

الوجه السادس عشر :أنه لو أراد الولاية التي هي الإمارة لقال :  (( إنما يتولى عليكم الله ورسوله والذين آمنوا ))، ولم يقل : ومن يتولى الله ورسوله، فإنه لا يقال لمن ولى عليهم والٍ : إنهم تولوه. بل يقال : تولى عليهم. 

الوجه السابع عشر :أن الله سبحانه لا يُوصف بأنه متولٍ على عباده، وأنه أمير عليهم، جلّ جلاله، وتقدّست أسماؤه، فإنه خالقهم ورازقهم، وربهم ومليكهم، له الخلق والأمر، ولا يُقال : إن الله أمير المؤمنين، كما يسمَّى المتولّى، مثل عليّ وغيره : أمير المؤمنين، بل الرسول  أيضاً لا يُقال أنه متولٍّ على الناس، وأنه أمير عليهم، فإن قَدْرَهُ أجلّ من هذا. بل أبو بكر الصديق رضي الله عنه لم يكونوا يسمونه إلا خليفة رسول الله. وأول من سمِّي من الخلفاء  (( أمير المؤمنين )) هو عمر رضي الله عنه. 

الوجه الثامن عشر : أنه ليس كل من تولّى عليه إمام عادل يكون من حزب الله، ويكون غالباً ؛ فإن أئمة العدل يتولُّون على المنافقين والكفّار، كما كان في مدينة النبي  تحت حكمه ذّميون ومنافقون. 

(فصــل )

قال الرافضي:  (( البرهان الثاني : قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ(1)، اتفقوا على نزولها في عليّ. وروى أبو نُعيم الحافظ  من الجمهور  بإسناده عن عطية قال : نزلت هذه الآية عَلَى رسول الله  في عليّ بن أبي طالب.ومن تفسير الثعلبي قال:  معناه : بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك في فضل عليّ، فلما نزلت هذه الآية أخذ رسول الله   بيد عليّ، فقال : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه. 

والنبي  مولى أبي بكر وعمر وباقي الصحابة بالإجماع، فيكون عليٌّ مولاهم، فيكون هو الإمام. 

ومن تفسير الثعلبي : لما كان رسول الله  بغدير خُم نادى الناس فاجتمعوا، فأخذ بيد عليّ، وقال :  (( من كنت مولاه فعليً مولاه )) فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهرى، فأتى رسول الله  على ناقته، حتى أتى الأبطح، فنزل عن ناقته وأناخها فعقلها، فأتى رسول الله  وهو في ملأٍ من الصحابة، فقال : يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقبلنا منك. وأمرتنا أن نصلّي خمساً فقبلناه منك. وأمرتنا أن نزكّي أموالنا فقبلناه منك. وأمرتنا أن نصوم شهراً فقبلناه منك. وأمرتنا أن نحج البيت فقبلناه منك. ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بِضَبْعَىْ ابن عمك وفضلتَه علينا، وقلتَ : من كنت مولاه فعليّ مولاه. وهذا منك أم من الله ؟ قال النبي  : والله الذي لا إله إلا هو هو من أَمْرِ الله، فولّى الحارث يريد راحلته، وهو يقول : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله، وأنزل الله تعالى : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ* لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّهِ(1). وقد روى هذه الرواية النقَّاش من علماء الجمهور في تفسيره )). 

والجواب من وجوه : أحدها : أن هذا أعظم كذبا وفرية من الأول، كما سنبيّنه إن شاء الله تعالى. وقوله :  (( اتفقوا على نزولها في عليّ )) أعظم كذباً مما قاله في تلك الآية. فلم يقل لا هذا ولا ذاك أحد من العلماء، الذين يدرون ما يقولون. 

وأما ما يرويه أبو نُعيم في  (( الحلية )) أو في  (( فضائل الخلفاء )) والنقَّاش والثعلبي والواحدي ونحوهم في التفسير، فقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن فيما يروونه كثيراً من الكذب الموضوع، واتفقوا على أن هذا الحديث المذكور الذي رواه الثعلبي في تفسيره هو من الموضوع، وسنبين أدلة يُعرف بها أنه موضوع، وليس الثعلبي من أهل العلم بالحديث. 

ولكن المقصود هنا أنَّا نذكر قاعدة فنقول : المنقولات فيها كثير من الصدق وكثير من الكذب، والمرجع في التمييز بين هذا وهذا إلى أهل علم الحديث، كما نرجع إلى النحاة في الفرق بين نحو العرب ونحو غير العرب، ونرجع إلى علماء اللغة فيما هو من اللغة وما ليس من اللغة، وكذلك علماء الشعر والطب وغير ذلك، فلكل علم رجال يُعرفون به، والعلماء بالحديث أجل هؤلاء قدراً، وأعظمهم صدقا، وأعلاهم منزلة، وأكثرهم دينا.

الوجه الثاني : أن نقول: في نفس هذا الحديث ما يدل على أنه كذب من وجوه كثيرة، فإن فيه أن رسول الله  لما كان بغدير إلى آخره. 

فيقال : أجمع الناس كلهم على أن ما قاله النبي  بغدير خم كان مرجعه من حجة الوداع، والشيعة تسلم بهذا وتجعل ذاك اليوم عيداً وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة والنبي . لم يرجع إلى مكة بعد ذلك، بل رجع من حجة الوداع إلى المدينة، وعاش تمام ذي الحجة، والمحرم وصفر وتوفي في أول ربيع الأول. 

وفي هذا الحديث يذكر أنه بعد أن قال هذا بغدير خُم وشاع في البلاد، جاءه الحارث وهو بالأبطح،والأبطح بمكة، فهذا كذب جاهل لم يعلم متى كانت قصة غدير خم. 

وأيضا فإن هذه السورة  سورة سأل سائل  مكيّة باتفاق أهل العلم، نزلت بمكة قبل الهجرة، فهذه نزلت قبل غدير خُم بعشر سنين أو أكثر من ذلك، فكيف تكون نزلت بعده ؟ 

وأيضا قوله : وَإِذْ قَالُوا الَّلهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ( ) ، في سورة الأنفال، وقد نزلت عقيب بدر بالاتفاق قبل غدير خُم بسنين كثيرة، وأهل التفسير متفقون على أنها نزلت بسبب ما قاله المشركون للنبي  قبل الهجرة، كأبي جهل وأمثاله، وأن الله ذكَّر نبيَّه بما كانوا يقولون بقوله : وَإِذْ قَالُوا الَّلهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ. أي اذكر قولهم. 

وأيضا فقد ذكر في هذا الحديث أن هذا القائل أُمر بمباني الإسلام الخمس، وعلى هذا فقد كان مسلما فإنه قال : فقبلناه منك. ومن المعلوم بالضرورة أن أحدا من المسلمين على عهد النبي  لم يصبه هذا. 

وأيضا فهذا الرجل لا يُعرف في الصحابة، بل هو من جنس الأسماء التي يذكرها الطرقية، من جنس الأحاديث التي في سيرة عنتر ودلهمة.

الوجه الثالث : أن يُقال : أنتم ادّعيتم أنكم أثبتم إمامته بالقرآن، والقرآن ليس في ظاهره ما يدل على ذلك أصلا ؛ فإنه قال : بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ( ) . وهذا اللفظ عام في جميع ما أُنزل إليه من ربِّه، لا يدل على شيء معيَّن. 

فدعوى المدّعى أن إمامة عليّ هي ما بلَّغها، أو مما أمر بتبليغها، لا تثبت بمجرد القرآن ؛ فإن القرآن ليس فيه دلالة على شيء معين، فإن ثبت ذلك بالنقل كان ذلك إثباتا بالخبر لا بالقرآن. فمن ادّعى أن القرآن يدل على أنّ إمامة عليّ مما أُمر بتبليغه، فقد افترى على القرآن، فالقرآن لا يدل على ذلك عموما ولا خصوصا. 

الوجه الرابع : أن يُقال : هذه الآية، مع ما عُلم من أحوال النبي ، تدل على نقيض ما ذكروه، وهو أن الله لم ينزّلها عليه،ولم يأمره بها، فإنها لو كانت مما أمره الله بتبليغه، لبلّغه، فإنه لا يعصى الله في ذلك. 

ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها :  (( من زعم أن محمداً كتم شيئا من الوحي فقد كذب، والله تعالى يقول : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ( ) . 

لكن أهل العلم يعلمون بالاضطرار أن النبي  لم يبلِّغ شيئا من إمامة عليّ، ولهم على هذا طرق كثيرة يثبتون بها هذا العلم.

منها : أن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان له أصل لنُقل، كما نُقل أمثاله من حديثه، لا سيما مع كثرة ما يُنقل في فضائل عليّ، من الكذب الذي لا أصل له، فكيف لا يُنقل الحق الصدق الذي قد بُلِّغ للناس ؟! 

ولأن النبي  أمر أمته بتبليغ ما سمعوا منه، فلا يجوز عليهم كتمان ما أمرهم الله بتبليغه. 

ومنها : أن النبي  لما مات، وطلب بعض الأنصار أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير، فأُنكِر ذلك عليه، وقالوا : الإمارة لا تكون إلا في قريش، وروى الصحابة في مواطن متفرقة الأحاديث عن النبي  في أن :  (( الإمامة في قريش )). 

ولم يرو واحد منهم : لا في المجلس ولا في غيره، ما يدل على إمامة عليّ. 

وبايع المسلمون أبا بكر، وكان أكثر بني عبد مناف  من بني أمية وبني هاشم وغيرهم  لهم ميل قوي إلى عليّ بن أبي طالب يختارون ولايته، ولم يذكر أحد منهم هذا النص. وهكذا أُجرى الأمر في عهد عمر وعثمان، وفي عهده أيضا لما صارت له ولاية، ولم يذكر هو ولا أحدٌ من أهل بيته ولا من الصحابة المعروفين هذا النص، وإنما ظهر هذا النص بعد ذلك. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الثالث : قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا( ) .فقال رسول الله : الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، وبالولاية لعليٍّ من بعدي. ثم قال : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم والِ من ولاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله )). 

والجواب من وجوه : أحدها : أن المستدّل عليه بيان صحة الحديث. ومجرد عزوه إلى رواية أبي نُعيم لا تفيد الصحة باتفاق الناس : علماء السنّة والشيعة ؛ فإن أبا نعيم روى كثيراً من الأحاديث التي هي ضعيفة، بل موضوعة، باتفاق علماء أهل الحديث : السنّة والشيعة، وهو وإن كان حافظاً، كثير الحديث، واسع الرواية، لكن روى، كما هي عادة المحدِّثين أمثاله يروون جميع ما في الباب، لأجل المعرفة بذلك. 

الوجه الثاني : أن هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالموضوعات. وهذا يعرفه أهل العلم بالحديث، والمرجع إليهم في ذلك. ولذلك لا يوجد هذا في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها. 

الوجه الثالث : أنه قد ثبت في الصحاح والمسانيد والتفسير أن هذه الآية نزلت على النبي  وهو واقف بعرفة، وقال رجل من اليهود لعمر بن الخطاب : يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتَّخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال له عمر: أيّ آية هي ؟ قال : قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا( ) . فقال عمر : إني لأعلم أي يوم نزلت، وفي أي مكان نزلت. نزلت يوم عرفة بعرفة، ورسول الله  واقف بعرفة( ) . وهذا مستفيض من وجوه أخر، وهو منقول في كتب المسلمين : الصحاح والمسانيد والجوامع والسير والتفسير وغير ذلك. 

وهذا اليوم كان قبل يوم غدير خُم بتسعة أيام ؛ فإنه كان يوم الجمعة تاسع ذي الحجة، فكيف يُقال : إنها نزلت يوم الغدير ؟! 

الوجه الرابع : أن هذه الآية ليس فيها دلالة عَلَى عليٍّ ولا إمامته بوجه من الوجوه، بل فيها إخبار الله بإكمال الدين وإتمام النعمة على المؤمنين، ورضا الإسلام دينا. فدعوى المدَّعى أن القرآن يدل على إمامته من هذا الوجه كذب ظاهر. 

الوجه الخامس : أن هذا اللفظ، وهو قوله :  (( اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله )) كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث. 

وأما قو له :  (( من كنت مولاه فعليٌّ مولاه )) فلهم فيه قولان : وسنذكره إن شاء الله تعالى في موضعه. 

الوجه السادس : أن دعاء النبي  مجاب، وهذا الداء ليس بمجابٍ. فعُلم أنه ليس من دعاء النبي ، فإنه من المعلوم لما تولّى كان الصحابة وسائر المسلمين ثلاثة أصناف : صنف قاتلوا معه، وصنف قاتلوه، وصنف قعدوا عن هذا وهذا. وأكثر السابقين الأوَّلين كانوا من القعود. 

ثم إن هؤلاء الذين قاتلوه لم يُخذلوا، بل ما زالوا منصورين يفتحون البلاد، ويقتلون الكفّار. 

وفي الصحيح عن النبي  أنه قال :  (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق،لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله )) قال معاذ بن جبل :  (( وهم بالشام ))( ) . 

والعسكر الذين قاتلوا مع معاوية ما خُذِلوا قط، بل ولا في قتال عليّ. فكيف يكون النبي  قال :  (( اللهم اخذل من خذله وانصر من نصره )) والذين قاتلوا معه لم يُنصروا على هؤلاء، بل الشيعة الذين تزعمون أنهم مختصّون بعليّ ما زالوا مخذولين مقهورين لا يُنصرون إلا مع غيرهم : إما مسلمين، وإما كفّار،وهم يدّعون أنهم أنصاره، فأين نصر الله لمن نصره ؟! وهذا وغيره مما يبيّن كذب هذا الحديث. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الرابع :قوله تعالى : وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى( ) ، روى الفقيه عليّ بن المغازلي الشافعي بإسناده عن ابن عباس، قال : كنت جالسا مع فتية من بني هاشم عند النبي  إذ انقض كوكبٌ، فقال رسول الله  :  (( من انقض هذا الكوكب في منزله، فهو الوصي من بعدي )) فقام فتية من بني هاشم، فنظروا، فإذا الكوكب قد انقضّ في منزل علي ّ، قالوا : يا رسول الله قـد غويت في حب عليّ ، فأنـزل الله تـعالى :       وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى( ) .

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحته، كما تقدم. وذلك أن القول بلا علم حرام بالنص والإجماع. 

قال تعالى : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ( ) .

وقال : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَاْلإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَالاَ تَعْلَمُونَ(1).

فما جاءت به الرسل عن الله فهو سلطان، فالقرآن سلطان، والسنّة سلطان، لكن لا يعرف أن النبي  جاء به إلا بالنقل الصادق عن الله، فكل من احتج بشيء منقول عن النبي  فعليه أن يعلم صحته، قبل أن يعتقد موجبه ويستدل به. وإذا احتج به على غيره، فعليه بيان صحته، وإلا كان قائلا بلا علم، مستدلا بلا علم. 

فكيف يحتج في مسائل الأصول، التي يقدح فيها في خيار القرون وجماهير المسلمين وسادات أولياء الله المقرَّبين، بحيث لا يعلم المحتج به صدقه ؟ 

وهو لو قيل له : أتعلم أن هذا وقع ؟ فإن قال : أعلم ذلك، فقد كذب. فمن أين يعلم وقوعه ؟ ويُقال له : من أين علمت صدق ذلك، وذلك مما لا يُعرف إلا بالإسناد ومعرفة أحوال الرواة ؟ وأنت لا تعرفه، ولو أنك عرفته لعرفت أن هذا كذب. 

وإن قال : لا أعلم ذلك. فكيف يسوغ لك الاحتجاج بما لا تعلم صحته ؟ 

الثاني : أن هذا كذب باتفاق أهل العلم بالحديث. وهذا المغازلي ليس من أهل الحديث، كأبي نعيم وأمثاله، ولا هو أيضا من جامعي العلوم الذين يذكرون ما غالبه حق وبعضه باطل،كالثعلبي وأمثاله، بل هذا لم يكن الحديث من صنعته، فعمد إلى ما وجده من كتب الناس من فضائل عليّ فجمعها، كما فعل أخطب خوارزم، وكلاهما لا يعرف الحديث، وكل منهما يروى فيما جمعه من الأكاذيب الموضوعة، ما لا يخفى أنه كذب على أقل علماء النقل والحديث. 

الوجه الثالث : أنه مما يبيّن أنه كذب أن فيه ابن عباس شهد نزول سورة النجم حين انقض الكوكب في منزل عليّ، وسورة النجم باتفاق الناس من أول ما نزل بمكة، وابن عبّاس حين مات النبي  كان مراهقاً للبلوغ لم يحتلم بعد، هكذا ثبت عنه في الصحيحين. فعند نزول هذه الآية : إما أن ابن عباس لم يكن وُلد بعد، وإما أنه كان طفلا لا يميّز، فإن النبي  لما هاجر كان لابن عباس نحو خمس سنين، والأقرب أنه لم يكن ولد عند نزول سورة النجم، فإنها من أوائل ما نزل من القرآن. 

الوجه الرابع : أنه لم ينقضّ قط كوكب إلى الأرض بمكة ولا بالمدينة، ولا غيرهما. ولما بُعث النبي  كثر الرمي بالشهب، ومع هذا فلم ينزل كوكب إلى الأرض. وهذا ليس من الخوارق التي تُعرف في العالم، بل هو من الخوارق التي لا يُعرف مثلها في العالم، ولا يَرْوى مثل هذا إلا من هو أوقح الناس، وأجرئهم على الكذب، وأقلهم حياءً وديناً، ولا يَرُوج إلا عَلَى من هو من أجهل الناس وأحمقهم، وأقلهم معرفة وعلما. 

الوجه الخامس : أن نزول سورة النجم كان في أول الإسلام،وعليّ إذ ذاك كان صغيراً، والأظهر أنه لم يكن احتلم ولا تزوّج بفاطمة، ولا شُرع بعد فرائض الصلاة أربعا وثلاثا واثنين، ولا فرائض الزكاة، ولا حج البيت، ولا صوم رمضان، ولا عامة قواعد الإسلام. 

وأمر الوصية بالإمامة لو كان حقًّا إنما يكون في آخر الأمر كما ادعوه يوم غدير خُم، فكيف يكون قد نزل في ذلك الوقت ؟ 

الوجه السادس : أن أهل العلم بالتفسير متفقون على خلاف هذا، وأن النجم المقسم به : إما نجوم السماء، وإما نجوم القرآن، ونحو ذلك. ولم يقل أحد : إنه كوكب نزل في دار أحد بمكة.

الوجه السابع : أن من قال لرسول الله  :  (( غويت )) فهو كافر، والكفّار لم يكن النبي  يأمرهم بالفروع قبل الشهادتين والدخول في الإسلام. 

الوجه الثامن : أن هذا النجم إن كان صاعقة، فليس نزول الصاعقة في بيت شخص كرامة له، وإن كان من نجوم السماء فهذه لا تفارق الفلك، وإن كان من الشُّهب فهذه يُرمى بها رجوما للشياطين، وهي لا تنزل إلى الأرض. ولو قُدِّر أن الشيطان الذي رُمِيَ بها وصل إلى بيت عليّ حتى احترق بها، فليس هذا كرامة له، مع أن هذا لم يقع قط. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الخامس : قوله تعالى : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا( ) .فروى أحمد بن حنبل في مسنده عن واثلة بن الأسقع قال : طلبت عليًّا في منزله،فقالت فاطمة رضي الله عنها : ذهب إلى رسول الله . قال : فجاءا جميعا فدخلا ودخلت معهما، فأجلس عليًّا عن يساره،وفاطمة عن يمينه، والحسن والحسين بين يديه، ثم التفع عليهم بثوبه،وقال : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا( ) اللهم إن هؤلاء أهلي حقًّا. 

وعن أم سلمة قالت : إن النبي  كان في بيتها، فأتته فاطمة رضي الله عنها ببرمة. فيها حريرة، فدخلت عليه، فقال : ادعي زوجك وابنَيْك. قالت : فجاء عليّ والحسن والحسين فدخلوا وجلسوا يأكلون من تلك الحريرة، وهو وهم على منام له عليٍّ، وكان تحته كساء خَيْبَري. قالت : وأنا في الحجرة أصلّي، فأنزل الله تعالى هذه الآية : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا قالت : فأخذ فضل الكساء وكساهم به، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء، وقال : هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وكرّر ذلك. قالت : فأدخلت رأسي وقلت : وأنا معهم يا رسول الله قال : إنك إلى خير. 

وفي هذه الآية دلالة على العصمة، مع التأكيد بلفظة :  (( إنما )) وإدخال اللام في الخبر، والاختصاص في الخطاب بقوله :  (( أهل البيت )) والتكرير بقوله :  (( ويطهّركم )) والتأكيد بقوله  (( تطهيرا)) وغيرهم ليس بمعصوم، فتكون الإمامة في عليّ، ولأنه ادّعاها في عدة من أقواله : والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وهو يعلم أن محلّي منها محل القطب من الرحى. وقد ثبت نفي الرجس عنه، فيكون صادقا، فيكون هو الإمام )). 

والجـواب : أن هذا الحديث صحيح في الجملة ؛ فإنه قد ثبت عن النبي  أنه قال لعليّ وفاطمة وحسن وحسين :  (( اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا)). 

وروى ذلك مسلم عن عائشة قالت : خرج رسول الله  غداةً وعليه مرط مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن عليّ فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء عليّ فأدخله، ثم قال:  (( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا))(1). وهو مشهور من رواية أم سلمة من رواية أحمد والترمذي، لكن ليس في هذا دلالة على عصمتهم ولا إمامتهم. 

وتحقيق ذلك في مقامين أحدهما : أن قوله : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، كقوله : مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ(2)، وكقوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ(3)،وكقوله : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم *  وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا(4).

فإن إرادة الله في هذه الآيات متضمنة لمحبة الله لذلك المراد ورضاه به، وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به، ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد، ولا أنه قضاه وقدَّره، ولا أنه يكون لا محالة. 

والدليل على ذلك أن النبي  بعد نزول هذه الآية قال :  (( اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)) فطلب من الله لهم إذهاب الرجس والتطهير. فلو كانت الآية تتضمن إخبار الله بأنه قد أذهب عنهم الرجس وطهّرهم، لم يحتج إلى الطلب والدعاء. 

فإن قيل : فهب أن القرآن لا يدل على وقوع ما أريد من التطهير وإذهاب الرجس، لكن دعاء النبي  لهم بذلك يدل على وقوعه، فإن دعاءه مستجاب. 

قيل : المقصود أن القرآن لا يدل على ما ادّعاه من ثبوت الطهارة وإذهاب الرجس فضلا عن أن يدل على العصمة والإمامة. 

وأما الاستدلال بالحديث فذاك مقام آخر. 

ثم نقول في المقام الثاني : هب أن القرآن دل على طهارتهم وإذهاب الرجس عنهم، كما أن الدعاء المستجاب لا بد أن يتحقق معه طهارة المدعو لهم وإذهاب الرجس عنهم، لكن ليس في ذلك ما يدل على العصمة من الخطأ. 

والدليل عليه أن الله لم يرد به أزواج النبي  أن لا يصدر من واحدة منهن خطأٌ، فإن الخطأ مغفور لهن و لغيرهن. وسياق الآية يقتضي أنه يريد ليذهب عنهم الرجس  الذي هو الخبث كالفواحش  ويطهرهم تطهيرا من الفواحش وغيرها من الذنوب. 

ولفظ  (( الرجس )) عام يقتضي أن الله يريد أن يذهب جميع الرجس، فإن النبي  دعا بذلك. 

وبالجملة فالتطهير الذي أراده الله، والذي دعا به النبي  ليس هو العصمة بالاتفاق، فإن أهل السنّة عندهم لا معصوم إلا النبي . والشيعة يقولون : لا معصوم غير النبي  والإمام. فقد وقع الاتفاق على انتفاء العصمة المختصة بالنبي  والإمام عن أزواجه وبناته وغيرهن من النساء. 

وإذا كان كذلك امتنع أن يكون التطهير المدعو به للأربعة متضمناً للعصمة التي يختص بها النبي  والإمام عندهم، فلا يكون من دعاء النبي  له بهذه العصمة : لا لعليّ ولا لغيره، فإنه دعا له بالطهارة لأربعة مشتركين لم يختص بعضهم بدعوة. 

أما قوله :  (( إن عليًّا ادّعاها وقد ثبت نفي الرجس عنه فيكون صادقا)). 

فجوابه من وجوه : أحدها : أنّا لا نسلم أن عليًّا ادّعاها، بل نحن نعلم بالضرورة علما متيقنا أن عليًّا ما ادّعاها قط حتى قُتل عثمان، وإن كان قد يميل بقلبه إلى أن يُوَلَّى، لكن ما قال : إني أنا الإمام، ولا إني معصوم، ولا : إن رسول الله  جعلني الإمام بعده، ولا أنه أوجب على الناس متابعتي، ولا نحو هذه الألفاظ. 

بل نحن نعلم بالاضطرار أن من نقل هذا ونحوه فهو كاذب عليه. ونحن نعلم أن عليًّا كان أتقى لله من أن يدَّعي الكذب الظاهر، الذي تعلم الصحابة كلهم أنه كذب. 

 وأما نقل الناقل عنه أنه قال :  (( لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وهو يعلم أن محلى منها محل القطب من الرحى )). 

فنقول: أولا : أين إسناد هذا النقل، بحيث ينقله ثقة عن ثقة متصلا إليه ؟ وهذا لا يوجد قط، وإنما يُوجد هذا في كتاب  (( نهج البلاغة )) وأمثاله، وأهل العلم يعلمون أن أكثر خطب هذا الكتاب مفتراة عَلَى عليّ، ولهذا لا يوجد غالبها في كتاب متقدّم، ولا لها إسناد معروف. فهذا الذي نقلها من أين نقلها ؟ 

ونحن في هذا المقام ليس علينا أن نبيّن أن هذا كذب، بل يكفينا المطالبة بصحة النقل، فإن الله لم يوجب على الخلق أن يصدّقوا بما لم يقم دليل على صدقه، بل هذا ممتنع بالاتفاق، لا سيما على القول بامتناع تكليف ما لا يطاق؛ فإن هذا من أعظم تكليف ما لا يطاق، فكيف يمكن الإِنسان أن يثبت ادعاء عليّ للخلافة بمثل حكاية ذكرت عنه في أثناء المائة الرابعة، لما كثر الكذّابون عليه، وصار لهم دولة تقبل منهم ما يقولون، سواء كان صدقاً أو كذبا، وليس عندهم من يطالبهم بصحة النقل. وهذا الجواب عمدتنا في نفس الأمر، وفيما بيننا وبين الله تعالى. 

وأيضاً فنحن نعلم أن عليًّا كان أتقى لله من أن يتعمد الكذب، كما أن أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم كانوا أتقى لله من أن يتعمدوا الكذب. لكن لو قيل لهذا المحتج بالآية : أنت لم تذكر دليلا على أن الكذب من الرجس، وإذا لم تذكر على ذلك دليلا لم يلزم من إذهاب الرجس إذهاب الكذبة الواحدة، إذا قُدِّر أن الرجس ذاهب، فهو فيمن يحتج بالقرآن، وليس في القرآن ما يدل على إذهاب الرجس، ولا ما يدل على أن الكذب والخطأ من الرجس، ولا أن عليًّا قال ذلك. ولكن هذا كله لو صح شيء منه، لم يصح إلا بمقدمات ليست في القرآن، فأين البراهين التي في القرآن على الإمامة ؟ وهل يدّعي هذا إلا من هو من أهل الخزي والندامة ؟ 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان السادس : في قوله تعالى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَاْلآصَالِ * رِجَالٌ إلى قوله : يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَاْلأَبْصَارُ(1) قال الثعلبي بإسناده عن أنس وبُريدة قالا : قرأ رسول الله  هذه الآية، فقام رجل فقال : أي بيوت هذه يا رسول الله ؟ فقال :  (( بيوت الأنبياء )). فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول الله هذا البيت منها ؟ يعني بيت عليّ وفاطمة. قال : نعم من أفضلها، وصف فيها الرجال بما يدل على أفضليتهم، فيكون عليّ هو الإمام، وإلا لزم تقديم المفضول على الفاضل )). 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة هذا النقل. ومجرد عزو ذلك إلى الثعلبي ليس بحجة باتفاق أهل السنة والشيعة، وليس كل خبر رواه أحدٌ من الجمهور يكون حجة عند الجمهور، بل علماء الجمهور متفقون على أن ما يرويه الثعلبي وأمثاله لا يحتجون به، لا في فضيلة أبي بكر وعمر، ولا في إثبات حكم من الأحكام، إلا أن يُعلم ثبوته بطريق، فليس له أن يقول : إنّا نحتج عليكم بالأحاديث التي يرويها واحد من الجمهور، فإن هذا بمنزلة من يقول : أنا أحكم عليكم بمن يشهد عليكم من الجمهور، فهل يقول أحد من علماء الجمهور : إن كل من شهد منهم فهو عدل، أو قال أحد من علمائهم : إن كل من روى منهم حديثاً كان صحيحا .

ثم علماء الجمهور متفقون على أن الثعلبي وأمثاله يروون الصحيح والضعيف، ومتفقون على أن مجرد روايته لا توجب اتّباع ذلك. ولهذا يقولون في الثعلبي وأمثاله : إنه حاطب ليل يروي ما وجد، سواء كان صحيحاً أو سقيما. فتفسيره وإن كان غالب الأحاديث التي فيه صحيحة، ففيه ما هو كذب موضوع باتفاق أهل العلم. 

الثاني : أن هذا الحديث موضوع عند أهل المعرفة بالحديث، ولهذا لم يذكره علماء الحديث في كتبهم التي يعتمد في الحديث عليها، كالصحاح والسنن والمسانيد، مع أن في بعض هذه ما هو ضعيف، بل ما يُعلم أنه كذب، لكن هذا قليل جداً. وأما هذا الحديث وأمثاله فهو أظهر كذبا من أن يذكروه في مثل ذلك. 

الثالث : أن يُقال : الآية باتفاق الناس هي في المساجد، كما قال : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَاْلآصَالِ(1). وبيت عليّ وغيره ليس موصوفا بهذه الصفة. 

الرابع : أن يُقال : بيت النبي  أفضل من بيت عليّ باتفاق المسلمين، ومع هذا لم يدخل في هذه الآية، لأنه ليس في بيته رجال، وإنما فيه هو والواحدة من نسائه، ولما أراد بيت النبي  قال : لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ(2) وقال : وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ(3).

الوجه الخامس : أن قوله :  (( هي بيوت الأنبياء )) كذب، فإنه لو كان كذلك لم يكن لسائر المؤمنين فيها نصيب. وقوله : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وِاْلآصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ(4) متناول لكل من كان بهذه الصفة. 

الوجه السادس : أن قوله : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ نكرة موصوفة ليس فيها تعيين. وقوله :  أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ : إن أراد بذلك مالا يختص به المساجد من الذكر في البيوت والصلاة فيها، دخل في ذلك بيوت أكثر المؤمنين المتصفين بهذه الصفة، فلا تختص بيوت الأنبياء بها. 

وإن أراد بذلك ما يختص به المساجد من وجود الذكر في الصلوات الخمس ونحو ذلك، كانت مختصة بالمساجد. وأما بيوت الأنبياء فليس فيها خصوصية المساجد، وإن كان لها فضل بسكنى الأنبياء فيها. 

الوجه السابع : أن يُقال : إن أريد بيوت الأنبياء ما سكنه النبي ،فليس في المدينة من بيوت الأنبياء إلا بيوت أزواج النبي ، فلا يدخل فيها بيت عليّ. وإن أُريد ما دخله الأنبياء، فالنبي  قد دخل بيوت كثير من الصحابة. 

وأي تقدير قُدِّر في الحديث لا يمكن تخصيص بيت عليّ بأنه من بيوت الأنبياء، دون بيت أبي بكر وعمر وعثمان ونحوهم. وإذا لم يكن له اختصاص، فالرجال مشتركون بينه وبين غيره. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان السابع :قوله تعالى : قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(1).روى أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس قال : لما نزلت : قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى قالوا : يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودّتهم ؟ قال :  (( عليّ وفاطمة وابناهما. وكذا في تفسير الثعلبي، ونحوه في الصحيحين. وغير عليّ من الصحابة والثلاثة لا تجب مودته، فيكون عليّ أفضل، فيكون هو الإِمام، ولأن مخالفته تنافي المودة، وبامتثال أوامره تكون مودته، فيكون واجب الطاعة، وهو معنى الإمامة )). 

والجواب من وجوه: أحدها : المطالبة بصحة هذا الحديث. وقوله: (( إن أحمد روى هذا في مسنده )) كذب بيّن، فإن هذا مسند أحمد موجود، به من النسخ ما شاء الله، وليس فيه هذا الحديث. وأظهر من ذلك كذبا قوله : إن هذا في الصحيحين، وليس هو في الصحيحين، بل فيهما وفي المسند ما يناقض ذلك. 

ولا ريب أن هذا الرجل وأمثاله جهّال بكتب أهل العلم، لا يطالعونها ولا يعلمون ما فيها. 

الوجه الثاني : أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، وهم المرجوع إليهم في هذا. وهذا لا يوجد في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها. 

الوجه الثالث : إن هذه الآية في سورة الشورى وهي مكيّة باتفاق أهل السنّة، بل جميع آل حم مكيّات، وكذلك آل طس. ومن المعلوم أن عليًّا إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد غزوة بدر، والحسن ولد في السنة الثالثة من الهجرة، والحسين في السنة الرابعة، فتكون هذه الآية قد نزلت قبل وجود الحسن والحسين بسنين متعددة، فكيف يفسر النبي  الآية بوجوب مودة قرابة لا تعرف ولم تخلق بعد ؟! 

الوجه الرابع : أن تفسير الآية الذي في الصحيحين عن ابن عباس يناقض ذلك.ففي الصحيحين عن سعيد بن جبير قال : سئل ابن عباس عن قوله تعالىقُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(1)، فقلت : أن لا تؤذوا محمدا في قرابته. فقال ابن عباس : عجلتَ، إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله  فيهم قرابة، فقال : لا أسألكم عليه أجراً، لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم. 

فهذا ابن عباس ترجمان القرآن، وأعلم أهل البيت بعد عليّ،يقول : ليس معناها مودة ذوى القربى، لكن معناها : لا أسألكم يا معشر العرب ويا معشر قريش عليه أجرا، لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم، فهو سأل الناس الذين أُرسل إليهم أولا أن يصلوا رحمه، فلا يعتدوا عليه حتى يبلّغ رسالة ربه. 

الوجه الخامس : أنه قال : لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى، لم يقل : إلا المودة للقربى، ولا المودة لذوى القربى. فلو أراد المودة لذوى القربى لقال : المودة لذوى القربى. 

الوجه السادس : أن يُقال : إن النبي  لا يسأل على تبليغ رسالة ربه أجراً ألبتة، بل أجره على الله، كما قال قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ( ) .وقوله : أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ( ) ،وقوله : قُلْ مَا سَأَلْتُكُم عَلَيْهِ مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِن أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ( ) .

ولكن الاستثناء هنا منقطع، كما قال : قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِّنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً( ) .

ولا ريب أن محبة أهل بيت النبي  واجبة، لكن لم يثبت وجوبها بهذه الآية، ولا محبتهم أجر للنبي ، بل هو مما أمرنا الله به، كما أمرنا بسائر العبادات. 

فمن جعل محبة أهل بيته أجراً له يوفِّيه إياه فقد أخطأ خطأً عظيما، ولو كان أجراً له لم نثب عليه نحن، لأنَّا اعطيناه أجره الذي يستحقّه بالرسالة، فهل يقول مسلم مثل هذا ؟! 

الوجه السابع : أن القربى معرّفة باللام، فلا بد أن يكون معروفا عند المخاطبين الذين أُمر أن يقول لهم : قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا

وأما قوله :  (( والثلاثة لا تجب موالاتهم )) فممنوع، بل يجب أيضا مودتهم وموالاتهم، فإنه قد ثبت أن الله يحبهم، ومن كان الله يحبه وجب علينا أن نحبه، فإن الحب في الله والبغض في الله واجب، وهو أوثق عرى الإيمان. وكذلك هم من أكابر أولياء الله المتقين، وقد أوجب الله موالاتهم، بل قد ثبت أن الله رضي عنهم ورضوا عنه بنصّ القرآن، وكل من رضي الله عنه فإنه يحبه.

والمقصود أن قوله :  (( وغير عليّ من الثلاثة لا تجب مودته )) كلام باطل عند الجمهور، بل مودة هؤلاء أوجب عند أهل السنّة من مودة عليّ، لأن وجوب المودة عَلَى مقدار الفضل. 

وأما قوله :  (( إن مخالفته تنافي المودة، وامتثال أوامره هو مودته، فيكون واجب الطاعة، وهو معنى الإمامة )). 

فجوابه من وجوه : أحدها : إن كان المودة توجب الطاعة فقد وجبت مودة ذوى القربى فتجب طاعتهم، فيجب أن تكون فاطمة أيضا إماماً، وإن كان هذا باطلا فهذا مثله. 

الثاني : أن المودة ليست مستلزمة للإمامة في حال وجوب المودة، فليس من وجبت مودته كان إماماً حينئذ، بدليل أن الحسن والحسين تجب مودتهما قبل مصيرهما إمامين، وعليٌّ تجب مودته في زمن النبي  ولم يكن إماما، بل تجب وإن تأخرت إمامته إلى مقتل عثمان.

وهؤلاء القوم مع أهل السنة بمنزلة النصارى مع المسلمين، فالنصارى يجعلون المسيح إلها، ويجعلون إبراهيم وموسى ومحمداً أقل من الحواريين الذين كانوا مع عيسى. وهؤلاء يجعلون عليًّا هو الإمام المعصوم، أو هو النبي أو إله، والخلفاء الأربعة أقل من مثل الأشتر النخعي وأمثاله الذين قاتلوا معه. ولهذا كان جهلهم وظلمهم أعظم من أن يوصف : ويتمسكون بالمنقولات المكذوبة، والألفاظ المتشابهة، والأقيسة الفاسدة، ويدعون المنقولات الصادقة بل المتواترة، والنصوص البيّنة، والمعقولات الصريحة.

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الثامن : قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ( ) .قال الثعلبي : إن رسول الله  لما أراد الهجرة خلف عليّ بن أبي طالب لقضاء ديونه ورد الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة خرج إلى الغار، وقد أحاط المشركون بالدار، أن ينام على فراشه، فقال له : يا عليّ اتشح ببردى الحضرمى الأخضر، ونم على فراشي، فإنه لا يخلص إليك منهم مكروه إن شاء الله تعالى، ففعل ذلك، فأوحى الله تعالى إلى جبريل وميكائيل أني قد آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله إليها : ألا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمد عليه الصلاة والسلام فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة ؟ اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه. فنزلا، فكان جبريل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، فقال جبريل : بخٍ بخٍ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ؟ فأنزل الله تعالى عَلَى رسوله  وهو متوجه إلى المدينة في شأن عليّ : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ( ) . وقال ابن عباس : إنما نزلت في عليّ لما هرب النبي  من المشركين إلى الغار، وهذه فضيلة لم تحصل لغيره تدل على أفضلية عليّ على جميع الصحابة، فيكون هو الإمام )). 

الجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة هذا النقل. ومجرد نقل الثعلبي وأمثاله لذلك، بل روايتهم، ليس بحجة باتفاق طوائف أهل السنّة والشيعة، لأن هذا مرسل متأخر، ولم يذكر إسناده، وفي نقله من هذا الجنس للإسرائيليات والإسلاميات أمور يُعلم أنها باطلة، وإن كان هو لم يتعمد الكذب. 

ثانيها : أن هذا الذي نقله من هذا الوجه كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسيرة، والمرجع إليهم في هذا الباب. 

الثالث : أن النبي  لما هاجر هو وأبو بكر إلى المدينة لم يكن للقوم غرض في طلب عليّ، وإنما كان مطلوبهم النبي  وأبا بكر، وجعلوا في كل واحد منهما ديته لمن جاء به، كما ثبت ذلك في الصحيح( ) الذي لا يستريب أهل العلم في صحته، وترك عليًّا في فراشه ليظنوا أن النبي  في البيت فلا يطلبوه، فلما أصبحوا وجدوا عليًّا فظهرت خيبتهم، ولم يؤذوا عليًّا، بل سألوه عن النبي ، فأخبرهم أنه لا علم له به، ولم يكن هناك خوف عَلَى عليّ من أحد، وإنما كان الخوف على النبي  وصدِّيقه، ولو كان لهم في عليّ غرض لتعرضوا له لما وجدوه، فلما لم يتعرضوا له دلّ على أنهم لا غرض لهم فيه، فأي ّ فداء هنا بالنفس ؟ 

والذي كان يفديه بنفسه بلا ريب، ويقصد أن يدفع بنفسه عنه، ويكون الضرر به دونه، هو أبو بكر. كان يذكر الطلبة فيكون خلفه، ويذكر الرصد فيكون أمامه، وكان يذهب فيكشف له الخبر. وإذا كان هناك ما يُخاف أحب أن يكون به لا بالنبي . 

وغير واحد من الصحابة قد فداه بنفسه في مواطن الحروب، فمنهم من قُتل بين يديه، ومنهم من شلّت يده، كطلحة بن عبيد الله. وهذا واجب على المؤمنين كلهم. فلو قدِّر أنه كان هناك فداء بالنفس لكان هذا من الفضائل المشتركة بينه وبين غيره من الصحابة، فكيف إذا لم يكن هناك خوف عَلَى عليٍّ ؟.

وأيضاً فإن النبي  قد قال :  (( اتّشح ببردى هذا الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك منهم رجل بشيء تكرهه )) فوعده، وهو الصادق، أنه لا يخلص إليه مكروه، وكان طمأنينته بوعد الرسول .

الرابع : أن هذا الحديث فيه من الدلائل على كذبه ما لا يخفى، فإن الملائكة لا يقال فيهم مثل هذا الباطل الذي لا يليق بهم، وليس أحدهما جائعاً فيؤثره الآخر بالطعام، ولا هناك خوف فيؤثر أحدهما صاحبه بالامن، فكيف يقول الله لهما : أيّكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ ولا للمؤاخاة بين الملائكة أصل، بل جبريل له عمل يختص به دون ميكائيل، وميكائيل له عمل يختص به دون جبريل، كما جاء في الآثار أن الوحي والنصر لجبريل، وأن الرزق والمطر لميكائيل. 

الخامس : أن النبي  لم يؤاخ عليًّا ولا غيره، بل كل ما رُوى في هذا فهو كذب. 

وحديث المؤاخاة الذي يُروى في ذلك  مع ضعفه وبطلانه  إنما فيه مؤاخاته له في المدينة، هكذا رواه الترمذي. فأما بمكة فمؤاخاته على التقديرين. 

وأيضا فقد عرف أنه لم يكن فداء بالنفس ولا إيثار بالحياة باتفاق علماء النقل. 

السادس : أن هبوط جبريل وميكائيل لحفظ واحد من الناس من أعظم المنكرات ؛ فإن الله يحفظ من يشاء من خلقه بدون هذا. وإنما رُوى هبوطهما يوم بدر للقتال، وفي مثل تلك الأمور العظام، ولو نزلا لحفظ واحد من الناس لنزلا لحفظ النبي  وصدّيقه، اللذين كان الأعداء يطلبونهما من كل وجه، وقد بذلوا في كل واحد منهما ديته، وهم عليهما غلاظ شداد سود الأكباد. 

السابع : أن هذه الآية في سورة البقرة، وهي مدنية بلا خلاف، وإنما نزلت بعد هجرة النبي  إلى المدينة، لم تنزل وقت هجرته. وقد قيل : إنها نزلت لما هاجر النبي  إلى المدينة، لم تنزل وقت هجرته ؟ وقد قيل : إنها نزلت لما هاجر صهيب وطلبه المشركون، فأعطاهم ماله، وأتى المدينة، فقال النبي  :  (( ربح البيع أبا يحيى )).وهذه القصة مشهورة في التفسير، نقلها غير واحد. 

الثامن : أن قوله :  (( هذه فضيلة لم تحصل لغيره فدل على أفضليته فيكون هو الإمام )). 

فيقال : لا ريب أن الفضيلة التي حصلت لأبي بكر في الهجرة لم تحصل لغيره من الصحابة بالكتاب والسنّة والإجماع، فتكون هذه الأفضلية ثابتة له دون عمر وعثمان وعليّ وغيرهم من الصحابة، فيكون هو الإمام. 

فهذا هو الدليل الصدق الذي لا كذب فيه. يقول الله : إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا( ) . 

ومثل هذه الفضيلة لم تحصل لغير أبي بكر قطعاً، بخلاف الوقاية بالنفس، فإنها لو كانت صحيحة فغير واحد من الصحابة وقى النبي  بنفسه. وهذا واجب على كل مؤمن، ليس من الفضائل المختصة بالأكابر من الصحابة. 

(فصــل)

قال الرافضي : (( البرهان التاسع:قوله تعالى:فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِين( ) . نقل الجمهور كافة أن  (( أبناءنا)) إشارة إلى الحسن والحسين، و(( نساءنا)) إشارة إلى فاطمة.و(( أنفسنا)) إشارة إلى عليّ. وهذه الآية دليل على ثبوت الإمامة لعليّ لأنه تعالى قد جعله نفس رسول الله ، والاتحاد محال، فيبقى المراد بالمساواة له الولاية. وأيضا لو كان غير هؤلاء مساوياً لهم وأفضل منهم في استجابة الدعاء لأمره تعالى بأخذهم لأنه في موضع الحاجة، وإذا كانوا هم الأفضل تعيّنت الإمامة فيهم. وهل تخفى دلالة هذه الآية على المطلوب إلا على من استحوذ الشيطان عليه، وأخذ بمجامع قلبه، وحُبّبت إليه الدنيا التي لا ينالها إلا بمنع  أهل الحق من حقهم ؟)) 

والجواب أن يقال : أما أخذه عليًّا وفاطمة والحسن والحسين في المباهلة فحديث صحيح، رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص. قال في حديث طويل لما نزلت هذه الآية : فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِين(1) دعا رسول الله  عليًّا وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال  (( اللهم هؤلاء أهلي ))(2).

ولكن لا دلالة في ذلك على الإمامة ولا على الأفضلية. 

وقوله :  (( وقد جعله الله نفس رسول الله ، والاتحاد محال، فبقي المساواة له، وله الولاية العامة. فكذا لمساويه )). 

قلنا : لا نسلم أنه لم يبق إلا المساواة، ولا دليل على ذلك، بل حمله على ذلك ممتنع، لأن أحدا لا يساوي رسول الله  : لا عليًّا ولا غيره. 

وهذا اللفظ في لغة العرب لا يقتضي المساواة. قال تعالى في قصة الإفك: لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا(3)، ولم يوجب ذلك أن يكون المؤمنون والمؤمنات متساوين. 

والمباهلة إنما تحصل بالأقربين إليه، وإلا فلو باهلهم بالأبعدين في النسب، وإن كانوا أفضل عند الله، لم يحصل المقصود ؛ فإن المراد أنهم يدعون الأقربين، كما يدعو هو الأقرب إليه. 

وأما قول الرافضي :  (( لو كان غير هؤلاء مساويا لهم، أو أفضل منهم في استجابة الدعاء لأمره تعالى بأخذهم معه، لأنه في موضع الحاجة )). 

فيقال في الجواب : لم يكن المقصود إجابة الدعاء ؛ فإن دعاء النبي  وحده كافٍ، ولو كان المراد بمن يدعوه معه أن يستجاب دعاؤه، لدعا المؤمنين كلهم ودعا بهم، كما كان يستسقى بهم، وكما كان يستفتح بصعاليك المهاجرين، وكان يقول :  (( وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ؟ بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم ؟ )). 

ومن المعلوم أن هؤلاء، وإن كانوا مجابين،فكثرة الدعاء أبلغ في الإجابة. لكن لم يكن المقصود دعوة من دعاه لإجابة دعائه، بل لأجل المقابلة بين الأهل والأهل. ونحن نعلم بالاضطرار أن النبي  لو دعا أبا بكر وعمر وعثمان، وطلحة والزبير، وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وغيرهم للمباهلة، لكانوا من أعظم الناس استجابة لأمره، وكان دعاء هؤلاء وغيرهم أبلغ في إجابة الدعاء، لكن لم يأمره الله سبحانه بأخذهم معه، لأن ذلك لا يحصل به المقصود. 

فإن المقصود أن أولئك يأتون بمن يشفقون عليه طبعا، كأبنائهم ونسائهم ورجالهم الذين هم أقرب الناس إليهم. فلو دعا النبي  قوماً أجانب لأتى أولئك بأجانب، ولم يكن يشتد عليهم نزول البهلة بأولئك الأجانب، كما يشتد عليهم نزولها بالأقربين إليهم، فإن طبع البشر يخاف على أقربيه ما لا يخاف على الأجانب، فأمر النبي  أن يدعو قرابته، وأن يدعو أولئك قرابتهم. 

فقد تبيّن أن الآية لا دلالة فيها أصلا على مطلوب الرافضي، لكنه، وأمثاله ممن في قلبه زيغ، كالنصارى الذين يتعلقون بالألفاظ المجملة ويدعون النصوص الصريحة، ثم قدحه في خيار الأمة بزعمه الكاذب، حيث زعم أن المراد بالأنفس : المساوون، وهو خلاف المستعمل في لغة العرب. 

ومما يبين ذلك أن قوله :  (( نساءنا )) لا يختص بفاطمة، بل من دعاه من بناته كانت بمنزلتها في ذلك، لكن لم يكن عنده إذ ذاك إلا فاطمة، فإن رقيَّة وأم كلثوم وزينب كن قد توفين قبل ذلك. 

فكذلك  (( أنفسنا )) ليس مختصا بعليّ، بل هذه صيغة جمع، كما أن  (( نساءنا )) صيغة جمع وكذلك  (( أبناءنا )) صيغة جمع، وإنما دعا حسناً وحسيناً لأنه لم يكن ممن ينسب إليه بالنبوة سواهما. 

(فصــل )

قال الرافضي :  (( البرهان العاشر : قوله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ( ) . روى الفقيه ابن المغازلي الشافعي بإسناده عن ابن عباس، قال : سُئل النبي  عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه. قال : سأله بحق محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين أن يتوب عليه، فتاب عليه. وهذه فضيلة لم يلحقه أحد من الصحابة فيها، فيكون هو الإمام، لمساواته النبي  في التوسل به إلى الله تعالى )). 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة هذا النقل، فقد عُرف أن مجرد رواية ابن المغازلى لا يسوغ الاحتجاج بها باتفاق أهل العلم.

الثاني : أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل العلم، وذكره أبو الفرج بن الجوزي في  (( الموضوعات )).

الثالث : أن الكلمات التي تـلقاها آدم قد جاءت مفسّرة في قوله تعالى :رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ( ) .

وقد رُوى عن السلف هذا وما يشبهه، وليس في شيء من النقل الثابت عنهم ما ذكره من القسم. 

الرابع : أنه معلوم بالاضطرار أن من هو دون آدم من الكفّار والفساق إذا تاب أحدهم إلى الله تاب الله عليه، وإن لم يقسم عليه بأحد. فكيف يحتاج آدم في توبته إلى مالا يحتاج إليه أحد من المذنبين : لا مؤمن ولا كافر ؟ 

الخامس : أن النبي  لم يأمر أحداً بالتوبة بمثل هذا الدعاء، بل ولا أمر أحداً بمثل هذا الدعاء في توبة ولا غيرها، بل ولا شرع لأمته أن يقسموا على الله بمخلوق، ولو كان هذا الدعاء مشروعا لشرعه لأمته. 

السادس : أن الإقسام على الله بالملائكة والأنبياء أمر لم يرد به كتاب ولا سنة، بل قد نصّ غير واحد من أهل العلم  كأبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما  على أنه لا يجوز أن يقسم على الله بمخلوق. وقد بسطنا الكلام على ذلك. 

السابع : أن هذا لو كان مشروعا فآدم نبيّ كريم، كيف يقسم على الله بمن هو أكرم عليه منه ؟ ولا ريب أن نبينا  أفضل من آدم، لكن آدم أفضل من عليّ وفاطمة وحسن وحسين. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الحادي عشر : قوله تعالى : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي(1)،روى الفقيه ابن المغازلى الشافعي عن ابن مسعود، قال : قال النبي  : انتهت الدعوة إليّ وإلى عليّ، لم يسجد أحدنا لصنم قط، فاتخذني نبيا واتخذ عليًّا وصيا. وهذا نص في الباب )). 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة هذا  كما تقدّم.

الثاني : أن هذا الحديث كذب موضوع بإجماع أهل العلم بالحديث. 

الثالث : أن قوله :  (( انتهت الدعوة إلينا )) كلام لا يجوز أن ينسب إلى النبي ، فإنه إن أريد : أنها لم تُصب من قبلنا كان ممتنعا، لأن الأنبياء من ذرية إبراهيم دخلوا في الدعوة. 

الوجه الرابع : أن كون الشخص لم يسجد لصنم فضيلة يشاركه فيها جميع من ولد على الإسلام، مع أن السابقين الأوَّلين أفضل منه، فكيف يجعل المفضول مستحقا لهذه المرتبة دون الفاضل ؟ 

الخامس : أنه لو قيل : إنه لم يسجد لصنم لأنه أسلم قبل البلوغ، فلم يسجد بعد إسلامه، فهكذا كل مسلم، والصبّي غير مكلف. وإن قيل : إنه لم يسجد قبل إسلامه. فهذا النفي غير معلوم، ولا قائله ممن يوثق به. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الثاني عشر : قوله تعالى :  إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا(1)،روى الحافظ أبو نُعيم الأصبهاني بإسناده إلى ابن عباس، قال : نزلت في عليّ. والوُدُّ محبة في القلوب المؤمنة. وفي تفسير الثعلبي عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله  لعليّ : يا عليّ قل : اللهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي في صدور المؤمنين مودة. فأنزل الله :  إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا(2)، ولم يثبت لغيره ذلك، فيكون هو الإمام )).

والجواب من وجوه : أحدها : أنه لا بد من إقامة الدليل على صحة المنقول : وإلا فالاستدلال بما لا يثبت مقدماته باطل بالاتفاق، وهو من القول بلا علم، ومن قفو الإنسان ما ليس به علم، ومن المحاجّة بغير علم. والعزو المذكور لا يفيد الثبوت باتفاق أهل السنّة والشيعة. 

الوجه الثاني : أن هذين الحديثين من الكذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث. 

الثالث : أن قوله :  إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ( ) عامّ في جميع المؤمنين، فلا يجوز تخصيصها بعليّ، بل هي متناولة لعليّ وغيره. والدليل عليه أن الحسن والحسين وغيرهما من المؤمنين الذين تعظّمهم الشيعة داخلون في الآية، فعُلم بذلك الإجماع على عدم اختصاصها بعليّ. 

وأما قوله :  (( ولم يثبت مثل ذلك لغيره من الصحابة )) فممنوع كما تقدم، فإنهم خير القرون، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات فيهم أفضل منهم في سائر القرون، وهم بالنسبة إليهم أكثر منهم في كل قرن بالنسبة إليه. 

الرابع : أن الله قد أخبر أنه سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ودّا. وهذا وعد منه صادق. ومعلوم أن الله قد جعل للصحابة مودّة في قلب كل مسلم، لا سيما الخلفاء رضي الله عنهم، لا سيما أبو بكر وعمر، فإن عامّة الصحابة والتابعين كانوا يودُّونهما، وكانوا خير القرون.

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الثالث عشر : قوله تعالى : إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ( ) .من كتاب  ((الفردوس )) عن ابن عباس قال : قال رسول الله  : أنا المنذر وعليّ الهادي، بك يا عليّ يهتدي المهتدون. ونحوه رواه أبو نُعيم، وهو صريح في ثبوت الولاية والإمامة )). 

والجواب من وجوه : أحدها : أن هذا لم يقم دليل على صحته، فلا يجوز الاحتجاج به. وكتاب  (( الفردوس )) للديلمي فيه موضوعات كثيرة أجمع أهل العلم على أن مجرد كونه رواه لا يدل على صحة الحديث، وكذلك رواية أبي نُعيم لا تدل على الصحة. 

الثاني : أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، فيجب تكذيبه ورده. 

الثالث : أن هذا الكلام لا يجوز نسبته إلى النبي ، فإن قوله : أنا المنذر وبك يا عليّ يهتدي المهتدون، ظاهرة أنهم بك يهتدون دوني، وهذا لا يقوله مسلم ؛ فإن ظاهره أن النذارة والهداية مقسومة بينهما، فهذا نذيرٌ لا يهتدى به، وهذا هادٍ وهذا لا يقوله مسلم. 

الرابع : أن الله تعالى قد جعل محمداً هادياً فقال : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم * صِرَاطِ اللَّهِ(1).فكيف يُجعل الهادي من لم يوصف بذلك دون من وصف به ؟! 

الخامس : أن قوله :  (( بك يهتدي المهتدون )) ظاهرة أن كل من اهتدى من أمة محمد فبه اهتدى، وهذا كذب بيّن ؛ فإنه قد آمن بالنبي  خلق كثير، واهتدوا به، ودخلوا الجنة، ولم يسمعوا من عليّ كلمة واحدة، وأكثر الذين آمنوا بالنبي  واهتدوا به لم يهتدوا بعليّ في شيء. وكذلك لما فتحت الأمصار وآمن واهتدى الناس بمن سكنها من الصحابة وغيرهم، كان جماهير المؤمنين لم يسمعوا من عليّ شيئا، فكيف يجوز أن يُقال:بك يهتدي المهتدون؟!

السادس : أنه قد قيل معناه : إنما أنت نذير ولكل قوم هاد، وهو الله تعالى، وهو قول ضعيف. وكذلك قول من قال : أنت نذير وهادٍ لكل قوم، قول ضعيف. والصحيح أن معناها : إنما أنت نذير، كما أُرسل من قبلك نذيرٌ، ولكل أمة نذير يهديهم أي يدعوهم، كما في قوله : وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ( ) . وهذا قول جماعة من المفسرين، مثل قتادة وعكرمة وأبي الضحى وعبد الرحمن بن زيد. 

وأما تفسيره بعليّ فإنه باطل، لأنه قال : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ، وهذا يقتضي أن يكون هادي هؤلاء غير هادى هؤلاء، فيتعدد الهداة، فكيف يُجْعل عليّ هاديا لكل قوم من الأوَّلين والآخرين ؟! 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الرابع عشر : قوله تعالى : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ( ) من طريق أبي نُعيم عن الشعبي عن ابن عباس قال في قوله تعالى : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ عن ولاية عليّ. وكذا في كتاب ((الفردوس)) عن أبي سعيد الخدري رضي لله عنه عن النبي . وإذا سئلوا عن الولاية وجب أن تكون ثابتة له، ولم يثبت لغيره من الصحابة ذلك، فيكون هو الإمام)). 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة النقل، والعزو إلى  (( الفردوس )) وإلى أبي نُعيم لا تقوم به حجة باتفاق أهل العلم. 

الثاني : أن هذا كذب موضوع بالاتفاق. 

الثالث : أن الله تعالى قال : اَحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ* مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُون( ) .

فهذا خطاب عن المشركين المكذِّبين بيوم الدين، وهؤلاء يسألون عن توحيد الله والإيمان برسله واليوم الآخر. وأي مدخل لحب عليٍّ في سؤال هؤلاء ؟ تراهم لو أحبّوه مع هذا الكفر والشرك أكان ذلك ينفعهم ؟ أو تراهم لو أبغضوه أين كان بغضهم له في بغضهم لأنبياء الله ولكتابه ودينه ؟ 

وما يفسر القرآن بهذا، ويقول : النبي  فسَّره بمثل هذا، إلا زنديق ملحد، متلاعب بالدين، قادح في دين الإسلام، أو مفرط في الجهل، لا يدري ما يقول. وأي فرق بين حب عليّ وطلحة والزبير وسعد وأبي بكر وعمر وعثمان؟! 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الخامس عشر : قوله تعالى : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ(1). روى أبو نُعيم بإسناده عن أبي سعيد الخدري، في قوله تعالى : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ قال : ببغضهم عليًّا. ولم يثبت لغيره من الصحابة ذلك، فيكون أفضل منهم، فيكون هو الإمام )). 

والجواب : المطالبة بصحة النقل أولا. 

والثاني : أن هذا من الكذب على أبي سعيد عند أهل المعرفة بالحديث. 

الثالث : أن يُقال : لو ثبت أنه قال : فمجرد قول أبي سعيد قول واحدٍ من الصحابة، وقول الصاحب إذا خالفه صاحبٌ آخر ليس بحجة باتفاق أهل العلم. وقد عُلم قدح كثير من الصحابة في عليٍّ ، وإنما احتج عليهم بالكتاب والسنّة، لا بقول آخر من الصحابة. 

الرابع : أنّا نعلم بالاضطرار أن عامة المنافقين لم يكن ما يُعرفون به من لحن القول هو بغض عليّ، فتفسير القرآن بهذا فرية ظاهرة. 

(فصــل)

قال الرافضي : البرهان السادس عشر : قوله تعالى : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ( ) . روى أبو نُعيم عن ابن عباس في هذه الآية : سابق هذه الأمة عليّ بن أبي طالب. روى الفقيه ابن المغازلي الشافعي، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال : سبق يوشع بن نون إلى موسى، وسبق موسى إلى هارون، وسبق صاحب يَـس إلى عيسى، وسبق عليّ إلى محمد . وهذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة، فيكون هو الإمام )). 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة النقل، فإن الكذب كثير فيما يرويه هذا وهذا. 

الثاني : أن هذا باطل عن ابن عباس، ولو صح عنه، لم يكن حجة إذا خالفه من هو أقوى منه. 

الثالث : أن الله تعالى يقول : وَالسَّابِقُونَ اْلأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَاْلأَنْصَار وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا اْلأَنْهَارُ( ) . وقال تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِاْلخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ( ) . 

والسابقون الأوّلون هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، الذين هم أفضل ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل. ودخل فيهم أهل بيعة الرضوان، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فكيف يُقال : إن سابق هذه الأمة واحدٌ ؟! 

الرابع : قوله :  (( وهذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة )) ممنوع ؛ فإن الناس متنازعون في أول من أسلم، فقيل : أبو بكر أول من أسلم، فهو أسبق إسلاما من عليّ. وقيل : إن عليًّا أسلم قبله. لكن عليّ كان صغيراً،وإسلام الصبي فيه نزاع بين العلماء. ولا نزاع في أن إسلام أبي بكر أكمل وأنفع، فيكون هو أكمل سبقاً بالاتفاق، وأسبق على الإطلاق على القول الآخر. فكيف يُقال : عليٌّ أسبق منه بلا حجة تدل على ذلك. 

(فصــل)

قال الرافضي : البرهان السابع عشر : قوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ(1).روى رزين بن معاوية في  (( الجمع بين الصحاح الستة )) أنها نزلت في عليّ لما افتخر طلحة بن شيبة والعباس. وهذه لم تثبت لغيره من الصحابة، فيكون أفضل، فيكون هو الإمام )). 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة النقل. ورزين قد ذكر في كتابه أشياء ليست في الصحاح. 

الثاني :أن الذي في الصحيح ليس كما ذكره عن رزين، بل الذي في الصحيح ما رواه النعمان بن بشير، قال : كنت عند منبر رسول الله  فقال رجل:لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر:لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمّر المسجد الحرم.وقال آخر : الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر وقال:لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ، وهو يوم الجمعة،ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله تعالى:أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ(1) أخرجه مسلم(2).

وهذا الحديث يقتضي أن قول عليّ الذي فضَّل به الجهاد على السدانة والسقاية أصح من قول من فضّل السدانة والسقاية، وأن عليًّا كان أعلم بالحق في هذه المسألة ممن نازعه فيها. وهذا صحيح. 

وأما التفضيل بالإيمان والهجرة والجهاد، فهذا ثابت لجميع الصحابة الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا، فليس هاهنا فضيلة اختصّ بها عليّ، حتى يقال: إن هذا لم يثبت لغيره. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الثامن عشر : قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً(3) من طريق الحافظ أبي نُعيم إلى ابن عباس، قال : إن الله حرّم كلام رسول الله  إلا بتقديم الصدقة، وبخلوا أن يتصدّقوا قبل كلامه، وتصدَّق عليٌ، ولم يفعل ذلك أحد من المسلمين غيره. ومن تفسير الثعلبي قال ابن عمر : كان لعليّ ثلاثة(4) لو كانت لي واحدة منهن كانت أحبّ إليّ من حمر النعم : تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى. وروى رزين بن معاوية في  (( الجمع بين الصحاح الستة )) عن عليّ : ما عمل بهذه الآية غيري، وبي خفف الله عن هذه الأمة. وهذا يدل على فضيلته عليهم، فيكون هو أحق بالإمامة )). 

والجواب أن يُقال : أما الذي ثبت فهو أن عليًّا رضي الله عنه تصدَّق وناجى، ثم نُسخت الآية قبل أن يعمل بها غيره، لكن الآية لم توجب الصدقة عليهم، لكن أمرهم إذا ناجوا أن يتصدّقوا، فمن لم يناج لم يكن عليه أن يتصدقٌّ. وإذا لم تكن المناجاة واجبة، لم يكن أحد ملوماً إذا ترك ما ليس بواجب، ومن كان فيهم عاجزاً عن الصدقة، ولكن لو قَدَرَ لناجى فتصدّق، فله نيته وأجره، ومن لم يعرض له سبب يناجى لأجله لم يُجعل ناقصاً، ولكن من عرض له سبب اقتضى المناجاة فتركه بخلاً، فهذا قد ترك المستحب. ولا يمكن أن يُشهد على الخلفاء أنهم كانوا من هذا الضرب، ولا يُعلم أنهم كانوا ثلاثتهم حاضرين عند نزول هذه الآية، بل يمكن غيبة بعضهم، ويمكن حاجة بعضهم، ويمكن عدم الداعي إلى المناجاة. 

ولم يطل زمان عدم نسخ الآية، حتى يُعلم أن الزمان الطويل لا بد يعترض فيه حاجة إلى المناجاة.

وبتقدير أن يكون أحدهم ترك المستحب، فقد بيّنا غير مرة أن من فعل مستحباً لم يجب أن يكون أفضل من غيره مطلقا. 

وفي الترمذي مرفوعاً:(( لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمَّهم غيره))(1). 

وتجهيز عثمان بألف بعير أعظم من صدقة عليّ بكثير كثير ؛ فإن الإنفاق في الجهاد كان فرضاً، بخلاف الصدقة أمام النجوى فإنه مشترط بمن يريد النجوى، فمن لم يردها لم يكن عليه أن يتصدق. 

وقد أنزل الله في بعض الأنصار : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ(2).

وبالجملة فباب الإنفاق في سبيل الله وغيره، لكثير من المهاجرين والأنصار، فيه من الفضيلة ما ليس لعليّ، فإنه لم يكن له مالٌ عَلَى عهد رسول الله .

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان التاسع عشر : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا( ) . قال ابن عبد البر، وأخرجه أبو نُعيم أيضا : أن النبي  ليلة أُسرى به جمع الله بينه وبين الأنبياء ثم قال : سلهم يا محمد عَلاَم بُعثتم ؟ قالوا : بعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله وعلى الإقرار بنبوّتك والولاية لعليّ بن أبي طالب. وهذا صريح بثبوت الإمامة. لعليّ )). 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة في هذا وأمثاله بالصحة. وقولنا في هذا الكتاب القبيح وأمثاله : المطالبة بالصحة، ليس بشك منا في أن هذا وأمثاله من أسمج الكذب وأقبحه، لكن على طريق التنزل في المناظرة، وأن هذا لو لم يعلم أنه كذب لم يجز أن يُحتج به حتى يثبت صدقه ؛ فإن الاستدلال بما لا تُعلم صحته لا يجوز بالاتفاق، فإنه قول بلا علم ، وهو حرام بالكتاب والسنّة والإجماع. 

الوجه الثاني:أن مثل هذا مما اتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع.

الوجه الثالث: أن هذا مما يعلم من له علم ودين أنه من الكذب الباطل الذي لا يُصدَّق به من له عقل ودين، وإنما يختلق مثل هذا أهل الوقاحة والجراءة في الكذب، فإن الرسل صلوات الله عليهم كيف يُسئلون عمَّا لا يدخل في أصل الإيمان ؟.

وقد أجمع المسلمون على أن الرجل لو آمن بالنبي  وأطاعه، ومات في حياته قبل أن يعلم أن الله خلق أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا لم يضره ذلك شيئا، ولم يمنعه ذلك من دخول الجنة. فإذا كان هذا في أمة محمد ، فكيف يقال : إن الأنبياء يجب عليهم الإيمان بواحد من الصحابة ؟! 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان العشرون : قوله تعالى : وَتَعِيهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ. في تفسير الثعلبي، قال : قال رسول الله  : سألت الله عز وجل أن يجعلها أذنك يا عليّ. ومن طريق أبي نُعيم قال : قال رسول الله  : يا عليّ أن الله أمرني أن أُدْنِيك وأعلّمك، يا عليّ أن الله أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعِيَ، وأُنزلت عَلَيَّ هذه الآية : وَتَعِيهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ فأنت أذن واعية. وهذه الفضيلة لم تحصل لغيره، فيكون هو الإمام )). 

والجواب من وجوه : أحدها : بيان صحة الإسناد. والثعلبي وأبو يُعيم يرويان مالا يُحتج به بالإجماع.

الثاني : أن هذا موضوع باتفاق أهل العلم. 

الثالث : أن قوله : لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُم فِي الْجَارِيَةَ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيهَا أُذُنٌ وَاعِيَة( ) لم يرد به أذن واحدٍ من الناس فقط، فإن هذا خطاب لبني آدم. 

وحملهم على السفينة من أعظم الآيات.قال تعالى:وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ( ) ،وقال : أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيكُم مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ( ) ، فكيف يكون ذلك كله ليعى ذلك واحد من الناس ؟ 

نعم أذن عليّ من الآذان الواعية، كأذن أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم. وحينئذ فلا اختصاص لعليّ بذلك. وهذا مما يُعلم بالاضطرار : أن الأذان الواعية ليست أذن عليّ وحدها. أترى أذن رسول الله  ليست واعية ؟ ولا أذن الحسن والحسين وعمّار وأبي ذر والمقداد وسلمان الفارسي وسهل بن حنيف وغيرهم ممن يوافقون عَلَى فضيلتهم وإيمانهم ؟ 

وإذا كانت الآذان الواعية له ولغيره، لم يجز أن يُقال : هذه الأفضلية لم تحصل لغيره. 

ولا ريب أن هذا الرافضي الجاهل الظالم يبني أمره على مقدمات باطلة؛ فإنه لا يُعلم في طوائف أهل البدع أوْهَى من حجج الرافضة، بخلاف المعتزلة ونحوهم، فإن لهم حججاً وأدلة قد تشتبه على كثير من أهل العلم والعقل. وأما الرافضة فليس لهم حجة قط تنفق إلا على جاهل أو ظالمٍ صاحب هوى، يقبل ما يوافق هواه، سواء كان حقًّا أو باطلا. 

(فصــل )

قال الرافضي :  (( البرهان الحادي والعشرون : سورة هل أتى. في تفسير الثعلبي من طرق مختلفة قال : مرض الحسن والحسين، فعاداهما جدهما رسول الله  وعامة العرب، فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك. فنذر صوم ثلاثة أيام، وكذا نذرت أمهما فاطمة وجاريتهم فضة، فبرئا، وليس عند آل محمد قليل ولا كثير، فاستقرض عليّ ثلاثة آصع من شعير، فقامت فاطمة إلى صاع فطحنته، وخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد منهم قرصاً، وصلّى عليّ مع النبي  المغرب، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، إذ أتاهم مسكين، فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد ، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. فسمعه عليّ، فأمر بإعطائه، فأعطوه الطعام، ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح. 

فلما كان اليوم الثاني قامت فاطمة فخبزت صاعا، وصلّى عليّ مع النبي  ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، فأتاهم يتيم، فوقف بالباب، وقال : السلام عليكم أهل بيت محمد ، يتيم من أولاد المهاجرين استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فسمعه عليّ، فأمر بإعطائه، فأعطوه الطعام، ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا  إلا الماء القراح. 

فلما كان اليوم الثالث قامت فاطمة إلى الصاع الثالث، فطحنته وخبزته، وصلّى عليّ مع النبي ، ثم أتى المنزل فوُضع الطعام بين يديه، إذ أتى أسير فقال : أتأسروننا وتشردوننا ولا تطعموننا، أطعموني فإني أسير محمد أطعمكم الله من موائد الجنة. فسمعه عليّ، فأمر بإعطائه، فأعطوه الطعام، ومكثوا ثلاثة أيام بلياليها لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القراح. 

فلما كان اليوم الرابع، وقد وفّوا نذورهم، أخذ عليّ الحسن بيده اليمنى، والحسين بيده اليسرى، وأقبل على رسول الله ، وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، فلما بَصَرَهما النبي  قال : يا أبا الحسن ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم، انطلق بنا إلى منزل ابنتي فاطمة، فانطلقوا إليها، وهي في حجرتها، قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع، وغارت عيناها، فلما رآها النبي  قال : واغوثاه، بالله أهل بيت محمد يموتون جوعا! 

فهبط جبريل على محمد ، فقال : يا محمد، خذ ما هنَّأك الله في أهل بيتك. فقال ما آخذ يا جبريل ؟ فأقرأه : هَلْ أَتَى عَلَى اْلإِنْسَانِ حِينٌ.

وهي تدل على فضائل جمة لم يسبقه إليها أحد، ولا يلحقه أحد، فيكون أفضل من غيره، فيكون هو الإمام )). 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة النقل، كما تقدم. ومجرد رواية الثعلبي والواحدي وأمثالهما لا تدل على أنه صحيح باتفاق أهل السنّة والشيعة. ولو تنازع اثنان في مسألة من مسائل الأحكام والفضائل،واحتج أحدهما بحديث لم يذكر ما يدل على صحته، إلا رواية الواحد من هؤلاء له في تفسيره،لم يكن ذلك دليلا على صحته، ولا حجة على منازعه باتفاق العلماء. 

الثاني : أن هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، الذين هم أئمة هذا الشأن وحكامه. وقول هؤلاء هو المنقول في هذا الباب. 

الوجه الثالث : أن الدلائل على كذب هذا كثيرة. منها : أن عليًّا إنما تزوج فاطمة بالمدينة، ولم يدخل بها إلا بعد غزوة بدر، كما ثبت ذلك في الصحيح. والحسن والحسين وُلدا بعد ذلك، سنة ثلاث أو أربع. والناس متفقون على أن عليَّا لم يتزوج فاطمة إلا بالمدينة ولم يولد له ولد إلا بالمدينة. وهذا من العلم العام المتواتر، الذي يعرفه كل من عنده طرف من العلم بمثل هذه الأمور. 

وسورة  (( هل أتى )) مكيّة باتفاق أهل التفسير والنقل، لم ينقل أحد منهم : إنها مدنية. وهي على طريقة السور المكيّة في تقرير أصول الدين المشتركة بين الأنبياء، كالإيمان بالله واليوم الآخر، وذكر الخلق والبعث. 

وإذا كانت السورة نزلت بمكة قبل أن يتزوج عليّ بفاطمة، تبين أن نقل أنها نزلت بعد مرض الحسن والحسين من الكذب والمين. 

الوجه الرابع : أن سياق هذا الحديث وألفاظه من وضع جهّال الكذابين. فمنه قوله :  (( فعادهما جدهما وعامة العرب )) فإن عامة العرب لم يكونوا بالمدينة، والعرب الكفّار ما كانوا يأتونهما يعودونهما. 

ومنه قوله :  (( فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك )). وعليّ لا يأخذ الدّين من أولئك العرب، بل يأخذه من النبي . فإن كان هذا أمراً بطاعة فرسول الله  أحق أن يأمره من أولئك العرب، وإن لم يكن عليّ يفعل ما يأمرون به. ثم كيف يقبل منهم ذلك من غير مراجعة إلى النبي  في ذلك ؟! 

الوجه الخامس : أن في الصحيحين عن النبي  أنه نهى عن النذر، وقال (( إنه لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل ))( ) . 

فإن كان عليّ وفاطمة وسائر أهلهما لم يعلموا مثل هذا، وعلمه عموم الأمة فهذا قدح في علمهم، فأين المدِّعى للعصمة ؟ 

وإن كانوا علموا ذلك، وفعلوا ما لا طاعة فيه لله ولرسوله، ولا فائدة لهم فيه، بل قد نُهيا عنه : إما نهي تحريم، وإما نهي تنزيه  كان هذا قدحا إما في دينهم وإما في عقلهم وعلمهم. 

الوجه السادس : أن عليًّا وفاطمة لم يكن لهما جارية اسمها فضة، بل ولا لأحدٍ من أقارب  النبي . ولا نعرف أنه بالمدينة جارية اسمها فضة، ولا ذكر ذلك أحد من أهل العلم، الذين ذكروا أحوالهم : دقها وجلها. 

الوجه السابع : أنه قد ثبت في الصحيح عن بعض الأنصار أنه آثر ضيفه بعشائهم،ونوم الصبْيّة،وبات هو وامرأته طاويين.فأنزل الله سبحانه وتعالى:وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ( ) ( ) .

وهذا المدح أعظم من المدح بقوله : وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا( ) ، فإن هذا كقوله : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ( ) .

الثامن : أن في هذه القصة ما لا ينبغي نسبته إلى عليّ وفاطمة رضي الله عنهما ؛ فإنه خلاف المأمور به المشروع، وهو إبقاء الأطفال ثلاثة أيام جياعاً، ووصالهم ثلاثة أيام. ومثل هذا الجوع قد يفسد العقل والبدن والدين. 

وليس هذا مثل قصة الأنصاري ؛ فإن ذلك بيَّتهم ليلة واحدة بلا عشاء، وهذا قد يحتمله الصبيان، بخلاف ثلاثة أيام بلياليها. 

التاسع : أن في هذه القصة أن اليتيم قال  (( استشهد والدي يوم العقبة )). وهذا من الكذب الظاهر، فإن ليلة العقبة لم يكن فيها قتال، ولكن النبي  بايع الأنصار ليلة العقبة قبل الهجرة، وقبل أن يُؤمر بالقتال. 

وهذا يدل على أن الحديث، مع أنه كذب، فهو من كذب أجهل الناس بأحوال النبي . ولو قال :  (( استشهد والدي يوم أُحد )) لكان أقرب.

العاشر : أن يُقال : إن النبي  كان يكفي أولاد من قُتل معه. ولهذا قال لفاطمة لما سألته خادماً :  (( لا أدع يتامى بدر وأعطيكِ )).

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الثاني والعشرون : قوله تعالى : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون( ) من طريق أبي نُعيم عن مجاهد في قوله : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ محمد صلى الله عليه وآله، وَصَدَّقَ بِهِ : قال : عليّ بن ابي طالب. ومن طريق الفقيه الشافعي عن مجاهد : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِِ قال : جاء به محمد  وصَدَّق به عليّ.وهذه فضيلة اختص بها،فيكون هو الإمام )).

والجواب من وجوه : أحدها : أن هذا ليس منقولا عن النبي ، وقول مجاهد وحده ليس بحجة يجب اتباعها على كل مسلم، لو كان هذا النقل صحيحا عنه، فكيف إذا لم يكن ثابتا عنه ؟! فإنه قد عُرف بكثرة الكذب( ) . 

والثابت عن مجاهد خلاف هذا، وهو أن الصدق هو القرآن، والذي صدَّق به هو المؤمن الذي عمل به، فجعلها عامة. 

الوجه الثاني : أن هذا معارض بما هو أشهر منه عند أهل التفسير، وهو أن الذي جاء بالصدق : محمد، والذي صدَّق به : أبو بكر، فإن هذا يقوله طائفة، وذكره الطبري( ) بإسناده إلى عليّ. 

الثالث : ان يُقال : لفظ الآية عام مطلق لا يختص بأبي بكر ولا بعليّ، بل كل من دخل في عمومها دخل في حكمها. ولا ريب أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا أحق هذه الأمة بالدخول فيها، لكنها لا تختص بهم. 

(فصــل)

قال الرافضي : البرهان الثالث والعشرون : قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ( ) من طريق أبي نُعيم عن أبي هريرة قال : مكتوب على العرش لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد عبدي ورسولي أيدته بعليّ بن أبي طالب، وذلك قوله في كتابه : هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ،يعني بعليّ. وهذه من أعظم الفضائل التي لم تحصل لغيره من الصحابة، فيكون هو الإمام )). 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة النقل. وأما مجرد العزو إلى رواية أبي نُعـيم فليس حجة بالاتفاق . وأبو نُعـيم له كتـاب مشهور في  (( فضائل الصحابة ))، وقد ذكر قطعة من الفضائل في أول  (( الحلية ))، فإن كانوا يحتجّون بما رواه، فقد روى في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان ما ينقض بنيانهم ويهدم أركانهم، وإن كانوا لا يحتجون بما رواه فلا يعتمدون على نقله، ونحن نرجع فيما رواه  هو وغيره  إلى أهل العلم بهذا الفن، والطرق التي بها يُعلم صدق الحديث وكذبه، من النظر في إسناده ورجاله، وهل هم ثقات سمع بعضهم من بعض أم لا ؟ وننظر إلى شواهد الحديث وما يدل عليه على أحد الأمرين، لا فرق عندنا بين ما يُرى في فضائل عليّ أو فضائل غيره، فما ثبت أنه صدق صدَّقناه، وما كان كذبا كذََّبناه. 

الوجه الثاني : إن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. وهذا الحديث  وأمثاله  مما جزمنا أنه كذب موضوع نشهد أنه كذب موضوع، فنحن  والله الذي لا إله إلا هو  نعلم علماً ضرورياً في قلوبنا، لا سبيل لنا إلى دفعه، أن هذا الحديث كذب ما حدَّث به أبو هريرة، وهكذا نظائره مما نقول في مثل ذلك. 

الثالث : أن الله تعالى قال : هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ* وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ(1) وهذا نص في أن المؤمنين عدد مؤلف بين قلوبهم، وعليّ واحد منهم ليس له قلوب يؤلف بينها  والمؤمنون صيغة جمع، فهذا نص صريح لا يحتمل أنه أراد به واحداً معيَّنا، وكيف يجوز أن يُقال : المراد بهذا عليٌّ وحده؟. 

الوجه الرابع : أن يُقال : من المعلوم بالضرورة والتواتر أن النبي  ما كان قيام دينه بمجرد موافقة عليّ، فإن عليًّا كان من أول من أسلم، فكان الإسلام ضعيفا، فلولا أن الله هدى من هداه إلى الإيمان والهجرة والنصر، لم يحصل بعليّ وحده شيء من التأييد، ولم يكن إيمان الناس ولا هجرتهم ولا نصرتهم على يد عليّ، ولم يكن عليّ منتصبا : لا بمكة ولا بالمدينة للدعوة إلى الإيمان، كما كان أبو بكر منتصبا لذلك، ولم يُنقل أنه أسلم عَلَى يد عليّ أحدٌ من السابقين الأوَّلين، لا من المهاجرين ولا الأنصار، بل لا نعرف أنه أسلم على يد عليٍّ أحدٌ من الصحابة، لكن لمّا بعثه النبي  إلى اليمن قد يكون أسلم على يديه من أسلم، إن كان وقع ذلك، وليس أولئك من الصحابة، وإنما أسلم أكابر الصحابة على يد أبي بكر، ولا كان يدعو المشركين ويناظرهم، كما كان أبو بكر يدعوهم ويناظرهم، ولا كان المشركون يخافونه، كما يخافون أبا بكر وعمر. 

الوجه الخامس : أنه لم يكن لعلي في الإسلام أثر حسن، إلا ولغيره من الصحابة مثله، ولبعضهم آثار أعظم من آثاره. وهذا معلوم لمن عرف السيرة الصحيحة الثابتة بالنقل. وأما من يأخذ بنقل الكذَّابين وأحاديث الطرقيّة، فباب الكذب مفتوح، وهذا الكذب يتعلق بالكذب على الله، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جّاءَهُ( ) .

فكيف يكون تأييد الرسول بواحدٍ من أصحابه دون سائرهم والحال هذه ؟ وأين تأييده بالمؤمنين كلهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين بايعوه تحت الشجرة والتابعين لهم بإحسان ؟.

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الرابع والعشرون : قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّه وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ( ) . من طريق أبي نعيم قال : نزلت في عليّ. وهذه فضيلة لم تحصل لأحدٍ من الصحابة غيره. فيكون هو الإمام )).

والجواب من وجوه : أحدها : منع الصحة. 

الثاني : أن هذا القول ليس بحجة. 

الثالث : أن يُقال : هذا الكلام من أعظم الفرية على الله ورسوله. وذلك أن قوله :  يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّه وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ( ) معناه : أن الله حسبك وحسب من اتّبعك من المؤمنين، فهو وحده كافيك وكافي من معك من المؤمنين. وهذا كما تقول العرب : حسبك وزيداً درهم. 

ومنه قول الشاعر : 

فحسبك والضاحك سيف مهند      أي يكفيك والضاحك 

وقد ظن بعض الغالطين أن معنى الآية : أن الله والمؤمنين حسبك، ويكون :وَمَنِ اتَّبَعَكَ رفعاً عطفاً على الله، وهذا خطأ قبيح مستلزم للكفر ؛ فإن الله وحده حسب جميع الخلق. 

وإذا تبين هذا، فهؤلاء الرافضة رتّبوا جهلا على جهل، فصاروا في ظلمات بعضها فوق بعض، فظنوا أن قوله :  حَسْبُكَ اللَّه وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ معناه: أن الله ومن اتبعك من المؤمنين حسبك، ثم جعلوا المؤمنين الذين اتّبعوه هم عليّ بن أبي طالب. 

وجهلهم في هذا أظهر من جهلهم في الأول ؛ فإن الأول قد يشتبه على بعض الناس، وأما هذا فلا يخفى على عاقل، فإن عليًّا لم يكن وحده من الخلق كافياً لرسول الله ، ولو لم يكن معه إلا عليّ لما أقام دينه. وهذا عليٌّ لم يغن عن نفسه ومعه أكثر جيوش الأرض، بل لمّا حاربه معاوية مع أهل الشام، كان معاوية مقاوماً له أو مستظهراً، سواء كان ذلك بقوة قتال، أو قوة مكرِ واحتيال، فالحرب خدعة. 

فإذا لم يغن عن نفسه بعد ظهور الإسلام واتباع أكثر أهل الأرض له، فكيف يغني عن الرسول الله ، وأهل الأرض كلهم أعداؤه ؟! 

وإذا قيل إن عليًّا إنما لم يغلب معاوية ومن معه لأن جيشه لا يطيعونه، بل كانوا مختلفين عليه. 

قيل : فإذا كان من معه من المسلمين لم يطيعوه، فكيف يطيعه الكفّار الذين يكفرون بنبيه وبه ؟! 

ومن المعلوم قطعاً أن الناس بعد دخولهم في دين الإسلام أتبع للحق منهم قبل دخولهم فيه، فمن كان مشاركا لله في إقامة دين محمد، حتى قهر الكفّار وأسلم الناس، كيف لا يفعل هذا في قهر طائفة بغوا عليهم، هم أقل من الكفار الموجودين عند بعثة الرسول، وأقل منهم شوكة، وأقرب إلى الحق منهم؟! 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الخامس والعشرون : قوله تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ( ) قال الثعلبي : إنما نزلت في عليّ، وهذا يدل عَلَى أنه أفضل، فيكون هو الإمام )). 

والجواب من وجوه : أحدها : أن هذا كذب على الثعلبي، فإنه قال في تفسيره في هذه الآية :  (( قال عليّ وقتادة والحسن : إنهم أبو بكر وأصحابه. وقال مجاهد : هم أهل اليمن )). وذكر حديث عياض بن غنم : إنهم أهل اليمن، وذكر الحديث :  (( أتاكم أهل اليمن ))( ) . فقد نقل الثعلبي أن عليًّا فسَّر هذه الآية بأنهم أبو بكر وأصحابه. 

الثاني : أن هذا قول بلا حجة، فلا يجب قبوله. 

الثالث : أن هذا معارَض بما هو أشهر منه وأظهر، وهو أنها نزلت في أبي بكر وأصحابه، الذين قاتلوا معه أهل الردة. وهذا هو المعروف عند الناس كما تقدم. لكن هؤلاء الكذّابون أرادوا أن يجعلوا الفضائل التي جاءت في أبي بكر يجعلونها لعليّ، وهذا من المكر السيء الذي لا يحيق إلا بأهله.

الرابع : أن يقال : إن الذي تواتر عند الناس أنه قاتل أهل الردّة هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه،الذي قاتل مسيلمة الكذاب المدّعي للنبوة وأتباعه بني حنيفة وأهل اليمامة. وقد قيل : كانوا نحو مائة ألف أو أكثر، وقاتل طليحة الأسدي، وكان قد ادّعى النبوة بنجد، واتّبعه من أسد وتميم وغطفان ما شاء الله، وادّعت النبوة سجاح، امرأة تزوّجها مسيلمة الكذّاب، فتزوج الكذّاب بالكذّابة. 

والمقاتلون للمرتدّين هم من الذين يحبهم الله ويحبونه، وهم أحق الناس بالدخول في هذه الآية، وكذلك الذين قاتلوا سائر الكفّار من الروم والفرس. وهؤلاء أبو بكر وعمر ومن اتبعهما من أهل اليمن وغيرهم. ولهذا رُوى أن هذه الآية لمّا نزلت سُئل النبي  عن هؤلاء، فأشار إلى أبي موسى الأشعري، وقال :  (( هم قوم هذا ))(1).

فهذا أمر يعرف بالتواتر والضرورة : أن الذين أقاموا الإسلام وثبتوا عليه حين الردة، وقاتلوا المرتدين والكفّار، هم داخلون في قوله : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ(2) وأما عليّ رضي الله عنه فلا ريب أنه ممن يحب الله ويحبه الله، لكن ليس بأحق بهذه الصفة من أبي بكر وعمر وعثمان، ولا كان جهاده للكفّار والمرتدّين أعظم من جهاده هؤلاء، ولا حصل به من المصلحة للدين أعظم مما حصل بهؤلاء، بل كل منهم له سعي مشكور وعمل مبرور وآثار صالحة في الإسلام، والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خير جزاء، فهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون، الذين قضوا بالحق، وبه كانوا يعدلون. 

وأما أن يأتي إلى أئمة الجماعة الذين كان نفعهم في الدين والدنيا أعظم، فيجعلهم كفَّاراً أو فسَّاقا ظلمة، ويأتي إلى من لم يجر على يديه من الخير مثل ما جرى على يد واحد منهم، فيجعله الله أو شريكا لله، أو شريك رسول الله  أو الإمام المعصوم الذي لا يؤمن إلا من جعله معصوماً منصوصا عليه، ومن خرج عن هذا فهو كافر، ويجعل الكفّار المرتدّين الذي قاتلهم أولئك كانوا مسلمين، ويجعل المسلمين الذين يصلّون الصلوات الخمس، ويصومون شهر رمضان ، ويحجّون البيت، ويؤمنون بالقرآن يجعلهم كفّاراً لأجل قتال هؤلاء. 

فهذا عمل أهل الجهل والكذب والظلم والإلحاد في دين الإسلام، عمل من لا عقل له ولا دين ولا إيمان. 

الوجه الخامس : أن يقال : هب أن الآية نزلت في عليّ،أيقول القائل : إنها مختصة به، ولفظها يصرح بأنهم جماعة ؟ قال تعالى : مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ(1) إلى قوله:  لَوْمَةَ لاَئِمٍ. أفليس هذا صريحا في أن هؤلاء ليسوا رجلاً، فإن الرجل لا يسمّى قوما في لغة العرب : لا حقيقة ولا مجازا.

ولو قال : المراد هو وشيعته. 

لقيل : إذا كانت الآية أَدْخَلت مع عليّ غيره، فلا ريب أن الذين قاتلوا الكفّار والمرتدين أحق بالدخول فيها ممن لم يقاتل إلا أهل القبلة، فلا ريب أن أهل اليمن، الذين قاتلوا مع أبي بكر وعمر وعثمان، أحق بالدخول فيها من الرافضة، الذين يوالون اليهود والنصارى والمشركين، ويعادون السابقين الأوَّلين. 

الوجه السادس : قوله : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ لفظ مطلق، ليس فيه تعيين. وهو متناول لمن قام بهذه الصفات كائناً ما كان، لا يختص ذلك بأبي بكر ولا بعليّ. وإذا لم يكن مختصاً بأحدهما، لم يكن هذا من خصائصه، فبطل أن يكون بذلك أفضل ممن يشاركه فيه، فضلا عن أن يستوجب بذلك الإمامة.

بل هذه الآية تدلّ على أنه لا يرتدُّ أحد عن الدين إلى يوم القيامة إلا أقام الله قوما يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون هؤلاء المرتدّين. 

(فصــل)

قال الرافضي : (( البرهان السادس والعشرون : قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ(1).روى أحمد بن حنـبل بإسـناده عن ابن أبـي ليـلى عن أبيه قال : قال رسول الله  :  (( الصدِّيقون ثلاثة : حبيب بن موسى النجار مؤمن آل ياسين، الذي قال: يا قوم اتّبعوا المرسلين. وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله. وعليّ بن أبي طالب الثالث، وهو أفضلهم. ونحوه رواه المغازلي الفقيه الشافعي وصاحب كتاب  (( الفردوس)). وهذه فضيلة تدل على إمامته )). 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة الحديث، وهذا ليس في مسند أحمد. ومجرد روايته له في الفضائل، لو كان رواه، لا يدل على صحته عنده باتفاق أهل العلم، فإنه يروي ما رواه الناس، وإن لم تثبت صحته. وكل من عرف العلم يعلم أنه ليس كل حديث رواه أحمد في الفضائل ونحوه يقول : إنه صحيح، بل ولا كل حديث رواه في مسنده يقول : إنه صحيح، بل أحاديث مسنده هي التي رواها الناس عمَّن هو معروف عند الناس بالنقل ولم يظهر كذبه، وقد يكون في بعضها علّة تدل على أنه ضعيف، بل باطل. لكن غالبها وجمهورها أحاديث جيدة يحتجّ بها، وهي أجود من أحاديث سنن أبي داود. وأما ما رواه في الفضائل فليس من هذا الباب عنده. 

فكيف وهذا الحديث لم يروه أحمد : لا في المسند ولا في كتاب  (( الفضائل )) وإنما هو من زيادات القطيعي.

الثاني : أن هذا الحديث موضوع على رسول الله . 

الثالث : أن في الصحيح من غير وجه تسمية غير عليّ صدّيقاً، كتسمية أبي بكر الصدّيق، فكيف يُقال: الصدّيقون ثلاثة ؟

وفي الصحيحين عن أنس أن النبي  صعد أُحُداً ، وتبعه أبو بكر وعمر وعثمان، فَرَجَف بهم، فقال النبي  :  (( اثبت أُحُد فما عليك إلا نبيّ أو صدّيق وشهيدان ))(1). 

الوجه الرابع : أن الله تعالى قد سمَّى مريم صدِّيقة، فكيف يُقال :الصديقون ثلاثة ؟! 

الوجه الخامس :أن قول القائل : الصديقون ثلاثة، إن أَرَاد به أنه لا صدّيق إلا هؤلاء، فإنه كذب مخالف للكتاب والسنّة وإجماع المسلمين. وإن أراد أن الكامل في الصدِّيقة هم الثلاثة، فهو أيضا خطأ، لأن أمتنا خير أمة أخرجت للناس، فكيف يكون المصدِّق بموسى ورسل عيسى أفضل من المصدِّقين بمحمد ؟! 

الوجه السادس : أن الله تعالى قال : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ(2). وهذا يقتضي أن كل مؤمن آمن بالله ورسله فهو صدّيق. 

السابع : أن يُقال : إن كان الصدّيق هو الذي يستحق الإمامة، فأحق الناس بكونه صدِّيقا أبو بكر ؛ فإنه الذي ثبت له هذا الاسم بالدلائل الكثيرة، وبالتواتر الضروري عند الخاص والعام، حتى أن أعداء الإسلام يعرفون ذلك، فيكون هو المستحق للإمامة. وإن لم يكن كونه صدِّيقا يستلزم الإمامة بطلت الحجة. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان السابع والعشرون : قوله تعالى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً(1). من طريق أبي نُعيم بإسناده إلى ابن عباس نزلت في عليّ، كان معه أربعة دراهم، فأنفق درهما بالليل، ودرهما بالنهار، ودرهما سراًّ، ودرهما علانية، وروى الثعلبي ذلك. ولم يحصل لغيره، فيكون أفضل، فيكون هو الإمام )). 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة النقل. ورواية أبي نُعيم والثعلبي لا تدل على الصحة. 

الثاني :أن هذا كذب ليس بثابت. 

الثالث : أن الآية عامة في كل ما ينفق بالليل والنهار سراًّ وعلانية، فمن عمل بها دخل فيها، سواء كان عليًّا أو غيره، ويمتنع أن لا يُراد بها إلا واحدٌ معيّن. 

الرابع : أن ما ذُكر من الحديث يناقض مدلول الآية ؛ فإن الآية تدل على الإنفاق في الزمانين اللذين لا يخلو الوقت عنهما، وفي الحالين اللذين لا يخلو الفعل منهما. فالفعل لا بد له من زمان، والزمان إما ليل وإما نهار. والفعل إما سرًّا وإما علانية. فالرجل إذا أنفق بالليل سرًّا، كان قد أنفق ليلا سرًّا. وإذا أنفق علانية نهاراً، كان قد أنفق علانية نهاراً. 

الخامس : أنّا لو قدرنا أن عليًّا فعل ذلك، ونزلت فيه الآية، فهل هنا إلا إنفاق أربعة دراهم في أحوال ؟! وهذا عمل مفتوح بابه ميسر إلى يوم القيامة. والعاملون بهذا وأضعافه أكثر من أن يُحصوا، وما من أحدٍ فيه خير إلا ولا بد أن ينفق إن شاء الله، تارة بالليل وتارة بالنهار، وتارة في السر وتارة في العلانية. فليس هذا من الخصائص، فلا يدل على فضيلة الإمام. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الثامن والعشرون : ما رواه أحمد بن حنبل عن ابن عباس قال : ليس من آية في القرآن : يا أيها الذين آمنوا  إلا وعليّ رأسها وأميرها، وشريفها وسيدها، ولقد عاتب الله تعالى أصحاب محمد في القرآن، وما ذكر عليًّا إلا بخير. وهذا يدل على أنه أفضل فيكون هو الإمام)).

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة النقل. وليس هذا في مسند أحمد، ولا مجرد روايته له  ولو رواه  في  (( الفضائل )) يدل على أنه صدق، فكيف ولم يروه أحمد : لا في المسند، ولا في  (( الفضائل )) وإنما هو من زيادات القطيعي(1).

الثاني : أن هذا كذب على ابن عباس،والمتواتر عنه أنه كان يفضّل عليه أبا بكر وعمر، وله معايبات يعيب بها عليًّا، ويأخذ عليه في أشياء من أموره، حتى أنه لما حرق الزنادقة الذين ادّعوا فيه الإلهية قال : لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهى النبي  أن يعذَّب بعذاب الله، ولضربت أعناقهم لقول النبي  :  (( من بدَّل دينه فاقتلوه )). رواه البخاري(2) وغيره. ولما بلغ عليًّا ذلك قال : ويح أم ابن عباس. 

الثالث : أن هذا الكلام ليس فيه مدح لعليّ ؛ فإن الله كثيرا ما يخاطب الناس بمثل هذا في مقام عتاب، كقوله تعالى :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ(3) ، فإن كان عليّ رأس هذه الآية، فقد وقع منه هذا الفعل الذي أنكره الله وذمه. 

الرابع : هو ممن شمله لفظ الخطاب، وإن لم يكن هو سبب الخطاب فلا ريب أن اللفظ شمله كما يشمل غيره. وليس في لفظ الآية تفريق بين مؤمن ومؤمن. 

الخامس : أن قول القائل عن بعض الصحابة : أنه رأس الآيات وأميرها وشريفها وسيدها، كلام لا حقيقة له. فإن أُريد أنه أول من خوطب بها، فليس كذلك ؛ فإن الخطاب يتناول المخاطبين تناولاً واحداً، لا يتقدم بعضهم بما تناوله عن بعض. 

وغاية ما عندكم أن تذكروا أن ابن عباس كان يفضّل عليًّا، وهذا مع أنه كذب على ابن عباس، وخلاف المعلوم عنه، فلو قُدِّر أنه قال ذلك  مع مخالفة جمهور الصحابة  لم يكن حجّة. 

السادس : أن قول القائل : لقد عاتب الله أصحاب محمد في القرآن وما ذكر عليًّا إلا بخير كذب معلوم، فإنه لا يُعرف أن الله عاتب أبو بكر في القرآن، بل ولا أنه ساء رسول الله ، بل رُوى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في خطبته  (( أيها الناس اعرفوا لأبي بكر حقَّه، فإنه لم يسؤني يوما قط )). 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان التاسع والعشرون : قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا( ) . من صحيح البخاري عن كعب بن عجرة قال : سألنا رسول الله  فقلنا : يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله علمنا كيف نسلّم ؟. قال :  (( قولوا : اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد ))( ) . وفي صحيح مسلم :قلنا: يا رسول الله ، أما السـلام عليك فقد عرفـناه ، فكيف الصلاة عليك ؟ فقال :  (( قولوا اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد،كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ))( ) . ولا شك أن عليًّا أفضل آل محمد، فيكون أولى بالإمامة )). 

والجواب : أنه لا ريب أن هذا الحديث صحيح متفق عليه، وأن عليًّا من آل محمد الداخلين في قوله :  (( اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد ))، ولكن ليس هذا من خصائصه؛ فإن جميع بني هاشم داخلون في هذا، كالعباس وولده، والحارث بن عبد المطلب وولده، وكبنات النبي  زوجتى عثمان : رقية وأم كلثوم، وبنته فاطمة. وكذلك أزواجه، كما في الصحيحين عنه قوله  (( اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى أزواجه وذريته ))( ) بل يدخل فيه سائر أهل بيته إلى يوم القيامة، ويدخل فيه إخوة عليّ كجعفر وعقيل. 

ومعلوم أن دخول كل هؤلاء في الصلاة والتسليم لا يدل على أنه أفضل من كل من لم يدخل في ذلك، ولا أنه يصلح بذلك للإمامة، فضلا عن أن يكون مختصًّا بها. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الثلاثون : قوله تعالى : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ* بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ( ) . من تفسير الثعلبي وطريق أبي نُعيم عن ابن عبّاس في قوله : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ قال : عليّ وفاطمة بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ النبي صلى الله عليه وآله:يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ( ) : الحسن والحسين، ولم يحصل لغيره من الصحابة هذه الفضيلة، فيكون أولى بالإمامة )). 

والجواب : أن هذا وأمثاله إنما يقوله من لا يعقل ما يقول. وهذا بالهذيان أشبه منه بتفسير القرآن، وهو من جنس تفسير الملاحدة الباطنية للقرآن، بل هو شر من كثير منه. والتفسير بمثل هذا طريق للملاحدة على القرآن والطعن فيه، بل تفسير القرآن بمثل هذا من أعظم القدح فيه والطعن فيه. 

وهو من إلحادات الرافضة كقولهم : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ( ) ، على، وكقولهم : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ( ) : إنه عليّ بن أبي طالب، وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرَآنِ( ) : بنو أمية، وأمثال هذا الكلام  الذي لا يقوله من يرجو لله وقارا، ولا يقوله من يؤمن بالله وكتابه.

ومما يبيّن كذب ذلك من وجوه : أحدها : أن هذا في سورة الرحمن،وهي مكية بإجماع المسلمين، والحسن إنما ولدا بالمدينة. 

الثاني : أن تسمية هذين بحرين، وهذا لؤلؤا، وهذا مرجانا، وجعل النكاح مرجاً- أمر لا تحتمله لغة العرب بوجه، لا حقيقة ولا مجازا، بل كما أنه كذب على الله وعلى القرآن، فهو كذب على اللغة. 

الثالث : أنه ليس في هذا شيء زائد على ما يوجد في سائر بني آدم، فإن كل من تزوج امرأة ووُلد لهما ولدان من هذا الجنس. 

الرابع : أن الله ذكر أنه مرج البحرين في آية أخرى، فقال في الفرقان:وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلحٌ أُجَاجٌ( ) فلو أريد بذلك عليّ وفاطمة لكان ذلك ذما لأحدهما، وهذا باطل بإجماع أهل السنة والشيعة. 

الخامس : أنه قال : بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ فلو أريد بذلك عليّ وفاطمة لكان  البرزخ هو النبي  - بزعمهم  أو غيره هو المانع لأحدهما أن يبغي على الآخر، وهذا بالذم أشبه منه بالمدح. 

السادس : أن أئمة التفسير متفقون على خلاف هذا الذي ذكره، كما ذكره ابن جرير وغيره. 

( فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الحادي والثلاثون : قوله تعالى : وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ(1). من طريق أبي نُعيم عن ابن الحنفية قال : هو عليّ بن أبي طالب. وفي تفسير الثعلبي عن عبد الله بن سلام قال : قلت : من هذا الذي عنده علم الكتاب ؟ قال : ذلك عليّ بن أبي طالب. وهذا يدل على أنه أفضل، فيكون هو الإمام )). 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة النقل عن ابن سلام وابن الحنفية. 

الثاني : أنه بتقدير ثبوته ليس بحجة مع مخالفة الجمهور لهما. 

الثالث : أن هذا كذب عليهمــــا. 

الرابع : أن هذا باطل قطعا. وذلك أن الله تعالى قال : قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ(2)، ولو أُريد به عليّ لكان المراد أن محمداً يستشهد على ما قاله بابن عمه عليّ.ومعلوم أن عليًّا لو شهد له بالنبوة وبكل ما قال، لم ينتفع محمد بشهادته له، ولا يكون ذلك حجة له على الناس، ولا يحصل بذلك دليل المستدل، ولا ينقاد بذلك أحد، لأنهم يقولون : من أين لعليّ ذلك ؟ وإنما هو استفاد ذلك من محمد، فيكون محمد هو الشاهد لنفسه. 

ومنها أن يُقال : إن هذا ابن عمه ومن أول من آمن به، فيُظن به المحاباة والمداهنة. 

فهذا الجاهل الذي جعل هذا فضيلة لعليّ قَدَحَ بها فيه وفي النبيّ الذي صار به عليّ من المؤمنين، وفي الأدلة الدالة على الإسلام. ولا يقول هذا إلا زنديق أو جاهل مفرط في الجهل. 

وإن كنت لا تدري فتلك مصيبة    وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم 

الخامس : أن الله سبحانه وتعالى قد ذكر الاستشهاد بأهل الكتاب في غير آية، كقوله تعالى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ(1) أفترى عليًّا هو من بني إسرائيل ؟!

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الثاني والثلاثون : قوله تعالى : يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ(2). روى أبو نُعيم مرفوعا إلى ابن عباس قال : أول من يُكسى من حلـل الجنة : إبراهيم عليه السلام بخـلته من الله : يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قال : عليّ وأصحابه. وهذا يدل على أنه أفضل من غيره، فيكون هو الإمام )). 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة النقل، لا سيما في مثل هذا الذي لا أصل له. 

الثاني : أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث. 

الثالث : أن هذا باطل قطعا، لأن هذا يقضي أن يكون عليّ أفضل من إبراهيم ومحمد، لأنه وسط وهما طرفان. وأفضل الخلق إبراهيم ومحمد، فمن فَضَّل عليهما عليًّا كان أكفر من اليهود والنصارى. 

الرابع : أنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي  أنه قال :  (( أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ))( ) وليس فيه ذكر محمد ولا عليّ. وتقديم إبراهيم بالكسوة لا يقتضي أنه أفضل من محمد مطلقا. 

الخامس : أن قوله تعالى : يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ) وقوله : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا اْلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ( ) . نصٌّ عامٌ في المؤمنين الذين مع النبي ، وسياق الكلام يدل على عمومه.

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الثالث والثلاثون : قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةَ( ) . روى الحافظ أبو نُعيم بإسناده إلى ابن عباس لما نزلت هذه الآية قال رسول الله  لعليّ : تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي خصماؤك غضابا مفحمين، وإذا كان خير البريّة، وجب أن يكون هو الإمام )).

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة النقل، وإن كنّا غير مرتابين في كذب ذلك، لكن مطالبة المدعي بصحة النقل لا يأباه إلا معاند. ومجرد رواية أبي نُعيم ليست بحجة باتفاق طوائف المسلمين. 

الثاني : أن هذا مما هو كذب موضوع باتفاق العلماء وأهل المعرفة بالمنقولات. 

الثالث : أن يُقال : هذا معارض بمن يقول : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم النواصب، كالخوارج وغيرهم. ويقولون : إن من تولاّه فهو كافر مرتد، فلا يدخل في الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويحتجّون على ذلك بقوله : وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ( ) .قالوا : ومن حكَّم الرجال في دين الله فقد حكم بغير ما أنزل الله فيكون كافراً، ومن تولّى الكافر فهو كافر، لقوله : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ( ) وقالوا : إنه هو وعثمان ومن تولاهما مرتدون بقول النبي   (( ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، فأقول ؛ أي رب أصحابي أصحابي. فيُقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم))( ) .

قالوا : وهؤلاء هم الذين حكموا في دماء المسلمين وأموالهم بغير ما أنزل الله. 

واحتجوا بقوله:((لا ترجعوا بعدي كفَّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض))( ) . قالوا : فهذا وأمثاله من حجج الخوارج، وهو وإن كان باطلا بلا ريب فحجج الرافضة أبطل منه، والخوارج أعقل وأصدق وأتبع للحق من الرافضة ؛ فإنهم صادقون لا يكذبون، أهل دين ظاهراً وباطناً، لكنهم ضالون جاهلون مارقون، مرقوا من الإسلام كما يمرق السهم من الرميّة، وأما الرافضة فالجهل والهوى والكذب غالب عليهم، وكثير من أئمتهم وعامتهم زنادقة ملاحدة، ليس لهم غرض في العلم ولا في الدين، بل إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى اْلأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهمُ الْهُدَى( ) .

الوجه الرابع : أن يُقال : قوله:إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتَ( ) عام في كل من اتصف بذلك، فما الذي أوجب تخصيصه بالشيعة. 

فإن قيل : لأن من سواهم كافر. 

قيل : إن ثبت كفر من سواهم بدليل، كان ذلك مغنيا لكم عن هذا التطويل، وإن لم يثبت لم ينفعكم هذا الدليل، فإنه من جهة النقل لا يثبت، فإن أمكن إثباته بدليل منفصل، فذاك هو الذي يعتمد عليه لا هذه الآية. 

الوجه الخامس : أن يُقال : من المعلوم المتواتر أن ابن عباس كان يوالي غير شيعة عليّ أكثر مما يوالي كثيرا من الشيعة، حتى الخوارج كان يجالسهم ويفتيهم ويناظرهم. فلو اعتقد أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم الشيعة فقط، وأن من سواهم كفّار، لم يعمل مثل هذا. 

الوجه السادس : أنه قال قبل ذلك إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ( ) . ثم قال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةَ( ) 

وهذا يبين أن هؤلاء من سوى المشركين وأهل الكتاب. وفي القرآن مواضع كثيرة ذكر فيها الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكلها عامة. فما الموجب لتخصيص هذه الآية دون نظائرها ؟.

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الرابع والثلاثون : قوله تعالى : وَهوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا(1). في تفسير الثعلبي عن ابن سيرين قال : نزلت في النبي  وعليّ بن أبي طالب : زوَّج فاطمة عليًّا، وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسبا وصهرا، ولم يثبت لغيره ذلك، فكان أفضل، فيكون هو الإمام )). 

والجواب من وجوه : أولا: المطالبة بصحة النقل. 

وثانيا : أن هذا كذب على ابن سيرين بلا شك. 

وثالثا : أن مجرد قول ابن سيرين الذي خالفه فيه الناس ليس بحجة. 

الرابع : أن يُقال : هذه الآية في سورة الفرقان، وهي مكية. وهذا من الآيات المكية باتفاق الناس قبل ان يتزوج عليّ بفاطمة، فكيف يكون ذلك قد أُريد به عليّ وفاطمة ؟! 

الخامس : أن الآية مطلقة في كل نسب وصهر، لا اختصاص لها بشخص دون شخص. 

السادس : أنه لو فرض أنه أُريد بذلك مصاهرة عليّ، فمجرد المصاهرة لا تدل على أنه أفضل من غيره باتفاق أهل السنة والشيعة، فإن المصاهرة ثابتة لكل من الأربعة، مع أن بعضهم أفضل من بعض، فلو كان المصاهرة توجب الأفضلية للزم التناقض. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الخامس والثلاثون : قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوْا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(1) أوجب الله علينا الكون مع المعلوم منهم الصدق، وليس إلا المعصوم لتجويز الكذب في غيره، فيكون هو عليًّا، إذ لا معصوم من الأربعة سواه. وفي حديث أبي نُعيم عن ابن عباس أنها نزلت في عليّ )). 

والجواب من وجوه : أحدها : أن الصدِّيق مبالغة في الصادق، فكل صدِّيق صادق وليس كل صادق صدّيقا. وأبو بكر رضي الله عنه قد ثبت أنه صدِّيق بالأدلة الكثيرة، فيجب أن تتناوله الآية قطعا وأن تكون معه، بل تناولها له أَوْلى من تناولها لغيره من الصحابة. وإذا كنّا معه مقرّين بخلافته، امتنع بأن نقرَّ بأنَّ عليًّا كان هو الإمام دونه، فالآية تدل على نقيض مطلوبهم. 

الثاني : أن يُقال : هذه الآية نزلت في قصة كعب بن مالك لمّا تخلف عن غزوة تبوك، وصَدَقَ النبي  في أنه لم يكن له عذر، وتاب الله عليه ببركة الصدق. 

الثالث : أن هذه الآية نزلت في هذه القصة، ولم يكن أحد يُقال إنه معصوم، لا علي ّ ولا غيره. فعُلم أن الله أراد  مَعَ الصَّادِقِينَ  ولم يشترط كونه معصوما. 

الرابع : أنه قال :  مَعَ الصَّادِقِينَ  وهذه صيغة جمع، وعليٌّ واحد، فلا يكون هو المراد وحده. 

الخامس : أن قوله تعالى :  مَعَ الصَّادِقِينَ إما أن يُراد : كونوا معهم في الصدق وتوابعه، فاصدقوا كما يصدق الصادقون، ولا تكونوا مع الكاذبين. كما في قوله : وَارْكَعُوْا مَعَ الرَّاكِعِينَ( ) . 

وإما أن يراد به : كونوا مع الصادقين في كل شيء، وإن لم يتعلق بالصدق. 

والثاني باطل ؛ فإن الإنسان لا يجب عليه أن يكون مع الصادقين في المباحات، كالأكل والشرب واللباس ونحو ذلك. فإن كان الأول هو الصحيح، فليس في هذا أمر بالكون مع شخص معيّن، بل المقصود : اصدقوا ولا تكذبوا. 

الوجه السادس : أن يُقال : إذا أُريد : كونوا مع الصادقين مطلقا، فذلك لأن الصدق مستلزم لسائر البرّ، كقول النبي  :  (( عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر )) الحديث. وحينئذ فهذا وصف ثابت لكل من اتصف به. 

الوجه السابع : هب أن المراد : مع المعلوم فيهم الصدق، لكن العلم كالعلم في قوله : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ( ) ، والإيمان أخفى من الصدق. فإذا كان العلم المشروط هناك يمتنع أن يُقال فيه ليس : إلا العلم بالمعصوم، كذلك هنا يمتنع أن يُقال : لا يُعلم إلا صدق المعصوم. 

الوجه الثامن : أنه لو قُدِّر أن المراد به : المعصوم لا نسلّم الإجماع على انتفاء العصمة من غير عليّ، كما تقدّم بيان ذلك ؛ فإن كثيرا من الناس الذين هم خير من الرافضة يدَّعون في شيوخهم هذا المعنى، وإن غيَّروا عبارته. وأيضا فنحن لا نسلم انتفاء عصمتهم مع ثبوت عصمته ، بل إما انتفاء الجميع وإما ثبوت الجميع. 

( فصــل)

قال الرافضي:  ((البرهان السادس والثلاثون : قوله تعالى : وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ( ) من طريق أبي نُعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنها نزلت في رسول الله  وعليّ خاصة، وهما أول من صلّى وركع. وهذا يدل على فضيلته فيدل على إمامته )). 

 الجواب من وجوه : أحدها :أنّا لا نسلم صحة هذا، ولم يذكر دليلا على صحته.

الثاني:أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. 

الثالث:أن لو كان المراد الركوع معها لانقطع حكمها بموتهما، فلا يكون أحدٌ مأموراً أن يركع مع الراكعين. 

الرابع:أنه لو كان أمراً بالركوع معه، لم يدل ذلك على أن من ركع معه يكون هو الإمام، فإن عليًّا لم يكن إماما مع النبي  وكان يركع معه. 

(فصــل)

قال الرافضي : البرهان السابع والثلاثون : قوله تعالى : وَاجْعَلْ لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي( ) من طريق أبي نُعيم عن ابن عباس قال : أخذ النبي  بيد عليّ وبيدي ونحن بمكة، وصلَّى أربع ركعات، ورفع يده إلى السماء، فقال : اللهم موسى بن عمران سألك، وأنا محمد نبيك أسألك أن تشرح لي صدري، وتحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي،واجعل لي وزيراً من أهلي، عليّ بن أبي طالب أخي، أُشدد به أزري وأشركه في أمري، قال ابن عباس سمعت مناديا ينادي : يا أحمد قد أوتيت ما سألت. وهذا نص في الباب )). 

والجواب :المطالبة بالصحة كما تقدّم أولا: 

الثاني :أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل العلم والحديث، بل هم يعلمون أن هذا من أسمج الكذب على رسول الله . 

الثالث : أن النبي  لما كان بمكة في أكثر الأوقات لم يكن ابن عباس قد وُلد، و ابن عباس ولد وبنو هاشم في الشعب محصورون، ولما هاجر رسول الله  لم يكن ابن عباس بلغ سن التمييز، ولا كان ممن يتوضأ ويصلّي مع النبي ، فإن النبي  مات وهو لم يحتلم بعد. 

الرابع :أنّا قد بيّنا فيما تقدم وجوها متعددة في بطلان مثل هذا، فإن هذا الكلام كذب على رسول الله  من وجوه كثيرة، ولكن هنا قد زادوا فيه زيادات كثيرة لم يذكروها هناك، وهي قوله : وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، فصرّحوا هنا بأن عليًّا كان شريكه في أمره، كما كان هارون شريك موسى، وهذا قول من يقول بنبّوته، وهذا كفر صريح، وليس هو قول الإمامية، وإنما هو قول الغالية. 

وليس الشريك في الأمر هو الخليفة من بعده، فإنهم يدّعون إمامته بعده، ومشاركته له في أمره في حياته. 

وهذا الرافضي الكذّاب يقول :  (( وهذا نصٌّ في الباب )). 

فيقال له : يا دُبَيْر هذا نص في أن عليًّا شريكه في أمره في حياته، كما كان هارون شريكا ً لموسى. فهل تقول بموجب هذا النص ؟ أم ترجع عن الاحتجاج بأكاذيب المفترين، وترهات إخوانك المبطلين ؟! 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الثامن والثلاثون : قوله تعالى :إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ(1). من مسند أحمد بإسناده إلى زيد بن أبي أوفى قال : دخلت على رسول الله  مسجده، فذكر قصة مؤاخاة رسول الله ، فقال عليّ : لقد ذهبت روحي، وانقطع ظهري، حين فعلت بأصحابك، فإن كان هذا من سخط الله عليَّ، فلك العقبى والكرامة. 

فقال رسول الله  : والذي بعثني بالحق نبيًّا، ما اخترتك إلا لنفسي، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي، وأنت معي في قصري في الجنة، ومع ابنتي فاطمة، فأنت أخي ورفيقي. ثم تلا رسول الله  :إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ، المتحابين في الله ينظر بعضهم إلى بعض. والمؤاخاة تستدعي المناسبة والمشاكلة، فلما اختص عليّ بمؤاخاة النبي  كان هو الإمام )).

والجواب من وجوه : أحدها :  المطالبة بصحة هذا الإسناد. وليس هذا الحديث في مسند أحمد، ولا رواه أحمد قط لا في المسند ولا في  ((الفضائل )) ولا ابنه. فقول هذا الرافضي :  (( من مسند أحمد )) كذب وافتراء على المسند. وإنما هو من زيادات القطيعي التي فيها من الكذب الموضوع ما اتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع، رواه القطيعي عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا حسين بن محمد الذارع، حدثنا عبد المؤمن بن عباد، حدثنا يزيد بن معن، عن عبد الله بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى(1).

وهذا الرافضي لم يذكره بتمامه فإن فيه عند قوله : وأنت أخي ووارثي. قال : وما أرث منك يا رسول الله ؟ قال : ما ورَّث الأنبياء من قبلي. قال : وما ورث الأنبياء من قبلك ؟ قال : كتاب الله وسنة نبيهم. 

وهذا الإسناد مظلم انفرد به عبد المؤمن بن عباد أحد المجروحين، ضعّفه أبو حاتم عن يزيد بن معن،ولا يدري من هو، فلعله الذي اختلقه عن عبد الله بن شرحبيل،وهو مجهول، عن رجل من قريش، عن زيد بن أبي أوفى. 

 الوجه الثاني : أن هذا مكذوب مفترى باتفاق أهل المعرفة. 

الثالث: أن أحاديث المؤاخاة بين المهاجرين بعضهم مع بعض، والأنصار بعضهم مع بعض، كلها كذب. والنبي  لم يؤاخ عليًّا، ولا آخى بين أبي بكر وعمر ولا بين مهاجري ومهاجري، لكن آخى بين المهاجرين والأنصار، كما آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وبين سلمان الفارسي وأبي الدرداء،وبين عليّ وسهل بن حنيف. 

وكانت المؤاخاة في دور بني النجار، كما أخبر بذلك أنس في الحديث الصحيح، لم تكن في مسجد النبي ، كما ذكر في الحديث الموضوع، وإنما كانت في دار كان لبعض بني النجار، وبناه في محلتهم. 

 الرابع :  أن قوله في هذا الحديث : أنت أخي ووارثي، باطل على قول أهل السنة والشيعة، فإنه إن أراد ميراث المال بطل قولهم : إن فاطمة ورثته. وكيف يرث ابن العم مع وجود العم وهو العباس ؟ وما الذي خصّه بالإرث دون سائر بني العم الذين هم في درجة واحدة ؟ 

الوجه الخامس : أن النبي  قد أثبت الأخوة لغير عليّ، كما في الصحيحين أنه قال لزيد :  (( أنت أخونا ومولانا))(1). وقال لهأبو بكر لما خطب ابنته :ألست أخي ؟ قال: (( أنا أخوك،وبنتك حلالٌ لي ))(2).

لكن المقصود أن هذه لأحاديث الموضوعة تبيّن أن أبا بكر كان أحب إلى رسول الله  من عليّ، وأعلى قدراً عنده منه ومن كل من سواه،وشواهد هذه كثيرة. 

وقد روى بضعة وثمانون نفسا عن عليّ أنه قال :  (( خير هذه الأمة بعد 

نبيّها أبو بكر ثم عمر )). رواها البخاري في الصحيح( ) .

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان التاسع والثلاثون :قوله تعالى :  وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِم وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ( ) . في كتاب  ((الفردوس)) لابن شيرويه يرفعه عن حذيفة بن اليمان، قال : قال رسول الله : لو يعلم الناس متى سُمّى عليٌّ أمير المؤمنين ما أنكروا فضله، سُمِّي أمير المؤمنين وآدم بين الروح والجسد. قال تعالى :  وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِم وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ( ) قالت الملائكة:بلى، فقال تبارك وتعالى : أنا ربكم، ومحمد نبيّكم، وعليّ أميركم. وهو صريح في الباب )). 

والجواب من وجوه : أحدها: منع الصحة، والمطالبة بتقريرها. وقد أجمع أهل العلم بالحديث أن مجرد روية صاحب  (( الفردوس )) لا تدل على أن الحديث صحيح، فابن شيرويه الديلمى الهمذانى ذكر في هذا الكتاب أحاديث كثيرة صحيحة وأحاديث حسنة وأحاديث موضوعة،وإن كان من أهل العلم والدين، ولم يكن ممن يكذب هو، لكنه نقل ما في كتب الناس، والكتب فيها الصدق والكذب، ففعل كما فعل كثير من الناس في جمع الأحاديث : إما بالأسانيد، وإما محذوفة الأسانيد. 

الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. 

الثالث :أن الذي في القرآن أنه قال  أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ليس فيه ذكر النبي ولا الأمير، وفيه قوله : أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ( ) . فدلَّ على أنه ميثاق التوحيد خاصة، ليس فيه ميثاق النبوة، فكيف ما دونها ؟! 

الرابع :أن الأحاديث المعروفة في هذا،التي في المسند والسنن والموطأ وكتب التفسير وغيرها، ليس فيها شيء من هذا.ولو كان ذلك مذكورا في الأصل لم يهمله جميع الناس، وينفرد به من لا يُعرف صدقه، بل يُعرف أنه كذب. 

الخامس : أن الميثاق أُخذ على جميع الذريّة، فيلزم أن يكون عليٌّ أميراً على الأنبياء كلهم، من نوح إلى محمد . وهذا كلام المجانين ؛ فإن أولئك ماتوا قبل أن يخلق الله عليًّا، فكيف يكون أميراً عليهم ؟! 

وغاية ما يمكن أن يكون أميراً على أهل زمانه. أما الإمارة على من خُلق قبله، وعلى من يخلق بعده، فهذا من كذب من لا يعقل ما يقول، ولا يستحي فيما يقول. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( البرهان الأربعون : قوله تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ( ) . أجمع المفسرون أن صالح المؤمنين هو عليّ. روى أبو نُعيم بإسناده إلى أسماء بنت عميس،قالت : سمعت رسول الله  يقرأ هذه الآية :وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ : قال : صالح المؤمنين عليّ بن أبي طالب، واختصاصه بذلك يدل على أفضليته، فيكون هو الإمام. والآيات في هذا المعنى كثيرة، اقتصرنا على ما ذكرنا للاختصار )). 

والجواب من وجوه : أحدها :قوله :  (( أجمع المفسرون على أن صالح المؤمنين هو عليّ )) كذب مبين، فإنهم لم يجمعوا على هذا، ولا نقل الإجماع عَلَى هذا أحدٌ من علماء التفسير،ولا علماء الحديث ونحوهم. ونحن نطالبهم بهذا النقل، ومن نقل الإجماع عَلَى هذا أحدٌ من علماء التفسير، ولا علماء الحديث ونحوهم. ونحن نطالبهم بهذا النقل، ومن نقل هذا الإجماع ؟ 

الثاني : أن يُقال : كتب التفسير مملوءة بنقيض هذا. قال ابن مسعود وعكرمة ومجاهد والضحّاك وغيرهم : هو أبو بكر وعمر. وذكر هذا جماعة من المفسرين، كابن جرير الطبري وغيره. 

الثالث :أن يُقال : قوله : وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ اسم يعم كل صالح من المؤمنين، كما في الصحيحين عن النبي  أنه قال :  (( إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليى الله وصالح المؤمنين ))(1).

الخامس : أن يُقال : إن الله جعل في هذه الآية صالح المؤمنين مولى رسول ، كما أخبر أن الله مولاه، والمولى يمنع أن يُراد به الموالى عليه، فلم يبق المراد به إلا الموالى. 

وأما قوله :  (( والآيات في هذا المعنى كثيرة )) فغايته أن يكون المتروك من جنس المذكور، والذي ذكره خلاصة ما عندهم، وباب الكذب لا ينسد. ولهذا كان من الناس من يقابل كذبهم بما يقدر عليه من الكذب، ولكن الله يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق،وللكذّابين الويل مما يصفون. 

(فصــل)

قال الرافضي :  ((المنهج الثالث في الأدلة المستندة إلى السنّة، المنقولة عن النبي ، وهي اثنا عشر : 

الأول : ما نقله الناس كافة أنه لمّا نزل قوله تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اْلأَقْرَبِينَ(1) جمع رسول الله  بني عبد المطلب في دار أبي طالب، وهم أربعون رجلا وأمر أن يَصْنَع لهم فخذ شاة مع مُدٍّ من البر ويُعِدُّ لهم صاعاً من اللبن، وكان الرجل منهم يأكل الجذعة في مقعد واحد، ويشرب الفَرَق من الشراب في ذلك المقام، فأكلت الجماعة كلهم من ذلك الطعام اليسير حتى شبعوا، ولم يتبين ما أكلوه، فبهرهم النبي  وآله بذلك، وتبين لهم آية نبوته، فقال : يا بني عبد المطلب،إن الله بعثني بالحق إلى الخلق كافة، وبعثني إليكم  خاصة، فقال : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اْلأَقْرَبِينَ وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان، ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد لكم بهما الأمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّي رسول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر، ويؤازرني على القيام به يكن أخي وزيري، ووصيي ووارثي، وخليفتي من بعدي. فلم يجبه أحد منهم. فقال أمير المؤمنين : أنا يا رسول الله أؤازرك على هذا الأمر. فقال : اجلس. ثم أعاد القول على القوم ثانية فصمتوا. فقال عليّ : فقمت فقلت مثل مقالتي الأولى، فقال : اجلس، ثم أعاد القول ثالثة، فلم ينطق أحد منهم بحرف، فقمت فقلت : أنا أؤازرك يا رسول الله على هذا الأمر. فقال : اجلس فأنت أخي ووزيري، ووصيي ووارثي، وخليفتي من بعدي. فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب : ليهنئك اليوم إن دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميراً عليك )). 

والجواب من وجوه : الأول : المطالبة بصحة النقل. وما ادّعاه من نقل الناس كافة فمن أظهر الكذب عند أهل العلم بالحديث، فإن هذا الحديث ليس في شيء من كتب المسلمين التي يستفيدون منها علم النقل : لا في الصحاح ولا في المسانيد والسنن والمغازي والتفسير التي يذكر فيها الإسناد والذي يحتج به، وإذا كان في بعض كتب التفسير التي ينقل منها الصحيح والضعيف، مثل تفسير الثعلبي والواحدي والبغوي،بل وابن جرير وابن أبي حاتم، لم يكن مجرد رواية واحد من هؤلاء دليلا على صحته باتفاق أهل العلم، فإنه إذا عرف أن تلك المنقولات فيها صحيح وضعيف، فلا بد من بيان أن هذا المنقول من قسم الصحيح دون الضعيف. 

الثاني:أنّا نرضى منه من هذا النقل العام بأحد شيئين : إما بإسنادٍ يذكره مما يحتج. به أهل العلم في مسائل النزاع، ولو أنه مسألة فرعية، وإما قول رجل من أهل الحديث الذين يعتمد الناس على تصحيحهم. 

فإنه لو تناظر فقيهان في فرع من الفروع، لم تقم الحجة على المناظرة إلا بحديث يُعلم أنه مسند إسناداً تقوم به الحجة، أو يصححه من يُرجع إليه في ذلك. فأما إذا لم يُعلم إسناده، ولم يثبته أئمة النقل، فمن أين يُعلم ؟ لا سيما في مسائل الأصول التي يُبنى عليها الطعن في سلف الأمة وجمهورها، ويُتوسل بذلك إلى هدم قواعد الملة، فكيف يقبل في مثل ذلك حديث لا يُعْرَف إسناده ولا يثبته أئمة النقل ولا يعرف أن عالما صححه.

الثالث : أن هذا الحديث كذب عند أهل المعرفة بالحديث، فما من عالم يعرف الحديث إلا وهو يعلم أنه كذب موضوع، ولهذا لم يروه أحد منهم في الكتب التي يُرجع إليها في المنقولات، لأن من له أدنى معرفة بالحديث يعلم أن هذا كذب. 

الرابع :أن بني عبد المطلب لم يبلغوا أربعين رجلا حين نزلت هذه الآية؛ فإنها نزلت بمكة في أول الأمر. ولا بلغوا أربعين رجلا في مدّة حياة النبي .

الخامس :قوله :  (( إن الرجل منهم كان يأكل الجذعة ويشرب الفَرَق من اللبن )) فكذب على القوم، ليس بنو هاشم معروفين بمثل هذه الكثرة في الأكل، ولا عُرف فيهم من كان يأكل جذعة ولا يشرب فرقا.

السادس : أن قوله للجماعة :  (( من يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري ووصيي وخليفتي من بعدي )) كلامٌ مفترًى على النبي ، لا يجوز نسبته إليه. فإن مجرد الإجابة إلى الشهادتين والمعاونة على ذلك لا يوجب هذا كله ؛ فإن جميع المؤمنين أجابوا إلى هاتين الكلمتين، وأعانوه على هذا الأمر،وبذلوا أنفسهم وأموالهم في إقامته وطاعته، وفارقوا وأوطانهم، وعادوا إخوانهم، وصبروا على الشتات بعد الألفة، وعلى الذل بعد العز، وعلى الفقر بعد الغنى،وعلى الشدة بعد الرخاء، وسيرتهم معروفة مشهورة. ومع هذا فلم يكن أحد منهم بذلك خليفة له.

وأيضا فإن كان عرض هذا الأمر على أربعين رجلا أمكن أن يجيبوه  أو أكثرهم أو عدد منهم  فلو أجابه منهم عدد من كان الذي يكون الخليفة بعده.

السابع : أن حمزة وجعفراً وعبيدة بن الحارث أجابوا إلى ما أجابه عليّ من الشهادتين والمعاونة على هذا الأمر.

الثامن : أن الذي في الصحاح من نزول هذه الآية غير هذا. ففي الصحيحين عن ابن عمر وأبي هريرة  واللفظ له  عن النبي  لما نزلت : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اْلأَقْرَبِينَ( ) دعا رسول الله  قريشاً، فاجتمعوا،فخصَّ وعم فقال :  ((يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مُرَّة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها ))( ) 

(فصــل)

قال الرافضي :الثاني :الخبر المتواتر عن النبي  : أنه لما نزل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ( ) خطب الناس في غدير خُم وقال للجمع كله : يا أيها الناس ألست أَوْلى منكم بأنفسكم ؟ قالوا : بلى. قال : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه.

اللهم وال من ولاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. فقال عمر :بخٍ بخٍ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. والمراد بالمولى هنا الأَوْلى بالتصرف لتقدّم التقرير منه  بقوله : ألست أوْلى منكم بأنفسكم ؟ 

والجواب :عن هذه الآية والحديث المذكور قد تقدّم، وبيَّنا أن هذا كذب، وأن قوله :  بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ( ) نزل قبل حجة الوداع بمدة طويلة. 

ويوم الغدير إنما كان ثامن عشر ذي الحجة بعد رجوعه من الحج، وعاش بعد ذلك شهرين وبعض الثالث. 

فعلم أنه لم يكن في غدير خم أمر يشرع نزل إذ ذاك، لا في حقّ عليّ ولا في غيره، لا إمامته ولا غيرها. 

لكن حديث الموالاة قد رواه الترمذي وأحمد في مسنده عن النبي  أنه قال :  (( من كنت مولاه فعليّ مولاه ))( ) . وأما الزيادة وهي قوله :  (( اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه … )) الخ، فلاريب أنه كذب.

وكذلك قوله : أنت أَوْلى بكل مؤمن ومؤمنة، كذب أيضا. 

وأما قوله :  (( من كنت مولاه فعليّ مولاه )) فليس في الصحاح، لكن هو مما رواه العلماء، وتنازع الناس في صحته، فنُقل عن البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث إنهم طعنوا فيه وضعَّفوه، ونُقل عن أحمد بن حنبل أنه حسَّنه كما حسَّنه الترمذي. وقد صنَّف أبو العباس بن عُقْدَة مصنَّفا في جمع طرقه. 

ونحن نجيب بالجواب المركّب فنقول : إن لم يكن النبي  قاله فلا كلام، وإن كان قاله فلم يرد به قطعا الخلافة بعده، إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه. ومثل هذا الأمر العظيم يجب أن يبلَّغ بلاغا مبينا. 

      وليس في الكلام ما يدل دلالة بيّنة على أن المراد به الخلافة. وذلك أن المولى كالولي. والله تعالى قال : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا( ) ، وقال : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ( ) فبيّن أن الرسول وليَّ المؤمنين، وأنهم مواليه أيضا، كما بيّن أن الله وليّ المؤمنين، وأنهم أولياؤه، وأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض. 

فالموالاة ضد المعاداة، وهي تثبت من الطرفين، وإن كان أحد المتواليين أعظم قدرا، وولايته إحسان وتفضل، وولاية الآخر طاعة وعبادة، كما أن الله يحب المؤمنين، والمؤمنون يحبونه. 

وهو وليّ المؤمنين وهو مولاهم يخرجهم من الظلمات إلى النور. وإذا كان كذلك فمعنى كون الله وليّ المؤمنين ومولاهم، وكون الرسول وليهم ومولاهم، وكون عليّ مولاهم، هي الموالاة التي هي ضد المعاداة. 

والمؤمنون يتولون الله ورسوله الموالاة المضادة للمعاداة، وهذا حكم ثابت لكل مؤمن. فعليٌّ رضي الله عنه من المؤمنين الذين يتولون المؤمنين ويتولونه. 

وفي الجملة فرق بين الوليّ والمولى ونحو ذلك وبين الوالي. فباب الولاية – التي هي ضدّ العداوة – شيء، وباب الولاية – التي هي الإمارة – شيء. 

والحديث إنما هو في الأولى دون الثانية. والنبي  لم يقل : من كنت واليه فعليّ واليه. وإنما اللفظ  ((من كنت مولاه فعليّ مولاه )). 

وأما كون المولى بمعنى الوالي، فهذا باطل. فإن الولاية تثبت من الطرفين ؛ فإن المؤمنين أولياء الله،وهو مولاهم. 

وأما كونه أَوْلى بهم من أنفسهم، فلا يثبت إلا من طرفه . وكونه أَوْلى بكل مؤمن من نفسه من خصائص نبوته. 

(فصــل)

قال الرافضي : الثالث: قوله : أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي. أثبت له  (( عليه السلام )) جميع منازل هارون من موسى عليه السلام للاستثناء. ومن جملة منازل هارون أنه كان خليفة لموسى، ولو عاش بعده لكان خليفة أيضا، وإلا لزم تطرّق النقض إليه، ولأنه خليفته مع وجوده وغيبته مدة يسيرة، فبعد موته وطول مدة الغَيْبَة، أَوْلى بأن يكون خليفته)). 

والجواب : أن هذا الحديث ثبت في الصحيحين بلا ريب وغيرهما، وكان النبي  قال له ذلك في غزوة تبوك. وكان  كلما سافر في غزوة أو عُمرة أو حج يستخلف على المدينة بعض الصحابة، كما استخلف على المدينة في غزوة ذى أمَّر عثمان، وفي غزوة بني قَيْنُقاع بشير بن عبد المنذر، ولما غزا قريشا ووصل إلى الفُرْع استعمل ابن أم مكتوم، وذكر ذلك محمد بن سعد وغيره. 

وبالجملة فمن المعلوم انه كان لا يخرج من المدينة حتى يستخلف. وقد ذكر المسلمون من كان يستخلفه، فقد سافر من المدينة في عُمرتين : عُمرة الحديبية وعُمرة القضاء. وفي حجة الوداع، وفي مغازيه  أكثر من عشرين غزاة  وفيها كلها استخلف، وكان يكون بالمدينة رجال كثيرون يستخلف عليهم من يستخلفه،فلما كان في غزوة تبوك لم يأذن لأحد في التخلف عنها، وهي آخر مغازيه ، ولم يجتمع معه أحد كما اجتمع معه فيها، فلم يتخلف عنه إلا النساء والصبيان، أو من هو معذور لعجزه عن الخروج، أو هو منافق، وتخلّف الثلاثة الذين تِيب عليهم، ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم، كما كان يستخلف عليهم في كل مرة، بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات  المعتادة منه.

وفي كل مرة يكون بالمدينة أفضل ممن بقي في غزوة تبوك، فكان كل استخلاف قبل هذه يكون على أفضل ممن استخلف عليه عليًّا. فلهذا خرج إليه عليٌّ رضي الله عنه يبكي،وقال : أتخلّفني مع النساء والصبيان ؟ 

ولم يكن هذا الاستخلاف كاستخلاف هارون، لأن العسكر كان مع هارون، وإنما ذهب موسى وحده. 

وأما استخلاف النبي  فجميع العسكر كان معه، ولم يُخَلَّف بالمدينة  غير النساء والصبيان إلا معذورٌ أو عاصٍ. 

وقول القائل :  (( هذا بمنزلة هذا، وهذا مثل هذا )) هو كتشبيه الشيء بالشيء. وتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دلَّ عليه السياق، لا يقتضي المساواة في كل شيء. ألا ترى إلى ما ثبت في الصحيحين من قول النبي  في حديث الأسارى لمّا استشار أبا بكر،وأشار بالفداء، واستشار عمر، فأشار بالقتل. قال :  (( سأخبركم عن صاحبيكم. مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال: فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( ) ،ومثل عيسى إذ قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( ) . ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال :  رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى اْلأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا( ) ، ومثل موسى إذ قال : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ اْلأَلِيمَ( )( )  .

فقوله هذا: مثلك مثل إبراهيم وعيسى، ولهذا : مثل نوح وموسى  أعظم من قوله  أنت مني بمنزلة هارون من موسى ؛ فإن نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى أعظم من هارون، وقد جعل هذين مثلهم، ولم يرد أنهما مثلهم في كل شيء، لكن فيما دلّ عليه السياق من الشدة في الله واللين في الله. 

وكذلك هنا إنما هو بمنزلة هارون فيما دلّ عليه السياق، وهو استخلافه في مغيبه، كما استخلف موسى هارون. وهذا الاستخلاف ليس من خصائص عليّ، بل ولا هو مثل استخلافاته، فضلا عن أن يكون أفضل منها. 

وأما إذا كان التخصيص لسبب يقتضيه، فلا يُحتج به باتفاق الناس. فهذا من ذلك ؛ فإنه إنما خصَّ عليًّا بالذكر لأنه خرج إليه يبكي ويشتكي تخليفه مع النساء والصبيان. 

ومن استخلفه سوى عليّ، لما لم يتوهموا أن في الاستخلاف نقصا، لم يحتج أن يخبرهم بمثل هذا الكلام. والتخصيص بالذكر إذا كان لسبب يقتضي ذاك لم يقتض الاختصاص بالحكم، فليس في الحديث دلالة على أن غيره لم يكن منه بمنزلة هارون من موسى.

وقول القائل : إنه جعله بمنزلة هارون في كل الأشياء إلا في النبوة باطل ؛ فإن قوله :  (( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟)) دليل على أنه يسترضيه بذلك ويطيّب قلبه لِمَا توهم من وهن الاستخلاف ونقص درجته، فقال هذا على سبيل الجبر له. 

وقوله :  (( بمنزلة هارون من موسى )) أي مثل منزلة هارون، فإن نفس منزلته من موسى بعينها لا تكون لغيره، وإنما يكون له ما يشابهها، فصار هذا كقوله : هذا مثل هذا، وقوله عن أبي بكر : مثله مثل نوح وموسى. 

ومما يبين ذلك أن هذا كان عام تبوك، ثم بعد رجوع النبي  بعث أبا بكر أميراً على الموسم، وأردفه بعليّ، فقال لعليّ : أمير أم مأمور ؟ فقال : بل مأمور، فكان أبو بكر أميراً عليه، وعليّ معه كالمأمور مع أميره : يصلّي خلفه، ويطيع أمره وينادي خلفه مع الناس بالموسم : ألا َ لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. 

وأما قوله :  ((لأنه خليفته مع وجوده وغيبته مدة يسيرة، فبعد موته وطول مدة الغيبة أَوْلى بأن يكون خليفته )). 

فالجواب : أنه مع وجوده وغيبته قد استخلف غير عليّ استخلافاً أعظم من استخلاف عليّ، واستخلف أولئك عَلَى أفضل من الذين استخلف عليهم عليًّا، وقد استخلف بعد تبوك على المدينة غير عليّ في حجة الوداع، فليس جعل عليّ هو الخليفة بعده لكونه استخلفه على المدينة بأَوْلى من هؤلاء الذين استخلفهم على المدينة كما استخلفه، وأعظم مما استخلفه، وآخر الاستخلاف كان عَلَى المدينة كان عام حجة الوداع، وكان عليّ باليمن، وشهد معه الموسم، لكن استخلف عليها في حجة الوداع غير عليّ. 

فإن الأصل بقاء الاستخلاف، فبقاء من استخلفه في حجة الوداع أولى من بقاء استخلاف من استخلفه قبل ذلك. 

وبالجملة فالاستخلافات على المدينة ليست من خصائص عليّ، ولا تدل على الأفضلية ولا على الإمامة، فقد استخلف عدداً غيره. ولكن هؤلاء جهَال يجعلون الفضائل العامة المشتركة بين عليّ وغيره خاصة بعليّ وإن كان غيره أكمل منه فيها، كما فعلوا في النصوص والوقائع.

(فصــل)

قال الرافضي :  (( الرابع :  أنه  استخلفه عَلَى المدينة مع قصر مدة الغَيْبَة، فيجب أن يكون خليفة له بعد موته. وليس غير عليّ إجماعاً، ولأنه لم يعزله عن المدينة، فيكون خليفة له بعد موته فيها، وإذا كان خليفة فيها كان خليفة في غيرها إجماعاً )). 

والجـواب : أن هذه الحجة وأمثالها من الحجج الداحضة، التي هي من جنس بيت العنكبوت. والجواب عنها من وجوه : 

أحدها : أن نقول على أحد القولين : إنه استخلف أبا بكر بعد موته كما تقدم. وإذا قالت الرافضة : بل استخلف عليًّا. قيل : الرواندية من جنسكم قالوا: استخلف العبّاس، وكل من كان له علم بالمنقولات الثابتة يعلم أن الأحاديث الدالّة على استخلاف أحدٍ بعد موته إنما تدل على استخلاف أبي بكر، ليس فيها شيء يدل على استخلاف عليّ ولا العباس، بل كلها تدل على أنه لم يستخلف واحداً منهما. فيقال حينئذ : إن كان النبي  استخلف أحداً فلم يستخلف إلا أبا بكر، وإن لم يستخلف أحداً فلا هذا ولا هذا. 

الوجه الثاني :  أن نقول : أنتم لا تقولون بالقياس، وهذا احتجاج بالقياس، حيث قستم الاستخلاف في الممات على الاستخلاف في المغيب. وأما نحن إذا فرضنا على أحد القولين فنقول : الفرق بينهما ما نبّهنا عليه في استخلاف عمر في حياته، وتوقفه في الاستخلاف بعد موته، لأن الرسول في حياته شاهد على الأمة، مأمور بسياستها بنفسه أو نائبه، وبعد موته انقطع عنه التكليف. 

كما قال المسيح :  وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ(1). الآية، لم يقل : كان خليفتي الشهيد عليهم. وهذا دليل على أن المسيح لم يستخلف، فدل على أن الأنبياء لا يجب عليهم الاستخلاف بعد الموت.

وكذلك ثبت عن النبي  أنه قال: (( فأقول كما قال العبد الصالح:وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ(2).

الوجه الثالث : أن يُقال : الاستخلاف في الحياة واجبٌ على كل وليّ أمر ؛ فإن كل ولي أمر – رسولا كان أو إماما – عليه أن يستخلف فيما غاب عنه من الأمور، فلا بد له من إقامة الأمر : إما بنفسه ، وإما بنائبه. فما شهده من الأمر أمكنه أن يقيمه بنفسه، وأما ما غاب عنه فلا يمكنه إقامته إلا بخليفة يستخلفه عليه، فيولّي عَلَى مَنْ غاب عنه مِن رعيته مَنْ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويأخذ منهم الحقوق، ويقيم فيهم الحدود، ويعدل بينهم في الأحكام، كما كان النبي  يستخلف في حياته على كل ما غاب عنه، فيولِّي الأمراء على السرايا : يصلّون بهم، ويجاهدون بهم، ويسوسونهم، ويؤمِّر أمراء على الأمصار، بخلاف الاستخلاف بعد الموت، فإنه قد بلَّغ الأمة، وهو الذي يجب عليهم طاعته بعد موته، فيمكنهم أن يعينوا من يؤمِّرونه عليهم، كما يمكن ذلك في كل فروض الكفاية التي تحتاج إلى واحد معيّن  عُلم أنه لا يلزم من وجوب الاستخلاف في الحياة بعد الموت. 

الرابع : أن الاستخلاف في الحياة واجبٌ في أصناف الولايات، كما كان النبي  يستخلف على من غاب عنهم من يقيم فيهم الواجب.

ومعلوم أن هذا الاستخلاف لا يجب بعد الموت باتفاق العقلاء، بل ولا يمكن، فإنه لا يمكن أن يعيِّن للأمة بعد موته من يتولّى كل أمر جزئي، فإنهم يحتاجون إلى واحدٍ بعد واحد، وتعيين ذلك متعذر.

الوجه الخامس : أن ترك الاستخلاف بعد مماته كان أَوْلى من الاستخلاف كما اختاره الله لنبيه، فإنه لا يختار له إلا أفضل الأمور. 

فعُلم أن ترك الاستخلاف من النبي  بعد الموت أكمل في حق الرسول من الاستخلاف، وأن من قاس وجوب الاستخلاف بعد الممات على وجوبه في الحياة كان من أجهل الناس. 

وأبو بكر لم يكن يعلم أن الأمة يولُّون عمر إذا لم يستخلفه أبو بكر. فكان ما فعله النبي  هو اللائق به لفضل علمه، وما فعله صدِّيق الأمة هو اللائق به إذ لم يعلم ما علمه النبي .

الوجه السادس : أن يُقال : هب أن الاستخلاف واجب، فقد استخلف النبي  أبا بكر على قول من يقول : إنه استخلفه، ودلّ على استخلافه على القول الآخر. 

وقوله :  ((لأنه لم يعزله عن المدينــة )). 

قلنا : هذا باطل، فإنه لمّا رجع النبي  انعزل عليٌّ بنفس رجوعه، كما كان غيره ينعزل إذا رجع. وقد أرسله بعد هذا إلى اليمن، حتى وافاه الموسم في حجة الوداع، واستخلف عَلَى المدينة في حجة الوداع غيره. 

أفترى النبي  فيها مقيماً وعليّ باليمن، وهو خليفة بالمدينة ؟! 

ولا ريب أن كلام هؤلاء كلام جاهل بأحوال النبي ، كأنهم ظنّوا أن عليًّا ما زال خليفة عَلَى المدينة حتى مات النبي ، ولم يعلموا أن عليًّا بعد ذلك أرسله النبي  سنة تسع مع أبي بكر لنبذ العهود، وأمَّر عليه أبا بكر. ثم بعد رجوعه مع أبي بكر أرسله إلى اليمن، كما أرسل معاذاً وأبا موسى. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( الخامس : ما رواه الجمهور عن النبي  أنه قال لأمير المؤمنين : أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعدي وقاضي دَيْني، وهو نصٌّ في الباب )). 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة هذا الحديث، فإن هذا الحديث ليس في شيء من الكتب التي تقوم الحجة بمجرد إسناده إليها، ولا صححه إمام من أئمة الحديث. 

وقوله :  ((رواه الجمهور)) : إن أراد بذلك أن علماء الحديث رووه في الكتب التي يُحتج بما فيها، مثل كتاب البخاري ومسلم ونحوهما،وقالوا : إنه صحيح  فهذا كذب عليهم. وإن أراد بذلك أن هذا يرويه مثل أبي نُعيم في  (( الفضائل )) والمغازلي وخطيب خوارزم ونحوهم، أو يُروى في كتب الفضائل، فمجرد هذا ليس بحجة باتفاق أهل العلم في مسألة فروع، فكيف في مسألة الإمامة، التي قد أقمتم عليها القيامة ؟! 

الثاني : أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. وقد تقدّم كلام ابن حزم أن سائر هذه الأحاديث موضوعة ، يعلم ذلك من له أدنى علم بالأخبار ونقلتها. وقد صدق في ذلك ؛ فإن من له أدنى معرفة بصحيح الحديث وضعيفه، ليعلم أن هذا الحديث ومثله ضعيف، بل كذب موضوع. 

 الوجه الثالث :  أن دَيْنَ النبي  لم يقضه عليّ بل في الصحيح أن النبي  مات ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير ابتاعها لأهله( ) . فهذا الدين الذي كان عليه يقضى من الرهن الذي رهنه، ولم يعرف عن النبي  دَيْن آخر. 

وفي الصحيح عنه أنه قال :  (( لا يقتسم ورثتي ديناراً ولا درهماً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة ))( ) . فلو كان عليه دَيْن قُضِيَ مما تركه، وكان ذلك مقدَّماً على الصدقة، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح. 

(فصــل)

قال الرافضي :  (( السادس : حديث المؤاخاة.روى أنس أن النبي  لما كان يوم المباهلة، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وعليٌّ واقف يراه ويعرفه، ولم يؤاخ بينه وبين أحد، فانصرف باكيا، فقال النبي  ما فعل أبو الحسن ؟ قالوا : انصرف باكي العين، قال : يا بلال اذهب فائتني به، فمضى إليه، ودخل منزله باكي العين فقالت له فاطمة ما يبكيك ؟ قال : آخى النبي  بين المهاجرين والأنصار، ولم يؤاخ بيني وبين أحد. قالت : لا يخزيك الله،لعله إنما ادخرك لنفسه، فقال بلال : يا عليّ أجب رسول الله ، فأتى فقال : ما يبكيك يا أبا الحسن ؟ فأخبره، فقال : إنما  ادَّخرك لنفسي، ألا يسرك أن تكون أخا نبيك ؟ قال : بلى، فأخذ بيده، فأتى المنبر، فقال : اللهم هذا مني وأنا منه، ألا إنه مني بمنزلة هارون من موسى، ألا من كنت مولاه فعليّ مولاه، فانصرف فاتبعه عمر، فقال : بخٍ بخٍ يا أبا الحسن، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم. فالمؤاخاة تدل على الأفضلية، فيكون هو الإمام )). 

والجواب : أولا :  المطالبة بتصحيح النقل، فإنه لم يعز هذا الحديث إلى كتاب أصلا، كما عادته يعزو، وإن كان عادته يعزو إلى كتبٍ لا تقوم بها الحجة، وهنا أرسله إرسالاً على عادة أسلافه شيوخ الرافضة، يكذبون ويروون الكذب بلا إسناد. وقد قال ابن المبارك : الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فإذا سُئل : وقف وتحيّر. 

الثاني : أن هذا الحديث موضوع عند أهل الحديث، لا يرتاب أحد من أهل المعرفة بالحديث أنه موضوع، وواضعه جاهل، كذب كذبا ظاهرا مكشوفا، يعرف أنه كذب من له أدنى معرفة بالحديث، كما سيأتي بيانه. 

الثالث : أن أحاديث المؤاخاة كلها موضوعة، والنبي  لم يؤاخ أحداً، ولا آخى بين مهاجري ومهاجري، ولا بين أبي بكر وعمر، ولا بين أنصاري وأنصاري، ولكن آخى بين المهاجرين والأنصار في أول قدومه المدينة. 

وأما المباهلة فكانت لما قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر من الهجرة. 

الرابع : أن دلائل الكذب على هذا الحديث بيّنة، منها : أنه قال :  (( لما كان يوم المباهلة وآخى بين المهاجرين والأنصار )). والمباهلة كانت لما قدم وفد نجران النصارى، وأنزل الله سورة آل عمران، وكان ذلك في آخر الأمر سنة عشر أو سنة تسع. 

الخامس : أن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كانت في السنة الأولى من الهجرة في دار بني النجار،وبين المباهلة وذلك عدة سنين.

السادس : أنه قد آخى بين المهاجرين والأنصار. والنبي  وعليٌّ كلاهما من المهاجرين، فلم يكن بينهما مؤاخاة، بل آخى بين عليّ وسهل بن حنيف. 

السابع : أن قوله :  (( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى )) إنما قاله في غزوة تبوك مرة واحدة، لم يقل ذلك في غير ذلك المجلس أصلا باتفاق أهل العلم بالحديث. 

(فصــل)

قال الرافضي :   السابع : ما رواه الجمهور كافة أن النبي  لما حاصر خيبر تسعا وعشرين ليلة،وكانت الراية لأمير المؤمنين عليّ، فلحقه رمد أعجزه عن الحرب، وخرج مرحب يتعرض للحرب، فدعا رسول الله  أبا بكر، فقال له: خذ الراية، فأخذها في جمع من المهاجرين، فاجتهد ولم يغن شيئا، ورجع منهزما، فلما كان من الغد تعرَّض لها عمر، فسار غير بعيد، ثم رجع يخبر أصحابه، فقال النبي  : جيئوني بعليّ، فقيل : إنه أرمد، فقال : أرونيه أروني رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ليس بفرَّار، فجاءوا بعليّ، فتفل في يده ومسحها على عينيه ورأسه فبرِئ، فأعطاه الراية،ففتح الله على يديه، وقتل مرحباً . وَوَصْفُهُ عليه السلام بهذا الوصف يدل على انتفائه عن غيره، وهو يدل على أفضليته فيكون هو الإمام)).

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بتصحيح النقل . وأما قوله : (( رواه الجمهور فإن الثقات الذين رووه لم يرووه هكذا، بل الذي في الصحيح أن عليًّا كان غائباً عن خيبر، لم يكن حاضراً فيها، تخلَّف عن الغزاة لأنه كان أرمد . ثم إنه شقَّ عليه التخلف عن النبي ، فلحقه،فقال النبي  قبل قدومه : ((لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله،يفتح الله على يديه ))(1). ولم تكن الراية قبل ذلك لأبي بكر ولا لعمر، ولا قربها واحدٌ منهما، بل هذا من الأكاذيب . ولهذا قال عمر : (( فما أحببت الإمارة إلا يومئذ، وبات الناس كلهم يرجون أن يعطاها، فلما أصبح دعا عليًّا، فقيل له : إنه أرمد، فجاء فتفل في عينيه حتى برأ، فأعطاه الراية )) . 

وكان هذا التخصيص جزاء مجيء عليّ مع الرمد، وكان إخبار النبي  بذلك وعليّ ليس بحاضر لا يرجونه من كراماته ، فليس في الحديث تنقيص بأبي بكر وعمر أصلاً . 

الثاني : أن إخباره أن عليّا كان يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله حق، وفيه رد على النواصب . لكن الرافضة الذين يقولون : إن الصحابة ارتدُّوا بعد موته لا يمكنهم الاستدلال بهذا، لأن الخوارج تقول لهم : هو ممن ارتد أيضا، كما قالوا لمَّا حكم الحكمين : إنك قد ارتددت عن الإسلام فعد إليه. 

وقول القائل : (( إن هذا يدل على انتفاء هذا الوصف عن غيره )) . 

فيه جوابان : أحدهما : أنه إن سلَّم ذلك، فإنه قال: (( لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه ))، فهذا المجموع اختصّ به، وهو أن ذلك الفتح كان على يديه، ولا يلزم إذا كان ذلك الفتح المعيّن على يديه أن يكون أفضل من غيره، فضلا عن أن يكون مختصًّا بالإمامة . 

الثاني :  أن يُقال : لا نسلِّم أن هذا يوجب التخصيص . كما لو قيل : لأعطين هذا المال رجلاً فقيرا، أو رجلا صالحا، أو لأعودن اليوم رجلا مريضاً صالحاً، أو لأعطين هذه الراية رجلا شجاعا، ونحو ذلك  لم يكن في هذه الألفاظ ما يوجب أن تلك الصفة لا توجد إلا في واحد، بل هذا يدل على أن ذلك الواحد موصوف بذلك . 

الثالث :  أنه لو قُدِّر ثبوت أفضليته في ذلك الوقت، فلا يدل ذلك على أن غيره لم يكن أفضل منه بعد ذلك . 

الرابع : أنه لو قدَّرنا أفضليته، لم يدل ذلك على أنه إمام معصوم منصوص عليه، بل كثير من الشيعة الزيدية ومتأخري المعتزلة وغيرهم يعتقدون أفضليته، وأن الإمام هو أبو بكر، وتجوز عندهم ولاية المفضول .

(فصــل)

قال الرافضي : (( الثامن : خبر الطائر . روى الجمهور كافة أن النبي  أُتِيَ بطائر، فقال : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإليّ يأكل معي من هذا الطائر، فجاء عليّ، فدق الباب، فقال أنس : إن النبي  على حاجة، فرجع . ثم قال النبي  كما قال أولاً، فدق الباب،فقال أنس : ألم أقل لك إنه على حاجة ؟ فانصرف، فعاد النبي ، فعاد عليّ فدق الباب أشد من الأولين، فسمعه النبي ، فأذن له بالدخول، وقال : ما أبطأك عني ؟ قال : جئتك فردني أنس، ثم جئت فردني أنس، ثم جئت فردني الثالثة، فقال : يا أنس ما حملك على هذا ؟ فقال : رجوت أن يكون الدعاء لرجل من الأنصار، فقال : يا أنس أوفي الأنصار خير من عليّ ؟ أو في الأنصار أفضل من عليّ ؟ فإذا كان أحب الخلق إلى الله، وجب أن يكون هو الإمام )) . 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بتصحيح النقل . وقوله : ((روى الجمهور كافة )) كذب عليهم ؛ فإن حديث الطير لم يروه أحد من أصحاب الصحيح، ولا صححه أئمة الحديث، ولكن هو مما رواه بعض الناس، كما رووا أمثاله في فضل غير عليّ، بل قد رُوى في فضائل معاوية أحاديث كثيرة، وصُنِّف في ذلك مصنفات . وأهل العلم بالحديث لا يصححون هذا ولا هذا . 

الثاني : أن حديث الطائر من المكذوبات الموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل . قال أبو موسى المديني : (( قد جمع غير واحد من الحفاظ طرق أحاديث الطير للاعتبار والمعرفة كالحاكم النيسابوري، وأبي نعيم، وابن مردويه، وسئل الحاكم عن حديث الطير فقال لا يصح ، هذا مع أن الحاكم منسوب إلى التشيع . 

الثالث : أن أكل الطير ليس فيه أمر عظيم يناسب أن يجيء أحب الخلق إلى الله ليأكل منه، فإن إطعام الطعام مشروع للبرّ والفاجر، وليس في ذلك زيادة وقربة عند الله لهذا الأكل، ولا معونة على مصلحة دين ولا دنيا، فأي أمر عظيم هنا يناسب جعل أحب الخلق إلى الله يفعله ؟! 

الرابع : أن هذا الحديث يناقض مذهب الرافضة ؛ فإنهم يقولون : إن النبي  كان يعلم أن عليًّا أحب الخلق إلى الله، وأنه جعله خليفة من بعده . وهذا الحديث يدل على أنه ما كان يعرف أحب الخلق إلى الله . 

الخامس : أن يُقال : إما أن يكون النبي  كان يعرف أن عليًّا أحب الخلق إلى الله، أو ما كان يعرف . فإن كان يعرف ذلك، كان يمكنه أن يرسل بطلبه،كما كان يطلب الواحد من الصحابة، أو يقول:اللهم ائتنى بعليّ فإنه أحب الخلق إليك.فأي حاجة إلى الدعاء والإِبهام في ذلك؟!ولو سَمَّى عليًّا لاستراح أنس من الرجاء الباطل،ولم يغلق الباب في وجه عليّ.

وإن كان النبي  لم يعرف ذلك، بطل ما يدَّعونه من كونه كان يعرف ذلك . ثم إن في لفظه : (( أحب الخلق إليك وإليّ )) فكيف لا يعرف أحب الخلق إليه ؟!

السادس : أن الأحاديث الثابتة في الصحاح، التي أجمع أهل الحديث على صحتها وتلقّيها بالقبول، تناقض هذا، فكيف تعارض بهذا الحديث المكذوب الموضوع الذي لم يصححوه ؟! 

(فصــل)

قال الرافضي : (( التاسع :ما رواه الجمهور أنه أمر الصحابة بأن يسلّموا عَلَى عليّ بإمرة المؤمنين، وقال : إنه سيد المسلمين، وإمام المتٌّقين، وقائد الغرّ المحجّلين . وقال : هذا وليّ كل مؤمن بعدي . وقال في حقّه : إنَّ عليًّا مني وأنا منه، أولى بكل مؤمن ومؤمنة، فيكون عليّ وحده هو الإمام لذلك . وهذه نصوص في الباب )) . 

والجواب من وجوه: أحدها : المطالبة بإسناد وبيان صحته، وهو لم يعزه إلى كتاب على عادته . فأما قوله : (( رواه الجمهور )) فكذب، فليس هذا في كتب الأحاديث المعروفة : لا الصحاح، ولا المسانيد، ولا السنن وغير ذلك. فإن كان رواه بعض حاطبي الليل كما يُروى أمثاله، فعِلْم مثل هذا ليس بحجة يجب اتباعها باتفاق المسلمين . 

والله تعالى قد حرّم علينا الكذب، وأن نقول عليه ما لا نعلم . وقد تواتر عن النبي  أنه قال : (( من كَذَبَ عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار))(1) .

الوجه الثاني :  أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، وكل من له أدنى معرفة بالحديث يعلم أن هذا كذب موضوع لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث في كتاب يعتمد عليه : لا الصحاح، ولا السنن، ولا المسانيد المقبولة .

الثالث : أن هذا مما لا يجوز نسبته إلى النبي ،فإن قائل هذا كاذب، والنبي  منزّه عن الكذب . وذلك أن سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغرّ المحجلين هو رسول الله  باتفاق المسلمين .

فإن قيل : عليّ هو سيدهم بعده .

قيل : ليس في لفظ الحديث ما يدل على هذا التأويل، بل هو مناقض لهذا، لأن أفضل المسلمين المتّقين المحجّلين هم القرن الأول، ولم يكن لهم على عهد النبي  سيد ولا إمام ولا قائد ولا غيره، فكيف يخبر عن شيء لم يحضر، ويترك الخبر عما هو أحوج إليه، وهو حكمهم في الحال ؟ 

ثم القائد يوم القيامة هو رسول الله ، فمن يقود عليّ ؟ 

وأيضا فعند الشيعة جمهور المسلمين المحجّلين كفّار أو فسّاق، فلمن يقود؟ 

ثم كون عليّ سيدهم وإمامهم وقائدهم بعد رسول الله  مما يُعلم بالاضطرار أنه كذب، وأن رسول الله  لم يقل شيئا من ذلك، بل كان يفضّل عليه أبا بكر وعمر تفضيلاً بيِّناً ظاهرا عرفه الخاصة والعامة، حتى أن المشركين كانوا يعرفون منه ذلك . 

وكذلك قوله : (( هو وليّ كل مؤمن بعدي )) كذب على رسول الله ، بل هو في حياته وبعد مماته وليّ كل مؤمن، وكل مؤمن وليّه في المحيا والممات . فالولاية التي هي ضد العداوة لا تختص بزمان .

وأما قوله لعليّ : (( أنت مني وأنا منك )) فصحيح في غير هذا الحديث.

فقال للأشعريين : (( هم مني وأنا منهم )) كما قال لعليّ : (( أنت مني وأنا منك ))وقال لجليبيب : (( هذا مني وأنا منه ))( ) فعُلم أن هذه اللفظة لا تدل على الإمامة، ولا على أن من قيلت له كان هو أفضل الصحابة . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( العاشر : ما رواه الجمهور من قول النبي  : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض . 

وقال : أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح : من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق، وهذا يدل على وجوب التمسك بقول أهل بيته، وعليٌّ سيدهم، فيكون واجب الطاعة على الكل، فيكون هو الإمام )) . 

والجواب من وجوه : أحدها : أن لفظ الحديث الذي في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم : (( قام فينا رسول الله  خطيباً بماءٍ يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فقال : ((أما بعد : أيها الناس إنما أنا بشر فيكم يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب ربي، وإني تارك فيكم ثقلين : أولهما : كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به )) فحثّ على كتاب الله، ورغّب فيه . ثم قال : (( وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ))( ) . وهذا اللفظ يدل على أن الذي أُمرنا بالتمسك وجُعل المتمسك به لا يضل هو كتاب الله . 

وهكذا جاء في غير هذا الحديث، كما في صحيح مسلم عن جابر في حجّة الوداع لما خطب يوم عرفة وقال : (( قد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به : كتاب الله، وأنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون؟ )) قالوا : نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت . فقال بإصبعه السَّبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس : (( اللهم اشهد)) ثلاث مرات( ) .

وأما قوله : (( وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض( )  فهذا رواه الترمذي . وقد سئل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه، وضعفّه غير واحد من أهل العلم، وقالوا : لا يصح . وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة .

قالوا : ونحن نقول بذلك، كما ذكر الناس القاضي أبو يعلى وغيره .

لكن أهل البيت لم يتفقوا  ولله الحمد  على شيء من خصائص مذهب الرافضة، بل هم المبرّؤون المنزّهون عن التدنس بشيء منه . 

وأما قوله : (( مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح )) فهذا لا يعرف له إسناد صحيح، ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يُعتمد عليها، فإن كان قد رواه مثل من يروي أمثاله من حطّاب الليل الذين يروون الموضوعات فهذا مما يزيده وَهْناً . 

الوجه الثاني : أن النبي  قال عن عترته : إنها والكتاب لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وهو الصادق المصدوق، فيدل على إجماع العترة حجة . وهذا قول طائفة من أصحابنا، وذكره القاضي في (( المعتمد )) . لكن العترة هم بنو هاشم كلهم : ولد العباس، وولد عليّ، وولد الحارث بن عبد المطلب، وسائر بني أبي طالب وغيرهم . وعليٌّ وحده ليس هو العترة، وسيد العترة هو رسول الله .

الوجه الثالث : أن العترة لم تجتمع على إمامته ولا أفضليته، بل أئمة العترة كابن عباس وغيره يقدّمون أبا بكر وعمر في الإمامة والأفضلية. 

الوجه الرابع : أن هذا معارض بما هو أقوى منه، وهو أن إجماع الأمة حجة بالكتاب والسنّة والإجماع . والعترة بعض الأمة، فيلزم من ثبوت إجماع الأمة إجماع العترة . وأفضل الأمة أبو بكر كما تقدم ذكره ويأتي . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( الحادي عشر : ما رواه الجمهور من وجوب محبته وموالاته . روى أحمد بن حنبل في مسنده : أن رسول الله  أخذ بيد حسن وحسين، فقال : من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما فهو معي في درجتي يوم القيامة . 

وروى ابن خالويه عن حذيفة قال : قال رسول الله  : من أحب أن يتمسك بقصبة الياقوت التي خلقها الله بيده ثم قال لها، كوني، فكانت، فليتولّ عليّ بن أبي طالب من بعدي . وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله  لعليّ : حبك إيمان وبغضك نفاق، وأول من يدخل الجنة محبّك، وأول من يدخل النار مبغضك، وقد جعلك الله أهلاً لذلك، فأنت مني وأنا منك، ولا نبي بعدي . وعن شقيق بن سلمة عن عبد الله قال : رأيت رسول الله  وهو آخذ بيد عليّ وهو يقول : هذا وليّي وأنا وليّه، عاديت من عادى، وسالمت من سالم .وروى أخطب خوارزم عن جابر قال : قال رسول الله  : جاءني جبريل من عند الله بورقة خضراء مكتوب فيها بياض : إني قد افترضت محبة عليّ على خلقي فبلّغهم ذلك عني . والأحاديث في ذلك لا تحصى كثرة من طرق المخالفين، وهي تدل على أفضليته واستحقاقه للإمامة )) .

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بتصحيح النقل، وهيهات له بذلك. وأما قوله : (( رواه أحمد )) فيقال : أولا : أحمد له المسند المشهور، وله كتاب مشهور في فضائل الصحابة )) روى فيه أحاديث، لا يرويها في المسند لما فيها من الضعف، لكونها لا تصلح أن تُروى في المسند، لكونها من مراسيل أو ضعافاً بغير الإرسال . ثم إن هذا الكتاب زاد فيه ابنه عبد الله زيادات، ثم إن القطيعي  الذي رواه عن ابنه عبد الله  زاد عن شيوخه زيادات، وفيها أحاديث موضوعة باتفاق أهل المعرفة . 

وهذا الرافضي وأمثاله من شيوخ الرافضة الجهّال، فهم ينقلون من هذا المصنّف، فيظنون أن كل ما رواه القطيعي أو عبد الله قد رواه أحمد نفسه، ولا يميّزون بين شيوخ أحمد وشيوخ القطيعي . 

مع أن هذا الحديث الأول من زيادات القطيعي ، رواه عن نصر بن علي الجهضمي عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر . والحديث الثاني ذكره ابن الجوزي في (( الموضوعات )) وبيّن أنه موضوع . وأما رواية ابن خالويه فلا تدل على أن هذا الحديث صحيح باتفاق أهل العلم . وكذلك رواية خطيب خوارزم ؛ فإن في روايته من الأكاذيب المختلفة ما هو أقبح الموضوعات باتفاق أهل العلم . 

الوجه الثاني : أن هذه الأحاديث التي رواها ابن خالويه كذب موضوعة عند أهل الحديث . 

وكذلك قوله : أول من يدخل النار مبغضك . فهل يقول مسلم : إن الخوارج يدخلون النار قبل أبي جهل بن هشام وفرعون وأبي لهب وأمثالهم من المشركين ؟! 

وكذلك قوله : أول من يدخل الجنة محبّك . فهل يقول عاقل : إن الأنبياء والمرسلين سبب دخولهم الجنة أولا هو حبّ عليّ دون حبّ الله ورسوله وسائر الأنبياء والرسل، وحب الله ورسله ليس هو السبب في ذلك ؟ 

(فصــل)

قال الرافضي :الثاني عشر : روى أخطب خوارزم بإسناده عن أبي ذر الغفاري قال : قال رسول الله  : من ناصب عليًّا الخلافة فهو كافر، وقد حارب الله ورسوله، ومن شكَّ في عليّ فهو كافر . وعن أنس قال : كنت عند النبي  فرأى عليًّا مقبلاً فقال : أنا وهذا حجة الله على أمتي يوم القيامة . وعن معاوية بن حَيْدة القشيري قال : سمعت النبي  يقول لعليّ : من مات وهو يبغضك مات يهودياًّ أو نصرانياً )) .

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بتصحيح النقل . وهذا على سبيل التنزل،فإن مجرد رواية الموفق خطيب خوارزم لا تدل على أن الحديث ثابت قاله رسول الله ، وهذا لو لم يُعلم ما في الذي جمعه من الأحاديث من الكذب والفِرية، فأما من تأمَّل ما في جمع هذا الخطيب فإنه يقول : سبحانك هذا بهتان عظيم ! 

الثاني :  أن كل من له معرفة بالحديث يشهد أن هذه الأحاديث كذب مفتراة على رسول الله .

الثالث : أن هذه الأحاديث إن كانت مما رواه الصحابة والتابعون فأين ذكرها بينهم ؟ ومن الذي نقلها عنهم ؟ وفي أي كتاب وُجد أنهم رووها ؟ ومن كان خبيرا بما جرى بينهم علم بالاضطرار أن هذه الأحاديث مما ولّدها الكذّابون بعدهم، وأنها مما عملت أيديهم . 

الوجه الرابع : أن يُقال : علمنا بأن المهاجرين والأنصار كانوا مسلمين يحبون الله ورسوله، وأن النبي  كان يحبّهم ويتولاهم، وأن أبا بكر الإمام بعد رسول الله . أعظم من علمنا بصحة شيء من هذه الأحاديث، فكيف يجوز أن يُرد ما علمناه بالتواتر المتيقن بأخبار هي أقل وأحقر من أن يُقال لها: أخبار آحاد لا يُعلم لها ناقل صادق، بل أهل العلم بالحديث متفقون على أنها من أعظم المكذوبات، ولهذا لا يوجد منها شيء في كتب الأحاديث المعتمدة، بل أئمة الحديث كلهم يجزمون لكذبها . 

الوجه الخامس : أن القرآن يشهد في غير موضع برضا الله عنهم وثنائه عليهم، كقوله تعالى : وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ(1) .

الوجه السادس :  أن هذه الأحاديث تقدح في عليّ، وتوجب أنه كان مكذّبا بالله ورسوله، فيلزم من صحتها كفر الصحابة كلهم : هو وغيره . أما الذين ناصبوه الخلاف فإنهم في هذا الحديث المفترى كفّار . وأما عليّ فإنه لم يعمل بموجب هذه النصوص، بل كان يجعلهم مؤمنين مسلمين . وشر من قاتلهم عليّ هم الخوارج، ومع هذا فلم يحكم فيهم بحكم الكفّار، بل حرّم أموالم وسبيهم، وكان يقول لهم قبل قتالهم : إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ولا حقكم فينا . ولما قتله ابن ملجم قال : إن عشت فأنا وليّ دمى، ولم يجعله مرتداً بقتله . 

وأما أهل الجمل فقد تواتر عنه أنه نهى عن أن يتّبع مدبرهم، وأن يجهز على جريحهم، وأن يقتل أسيرهم وأن تغنم أموالهم، وأن تسبى ذراريهم . فإن كان هؤلاء كفّارا بهذه النصوص، فعليّ أول من كذّب بها، فيلزمهم أن يكون عليّ كافرا . 

وكذلك أهل صفّين كان يصلّي على قتلاهم، ويقول : إخواننا بَغَوْا علينا طهّرهم السيف . ولو كان عنده كفّارا لما صلّى عليهم، ولا جعلهم إخوانه، ولا جعل السيف طُهراً لهم . 

وليس المقصود هنا الكلام في التكفير، بل التنبيه على أن هذه الأحاديث مما يُعلم بالاضطرار أنها كذب على النبي ، وأنها مناقضة لدين الإسلام، وأنها تستلزم تكفير عليّ وتكفير من خالفه، وأنه لم يقلها من يؤمن بالله واليوم الآخر، فضلا عن أن تكون من كلام رسول الله ، بل إضافتها  والعياذ بالله  إلى رسول الله من أعظم القدح والطعن فيه. 

ولا شك أن هذا فعل زنديق ملحد لقصد إفساد دين الإسلام، فلعن الله من افتراها، وحسبه ما وعده به الرسول حيث قال : (( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار )) . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( قالت الإمامية : إذا رأينا المخالف لنا يورد مثل هذه الأحاديث، ونقلنا نحن أضعافها عن رجالنا الثقات، وجب علينا المصير إليها، وحرم العدول عنها ))  .

والجواب أن يقال : لا ريب أن رجالكم الذين وثّقتموهم غايتهم أن يكونوا من جنس من يروي هذه الأحاديث من الجمهور، فإذا كان أهل العلم يعلمون بالاضطرار أن هؤلاء كذّابون، وأنتم أكذب منهم وأجهل، حَرُم عليكم العمل بها والقضاء بموجبها . والاعتراض على هذا الكلام من وجوه . 

أحدها :  أن يقال لهؤلاء الشيعة : من أين لكم أن الذين نقلوا هذه الأحاديث في الزمان القديم ثقات، وأنتم لم تدركوهم ولم تعلموا أحوالهم ولا لكم كتب مصنَّفة تعتمدون عليها في أخبارهم التي يُميّز بها بين الثقة وغيره، ولا لكم أسانيد تعرفون رجالها ؟ بل علمكم بكثير مما في أيديكم شر من علم كثير من اليهود والنصارى بما في أيديهم، بل أولئك معهم كتب وضعها لهم هلال وشماس وليس عند جمهورهم ما يعارضها. 

وأما أنتم فجمهور المسلمين دائما يقدحون في روايتكم، ويبينون كذبكم، وأنتم ليس لكم علم بحالهم . ثم قد عُلم بالتواتر الذي لا يمكن حجبه كثرة الكذب وظهوره في الشيعة من زمن عليّ وإلى اليوم . وأنتم تعلمون أن أهل الحديث يبغضون الخوارج، ويروون فيهم عن النبي  أحاديث كثيرة صحيحة، وقد روى البخاري بعضها، وروى مسلم عشرة منها، وأهل الحديث متدينون بما صح عندهم عن النبي ، ومع هذا فلم يحملهم بغضهم للخوارج على الكذب عليهم، بل جرّبوهم فوجدوهم صادقين . وأنتم يشهد عليكم أهل الحديث والفقهاء والمسلمون والتجّار والعامة والجند، وكل من عاشركم وجربكم قديما وحديثا،أن طائفتكم أكذب الطوائف، وإذا وُجد فيها صادق، فالصادق في غيرها أكثر، وإذا وجد في غيرها كاذب، فالكاذب فيها أكثر . 

ولا يخفى هذا على عاقل منصف، وأما من اتّبع هواه فقد أعمى الله قلبه، ومن يضلل الله فلن تجد له وليا مرشدا .

(فصــل)

قال الرافضي : (( المنهج الرابع : في الأدلة الدالّة على إمامته المستنبطة من أحواله وهي اثنا عشر )) . 

ثم ذكر : كان أزهد الناس وأعبدهم وأعلمهم وأشجعهم، وذكر أنواعاً من خوارق العـادات له ، واجتماع الفضائل على أوجه تقدّم بها عليهم ، فـقال :

(( الأول : أنه كان أزهد الناس بعد رسول الله  )) . 

والجواب : المنع ؛ فإن أهل العلم بحالهما يقولون : أزهد الناس بعد رسول الله  الزهد الشرعي : أبو بكر وعمر . وذلك أن أبا بكر كان له مال يكتسبه فأنفقه كله في سبيل الله،وتولّى الخلافة، فذهب إلى السوق يبيع ويكتسب، فلقيه عمر وعلى يده أبراد، فقال له : أين تذهب ؟ فقال: أظننت أنّي تارك طلب المعيشة لعيالي ؟ فأخبر بذلك أبا عبيدة والمهاجرين، ففرضوا له شيئا، فاستخلف عمر وأبا عبيدة، فحلفا لهُ أنه يُباح له أخذ درهمين كل يوم، ثم ترك ماله في بيت المال، ثم لما حضرته الوفاة أمر عائشة أن تردّ إلى بيت المال ما كان قد دخل في ماله من مال المسلمين، فوجدت جرد قطيفة لا يساوي خمس دراهم، وحبشية ترضع ابنه، أو عبداً حبشياً وبعيراً ناضحا، فأرسلت بذلك إلى عمر . فقال عبد الرحمن بن عوف له : أتسلب هذا عيال أبي بكر ؟ فقال : كلا ورب الكعبة، لا يتأثّم منه أبو بكر في حياته، وأتحمله أنا بعد موته . 

وقال بعض العلماء : عليّ كان زاهداً، ولكن الصدّيق أزهد منه ؛ لأن أبا بكر كان له المال الكثير في أول الإسلام والتجارة الواسعة، فأنفقه في سبيل الله، وكان حاله في الخلافة ما ذُكر، ثم ردّ ما تركه لبيت المال . 

فصح بالبرهان الضروري أن أبا بكر رضي الله عنه أزهد من جميع الصحابة، ثم عمر رضي الله تعالى عنه )) . 

(فصــل)

قال الرافضي :  علي قد طلق الدنيا ثلاثا، وكان قوته جريش الشعير، وكان يختمه لئلا يضع الإمامان فيه أُدْماُ، وكان يلبس خشن الثياب وقصيرها، ورقّع مدرعته حتى استحى من رقعها،وكان حمائل سيفه ليفا وكذا نعله . 

وروى أخطب خوارزم  عن عمّار قال : سمعت رسول الله  يقول : (( يا عليّ إنَّ الله زيّنك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إلى الله منها : زَّهَدك في الدنيا، وبغَّضها إليك، وحبَّب إليك الفقراء، فرضيت بهم أتباعاً، ورضوا بك إماماً . يا عليّ طوبى لمن أحبك وصدق عليك، والويل لمن أبغضك وكذب عليك . أما من أحبّك وصدق عليك فإخوانك في دينك، وشركاؤك في جنتك . وأما من أبغضك وكذب عليك فحقيق على الله أن يقيمهم مقام الكذّابين . 

قال سويد بن غفلة : دخلت على عليّ العصر، فوجدته جالساً بين يديه صفحة فيها لبن حار، وأجد ريحه من شدة حموضته، وفي يده رغيف أرى قشار الشعير في وجهه وهو يكسر بيده أحيانا، فإذا غلبه كسره بركبته، فطرحه فيه، فقال : ادن فأَصِب من طعامنا هذا . فقلت : إني صائم . فقال : سمعت رسول الله  يقول : من منعه الصيام عن طعام يشتهيه كان حقًّا على الله أن يطعمه من طعام الجنة ويسقيه من شرابها . قال : قلت لجاريته وهي قائمة : ويحك يا فضة، ألا تتقين الله في هذا الشيخ ؟ ألا تنخلين طعامه مما أرى فيه من النخال ؟ فقالت : لقد عهد إلينا أن لا ننخل له طعاما . قال : ما قُلْتَ لها ؟ فَأَخْبَرْتُهُ . قال : بأبي وأمي من لم يُنخل له طعام، ولم يشبع من خبز البُرّ ثلاثة أيام حتى قبضه الله عز وجل، واشترى يوما ثوبين غليظين، فخيّر قنبرا فيهما فأخذ واحداً ولبس هو الآخر، ورأى في كمّه طولا عن أصابعه فقطعه. وقال ضرار بن ضمرة : دخلت على معاوية بعد قتل أمير المؤمنين عليّ، فقال : صف لي عليًّا . فقلت : أعفني . فقال : لا بد من ذلك . فقلت : أما إذ لا بد، فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزينتها، ويستأنس بالليل ووحشته . وكان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما قشب، وكان فينا كأحدنا : يجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن  والله  مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلّمه هيبة له، يعظّم أهل الدين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله . فأشهد بالله لقد رَأَيْتُه وهو يقول : يا دنيا غرِّي غيري . أَلِيَ تعرضت ؟ أم إليّ تشوفت ؟ هيهات ! قد أبنتك ثلاثا، لا رجعة فيك، عمرك قصير، وخطرك كثير، وعيشك حقير . 

آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق ! فبكى معاوية، وقال : رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك، فما حزنك عليه يا ضرار ؟ قال : حزن من ذُبح ولدها في حجرها، فلا ترقأ عبرتها، ولا يسكن حزنها)). 

والجواب :  أما زهد عليّ رضي الله عنه في المال فلا ريب فيه، لكن الشأن أنه كان أزهد من أبي بكر وعمر، وليس فيما ذكره ما يدل على ذلك، بل ما كان فيه حقًّا فلا دليل فيه على ذلك، والباقي : إما كذب، وإما ما لا مدح فيه . 

أما كونه طلٌّق الدنيا ثلاثا : فمن المشهور عنه أنه قال : (( يا صفراء، يا بيضاء، قد طلقتك ثلاثا، غُرِّي غيري، لا رجعة لي فيك )) لكن هذا لا يدل على أنه أزهد ممن لم يقل هذا ؛ فإن نبينا عيسى ابن مريم وغيرهما كانوا أزهد منه، ولم يقولوا هذا . ولأن الإنسان إذا زهد لم يجب أن يقول بلسانه : قد زهدت، وليس كل من قال : زهدت، يكون قد زهد، فلا عدم هذا الكلام يدل على عدم الزهد، ولا وجوده يدل على وجوده، فلا دلالة فيه . 

وأما قوله : إنه كان دائماً يقتات جريش الشعير بلا أُدم . 

فلا دلالة في هذا لوجهين : أحدهما : أنه كذب . والثاني : أنه لا مدح فيه . فرسول الله  إمام الزهّاد كان لا يردّ موجوداً، ولا يتكلف مفقوداً، بل إن حضر لحم دجاج أكله، أو لحم غنم أكله، أو حلواء أو عسل أو فاكهة أكله، وإن لم يجد شيئا لم يتكلّفه، وكان إذا حضر طعاما : فإن اشتهاه أكله وإلا تركه، ولا يتكلف ما لا يحضر، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، وقد كان يقيم الشهر والشهرين لا يُوقد في بيته نارٌ .

وأما قوله :  (( كان حمائل سيفه ليفا، ونعله ليفا )) . 

فهذا أيضا كذب ولا مدح فيه ؛ فقد رُوى أن نعل رسول الله  كان من الجلود، وحمائل سيف النبي  كانت ذهبا وفضة . والله قد يسَّر الرزق عليهم، فأي مدح في أن يعدلوا عن الجلود مع تيسيرها ؟ وإنما يمدح هذا عند العدم . 

كما قال أبو أمامة الباهلي : (( لقد فتح البلاد أقوام كانت خُطُم خيلهم ليفاً، وركْبِهم العَلاَبِيّ )) رواه البخاري(1).

وحديث عمّار عن الموضوعات، وكذلك حديث سويد بن غفلة ليس مرفوعاً إلى النبي  .

(فصــل)

قال الرافضي : (( وبالجملة زهده لم يلحقه أحد فيه، ولا سبقه أحد إليه . وإذا كان أزهد كان هو الإمام، لامتناع تقدم المفضول عليه )) . 

والجواب :  أن كلتا القضيتين باطلة : لم يكن أزهد من أبي بكر وعمر، ولا كل من كان أزهد كان أحقَّ بالإمامة . وذلك أن عليًّا كان له من المال والسرارى ولأهله ما لم يكن لأبي بكر وعمر . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( الثاني : أنه كان أعبد الناس : يصوم النهار، ويقوم الليل، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل ونوافل النهار، وأكثر العبادات والأدعية المأثورة عنه تستوعب الوقت، وكان يصلّي في ليله ونهاره ألف ركعة، ولم يخل في صلاة الليل  حتى في ليلة الهرير .

وقال ابن عباس : رأيته في حربه وهو يرقب الشمس، فقلت : يا أمير المؤمنين ماذا تصنع ؟ قال : انظر إلى الزوال لأصلّي . فقلت : في هذا الوقت؟ فقال : إنما نقاتلهم على الصلاة . 

فلم يغفل عن فعل العبادات في أول وقتها في أصعب الأوقات .

وكان إذا أُريد إخراج الحديد من جسده يترك إلى أن يدخل في الصلاة، فيبقى متوجها إلى الله غافلا عمَّا سواه، غير مدرك للآلام التي تفعل به.

وجمع بين الصلاة والزكاة، وتصدٌّق وهو راكع، فأنزل الله تعالى فيه قرآنا يُتلى . 

وتصدّق بقوته وقوت عياله ثلاثة أيام، حتى أنزل الله فيهم : هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ( ) وتصدق ليلاً ونهاراً، وسراًّ وعلانية، وناجى الرسول فقدَّم بين يدي نجواه صدقة، فأنزل الله فيه قرآناً وأعتق ألف عبدٍ من كسب يده، وكان يؤجر نفسه وينفق على رسول الله  في الشعب . وإذا كان أعبد الناس كان أفضل، فيكون هو الإمام )) .

والجواب : أن يُقال : هذا الكلام فيه من الأكاذيب المختلفة ما لا يخفى إلا على أجهل الناس بأحوال القوم . ومع أنه كذب ولا مدح فيه ولا في عامة الأكاذيب، فقوله : إنه كان يصوم النهار ويقوم الليل كذب عليه . وقد تقدّم قول النبي  : (( لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني )) .

وفي الصحيحين عن علي، قال : طرقني رسول الله  وفاطمة، فقال : ((ألا تقومان فتصليان ؟ فقلت : يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله، إذا شاء أن يبعثنا بعثنا : قال فولى . وهو يضرب فخذه ويقول : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً( ) . فهذا الحديث دليل على نومه في الليل مع إيقاظ النبي ، ومجادلته حتى ولّى وهو يقول : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً .

وقول القائل : (( ومنه تعلم الناس صلاة الليل ونوافل النهار)).

إن أراد بذلك : أن بعض المسلمين تعلّم ذلك منه، فهكذا كلٌّ من الصحابة علّم بعض الناس . 

وإن أراد أن المسلمون تعلّموا ذلك منه، فهذا من الكذب البارد . فأكثر المسلمين ما رأَوْه، وقد كانوا يقومون الليل ويتطوعون بالنهار، فأكثر بلاد المسلمين التي فُتحت في خلافة عمر وعثمان رضي الله عنهما، كالشام ومصر والمغرب وخُراسان ما رَأوْه، فكيف يتعلّمون منه ؟ والصحابة كانوا كذلك في حياة النبي ، ومنه تعلّموا ذلك، ولا يمكن أن يُدَّعى ذلك إلا في أهل الكوفة . 

ومعلوم أنهم كانوا تعلّموا ذلك من ابن مسعود رضي الله عنه وغيره قبل أن يقدم إليهم، وكانوا من أكمل الناس علماً ودينا قبل قدوم عليّ رضي الله عنه إليهم، والصحابة كانوا كذلك،وأصحاب ابن مسعود كانوا كذلك قبل أن يقدم إليهم العراق . 

وأما قوله : (( الأدعية المأثورة عنه تستوعب الوقت )) . 

فعامتها كذب عليه . وهو كان أجلّ قدراً من أن يدعو بهذه الأدعية التي لا تليق بحاله وحال الصحابة، وليس لشيء من هذه إسناد . والأدعية الثابتة عن رسول الله  هي أفضل ما دعا به أحد، وبها يدعو خيار هذه الأمة من الأوّلين والآخرين .

وكذلك قوله : (( إنه كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة )) .

من الكذب الذي لا مدح فيه ؛ فإن النبي  كان مجموع صلاته في اليوم والليلة أربعين ركعة : فرضاً ونفلا. والزمان لا يتسع لألف ركعة لمن وَلِيَ أمر المسلمين، مع سياسة الناس وأهله، إلا أن تكون صلاته نقراً كنقر الغراب، وهي صلاة المنافقين التي نزّه الله عنها عليًّا . 

وأما ليالي صفّين، فالذي ثبت في الصحيح أنه قال الذكر الذي علّمه رسول الله  لفاطمة : قال : ما تركته منذ سمعته من النبي . قيل : ولا ليلة صفّين ؟ قال : ولا ليلة صفين، ذكرته من السحر فقلته(1) .

وما ذَكَرَ من إخراج الحديد من جسده فكذب . فإن عليًّا لم يُعرف أنه دخل فيه حديد . وما ذَكَرًه من جمعه بين الصلاة والزكاة، فهذا كذب كما تقدّم ولا مدح فيه، فإن هذا لو كان مستحبًّا لشُرع للمسلمين، ولو كان يستحب للمسلمين أن يتصدّقوا وهم في الصلاة لتصدّقوا، فلما لم يستحب هذا أحدٌ من المسلمين علمنا أنه ليس عبادة بل مكروه . 

وكذلك ما ذَكَره من أمر النذر والدراهم الأربعة قد تقدّم أن هذا كله كذب،وليس فيه كبير مدح . 

وقوله : (( أعتق ألف عبد من كسب يده )) . 

من الكذب الذي لا يروج إلا على أجهل الناس ؛ فإن عليًّا لم يعتق ألف عبد، بل ولا مائة، ولم يكن له كسب بيده يقوم بعُشْر هذا ؛ فإنه لم تكن له صناعة يعملها، وكان مشغولا : إما بجهاد وإما بغيره . 

وكذلك قوله : (( كان يؤجر نفسه وينفق على النبي  في الشعب )) . 

كذب بيِّنٌ من وجـــــوه :

أحدها : أنهم لم يكونوا يخرجون من الشعب، ولم يكن في الشعب من يستأجره . 

والثاني :  أن أباه أبا طالب كان معهم في الشعب، وكان ينفق عليه . 

والثالث :  أن خديجة كانت موسرة تنفق من مالها . 

والرابع : أن عليًّا لم يؤجر نفسه بمكة قط، وكان صغيراً حين كان في الشعب : إما مراهقا، وإما محتلما، فكان عليٌّ في الشعب ممن يُنفِق عليه : إما النبي  وإما أبوه، لم يكن ممن يمكنه أن ينفق على نفسه، فكيف ينفق على غيره ؟ 

(فصــل)

قال الرافضي : (( الثالث : أنه كان أعلم الناس بعد رسول الله  )) . 

والجواب : أن أهل السنّة يمنعون ذلك ويقولون ما أتفق عليه علماؤهم : إن أعلم الناس بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر . وقد ذكر غير واحد الإجماع على أن أبا بكر أعلم الصحابة كلهم، ودلائل ذلك مبسوطة في موضعها ؛ فإنه لم يكن أحدٌ يقضي ويخطب ويُفتى بحضرة النبي  إلا أبو بكر رضي الله عنه، ولم يشتبه على الناس شيء من أمر دينهم إلا فصّله أبو بكر ؛ فإنهم شكّوا في موت النبي  فبيّنه أبو بكر، ثم شكّوا في مدفنه فبيّنه، ثم شكّوا في قتال مانعي الزكاة فبيّنه أبو بكر، وبيّن لهم النص في قوله تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ( ) ، وبيّن لهم أن عبداً خيّره الله بين الدنيا والآخرة،ونحو ذلك . 

وفسَّر الكلالة فلم يختلفوا عليه . 

وكان عليٌّ وغيره يروون عن أبي بكر، كما في السنن عن عليّ قال : كنت إذا سمعت من النبي  حديثاً نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، فإذا حدّثني غيره استحلفته فإذا حلف لي صدّقته، وحدثني أبو بكر  وصدق أبو بكر  قال : قال رسول الله  : (( ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلّي ركعتين يستغفر الله تعالى إلا غفر له ))( ) . 

وقد نقل غير واحد الإجماع على أن أبا بكر أعلم من عليّ، منهم الإمام منصور بن عبد الجبار السمعاني المروزى أحد أئمة الشافعية . وذكر في كتابه (( تقويم الأدلة )) الإجماع من علماء السنة : أن أبا بكر أعلم من عليّ، كيف وأبو بكر كان بحضرة النبي  يُفتى ويأمر وينهى ويخطب، كما كان يفعل ذلك إذا خرج النبي  - هو وإياه  يدعو الناس  إلى الإسلام، ولما هاجر، ويوم حنين، وغير ذلك من المشاهد، وهو ساكت يقرّه، ولم تكن هذه المرتبة لغيره . 

وأما قو له : (( قال رسول الله  : أقضاكم عليّ . والقضاء يستلزم العلم والدين )) . 

فهذا الحديث لم يثبت، وليس له إسناد تقوم به الحجة . 

وقوله : (( أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل )) أقوى إسناداً منه،والعلم بالحلال والحرام ينتظم للقضا أعظم مما ينتظم للحلال والحرام .

وهذا الثاني قد رواه الترمذي( ) وأحمد، والأول لم يروه أحد في السنن المشهورة، ولا المسانيد المعروفة، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، وإنما يروى من طريق من هو معروف بالكذب .

وحديث : (( أنا مدينة العلم وعليّ بابها )) أضعف وأوهى، ولهذا إنما يعدّ في الموضوعات، وإن رواه الترمذي( ) ، وذكره ابن الجوزي وبيّن أن سائر طرقه موضوعة، والكذب يعرف من نفس متنه، فإن النبي  إذا كان مدينة العلم، ولم يكن لها إلا باب واحد، فسد أمر الإسلام . ولهذا اتفق المسلمون على أنه لا يجوز أن يكون المبلّغ عنه العلم واحداً، بل يجب أن يكون المبلّغون أهل التواتر، الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب .

وإذا قالوا : ذلك الواحد المعصوم يحصل العلم بخبره . 

قيل لهم : فلا بد من العلم بعصمته أولا . وعصمته لا تثبت بمجرد خبره قبل أن يُعلم عصمته، فإنه دَوْر، ولاتثبت بالإجماع، فإنه لا إجماع فيها . وعند الإمامية إنما يكون الإجماع حجة، لأن فيهم الإمام المعصوم، فيعود الأمر إلى إثبات عصمته بمجرد دعواه، فعُلم أن عصمته لو كانت حقًّا لا بد أن تُعلم بطريق آخر غير خبره . 

فلو لم يكن لمدينة العلم باب إلا هو، لم يثبت لا عصمته ولا غير ذلك من أمور الدين، فعُلم أن هذا الحديث إنما افتراه زنديق جاهل ظنّه مدحا، وهو مطرق الزنادقة إلى القدح في دين الإسلام ؛ إذ لم يبلّغه إلا واحد. 

ثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر ؛ فإن جميع مدائن الإسلام بَلَغَهم العلم عن الرسول من غير عليّ . 

(فصــل)

قال الرافضي : وفيه نزل قوله تعالى : وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ.

والجواب : أنه حديث موضوع باتفاق أهل العلم، ومعلوم بالاضطرار أن الله تعالى لم يرد بذلك أن لا تعيها إلا أُذن واعية واحدة من الآذان، ولا أُذن شخص معين، لكن المقصود النوع، فيدخل في ذلك كل أُذن واعية .

(فصــل) 

قال الرافضي : ((وكان في غاية الذكاء، شديد الحرص على التعلم، ولازم رسول الله  الذي هو أكمل الناس ملازمة ليلا ونهارا،ومن صغره إلى وفاة رسول الله  )) . 

والجواب : أن يُقال : من أين علم أنه أذكى من عمر، ومن أبي بكر وأنه كان أرغب في العلم منهما ؟. 

وفي الصحيحين أن النبي  قال : (( إنه كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر ))(1) والمحدث الملهم يلهمه الله،وهذا قدر زائد على تعليم البشر .

ولا ريب أن أبا بكر كان ملازما للنبي  أكثر من عليّ، ومن كل أحد، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما أكثر اجتماعا بالنبي  من عليّ بكثير. فكان يسمر معهما في أمر المسلمين . والمسائل التي تنازع فيها عمر وعليّ في الغالب يكون فيها قول عمر أرجح، كمسألة الحامل المتوفى عنها زوجها، ومسألة الحرام . كما تقدم . 

(فصــل)

قال الرافضي : ((وقال  : العلم في الصغر كالنقش في الحجر . فتكون علومه أكثر من علوم غيره، لحصول القابل الكامل، والفاعل التام )) . 

والجواب :  أن هذا من عدم علم الرافضي بالحديث ؛ فإن هذا مَثَلٌ سائر، ليس من كلام النبي  . وأصحابه أيّدهم الله تعالى، فتعلموا الإيمان والقرآن والسنن، ويسَّر الله ذلك عليهم . وكذلك عليّ ؛ فإن القرآن لم يكمل حتى صار لعليّ نحواً من ثلاثين سنة، فإنما حفظ أكثر ذلك في كبره لا في صغره . وقد اختُلف في حفظه لجميع القرآن على قولين . 

والأنبياء أعلم الخلق، ولم يبعث الله نبيًّا إلا بعد الأربعين، إلا عيسى . وتعليم النبي  كان مطلقاً، لم يكن يخص به أحداً، ولكن بحسب استعداد الطالب . ولهذا حفظ عنه أبو هريرة في ثلاث سنين أخرى ما لم يحفظ غيره . وكان اجتماع أبي بكر به أكثر من سائر الصحابة  . 

وأما قوله :  (( إن الناس منه استفادوا العلوم )) . 

فهذا باطل ؛ فإن أهل الكوفة  التي كانت داره  كانوا قد تعلّموا الإيمان، والقرآن وتفسيره، والفقه، والسنّة من ابن مسعود وغيره، قبل أن يقدم عليٌّ الكوفة . 

وإذا قيل : إن أبا عبد الرحمن قرأ عليه،فمعناه : عرض عليه . وإلا فأبو عبد الرحمن كان قد حفظ القرآن قبل أن يقدم عليّ الكوفة . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( وأما النحو فهو واضعه . قال لأبي الأسود : الكلام كله ثلاثة أشياء : اسم، وفعل، وحرف . وعلَّمه وجوه الإعراب )) .

والجواب : أن يُقال :أوّلا : هذا ليس من علوم النبوة، وإنما هو علم مستنبط، وهو وسيلة في حفظ قوانين اللسان، الذي نَزَل به القرآن، ولم يكن في زمن الخلفاء الثلاثة لحنٌ، فلم يُحتَج إليه . فلما سكن عليٌّ الكوفة، وبها الأنباط، رُوى أنه قال لأبي الأسود الدؤلي:(( الكلام اسم وفعل وحرف)). وقال : (( انح هذا النحو )) ففعل هذا للحاجة . كما أن من بعد عليّ أيضا استخرج للخط النقط والشكل، وعلامة المد والشد، ونحوه للحاجة . 

ثم بعد ذلك بَسَط النحو نحاة الكوفة والبصرة، والخليل استخرج علم العروض . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( وفي الفقه : الفقهاء يرجعون إليه )) .

والجواب : أن هذا كذب بيِّن ؛ فليس في الأئمة الأربعة  ولا غيرهم من أئمة الفقهاء  من يرجع إليه في فقهه . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( الرابع : أنه كان أشجع الناس، وبسيفه ثبتت قواعد الإسلام، وتشيَّدت أركان الإيمان، ما انهزم في مواطن قطّ، ولا ضرب بسيفٍ إلاّ قطّ، طالما كشف الكرب عن وجه رسول الله  ، ولم يفرّ كما فرّ غيره، ووقاه بنفسه لما بات على فراشه، مستترا بإزاره، فظنّه المشركون إيَّاه، وقد اتفق المشركون على قتل رسول الله ، فأحدقوا به وعليهم السلاح، يرصدون طلوع الفجر ليقتلوه ظاهرا، فيذهب دمه، لمشاهدة بني هاشم قاتليه من جميع القبائل، ولا يتم لهم الأخذ بثأره لاشتراك الجماعة في دمه، ويعود كل قبيل عن قتال رهطه . وكان ذلك سبب حفظ دم رسول الله ، وتمَّت السلامة، وانتظم به الغرض في الدعاء إلى الملة، فلما أصبح القوم، ورأوا الفتك به، ثار إليهم، فتفرَّقوا عنه حين عرفوه، وانصرفوا وقد ضلت حيلتهم، وانتقض تدبيرهم )) . 

والجواب :  أنه لا رَيْب أن عليًّا رضي الله عنه كان من شجعان الصحابة، وممن نصر الله الإسلام بجهاده، ومن كبار السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار، ومن سادات من آمن بالله واليوم الآخر و جاهد في سبيل الله، وممن قتل بسيفه عدداً من الكفّار . لكن لم يكن هذا من خصائصه، بل غير واحد من الصحابة شاركه في ذلك، فلا يثبت بهذا فضله في الجهاد على كثير من الصحابة، فضلاً عن أفضليته على الخلفاء، فضلاً عن تعيينه للإمامة . 

وأما قوله : (( إنه كان أشجـع الناس )) .

فهذا كذب، بل كان أشجع الناس رسول الله  . كما في الصحيحين عن أنس قال : كان النبي  أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس. ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قِبَل الصوت،فتلقّاهم النبي  راجعاً وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عرى، في عنقه السيف، وهو يقول : (( لن تراعوا)) . 

قال البخاري :استقبلهم وقد استبرأ الخبر(1) .

وفي المسند عن عليّ رضي الله عنه قال : (( كان إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله ، فهو كان أقرب إلى العدوّ منا ))( ) .

وكان عليّ وغيره  يتّقون برسول الله  لأنه أشجع منهم، وإن كان أحدهم قد قتل بيده أكثر مما قتل النبي .

والمقصود هنا أن أبا بكر كان أشجع الناس، ولم يكن بعد الرسول  أشجع منه .ولهذا لما مات النبي ، ونزلت بالمسلمين أعظم نازلة نزلت بهم، حتى أوهنت العقول، وطيّشت الألباب، واضطربوا اضطراب الأرشية في الطَّوَيِّ البعيدة القعر، فهذا ينكر موته، وهذا قد أُقعد، وهذا قد دُهش فلا يعرف من يمر عليه ومن يسلّم عليه، وهؤلاء يضجون بالبكاء، وقد وقعوا في نُسْخَة القيامة، وكأنها قيامة صغرى مأخوذة من القيامة الكبرى، وأكثر البوادي قد ارتدوا عن الدين، وذلّت كُمَاتُهُ، فقام الصدِّيق رضي الله عنه بقلب ثابت، وفؤاد شجاع، فلم يجزع، ولم ينكل، قد جُمع له بين الصبر واليقين، فأخبرهم بموت النبي ، وأن الله اختار له ما عنده، وقال لهم : (( من كان يعبد محمداً فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت)) . 

فالشجاعة المطلوبة من الإمام لم تكن في أحدٍ بعد رسول الله  أكمل منها في أبي بكر، ثم عمر . وأما القتل فلا ريب أن غير عليّ من الصحابة قتل من الكفّار أكثر مما قتل عليّ، فإن كان من قتل أكثر يكون أشجع، فكثير من الصحابة أشجع من عليّ، فالبراء بن مالك  أخو أنس  قتل مائة رجل مبارزةً، غير من شورك في دمه . وأما خالد بن الوليد فلا يُحْصِي عدد من قتله إلا الله، وقد انكسر في يده في غزوة مؤتة تسعة أسياف، ولا ريب أنه قتل أضعاف ما قتله عليّ . 

(فصــل)

قلت : وأما قوله : (( بسيفه ثبت قواعد الإسلام وتشيدت أركان الدين)).

فهذا كذب ظاهر لكل من عرف الإسلام، بل سيفه جزء من أجزاء كثيرة، جزء من أجزاء أسباب تثبيت قواعد الإسلام، وكثير من الوقائع التي ثبت بها الإسلام لم يكن لسيفه فيها تأثير، كيوم بدر : كان سيفا من سيوف كثيرة . 

(فصــل)

وأما قوله : (( ما انهزم قــط)) .

فهو في ذلك كأبي بكر وعمر وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم . فالقول في أنه ما انهزم، كالقول في أن هؤلاء ما انهزموا قط . ولم يعرف لأحدٍ من هؤلاء هزيمة، وإن كان قد وقع شيء في الباطن ولم يُنقل، فيمكن أن عليًّا وقع منه ما لم يُنقل . 

والمسلمون كانت لهم هزيمتان : يوم أحد، ويوم حنين . ولم يُنقل أن أحداً من هؤلاء انهزم، بل المذكور في السِّيَر والمغازي أن أبا بكر وعمر ثبتا مع النبي  يوم أحد ويوم حنين، ولم ينهزما مع من انهزم . ومن نَقَلَ أنهما انهزما يوم حُنين فكذبه معلوم . وإنما الذي انهزم يوم أُحد عثمان . وقد عفا الله عنه . وما نقل من انهزام أبي بكر وعمر بالراية يوم حُنين فمن الأكاذيب المختلفة التي افتراها المفترون . 

وقوله : (( ما ضرب بسيفه إلا قط )) .

فهذا لا يعلم ثبوته ولا انتفاؤه، وليس معنا في ذلك نقل يعتمد عليه . ولو قال قائل في خالد والزبير والبراء بن مالك وأبي دجانة وأبي طلحة ونحوهم : إنه ما ضرب بسيفه إلا قط، كان القول في ذلك كالقول في عليّ، بل صدق هذا في مثل خالد والبراء بن مالك أَوْلى.

فإن النبي  قال : (( خالد سيف من سيوف الله سلَّه الله على المشركين)). فإذا قيل فيمن جعله الله من سيوفه : إنه ما ضرب إلا قطّ، كان أقرب إلى الصدق، مع كثرة ما عُلم من قتل خالد في الحروب، وأنه لم يزل منصورا .

وأما قوله : (( وطالما كشف الكروب عن وجه النبي  )) . 

فهذا كذب بيّن، من جنس أكاذيب الطرقيّة ؛ فإنه لا يعرف أن عليًّا كشف كربة عن وجه النبي  قط، بل ولا يُعرف ذلك عن أبي بكر وعمر، وهما كانا أكثر جهادا منه، بل هو  الذي طالما كشف عن وجوههم الكرب . 

لكن أبو بكر د فع عنه لما أراد المشركون أن يضربوه ويقتلوه بمكة، جعل يقول : (( أتقتلون رجلاً أن يقول : رَبِّيَ الله )) حتى ضربوا أبا بكر . ولم يعرف أن عليًّا فَعَل مثل هذا .

وأمّا كون المشركين أحاطوا به حتى خلّصه أبو بكر أو عليّ بسيفه، فهذا لم ينقله أحد من أهل العلم ولا حقيقة له . 

وما ذكره من مبيته على فراشه، فقد قدمنا أنه لم يكن هناك خوف عَلَى عليّ أصلاً . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( وفي غزاة بدر، وهي أول الغزوات، كانت على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدمه إلى المدينة، وعمره سبع وعشرون سنة، قتل منهم ستة وثلاثين رجلا بانفراده، وهم أعظم من نصف المقتولين، وشَرَك في الباقين )) .

والجواب :  أن هذا من الكذب البيِّن المفترى باتفاق أهل العلم، العالمين بالسير والمغازي . ولم يذكر هذا أحدٌ يعتمد عليه في النقل، وإنما هو من وضع جهَّال الكذَّابين .

وغاية ما ذكره ابن هشام، وقبله موسى بن عقبة، وكذلك الأموي، جميع ما ذكروه أحد عشر نفسا، واختُلف في ستة أنفس، هل قتلهم هو أو غيره، وشارك في ثلاثة . هذا جميع ما نقله هؤلاء الصادقون . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( وفي غَزاة أُحد لمّا انهزم الناس كلهم عن النبي  إلاّ علي بن أبي طالب، ورجع إلى رسول الله  نفرٌ يسير، أولهم عاصم بن ثابت، وأبو دجانة، وسهل بن حنيف، وجاء عثمان بعد ثلاثة أيام، فقال له النبي  : لقد ذهبت فيها عريضة . وتعجبت الملائكة من شأن عليّ، فقال جبريل وهو يعرج إلى السماء . 

لا ســـــيف إلا ذو الفــــقا   ر ولا فتـــى إلا عـــليّ

وقتل أكثر المشركين في هذه الغزاة، وكان الفتح فيها على يده . وروى قيس بن سعد قال : سمعت عليّا يقول : أصابني يوم أحد ستة عشر ضربة، سقطت إلى الأرض في أربع منهن، فجاءني رجلٌ حسن الوجه حسن اللَّمة طيّب الريح، فأخذ بضبعيّ، فأقامني، ثم قال : أقبل عليهم فقاتل في طاعة الله وطاعة رسوله، فهما عنك راضيان . قال عليّ : فأتيت النبي  وأخبرته . فقال : يا عليّ أما تعرف الرجل ؟ قلت : لا، ولكن شبّهته بدِحْيَة الكلبي. فقال : يا عليّ أقر الله عينيك، كان ذاك جبريل )) . 

والجواب : أن يُقال : قد ذكر في هذه من الأكاذيب العظام التي لا تنفق إلا على من لا يعرف الإسلام، وكأنه يخاطب بهذه الخرافات من لا يعرف ما جرى في الغزوات . 

كقوله : (( إن عليًّا قتل أكثر المشركين في هذه الغزاة، وكان الفتح فيها على يده )). 

فيقال : آفة الكذب الجهل . وهل كان في هذه الغزاة فتح ؟ بل كان المسلمون قد هزموا العدو أولا، وكان النبي  قد وكَّل بثغرة الجبل الرماة، وأمرهم بحفظ ذلك المكان، وأن لا يأتوهم سواء غلبوا أو غُلبوا . فلما انهزم المشركون صاح بعضهم : أي قوم الغنيمة ! فنهاهم أميرهم عبد الله بن جبير، ورجع العدو عليهم، وأمير المشركين إذ ذاك خالد بن الوليد، فاتاهم من ظهورهم، فصاح الشيطان : قُتل محمد . واستشهد في ذلك اليوم نحو سبعين، ولم يبق مع النبي  ذلك اليوم إلا اثنا عشر رجلا، فيهم أبو بكر وعمر . 

وأشرف أبو سفيان فقال : أفي القوم محمد ؟ أفي القوم محمد ؟ والحديث في الصحيحين، وقد تقدّم لفظه . وكان يوم بلاء وفتنة وتمحيص، وانصرف العدوّ عنهم منتصرا، حتى هم بالعَوْد إليهم، فندب النبي المسلمين لِلِحَاقِهِ .

وقيل إن في هؤلاء نزل قوله تعالى : الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ (1) وكان في هؤلاء المنتَدبين : أبو بكر والزبير . قالت عائشة لابن الزبير : أبوك وجدُّك ممن قال الله فيهم : الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ، ولم يقتل يومئذ من المشركين إلا نفرٌ قليل، وقصد العدو رسول الله  واجتهدوا في قتله، وكان ممن ذبَّ عنه يومئذ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وجعل يرمى عنه،والنبي  يقول له : (( ارم فداك أبي وأمي )) . 

وفي الصحيحين عن سعد قال : جمع لي رسول الله  بين أبويه يوم أحد . وكان سعد مجاب الدعوة مسدّد الرمية . 

وكان فيهم أبو طلحة رامياً، وكان شديد النزع، وطلحة بن عبيد الله : وقى النبي  بيده فشُلّت يده . وظاهر النبي  بين درعين، وقُتل دونه نفر . 

قال ابن إسحاق في (( السيرة )) في النفر الذين قاموا دون رسول الله  قال : (( ترّس دون النبي  أبو دجانة بنفسه : يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل. ورمى سعد بن أبي وقاص دون النبي  . قال سعد : فلقد رأيته يناولني النبل، ويقول : (( ارم فداك أبي وأمي ))، حتى إنه ليناولني السهم ما له نصل، فيقول (( ارم )) .

وقال النبي  حين غشيه القوم : (( من رجل يشري لنا نفسه ؟ )) … فقام زياد بن السكن في نفر : خمسة من الأنصار  وبعض الناس يقول : إنما هو عمارة بن زيد بن السكن  فقاتلوا دون رسول الله  رجلاً، ثم رجلا، يُقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد أو عمارة فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه .

 فقال النبي  ((أدنوه مني)) فأدنوه منه، فوسَّده قدمه، فمات وخدَّه على قدم النبي))(1) .

قال : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله  رمى عن قوسه حتى اندقت سِيَتُها، فأخذها قتادة بن النعمان، فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان،حتى وقعت على وجنته . وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله  ردّها بيده وكانت أحسن عينيه وأحدّهما )) . 

ولم يكن عليّ ولا أبو بكر ولا عمر من الذين كانوا يدفعون عن النبي ، بل كانوا مشغولين بقتال آخرين، وجرح النبي  في جبينه، ولم يجرح عليّ .

فقوله : ((إن عليًّا قال أصابني يوم أحد ست عشرة ضربة، سقطت إلى الأرض في أربع منهن )) .

كذب عَلَى عليّ، وليس هذا الحديث في شيء من الكتب المعروفة عند أهل العلم . فأين إسناد هذا ؟ ومن الذي صححه من أهل العلم ؟ وفي أي كتاب من الكتب التي يُعتمد على نقلها ذكر هذا ؟ بل الذي جُرح رسول الله  وكثير من الصحابة . 

 قال ابن إسحاق :  فلما انتهى رسول الله  إلى فَم الشِّعب خرج عليّ بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس فجاء به رسول الله  ليشرب منه، فوجد له ريحاً، فعافه فلم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه وهو يقول : (( اشتد غضب الله على من أدمى وجه نبيه )) . 

وقوله : (( إن عثمان جاء بعد ثلاثة أيام )) كذب آخر .

وقوله :  (( إن جبريل قال وهو يعرج : 

لا ســـــيف إلا ذو الفــــقا                  ر ولا فتـــى إلا عـــليّ

كذب باتفاق الناس ؛ فإن ذا الفقار لم يكن لعليّ، ولكن كان سيفاً لأبي جهل غنمه المسلمون يوم بدر، فروى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس قال : تنفّل رسول الله  سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد . قال : (( رأيت في سيفي ذى الفقار فلاًّ فأوَّلتُه فلاًّ يكون فيكم، ورأيت أنى مُردفُ كبشا ً، فأولته كبش الكتيبة، ورأيت أنّي في درع حصينة . فأوّلتها المدينة، ورأيت بقراً تذبح، فبقر والله خير ))( ) . فكان الذي قال رسول الله  .

وهذا الكذب المذكور في ذي الفقار من جنس كذب بعض الجهّال . أنه كان له سيف يمتدّ إذا ضرب به كذا وكذا ذراعاً، فإن هذا ما يعلم العلماء أنه لم يكن قط : لا سيف عليّ ولا غيره . ولو كان سيفه يمتدُّ لمدَّه يوم قاتل معاوية. 

(فصــل)

قال الرافضي : (( وفي غزاة الأحزاب، وهي غزاة الخندق لما فرغ النبي  من عمل الخندق فأقبلت قريش يقدمها أبو سفيان وكنانة وأهل تهامة في عشرة آلاف، وأقبلت غطفان ومن تبعها من أهل نجد، ونزلوا من فوق المسلمين ومن تحتهم، كما قال تعالى : إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ( ) ، فخرج عليه الصلاة والسلام بالمسلمين مع ثلاثة آلاف، وجعلوا الخندق بينهم، واتفق المشركون مع اليهود، وطمع المشركون بكثرتهم وموافقة اليهود، وركب عمرو بن عبد ودّ وعكرمة بن أبي جهل، ودخلا من مضيق في الخندق إلى المسلمين، وطلبا المبارزة، فقام عليّ وأجابه، فقال النبي  : إنه عمرو، فسكت : ثم طلب المبارزة ثانيا وثالثا، وكل ذلك يقوم عليّ، ويقول له النبي  : إنه عمرو، فأَذِن له في الرابعة، فقال له عمرو : ارجع يا ابن أخي فما أحب أن أقتلك . فقال له عليّ : كنت عاهدت الله أن لا يدعوك رجلٌ من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، وأنا أدعوك إلى الإسلام . قال عمرو : لا حاجة لي بذلك . قال : أدعوك إلى البراز . قال : ما أحب أن أقتلك . قال عليّ : بل أنا أحب أن أقتلك فحَمِيَ عمرو، ونزل عن فرسه، وتجاولا، فقتله عليّ، وانهزم عكرمة، ثم انهزم باقي المشركين واليهود . وفيه قال رسول الله  : قتل عليّ لعمرو بن عبد ودّ أفضل من عبادة الثقلين )) .

والجواب : أن يقال : أولا : أين إسناد هذا النقل وبيان صحته ؟ 

ثم يقال : ثانيا : قد ذكر في هذه الغزوة أيضا عدة أكاذيب . منها قوله : إن قريشا وكنانة وتهامة كانوا في عشرة آلاف، فالأحزاب كلهم من هؤلاء، ومن أهل نجد : تميم وأسد وغطفان، ومن اليهود : كانوا قريبا من عشرة آلاف . والأحزاب كانوا ثلاثة أصناف : قريش وحلفاؤها، وهم أهل مكة ومن حولها . وأهل نجد : تميم وأسد وغطفان ومن دخل معهم . واليهود بنو قريظة. 

وقوله : إن عمرو بن عبد ودّ وعكرمة بن أبي جهل ركبا، ودخلا من مضيق في الخندق .

وقوله : إن عمراً لما قتل وانهزم المشركون واليهود .

هذا من الكذب البارد، فإن المشركين بقوا محاصرين للمسلمين بعد ذلك هم واليهود، حتى خبّب بينهم نعيم بن مسعود، وأرسل الله عليهم الريح الشديدة: ريح الصبا، والملائكة من السماء .

كما قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا* إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظَّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا (1) . إلى قوله : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ (2) . 

ولهذا بيّن أن المؤمنين لم يقاتلوا فيها، وأن المشركين ما ردّهم الله بقتال. وهذا هو المعلوم المتواتر عند أهل العلم بالحديث والتفسير والمغازي والسير والتاريخ . 

والحديث الذي ذكره عن النبي  أنه قال : قتل عليّ لعمرو بن عبد ودّ أفضل من عبادة الثقلين . من الأحاديث الموضوعة، ولهذا لم يروه أحد من علماء المسلمين في شيء من الكتب التي يُعتمد عليها، بل ولا يعرف له إسناد صحيح ولا ضعيف . 

وهو كذب لا يجوز نسبته إلى النبي  ؛ فإنه لا يجوز أن يكون قتل كافر أفضل من عبادة الجن والإنس . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( وفي غزاة بني النضير قتل عليّ رامي ثنيّة النبي ، وقتل بعده عشرة، وانهزم الباقون )) .

والجواب : أن يُقال : ما تذكره في هذه الغزاة وغيرها من الغزوات من المنقولات لا بد من ذكر إسناده أولا، وإلا فلو أراد إنسان أن يحتج بنقل لا يُعرف إسناده في جزرة بقل لا يقبل منه، فكيف يحتج به في مسائل الأصول؟! 

ثم يقال : ثانيا : هذا من الكذب الواضح، فإن بني النضير هم الذين أنزل الله فيهم سورة الحشر باتفاق الناس، وكانوا من اليهود، وكانت قصتهم قبل الخندق وأُحد، ولم يذكر فيها مصافة ولا هزيمة ولا رمى أحد ثنية النبي  فيها، وإنما أصيبت ثنيته يوم أُحد، وكان النبي  والمسلمون في غزاة بني النضير قد حاصرهم حصاراً شديداً، وقطعوا نخيلهم . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( وفي غزوة السلسلة جاء أعرابي فأخبر النبي  أن جماعة من العرب قصدوا أن يكبسوا عليه بالمدينة، فقال رسول الله  : من للوائي؟ فقال أبو بكر : أنه له، فدفع إليه اللواء، وضم إليه سبعمائة، فلما وصل إليهم، قالوا : ارجع إلى صاحبك فإنّا في جمع كثير، فرجع، فقال في اليوم الثاني : من للوائي ؟ فقال عمر : أنا، فدفع إليه الراية، ففعل كالأول، فقال في اليوم الثالث أين عليّ ؟ فقال عليّ : أنا ذا يا رسول الله . فدفع إليه الراية، ومضى إلى القوم، ولقيهم بعد صلاة الصبح فقتل منهم ستة أو سبعة، وانهزم الباقون، وأقسم الله تعالى بفعل أمير المؤمنين فقال : وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1).

فالجواب :  أن يُقال له : أجهل الناس يقول لك : بيّن لنا سند هذا، حتى نثبت أن هذا نقل صحيح. والعالم يقول له : إن هذه الغزاة  وما ذكر فيها  من جنس الكذب الذي يحكيه الطرقيّة، الذين يحكون الأكاذيب الكثيرة من سيرة عنترة، والبطّال، وإن كان عنترة له سيرة مختصرة، والبطّال له سيرة يسيرة، وهي ما جرى له في دولة بني أمية وغزوة الروم، لكن ولّدها الكذّابون حتى صارت مجلدات، وحكايات الشطّار، كأحمد الدنف، والزيبق المصري، وصاروا يحكون حكايات يختلقونها عن الرشيد وجعفر، فهذه الغزاة من جنس هذه الحكايات، لم يعرف في شيء من كتب المغازي والسير المعروفة عند أهل العلم ذكر هذه الغزاة، ولم يذكرها أئمة هذا الفن فيه، كموسى بن عقبة، وعُروة بن الزبير، والزهري، وابن إسحاق وشيوخه، ويحيى بن سعيد الأموي، والوليد بن مسلم، ومحمد بن عائذ، وغيرهم، ولا لها ذكر في الحديث، ولا نزل فيها شيء من القرآن . 

وبالجملة مغازي رسول الله  - لا سيما غزوات القتال  معروفة ومشهورة، مضبوطة متواترة عند أهل العلم بأحواله، مذكورة في كتب أهل الحديث والفقه والتفسير والمغازي والسير ونحو ذلك، وهي مما تتوفر الدواعي على نقلها، فيمتنع عادة وشرعا أن يكون للنبي  غزاة يجري فيها مثل هذه الأمور لا ينقلها أحد من أهل العلم بذلك، كما يمتنع أن يكون قد فرض في اليوم والليلة أكثر من خمس صلوات، أو فرض في العام أكثر من صوم شهر رمضان ولم ينقل ذلك، وكما يمتنع أن يكون النبي  قد غزا الفرس بالعراق، وذهب إلى اليمن، ولم ينقل ذلك أحد، وكما يمتنع أمثال ذلك مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله لو كان ذلك موجودا . 

(فصــل)

قال الرافضي : وقتل من بني المصطلق مالكا وابنه وسبى كثيرا، من جملتهم جويرة بنت الحارث بن أبي ضرار، فأصطفاها النبي ، فجاءها أبوها في ذلك اليوم، فقال : يا رسول الله : ابنتي كريمة لا تسبى، فأمره رسول الله  بأن يخيّرها، فقال : أحسنت وأجملت،ثم قال : يا بنيّة لا تفضحي قومك، قالت اخترت الله ورسوله )) .

والجواب أن يقال : أولا:  لا بد من بيان إسناد كل ما يحتج به من المنقول، أو عزوه إلى كتاب تقوم به الحجة . وإلا فمن أين يُعلم أن هذا وقع ؟ ثم يقول من يعرف السيرة : هذا كله من الكذب، من أخبار الرافضة التي يختلقونها ؛ فإنه لم ينقل أَحَدٌ أن عليًّا فعل هذا في غزوة بني المصطلق، ولا سبى جُوَيْرية بنت الحارث، وهي لما سُبيت كاتبت على نفسها، فأدَّى عنها النبي ، وعُتقت من الكتابة، وأعتق الناس السبى لأجلها،وقالوا : أصهار رسول الله ، ولم يقدم أبوها  أصلاً ولا خيّرها . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( وفي غزوة خيبر كان الفتح فيها على يد أمير المؤمنين، ودفع الراية إلى أبي بكر فانهزم، ثم إلى عمر فانهزم، ثم إلى عليّ وكان أرمد، فتفل في عينيه، وخرج فقتل مرحبا،فانهزم الباقون، وغلقوا عليهم الباب، فعالجه أمير المؤمنين فعلقه ، وجعله جسراً على الخندق، وكان الباب يغلقه عشرون رجلا، ودخل المسلمون الحصن ونالوا الغنائم، وقال عليه السلام : والله ما قلعه بقوة خمسمائة رجل ولكن بقوة ربانية، وكان فتح مكة بواسطته)) . 

والجواب :  بعد أن يُقال : لعنة الله على الكاذبين، أن يُقال : من ذكر هذا من علماء النقل ؟ وأين إسناده وصحته ؟ وهو من الكذب ؛ فإن خيبر لم تُفتح كلها في يوم واحد، بل كانت حصوناً متفرقة، بعضها فُتح عنوة، وبعضها فُتح صلحا، ثم كتموا ما صالحهم عليه النبي ، فصاروا محاربين، ولم ينهزم فيها أبو بكر ولا عمر . 

وقد رُوى أن عليًّا اقتلع باب الحصن، وأما جعله جسراً فلا .

وقوله : ((كان فتح مكة بواسطته )) . 

من الكذب أيضاً ؛ فإن عليًّا ليس له في فتح مكة أثر أصلا، إلا كما لغيره ممن شهد الفتح . 

والأحاديث الكثيرة المشهورة في غزوة الفتح تتضمن هذا . وقد عزم عليّ عَلَى قتل حموين لأخته أجارتهما أخته أم هانئ، فأجار رسول الله  من أجارت . وقد هم بتزوج بنت أبي جهل، حتى غضب النبي  فتركه . 

(فصــل)

قال الرافضي : ((وفي غزاة حنين خرج رسول الله  متوجها في عشرة آلاف من المسلمين فعانهم أبو بكر، وقال لن نغلب اليوم من كثرة، فانهزموا، ولم يبق مع النبي  إلا تسعة من بني هاشم، وأيمن ابن أم أيمن، وكان أمير المؤمنين يضرب بين يديه بالسيف، وقتل من المشركين أربعين نفساً فانهزموا )) .

والجواب : بعد المطالبة بصحة النقل . 

أما قوله : ((فعانهم أبو بكر )) فكذب مفترى، وهذه كتب الحديث والسير والمغازي والتفسير لم يذكر أحد قوله : إن أبا بكر عانهم . واللفظ المأثور : لن نغلب اليوم من قلة . فإنه قد قيل : إنه قاله بعض المسلمين . 

وكذلك قوله : (( لم يبق معه إلا تسعة من بني هاشم )) وهو كذب أيضا. 

وقوله : ((إن عليًّا كان يضرب بالسيف، وإنه قتل أربعين نفساً )) .

فكل هذا كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث والمغازي والسير . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( الخامس: إخباره بالغائب والكائن قبل كونه، فأخبر أن طلحة والزبير لما استأذناه في الخروج إلى العمرة  قال : لا والله ما تريدان العمرة وإنما تريدان البصرة . وكان كما قال . 

وأخبر هو بذي قار جالس لأخذ البيعة يأتيكم من قِبَل الكوفة ألف رجل لا يزيدون ولا ينقصون، يبايعونني على الموت، وكان كذلك، وكان آخرهم أُوَيْس القرني . 

وأخبر بقتل ذي الثدية، وكان كذلك . 

وأخبر شخص بعبور القوم في قصة النهروان، فقال : لن يعبروا، ثم أخبره آخر بذلك، فقال : لم يعبروا، وإنه  والله  لمصرعهم، فكان كذلك . 

وأخبر بقتل نفسه الشريفة . 

وأخبر شهربان بأن اللعين يقطع يديه ورجليه ويصلبه، ففعل به معاوية ذلك . وأخبر مِيثَم التَّمار بأنه يُصلب على باب دار عمرو بن حريث عاشر عاشرة، وهو أقصرهم خشبة، وأراه النخلة التي يُصلب عليها، فوقع كذلك . 

وأخبر رُشَيْد الهجري بقطع يديه ورجليه، وصلبه، وقطع لسانه، فوقع.

وأخبر كُمَيْل بن زياد أن الحجاج يقتله، وأن قنبراً يذبحه الحجاج فوقع .

وقال للبراء بن عازب : إن ابنى الحُسَيْن يقتل ولا تنصره فكان كما قال، وأخبره . 

وأخبر بملك بني العباس، وأخذ الترك الملك منهم، فقال : ملك بني العباس يسير لا عسر فيه، لو اجتمع عليهم الترك والديلم والهند والبربر والطيلسان على أن يزيلوا ملكهم ما قدروا أن يزيلوه حتى يشذ عنهم مواليهم وأرباب دولتهم، ويُسلط عليهم مَلِكٌ من الترك يأتي عليهم من حيث بدأ ملكهم، لا يمر بمدينة إلا فتحها، ولا يُرفع له راية إلا نكَّسها، الويل ثم الويل لمن ناوأه، فلا يزال كذلك حتى يظفر بهم، ثم يدفع ظفره إلى رجل من عترتي يقول  بالحق ويعمل به،ألا وإن الأمر كذلك حيث ظهر هولاكو من ناحية خُراسان، ومنه ابتدأ ملك بني العباس حتى بايع لهم أبو مسلم الخراساني )) . 

والجواب :  أن يُقال : أما الإخبار ببعض الأمور الغائبة فمن هو دون عليّ يخبر بمثل ذلك، فعليٌّ أجلُّ قدراً من ذلك . وفي أتباع أبي بكر وعمر وعثمان من يخبر بأضعاف ذلك، وليسوا ممن يصلح للإمامة، ولا هم أفضل أهل زمانهم، ومثل هذا موجود في زماننا وغير زماننا .

وحذيفة بن اليمان، وأبو هريرة، وغيرهما من الصحابة كانوا يحدّثون الناس بأضعاف ذلك . وأبو هريرة يسنده إلى النبي ، وحذيفة تارة يسنده وتارة لا يسنده، وإن كان في حكم المسند . 

وما أخبر به هو وغيره قد يكون مما سمعه من النبي ، وقد يكون مما كُوشف هو به . وعمر رضي الله عنه قد أخبر بأنواع من ذلك . 

والكتب المصنّفة في كرامات الأولياء وأخبارهم، مثل ما في كتاب (( الزهد )) للإمام أحمد و(( حلية الأولياء)) و((صفوة الصفوة )) و((كرامات الأولياء )) لأبي محمد الخلاّل وابن أبي الدنيا واللالكائي فيها من الكرامات عن بعض أتباع أبي بكر وعمر، كالعلاء بن الحضرمي نائب أبي بكر، وأبي مسلم الخولاني بعض أتباعهما، وأبي الصهباء، وعامر بن عبد قيس، وغير هؤلاء ممن عَلِيٌّ أعظم منه، وليس في ذلك ما يدل على أنه يكون هو الأفضل من أحدٍ من الصحابة، فضلا عن الخلفاء . 

وهذه الحكايات التي ذكرها عن عليّ لم يذكر لشيء منها إسناداً، وفيها ما يعرف صحته، وفيها ما يعرف كذبه، وفيها ما لا يُعرف : هل هو صدق أم كذب ؟

فالخبر الذي ذكره عن مَلِك الترك كذب عَلَى عليّ ؛ فإنه لم يدفع ظفره إلى رجل من العترة، وهذا مما وضعه متأخروهم .

ودعوى الغلاة الذين كانوا يدعون علم عليّ بالمستقبلات مطلقا كذب ظاهر فالعلم ببعضها ليس من خصائصه، والعلم بها كلها لم يحصل له، ولا لغيره . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( السادس : أنه كان مستجاب الدعاء . دعا على بُسر بن أرطأة بأن يسلبه الله عقله فخُولط فيه، ودعا على العَيْزَار بالعمى فعمى، ودعا على أنس لما كتم شهادته بالبَرَص فأصابه، وعلى زيد بن أرقم بالعمى فعمى )) . 

والجواب : أن هذا موجود في الصحابة أكثر منه، وممن بعد الصحابة، مادام في الأرض مؤمن . وكان سعد بن أبي وقاص لا تخطئ له دعوة . وفي الصحيح عن النبي  أنه قال : ((اللهم سدد رميته وأجب دعوته ))(1) . وفي صحيح مسلم أن عمر لما أرسل إلى الكوفة من يسأل عن سعد، فكان الناس يثنون خيراً، حتى سُئل عنه رجل من بني عبس فقال : أما إذ أنشدتمونا سعدا، فكان لا يخرج في السريّة، ولا يعدل في الرعيّة، ولا يقسم بالسويّة . فقال سعد: (( اللهم إن كان كاذباً، قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وعظّم فقره، وعرضه للفتن )) فكان يرى وهو شيخ كبير، تدلّى حاجباه من الكبر، يتعرض للجواري يغمزهن في الطرقات، ويقول : (( شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد ))( ) .

مع أن هذه القصص المذكورة عن عليّ لم يذكر لها إسنادا، فتتوقف على معرفة الصحة، مع أن فيها ما هو كذب لا ريب فيه، كدعائه على أنس بالبَرَص، ودعائه على زيد بن أرقم بالعمى . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( السابع : إنه لما توجّه إلى صفِّين لحق أصحابه عَطَشٌ، فعَدَل بهم قليلا، فلاح لهم دير، فصاحوا بساكنه، فسألوه عن الماء، فقال : بيني وبينه أكثر من فرسخين، ولولا أني أوتى ما يكفيني كل شهر على التقتير لتلفت عطشا، فأشار أمير المؤمنين إلى مكان قريب من الدير، وأمر بكشفه، فوجدوا صخرة عظيمة، فعجزوا عن إزالتها، فقلعها وحده، ثم شربوا الماء، فنزل إليهم الراهب، فقال : أنت نبي مرسل أو مَلَك مقرب ؟ فقال : لا، ولكني وصيَ رسول الله ، فأسلم على يده، وقال : إن هذا الدير بُنى على طالب هذه الصخرة، ومخرج الماء من تحتها، وقد مضى جماعة قبلي لم يدركوه. وكان الراهب من جملة من استشهد معه، ونظم القصة السيد الحميري في قصيدته )) . 

والجواب :  أن هذا من جنس أمثاله من الأكاذيب التي يظنها الجهّال من أعظم مناقب عليّ، وليست كذلك . بل الذي وضع هذه كان جاهلا بفضل عليّ، وبما يستحقه من الممادح ؛ فإن الذي فيه من المنقبة أنه أشار إلى صخرةٍ فوجدوا تحتها الماء، وأنه قلعها .

ومثل هذا يجري لخلق كثير، عليّ رضي الله عنه أفضل منهم، بل في المحبّين لأبي بكر وعمر وعثمان من يجري لهم أضعاف هذا، وأفضل من هذا وهذا، وإن كان جرى على يد بعض الصالحين كان نعمة من الله وكرامة له، فقد يقع في مثل ذلك لمن ليس من الصالحين كثيراً .

وأما سائر ما فيها، مثل قوله : (( إن هذا الدير بني على طالب هذه الصخرة، ومخرج الماء من تحتها )) .

فليس هذا من دين المسلمين، وإنما تُبنى الكنائس والديّارات والصوامع على أسماء المقتدية بسير النصارى، فأما المسلمون فلا يبنون معابدهم  وهي المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه  إلا على اسم الله، لا على اسم مخلوق . 

وما فيه من قول علي : (( ولكنى وصي رسول الله  )) هو مما يبين أنه كذب عَلَى علي، وأن علياً لم يدع هذا قط لا في خلافة الثلاثة و لالا ليالي صفين .

(فصــل)

قال الرافضي : (( الثامن : ما رواه الجمهور : أن النبي  لما خرج إلى بني المصطلق، حيث خرجوا عن الطريق، وأدركه الليل، بقرب وادٍ وعر، فهبط جبريل وأخبره أن طائفة من كفّار الجن قد استنبطوا الوادي يريدون كيده وإيقاع الشر بأصحابه، فدعا بعليّ وعوَّذه، وأمره بنزول الوادي، فقتلهم )) .

والجواب : أن يقال : أولا :  عليّ أجلّ قدرا من هذا، وإهلاك الجن موجود لمن هو دون عليّ، لكن هذا الحديث من الأحاديث المكذوبة على رسول الله  وعلى عليّ عند أهل المعرفة بالحديث، ولم يجر في غزوة بني المصطلق شيء من هذا .

وقوله : (( إن هذا رواه الجمهور)) إن أُريد بذلك أنه مروى بإسناد ثابت، أو في كتاب يُعتمد على مجرد نقله، أو صححه من يرجع إلى تصحيحه فليس كذلك . 

و إن أراد أن جمهور العلماء رووه، فهذا كذب . وإن أراد أنه رواه من لا يقوم بروايته حجة ؛ فهذا لا يفيد . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( التاسع : رجوع الشمس له مرتين : إحداهما : في زمن النبي  . والثانية : بعده . أما الأولى فروى جابر وأبو سعيد الخدري أن رسول الله  نزل عليه جبريل يوماً يناجيه من عند الله، فلما تغشّاه الوحي توسّد فخذ أمير المؤمنين ، فلم يرفع رأسه حتى غابت الشمس، فصلّى عليّ العصر بالإيماء، فلما استيقظ النبي  قال له : سل الله تعالى يرد عليك الشمس لتصلي العصر قائما، فدعا، فرُدت الشمس، فصلّى العصر قائما . 

وأما الثانية : فلما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من أصحابه بتعبير دوابهم، وصلَّى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر، وفات كثير منهم، فتكلّموا في ذلك، فسأل الله رد الشمس فردت . ونظمه الحميري فقال : 

رُدت عليه الشمس لما فاتَهُ    وقتُ الصلاةِ وقد دنت للمَغْربِ

حتى تبلَّجَ نورُهَا في وقتِها     للعصر ثم هَوَتْ هُوِيَّ الكوكبِ

وعليه قد رُدَّت ببابل مرةً     أُخرى وما رُدت لخَلْقٍ مُعْرِبِ

والجواب :  أن يُقال : فضل عليّ وولايته لله وعلو منزلته عند الله معلوم، ولله الحمد، من طرق ثابتة أفادتنا العلم اليقيني، لا يُحتاج معها إلى كذب ولا إلى ما لا يُعلم صدقه . وحديث رد الشمس له قد ذكره طائفة، كالطحاوي والقاضي عياض وغيرهما، وعدُّوا ذلك من معجزات النبي  . لكنْ المحققون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أن هذا الحديث كذب موضوع، كما ذكره ابن الجوزي في كتاب (( الموضوعات)) . 

قال أبو الفرج هذا حديث موضوع بلا شك وقد اضطرب الرواة فيه . 

وأما الثاني ببابل فلا ريب أن هذا كذب وإنشاد الحميري لا حجة فيه لأنه لم يشهد ذلك والكذب قديم وقد سمعه فنظمه وأهل الغلو في المدح والذم ينظمون ما لا تتحقق صحته لا سيما والحميري معروف بالغلو فإن الذي فاتته العصر . إن كان مفرّطاً لم يسقط ذنبه إلا بالتوبة ومع التوبة لا يحتاج إلى ردّ وإن لم يكن مفرطاً كالنائم والناسي فلا ملام عليه في الصلاة بعد الغروب . 

وأيضاً فمثل هذه القضية من الأمور العظام الخارجة عن العادة التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها فإذا لم ينقلها إلا الواحد والاثنان علم بيان كذبهم في ذلك . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( العاشر : ما رواه أهل السير : أن الماء زاد بالكوفة، وخافوا الغرق، ففزعوا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فركب بغلة رسول الله ، وخرج الناس معه، فنزل على شاطئ الفرات فصلّى، ثم دعا وضرب صفحة الماء بقضيب كان في يده، فغاص الماء، فسلم عليه كثير من الحيتان، ولم ينطق الجرِّيُّ ولا المرماهى، فسئل عن ذلك، فقال : أنطق الله ما طهّره من السمك، وأسكت ما أنجسه وأبعده )) .

 والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بأن يقال : أين إسناد هذه الحكاية الذي يدل على صحتها وعلى ثبوتها ؟ وإلا فمجرد الحكايات المرسلة بلا إسناد، يقدر عليه كل أحد، لكن لا يفيد شيئاً .

الثاني :أن بغلة النبي  لم تكن عنده .

الثالث :أن هذا لم ينقله أحد من أهل الكتب المعتمد عليهم . ومثل هذه القصة لو كانت صحيحة لكانت مما تتوفر الهمم والدواعي على نقلها . وهذا الناقل لم يذكر لها إسناداً فكيف يُقبل ذلك بمجرد حكاية لا إسناد لها؟!

الرابع : أن السمك كله مباح، كما ثبت عن النبي  أنه قال في البحر : (( هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته )) . 

وقد قال تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وِللسَّيَّارَةِ (1).

وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على حلّ السمك كله . وعليٌّ مع سائر الصحابة يحلّون هذه الأنواع، فكيف يقولون : إن الله أنجسه ؟! 

ولكن الرافضة جهّال يحرّمون ما أحل الله بمثل هذه الحكاية المكذوبة .

(فصــل)

قال الرافضي : (( الحادي عشر: روى جماعة أهل السير أن عليًّا كان يخطب على منبر الكوفة، فظهر ثعبان فرقى المنبر، وخاف الناس، وأرادوا قتله، فمنعهم، فخاطبه، ثم نزل . فسأل الناس عنه، فقال : إنه حاكم الجن، التبست عليه قصة، فأوضحتها له . وكان أهل الكوفة يسمّون الباب الذي دخل منه الثعبان : (( باب الثعبان )) فأراد بنو أمية إطفاء هذه الفضيلة، فنصبوا على ذلك الباب قتلى مدة حتى سمى باب القتل )) .

والجواب :  أنه لا ريب أن من دون عليّ بكثير تحتاج الجن إليه وتستفتيه وتسأله، وهذا معلوم قديماً وحديثاً، فإن كان هذا قد وقع، فقدره أجلّ من ذلك . وهذا من أدنى فضائل من هو دونه . وإن لم يكن وقع، لم ينقص فضله بذلك .

وإنما يحتاج أن يثبت فضيلة عليّ بمثل هذه الأمور من يكون مجدبا منها، فأمّا من باشر أهل الخير والدين، الذين لهم أعظم من هذه الخوارق، أو رأى في نفسه ما هو أعظم من هذه الخوارق، لم يكن هذا مما يوجب أن يُفضَّل بها عليّ . 

(فصــل)

قال الرافضي: (( الفصل الرابع في إمامة باقي الأئمة الاثنى عشر . لنا في ذلك طرق : أحدها : النصّ . وقد توارثته الشيعة في البلاد المتباعدة، خلفاً عن سلف، عن النبي  أنه قال للحسين : (( هذا إمام ابن إمام أخو إمام، أبو أئمة تسعة، تاسعهم قائمهم، اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلا وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً )) .

والجواب من وجوه : أحدها : أن يُقال : أولا : هذا كذب على الشيعة ؛ فإن هذا لا ينقله إلا طائفة من طوائف الشيعة، وسائر طوائف الشيعة تكذّب هذا . والزيدية بأسرها تكذّب هذا، وهم أعقل الشيعة وأعلمهم وخيارهم . والإسماعيلية كلهم يكذّبون بهذا، وسائر فرق الشيعة تكذب بهذا، إلا الأثنى عشرية، وهم فرقة من نحو سبعين فرقة من طوائف الشيعة . 

وبالجملة فالشيعة فرق متعددة جدا، وفرقهم الكبار أكثر من عشرين فرقة، كلهم تكذّب هذا إلا فرقة واحدة، فأين تواتر الشيعة ؟! 

الثاني :  أن يُقال : هذا معارض بما نقله غير الاثنى عشرية من الشيعة من نصّ آخر يناقض هذا، كالقائلين بإمامة غير الاثنى عشر، وبما نقله الرواندية أيضا ؛ فإن كلا من هؤلاء يدّعي من النص غير ما تدعيه الاثنا عشرية . 

الثالث : أن يُقال : علماء الشيعة متقدمون ليس فيهم من نقل هذا النص، ولا ذكره في كتاب، ولا احتج به في خطاب . وأخبارهم مشهورة متواترة، فعلم أن هذا من اختلاق المتأخرين، وإنما اختُلق هذا لما مات الحسن بن عليّ العسكري، وقيل : إن ابنه محمداً غائب، فحينئذ ظهر هذا النص، بعد موت النبي  بأكثر من مائتين وخمسين سنة . 

الرابع : أن يُقال : أهل السنة وعلماؤهم أضعاف أضعاف الشيعة، كلهم يعلمون أن هذا كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علماً يقينياً لا يخالطه الريب، ويباهلون الشيعة على ذلك، كعوام الشيعة مع عليّ . فإن ادّعى علماء الشيعة أنهم يعلمون تواتر هذا، لم يكن هذا أقرب من دعوى علماء السنة بكذب هذا . 

الخامس :  أن يُقال : إن من شرط التواتر حصول من يقع به العلم من الطرفين والوسط . وقبل موت الحسن بن عليّ العسكري لم يكن أحد يقول بإمامة هذا المنتظر، ولا عُرف من زمن عليّ ودولة بني أميّة أحدٌ ادّعى إمامة الاثنى عشر وهذا القائم . وإنما كان المدَّعون يدَّعون النصّ على عليّ، أو على ناسٍ بعده . وأما دعوى النص على الاثنى عشر وهذا القائم فلا يُعرف أحد قاله متقدماً، فضلاً عن أن يكون نقله متقدماً . 

الوجه السادس : أن يُقال : قد علم أهل العلم أن أول ما ظهرت الشيعة الإمامية المدّعية للنص في أواخر أيام الخلفاء الراشدين . وافترى ذلك عبد الله بن سبأ وطائفته الكذّابون، فلم يكونوا موجودين قبل ذلك . فأي تواتر لهم ؟! 

السابع : أن الأحاديث التي نقلها الصحابة في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان أعظم تماماً عند العامة والخاصة من نقل هذا النص . فإن جاز أن يُقدح في نقل جماهير الصحابة لتلك الفضائل، فالقدح في هذا أَوْلى . وإن كان القدح في هذا معتذراً ففي تلك أَوْلى . وإذا ثبتت فضائل الصحابة التي دلّت عليها تلك النصوص الكثيرة المتواترة، امتنع اتفاقهم على مخالفة هذا النصّ، فإن مخالفته – لو كان حقاًّ – من أعظم الإثم والعدوان . 

الثامن : أنه ليس أحد من الإمامية ينقل هذا النص بإسناد متصل، فضلا عن أن يكون متواترا . وهذه الألفاظ تحتاج إلى تكرير، فإن لم يدرس ناقلوها عليها لم يحفظوها، وأين العدد الكبير الذين حفظوا هذه الألفاظ كحفظ ألفاظ القرآن، وحفظ التشهد والأذان، جيلا بعد جيل إلى الرسول ؟ 

ونحن إذا ادّعينا التواتر في فضائل الصحابة : ندّعى تارة التواتر من جهة المعنى، كتواتر خلافة الخلفاء الأربعة، ووقعة الجمل وصفّين، وتزوج النبي  بعائشة وعليّ بفاطمة، ونحو ذلك  مما لا يحتاج فيه إلى نقل لفظ معين يحتاج إلى درس، كتواتر ما للصحابة من السابقة والأعمال وغير ذلك . وتارة التواتر في نقل ألفاظ حفظها من يحصل العلم بنقله . 

الوجه التاسع :  أن المنقول بالنقل المتواتر عن أهل البيت يكذّب مثل هذا النقل، وأنهم لم يكونوا يدّعون أنهم منصوص عليهم، بل يكذّبون من يقول ذلك، فضلا عن أن يثبتوا النص على اثنى عشر .

(فصــل)

وأما الحديث الذي رواه : عن ابن عمر عن النبي  : (( يخرج في آخر الزمان رجلٌ من ولدي اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً، وذلك هو المهدي )) . 

فالجواب : أن الأحاديث التي يحتجّ بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم، من حديث ابن مسعود وغيره . 

 كقوله   في الحديث الذي رواه ابن مسعود : (( لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم، حتى يخرج فيه رجل منّي، أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً )) . رواه الترمذي وأبو داود من رواية أم سلمة( ) .

وأيضا فيه : (( المهدي من عترتي من ولد فاطمة )) . رواه أبو داود من طريق أبي سعيد، وفيه : (( يملك الأرض سبع سنين )) .

ورواه عن عليّ رضي الله عنه أنه نظر إلى الحسن وقال : (( إن ابني هذا سيد، كما سمّاه رسول الله ، وسيخرج من صلبه رجل يُسمَّى باسم نبيكم، يشبهه في الخُلُق ولا يشبهه في الخَلْق، يملأ الأرض قسطا( ) .

وهذه الأحاديث غلط فيها طوائف : طائفة أنكروها، واحتجّوا بحديث ابن ماجة أن النبي  قال : (( لا مهدي إلا عيسى بن مريم ))( ) وهذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه وليس مما يعتمد عليه، ورواه ابن ماجة عن يونس عن الشافعي، والشافعي رواه عن رجل من أهل اليمن، يُقال له : محمد بن خالد الجَنَدِيّ، وهو ممن لا يحتج به . وليس هذا في مسند الشافعي، وقد قيل : إن الشافعي لم يسمعه من الجَنَدي، وأن يونس لم يسمعه من الشافعي . 

الثاني : أن الاثنى عشرية الذين ادّعوا أن هذا هو مهديهم، مهديهم اسمه محمد بن الحسن . والمهدي المنعوت الذي وصفه النبي  اسمه محمد بن عبد الله . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( الثاني : أنّا قد بينّا أنه يجب في كل زمان إمام معصوم، ولا معصوم غير هؤلاء إجماعا )) .

والجواب من وجوه : أحدها : منع المقدمة الأولى كما تقدّم . 

والثاني : منع طوائف لهم المقدمة الثانية . 

الثالث : أن هذا المعصوم الذي يدّعونه في وقتٍ ما، له مُذ وُلد عندهم أكثر من أربعمائة وخمسين سنة ؛ فإنه دخل السرداب عندهم سنة ستين ومائتين، وله خمس سنين عند بعضهم، وأقل من ذلك عند آخرين، ولم يظهر عنه شيء مما يفعله أقل الناس تأثيراً، مما يفعله آحاد الولاة والقضاة والعلماء، فضلا عمّا يفعله الإمام المعصوم . فأي منفعة للوجود في مثل هذا لو كان موجوداً ؟ فكيف إذا كان معدوماً ؟! 

(فصــل)

قال الرافضي : (( الثالث : الفضائل التي اشتمل كل واحد منهم عليها الموجبة لكونه إماما )) .

والجواب من وجوه : أحدها : أن تلك الفضائل غايتها أن يكون صاحبها أهلاً أن تُعقد له الإمامه، لكنه لا يصير إماما بمجرد كونه أهلا، كما أنه لا يصير الرجل قاضيا بمجرد كونه أهلا لذلك .

الثاني : أن أهليّة الإمامة ثابتة لآخرين من قريش كثبوتها لهؤلاء، وهم أهل أن يتولّوا الإمامة، فلا موجب للتخصيص، ولم يصيروا بذلك أئمة. 

الثالث : أن الثاني عشر منهم معدوم عند جمهور العقلاء، فامتنع أن يكون إماما .

الرابع : أن العسكريّين ونحوهما من طبقة أمثالهما لم يُعلم لهما تبريز في علمٍ أو دين كما عرف لعليّ بن الحسين، وأبي جعفر، وجعفر بن محمد . 

(فصــل) 

قال الرافضي : (( الفصل الخامس : أن من تقدّمه(1) لم يكن إماما . ويدل عليه وجوه )) .

قلت : والجواب : أنّه إن أريد بذلك أنهم لم يتولّوا على المسلمين، ولم يبايعهم المسلمون، ولم يكن لهم سلطان يقيمون به الحدود، ويوفون به الحقوق، ويجاهدون به العدو، ويصلّون بالمسلمين الجمع والأعياد، وغير ذلك مما هو داخل في معنى الإمامة – فهذا بُهت ومكابرة . فإن هذا أمر معلوم بالتواتر، والرافضة وغيرهم يعلمون ذلك، ولو لم يتولوا الإمامة لم تقدح فيهم الرافضة . 

لكن هم يطلقون ثبوت الإمامة وانتفاءها ولا يفصِّلون : هل المراد ثبوت نفس الإمامة ومباشرتها ؟ أو نفس استحقاق ولاية الإمامة ؟ 

ويطلقون لفظ (( الإمام )) على الثاني، ويوهمون أنه يتناول النوعين . وإن أُريد بذلك أنهم لم يكونوا يصلحون للإمامة، وأن عليًّا كان يصلح لها دونهم، أو أنه كان أصلح لها منهم – فهذا كذب، وهو مورد النزاع. 

ونحن نجيب في ذلك جواباً عامّا كلياّ، ثم نجيب بالتفصيل . 

أما الجواب العام الكلّي، فنقول : نحن عالمون بكونهم أئمة صالحين للإمامة علماً يقينيا قطعيا، وهذا لا يتنازع فيه اثنان من طوائف المسلمين غير الرافضة، بل أئمة الأمة وجمهورها يقولون : إنّا نعلم أنهم كانوا أحق بالإمامة، بل يقولون : إنّا نعلم أنهم كانوا أفضل الأمة . 

وهذا الذي نعلمه ونقطع به ونجزم به لا يمكن أن يُعارض بدليل قطعي ولا ظنّي . 

أما القطعيّ : فلأن القطعيات لا يتناقض موجبها ومقتضاها . وأما الظنيّات : فلأن الظنّي لا يُعارض القطعي . 

وجملة ذلك أن كل ما يورده القادح فلا يخلو من أمرين : إما نقلٌ لا نعلم صحته، أو لا نعلم دلالته على بطلان إمامتهم، وأي المقدمتين لم يكن معلوما لم يصلح لمعارضة ما عُلم قطعا .

وإذا قام الدليل القطعيّ على ثبوت إمامتهم، لم يكن علينا أن نجيب عن الشُّبَه المفصِّلة، كما أن ما علمناه قطعا لم يكن علينا أن نجيب عمّا يعارضه من الشبه السوفسطائية .

وليس لأحد أن يدفع ما عُلم يقيناً بالظن، سواء كان ناظراً أو مناظراً . بل إن تبيّن له وجه فساد الشبهة وبيّنه لغيره، كان ذلك زيادة علم ومعرفة وتأييد للحق في النظر والمناظرة، وإن لم يتبين ذلك لم يكن له أن يدفع اليقين بالشك . وسنبين إن شاء الله تعالى الأدلة الكثيرة على استحقاقهم للإمامة، وأنهم كانوا أحقَّ بها من غيرهم .

(فصــل)

قال الرافضي : الأول : (( قول أبي بكر : إن لي شيطاناً يعتريني، فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوّموني . ومن شأن الإمام تكميل الرعية، فكيف يُطلب منهم الكمال ؟ )) .

والجواب من وجوه : أحدها : أن المأثور عنه أنه قال : (( إن لي شيطاناً يعتريني )) يعني عند الغضب (( فإذا اعتراني فاجتنبوني لا أؤثر في أبشاركم )) . وقال : (( أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم )) وهذا الذي قاله أبو بكر رضي الله عنه من أعظم ما يُمدح به، كما سنبيّنه إن شاء الله تعالى .

الثاني : أن الشيطان الذي يعتريه قد فُسِّر بأنه يعرض لابن آدم عند الغضب، فخاف عند الغضب أن يعتدي على أحدٍ من الرعيّة، فأمرهم بمجانبته عند الغضب . 

كما ثبت في الصحيح عن النبي  أنه قال : (( لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان ))( ) فنهى عن الحكم عند الغضب، وهذا هو الذي أراده أبو بكر : أراد أن لا يحكم وقت الغضب، وأمرهم أن لا يطلبوا منه حكماً، أو يَحْمِلوه على حكمٍ في هذه الحال . وهذا من طاعته لله ورسوله .

الثالث : أن يُقال : الغضب يعتري بني آدم كلهم، حتى قال سيد ولد آدم: (( اللهم أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، وإني اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه :أيّما مؤمن آذيته أو سَبَبْتُه أو جلدته فاجعلها له كفّارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة )) . أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة( ) .

وأما قوله(( فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوّموني )) فهذا من كمال عدله وتقواه، وواجب على كل إمام أن يُقتدى به في ذلك، وواجب على الرعيّة أن تعامل الأئمة بذلك . فإن استقام الإمام أعانوه على طاعة الله تعالى، وإن زاغ وأخطأ بيّنوا له الصّواب ودلّوه عليه، وإن تعمّد ظلماً منعوه منه بحسب الإمكان، فإذا كان منقاداً للحق، كأبي بكر فلا عذر لهم في ترك ذلك، وإن كان لا يمكن دفع الظلم إلا بما هو أعظم فساداً منه، لم يدفعوا الشر القليل بالشر الكثير .

وأما قول الرافضي : (( ومن شأن الإمام تكميل الرعية، فكيف يطلب منهم التكميل ؟ )) . 

عنه أجوبة : أحدها : أنّا لا نسلّم أن الإمام يكمّلهم وهم لا يكمّلونه أيضا، بل الإمام والرعية يتعاونون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان، بمنزلة أمير الجيش والقافلة والصلاة والحج، والدين قد عرف بالرسول، فلم يبق عند الإمام دين ينفرد به، ولكن لا بد من الاجتهاد في الجزئيات، فإن كان الحق فيها بيِّنًا أمر به، وإن كان متبيِّناً للإمام دونهم بيّنه لهم، وإن تبيَّن لأحد من الرعية دون الإمام بيّنه له، وإن اختلف الاجتهاد فالإمام هو المتَّبَع في اجتهاده، إذ لا بد من الترجيح، والعكس ممتنع . 

الثاني : أن هذا الكلام من أبي بكر ما زاده عنده الأمة إلا شرفا وتعظيما، ولم تعظِّم الأمة أحداً بعد نبيِّها كما عظَّمت الصديق، ولا أطاعت أحداً كما أطاعته، من غير رغبة أعطاهم إياها، ولا رهبة أخافهم بها، بل الذين بايعوا الرسول تحت الشجرة بايعوه طوعاً، مقرِّين بفضيلته واستحقاقه . ثم مع هذا لم نعلم أنهم اختلفوا في عهده في مسألة واحدة في دينهم إلا وأزال الاختلاف ببيانه لهم، ومراجعتهم له . وهذا أمر لا يشركه فيه غيره . 

وكان عمر أقرب إليه في ذلك، ثم عثمــان .

وأما عليّ فقاتلهم وقاتلوه، فلا قوّمهم ولا قوّموه، فأي الإمامين حصل به مقصود الإمامة أكثر ؟ وأي الإمامين أقام الدين، ورد المرتدين، وقاتل الكافرين، واتفقت عليه الكلمة، كلمة المؤمنين ؟ هل يشبِّه هذا بهذا إلا من هو في غاية النقص من العقل والدين ؟! 

(فصــل)

قال الرافضي : (( الثاني : قول عمر : كانت بيعة أبي بكر فلتة، وَقَى الله المسلمين شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه . وكونها فلتة يدلّ على أنها لم تقع عن رأي صحيح، ثم  سأل الله وقاية شرّها، ثم أمر بقتل من يعود إلى مثلها، وكان ذلك يوجب الطعن فيه )) .

والجواب : أن لفظ عمر ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس، من خطبة عمر التي قال فيها : (( ثم إنه قد بلغني أن قائلا منكم يقول : (( والله لو مات عمر بايعت فلانا )) فلا يغترنَّ امرؤٌ أن يقول : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن قد وَقَى الله شرّها، وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر،ومن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرَّة أن يقتلا، وإنه كان من خبرنا حين توفّى الله نبيه ، وذكر الحديث وفيه : أن الصديق قال : (( وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم . فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان – والله – أن أقدّم فيُضرب عنقي لا يقرِّبني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمّر على قومٍ فيهم أبو بكر، اللهم إلاّ أن تسول لي نفسي شيئا عند الموت لا أجده الآن )) وقد تقدّم الحديث بكماله( ) .

ومعنى ذلك أنها وقعت فجأة لم تكن قد استعددنا لها وتهيأنا، لأن أبا بكر كان متعيّنا لذلك، فلم يكن يحتاج في ذلك إلى أن يجتمع لها الناس، إذ كلهم يعلمون أنه أحق بها، وليس بعد أبي بكر من يجتمع الناس على تفضيله واستحقاقه كما اجتمعوا على ذلك في أبي بكر، فمن أراد أن ينفرد ببيعة رجل دون ملأ من المسلمين فاقتلوه . وهو لم يسأل وقاية شرّها، بل أخبر أن الله وَقَى شر الفتنة بالاجتماع .

(فصــل)

قال الرافضي : (( الثالث : قصورهم في العلم والتجاؤهم في أكثر الأحكام إلى عليّ )) . 

والجواب : أن هذا من أعظم البهتان . أما أبو بكر فما عُرف أنه استفاد من عليّ شيئا أصلا . وعليٌّ قد رَوَى عنه واحتذى حذوه واقتدى بسيرته . وأما عمر فقد استفاد عليٌّ منه أكثر مما استفاد عمر منه . وأما عثمان فقد كان أقل علماً من أبي بكر وعمر، ومع هذا فما كان يحتاج إلى عليّ، حتى أن بعض الناس شكا إلى عليّ بعض سعاة  عمّال عثمان، فأرسل إليه بكتاب الصدقة، فقال عثمان : لا حاجة لنا به . 

وصدَق عثمان ؛ وهذه فرائض الصدقة ونصبها التي لا تعلم إلا بالتوقيف فيها عن النبي ، وهي من أربع طرق : أصحها عند علماء المسلمين كتاب أبي بكر الذي كتبه لأنس بن مالك . وهذا هو الذي رواه البخاري( ) ، وعمل به أكثر الأئمة . وبعده كتاب عمر( ) .

وأما الكتاب المنقول عن عليّ ففيه أشياء لم يأخذ بها أحد من العلماء، مثل قوله : (( في خمس وعشرين خُمس شاة )) فإن هذا خلاف النصوص المتواترة عن النبي  . ولهذا كان ما رُوى عن عليّ : إما منسوخ، وإما خطأ في النقل .

والرابع كتاب عمرو بن حزم، كان قد كتبه لمّا بعثه إلى نجران . وكتاب أبي بكر هو آخر الكتب، فكيف يقول عاقل : إنهم كانوا يلجأون إليه في أكثر الأحكام، وقضاته لم يكونوا يلجؤون إليه، بل كان شريح القاضي وعبيدة السلماني ونحوهما من القضاة الذين كانوا في زمن عليّ يقضون بما تعلّموه من غير عليّ . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( الرابع : الوقائع الصادرة عنهم، وقد تقدّم أكثرها )).

قلنا :  الجواب قد تقدّم عنها مجملا ومفصلا . وبيان الجواب عمّا يُنكر عليهم أيسر من الجواب عمّا ينكر عَلَى عليّ، وأنه لا يمكن أحد له علمٌ وعدل أن يحرّجهم ويزكّي عليًّا، بل متى زكّى عليًّا كانوا أوْلى بالتزكية، وإن جرَّحهم كان قد طرق الجرح إلى عليّ بطريق الأَوْلى .

والرافضة إن طردت قولها لزمها جرح عليّ أعظم من جرح الثلاثة، وإن لم تطرده تبيّن فساده وتناقضه، وهو الصواب .

(فصــل)

قال الرافضي : (( الخامس: قوله تعالى : لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ( )  أخبر بأن عهد الإمامة لا يصل إلى الظالم . والكافر ظالم لقوله : وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( ) . ولا شك في أن الثلاثة كانوا كفَّارا يعبدون الأصنام، إلى أن ظهر النبي  )) .

والجواب من وجوه : أحدها : أن يُقال : الكفر الذي يعقبه الإيمان الصحيح لم يبق على صاحبه منه ذم . هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، بل من دين الرسل كلهم .

كما قال تعالى : قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ( ) . وقال النبي   في الحديث الصحيح : (( إن الإسلام َيجُبُّ ما قبله )) – وفي لفظ: (( يهدم ما كان قبله، وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وإن الحج يهدم ما كان قبله ))( ) .

الثاني : أنه ليس كل من وُلِد على الإسلام بأفضل ممن أسلم بنفسه، بل قد ثبت بالنصوص المستفيضة أن خير القرون القرن الأول، وعامتهم أسلموا بأنفسهم بعد الكفر، وهم أفضل من القرن الثاني الذين وُلدوا على الإسلام .

والرافضة لهم في هذا الباب قولٌ فارقوا به الكتاب والسنّة وإجماع السلف ودلائل العقول، والتزموا لأجل ذلك ما يُعلم بطلانه بالضرورة، كدعواهم إيمان آزر، وأبوى النبي وأجداده وعمّه أبي طالب وغير ذلك . 

الثالث : أن يُقال : قبل أن يبعث الله محمداً  لم يكن أحدٌ مؤمنا من قريش : لا رجل ولا صبيّ ولا امرأة، ولا الثلاثة، ولا عليّ . وإذا قيل عن الرجال : إنهم كانوا يعبدون الأصنام، فالصبيان كذلك : عليّ وغيره . 

الرابع : أن من قال : إن المسلم بعد إيمانه كافر، فهو كافر بإجماع المسلمين . فكيف يقال عن أفضل الخلق إيماناً : إنهم كفّار لأجل ما تقدم. 

(فصــل)

قال الرافضي : (( السادس : قول أبي بكر : (( أقيلوني فلست بخيركم، ولو كان إماما لم يجز له طلب الإقالة )) . 

والجواب : أن هذا : أولا : كان ينبغي أن يبيّن صحته، وإلا فما كل منقول صحيح . والقدح بغير الصحيح لا يصح . 

وثانيا : إن صح عن أبي بكر لم تجز معارضته بقول القائل : الإمام لا يجوز له طلب الإقالة ؛ فإن هذه دعوى مجردة لا دليل عليها، فلم لا يجوز له طلب الإقالة إن كان قال ذلك ؟ بل إن كان قاله لم يكن معنا إجماع على نقيض ذلك ولا نصّ، فلا يجب الجزم بأنه باطل . وإن لم يكن قاله فلا يضرّ تحريم هذا القول . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( السابع : قول أبي بكر عند موته : ليتني كنت سألت رسول الله  : هل للأنصار في هذا الأمر حق ؟ وهذا يدلّ على شكّه في صحة بيعة نفسه، مع أنه الذي دفع الأنصار يوم السقيفة لما قالوا : منا أمير ومنكم أمير، بما رواه عن النبي  : الأئمة من قريش )) .

والجواب : أما قول النبي  : (( الأئمة من قريش ))(1) فهو حق، ومن قال : إن الصدّيق شك في هذا، أو في صحة إمامته فقد كذب .

ومن قال : إن الصديق قال : ليتني كنت سألت النبي  : هل للأنصار في الخلافة نصيب ؟ فقد كذب، فإن المسألة عنده وعند الصحابة أظهر من أن يُشَكَّ فيها، لكثرة النصوص فيها عن النبي ، وهذا يدل على بطلان هذا النقل. 

(فصــل)

قال الرافضي : (( العاشر : أنه لم يول أبا بكر شيئا من الأعمال، وولّى عليه )) . 

والجواب من وجوه : أحدها : أن هذا باطل . بل الولاية التي ولاّها أبا بكر لم يشركه فيها أحد، وهي ولاية الحج . وقد ولاّه غير ذلك . 

الثاني :  أن النبي  قد ولّى من هو بإجماع أهل السنّة والشيعة من كان عنده دون أبي بكر، مثل عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، وخالد بن الوليد . فعُلم أنه لم يترك ولايته لكونه ناقصا عن هؤلاء . 

الثالث :  أن عدم ولايته لا يدل على نقصه، بل قد يترك ولايته لأنه عنده أنفع له منه في تلك الولاية، وحاجته إليه في المقام عنده وغنائه عن المسلمين أعظم من حاجته إليه في تلك الولاية، فإنه هو وعمر كانا مثل الوزيرَيْن له .

(فصــل)

قال الرافضي : (( الحادي عشر : أنه  أنفذه لأداء سورة براءة، ثم أنفذ عليًّا، وأمره بردّه، وأن يتولى هو ذلك، ومن لا يصلح لأداء سورة أو بعضها، فكيف يصلح للإمامة العامة، المتضمنة لأداء الأحكام إلى جميع الأمة ؟! )) 

والجواب من وجوه : أحدها : أن هذا من كذب باتفاق أهل العلم وبالتواتر العام ؛ فإن النبي  استعمل أبا بكر على الحج سنة تسع، ولم يردّه ولا رجع، بل هو الذي أقام للناس الحج ذلك العام، وعليٌّ من جملة رعيته : يصلي خلفه، ويدفع بدفعه، ويأتمر بأمره كسائر من معه . 

وهذا من العلم المتواتر عند أهل العلم : لم يختلف اثنان في أن أبا بكر هو الذي أقام الحج ذلك العام بأمر النبي   . فكيف يُقال : إنه أمره بردّه ؟! 

ولكن أردفه بعليّ لينبذ إلى المشركين عهدهم، لأن عادتهم كانت جاريةً أن لا يعقد العقود ولا يحلّها إلا المُطاع، أو رجل من أهل بيته، فلم يكونوا يقبلون ذلك من أحد . 

ولا ريب أن هذا الرافضي ونحوه من شيوخ الرافضة من أجهل الناس بأحوال الرسول وسيرته وأموره ووقائعه، يجهلون من ذلك ما هو متواتر معلوم لمن له أدنى معرفة بالسيرة، ويجيئون إلى ما وقع فيقلبونه، ويزيدون فيه وينقصون . 

وهذا القدر، وإن كان الرافضي لم يفعله، فهو فعل شيوخه وسلفه الذين قلّدهم،ولم يحقق ما قالوه، ويراجع ما هو المعلوم عند أهل العلم المتواتر عندهم، المعلوم لعامتهم وخاصتهم .

الثاني أن قوله : (( الإمامة العامة متضمنة لأداء جميع الأحكام إلى الأمة )) .

قول باطل ؛ فالأحكام كلها قد تلقتها الأمة عن نبيّها، لا تحتاج فيها إلى الإمام إلا كما تحتاج إلى نظائره من العلماء . 

الثالث : أن القرآن بلّغه عن النبي  كلُّ أحدٍ من المسلمين، فيمتنع أن يقال : إن أبا بكر لم يكن يصلح لتبليغه . 

الرابع : أنه لا يجوز أن يظن أن تبليغ القرآن يختص بعليّ، فإن القرآن لا يثبت بخبر الآحاد، بل لا بد أن يكون منقولاً بالتواتر . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( الثاني عشر : قول عمر : إن محمداً لم يمت، وهذا يدل على قلة علمه، وأمر برجم حامل، فنهاه عليّ، فقال : لولا عليّ لهلك عمر. وغير ذلك من الأحكام التي غلط فيها وتلوَّن فيها )) .

والجواب أن يقال: أولا: ثبت في الصحيحين عن النبي  أنه قال: (( قد كان قبلكم من الأمم محدِّثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر))(1) ومثل هذا لم يقله لعليّ .

وأنه قال : (( رأيت أنّي أُتيت بقدح فيه لبن، فشربت حتى أني لأرى الرِّيَّ يخرج من أظفاري، ثم ناولت فضلى عمر )) قالوا : فما أوّلته يا رسول الله ؟ قال : (( العلم))(2).

فعمر كان أعلم الصحابة بعد أبي بكـر .

وأما كونه ظن أن النبي  لم يمت، فهذا كان ساعةً، ثم تبيّن له موته. ومثل هذا يقع كثيراً : قد يشكّ الإنسان في موت ميّتٍ ساعة أو أكثر، ثم يتبيّن له موته . وعليّ قد تبيّن له أمورٌ بخلاف ما كان يعتقده فيها أضعاف ذلك، بل ظنّ كثيراً من الأحكام على خلاف ما هي عليه، ومات على ذلك، ولم يقدح ذلك في إمامته، كفُتياه في المفوّضة التي ماتت ولم يُفرض لها، وأمثال ذلك مما هو معروف عند أهل العلم .

وأما الحامل، فإن كان لم يَعْلَم أنها حامل، فهو من هذا الباب ؛ فإنه قد يكون أمر برجمها ولم يعلم أنها حامل، فأخبره عليّ أنها حامل . فقال : لولا أن عليًّا أخبرني بها لرجمتُها، فقتلت الجنين . فهذا هو الذي خاف منه .

وصاحب العلم العظيم إذا رجع إلى من هو دونه في بعض الأمور، لم يقدح هذا في كونه أعلم منه، فقد تعلّم موسى من الخضر ثلاث مسائل، وتعلّم سليمان من الهدهد خبر بلقيس . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( الثالث عشر : أنه ابتدع التراويح، مع أن النبي  قال : أيها الناس إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة، فإن قليلا في سُنَّةٍ خيرٌ من كثير في بدعة، ألا وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار . وخرج عمر في شهر رمضان ليلا، فرأى المصابيح في المساجد، فقال : ما هذا ؟ فقيل له : إن الناس قد اجتمعوا لصلاة التطوع . فقال : بدعة ونعمت البدعة، فاعترف بأنها بدعة )) .

فيقال :  ما رؤى في طوائف أهل البدع والضلال أجرأ من هذه الطائفة الرافضة على الكذب على رسول الله ، وقولها عليه ما لم يقله، والوقاحة المفرطة في الكذب، وإن كان فيهم من لا يعرف أنها كذب، فهو مفرط في الجهل كما قال : 

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة     وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم 

والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة . فيقال : ما الدليل على صحة هذا الحديث ؟ وأين إسناده ؟ وفي أي كتاب من كتب المسلمين روى هذا ؟ ومن قال من أهل العلم بالحديث : إن هذا صحيح ؟ 

الثاني : أن جميع أهل المعرفة بالحديث يعلمون علماً ضروريا أن هذا من الكذب الموضوع على رسول الله ، ومن له أدنى معرفة بالحديث يعلم أنه كذب، لم يروه أحدٌ من المسلمين في شيء من كتبه : لا كتب الصحيح، ولا السنن، ولا المسانيد، ولا المعجمات، ولا الأجزاء، ولا يعرف له إسناد : لا صحيح، ولا ضعيف، بل هو كذب بيّن . 

الثالث : أنه قد ثبت أن الناس كانوا يصلّون بالليل في رمضان على عهد النبي  . وثبت أنه صلّى بالمسلمين جماعةً ليلتين أو ثلاثا . 

وهذا الاجتماع العام لما لم يكن قد فعل سماه بدعة لأن ما فعل ابتداءً يسمى بدعة في اللغة، وليس ذلك بدعة شرعية، فإن البدعة الشرعية التي هي ضلالة هي ما فعل بغير دليل شرعي .

الرابع : أن هذا لو كان قبيحاً منهياً عنه لكان عليّ أبطله لما صار أمير المؤمنين وهو بالكوفة . فلما كان جاريا في ذلك مجرى عمر دل على استحباب ذلك، بل رُوى عن عليّ أنه قال : نور الله على عمر قبرَه كما نور علينا مساجدنا .

(فصــل)

قال الرافضي : (( الرابع عشر : أن عثمان فعل أموراً لا يجوز فعلها، حتى أنكر عليه المسلمون كافة، واجتمعوا على قتله أكثر من اجتماعهم على إمامته، وإمامة صاحبيه . 

والجواب من وجوه : أحدها : أن هذا من أظهر الكذب ؛ فإن الناس كلهم بايعوا عثمان في المدينة وفي جميع الأمصار، لم يختلف في إمامته اثنان، ولا تخلّف عنها أحد . ولهذا قال الإمام أحمد وغيره . إنها كانت أوكد من غيرها باتفاقهم  عليها . 

وأما الذين قتلوه فنفر قليل. قال ابن الزبَيْر يعيب قتلة عثمان : (( خرجوا عليه كاللصوص من وراء القرية، فقتلهم الله كل قتلة، ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب )) يعني هربوا ليلا . 

الثاني : أن يُقال : الذين أنكروا عَلَى عليّ وقاتلوه أكثر بكثير من الذين أنكروا على عثمان وقتلوه ؛ فإن عليًّا قاتله بقدر الذين قتلوا عثمان أضعافاً مضاعفة، وقطعة كبيرةٌ من عسكره : خرجوا عليه وكفّروه، وقالوا : أنت ارتددت عن الإسلام، لا نرجع إلى طاعتك حتى تعود إلى الإسلام . 

الثالث : أن يُقال : قد عُلم بالتواتر أن المسلمين كلهم اتفقوا على مبايعة عثمان، لم يتخلف عن بيعته أحد، مع أن بيعة الصدِّيق تخلَّف عنها سعد بن عبادة، ومات ولم يبايعه ولا بايع عمر، ومات في خلافة عمر . ولم يكن تخلّف سعد عنها قادحاً فيها، لأن سعداً لم يقدح في الصديق، ولا في أنه أفضل المهاجرين، بل كان هذا معلوماً عندهم، لكن طلب أن يكون من الأنصار أمير. 

وقد ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي  أنه قال : (( الأئمة من قريش ))(1) فكان ما ظنّه سعد خطأً مخالفاً للنص المعلوم . فعُلم أن تخلّفه خطأٌ بالنصّ، وإذا علم الخطأ بالنص لم يُحتج فيه إلى الإجماع . 

وأما بيعة عثمان فلم يتخلّف عنها أحد، مع كثرة المسلمين وانتشارهم . وأما عليّ فمن حين تولّى تخلّف عن بَيعته قريبٌ من نصف المسلمين من السابقين الأوَّلين، من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ممن قعد عنه فلم يقاتل معه ولا قاتله، مثل أُسامة بن زيد، وابن عمر، ومحمد بن سلمة، ومنهم من قاتله . 

ثم كثير من الذين بايعوه ورجعوا عنه : منهم من كفّره واستحلّ دمه، ومنهم من ذهب إلى معاوية، كعقيل أخيه وأمثاله . 

ولم تزل شيعة عثمان القادحين في عليّ تحتج بهذا عَلَى أن عليًّا لم يكن خليفة راشداً، وما كانت حجتهم أعظم من حجة الرافضة، فإذا كانت حجتهم داحضة، وعليٌّ قتل مظلوما، فعثمان أَوْلى بذلك . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( الفصل السادس : في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر . احتجوا بوجوه : الإجماع . والجواب منع الإجماع ؛ فإن جماعة من بني هاشم لم يوافقوا على ذلك، وجماعة من أكابر الصحابة، كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمّار وحُذيفة وسعد بن عبادة وزيد بن أرقم وأسامة بن زيد وخالد بن سعيد بن العاص وابن عباس . 

حتى أن أباه أنكر ذلك، وقال : من استُخلف عليّ الناس ؟ فقالوا: ابنك . قال : وما فعل المستضعفان ؟ إشارة إلى عليّ والعبّاس . قالوا : اشتغلوا بتجهيز رسول الله  ورأوا أن ابنك أكبر الصحابة سنًّا، فقال : أنا أكبر منه . 

وبنو حنيفة كافة لم يحملوا الزكاة إليه، حتى سمّاهم أهل الردة، وقتلهم وسباهم، فأنكر عمر عليه، وردَّ السبايا أيام خلافته )). 

والجواب : بعد أن يقال : الحمد لله الذي أظهر من أمر هؤلاء إخوان المرتدّين ما تحقق به عند الخاص والعام أنهم إخوان المرتدّين حقًّا، وكشف أسرارهم، وهتك أستارهم بألسنتهم ؛ فإن الله لا يزال يطلع على خائنة منهم، تبيّن عداوتهم لله ورسوله، والخيار عباد الله وأوليائه المتّقين، ومن يُرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا .

فنقول : من كان له أدنى علم بالسيرة، وسمع مثل هذا الكلام، جزم بأحد أمرين : إما بأن قاتله من أجهل الناس بأخبار الصحابة، وإما أنه من أجرأ الناس على الكذب . فظنّى أن هذا المصنف وأمثاله من شيوخ الرافضة ينقلون ما في كتب سلفهم، من غير اعتبار منهم لذلك ، ولا نظر في أخبار الإسلام، وفي الكتب المصنفة في ذلك، حتى يعرف أحوال الإسلام، فيبقى هذا وأمثاله في ظلمة الجهل بالمنقول والمعقول . 

ولا ريب أن المفترين للكذب من شيوخ الرافضة كثيرون جدا وغالب القوم ذوو هوىً أو جهل، فمن حدَّثهم بما يوافق هواهم صدّقوه، ولم يبحثوا عن صدقه وكذبه، ومن حدّثهم بما يخالف أهواءهم كذّبوه، ولم يبحثوا عن صدقه وكذبه . ولهم نصيب وافر من قوله تعالى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ  (1)، كما أن أهل العلم والدين لهم نصيب وافر من قوله تعالى : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (2) . 

ومن أعظم ما في هذا الكلام من الجهل والضلال جعله بني حنيفة من أهل الإجماع ؛ فإنهم لمّا امتنعوا عن بيعته ولم يحملوا إليه الزكاة سمَّاهم أهل الردة، وقتلهم وسباهم . وقد تقدَّم مثل هذا في كلامه .

وبنو حنيفة قد علم الخاص والعام أنهم آمنوا بمسَيْلمة الكذّاب، الذي ادّعى النبوة باليمامة، وادّعى أنه شريك النبي  في الرسالة، وادّعى النبوة في آخر حياة النبي .

وأمر مسَيْلمة وادّعاؤه النبوة واتّباع بني حنيفة له أشهر وأظهر من أن يخفى، إلا على من هو أبعد الناس عن المعرفة والعلم . 

ومن أعظم فضائل أبي بكر عند الأمة – أولهم وآخرهم – أنه قاتل المرتدّين . وأعظم الناس ردّة كان أبو حنيفة، ولم يكن قتاله لهم على منع الزكاة، بل قاتلهم على أنهم آمنوا بمسَيْلمة الكذاب . وكانوا فيما يُقال نحو مائة ألف . 

والحنفِية أم محمد بن الحنفية سَرِّيةُ عليّ كانت من بني حنيفة، وبهذا احتجّ من جَوَّز سبي المرتدّات إذا كانت المرتدّون محاربين، فإذا كانوا مسلمين معصومين، فكيف استجاز عليّ أن يسبى نساءهم، ويطأ من ذلك السبي ؟ 

وأما قول الرافضي : أن عمر أنكر قتال أهل الردة . 

فمن أعظم الكذب والافتراء على عمر، بل الصحابة كانوا متفقين على قتال مسيلمة وأصحابه ولكن كانت طائفة أخرى مقرين بالإسلام، وامتنعوا عن أداء الزكاة، فهؤلاء حصل لعمر أولاً شبهة في قتالهم حتى ناظره الصدِّيق، وبيّن وجوب قتالهم، فرجع إليه والقصة في ذلك مشهورة . 

فإن جاز أن يطعن في الصديق والفاروق أنهما قاتلا لأخذ المال فالطعن في غيرهما أوجه، فإذا وجب الذب عن عثمان وعليّ فهو عن أبي بكر وعمر أوجب . 

وعليّ يقاتل ليطاع ويتصرف في النفوس والأموال فكيف يجعل هذا قتالا على الدِّين ؟ وأبو بكر يقاتل من ارتدّ عن الإسلام ومن ترك ما فرض الله، ليطيع الله ورسوله فقط، ولا يكون هذا قتالاً على الدين ؟ 

وأما الذين عدّهم هذا الرافضي أنهم تخلّفوا عن بيعة الصدّيق من أكابر الصحابة، فذلك كذب عليهم، إلاّ على سعد بن عبادة، فإن مبايعة هؤلاء لأبي بكر وعمر أشهر من أن تنكر، وهذا مما اتفق عليه أهل العلم بالحديث والسير والمقولات، وسائر أصناف أهل العلم، خلفاً عن سلف .

وأسامة بن زيد ما خرج في السريّة حتى بايعه، ولهذا يقول له : (( يا خليفة رسول الله )) .

وكذلك جميع من ذكره بايعه . لكن خالد بن سعيد كان نائباً للنبي  ، فلما مات النبي  قال : (( لا أكون نائباً لغيره )) فترك الولاية، وإلا فهو من المقرِّين بخلافة الصدِّيق . وقد عُلم بالتواتر أنه لم يتخلّف عن بيعته إلا سعد بن عبادة  .

وأما عليّ وبنو هاشم فكلهم بايعه باتفاق الناس، لم يمت أحدٌ منهم إلا وهو مبايعٌ له . 

لكن قيل : عليٌّ تأخرت بيعته ستة أشهر . وقيل : بل بايعه ثاني يوم . وبكل حال فقد بايعوه من غير إكراه . 

ثم جميع الناس بايعوا عمر، إلاّ سعداً، ولم يتخلّّف عن بيعة عمر أحدٌ : لا بنو هاشم ولا غيرهم . 

وأما بيعة عثمان فاتفق الناس كلهم عليها . 

وما ذكره عن أبي قحافة فمن الكذب المتفق عليه، ولكن أبو قحافة كان بمكة، وكان شيخاً كبيراً أسلم عام الفتح . أَتَى به أبو بكر إلى النبي  ورأسه ولحيته مثل الثغامة، فقال النبي  : (( لو أقررت الشيخ مكانه لأتيناه ))(1) إكراما لأبي بكر . 

وقوله : (( إنهم قالوا لأبي قحافة : إن ابنك أكبر الصحابة سنًّا )) كذب ظاهر . وفي الصحابة خلق كثير أسنُّ من أبي بكر، مثل العبّاس، فإن العبّاس كان أسنّ من النبي  بثلاث سنين، والنبي  كان أسنَّ من أبي بكر . 

وحينئذ فالجواب عن منعه الإجماع من وجـــوه : 

أحدهــا : أن هؤلاء الذين ذكرهم لم يتخلّف منهم إلا سعد بن عبادة ، وإلاّ فالبقية كلهم بايعوه باتفاق أهل النقل . وطائفة من بني هاشم قد قيل : إنها تخلّفت عن مبايعته أولا، ثم بايعته بعد ستة أشهر، من غير رهبة ولا رغبة . 

ولا ريب أن الإجماع المعتبر في الإمامة لا يضرّ فيه تخلف الواحد والاثنين والطائفة القليلة، فإنه لو اعتبر ذلك لم يكد ينعقد إجماع عَلَى إمامة، فإن الإمامة أمر معيّن، فقد يتخلّف الرجل لهوىً لا يُعلم، كتخلّف سعد، فإنه كان قد استشرف إلى أن يكون هو أميراً من جهة الأنصار، فلم يحصل له ذلك، فبقي في نفسه بقية هوىً . ومن ترك الشيء لهوىً، لم يؤثر تركه . 

الثاني : أنه لو فرض خلاف هؤلاء الذين ذكرهم، وبقدرهم مرتين لم يقدح في ثبوت الخلافة، فإنه لا يشترط في الخلافة إلا اتفاق أهل الشوكة والجمهور الذين يقام بهم الأمر، بحيث يمكن أن يقام بهم مقاصد الإمامة، ولهذا قال النبي  : (( عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة ))( ) . 

الثالث : أن يُقال : إجماع الأمة على خلافة أبي بكر كان أعظم من اجتماعهم على مبايعة عليّ ؛ فإن ثلث الأمة – أو أقل أو أكثر – لم يبايعوا عليًّا ؛ بل قاتلوه . والثلث الآخر لم يقاتلوا معه، وفيهم من لم يبايعه أيضا . والذين لم يبايعوه منهم من قاتلهم، ومنهم من لم يقاتلهم . فإن جاز القدح في الإمامة بتخلّف بعض الأمة عن البيعة، كان القدح في إمامة عليّ أولى بكثير . 

فلا طريق يثبت بها كون عليّ مستحقاً للإمامة، إلا وتلك الطريق يثبت بها أن أبا بكر مستحق للإمامة، وأنه أحق للإمامة من عليّ وغيره . وحينئذ فالإجماع لا يُحتاج إليه في الأولى( ) ولا في الثانية،وإن كان الإجماع حاصلاً .

(فصــل)

قال الرافضي : ((وأيضاً الإجماع ليس أصلا في الدلالة، بل لا بد أن يستند المجمعون إلى دليل على الحكم حتى يجتمعوا عليه، وإلا كان خطأً، وذلك الدليل إما عقلي، وليس في العقل دلالة على إمامته، وإما نقلي، وعندهم أن النبي  مات من غير وصية، ولا نصّ على إمام، والقرآن خالٍ منه، فلو كان الإجماع متحققا كان خطأً فتنتفى دلالته )).

والجواب من وجوه : أحدها : أن قوله : (( الإجماع ليس أصلاً في الدلالة )) .

إن أراد به أن أمر المجتمعين لا تجب طاعته لنفسه، وإنما تجب لكونه دليلا على أمر الله ورسوله، فهذا صحيح . ولكن هذا لا يضر ؛ فإن أمر الرسول كذلك لم تجب طاعته لذاته، بل لأن من أطاع الرسول فقد أطاع الله . ففي الحقيقة لا يطاع أحد لذاته إلا الله . له الخلق والأمر، وله الحكم، وليس الحكم إلا لله . وإنما وجبت طاعة الرسول لأن طاعته طاعة الله، ووجبت طاعة المؤمنين المجتمعين، لأن طاعتهم طاعة الله والرسول، ووجب تحكيم الرسول ، لأن حكمه حكم الله . وكذلك تحكيم الأمة، لأن حكمها حكم الله . 

وإن أراد به أنه قد يكون موافقاً للحق،وقد يكون مخالفا له، وهذا هو الذي أراده . فهذا قدح في كون الإجماع حجة، ودعوى أن الأمة قد تجتمع على الضلالة والخطأ . كما يقول ذلك من يقوله من الرافضة الموافقين للنّظام. 

وحينئذ فيُقال : كون عليّ إماما ومعصوما وغير ذلك من الأصول، الإمامية أثبتوه بالإجماع، إذ عمدتهم في أصول دينهم علَى ما يذكرونه من العقليات وعلى الإجماع، وعلى ما ينقلونه . فهم يقولون : عُلم بالعقل لأنه لا بد للناس من إمام معصوم وإمام منصوص عليه، وغير عليّ ليس معصوما ولا منصوصا عليه بالإجماع، فيكون المعصوم هو عليًّا، وغير ذلك من مقدمات حججهم .

فيقال لهم : إن لم يكن الإجماع حجة، فقد بطلت تلك الحجج، فبطل ما بنوه على الإجماع من أصولهم، فبطل قولهم . وإذا بطل ثبت مذهب أهل السنّة.

وإن كان الإجماع حقًّا، فقد ثبت أيضا مذهب أهل السنّة، فقد تبين بطلان قولهم سواء قالوا : الإجماع حجة أم لم يقولوا، وإذا بطل قولهم ثبت مذهب أهل السنّة وهو المطلوب .

وإن قالوا:  نحن لم ندع الإجماع ولا نحتج به في شيء من أصولنا، وإنما عمدتنا العقل والنقل عن الأئمة المعصومين . 

قيل لهم : إذا لم تحتجوا بالإجماع لم يبق معكم حجة سمعية غير النقل المعلوم عن النبي  ؛ فإن ما ينقلونه عن عليّ وغيره من الأئمة لا يكون حجة حتى نعلم عصمة الواحد من هؤلاء، وعصمة الواحد من هؤلاء لا تثبت إلا بنقل عمّن عُلم عصمته، والمعلوم عصمته هو الرسول، فما لم يثبت نقل معلوم عن الرسول بما يقولونه، لم يكن معهم حجة سمعية أصلا : لا في أصول الدين ولا في فروعه، وحينئذ فيرجع الأمر إلى دعوى خلافة عليّ بالنص، فإن أثبتم النصّ بالإجماع فهو باطل، لنفيكم كون الإجماع حجة، وإن لم تثبتوه إلا بالنقل الخاص الذي يذكره بعضكم، فقد تبيّن بطلانه من وجوه، وتبين أن ما ينقله الجمهور وأكثر الشيعة مما يناقض هذا القول يُوجب علماً يقينيا بأن هذا كذب . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( وأيضا الإجماع إما أن يُعتبر فيه قول كل الأمة، ومعلوم  أنه لم يحصل، بل ولا أجماع أهل المدينة أو بعضهم . وقد أجمع أكثر الناس على قتل عثمان )) . 

والجواب : أن يُقال : أما الإجماع على الإمامة : فإن أريد به الإجماع الذي تنعقد به الإمامة، فهذا يعتبر فيه موافقة أهل الشوكة، بحيث يكون متمكنا بهم من تنفيذ مقاصد الإمامة، حتى إذا كان رؤوس الشوكة عدداً قليلاً، ومن سواهم موافق لهم، حصلت الإمامة بمبايعتهم له . هذا هو الصواب الذي عليه أهل السنّة، وهو مذهب الأئمة، كأحمد وغيره . 

وأما أهل الكلام فقدّرها كل منهم بعدد، وهي تقديرات باطلة . 

وإن أريد به الإجماع على الاستحقاق والأولوية، فهذا يُعتبر فيه : إما الجميع، وإما الجمهور . وهذه الثلاثة حاصلة في خلافة أبي بكر . 

وأما عثمان فلم يتفق على قتله إلا طائفة قليلة، لا يبلغون نصف عُشر عُشر عشر الأمة .

(فصــل)

قال الرافضي : (( وأيضا كل واحد من الأمة يجوز عليه الخطأ، فأي عاصم لهم عن الكذب عند الإجماع ؟ )) .

والجواب : أن يُقال : من المعلوم أن الإجماع إذا حصَل، حصل له من الصفات ما ليس للآحاد، لم يجز أن يُجعل حكم الواحد حكم الاجتماع ؛ فإن كل واحد من المخبرين يجوز عليه الغلط والكذب، فإذا انتهى المخبرون إلى حد التواتر امتنع عليهم الكذب والغلط . 

وأيضا فإن كان الإجماع قد يكون خطأً، لم يثبت أن عليًّا معصوم كما زعموا ؛ فإنه إنما عُلمت عصمته بالإجماع على أنه لا معصوم سواه، فإذا جاز كون الإجماع أخطأ، أمكن أن يكون في الأمة معصوم غيره، وحينئذ فلا يُعلم أنه هو المعصوم . 

فتبين أن قدحهم في الإجماع يُبطل الأصل الذي اعتمدوا عليه في إمامة المعصوم، وإذا بطل أنه معصوم بطل أصل مذهب الرافضة . فتبين أنهم إن قدحوا في الإجماع بطل أصل مذهبهم، وإن سلّموا أنه حجة بطل مذهبهم، فتبين بطلان مذهبهم على التقديرين . 

(فصــل)

قال الرافضي : ((وقد بيّنا ثبوت النصّ الدالّ على إمامة أمير المؤمنين، فلو أجمعوا على خلافه لكان خطأ، لأن الإجماع الواقع على خلاف النص يكون عندهم خطأ )) . 

والجواب من وجوه : أحدها :  أنه قد تقدّم بيان بطلان كل ما دل على أنه إمام قبل الثلاثة . 

الثاني : أن النصوص إنما دلت على خلافة الثلاثة قبله . 

الثالث : أن يُقال : الإجماع المعلوم حجة قطعية لا سمعية، لا سيما مع النصوص الكثيرة الموافقة له . فلو قدِّر ورود خبر يخالف الإجماع كان باطلا: إما لكون الرسول لم يقله، وإما لكونه لا دلالة فيه . 

الرابع : أنه يمتنع تعارض النص المعلوم والإجماع المعلوم، فإن كليهما حجة قطعية، والقطعيات لا يجوز تعارضها، لوجوب وجود مدلولاتها، فلو تعارضت لزم الجمع بين النقيضين . 

وقد دل الإجماع المعلوم والنص المعلوم على خلافة الصدّيق رضي الله عنه وبطلان غيرهما . ونصّ الرافضة مما نحن نعلم كذبه بالاضطرار، وعلى كذبه أدلة كثيرة . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( الثاني : ما رووه عن النبي  أنه قال : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر . والجواب : المنع من الرواية، ومن دلالتها على الإمامة ؛ فإن الاقتداء بالفقهاء لا يستلزم كونهم أئمة . وأيضا فإن أبا بكر وعمر قد اختلفا في كثير من الأحكام فلا يمكن الاقتداء بهما . وأيضا فإنه معارض لما رووه من قوله : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، مع إجماعهم على انتفاء إمامتهم )) .

والجواب من وجوه : أحدها : أن يُقال : هذا الحديث بإجماع أهل العلم بالحديث أقوى من النص الذي يروونه في إمامة عليّ ؛ فإن هذا أمر معروف في كتب أهل الحديث المعتمدة، ورواه أبو داود في سننه، والترمذي في جامعه(1) .

وأما النص على عليّ فليس في شيء من كتب أهل الحديث المعتمدة، وأجمع أهل الحديث على بطلانه، حتى قال أبو محمد بن حزم :(( ما وجدنا قط رواية عن أحدٍ في هذا النصّ المدّعى إلا رواية واهية عن مجهول إلى مجهول يكنى أبا الحمراء،لا نعرف من هو في الخلق ))(2).

فيمتنع أن يُقدح في هذا الحديث مع تصحيح النص عَلَى عليّ . 

وأما الدلالة، فالحجة في قوله : (( باللذين من بعدي )) أخبر أنهما من بعده، وأمر بالاقتداء بهما . فلو كانا ظالمَيْن أو كافرين في كونهما بعده لم يأمر بالاقتداء بهما، فإنه لا يأمر بالاقتداء بالظالم، فإن الظالم لا يكون قدوة يؤتم به. بدليل قوله : لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (3)، فدل على أن الظالم لا يؤتم به، والائتمام هو الاقتداء، فلما أمر بالاقتداء بمن بعده، والاقتداء هو الائتمام، مع إخبراره أنهما يكونان بعده، دلّ على أنهما إمامان قد أمر بالائتمام بهما بعده، وهذا هو المطلوب .

وأما قوله: (( اختلفا في كثير من الأحكام)) فليس الأمر كذلك، بل لا يكاد يعرف اختلاف أبي بكر وعمر إلا في الشيء اليسير، والغالب أن يكون عن أحدهما فيه روايتان، كالجد مع الإخوة، فإن عمر عنه فيه روايتان أحداهما كقول أبي بكر . 

وأما قوله : أصحابي كالنجوم . الخ .. فهذا الحديث ضعيف، ضعفه أهل الحديث، قال البزار : هذا حديث لا يصح عن رسول الله ، وليس هو في كتب الحديث المعتمدة، وأيضا فليس فيه لفظ بعدي، والحجة هناك قوله : بعدي، وأيضا ليس فيه الأمر بالاقتداء بهم، وهذا فيه الأمر بالاقتداء بهم . 

(فصــل)

قال الرافضي : (( الثالث : ما ورد فيه من الفضائل كآية الغار، وقوله تعالى : وَسَيُجَنَّبُهَا اْلأَتْقَى ( ) ، وقوله : قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ اْلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ( ) . والداعي هو أبو بكر : كان أنيس رسول الله  في العريش يوم بدر، وانفق على النبي ، وتقدم في الصلاة)) .

قال : ((والجواب أنه لا فضيلة له في الغار، لجواز أن يستصحبه حذراً منه لئلا يظهر أمره . 

وأيضا فإن الآية تدل على نقيضه لقوله : لاَ تَحْزَنْ  فإنه يدل على خوره وقلة صبره، وعدم يقينه بالله تعالى، وعدم رضاه بمساواته النبي ، و بقضاء الله وقدره ،ولأن الحزن إن كان طاعة استحال أن ينهى عنه النبي ، وإن كان معصية كان ما ادعوه من الفضيلة رذيلة . 

وأيضا فإن القرآن حيث ذكر إنزال السكينة على رسول الله شرك معه المؤمنين إلا في هذا الموضوع، ولا نقص أعظم منه . 

وأما : وَسَيُجَنَّبُهَا اْلأَتْقَى  فإن المراد أبو الدحداح، حيث اشترى نخلة شخص لأجل جاره، وقد عرض النبي  على صاحب النخلة نخلة في الجنة، فأبى، فسمع أبو الدحداح فاشتراها ببستان له، ووهبها الجار، فجعل النبي  عوضها له بستانا في الجنة . 

وأما قوله تعالى : قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ اْلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ( ) . يريد سندعوكم إلى قوم، فإن أراد الذين تخلفوا عن الحديبية. والتمس هؤلاء أن يخرجوا إلى غنيمة خيبر، فمنعهم الله تعالى بقوله : قُل لَّن تَتَّبِعُونَا ( ) ،لأنه تعالى جعل غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ثم قال : قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ اْلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ  . يريد :سندعوكم فيما بعد إلى قتال قوم أولي بأسٍ شديد، وقد دعاهم رسول الله  إلى غزوات كثيرة : كمؤتة، وحنين، وتبوك، وغيرها، فكان الداعي رسول الله   . 

وأيضا جاز أن يكون عليّ هو الداعي، حيث قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، وكان رجوعهم إلى طاعته إسلاما لقوله عليه الصلاة والسلام : يا عليّ حربك حربي وحرب رسول الله  كفر . 

وأما كونه أنيسه في العريش يوم بدر فلا فضل فيه، لأن النبي  كان أنسه بالله تعالى مغنيا له عن كل أنيس، لكن لما عرف النبي  أن أمره لأبي بكر بالقتال يؤدي إلى فساد الحال، حيث هرب عدة مرات في غزواته،وأيّما أفضل : القاعد عن القتال، أو المجاهد بنفسه في سبيل الله ؟ .

وأما إنفاقه على رسول الله  فكذب لأنه لم يكن ذا مال ؛ فإن أباه كان فقيرا في الغاية، وكان يُنادى على مائدة عبد الله بن جدعان بمدٍّ كل يوم يقتات له، فلو كان أبو بكر غنيا لكفى أباه . وكان أبو بكر في الجاهلية معلّما للصبيان، وفي الإسلام كان خيّاطا، ولما ولى أمر المسلمين منعه الناس عن الخياطة فقال : إني محتاج إلى القوت، فجعلوا له كل يوم ثلاثة دراهم من بيت المال، والنبي  كان قبل الهجرة غنياًّ بمال خديجة، ولم يحتج إلى الحرب وتجهيز الجيوش، وبعد الهجرة لم يكن لأبي بكر ألبتة شيء، ثم لو أنفق لوجب أن ينزل فيه قرآن، كما نزل في عليّ : هَلْ أَتَى( ) .

ومن المعلوم أن النبي  أشرف من الذين تصدّق عليهم أمير المؤمنين، والمال الذي يدّعون إنفاقه أكثر، فحيث لم ينزل فيه قرآن دل على كذب النقل . 

وأما تقديمه في الصلاة فخطأ، لأن بلالا لما أذن بالصلاة أمرته عائشة أن يقدم أبا بكر، ولما أفاق النبي  سمع التكبير فقال : من يصلي بالناس ؟ فقالوا : أبو بكر، فقال : أخرجوني، فخرج بين عليّ والعباس فنحاه عن القبلة وعزله عن الصلاة وتولّى هو الصلاة )) .

قال الرافضي : (( فهذه حال أدلة القوم، فلينظر العاقل بعين الإنصاف وليقصد اتّباع الحق دون اتّباع الهوى، ويترك تقليد الآباء والأجداد، فقد نهى الله تعالى في كتابه عن ذلك، ولا تلهيه الدنيا عن إيصال الحق إلى مستحقه، ولا يمنع المستحق عن حقه، فهذا آخر ما أردنا إثباته في هذه المقدمة )) .

والجواب : أن يُقال : في هذا الكلام من الأكاذيب والبُهت والفرية ما لا يُعرف مثله لطائفة من طوائف المسلمين . ولا ريب أن الرافضة فيهم شبه قوي من اليهود، فإنهم قومٌ بُهتٌ، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون .

وظهور فضائل شيخى الإسلام : أبي بكر وعمر، أظهر بكثير عند كل عاقل من فضل غيرهما، فيريد هؤلاء الرافضة قلب الحقائق . ولهم نصيب من قوله تعالى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ (1)، وقوله : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ  (2)، ونحو هذه الآيات . 

فإن القوم من أعظم الفرق تكذيبا بالحق، وتصديقا بالكذب، وليس في الأمة من يماثلهم في ذلك . 

أما قوله : (( لا فضيلة له في الغار )) .

فالجواب : أن الفضيلة في الغار ظاهرة بنصّ القرآن، لقوله تعالى : إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا  (3)، فأخبر الرسول  أن الله معه ومع صاحبه . كما قال لموسى وهارون : إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (4) .

وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث أنس عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت : يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا . فقال : (( يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما ))(1).

وهذا الحديث مع كونه مما اتفق أهل العلم بالحديث على صحته وتلقّيه بالقبول والتصديق، فلم يختلف في ذلك اثنان منهم، فهو مما دل القرآن على معناه ، يقول : إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا  (2) .

وهذا غاية المدح لأبي بكر إذ دل على أنه ممن شهد له الرسول بالإيمان، المقتضى نصر الله له مع رسوله في مثل هذه الحال التي بيّن الله فيها غناه عن الخلق، فقال : إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ (3)، ولهذا قال سفيان بن عيينة وغيره : إن الله عاتب الخلق جميعهم في نبيه إلا أبا بكر . وقال : من أنكر صحبته أبي بكر فهو كافر لأنه كذب القرآن، وقال طائفة من أهل العلم كأبي القاسم السهيلي وغيره . هذه المعية لم تثبت لغير أبي بكر .

وكذلك قوله : (( ما ظنّك باثنين الله ثالثهما )) . بل ظهر اختصاصهما في اللفظ كما ظهر في المعنى، فكان يقال للنبي  : (( محمد رسول الله )) فلما تولى أبو بكر بعده صاروا يقولون : ((خليفة رسول الله )) فيضيفون الخليفة إلى رسول الله، المضاف إلى الله، والمضاف إلى المضاف، إلى الله مضاف إلى الله تحقيقا لقوله : (( إن الله معنا ))، ما ظنك باثنين الله ثالثهما . ثم لما تولى عمر بعده صاروا يقولون : (( أمير المؤمنين )) فانقطع الاختصاص الذي امتاز به أبو بكر عن سائر الصحابة . 

ومن تأمّل هذا وَجَد فضائل الصدِّيق التي في الصحاح كثيرة، وهي خصائص . مثل حديث المخالّة، وحديث : إن الله معنا، وحديث : إنه أحب الرجال إلى النبي ، وحديث الإتيان إليه بعده، وحديث كتابة العهد إليه بعده، وحديث تخصيصه بالتصديق ابتداءً والصحبة، وتركه له، وهو قوله: (( فهل أنتم تاركو لي صاحبي ؟ ))، وحديث دفعه عنه عقبة بن أبي معيط لمّا وضع الرداء في عنقه حتى خلّصه أبو بكر،وقال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟! وحديث استخلافه في الصلاة وفي الحج،وصبره وثباته بعد موت النبي وانقياد الأمة له، وحديث الخصال التي اجتمعت فيه في يومٍ، وما اجتمعت في رجل إلا وجبت له الجنة، وأمثال ذلك(1) . 

والمقصود هنا بيان اختصاصه في الصحبة الإيمانية بما لم يشركه مخلوق، لا في قدرها ولا في صفتها ولا في نفعها، فإنه لو أحصى الزمان الذي كان يجتمع فيه أبو بكر بالنبي ، والزمان الذي كان يجتمع به فيه عثمان أو عليّ أو غيرهما من الصحابة، لوُجد ما يختص به أبو بكر أضعاف ما اختص به واحد منهم، لا أقول ضعفه . 

وأما المشترك بينهم فلا يختص به واحد . 

وأما كمال معرفته ومحبته للنبي  وتصديقه له، فهو مبرّز في ذلك على سائرهم تبريزاً باينهم فيه مباينة لا تخفى على من كان له معرفة بأحوال القوم، ومن لا معرفة له بذلك لم تُقبل شهادته . 

وأما نفعه للنبي  ومعاونته له على الدين فكذلك . 

فهذه الأمور التي هي مقاصد  الصحبة ومحامدها، التي بها يستحق الصحابة أن يُفضَّلوا بها على غيرهم، لأبي بكر فيها من الاختصاص بقدرها ونوعها وصفتها وفائدتها ما لا يشركه فيه أحد .

كما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن النبي  جلس على المنبر فقال : (( إنَّ عبداً خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الحياة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده )) فبكى أبو بكر، وقال : فديناك بآبائنا وأمهاتنا . قال : فكان رسول الله  هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا به. فقال رسول الله  : (( إن من أمنّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته))( ) .  

وروى البخاري من حديث ابن عباس قال : خرج النبي  في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسه بخرقة ، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال : (( إنه ليس أحدٌ من الناس أمنّ على في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذاً من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة الإسلام أفضل،سدّوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر))( ) .

وفي رواية : (( لو كنت متخذاً من هذه الأمة خليلا لاتخذته، ولكن أخوة الإسلام أفضل )) .

وفي رواية : (( ولكن أخي وصاحبي )) .

فهذه النصوص كلها مما تبيّن اختصاص أبي بكر من فضائل الصحبة ومناقبها والقيام بها وبحقوقها بما لم يشركه فيه أحد، حتى استوجب أن يكون خليله دون الخلق، لو كانت المخالّة ممكنة . 

وهذه النصوص صريحة بأنه أحب الخلق إليه، وأفضلهم عنده . كما صرّح بذلك في حديث عمرو بن العاص أن النبي  بعثه على جيش ذات السلاسل، قال : (( فأتيته فقلت : أي الناس أحب إليك ؟ قال : (( عائشة )). قلت: فمن الرجال ؟ قال : (( أبوها )). قلت : ثم من ؟ قال: عمر وعدّ رجالً ))، وفي رواية للبخاري (( قال : فَسكَتُّ مخافة أن يجعلني آخرهم ))( ) 

(فصــل)

ومما يبيّن من القرآن فضيلة أبي بكر في الغار أن الله تعالى ذكر نصره لرسوله في هذه الحال التي يُخذل فيها عامة الخلق إلا من نصره الله : إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ( ) . أي أخرجوه في هذه القلة من العدد، لم يصحبه إلا الواحد، فإن الواحد أقل ما يوجد . فإذا لم يصحبه إلا واحدٌ دلّ على أنه في غاية القلّة .

ثم قال : إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا  ( ) . وهذا يدلّ على أن صاحبه كان مشفقا عليه محبًّا له ناصراً له حيث حزن، وإنما يحزن الإنسان حال الخوف على من يحبّه، وأما عدوه فلا يحزن إذا انعقد سبب هلاكه . 

فلو كان أبو بكر مبغِضا كما يقول المفترون لم يحزن ولم ينه عن الحزن، بل كان يضمر الفرح والسرور، ولا كان الرسول يقول له : (( لا تحزن إن الله معنا )) .

فإن قال المفترى : إنه خَفِيَ على الرسول حاله لمّا أظهر له الحزن، وكان في الباطن مبغضا .

قيل له : فقد قال : إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا  فهذا إخبار بأن الله معهما جميعا بنصره، ولا يجوز للرسول أن يخبر بنصر الله لرسوله وللمؤمنين وأن الله معهم، ويجعل ذلك في الباطن منافقا، فإنه معصوم في خبره عن الله، لا يقول عليه إلا الحق . 

وأيضا فمعلوم أن أضعف الناس عقلاً لا يخف عليه حال من يصحبه في مثل هذا السفر، الذي يعاديه فيه الملأ الذين هو بين أظهرهم، ويطلبون قتله، وأولياؤه هناك لا يستطيعون نصره، فكيف يصحب واحداً ممن يظهر له موالاته دون غيره، وقد أظهر له هذا حزنه، وهو مع ذلك عدوّ في الباطن، والمصحوب يعتقد أنه وليه، وهذا لا يفعله إلا أحمق الناس وأجهلهم . 

فقبَّح الله من نَسَبَ رسوله، الذي هو أكمل الخلق عقلا وعلما وخبرة، إلى مثل هذه الجهالة والغباوة .

(فصــل)

وأما قول الرافضي : يجوز أن يستصحبه لئلا يظهر أمره حذرا منه . 

والجواب : أن هذا باطل من وجوه كثيرة لا يمكن استتقصاؤها . 

أحدها : أنه قد علم بدلالة القرآن موالاته له ومحبته، لا عداوته، فبطل ادعاؤه . 

الثاني : أنه قد علم بالتواتر المعنوي أن أبا بكر كان محبا للنبي  مؤمنا به، ومن أعظم الخلق اختصاصا به، أعظم مما تواتر من شجاعة عنترة، ومن سخاء حاتم ومن موالاة عليّ ومحبته به، ونحو ذلك من التواترات المعنوية التي اتفق فيها الأخبار الكثيرة على مقصود واحد، والشك في محبة أبي بكر كالشك في غيره وأشد، ومن الرافضة من ينكر كون أبي بكر وعمر مدفونين في الحجرة النبوية، وبعض غلاتهم ينكر أن يكون هو صاحبه الذي معه في الغار، وليس هذا من بهتانهم ببعيد، فإن القوم قوم بهت، يجحدون المعلوم ثبوته بالاضطرار ويدعون ثبوت ما يعلم انتفاؤه بالاضطرار في العقليات والنقليات .

الوجه الثالث : أن قوله : (( استصحبه حذراً من أن يظهر أمره )) .

كلام من هو أجهل الناس بما وقع ؛ فإن أمر النبي  في خروجه من مكة ظاهر، عرفه أهل مكة، وأرسلوا الطلب، فإنه في الليلة التي خرج فيها عرفوا في صبيحتها أنه خرج،  وانتشر ذلك، وأرسلوا إلى أهل الطرق يبذلون الدِّية لمن يأتي بأبي بكر، دليل على أنهم كانوا يعلمون موالاته لرسول الله ، وأنه كان عدوهم في الباطن، ولو كان معهم في الباطن لم يفعلوا ذلك . 

الرابع : أنه إذا خرج ليلا، كان وقت الخروج لم يعلم به أحد، فما يصنع بأبي بكر واستصحابه معه ؟

فإن قيل : فلعله علم خروجه دون غيره ؟ 

قيل : أولا : قد كان يمكنه أن يخرج في وقت لا يشعر به، كما خرج في وقت لم يشعر به المشركون، وكان يمكنه أن لا يعينه، فكيف وقد ثبت في الصحيحين أن أبا بكر استأذنه في الهجرة فلم يأذن له حتى هاجر معه، والنبي  أعلمه بالهجرة في خلوة( ) .

الوجه الخامس : أنه لما كان في الغار كان يأتيه بالأخبار عبد الله بن أبي بكر وكان معهما عامر بن أبي فهيرة كما تقدم ذلك، فكان يمكنه أن يعلمهم بخبره . 

السادس : أنه إذا كان كذلك، والعدو قد جاء إلى الغار،ومشوا فوقه، كان يمكنه حينئذ أن يخرج من الغار، وينذر العدو به،وهو وحده ليس معه أحد يحميه منه ومن العدو، فمن يكون مبغضا لشخص، طالباً لإهلاكه، ينتهز الفرصة في مثل هذه الحال، التي لا يظفر فيها عدوٌ بعدوه إلا أخذه، فإنه وحده في الغار . 

(فصــل)

وأما قول الرافضي : (( الآية تدل على نقصه، لقوله تعالى : لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا  ( ) فإنه يدل على خوره، وقلة صبره، وعدم يقينه وعدم رضاه بمساواته للنبي ، وبقضاء الله وقدره )) .

فالجواب : أولا : أن هذا يناقض قولكم : (( إنه استصحبه حذراً منه لئلا يظهر أمره )) فإنه إذا كان عدوه، وكان مبطناً لعِداه الذين يطلبونه، كان ينبغي أن يفرح ويسرّ ويطمئن إذا جاءه العدو . وأيضا فالعدو قد جاءوا ومشوا فوق الغار، فكان ينبغي أن ينذرهم به . 

وأيضا فكان الذي يأتيه بأخبار قريش ابنه عبد الله، فكان يمكنه أن يأمر ابنه أن يخبر بهم قريشا .

وأيضا فغلامه عامر بن فهيرة هو الذي كان معه رواحلهما، فكان يمكنه أن يقول لغلامه : أخبرهم به . 

فكلامهم في هذا يبطل قولهم : إنه كان منافقا، ويثبت أنه كان مؤمنا به.

وأعلم أنه ليس في المهاجرين منافق، وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار، لأن أحداً لم يهاجر إلا باختياره، والكافر بمكة لم يكن يختار الهجرة، ومفارقة وطنه وأهله بنصر عدوه .

وإذا كان هذا الإيمان يستلزم إيمانه، فمعلوم أن الرسول لا يختار لمصاحبته في سفر هجرته، الذي هو أعظم الأسفار خوفاً، وهو السفر الذي جُعل مبدأ التاريخ لجلالة قدره في النفوس، ولظهور أمره ؛ فإن التاريخ لا يكون إلا بأمر ظاهر معلوم لعامة الناس – لا يستصحب الرسول فيه من يختص بصحبته، إلا وهو من أعظم الناس طمأنينة إليه، ووثوقا به .

ويكفي هذا في فضائل الصدِّيق، وتمييزه على غيره، وهذا من فضائل الصدّيق التي لم يشركه فيها غيره، ومما يدل على أنه أفضل أصحاب رسول الله  عنده .

(فصــل)

وأما قوله : (( إنه يدل على نقصه )) . 

فنقول :أولاً : النقص نوعان : نقص ينافي إيمانه، ونقصٌ عمَّن هو أكمل منه . 

فإن أراد الأول، فهو باطل . فإن الله تعالى قال لنبيه : وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( ) .

وقال للمؤمنين عامة : وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ اْلأَعْلَوْنَ( ) .

وقال : وَلَقَدْ أَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمُ  * لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ( ) . فقد نهى نبيه عن الحزن في غير موضع، ونهى المؤمنين جملة، فعُلم أن ذلك لا ينافي الإيمان . 

وإن أراد بذلك أنه ناقص عمَّن هو أكمل منه، فلا ريب أن حال النبي  أكمل من حال أبي بكر . وهذا لا ينازع فيه أحدٌ من أهل السنّة . ولكن ليس في هذا ما يدل على أن عليًّا أو عثمان أو عمر أو غيرهم أفضل منه، لأنهم لم يكونوا مع النبي  في هذه الحال، ولو كانوا معه لم يُعلم حالهم يكون أكمل من حال الصدِّيق، بل المعروف من حالهم دائماً وحاله، أنهم وقت المخاوف يكون الصدِّيق أكمل منهم كلهم يقيناً وصبرا، وعند وجود أسباب الريب يكون الصديق أعظم يقينا وطمأنينة، وعندما يتأذّى منه النبي يكون الصديق أتبعهم لمرضاته، وأبعدهم عما يؤذيه . 

هذا هو المعلوم لكل من استقرأ أحوالهم في محيا رسول الله  وبعد وفاته . 

وأيضا فقصة يوم بدر في العريش، ويوم الحديبية في طمأنينته وسكينته معروفة، برز ذلك على سائر الصحابة، فكيف ينسب إلى الجزع ؟! 

وأيضا فقيامه بقتال المرتدّين ومانعي الزكاة، وتثبيت المؤمنين، مع تجهيز أسامة، مما يبيّن أنه أعظم الناس طمأنينة ويقينا .

والسنُّى لا ينازع في فضله عَلَى عمر وعثمان، ولكن الرافضي الذي ادّعى أن عليًّا كان أكمل من الثلاثة في هذه الصفات دعواهُ بُهت وكذب وفرية؛ فإن من تدبّر سيرة عمر وعثمان علم أنهما كانا في الصبر والثابت وقلة الجزع في المصائب أكمل من عليّ،فعثمان حاصروه وطلبوا خلعه من الخلافة أو قتله، ولم يزالوا به حتى قتلوه، وهو يمنع الناس من مقاتلتهم، إلى أن قُتل شهيداً، وما دافع عن نفسه . فهل هذا إلا من أعظم الصبر على المصائب ؟! 

ومعلوم أن عليًّا لم يكن صبره كصبر عثمان، بل كان يحصل له من إظهار التأذّي من عسكره الذين يقاتلون معه، ومن العسكر الذين يقاتلهم، ما لم يكن يظهر مثله، لا من أبي بكر ولا عمر ولا عثمان .

(فصــل)

قال الرافضي : (( إن الآية تدل على خَوَرِهِ وقلة صبره، وعدم يقينه بالله، وعدم رضاه بمساواته للنبي ، وبقضاء الله وقدره )) .

فهذا كله : كذب منه ظاهر، ليس في الآية ما يدل على هذا . وذلك من وجهين : 

أحدهما : أن النهي عن الشيء لا يدل على وقوعه، بل يدل على أنه ممنوع منه، لئلا يقع فيما بعد، كقوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ (1)، فهذا لا يدل على أنه كان يطيعهم .

الثاني : أنه بتقدير أن يكون حزن، فكان حزنه على النبي  لئلا يُقتل فيذهب الإسلام، وكان يوّد أن يفدي النبي . ولهذا لما كان معه في سفر الهجرة، كان يمشي أمامه تارة، وراءه تارة، فسأله النبي  عن ذلك، فقال : (( أذكر الرصد فأكون أمامك وأذكر الطلب فأكون وراءك )) رواه أحمد . 

وحينئذ لم يكن يرضى بمساواة النبي  : لا بالمعنى الذي أراده الكاذب المفترى عليه : أنه لم يرض بأن يموتا جميعاً، بل كان لا يرضى بأن يُقتل رسول الله  ويعيش هو، بل كان يختار أن يفديه بنفسه وأهله وماله .

وهذا واجب على كل مؤمن، والصدّيق أَقْوَم المؤمنين بذلك . قال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ( ) . وفي الصحيحين عن أنس عن النبي  أنه قال : (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين))( ) وحزنه على النبي يدل على كمال موالاته ومحبته، ونصحه له، واحتراسه عليه، وذبّه عنه،ودفع الأذى عنه . وهذا من أعظم الإيمان . 

(فصــل)

وأما قوله : ((إنه يدل على قلة صبره )) .

فباطل، بل ولا يدل على انعدام شيء من الصبر المأمور به، فإن الصبر على المصائب واجب بالكتاب والسنّة، ومع هذا فحزن القلب لا ينافي ذلك . 

كما قال  : (( إن الله لا يؤاخذ على دمع العين، ولا على حزن القلب، ولكن يؤاخذ على هذا – يعني اللسان – أو يرحم ))( ) .

وقوله: ((إنه يدل على عدم يقينه بالله )) .

كذب وبهت ؛ فإن الأنبياء قد حزنوا، ولم يكن ذلك دليلا على عدم يقينهم بالله، كما ذكر الله عن يعقوب . وثبت في الصحيح أن النبي لما مات ابنه إبراهيم قال : (( تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ))( ) .

وقد نهى الله عن الحزن نبيه بقوله : وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ( ) . 

وكذلك قوله : (( يدل على الخور وعدم الرضا بقضاء الله وقدره )) . هو باطل، كما تقدم نظائره . 

(فصــل)

وقو له : (( وإن كان الحزن طاعة استحال نهي النبي  عنه، وإن كان معصية كان ما ادّعوه فضيلةً رذيلة )) . 

والجواب : أولا : أنه لم يدع أحد أن مجرد الحزن كان هو الفضيلة، بل الفضيلة ما دلّ عليه قوله تعالى : إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ( ) . 

فالفضيلة كونه هو الذي خرج مع النبي  في هذه الحال، واختصّ بصحبته، وكان له كمال الصحبة مطلقا، وقول النبي  له : (( إن الله معنا )) وما يتضمنه ذلك من كمال موافقته للنبي ، ومحبته وطمأنينته، وكمال معونته للنبي  وموالاته، ففي هذه الحال من كمال إيمانه وتقواه ما هو الفضيلة . 

وكمال محبته ونصره للنبي  هو الموجب لحزنه، إن كان حَزِنَ، مع أن القرآن لم يدل على أنه حَزِنَ كما تقدم .

ويقال : ثانياً : هذا بعينه موجود في قوله عز وجل لنبيّه :  وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( ) ، وقوله : لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ( ) ونحو ذلك، بل في قوله تعالى لموسى : خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى ( ) .

فيقال : إنه أثمر أن يطمئن ويثبت، لأن الخوف يحصل بغير اختيار العبد، إذا لم يكن له ما يوجب الأمن، فإذا حصل ما يوجب الأمن زال الخوف. 

وكذلك قول النبي لصدِّيقه : لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا  نهى عن الحزن مقرون بما يوجب زواله، وهو قوله :  إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا  وإذا حصل الخبر بما يوجب زوال الحزن والخوف زال، وإلا فهو يهجم على الإنسان بغير اختياره.

ويقال : ثالثا : ليس في نهيه عن الحزن ما يدل على وجوده كما تقدم، بل قد ينهى عنه لئلا يوجد إذا وجد مقتضيه، وحينئذ فلا يضرنا كونه معصية لو وجد، وإن وجد، فالنهي . قد يكون نهي تسلية وتعزية وتثبيت وإن لم يكن المنهي عنه معصية بل قد يكون مما يحصل بغير اختيار المنهي، وقد يكون الحزن من هذا الباب .

ويقال : رابعاً : عامة عقلاء بني آدم إذا عاشر أحدهم الآخر مدة يتبين له صداقته من عداوته،فالرسول يصحب أبا بكر بمكة بضع عشرة سنة، ولا يتبين له هل هو صديقه أو عدوه، وهو يجتمع معه في دار الخوف ؟! وهل هذا إلا قدح في الرسول ؟ 

ثم يقال : جميع الناس كانوا يعرفون أنه أعظم أوليائه من حسن المبعث إلى الموت فإنه أول من آمن به من الرجال الأحرار،ودعا غيره إلى الإيمان به حتى آمنوا، وبذل أمواله في تخليص من كان آمن به من المستضعفين، مثل بلال وغيره، وكان يخرج معه إلى الموسم فيدعو القبائل إلى الإيمان به، ويأتي النبي  كل يوم إلى بيته : إما غدوة وإما عشية، وقد آذاه الكفّار على إيمانه، حتى خرج من مكة فلقيه ابن الدغنة أمير من أمراء العرب – سيد القارة – وقال إلى أين ؟ وقد تقدم حديثه، فهل يشك من له أدنى مسكة من عقل أن مثل هذا لا يفعله إلا من هو في غاية الموالاة والمحبة للرسول ولما جاء به وأن موالاته ومحبته بلغت به إلى أن يعادي قومه، ويصبر على أذاهم، وينفق أمواله على من يحتاج إليه من إخوانه المؤمنين .

ولم يكن يحصل للنبي أذى قط من أبي بكر مع خلوته به واجتماعه به ليلا ونهاراً، وتمكنه مما يريد المخادع من إطعام سم، أو قتل أو غير ذلك . 

وأيضا فكان حفظ الله لرسوله وحمايته له يوجب أن يطلعه على ضميره السيئ، لو كان مضمراً له سوءاً، وهو قد أطلعه الله على ما في نفس أبي عزة لما جاء مظهرا للإيمان بنية الفتك به، وكان ذلك في قعدة واحدة، وكذلك أطلعه على ما في نفس عُمير بن وهب لما جاء من مكة مظهرا للإسلام يريد الفتك به، وأطلعه الله على المنافقين في غزوة تبوك، لما أرادوا أن يحلوا حزام ناقته.

وأبو بكر معه دائما ليلا ونهارا، حضرا وسفرا، في خلوته وظهوره . ويوم بدر يكون معه وحده في العريش، ويكون في قلبه ضمير سيئ، والنبي  لا يعلم ضمير ذلك قط، ومن له أدنى نوع فطنة يعلم ذلك في أقل من هذا الاجتماع، فهل يَظُن ذلك بالنبي  وصدِّيقه إلا من هو – مع فرط جهله وكمال نقص عقله – من أعظم الناس تنقّصاً للرسول، وطعنا فيه، وقدحا في معرفته ؟ّ فإن كان هذا الجاهل – مع ذلك – محباً للرسول، فمن له أدنى خبرة بدين الإسلام يعلم أن مذهب الرافضة مناقض له( ) .

(فصــل)

وأما قول الرافضي :إن القرآن حيث ذكر إنزال السكينة على رسول الله  شرك معه المؤمنين إلا في هذا الموضع، ولا نقص أعظم منه . 

فالجواب : أولا : أن هذا يوهم أنه ذَكَر ذلك في مواضع متعددة، وليس كذلك، بل لم يذكر ذلك إلا في قصة حُنين .

كما قال تعالى : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضَ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ  * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ( ) فذكر إنزال السكينة على الرسول والمؤمنين، بعد أن ذكر توليتهم مدبرين .

وقد ذكر إنزال السكينة على المؤمنين وليس معهم الرسول في قوله:إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ( ) إلى قوله :  هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ( ) الآية، وقوله : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ( ) .

ويقال : ثانيا : الناس قد تنازعوا في عَوْد الضمير في قوله تعالى : فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ( ) . فمنهم من قال : إنه عائد إلى النبي  . ومنهم من قال : إنه عائد إلى أبي بكر، لأنه أقرب المذكورين، ولأنه كان محتاجا إلى إنزال السكينة، فأنزل السكينة عليه، كما أنزلها على المؤمنين الذين بايعوه تحت الشجرة .

والنبي  كان مستغنيا عنها في هذه الحال لكمال طمأنينته، بخلاف إنزالها يوم حنين، فإنه كان محتاجا إليها لانهزام جمهور أصحابه، وإقبال العدو نحوه، وسوقه ببغلته إلى العدو . 

وعلى القول الأول فيكون الضمير عائداً إلى النبي ، كما عاد الضمير إليه في قوله : وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ( ) . ولأن سياق الكلام كان في ذكره، وإنما ذكر صاحبه ضمنا وتبعا . 

لكن يقال : على هذا لما قال لصاحبه :  إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا  والنبي  هو المتبوع المطاع، وأبو بكر تابع مطيع، وهو صاحبه، والله معهما، فإذا حصل للمتبوع في هذه الحال سكينة وتأييد، كان ذلك للتابع أيضا بحكم الحال، فإنه صاحب تابع لازم، ولم يحتج أن يذكر هنا أبو بكر لكمال الملازمة والمصاحبة، التي توجب مشاركة النبي  في التأييد .

(فصــل)

قال الرافضي : (( وأما قوله : وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ( ) ، فإن المراد به أبو الدحداح حيث اشترى نخلة لشخص لأجل جاره، وقد عرض النبي  على صاحب النخلة نخلة في الجنة، فسمع أبو الدحداح، فاشتراها ببستان له ووهبها له الجار، فجعل النبي  له بستانا عوضا في الجنة)) .

والجواب : أن يُقال : لا يجوز أن تكون هذه الآية مختصة بأبي الدحداح دون أبي بكر باتفاق أهل العلم بالقرآن وتفسيره وأسباب نزوله، وذلك أن هذه السورة مكيَّة باتفاق العلماء . وقصة أبي الدحداح كانت بالمدينة باتفاق العلماء ؛ فإنه من الأنصار، والأنصار إنما صحبوه بالمدينة، ولم تكن البساتين – وهي الحدائق التي تسمى بالحيطان – إلا بالمدينة، فمن الممتنع أن تكون الآية لم تنزل إلا بعد قصة أبي الدحداح، بل إن كان قد قال بعض العلماء : إنها نزلت فيه، فمعناه أنه ممن دخل في الآية في كذا )) ويكون المراد بذلك أنها دلّت على هذا الحكم وتناولته، وأريد بها هذا الحكم . 

ومنهم من يقول : بل قد تنزل الآية مرتين : مرة لهذا السبب، ومرة لهذا السبب .

فعلى قول هؤلاء يمكن أنها نزلت مرة ثانية في قصة أبي الدحداح، وإلا فلا خلاف بين أهل العلم أنها نزلت بمكة قبل أن يسلم أبو الدحداح، وقبل أن يهاجر النبي  .

وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنها نزلت في قصة أبي بكر . فذكر ابن جرير في تفسيره بإسناده عن عبد الله بن الزبير وغيره أنها نزلت في أبي بكر .

وكذلك ذكره ابن أبي حاتم – والثعلبي – أنها نزلت في أبي بكر عن عبد الله وعن سعيد بن المسيب .

ويدل على أنها نزلت في أبي بكر وجوه : 

أحدها : أنه قال : وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ( ) ، وقال :  إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ( ) . فلا بد أن يكون أتقى الأمة داخلاً في هذه الآية، وهو أكرمهم عند الله، ولم يقل أحد : إن أبا الدحداح ونحوه أفضل وأكرم من السابقين الأوّلين من المهاجرين .

الوجه الثاني : أنه إذا كان الأتقى هو الذي يؤتي ماله يتزكى، وأكرم الخلق أتقاهم، كان هذا أفضل الناس . والقولان المشهوران في هذه الآية : قول أهل السنة أن أفضل الخلق أبو بكر، وقول الشيعة عليّ، فلم يجز أن يكون الأتقى الذي هو أكرم  الخلق على الله واحداً غيرهما، وليس منهما واحد يدخل في الأتقى، وإذا ثبت أنه لا بد من دخول أحدهما في (( الأتقى )) وجب أن يكون أبا بكر داخلا في الآية، ويكون أوْلى بذلك من عليّ لأسباب : 

أحدها : أنه قال : الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ( ) . وقد ثبت في النقل المتواتر – في الصحاح وغيرها – أن أبا بكر أنفق ماله، وأنه مقدَّم في ذلك على جميع الصحابة .

وأما عليّ فكان النبي  يمونه لما أخذه من أبي طالب لمجاعة حصلت في بمكة، وما زال عليّ فقيراً حتى تزوّج بفاطمة وهو فقير .وهذا مشهور معروف عند أهل السنة والشيعة، وكان في عيال النبي ، لم يكن له ما ينفقه، ولو كان له مال لأنفقه، لكنه كان منفقا عليه لا منفِقا.

السبب الثاني : قوله : وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزَى ( ) . وهذه لأبي بكر دون عليّ، لأن أبا بكر كان للنبي  عنده نعمة الإيمان أن هداه الله به، وتلك النعمة لا يجزى بها الخلق، بل أجر الرسول فيها على الله، كما قال تعالى :  قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَـلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ( ) ، وقال : قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ  ( ) .

وأما النعمة التي يُجزى بها الخلق فهي نعمة الدنيا، وأبو بكر لم تكن للنبي  عنده نعمة الدنيا، بل نعمة دين، بخلاف عليّ، فإنه كان للنبي  عنده نعمة دنيا يمكن أن تُجزى .

الثالث : أن الصدِّيق لم يكن بينه وبين النبي  سبب يواليه لأجله، ويخرج ماله، إلا الإيمان، ولم ينصره كما نصره أبو طالب لأجل القرابة، وكان عمله كاملاً في إخلاصه لله تعالى، كما قال : إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ اْلأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى 

(فصــل)

قال الرافضي :((وأما قوله تعالى : قُلْ لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ ( ) .فإنه أراد الذين تخلّفوا عن الحديبية . والتمس هؤلاء أن يخرجوا إلى غنيمة خيْبَر، فمنعهم الله تعالى بقوله : قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا ( ) ، لأنه تعالى جعل غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية . ثم قال تعالى : قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ اْلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ( ) . وقد دعاهم رسول الله  إلى غزوات كثيرة كمؤتة وحُنين وتبوك وغيرها، وكان الداعي رسول الله  . وأيضا جاز أن يكون عليًّا قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، وكان رجوعهم إلى طاعته إسلاما، لقوله  : (( يا عليّ حربك حربي، وحرب رسول الله  كفر )) .

فالجواب : أما الاستدلال بهذه الآية على خلافة الصديق ووجوب طاعته، فقد استدل بها طائفة من أهل العلم، منهم الشافعي والأشعري وابن حزم وغيرهم . واحتجّوا بأن الله تعالى قال: فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ( ) قالوا : فقد أمر الله رسوله أن يقول لهؤلاء : لن تخرجوا معي أبدا، ولن تقاتلوا معي عدوا، فعُلم أن الداعي لهم إلى القتال ليس رسول الله ، فوجب أن يكون من بعده، وليس إلا أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، الذين دعوا الناس إلى قتال فارس والروم وغيرهم أو يسلمون، حيث قال:  تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  .

فوجه الاستدلال من الآية أن يقال قوله تعالى : سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ( ) يدل على أنهم متصفون بأنهم أولو بأس شديد، وبأنهم يقاتلون أو يسلمون . قالوا : فلا يجوز أن يكون دَعَاهُم إلى قتال أهل مكة وهوازن عقيب عام الفتح، لأن هؤلاء هم الذين دعوا إليهم عام الحديبية، ومن لم يكن منهم فهو من جنسهم، ليس هو أشد بأسا منهم، كلهم عربٌ من أهل الحجاز، وقتالهم من جنس واحد، وأهل مكة ومن حولها كانوا أشد بأسا وقتالا للنبي  وأصحابه يوم بدر وأحد والخندق من أولئك، وكذلك في غير ذلك من السرايا .

وما ذكره في الحديث من قوله (( حربك حربي )) لم يذكر له إسناداً، فلا يقوم به حجة، فكيف وهو كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث.

وأما قول الرافضي : (( إن الداعي جاز أن يكون عليًّا – دون من قبله من الخلفاء – لمّا قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين )) يعني : أهل الجمل وصفين والحرورية والخوارج .

فيقال له : هذا باطل قطعا من وجوه : 

أحدها : أن هؤلاء لم يكونوا أشد بأساً من بني جنسهم، بل معلوم أن الذين قاتلوه يوم الجمل كانوا أقل من عسكره، وجيشه كانوا أكثر منهم. 

وكذلك الخوارج كان جيشه أضعافهم ، وكذلك أهل صفّين كان جيشه أكثر منهم، وكانوا من جنسهم، فلم يكن في وصفهم بأنهم أولو بأسٍ شديد ما يوجب امتيازهم عن غيرهم .

ومعلوم أن بني حنيفة وفارس والروم كانوا في القتال أشدُّ بأساً من هؤلاء بكثير، ولم يحصل  في أصحاب عليّ من الخوارج من استحرار القتل ما حصل في جيش الصدِّيق، الذين قاتلوا أصحاب مسيلمة . وأما فارس والروم فلا يشك عاقل أن قتالهم كان أشد من قتال المسلمين العرب بعضهم بعضا، وإن كان قتال العرب للكفّار في أول الإسلام كان أفضل وأعظم، فذاك لقلة المؤمنين وضعفهم في أول الأمر، لا أن عدوهم كان أشدّ بأساً من فارس والروم . 

الوجه الثاني : أن عليًّا لم يدع ناسا بعيدين منه إلى قتال أهل الجمل وقتال الخوارج، ولما قدم البصرة لم يكن في نيّته قتال أحدٍ، بل وقع القتال بغير اختيار منه ومن طلحة والزبير . وأما الخوارج فكان بعض عسكره يكفيهم، لم يدع أحداً إليهم من أعراب الحجاز .

الثالث : أنه لو قُدِّر أن عليًّا تجب طاعته في قتال هؤلاء، فمن الممتنع أن يأمر الله بطاعة من يقاتل أهل الصلاة لردهم إلى طاعة وليّ الأمر، ولا يأمر بطاعة من يقاتل الكفار ليؤمنوا بالله ورسوله .

ومعلوم أن من خرج من طاعة عليّ ليس بأبعد عن الإيمان بالله ورسوله ممن كذّب الرسول والقرآن، ولم يقرّ بشيء مما جاء به الرسول، بل هؤلاء  أعظم ذنبا، ودعاؤهم إلى الإسلام أفضل، وقتالهم أفضل، وإن قُدِّر أن الذين قاتلوا عليًّا كفّار . 

وإن قيل : هم مرتدّون، كما تقوله الرافضة .

فمعلوم أن من كانت ردّته إلى أن يؤمن برسولٍ آخر غير محمد، كأتباع مسيلمة الكذّاب، فهو أعظم ردة ممن لم يقرّ بطاعة الإمام،مع إيمانه بالرسول . 

فبكل حال لا يُذكر ذنبٌ لمن قاتله عليٌّ إلا وذنب من قاتله الثلاثة أعظم، ولا يُذكر فضلٌ ولا ثواب لمن قاتل مع عليّ إلا والفضل والثواب لمن قاتل  مع الثلاثة أعظم .

هذا بتقدير أن يكون من قاتله عليّ كافراً . ومعلوم أن هذا قول باطل، لا يقوله إلا حثالة الشيعة، وإلا فعقلاؤهم لا يقولون ذلك . وقد علم بالتواتر عن عليّ وأهل بيته أنهم لم يكونوا يكفّرون من قاتل عليًّا. وهذا كله إذا سُلِّم أن ذلك القتال كان مأموراً به . كيف وقد عُرف نزاع الصحابة والعلماء بعدهم في هذا القتال : هل كان من باب قتال البغاة الذي وجد في شرط وجوبه القتال فيه، أم لم يكن من ذلك لانتفاء الشرط الموجب للقتال ؟! 

والذي عليه أكابر الصحابة والتابعين أن قتال الجمل وصفّين لم يكن من القتال المأمور به، وإن تركه أفضل من الدخول فيه، بل عدُّوه قتال فتنة .

وعلى هذا جمهور أهل الحديث، وجمهور أئمة الفقهاء .

الوجه الرابع : أن الآية لا تتناول القتال مع علي قطعا ً لأنه قال :  تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  فوصفهم بأنهم لا بد فيهم من أحد أمرين : المقاتلة، أو الإسلام، ومعلوم أن الذين دعا إليهم عليّ فيهم خلق لم يقاتلوه ألبتة، بل تركوا قتاله فلم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه، فكانوا صنفاً ثالثاً : لا قاتلوه ولا قاتلوا معه ولا أطاعوه، وكلهم مسلمون، وقد دل على إسلامهم القرآن والسنة وإجماع الصحابة : عليٌّ وغيره .

قال تعالى :   وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ  (1)، فوصفهم بالإيمان مع الاقتتال والبغي، وأخبَر أنهم إخوة وأن الأُخوّة لا تكون إلا بين المؤمنين، لا بين مؤمن وكافر .

وأما تكفير هذا الرافضي وأمثاله لهم، وجعل رجوعهم إلى طاعة عليّ إسلاما، لقوله - فيما زعمه – يا عليّ حربك حربي .

فيقال : من العجائب وأعظم المصائب على هؤلاء المخذولين أن يثبتوا مثل هذا الأصل العظيم، بمثل هذا الحديث الذي لا يوجد في شيء من دواوين أهل الحديث التي يعتمدون عليها، لا هو في الصحاح ولا في السنن ولا المسانيد ولا الفوائد، ولا غير ذلك مما يتناقله أهل العلم بالحديث ويتداولونه بينهم، ولا هو عندهم لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف، بل هو أخسّ من ذلك، وهو من أظهر الموضوعات كذبا، فإنه خلاف المعلوم المتواتر من سنة رسول الله  : من أنه جعل الطائفتين مسلمين، وأنه جعل ترك القتال في تلك الفتنة خيرا من القتال فيها، وأنه أثنى على من أصلح به بين الطائفتين .

(فصــل)

قال الرافضي : (( وأما كونه أنيسه في العريش يوم بدر فلا فضل فيه، لأن النبي  كان أنسه بالله مغنيا له عن كل أنيس، لكن لما عرف النبي  أن أمره لأبي بكر بالقتال يؤدي إلى فساد الحال، حيث هرب عدة مرار في غزواته، وأيّما أفضل : القاعد عن القتال، أو المجاهد بنفسه في سبيل الله ؟ )) .

الجواب : أن يُقال : لهذا المفترى الكذّاب ما ذكرته من أظهر الباطل من وجوه .

أحدها :  أن قوله : (( هرب عدة مرار في غزواته )) . يقال له : هذا الكلام يدل على أن قائله من أجهل الناس بمغازى رسول الله  وأحواله، والجهل بذلك غير منكر من الرافضة ؛ فإنهم من أجهل الناس بأحوال الرسول، وأعظمهم تصديقا بالكذب فيها، وتكذيبا بالصدق منها .

وذلك أن غزوة بدر هي أوّل مغازي القتال، لم يكن قبلها لرسول الله  ولا لأبي بكر غزاة مع الكفّار أصلا .

الثاني : أن أبا بكر رضي الله عنه لم يهرب قط، حتى يوم أُحد لم ينهزم لا هو ولا عمر، وإنما عثمان تولّى، وكان من عفا الله عنه . وأما أبو بكر وعمر فلم يقل أحد قط : إنهما انهزما مع من انهزم، بل ثبتا مع النبي  يوم حُنين، كما تقدّم ذلك عن أهل السيرة، لكن بعض الكذّابين ذكر أنهما أخذا الراية يوم حُنين، فرجعا ولم يُفتح عليهما . ومنهم من يزيد في الكذب ويقول: إنهما انهزما مع من انهزم، وهذا كذب كله . 

الثالث : أنه لو كان في الجبن بهذه الحال لم يخصّه النبي  دون أصحابه بأن يكون معه في العريش، بل لا يجوز استصحاب مثل هذا في الغزو، فإنه لا ينبغي للإمام أن يستصحب مخذلاً ولا مرجفاً، فضلا عن أن يقدِّم على سائر أصحابه، ويجعله معه في عريشه .

الرابع : أن يُقال : قد علم كل من علم السيرة أن أبا بكر كان أقوى قلباً من جميع الصحابة، لا يقاربه في ذلك أحد منهم، فإنه من حين بعث الله رسوله إلى أن مات أبو بكر لم يزل مجاهداً ثابتاً مقداماً شجاعا، لم يُعرف قط أنه جبن عن قتال عدوّ، بل لما مات رسول الله  ضعفت قلوب أكثر الصحابة، وكان هو الذي يثبّتهم، حتى قال أنس : (( خطبنا أبو بكر ونحن كالثعالب، فما زال يشجّعنا حتى صرنا كالأسود)).

ورُوى أن عمر قال : يا خليفة رسول الله تألّف الناس : فأخذ بلحيته وقال : يا ابن الخطاب : أجبّار في الجاهلية خوّار في الإسلام ؟!علام أتألفهم : على حديث مفترى أم على شعر مفتعل ؟! 

السادس : قوله : (( أيّما افضل : القاعد عن القتال أو المجاهد بنفسه في سبيل الله ؟)) . 

فيقال : بل كونه مع النبي  في هذه الحال هو من أفضل الجهاد ؛ فإنه هو الذي كان العدو يقصده، فكان ثُلُثُ العسكر حوله يحفظونه من العدو، وثلثه اتّبع المنهزمين، وثلثه أخذوا الغنائم . ثم إن الله قسمها بينهم كلهم . 

السابع : قوله: (( إن أنس النبي  بربّه كان مُغنيا له عن كل أنيس)).

فيقال : قول القائل : إنه كان أنيسه في العريش، ليس هو من ألفاظ القرآن والحديث . ومن قاله، وهو يدري ما يقول، لم يُرد به أنه يؤنسه لئلا يستوحش، بل المراد أنه كان يعاونه على القتال، كما كان من هو دونه يعاونه على القتال . 

ففضيلة الصدِّيق مختصة به لم يشركه فيها غيره، وفضيلة عليّ مشتركة بينه وبين سائر الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين .

الوجه الثامن : أن النبي  - هو وأبو بكر – خرجا بعد ذلك من العريش، ورماهم النبي  الرمية التي قال الله فيها : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى( ) والصدِّيق قاتلهم حتى قال له ابنه عبد الرحمن : قد رأيتك يوم بدر فصدفت عنك . فقال : لكنّي لو رأيتك لقتلتك .

(فصــل)

قال الرافضي : (( وأما إنفاقه على النبي  فكذب، لأنه لم يكن ذا مال، فإن أباه كان فقيراً في الغاية، وكان يُنادى على مائدة عبد الله بن جُدعان كل يوم بمدّ يقتات به، ولو كان أبو بكر غنيا لكفى أباه . وكان أبو بكر معلما للصبيان في الجاهلية، وفي الإسلام كان خيّاطا، ولما وَلِيَ أمر المسلمين منعه الناس عن الخياطة،فقال : إني محتاج إلى القوت، فجعلوا له كل يوم ثلاثة دراهم من بيت المال )) .

والجواب : أن يقال : أولا : من أعظم الظلم والبهتان أن ينكر الرجل ما تواتر به النقل، وشاع بين الخاص والعام، وامتلأت به الكتب : كتب الحديث الصحاح، والمسانيد والتفسير، والفقه، والكتب المصنّفة في أخبار القوم وفضائلهم، ثم يدَّعي شيئاً من المنقولات التي لا تُعلم إلا بمجرد قوله، ولا ينقله بإسناد معروف ولا أضافه إلى كتاب يعرف يوثق به، ولا يذكر ما قاله . فلو قدَّرنا أنه ناظر أجهل الخلق لأمكنه أن يقول له : بل الذي ذكرت هو الكذب، والذي قاله منازعوك هو الصدق، فكيف تخبر عن أمر كان بلا حجة أصلا، ولا نقل يُعرف به ذلك ؟ ومن الذي نقل من الثقات ما ذكره عن أبي بكر ؟ 

ثم يُقال : أما إنفاق أبي بكر ماله، فمتواتر منقول في الحديث الصحيح من وجوه كثيرة . حتى قال : (( ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر ))( ) . وقال : (( إن أمّن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر))( ) . وثبت عنه انه اشترى المعذَّبين من ماله : بلالا، وعامر بن فهيرة، اشترى سبعة أنفس .

وأما قول القائل : (( إن أباه كان يُنادى على مائدة عبد الله بن جُدعان)).

فهذا لم يذكر له إسناداً يُعرف به صحته، ولو ثبت لم يضر ؛ فإن هذا كان في الجاهلية قبل الإسلام، فإن ابن جدعان مات قبل الإسلام . وأما في الإسلام فكان لأبي قحافة ما يغنيه، ولم يُعرف قط أن أبا قحافة كان يسأل الناس، وقد عاش أبو قحافة إلى أن مات أبو بكر، وورث السدس، فردَّه على أولاده لِغِنَاه عنه .

وقوله : إن أبا بكر كان معلّما للصبيان في الجاهلية .

فهذا : من المنقول الذي لو كان صدقاً لم يقدح فيه، بل يدلّ على أنه كان عنده علم ومعرفة . 

ولكن كلام الرافضة من جنس كلام المشركين الجاهلية، يتعصبون للنسب والآباء، لا للدين، ويعيبون الإنسان بما لا ينقص إيمانه وتقواه . وكل هذا من فعل الجاهلية، ولهذا كانت الجاهلية ظاهرة عليهم، فهم يشبهون الكفّار من وجوه خالفوا بها أهل الإيمان والإسلام .

وقوله : (( إن الصديق كان خيّاطا في الإسلام، ولما وَلِيَ أمر المسلمين منعه الناس عن الخياطة )) .

كذب ظاهر، يعرف كل أحد أنه كذب، وإن كان لا غضاضة فيه لو كان حقًّا ؛ فإن أبا بكر لم يكن خيَّاطا، وإنما كان تاجراً، تارة يسافر في تجارته، وتارة لا يسافر . وقد سافر إلى الشام في تجارته في الإسلام . والتجارة كانت أفضل مكاسب قريش، وكان خيار أهل الأموال منهم أهل التجارة، وكانت العرب تعرفهم بالتجارة . ولما ولى أراد أن يتّجر لعياله، فمنعه المسلمون، وقالوا : هذا يشغلك عن مصالح المسلمين .

(فصــل)

وقوله : (( كان النبي  قبل الهجرة غنيا بمال خديجة، ولم يحتج إلى الحرب )) .

والجواب :  أن إنفاق أبي بكر لم يكن نفقة على النبي  في طعامه وكسوته ؛ فإن الله قد أغنى رسوله عن مال الخلق أجمعين، بل كان معونةً له على إقامة الإيمان، فكان إنفاقه فيما يحبه الله ورسوله، لا نفقة على نفس الرسول، فاشترى المعذَّبين، مثل بلال، وعامر بن فهيرة،وزنّيرة، وجماعة . 

(فصــل)

وقوله : (( وبعد الهجرة لم يكن لأبي بكر شيء ألبتة )) .

فهذا . كذب ظاهر، بل كان يعين النبي  بماله، وقد حثّ النبي  على الصدقة، فجاء بماله كله، وأصحاب الصُّفة كانوا فقراء، فحث النبي على طعمتهم، فذهب بثلاثة، كما في الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال : إن أصحاب الصفة كانوا ناسا فقراء، وإن النبي  قال مرة : (( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس وسادس – أو كما قال – وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق نبي الله  بعشرة، وذكر الحديث(1) .

(فصــل)

وأما قو له :(( ثم لو أنفق لوجب أن ينزل فيه قرآن، كما أنزَلَ في عليّ: هَلْ أَتَى 

والجواب : أما نزول :  هَلْ أَتى  في عليّ، فمما اتفق أهل العلم بالحديث عَلَى أنه كذب موضوع، وإنما يذكره من المفسّرين من جرت عادته بذكر أشياء من الموضوعات . 

والدليل الظاهر على أنه كذب : أن سورة  هَلْ أَتى  مكيّة باتفاق الناس، نزلت قبل الهجرة، وقبل أن يتزوج عليّ بفاطمة، ويولد الحسن والحسين، وقد بُسط الكلام على هذه القضية في غير موضع،ولم ينزل قط قرآن في إنفاق عليّ بخصوصه، لأنه لم يكن له مال، بل كان قبل الهجرة في عيال النبي ، وبعد الهجرة كان أحياناً يؤجّر نفسه : كل دلو بتمرة، ولما تزوّج بفاطمة لم يكن له مهر إلا درعه، وإنما أنفق على العرس ما حصل له من غزوة بدر .

وأما الصدِّيق رضي الله عنه فكل آية نزلت في مدح المنفقين في سبيل الله فهو أول المرادين بها من الأمة، مثل قوله تعالى : لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا (1)، وأبو بكر أفضل هؤلاء وأولهم .

وكذلك قوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِم وَأَنْفُسِهِم (2) . 

وقوله : وَسَيُجَنَّبُهُا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (3)، فذكر المفسِّرون، مثل ابن جرير الطبري، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وغيرهما، بالأسانيد عن عروة بن الزبير وعبد الله بن الزبيد وسعيد بن المسيب وغيرهم، أنها نزلت في أبي بكر( ) .

(فصــل)

قال الرافضي : (( وأما تقديمه في الصلاة فخطأ، لأن بلالاً لمّا أذن بالصلاة، أمرت عائشة أن يُقدِّم أبا بكر، فلما أفاق رسول الله  سمع التكبير، فقال : من يصلِّي بالناس، فقالوا : أبو بكر . فقال : أخرجوني، فخرج بين عليّ والعباس، فنحّاه عن القبلة، وعزله عن الصلاة، وتولى هو الصلاة )) .

والجواب : أن هذا من الكذب المعلوم عند جميع أهل العلم بالحديث .

ويقال له : أولاً : من ذكر ما نقله بإسناد يوثق به وهل هذا إلا في كتب من نقله مرسلا من الرافضة، الذين هم من أكذب الناس وأجهلهم بأحوال الرسول ؟ مثل المفيد بن النعمان، والكراجكي، وأمثالهما من الذين هم من أبعد الناس عن معرفة حال الرسول وأقواله وأعماله .

ويقال : ثانيا : هذا كلام جاهل يظن أن أبا بكر لم يصّل بهم إلا صلاةً واحدة، وأهل العلم يعلمون أنه لم يزل يصلّي بهم حتى مات رسول الله  بإذنه واستخلافه له في الصلاة، بعد أن راجعته عائشة وحفصة في ذلك، وصلّى بهم أياماً متعددة . 

وفي أول الأمر أرسل إليه رسلا فأمروه بذلك، ولم تكن عائشة هي المبلّغة لأمره، ولا قالت لأبيها : إنه أمره، كما زعم هؤلاء الرافضة المفترون. 

فقول هؤلاء الكذّابين : إن بلالا لما أذّن أمرته عائشة أن يقدّم أبا بكر، كذب واضح: لم تأمره عائشة أن يقدّم أبا بكر، ولم تأمره بشيء ولا أخذ بلال  ذلك عنها، بل هو الذي آذنه بالصلاة . وقال النبي  لكل من حضره : لبلال وغيره : (( مروا أبا بكر فليصلّ بالناس )) فلم يخصّ عائشة بالخطاب، ولا سمع ذلك بلال منها .

وقوله : (( فلما أفاق سمع التكبير فقال : من يصلي بالناس ؟ فقالوا : أبو بكر . فقال : أخرجوني )) .

فهو كذب ظاهر؛ فإنه قد ثبت بالنصوص المستفيضة التي اتفق أهل العلم بالحديث على صحتها أن أبا بكر صلّى بهم أياما قبل خروجه، كما صلّى بهم أياماً بعد خروجه، وأنه لم يصلّ بهم في مرضه غيره . 

ثم يقال :  من المعلوم المتواتر أن النبي  مرض أياما متعددة، عجز فيها عن الصلاة بالناس أياماً، فمن الذي كان يصلّي بهم تلك الأيام غير أبي بكر ؟ ولم ينقل أحد قط : لا صادق ولا كاذب : أنه صلّى بهم غير أبي بكر، لا عمر ولا عليّ ولا غيرهما . وقد صلُّوا جماعة، فعُلم أن المصلّي بهم كان أبا بكر .

ومن الممتنع أن يكون الرسول لم يعلم ذلك، ولم يستأذنه المسلمون فيه ؛ فإن مثل هذا ممتنع عادةً وشرعاً، فعُلم أن ذلك كان بإذنه والله أعلم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وأزواجه ورضي الله عن أبي بكر وعمر وجميع أصحاب نبيه أتم تسليم وأزكى صلاة وحشرنا الله في زمرتهم .

فهرس الجزء الثاني لمختصر منهاج السنة 

الموضوع                                      الصفحة 

عيب الرافضي على أمير المؤمنين عمر رضي 

الله عنه همه بمنع الزيادة في المهور وجوابه …...............……  

دعوى الرافضي أن عمر رضي الله عنه لا يعرف حد الخمر، 

ولهذا لم يجلد قدامة إلا بعد ما أمره عليّ بذلك ....……............. 

كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يشاور الصحابة في 

الحوادث كلها، وكان من أشد الناس رأيا ……….................… 

زعم الرافضي أن امرأتين تنازعتا عند عمر بابن لإحداهما

كل واحدة تدعيه فلم يدر ما يقول حتى أعلمه علي……..............

دعوى الرافضي أن عمر رضي الله عنه كان يفضل في الغنيمة 

وهو كذب ……………………………………...................

عيب الرافضي على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه القول 

بالرأي…………………………………………..................

قيل لبعض شيوخ الرافضة : إذا جاء الكفار إلى بلادنا فقتلوا 

النفوس وسبوا الحريم تقاتلهم ؟ قال : لا حتى يخرج المعصوم ........

عيب الرافضي على أمير المؤمنين عمر بجعله الأمر شورى 

بين ستة …………………………………........................

الرافضة لفرط جهلهم وهواهم يقبلون الحقائق ويكذبون بالحق 

ويقبلون الباطل ……………………………….....................

الشيعة الأولى متفقون على فضل أبي بكر وعمر و تقديمهما …….....

عمر تعين للخلافة إذ لا نظير له، وأما الستة فلكل واحد مزية 

على الآخر، ولهذا جعل عمر الأمر بينهم…….........................

بعث الله الرسل وأنزل الكتب ليكون الناس على غاية ما يمكن من 

الصلاح، وأما رفع الفساد جملة فغير ممكن….........................

لا يصح ما يروى أن عمر قال : لو كان سالم مولى أبي حذيفة 

حيا لوليته ………………………………….....................

تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان ثابت بالنص، وبما ظهر من فعل 

الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم………………….......................

خلافة عثمان اتفق عليها الصحابة، وحصل فيها من المصالح 

والخيرات ما لا يعلمه إلا الله تعالى………….........................

كذب الرافضي على عمر أنه جعل الخلافة في ستة ثم جعلها في 

ثلاثة، ثم جعلها بيد عبد الرحمن…………….........................

زعم الرافضي أن عمر رضي الله عنه حابى عثمان في الولاية،

فقال : إن اجتمع عليّ  وعثمان فقولهما. وإلا فقول من فيهم عبد 

الرحمن ……….....................................……………...

لكم يكن بين عليّ وعثمان خلاف في حياة عمر أصلا، بل بينهما

 وفاق، كما أن بني هاشم وبني أمية كانوا متفقين ..………………...

كذب الرافضي بدعواه أن عمر علم أن عبد الرحمن بن عوف لا 

يعدل بالخلافة عن أخيه وابن عمه يعني عثمان…......................

من كذب الرافضي زعمه أن عمر أمر بقتل أهل الشورى الستة 

بعد ثلاثة أيام …………………………………....................

بيان كذب الرافضة في زعمهم أن أبا بكر وعمر ظلما علياً مذهب 

الرافضة لا يروج إلا على أهل الجهل بدين الإسلام ذكر الرافضي 

أكاذيب ملفقة على أمير المؤمنين عثمان…............................. 

الرافضة ينكرون على الأئمة أشياء يثنون بها على عليّ….............

دعوى العصمة تضاهي المشاركة في النبوة، وبعض الغلاة 

الصوفية يشبهون الرافضة ………………………...................

ما يعتذر به عن عليّ فيما أنكر عليه يتعذر بأقوى منه عن عثمان 

وغيره …………………………………………..................

لا يجوز اعتقاد أن أحداً معصوم غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وغاية ما ينكر 

الصحابة أنها ذنوب تابوا منها أو كفرت بما لهم من الحسنات، 

والذنب لمغفرته عدة أسباب وبيانها………….........................

عدل أمير المؤمنين معاوية بالنسبة لمن بعده ……………............

الجواب عن زعمه أن عثمان رضي الله عنه كتب إلى ابن  أبي 

سرح سرا أن يستمر وأن يقتل المتظلمين …………..................

وجه أخذ أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه من بيت المال

وإعطاء قرابته كذب الرافضي في زعمه أن ابن مسعود يطعن

على عثمان ويكفره رضي الله عنهما ……………………...........

بيان كذب الرافضي في أن عثمان ضرب ابن مسعود حتى مات لا 

ينافي كون الرجل وليا لله أن يقام عليه حد أو يؤدب المصائب 

والحدود، وما ينزل بالعبد من أذى الخلق كل ذلك يكفر به من

سيئاته……………………………………………………........

زعم الرافضي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طرد الحكم بن أبي العاص هو وابنه 

مروان واستمر ذلك في عهد أبي بكر وعمر،وأرجعهما عثمان، 

وهذا من الكذب المشهور……………………………...............

زعم الرافضي أن عثمان رضي لله عنه ضرب أبا ذر ونفاه إلى 

الربذة، و جوابه ……………………………………………......

مذهب أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن الزهد واجب، ووافقه 

على ذلك طائفة من النساك ………………………………….......

الرد على الرافضي في قوله أن عثمان رضي الله عنه ضيع حدود 

الله فلن يقتل عبيد الله بن عمر …………………………….........

الرافضة تعظم قتل الهرمزان المتهم بالنفاق والفساد، وتجعل  دم أمير 

المؤمنين عثمان لا حرمة له ……………………....................

زعم الرافضي أن عثمان رضي الله عنه ابتدع في الدين بزيادة 

الأذان الأول يوم الجمعة ……………………………..............

فرية الرافضي بأن المسلمين كلهم خالفوا عثمان، وعابوا عليه 

ما ذكره الشهرستاني وغيره من أسباب الاختلاف كذب وباطل 

الشهرستاني يظهر الميل إلى الرافضة، وهذا ظاهر في كتبه

بيان بطلان ما ذكره الشهرستاني من أول خلاف وقع في الأمة

في مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم……………………………………….........

زعم الرافضة أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمر أبا بكر وعمر أن يخرجا مع 

أسامة حتى لا ينازعا عليًّا الخلافة، وقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان 

يأمر أبا بكر بالصلاة بالناس طوال مرضه ……………..............

بطلان قول الشهرستاني وغيره : أعظم خلاف في الإسلام الخلاف 

في الإمامة …………………………………………………......

بطلان قوله : (( الأنصار اتفقوا على تقديم سعد بن عبادة …….........

لم يحصل بين الصحابة خلاف لا في الإمامة ولا في مسائل العقيدة 

ولا في غير ذلك …………………………………………….....

بيان أن السيف لم يسل على الخلافة إلا في عهد علي بن أبي طالب، 

وأن الخوارج أقرب إلى الخير من الرافضة مع أن الخوارج ضلال، 

فكيف بالرافضة ………………………………....................

بطلان ما قاله الشهرستاني من أن الخلاف في فدك من أسباب

 التفرق …………………………………….......................

من الكذب الظاهر ما ذكره الشهرستاني من أن قتال مانعي الزكاة 

من أسباب التفرق ………………………………...................

من الكذب أن ما ذكره الشهرستاني من أن الشورى التي جعلها

عمر في ستة من أسباب التفرق …………………………...........

بطلان دعوى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفى الحكم بن أمية وابنه مروان حجة 

الخوارج الذين خرجوا على عثمان وإيواء عبد الله بن سعد 

بن أبي سرح أن ذلك سوغ الخروج عليه ……………...............

زعم الشهرستاني خروج طلحة والزبير رضي الله عنهما على 

عليّ أنه من أسباب التفرق وجوابه ………………...................

كثير من الضلال يقترح في الأئمة والعلماء والأمراء ما لم يخلقه 

الله من العصمة والكمال …………………………..................

الرافضة أصل كل فتنة وبلاء في الإسلام وأهله، والصحابة أصل 

كل خير ………………………………………….................

قال الرافضي : الفصل الثالث في الأدلة على إمامة عليّ بعد رسول 

الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبيان تهافت ما زعم أنها أدلة، كزعمه أن علياً معصوم .…….

عصمة الرسول معلومة ويكفي معرفة أمره ونهيه عن وجود

 إمام معصوم فضلا عن المعدوم ……………….....................

بيان بطلان ما زعموه دليلا عقليا على وجود إمام معصوم هل 

المراد بالمعصوم أن الله يخلقه ؟ أو أن الناس يتبعونه؟ فالأول 

لم يخلقه الله، والثاني لم يقع وبذلك تبطل دعواهم. قول الرافضة 

من جنس قول النصارى في تجسيد الإله، أو أنه أنزل ابنه ليصلب 

لتكفير ذنب آدم…………………….................................

إذا وجب وجود المعصوم فهل يكون في كل بلد حتى يزيل الفساد؟

 أو في بعضها ؟ وماذا عن نوّابه ؟ ………………..................

إثبات العصمة لمجموع الأمة يحصل به المقصود من حفظ الدين،

ويغني عن دعوى الرافضة ………………….......................

من جهل الرافضة أنهم يوجبون عصمة شخص واحد، ويجوزون 

خطأ جميع الأمة ……………………………......................

العلم نوعان كلي مثل إيجاب الصلوات والزكاة وتحريم الزنى،

 وجزئي كوجوب الزكاة على فلان، وإقامة الحد على فلان،

 فالأول تكفلت به الشريعة لا يحتاج فيه إلى إمام، فالنبي نص 

على كليات الشريعة، أو ترك منها ما يحتاج إلى القياس،

 فبالأول يحصل المقصود، وإن كان الثاني فيحصل بالقياس،

وإن قيل : ترك ما لا يعلم إلا بنص الإمام صار الإمام شريكا 

في النبوة …………………………………........................

كل نفع يدعى في عصمة الإمام قد حصل بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم وذلك باق 

في الأمة فلا حاجة إلى إمام معصوم ……….........................

مشابهة الرافضة لليهود من بعض الوجوه ……………...............

بنو عبيد استدلوا على مصر مئتي سنة وعى الحجاز مائة سنة .........

رأس مال الرافضة (( التقية )) وهي الكذب والنفاق، وهم من أبعد

 الناس عن العمل بالآية………………………......................

التقية ليست هي الكذب والنفاق، فلا يجوز إظهار الكفر إلا لمن 

أكره بشركه ……………………………………..................

بعض الصوفية وغيهم يعتقد في شيوخهم مثل ما تدعيه الرافضة 

من عصمة الإمام …………………………….....................

لم يقل أحد بعصمة علي إلا الرافضة الغلاة …………….............

الرافضة والإسماعيلية كل منهما يدعى الحاجة إلى المعصوم، 

ودينهم مبني على الزندقة ……………………………..............

عليّ رضي الله عنه نفى أن يكون معصوما، وبهذا بطلت حجتهم …….

قول الرافضي : الإمام يجب أن يكون حافظا للشرع، معصوما

لقصور الكتاب والسنة عن تفاصيل الأحكام …………................

دعوى الرافضي أن الإمام حافظ للشرع يبطلها الواقع فأبو بكر

 وعمر أحفظ للشرع من عليّ، وعليّ فاته أشياء من الشرع ما 

علمها، وما بعده من أئمتهم غير حافظين للشرع، بل بعضهم ليسوا 

من العلماء ………………..........................................

ودعوى الرافضة أن الدين لا يحفظ إلا برجل واحد معصوم من 

أعظم ما يهدم أصول الإسلام ………………………..............

زعم الرافضي أن الدليل على نصب الإمام المعصوم قدرة الله 

على ذلك، وانتفاء المانع، وحاجة الناس…………….................

بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اغنت عن ما يدعيه الرافضة من المعصومين ........

الدليل الخامس للرافضي على وجوب نصب الإمام المعصوم أن 

عليًّا أفضل أهل زمانه، وهو دليل أعمى أصم كقائله….................

المنهج الثاني للرافضي على إمامة عليّ الأدلة من القرآن. وكل ما

 ذكره دليل على جهله …………………………....................

البرهان لا يطلق على ما أفاد ظنا، وإنما على ما يفيد العلم 

واليقين................................................................

أدلة الرافضي كلها تقدح في القرآن، والإسلام والرسول، مما

يدل على أنهم يريدون هدم الإسلام ………………………..........

الثعلبي حاطب ليل يروى في تفسيره الموضوع والضعيف،

 ويذكر تفسير أهل البدع، ومثله الواحدى، والنقاش والمغازلي،

 وكذا أبو نعيم يروي الاحاديث الموضوعة…..........................

إبطال دعوى الرافضي أن قوله تعالى:  إنما وليكم الله ورسوله 

والذين آمنوا  الآية نزلت في عليّ من تسعة عشر وجها ...............

لا يجوز أن يوصف الله تعالى بأنه (( متولٍ عن عباده)) بل هو

 مولاهم ……………………………………......................

زعم الرافضي أن قوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك

 يعني في فضل عليّ ………………….............................

المرجع في بيان صدق الحديث من كذبه إلى أهل الحديث الذين 

يميزون بين ذلك ………………………………....................

الآية التي استدل بها الرافضي تدل على نقيض قصده، وبيان 

ذلك ……………………………………………..................

استدل الرافضي على باطله بقوله تعالى : اليوم أكملت  لكم دينكم

الآية. وهي تدل على خلاف ما قال………..........................

قال الرافضي البرهان على إمامة عليّ قوله تعالى  والنجم إذا 

هوى وهذا من اللعب بالقرآن ……………………..................

استدل الرافضي بقوله تعالى :  إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس

 وبيان بطلان قوله ………………………..........................

من هم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم………………………………..................

ذهاب الرجس، والتطهير لا يلزم منه العصمة كما توهمه

الرافضي …………………………………………................

أصل الرجس القذر، ويراد به الشرك، ويراد به الخبائث من 

المطعومات والمشروبات ………………………....................

ليس من شرط المتقين أن لا يقع منهم ذنب، والمطهر من الذنوب 

لا يلزم أن يكون معصوما ……………………......................

كذب الرافضي على عليّ بأنه ادعى العصمة لنفسه، وغالب ما في 

نهج البلاغة من الخطب كذب علي عليّ…………....................

زعم الرافضي وهو مكذوب أن قوله تعالى في بيوت أذن الله أن 

ترفع  أن أفضلها بيت عليّ …………………….....................

من الرافضة من جمع أحاديث مكذوبة ونسبها إلى كتب أهل السنة 

تعزيرا وتزويرا، مثل كتاب (( الطرائف في الرد على الطوائف )) 

و(( العمدة )) لابن البطريق ونحوهما ………..........................

زعم الرافضي أن قوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا 

المودة في القربى  تدل على إمامة عليّ، مع أنهم مكيّة ومعناه

: أسألكم أن تصلوا القربى التي بيني وبينكم …………….............

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يسأل عن تبليغ الرسالة أجراً، لا مودة قرابته 

ولا غير ذلك ………………………………………...............

الرافضي لا يمكنه إثبات إيمان عليّ بن أبي طالب على أصله فضلا 

عن إمامته ……………………………............................

زعم الرافضي أن قوله : ومن الناس من يشري نفسه الآية: 

نزلت في عليّ لما نام على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبيان كذبه ................

استدل الرافضي على إمامة عليٍّ بقوله تعالى : فقل تعالوا

ندعوا أبناءنا  الآية . وبيان بطلان قوله ………………..............

زعم الرافضي أن قوله تعالى :  فتلقى آدم من ربه كلمات الآية. 

دليل على إمامة عليٍّ، وهذا من العجائب …………...................

زعم الرافضي أن قوله تعالى :  إني جاعلك للناس إماما دليل على 

إمامة عليّ، وبيان بطلانه ……………………......................

زعم أن قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل 

لهم الرحمن ودا  برهان على إمامة عليّ …………...................

جعل قوله تعالى :  إنما أنت منذر ولكل قوم هاد  برهانا على

إمامة عليٍّ، وهذا هوس، وقلة حيا………………………............

جعل قوله تعالى :  وقفوهم إنهم مسئولون  برهانا على إمامة عليّ،

 وهذا أشبه بالجنون وهو دليل على أن الرافضة ملاحدة زنادقة 

يتلاعبون بكتاب الله ……………………………….................

قال البرهان على إمامة عليّ قوله تعالى : ولتعرفنهم في لحن القول

وهو من جنس ما قبله …………………............................

زعم الرافضي أن قوله تعالى : والسابقون السابقون برهان على 

إمامة عليّ، وهذا من بهت الرافضة …….............................

زعم الرافضي أن قوله تعالى :  الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا 

برهان على إمامة عليّ وهو كاذب في ذلك…..........................

زعم أن آية النجوى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم برهان على إمامة عليّ لأنه تصدق 

قبل النجوى……………………………….........................

زعم أن قوله تعالى :  واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا  أنه 

برهان على إمامة عليّ لأن الرسل أرسلوا بولاية عليّ، وهذا 

وأمثاله كثير كقول اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه، وأن الجنة خاصة 

بهم …………………………......................................

قال الرافضي : إن قوله تعالى: وتعيها أذن واعية  برهان على 

إمامة عليّ، وهذا مما يضحك العقلاء ………………................

الرافضة يبنون حججهم على مقدمات باطلة،ولا يعلم في أهل

البدع أوهى حججا من الرافضة …………………………..........

زعم الرافضي أن سورة  هل أتى على الإنسان  برهان على

إمامة عليّ وبنى ذلك على حديث مكذوب ………………….........

زعم الرافضي أن قوله تعالى : والذي جاء بالصدق وصدق به 

 برهان على إمامة عليّ والرد عليه………...........................

قوله تعالى :  هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين  زعم الرافضي 

أن نصره هو عليّ، فيكون برهانا على إمامته زعم الرافضي أن 

قوله تعالى :  يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين  

نزلت في عليّ فتكون برهانا على إمامته ..............................

زعم أن قوله تعالى :فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه  أنها

 نزلت في عليّ فهو برهان على إمامته….............................

أصل مذهب الرافضة مع وضع الزنادقة الذين أرادوا إفساد 

الدين الإسلامي ……………………………….....................

قال الرافضي : قوله تعالى :  والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم 

الصديقون  برهان على إمامة عليّ، وذكر حديثا كذبا ..................

الأحاديث التي رواها الغمام أحمد في المسند أجود من أحاديث

سنن أبي داود …………………………………………...........

قال الرافضي قوله تعالى :  الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار

  برهان على إمامة عليّ وذكر حديث موضوعا…………..........

زعم الرافضي أن كل آية فيها خطاب المؤمنين فعليّ رأسها،

 وهذا برهان عنده على إمامته …………………………..........

زعم الرافضي أن قوله تعالى : إن الله وملائكته يصلون على 

النبي  الآية . برهان على إمامة عليّ ………….....................

تفضيل الجملة على الجملة لا يلزم منه تفضيل الأفراد على 

الأفراد، فإن في القرن الثالث والرابع من هو أفضل من كثير 

ممن أدرك الصحابة ……………………………………..........

قال الرافضي قوله تعالى :  مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ 

لا يبغيان  عليّ وفاطمة والنبي، وهذا برهان عنده على إمامة عليّ،

 مع أن هذا بهذيان المجانين أشبه، أو هو من صنع الزنادقة  

 المفسدين …………………………….............................

زعم الرافضي أن قوله تعالى :  ومن عنده علم الكتاب هو عليّ بن

 أبي طالب وهذا برهان على إمامته ………….......................

زعم الرافضي أن قوله تعالى : يوم لا يخزي الله النبي والذين

آمنوا معه  برهان على إمامة عليّ وهو عجيب …………............

ومثله قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم 

خير البرية جعله الله برهانا على إمامته…………………….........

حجة النواصب أقرب إلى العقل، والشرع من حجة الروافض،

 فلهذا لا تستطيع الرافضة جوابهم …………………………........

زعم الرافضي أن قوله تعالى : وهو الذي خلق من الماء بشراً 

فجعله نسبا وصهرا  نزلت في عليّ فيكون برهانا على إمامته

 وهو من جنس تفسير الملاحدة ………………......................

زعم الرافضي أن قوله تعالى :  يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله 

وكونوا مع الصادقين  برهان على إمامة عليّ لأنه معصوم،

 وغيره يجوز أن يكون كاذبا . وبيان أن الآية تدل على 

نقيض قوله ………………………….............................

زعم الرافضي أن قوله تعالى : واركعوا مع الراكعين برهان على

إمامة عليّ ……………………………...........................

قوله تعالى :  واجعل لي وزيرا من أهلي  زعم الرافضي أنه 

برهان على إمامة عليّ ……………………………...............

قوله تعالى :  إخوانا على سرر متقابلين  زعم أنه برهان على 

إمامة عليّ ……………………………………….................

إجماع السلف على تفضيل أبي بكر وعمر على من سواهما 

من الصحابة …………………………………………............

زعم الرافضي أن قوله تعالى : وإذ أخذ ربك من بني آدم من 

ظهورهم ذريتهم  برهان على إمامة عليّ، وهي تقول على الله، 

وقلة حيا من العقلاء، ولمثل هذا صار مذهب الرافضة وصمة

 عار على المسلمين …………………..............................

زعم الرافضي أن قوله تعالى : فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح 

المؤمنين  برهان على إمامة عليّ …………….......................

حكاية قاسم بن زكريا المطرز مع الرافضي الذي سأله من حفر 

البحر ؟ ……………………………...............................

قال الرافضي : المنهج الثالث في إثبات إمامة عليّ بالأدلة من 

السنّة …………………………………............................

زعم الرافضي أن قوله تعالى :  يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل

إليك  خلافة عليّ وأنه الوصي ……………….......................

ضعف حديث من كنت مولاه، فعليّ مولاه ………….................

استدلال الرافضي بحديث: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى))

على إمامة عليّ.......................................................

معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى, إلا أنه لا

نبي بعدي))............................................................

قال الرافضي الرابع أنه صلى الله عليه وآله وسلم استخلفه على المدينة مع قصر مدة

الغيبة, فيجب أن يكون خليفته مع طول المدة...........................

اعتماد الرافضي في استدلاله على الأحاديث الموضوعة نحو

((أنت أخي ووصيي وخليفتي)).........................................

استدل الرافضي بحديث مؤآخاته لعليّ, وهو موضوع, وليس 

لدى الرافضة إلا الكذب................................................

كذب الرافضي في قصة فتح خيبر, ودفع الراية إلى عليّ بن 

أبي طالب, وبيان كذبه................................................

استدل بخبر الطائر وهو موضوع, وبيان أنه كذب اختلقه أحد

زنادقة الرافضة.......................................................

تشيع الحاكم والنسائي وابن عبد البر وأمثالهم لا يبلغ بهم تفضيل

عليّ على الشيخين....................................................

ما يروى عن الإمام أحمد أنه قال: ((صح لعليّ من الفضائل ما 

لم يصح لغيره)) كذب عليه.............................................

كذب الرافضي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه أمر الصحابة بأن يسلموا على

عليّ بأمرة المؤمنين...................................................

استدل الرافضي بحديث ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن 

تضلوا أبداً)) الخ والجواب على ذلك....................................

ضعف الزيادة في الحديث ((وعترتي أهل بيتي, وأنهما لن يفترقا 

حتى يردا عليّ الحوض))..............................................

من عترته صلى الله عليه وآله وسلم؟ هم بنو هاشم كلهم ولد العباس, وولد عليّ وغيرهم......

قال الرافضي: الدليل الحادي عشر وجوب موالاته ومحبته,

وجوابه................................................................

استدل الرافضي بأحاديث مكذوبة كعادته, وبيان ذلك...................

الرافضة من أعظم الناس قدحاً في آل البيت, وفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .......

ضلال الرافضي بتمسكه بالكذب الذي يروجه زنادقة الرافضة

والملاحدة الرافضة اشتهروا عند جميع أهل العلم وغيرهم بالكذب......

الرافضة يعاونون الكفار على المسلمين, وهم من أعظم 

الأسباب في دخول التتار بلاد المسلمين................................

بعض حماقات الرافضة التي اختصوا بها ما بين بني آدم...............

بيان بطلان مذهب الرافضة بالضرورة, وبطرق متعددة, ودليلهم

إما حديث كذب أو دلالة مجملة مشتبهة, أو قياس فاسد, لا يخرج

عن ذلك منهج الرافضي الرابع في استدلاله على إمامة عليّ, وهي

الأمور المستنبطة من أحواله كما زعم.................................

ذكر الرافضي أن علياً كان أعبد الناس, وهذا يوجب أن يكون

هو الإمام, وجوابه.....................................................

زعم الرافضي أن علياً كان أعلم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبيان

كذبه في ذلك..........................................................

الأدلة على أن أبا بكر أعلم الصحابة ويليه في ذلك عمر, وأنهما

أعلم من علي رضي الله عنهم.........................................

حديث: ((أنا مدينة العلم, وعليّ بابها)) موضوع وبيان ذلك..............

زعم الرافضي أن قوله تعالى: (وتعيها أذن واعية) أنها أذن علي,

وهذا يليق بحمق الرافضة..............................................

زعم الرافضي أن علياً رضي الله عنه هو أعلم الصحابة وبيان 

جهله في ذلك..........................................................

استدل الرافضي على وجوب إمامته بأنه أشجع الناس, وأفقههم, 

وجواب دعواه الكاذبة..................................................

معنى الشجاعة وأنواعها, وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشجع الناس وبعده أبو

بكر ثم عمر ..........................................................

قول الرافضي: أن علياً ما انهزم قط, يقال له: وكذلك أبو بكر 

وعمر وسعد وطلحة والزبير وغيرهم..................................

زعم الرافضي أن علياً قتل يوم بدر وحده ستة وثلاثين من 

المشركين. وهذا كذب معلوم...........................................

زعم الرافضي الكذوب أن جميع الصحابة فروا يوم أحد وتركوا

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا علياً..................................................

زعم الرافضي أن قتل عليّ لعمرو بن عبدود هو سبب هزيمة

الأحزاب, وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((قتل عليّ لعمرو أفضل من

عبادة الثقلين)). وما أكثر فضائح الرافضة..............................

الرافضي ينقل عن وقائع متخيلة لا حقيقة لها كسائر أدلته 

المكذوبة الرافضة يرون أن الذي أقام الإسلام, وقتل كل من

ناواه علي بن أبي طالب, ونصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم توقف عليه فهو 

الذي كشف الكروب عن الرسول فهزم الكفار يوم أحد ويوم

الخندق ويوم بني المصطلق. الخ.......................................

يقول الرافضي: لما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حنين في عشرة آلاف 

عانهم أبو بكر فانهزموا فكان علياً أمام رسول الله فقتل من 

المشركين أربعين فانهزموا, وهكذا تدعي الرافضة الكذب 

المخالف لما علمه الناس بدون حياء....................................

الرافضي يزعم أن علياً يعلم المستقبل, فهو عنده يوحى إليه,

وهذا ليس استدلال يليق بهم............................................

كذبة شهباء للرافضي بأن علياً هو وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغير ذلك 

من الكذب الصريح....................................................

زعم الرافضي أن علياً قاتل كفار الجن الذين أرادوا الفتك 

بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا أحد أدلته على إمامته...................................

حديث رجوع الشمس لعليّ مرتين وبيان أنه موضوع..................

زعم الرافضي أن السمك يخاطب علياً إلا الجريّ, والمرماهي,

ولذلك حرمهما الرافضة...............................................

زعم الرافضي أن الثعابين تأتي إلى عليّ تستفتيه عما يشكل

عليها إثبات إمامة بقية أئمتهم عن طريق التوارث كل واجد

ورث علم من قبله, فدين الرافضة مبني على خرافة....................

أحاديث المهدي الذي يواطىء اسمه اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكنيته كنيته

صحيحة, وهي تكذيب دعوى الرافضة أن لهم مهدي يخرج ...........

غلط في أحاديث المهدي طوائف منهم من أنكرها مستدلاً 

بحديث ((لا مهدي إلا عيسى)) وهو ضعيف.............................

القرامطة الباطنية ادعوا أن المهدي هو ميمون القداح الملحد,

وهذا كدعوى الرافضة.................................................

استدل الرافضي على إثبات إمامة أئمته بدعوى أنهم معصومون,

فبني كذباً على كذب...................................................

زعم الرافضي أن من دليل إثبات إمامة أئمتهم فضائلهم, وأن من

تقدم علياً ليس بإمام....................................................

دعوى الرافضي أن قول أبي بكر: ((أن لي شيطاناً يعتريني)) الخ. 

يدل على أنه لا يصلح للإمامة, وجوابه................................

قدح الرافضي بإمامة أبي بكر رضي الله عنه بقول عمر: ((كانت

بيعة أبي بكر فلتة)) وجوابه............................................

زعم الرافضي أن الخلفاء قبل عليّ قاصري العلم, وأنهم يلجؤون

إلى عليّ يعلمهم ما يحتاجونه..........................................

لا يمكن أن يزكي عليّ بشيء إلا والخلفاء قبله أولى بذلك ولا يقدح

عليهم بشيء إلا والقدح في عليّ أظهر.................................

زعم الرافضي أن قوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) يدل على 

بطلان خلافة ما عداء عليّ, وبيان ضلاله في ذلك.....................

زعم الرافضي أن قول أبي بكر: ((أقيلوني فلست بخيركم)) يدل 

على عدم إمامته, وجواب ذلك.........................................

كذب الرافضة على أبي بكر بأنه كبس على بيت فاطمة وأنه 

ضرب بطنها عليهم ما يستحقون.......................................

من كذب الرافضة قولهم: أن الرسول أمر بتجهيز جيش أسامة

وفيه الشيخان لصرفهما عن عليّ ليتم أمره.............................

زعم الرافضي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يول أبا بكر شيئاً من الأعمال,

وهذا من بهت الرافضة................................................

تكذيب الرافضة للنقل الصحيح وتعمدهم الكذب فيما يوافق أهواءهم 

مثل قولهم: إن الرسول رد أبا بكر لما أمره على الحج وولى عليه

علياً...................................................................

استدلال الرافضي بقول عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم

يمت بأنه لا يصلح للخلافة.............................................

عيب الرافضي على عمر جمع الناس على إمام في التراويح, 

وزعم أن هذا بدعة, وهم يفعلون الشرك...............................

دعوى الرافضي أن المسلمين اجتمعوا على قتل أمير المؤمنين

عثمان, فهم لا يستحون من الكذب على جميع المسلمين.................

إجماع المسلمين على مبايعة عثمان أكثر من غيره, واجتماعهم 

عليه, وسبب التكلم فيه, من مثيري الفتن...............................

مدافعة الرافضي عن مسيلمة وأتباعه من أهل الردة مما يدل على

أن الرافضة هم أعداء الإسلام حقاً وإنما يتسترون بالانحياز إلى 

أهل البيت والانتصار لهم وفي الحقيقة هم أعداؤهم.....................

طعن الرافضي بالإجماع على مبايعة أبي بكر بالخلافة, وجوابه

زعم الرافضي أن خلافة عليّ دل عليها النص, فلو أجمعت الأمة

على عدم إمامته لكان الإجماع باطلاً...................................

طعن الرافضي بالحديث: ((اقتدوا بالذين من بعدي)). وجوابه

زعم الرافضي أن قول الله تعالى: (إذ هما في الغار) تدل على

منقصة أبي بكر, وكذا الآيات التي استدل بها أهل السنة على

فضيلته تدل على نقيض ذلك وبذلك يظهر جلياً مكابرة الرافضة........

عند الرافضة من الكذب والبهت والفرية مالا يعرف لغيرهم

من سائر بني آدم......................................................

المعية في كتاب الله خاصة وعامة, وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر: ((إن 

الله معنا)) معية الاختصاص............................................

فضائل أبي بكر أكثرها خصائص, وهو أخص الصحابة 

بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعلمهم به, وأنفعهم له......................................

بعض ما يبين فضائل أبي بكر من القرآن..............................

قال الرافضي: ((يجوز ان الرسول استصحب أبا بكر لئلا يظهر

أمره, حذراً منه)), فلعنة الله على قائل ذلك.............................

رد فرية الرافضي على كتاب الله في قوله: أن قوله تعالى: (لا 

تحزن إن الله معنا) يدل على نقصه....................................

لم يكن في المهاجرين منافق, وإنما كان النفاق في المدينة في 

الأنصار لما قوى الإسلام..............................................

أبو بكر أكمل الصحابة صبراً ويقيناً, وعمر وعثمان أكمل في 

ذلك من عليّ رضي الله عنهم اجمعين..................................

زعم بعض الرافضة أن قوله تعالى: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن 

إن الله معنا) لا يدل على إيمان أبي بكر ...............................

إيمان المؤمن وكفر الكافر, ومحبة الصديق وعداوة العدو لا 

تخفى على من خالطهم................................................

جواب الرافضي في قوله: ((إن إنزال السكينة على الرسول 

شرك معه المؤمنين إلا في قصة الغار))................................

زعم الرافضي أن المراد بقوله تعالى: (سيجنلها الأتقى) هو أبو

الدحداح وبيان بهتانه..................................................

زعم الرافضي أن قوله تعالى: (ستدعون إلى قوم أولي بأس) لا

يتناول أبا بكر ولا عمر ولا عثمان....................................

زعم الرافضي أن النبي جعل أبا بكر معه في العريش يوم بدر 

لئلا يخذل المسلمين, ورد بهتانه.......................................

مكابرة الرافضي في تكذيبه إنفاق أبي بكر في سبيل الله, وزعم

أنه لا مال لهو وبيان بهتانه............................................

ما كان إنفاق أبي بكر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طعامه وكسوته, وإنما 

كان إنفاقاً على الدعوة إلى الله.........................................

دعوى أن (هل أتى على الإنسان) نزلت في عليّ كذب مفترى

باتفاق أهل العلم.......................................................

زعم الرافضي أن تقديم أبي بكر في الصلاة لم يكن بأمر الرسول,

وإنما أمرت عائشة بلالاً أن يقدمه......................................

صلاة أبي بكر بالناس أيام مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أمره مما تواتر 

عند أهل الإسلام.......................................................

قد وهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب عهداً لأبي بكر بالخلافة, وقد أرشد

الأمة إلى خلافته بعدة أمور............................................

عدد مرات القراءة:
3583
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :