شيعي عربي، يقف على حد السيف في زمن رديء، إحدى علاماته أحلام فارسية آثمة، غايتها أوطاننا التي حبانا الله – جل وعلا – إياها، فتبنى مقاومة المشروع الفارسي في المنطقة العربية، وشكّل رأس حربة في مواجهته، لم يستكن أو يستسلم لغث كزبد البحر، مؤمن بمذهبه ودينه وعروبته، ويجدها بوصلة من أضلته "ولاية الفقيه" المزعومة.
الأمين العام للمجلس الإسلامي العربي العلّامة السيد محمد علي الحسيني، أحد رجالات "الشيعة العرب"، الذين أدركوا مبكراً خطورة طهران الفارسية على الأمة، وآمن عميقاً بأن "الشيعة العرب"، شأنهم شأن إخوتهم المسلمين، هم مكون أساسي في النسق الحضاري للأمة، وجزء أصيل من تاريخ هذه الأوطان، بيد أنهم تعرضوا إلى هجمة شرسة، نالت من بعضهم، في غفلة من زمن مضى، فضلّ بما ابتدع مرتزقة طهران.
يرى الحسيني، رجل الدين الشيعي اللبناني العربي، أن الأمة على مشارف نهضة جديدة، خطها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، من شأنها استعادة الأمة لدورها الحضاري، وفي ذات الوقت تحطيم الحلم الفارسي، الساعي إلى إتباع الأمة لمشروعه التوسعي الدموي، المغلف بالمذهبية. ويدعو العلامة الحسيني، من بيروت العرب، إلى الالتفاف حول مشروع عروبي، تقوده المملكة، للنهوض بالأمة، والتصدي لما يواجهها من تحديات، في سبيل غد مأمول ومحبور.
"اليوم" حاورت الحسيني، وبادلته أطراف حديث عن حلم، بيارقه أطلت من بين "الحزم" و"الأمل"، فكان لها هذا الحوار:
ما رؤيتكم لاستخدام مصطلح "الشيعة العرب"؟.
أما إذا كان المقصود بالسؤال الوحدة السياسية لـ "الشيعة العرب"، فأيضاً لا يمكن الحديث عن وحدة سياسية بين أتباع المذهب الشيعي في الدول العربية، فمثلاً لا يمكن النظر إلى الشيعة في المملكة العربية السعودية ودولة الكويت والعراق وغيرها من الدول باعتبارهم وحدة سياسية، أو أن الرابط بينهم رابط سياسي، فما يربط بين المجاميع المذهبية في الدول العربية هو الانتماء الديني المذهبي، وليس أي مشروع سياسي أو مرجعية سياسية.
بين المذهبي والديني والقومي يُشار إلى مساحات من الفرقة والتباعد، على الأقل هكذا يعتقد كثيرون، بيد أن الانتماء الوطني إلى أنساق الدولة، الذي تفضلتم بالإشارة إليه، يدفعني إلى استطلاع رؤيتكم حول تنازع أو نزاع مزعوم بين أتباع المذهبين السني والشيعي، وبين روحي المذهبية والقومية؟.
ببساطة يمكنك أن تكون شيعياً عربياً، أو سنياً عربياً، صحيح أن الرابط الديني أقوى من الرابط القومي، ولكن المقصود هنا هو الرابط الإسلامي، وليس المذهبي، أما الانتماء القومي فهو متجذّر في التاريخ قبل الإسلام، ومستمر لأنه في المجتمعات المتعددة، مذهبياً وطائفياً، يلعب دوراً توحيدياً هاماً.
والأمر ذاته، بالنسبة لما يُقال عن نزاع عقائدي بين السنة والشيعة، فهو في حقيقته عرضة للاستخدام السياسي، نقر بالاختلافات بين المذاهب الإسلامية، فهي موجودة، ولكنها ليست جوهرية، ولا تمس العقيدة، أي التوحيد والفروض، بل تشمل فقط بعض الفروع الفقهية، ولا تخرق مبدأ التوحيد أو أصول الدين.
ولكن، المشكلة تكمن في بعض الشيعة، من أصحاب المصالح، الذين يريدون افتعال مشكلة مع المحيط السني، فيسعون إلى تضخيم الاختلافات القائمة، واختراع أخرى، خدمة لأهداف سياسية بحتة، لا صلة لها بالمذهبية.
تأكيد سماحتكم على الانتماء الوطني للشيعة، والانتساب القومي العربي لهم، يثير استفهامي حول الشبهات التي تثار حول العلاقة بين المشروع الفارسي الآثم و"الشيعة العرب"، أية مقاربة أشبه بالواقع، التبعية أم الحماية؟.
لكن إيران استطاعت إلحاق "الشيعة العرب" بمشروعها القومي الفارسي التوسعي؟.
يمكنني الجزم أن هؤلاء المرتزقة لا يمثلون الشيعة حقيقة، وهم ليسوا قادتهم، وإذا وجدت بعض التحركات من بعض الشيعة في هذه الدولة أو تلك، فإنها لا تعدو تحركات مطلبية تحت سقف النظام والقانون، وتهدف إلى بعض الإصلاحات لا أكثر، ولا أحد من شيعة الخليج يريد حقاً قلب الأنظمة وإسقاط الدول.
"الشيعة العرب" – بلا شك - عرب أقحاح، وإذا كانوا كذلك، لمَ انساق بعضهم في أتون الهيمنة الفارسية، وضمن علاقة تبعية لا تليق بمكانتهم في مجتمعاتهم العربية، وعززوا – بهذا الانسياق – الحلم الفارسي الآثم ودفعوا به إلى خيلاء لا تمت للواقع بصلة؟.
لهذا السبب سعى نظام الملالي في طهران، منذ عهد الخميني، إلى نقل المرجعية الشيعية التقليدية، التي ظلت على الدوام في النجف بالعراق، إلى قم في إيران، لكي تصبح هذه المرجعية، ومعها الفقه الإثني عشري الجعفري، وسيلة من وسائل اختراق الأمة العربية، لتحقيق الحلم الفارسي في السيطرة على المنطقة، وإحياء الإمبراطورية الفارسية، ومن ثم يصبح "العرب الشيعة" - حينها - مجرد أتباع لهم، ينفذون خطط "التفريس"، ويتحكمون بهم تحكم السادة في عبيدهم.
إن "تفريس" المذهب الشيعي الإثني عشري، هو إحدى الوسائل المستخدمة لإبعاد "الشيعة العرب" عن لغتهم وعن أمتهم/ وبالتأكيد عن أصولهم العربية، وقد عملت طهران بالفعل على ذلك، وخير مثال ما يجري في الأحواز، فهذه المنطقة عربية، وأبناؤها عرب أقحاح ولكن الاحتلال الفارسي منع اللغة العربية هناك، ولأن أهل الأحواز، يعتبرون اللغة العربية هي لغتهم الأولى، تعمل سلطات الاحتلال الفارسي على تفريسهم ثقافياً، وفرض اللغة الفارسية عليهم، ليس في مناهج التعليم فحسب، إنما في كل شؤون الحياة، حتى في المحاكم التي يدّعي الفرس أنها تُحكم الشريعة على المذهب الإثني عشري، حتى إنها تحظر على عرب الأحواز الترافع بالعربية أمام قضاتها، هذا بالرغم من أن الدستور الإيراني نفسه ينص على أن العربية هي اللغة الثانية بعد الفارسية.
ألا تظن أن جوهر المشروع الفارسي يستند إلى بذور تحيي في "الشيعة العرب" روح مقاومته ورفضه، خاصة أن محتواه من الهيمنة والتوسع والإلغاء ليس بخفي على أحد؟، وهذا يقود إلى السؤال عن مقاومة المشروع في أوساط "الشيعة العرب"؟
هناك أمثلة أخرى على مقاومة "الشيعة العرب" للتمدد الفارسي، فلطالما رفض العلماء الشيعة في جبل عامل (لبنان) الخضوع لمرجعية قم، وبرز علماء كبار ناهضوا "التفريس"، وقاوموه بوصفه احتلالاً مقنّعاً، وكذلك الأمر في العراق وسوريا، وإذا كانت طهران قد حققت بعض الاختراقات في هذه الدول، فهي اختراقات سياسية وعسكرية محدودة وظرفية، بواسطة أشخاص وأحزاب لا يعبرون عن الوجدان الشيعي.
ونحن في المجلس الإسلامي العربي نحمل لواء هذه المقاومة من خلال إبراز حقيقة أن نظرية الولي الفقيه هي بدعة غريبة عن المذهب الشيعي، وذات أهداف سياسية بحتة.
في اليمن، كما الحال في العراق، والعديد من دول الإقليم، طهران الفارسية مدت أذرعها المغلفة بالمذهبية، وسعت إلى انتزاع جزء من هذا المكون الأصيل من سياقه وأنساقه، هل توافقني الرأي؟.
مأساة العراق معروفة للجميع، وفي اليمن لم تُعالج مسألة الحوثيين في الأساس سلمياً، وفي سوريا دعمت روسيا وإيران نظام الأسد، ولم يفعل المجتمع الدولي، والعرب جزء منه، شيئاً ذا وزن للمعارضة، أو قُل إن الدعم كان خجولاً، وفي لبنان تركت مهمة مقاومة إسرائيل لحزب الله، فتحول هذا الحزب – لاحقاً - إلى كتيبة عسكرية إيرانية متقدمة في قلب الوطن العربي.
على الرغم من كل ذلك، لا يعتقدنّ أحد أن طهران استولت على هذه الدول، واستتبعتها نهائياً لنفوذها، فالشعوب في هذه الدول العربية الأربع ترفض الهيمنة الإيرانية، فهي هيمنة عسكرية ومالية، لا أكثر ولا أقل، وطهران تقتل الشعوب لكي تحكم هذه البلدان، فتستخدم عملاءها المحليين، الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، والميليشيات في العراق، وحزب البعث في سوريا.
أين القيادات الشيعية العربية، المرتبطة بقوميتها العربية، من الهيمنة الإيرانية؟، ولماذا خفت صوتها أخيراً؟.
وكما يُقال، اعرف عدوك، ينبغي القول أيضاً، تعلم من عدوك الأساليب الناجحة، فإيران فتحت خزائنها من أجل استقطاب بعض المجموعات في هذه الدولة العربية أو تلك، وحيثما اقتضت حاجتها أرسلت أسلحة وخبراء، وبنت مؤسسات متكاملة، وضعتها في تصرف جماعاتها، ولنا في لبنان مثل، حزب الله، وهو عبارة عن جيش مدرب ومسلح ومتفرغ، وهو في الوقت نفسه مؤسسات مالية تضخ المال والخدمات للمواطنين الشيعة اللبنانيين لضمان ولائهم، أو على الأقل صمتهم عن ممارساته، نعم لا يمكن مواجهة حزب الله إلا بالأسلوب نفسه.
فهل كثير أن تواجه الدول العربية المد الفارسي بالوسائل ذاتها، وهي التي تملك إمكاناتاً مالية لا يمكن لطهران أن تحلم بها يوماً؟.
حديثك يقودنا نحو تساؤلات من نوع كيف للعرب استعادة الشيعة من أنياب الفرس؟، وهل ثمة أمل بمشروع عربي لمواجهة هذا المد الفارسي؟، وماذا نحن فاعلون؟.
كما يجب تخصيص الأموال اللازمة والوسائل المطلوبة للقيادات الشيعية العربية التي تحارب التمدد الفارسي، فهذه القيادات أدرى بشعاب دولها، وهي قادرة على مواجهة أصحاب نظرية الولي الفقيه في كل دولة من الدول التي يعيش فيها الشيعة العرب.
المملكة العربية السعودية أطلقت أول الرصاص على المد والهيمنة الفارسية في المنطقة، واتضحت معالم وجهتها مع تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز المُلك، وهي بخطواتها جادة ومصممة على المضي قدماً في تحطيم الآمال الفارسية، كـ "شيعة عرب" كيف تنظرون إلى هذا الجهد؟.
إن "عاصفة الحزم" العربية في اليمن، بقيادة المملكة العربية السعودية، أعادت تصويب المسار، وبرهنت أن العرب قادرون على المبادرة، وعلى الفوز، من دون انتظار قرارات دولية، وما جرى في اليمن هو درس في العلاقات والتوازنات الاستراتيجية بين دول الإقليم، فبعد النجاح العربي في الميدان، نتيجة عاصفة الحزم، خضع المجتمع الدولي واتخذ مجلس الأمن القرار المناسب بشأن اليمن، وهكذا انتقلنا من مرحلة الرضوخ لقرارات الدول الكبرى إلى مرحلة صناعة هذه القرارات.
لذلك أعتبر أن السياسة، التي انتهجها خادم الحرمين الشريفين في اليمن، هي السياسة المطلوبة في كل الدول العربية الأخرى، التي تشهد تدخلاً إيرانياً سافراً، أو غير مباشر، وهذا ما قصدته عندما تحدثت عن خطة مواجهة عربية شاملة، ومن أجدر من المملكة العربية السعودية لقيادتها؟!.
إن الآمال العربية معقودة على الدول العربية الكبرى، بقيادة المملكة، لاستنهاض المجتمع العربي ككل، في مواجهة الهجمة الفارسية، التي ستنتهي شرّ نهاية بإذن الله.
ثمة أهمية للشأن الداخلي فيما يتعلق بالدول العربية التي يتواجد فيها نسب مرتفعة من المواطنين الشيعة، وسؤالي كيف يمكن الحفاظ على النهج القومي والوطني في أداء "الشيعة العرب" السياسي والاجتماعي داخل دولهم؟.
ولكن من جهة ثانية، ولأن "الشيعة العرب" مستهدفون بدعاية فارسية مغرضة، تحرضهم على دولهم، وعلى أنظمة الحكم، بناء على بدع فقهية، لا أساس لها في المذهب الشيعي الأصلي، فيجب الاهتمام أكثر بهؤلاء المواطنين، من خلال إبراز مرجعياتهم الدينية العربية، التي تدين بالولاء للإسلام أولاً، ولوطنها العربي تالياً.
وأول ما يجب أن يعلمه المراجع للمواطنين الشيعة هو أن الحرية الشخصية يجب ألا تتعارض مع النظام العام المطبق في المجتمع، وأن حرية العقيدة يجب ألا تمس عقائد الآخرين في الدولة، وكذلك فإن إبداء الرأي متاح إذا كان يساهم في خدمة المصلحة العامة، وليس من أجل تحقيق المصلحة الخاصة، أو إثارة النعرات والفتن.
ما اقتراحاتكم ورؤاكم حول مشروع استعادة من ضل طريقه من "الشيعة العرب"، وإعادتهم إلى حاضنتهم القومية العروبية؟، وما هي الخطوات اللازمة والمأمولة؟.
أما على الصعيد العملي، فينبغي أن توضع بين أيدي علماء "الشيعة العرب" الإمكانات المادية لإقامة مؤسسات الرعاية الاجتماعية لـ "الشيعة العرب"، حتى لا تستغل طهران وعملاؤها الحاجة المادية لهؤلاء من أجل التغرير بهم.
حتى وقت قريب، ظل المستقبل العربي مغلفاً بعلامة استفهام كبرى، بيد أن "عاصفة الحزم" حملت بريق أمل، كيف تنظرون إليه؟، وما هي رؤاكم الاستشرافية حياله؟.
المستقبل ينتمي لمن يصنعه، والعرب لديهم من الإمكانات البشرية والمالية والعقلية ما يؤهلهم لمنافسة الإمبراطورية الفارسية المزعومة، ولديهم القدرة على هزيمة مشروعها التوسعي، كذلك هم قادرون على النهوض، كما نهضت تركيا بعد الحروب المدمرة لتعود إلى بعض طموحاتها الإمبراطورية، ونحن كعرب نملك السبق تاريخياً، ونملك السلاح الأمضى، وهو الإسلام والقرآن العربي، ونحن أحفاد الرسول العربي الأكرم صلى الله عليه وسلم، لذا نحن خير أمة أخرجت للناس إذا أحسنا استخدام إمكاناتنا وطاقاتنا.
طهران الفارسية وأحلامها الآثمة، بحاجة إلى الترشيد، ماذا تقولون لها؟.
أما قولنا لهم: ارحلوا عن بلادنا، نحن أدرى بالإسلام وبالتشيع منكم، فلا تغرروا بعضنا تحت ذرائع مذهبية، نحن عرب، مولداً ونشأة ومستقبلاً، ضمانتنا في أنظمة الحكم الرشيدة في بلادنا، وليس في أي مشاريع خارجية، وسنقاتلكم ونهزمكم، كما قاتلنا وهزمنا الاستعمار الغربي من قبل.
ختاماً، بماذا تنصحون النظام العربي عموماً؟، والنظام السياسي في كل دولة عربية بشكل خاص؟.
أما لكل دولة عربية فنقول: إن وحدة الموقف العربي في مواجهة الهجمة الفارسية ليست خياراً، أو ترفاً، وإنما هي واجب وضرورة مصيرية، لقد سبق لإيران أن استفردت بالعراق، ولبنان وسوريا، ثم باليمن، وستستمر على هذا المنوال، ولو قامت وحدة موقف عربي منذ البداية في مواجهة طهران لما وصلنا إلى هذه الحال، فلندع خلافاتنا الصغيرة جانباً ونتفق على مشروع مواجهة الخطر الخارجي، الذي يتهدد مصيرنا جميعا. اليوم.