قوله تعالى: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الجمعة : 11]
قالوا: أن أكثر الصحابة انفضوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى العير التي جاءت من الشام وتركوه وحده في خطبة الجمعة وتوجهوا إلى اللهو واشتغلوا بالتجارة، وذلك دليل على عدم الديانة. والجواب: § أن هذه القصة إنما وقعت في بدء زمن الهجرة، ولم يكونوا إذ ذاك واقفين على الآداب الشرعية كما ينبغي، وكان للناس مزيد رغبة في الغلة، وظنوا أن لو ذهبت الإبل يزيد الغلاء ويعم البلاء، ولم يخرجوا جميعهم بل كبار الصحابة كأبي بكر وعمر كانوا قائمين عنده صلى الله عليه وآله وسلم كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولذا لم يشنع عليهم ولم يتوعدهم سبحانه بعذاب ولم يعاتبهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً، ولما بين الله لهم الحكم ما تخلف منهم أحد، وحالهم بعد نزول الآية خير شاهد. § ثم أن إنفضاض الصحابة رضي الله عنه كان للتجارة وليس اللهو، بدليل قوله تعالى: إِلَيْهَا، ولم يقول إليهما بصيغة المثنى. ولنفترض جدلاً أننا وإن لم نفهم القرآن ونفقه تفسيره، ماذا سيكون جوابنا حينما يقول لنا أحد المستشرقين المتعصبين: إن نبي الإسلام محمد بن عبد الله يطيع الكفار والمنافقين مثلما جاء في القرآن: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)[الأحزاب:1]. ومما يؤكد أن هذه الآية ليست شهادة على عدم عدالتهم ما جاء في أن هذه الحادثة - حادثة سورة الجمعة - قد وقعت لـما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقدم الصلاة على الخطبة، كما في صلاة العيدين، وقد كان انفضاضهم هذا في الخطبة بعد الصلاة. "قال القاضي: وذكر أبو داود في (مراسيله) أن خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه التي انفضوا عنها؛ إنما كانت بعد صلاة الجمعة، وظنوا أنه لا شيء عليهم في الانفضاض عن الخطبة، وأنه قبل هذه القضية إنما كان يصلي قبل الخطبة. قال القاضي: هذا أشبه بحال الصحابة، والمظنون بهم أنهم ما كانوا يدعون الصلاة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنهم ظنوا جواز الانصراف بعد انقضاء الصلاة. أما ما وقع في رواية البخاري من حديث جابر: بينما نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبلت عير تحمل طعاما، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الآية: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما(، فمعنى "بينما نحن نصلي"؛ أي: ننتظر الصلاة، وقوله "في الصلاة"؛ أي: في الخطبة مثلا، وهو من تسمية الشيء بما قاربه، فبهذا يجمع بين الروايتين، ويؤيده استدلال ابن مسعود على القيام في الخطبة بالآية المذكورة كما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح". ورجح الحافظ ابن حجر كون الانفضاض وقع في الخطبة لا في الصلاة، وهو اللائق بالصحابة تحسينا للظن بهم، وعلى تقدير أن يكون في الصلاة حمل أن ذلك وقع قبل النهي، كآية: (ولا تبطلوا أعمالكم) [محمد]، وقبل النهي عن الفعل الكثير في الصلاة، ونزول قوله سبحانه وتعالى: (الذين هم في صلاتهم خاشعون)[المؤمنون].
وخلاصة القول: أن الطعن في الصحابة بهذه القصة لا يصح؛ لأن الآية نزلت في بدء زمن الهجرة، ولم يكن في ذلك الوقت تقدم نهي عن ترك الخطبة، فكانت توجيها وإرشادا لهم حتى لا يقع هذا الأمر مرة أخرى، والانفضاض كان في أثناء الخطبة لا في أثناء الصلاة كما زعموا، ومع كل هذا، فالعدالة لا تعني العصمة من الذنوب أو السهو والخطأ، ومن فضل الله عليهم أن وعدهم بالمغفرة.
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video