علم الصديق وعلم علي رضي الله عنهما
ثم يدعي على أبي بكر بالجهل فيقول ((وفي هذا الصدد سجّل لنا التاريخ أن الإمام عليّ هوأعلم الصحابة على الإطلاق وكانوا يرجعون إليه في أمهات المسائل ولم نعلم أنه (ع) رجع إلى واحد منهم قط فهذا أبوبكر يقول: لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبوالحسن)) (1)
__________
(1) ثم اهتديت ص (145 ـ 146).
قلت: هذا من الكذب الظاهر فأين النقل الصحيح على ذلك؟ فأهل السنة والجماعة اتفقوا أن أعلم الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبوبكر ثم عمر وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد منهم، ولم يُنقل أبداً ان أبابكر قد أخذ العلم عن عليّ بل الثابت أن علياً قد أخذ العلم عن أبي بكر كما في السنن عن ((أسماء بن الحكم الفزاري قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: كنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً، نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه، استحلفته فإذا حلف لي صدّقته، قال: وحدّثني أبوبكر ـ وصدق أبوبكر رضي الله عنه ـ أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ما من عبد يذنب ذنباً فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلّي ركعتين ثم يستغفر الله غفر الله له) ثم قرأ هذه الآية {والذين إذا فعلوا فاحشةً أوظلموا أنفسهم ذكروا الله} إلى آخر الآية)) (1) وأيضا الأخذ برأيه في مقاتلته مانعي الزكاة وقتاله معه، وأخرج مسلم في صحيحه وأحمد في المسند في الحديث الطويل وفي جزء منه قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( ... فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا)) (2) ((وثبت عن ابن عباس أنه كان يفتي بكتاب الله، فإن لم يجد فبما في سنة رسول الله، فإن لم يجد أفتى بقول أبي بكر وعمر، ولم يكن يفعل ذلك بعثمان ولا بعلي، وابن عباس هوحبر الأمة وأعلم الصحابة في زمانه، وهويفتي بقول أبي بكر وعمر مقدماً لهما على قول غيرهما، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل))) (3) وهذا يدلل على عميق فقه أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بل ولم يثبت أنه قد خالف النصوص ولكن
__________
(1) سنن أبي داود ـ باب ـ نفريع أبواب الوتر برقم (1521) وراجع صحيح أبي داود برقم (1346).
(2) صحيح مسلم مع الشرح كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم (681).
(3) المنهاج جـ7 ص (53).
عمر وعليّ ثبت أنهما قد خالفا النصوص في أمور وذلك لأن النصوص لم تبلغهما، ويعلم هذه الحقيقة من له بمسائل العلم وأقوال العلماء أدنى معرفة، وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال في جزء من الحديث (( ... كان أبوبكر أعلمنا (أي) بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم)) (1) وقال ابن حزم في كتابه القيم (الفِصَل في الملل والأهواء والنِّحَل) كلاماً نفيساً في هذه القضية أَضّطر لنقله على طوله لأهميته ((قال أبومحمد: واحتج ـ أي الرافضة ـ أيضاً بأن علياً كان أكثرهم علماً، قال أبومحمد: كذب هذا القائل، وإنما يعرف علم الصحابي لأحد وجهين لا ثالث لهما، أحدهما: كثرة روايته وفتاويه، والثاني: كثرة استعمال النبي صلى الله عليه وآله وسلم له، فمن المحال الباطل أن يستعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من لا علم له، وهذه أكبر الشهادات على العلم وسعته، فنظرنا في ذلك فوجدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ولىّ أبا بكر الصلاة بحضرته طول علته، وجميع أكابر الصحابة حضور، كعليّ وعمر وابن مسعود وأُبي، وغيرهم فآثره بذلك على جميعهم، وهذا خلاف استخلافه عليه السلام إذا غزا لأن المستخلف في الغزوة لم يستخلف إلا على النساء، وذوالأعذار فقط، فوجب ضرورة أن نعلم أنّ أبا بكر أعلم الناس بالصلاة، وشرايعها، وأعلم المذكورين بها وهي عمود الدين، ووجدناه صلى الله عليه وآله وسلم قد استعمله على الصدقات فوجب ضرورة أن عنده من علم الصدقات كالذي عند غيره من علماء الصحابة، لا أقل وربما كان أكثر، أولا أكثر إذ قد استعمل عليه السلام أيضاً عليها غيره وهوعليه السلام لا يستعمل إلا عالماً بما استعمله عليه، وبرهان ما قلنا من تمام علم أبي بكر رضي الله عنه بالصدقات أن الأخبار الواردة في الزكاة أصحها، والذي يلزم العمل به ولا يجوز خلافه
__________
(1) صحيح البخاري كتاب الصلاة ـ باب ـ الخوخة والممر في المسجد برقم (454) وراجع المنهاج جـ7 ص (58).
فهوحديث أبي بكر الذي من طريق عمر، وأما من طريق عليّ فمضطرب وفيه ما قد تركه الفقهاء جملة، وهوأن في خمس وعشرين من إبل خمس شياه، فوجدنا عليه السلام قد استعمل أبا بكر على الحج، فصح ضرورة أنه أعلم من جميع الصحابة في الحج، وهذه دعائم الإسلام، ثم وجدناه عليه السلام قد استعمله على البعوث فصح أن عنده من أحكام الجهاد مثل ما عند سائر من استعمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على البعوث في الجهاد، إذ لا يستعمل عليه السلام على العمل إلا عالماً له، فعند أبي بكر من الجهاد من العلم به كالذي عند عليّ، وسائر أمراء البعوث، لا أكثر ولا أقل، فإذ قد صح التقدم لأبي بكر على عليّ وغيره في علم الصلاة، والزكاة، والحج، وساواه في علم الجهاد، فهذه عمدة العلم، ثم وجدناه عليه السلام قد ألزم نفسه في جلوسه، ومسامرته، وظعنه، وإقامته أبابكر فشاهد أحكامه عليه السلام، وفتاويه أكثر من مشاهدة عليّ لها، فصح ضرورة أنه أعلم بها فهل بقيت من العلم بقية إلا أبوبكر هوالمتقدم فيها الذي لا يلحق؟ أوالمشارك الذي لا يسبق؟ فبطلت دعواهم في العلم، والحمدلله رب العالمين.
ـ ثم يقول ـ فإنا غير متّهمين على حط أحد من الصحابة رضي الله عنه عن مرتبته ولا على رفعه فوق مرتبته، لأننا لوانحرفنا عن عليّ رضي الله عنه ونعوذ بالله من ذلك لذهبنا فيه مذهب الخوارج، وقد نزهنا الله عز وجل عن الضلال في التعصب ولوغلونا فيه لذهبنا فيه مذهب الشيعة، وقد أعاذنا الله من هذا الإفك في التعصب فصار غيرنا من المنحرفين عنه أوغالين فيه هم المتّهمون فيه إما له وإما عليه، وبعد هذا كله فليس يقدر من ينتمي إلى الإسلام أن يعاند في الاستدلال على كثرة العلم باستعمال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمن استعمله منهم على ما استعمله وعليه من أمور الدين، فإن قالوا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد استعمل علياً على الأخماس وعلى القضاء باليمن؟ قلنا لهم: نعم ولكن مشاهدة أبي بكر لأقضية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقوى في العلم وأثبت مما عند عليّ وهوباليمن، وقد استعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر على بعوث فيها أخماس، فقد ساوى علمه علم عليّ في حكمها بلا شك، إذ لا يستعمل عليه السلام إلا عالماً بما يستعمله عليه، وقد صح أن أبا بكر وعمر كانا يفتيان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهوعليه السلام يعلم ذلك، ومحال أن يبيح لهما ذلك إلا وهما أعلم ممن دونهما وقد استعمل عليه السلام أيضاً على القضاء باليمن مع عليّ معاذ بن جبل، وأبا موسى الأشعري، فلعليّ في هذا شركاء كثير، منهم أبوبكر، وعمر، ثم قد انفرد أبوبكر بالجمهور الأغلب من العلم على ما ذكرنا. وقال هذا القائل ـ أي الرافضي ـ: إن علياً كان أقرأ الصحابة، قال أبومحمد: هذه القحة المجردة والبهتان لوجوه أولها إنه رد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه عليه السلام قال: يؤم القوم أقرؤهم، فإن استووا فأفقههم، فإن استووا فأقدمهم هجرة، ثم وجدناه عليه السلام قد قدم أبا بكر على الصلاة مدة الأيام التي مرض
فيها وعليّ بالحضرة يراه النبي صلى الله عليه وآله وسلم غدوة وعشية فما رأى لها عليه السلام أحداً أحق من أبي بكر بها، فصح أنه كان أقرؤهم وافقههم واقدمهم هجرة، وقد يكون من لم يجمع حفظ القرآن كله على ظهر قلب أقرأ ممن جمعه كله عن ظهر قلب فيكون ألفظ به وأحسنهم ترتيلا، هذا على ان أبا بكر وعمر وعليا لم يستكمل أحد منهم حفظ سواد القرآن كله ظاهرا إلا أنه قد وجب يقيناً بتقديم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر على الصلاة وعليُّ حاضر أن أبا بكر أقرأ من عليّ، وما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليقدم إلى الإمامة الأقل علما بالقراءة على الأقرأ أوالأقل فقهاً على الأفقه فبطل أيضاً شغبهم في هذا الباب، والحمد لله رب العالمين)) (1) ومما سبق يتضح لكل ذي لب تقدم أبي بكر على عليّ في العلم والفقه.
ثم يقول ((بينما يقول أبوبكر عندما سئل عن معنى الأب في قوله تعالى {وفاكهة وأباً متاعاً لكم ولأنعامكم} قال أبوبكر: أي سماء تظلني وأي أرض تقلّني أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم)) (2) أقول:
1ـ هذه الرواية التي ذكرها ابن كثير رواها إبراهيم التيمي عن أبي بكر وهي ضعيفة، لأن السند منقطع بين إبراهيم وأبوبكر.
__________
(1) الفصل في الملل والنحل لابن حزم جـ4 ص (212 ـ 215).
(2) ثم اهتديت ص (146).
2ـ ولا يفهم من الحديث ـ إن صح ـ أن أبا بكر لا يعرف معنى الأب لأن معناها واضح جداً على أنها من نبات الأرض كما يقول الله {فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً .. } ولكنه لم يحدد ما هية الأب أي أن يعرف شكله وجنسه وعينه وهذا ما أراده في قوله ذاك، وكما روى أنس أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر {وفاكهة وأبا} هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهوالتكلف يا عمر (1)! لذلك جاء معنى الأب عند المفسرين على أنه من نبات الأرض فقال ((مجاهد وسعيد بن جبير وأبومالك: الأب الكلأ، وعن مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد: الأب للبهائم كالفاكهة لنبي آدم، وعن عطاء: كل شيء نبت على وجه الأرض فهوأب، وقال الضحاك: كل شيء أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهوالأب)) (2) فالمعنى كما هوواضح ما أنبت على الأرض، ولكن الصحابة لم يحددوه بالكيف والجنس، وهذا لا يدل على عدم العلم ولووضحه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنوع معين لعرفه الصحابة فيحمل على كل ما أنبت على الأرض.
__________
(1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان جـ باب ـ في تعظيم القرآن ص (424) بسند صحيح والحاكم في المستدرك جـ2 ص (514) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(2) تفسير ابن كثير جـ4 ص (54).