وَلَكِنْ لاَ أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي
في كتب الزهد : " 498 - أَخْبَرَكُمْ أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَوَيْهِ، وَأَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ قَالَا: أَخْبَرَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ فِي أَصْحَابِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنْهُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ،» ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «هَؤُلَاءِ خَيْرٌ لِي مِنْكُمْ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِخْوَانُنَا أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا، وَهَاجَرْنَا كَمَا هَاجَرُوا، وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا، وَأَتَوْا عَلَى آجَالِهِمْ فَمَضَوْا فِيهَا، وَبَقِينَا فِي آجَالِنَا، فَمَا يَجْعَلُهُمْ خَيْرًا مِنَّا؟ قَالَ: «إِنَّ هَؤُلَاءِ خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَأْكُلُوا مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَخَرَجُوا وَأَنَا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّكُمْ قَدْ أَكَلْتُمْ مِنْ أُجُورِكُمْ، وَلَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي»، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَهَا الْقَوْمُ وَاللَّهِ عَقَلُوهَا، وَانْتَفَعُوا بِهَا، قَالُوا: وَإِنَّا لَمُحَاسبُونَ بِمَا أَصَبْنَا مَنَ الدُّنْيَا، وَإِنَّهُ لَيُنْقَصُ بِهِ مِنْ أُجُورِنَا، فَأَكَلُوا وَاللَّهِ طَيِّبًا وَأَنْفَقُوا قَصْدًا، وَقَدَّمُوا فَضْلًا " اهـ.[1]
وفي مصنف عبد الرزاق عن الحسن رحمه الله ايضا مع اسقاط الواسطة فيما بينه وبين معمر : " 9581 - عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ، سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلشُّهَدَاءِ يَوْمَ أُحُدٍ: «هَؤُلَاءِ قَدْ مَضَوْا وَقَدْ شَهِدْتُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَأْكُلُوا مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ مِنْ أُجُورِكُمْ، وَإِنَّكُمْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي» " اهـ.[2]
وفي المصنف ايضا : " 6720 - عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْطَلِقُ بِطَوَائِفَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى دَفْنَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ،...... " اهـ. مصنف عبد الرزاق – ابو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني – ج 3 ص 575
وفي موطأ مالك في البلاغات : " 1677/ 450 - مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ: «هؤُلاَءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: أَلَسْنَا، يَا رَسُولَ اللهِ، بِإِخْوَانِهِمْ؟. أَسْلَمْنَا، كَمَا أَسْلَمُوا؟. وَجَاهَدْنَا، كَمَا جَاهَدُوا؟. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «بَلَى. وَلَكِنْ لاَ أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي». قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ بَكَى. ثُمَّ قَالَ: أَئِنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَكَ؟ " اهـ.[3]
فهذه الرواية لا تصح وذلك لانها جاءت مرسلة عن الحسن رحمه الله , واما في الموطأ فهي من البلاغات , والمرسل , والبلاغات من اقسام الضعيف , وذلك لان فيها انقطاع في السند.
قال الامام مسلم في مقدمة صحيحه: " وَالْمُرْسَلُ مِنْ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ " اهـ.[4]
وقال الامام ابن الصلاح : " مَعْرِفَةُ الضَّعِيفِ مِنَ الْحَدِيثِ
كُلُّ حَدِيثٍ لَمْ يَجْتَمِعْ فِيهِ صِفَاتُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلَا صِفَاتُ الْحَدِيثِ الْحَسَنِ الْمَذْكُورَاتُ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ.
وَالَّذِي لَهُ لَقَبٌ خَاصٌّ مَعْرُوفٌ مِنْ أَقْسَامِ ذَلِكَ: الْمَوْضُوعُ، وَالْمَقْلُوبُ، وَالشَّاذُّ، وَالْمُعَلَّلُ، وَالْمُضْطَرِبُ، وَالْمُرْسَلُ، وَالْمُنْقَطِعُ، وَالْمُعْضَلُ، فِي أَنْوَاعٍ سَيَأْتِي عَلَيْهَا الشَّرْحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى " اهـ.[5]
وقال ايضا : " ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الْمُرْسَلِ حُكْمُ الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ، إِلَّا أَنْ يَصِحَّ مُخْرَجُهُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي نَوْعِ الْحَسَنِ. وَلِهَذَا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمُرْسَلَاتِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَإِنَّهَا وُجِدَتْ مَسَانِيدَ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ " اهـ.[6]
وقال ايضا: " وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سُقُوطِ الِاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسَلِ وَالْحُكْمِ بِضَعْفِهِ هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ آرَاءُ جَمَاهِيرِ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَنُقَّادِ الْأَثَرِ، وَقَدْ تَدَاوَلُوهُ فِي تَصَانِيفِهِمْ.
وَفِي صَدْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: " الْمُرْسَلُ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ " اهـ.[7]
وقال الامام الذهبي : " ومن أوهى المراسيل عندهم: مراسيلُ الحَسَن " اهـ.[8]
وقال الامام الالباني في مراسيل الامام الحسن البصري: " قلت: والمرسل ضعيف عند المحدثين، وبخاصة مرسل الحسن البصري ؛ فقد قال بعض الأئمة: ( مراسيل الحسن البصري كالريح ) " اهـ.[9]
واما البلاغات فحكمها حكم المعضل , ومن المعلوم ان المعضل من اقسام الضعيف , قال الامام ابن الصلاح : " وَذَكَرَ أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ الْحَافِظُ قَوْلَ الرَّاوِي: " بَلَغَنِي " نَحْوَ قَوْلِ مَالِكٍ: " بَلَغَنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكُسْوَتُهُ.. " الْحَدِيثَ وَقَالَ: أَصْحَابُ الْحَدِيثِ يُسَمُّونَهُ الْمُعْضَلَ " اهـ.[10]
وقال الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع : " 3 _ بلاغات " الموطأ ": ما يعرف بـ(البلاغات) في (الموطأ) للإمام مالك هي من قبيل المعلقات، فلا يُجزم بثبوتها، بل الأصل فيها الضعف لانقطاع الإسناد ، حتى توصل بإسناد ثابت، وقد وجد في " بلاغات " مالك كثير من البلاغات موصولاً بإسناد ضعيف، أو ضعيف جداً، وإن كان كثير منها ثابتاً " اهـ.[11]
وفي لسان المحدثين : " البلاغ: البلاغ هو ما يرويه المحدث من الأحاديث أو الآثار مؤدياً إياه بصيغة (بلغنا عن فلان) ثم يذكر قائل ذلك الأثر أو فاعله بلا سند أو يذكر قطعة من سنده قبل ذلك. وقد اشتهر في هذا الباب بلاغات مالك، وهي أحاديثه التي رواها في الموطأ على هذه الكيفية. والظاهر أنه يلتحق بصيغة (بلغنا عنه) في هذا الباب ما كان بمعناها مثل (روينا عنه) ونحو ذلك من الصيغ الصريحة في الانقطاع، فيكون البلاغ والمعلق بمعنى واحد " اهـ.[12]
فالبلاغات نوع من انواع الضعيف الا اذا جاء الاثر بطريق موصول فانه يقبل , ويقوي البلاغ.
أما بالنسبة لشرح الحديث فهوخلاف ما اخترعه هذا التيجاني حسب فهمه المقلوب فإن قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: هؤلاء أشهد عليهم أي بالإيمان والبذل في سبيل الله فلما قال ذلك سأله أبوأبوبكر الصديق: ألسنا يا رسول الله إخوانهم أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلى! ـ أي أنتم مسلمون مثلهم ومجاهدين في سبيل الله ـ ولكن لا أدري ما تحدثون ـ أي لا أعلم ما سوف تفعلون بعد وفاتي وأبوبكر لم يسأله عن نفسه ولكنه سأله بصيغة الجمع، فأجاب بنفس الصيغة أنه لا يعلم ما سيكون بعده ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم الغيب أي ما سيحدث في المستقبل وبعد مماته ـ إلا بما أخبره به الله سبحانه وتعالى ـ يقول الله سبحانه وتعالى {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، ولوكنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء أن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} (الأعراف 188) فبكى أبوبكر لأنه علم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيفارقهم وذلك واضح في قول أبي بكر (أئنا لكائنون بعدك) أي سنعيش بعدك يا رسول الله وبالطبع لم يبك لأنه يعلم أنه سيحدث بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم!!
وقد شرح الموطأ لمالك مجموعة من أهل العلم لا بد لنا أن نأتي بأقوالهم وشروحهم لهذا الحديث:
أـ يقول الزرقاني (... هؤلاء أشهد عليهم) بما فعلوه من بذل أجسامهم وأرواحهم وترك من له الأولاد أولاده (فقال أبوبكر الصديق ألسنا يا رسول الله بإخوانهم أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا) فلم خص هؤلاء بشهادتك عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بلى أنتم إخوانهم ألخ (ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي) فلذا خصصتهم بالشهادة المستفادة من حصر المبتدأ في الخبر بقوله هولا أشهد عليهم (فبكى أبوبكر ثم بكى) كرّره لمزيد أسفه على فراق المصطفى (ثم قال أئنا لكائنون) أي موجودون (بعدك) استفهام تأسف لا حقيقي لاستحالته من أبي بكر بعد أن أخبره النبي صلى الله عليه وآله وسلم) - شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك جـ3 ص (49 ـ 5).
ب ـ يقول ابن عبد البر (... ومعنى قوله: أشهد عليهم ـ أي أشهد لهم بالإيمان الصحيح والسلامة من الذنوب الموبقات، ومن التبديل والتغيير، والمنافسة في الدنيا، ونحوذلك ـ والله أعلم. وفيه من الفقه دليل على أن شهداء أحد ومن مات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبله أفضل من الذين تخلفهم بعده ـ والله أعلم. وهذا ـ عندي ـ في الجملة المحتملة للتخصيص، لأن من أصحابه من أصاب من الدنيا بعده وأصابت منه، وأما الخصوص والتعيين، فلا سبيل إليه إلا بتوقيف يجب التسليم له. وأما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين تخلفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعده، فأفضلهم: أبوبكر وعمر، على هذا جماعة علماء المسلمين إلا من شذ، وقد قالت طائفة كثيرة من أهل العلم: إن أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبوبكر وعمر لم يستثنوا من مات قبله ممن مات بعده) (1) ثم قال (... وأما قوله أنا أشهد لهؤلاء وأنا شهيد لهؤلاء ونحوهذا فقد روى هذا اللفظ ومعناه من وجوه ثم ساق عدة روايات ومنها هذه الرواية (... وأخبرنا خلف بن القاسم، قال حدثنا ابن أبي العقب، حدثنا أبوزرعة، حدثنا الحكم بن نافع أبواليمان، حدثنا شعيب عن الزهري، أخبرني أيوب بن بشير الأنصاري عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين خرج تلك الخرجة استوى على المنبر فتشهد، فلما قضى تشهده كان أول كلام تكلم به: أن استغفر للشهداء الذين قتلوا يوم أحد، ثم قال: إن عبداً من عباد الله خيّر بين الدنيا وبين ما عند ربه فاختار ما عند ربه ففطن بها أبوبكر الصديق أوّل الناس وعرف إنما يريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، فبكى أبوبكر فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: على رسلك سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر، فإني لا اعلم امرءاً أفضل عندي يداً في الصحبة من أبي بكر) - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر جـ21 ص (228).
جـ ـ يقول الإمام الباجي (... وقول أبي بكر رضي الله عنه ألسنا يا رسول الله باخوانهم أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا على وجه الإشفاق لما رأى من تخصيصهم بحكم كان يرجوا أن يكون حظه منه وافراً وأن يكون حظ جميع من شركه فيه من الصحابة ثابتاً فقال أن عملنا كعملهم في الإيمان الذي هوالأصل والجهاد الذي هوآخر عملهم فهل تكون شهيداً لنا كما أنت شهيدا لهم فقال صلى الله عليه وآله وسلم بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي، قال قوم إن الخطاب وإن كان متوجهاً إلى أبي بكر فإن المراد به غيره ممن لم يعلم صلى الله عليه وآله وسلم بما آل حاله وعمله وما يموت عليه وأما أبوبكر رضي الله عنه فقد أعلم أنه من أهل الجنة، والنبى صلى الله عليه وآله وسلم شهيد له بذلك لظاهر عمله الصالح ولما قد أوحي إليه وأُعْلِمَ من رضوان الله تعالى عنه ولكنه لما سأل أبوبكر واعترض بلفظ عام ولم يخص نفسه بالسؤال عن حاله كان الجواب عاماً، وقد بيّن تخصيصه بأنه ليس ممن يحدث بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً مما يحبط عمله بما تقدم وتأخر عن هذا الحال من تفضيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم له واخباره بما له عند الله من الخير وجزيل الثواب وكريم المآب. قال القاضي أبي الوليد رضي الله عنه ويحتمل عندي وجهاً آخر، وهوأن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: هؤلاء أشهد عليهم بما شاهدت من عملهم في الجهاد الذي أدى إلى قتلهم في سبيل الله ولذلك لم يقل أنه شهيد لمن حضر هذا اليوم وقاتل وسلم من القتل كعليّ وطلحة وأبي طلحة وغيرهم ممن أبلى ذلك اليوم، ومن هوأفضل من كثير ممن قتل ذلك اليوم، لكنه خصّ هذا الحكم بمن شاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهاده إلى أن قتل، ويكون على معنى هذا قوله لأبي بكر رضي الله عنه: بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي، لم يرد به الحدث المضاد للشريعة وإنما أراد به جميع الأعمال الموافقة للشريعة والمخالفة لها، فيكون معنى ذلك أن ما تعملونه بعدي لاأشاهده، فلا أشهد لكم به وأن علمت أن منكم من يموت على ما يرضي الله من الأعمال الصالحة، إلاّ أنها لم تعين لي فيقال لي أنه يجاهد في الموطن كذا وأن الواحد منكم يقتل زيداً أويقتله عمرٌ، وكما شاهدت من حال هؤلاء، فلذلك لا أكون شهيداً لكم بنفس الأعمال وتفصيلها، كما أشهد على تفصيل عمل هؤلاء وأن شهدت لبعضكم بجملة العمل بالوحي واعلام الله، فعلى هذا يكون قوله: ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي متوجّهاً إلى جميع الصحابة من أبي بكر وغيره. (فصل) وقوله: فبكى أبوبكر ثم بكى ثم قال أئنا لكائنون بعدك، يريد أنه أطال البكاء وكرره وأظهر معنى بكائه بقوله: أئنا لكائنون بعدك كأنه للإشفاق من البقاء بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإنفراد دونه وفقد بركته ونعمة الله على أمته به، وهذا يدل على أنه قد فهم أبوبكر رضي الله عنه من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي أنه لا يخاف أويجوز أن يكون من أبي بكر حدث يضاد الشريعة ويخالف به من أجله عن سبيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن بكاءه لذلك كان أولى له وكان حكمه على ذلك بأن يقول ائنا لمحدثون بعدك حدثاً يصد عن سبيلك ونخالف به طريقتك ولما لم يقل ذلك ولا بكى من أجله وإنما بكى من أجل فراقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبقائه بعده علمنا أنه فهم منه ما قدمنا ذكره والله أعلم) فهذا هوقول أهل العلم في هذا الحديث والذي يظهر جلياً مدى جهل هذا التيجاني بفقه الحديث وتحامله على الصحابة العظام - الموطأ شرح الباجي جـ3 ص (27 ـ 28).
1 - الزهد - عبد الله بن المبارك المرزوي - ج 1 ص 171.
2 - مصنف عبد الرزاق – ابو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني – ج 5 ص 272.
3 - موطأ مالك – ابو عبد الله مالك بن انس الاصبحي - ج 3 ص 658.
4 - صحيح مسلم – ابو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري - ج 1 ص 80.
5 - مقدمة ابن الصلاح – ابو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح – ص 41 – 42.
6 - مقدمة ابن الصلاح – ابو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح – ص 53 – 54.
7 - مقدمة ابن الصلاح – ابو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح – ص 54 – 55.
8 - الموقظة – ابو عبد الله محمد بن احمد الذهبي – ص 6.
9 - سلسلة الاحاديث الضعيفة والموضوعة – محمد ناصر الدين الالباني – ج 12 ص 666.
10 - مقدمة ابن الصلاح – ابو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح – ص 60.
11 - تحرير علوم الحديث – عبد الله بن يوسف الجديع – جزء 3 ص 137.
12 - لسان المحدثين - محمد خلف سلامة - ج 2 ص 188.