معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

عدم التزام الصحابة ببعض أوامر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ..

عدم التزام الصحابة ببعض أوامر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

حاول عبد الحسين هذا في هذه المراجعة تأكيد طعنه بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن طريق إظهارهم بمظهر المتثاقل في تنفيذ أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوالإعراض عنها بالكلية، وهوإنما يقصد بذلك أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كما هوصريح فعله هنا، فقد اعتمد على أخبار وروايات ضعيفة ساقطة لقصة ذلك المارق الذي اعترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أفعاله فحينها أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسل هذا الرجل وأنه سيخرج منه الخوارج وبين صفاتهم.

وخبر الخوارج هؤلاء وسلفهم ذي الخويصرة هذا مشهور معروف عند أهل النقل، وقد صح الحديث فيهم من نحوعشرة طرق، وهوفي الصحاح والسنن والمسانيد، وقد ساقها بألفاظها وأسانيدها الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) (7/ 289 - 34)، وفي كثير من تلك الطرق التي في الصحيحين التصريح بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سمع من هذا الرجل _ وهوالمارق _ ما قاله من القول الفاحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (يا رسول الله إئذن لي فأضرب عنقه) ومثله قال خالد بن الوليد أيضا، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع عمر من قتله، وكذا خالدا تأليفا لهم، أوحتى لا يقال إن محمدا يقتل أصحابه_انظر هذه الروايات عند البخاري (6933، 4351)، ومسلم (163، 164) _فهذا يبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليريد قتله، بل كان يمنع من ذلك، وأن عمر كان ممن عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله فكيف يمكن أن ينكص عن قتله إذ أمره بذلك النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهذه روايات كما قلنا هي أصح الروايات ثبوتا عند أهل السنة، ولا يضرها أنها ليست كذلك عند الشيعة أتباع هذا الموسوي، فإنه يزعم أنه يقيم الحجة عليهم بما صح عندهم، فنحن نقول هذا الذي صح عندنا فيه حاججونا، أما هذا الذي زعمه هذا الموسوي في هذه المراجعة من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أمر أبا بكر ثم عمر بقتله لكنهما لم ينفذا أمره وقدما عليه ما قام في أذهانهما من المصلحة، فهوباطل لا يصح، والروايات التي ذكرها ضعيفة منكرة كلها كما سنبينها إن شاء الله، فأول ما يبين نكارتها مخالفتها لتلك الروايات التي في الصحيحين فيما قدمناه سلفا. ولا حاجة إلى التكلف بحملها على تعدد الواقعة أواختلاف الشخص، فإن الروايات المزعومة هذه ضعيفة كما سيأتي فضلا عن عدم إمكان ذلك لاتحاد الكل في الكلام عن أصل الخوارج فلا يمكن أن يكون الرجل إلا واحدا هوسلفهم وأصلهم، وهذا يبين صحة القول

بتعارض هذه الروايات المزعومة هنا مع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما مما قدمناه، ومن ثم نكارة هذه الروايات، وأما ضعفها فيتبين بالآتي:

أول ذلك مما ذكره هذا الموسوي حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند الإمام أحمد (3/ 15) من طريق أبي روبة شداد بن عمران عنه. وقد ساقه بسنده هذا الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) (7/ 297 - 298) وقال: (تفرد به أحمد). قلت: وإسناده ضعيف من أجل شداد هذا، فلم يوجد فيه توثيق معتبر، وقد روى عنهماثنان _ كما في (تعجيل المنفعة) _ولم يوثق فهوأحق بأن يوصف بالمستور أومجهول الحال _ كما قرره الحافظ في مقدمة (التقريب) _ إذ من الثابت في هذا الباب أن جهالة العين ترفع برواية اثنين فأكثر، لكن جهالة الحال لا ترفع إلا بالتنصيص على عدالته ووثاقته، وهوأمر معدوم بالنسبة لشداد هذا، فقد ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (4/ 329) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا فهوأحق بالوصف بجهالة الحال كما قلنا، وله ترجمة في (التعجيل) لكن الحافظ لم ينقل توثيقه هناك إلا عن ابن حبان، ومن المعلوم أيضا أن ابن حبان لا يعتمد عليه لوحده لما علم من منهجه في توثيق المجاهيل الذي يصرح هونفسه عن أحدهم أنه لا يدري من هوولا من أبوه، كما تقدم ذلك في المراجعة (44) عن ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) (ص93) أنه نقل ذلك عن ابن حبان، وهوالذي انتهى إليه الشيخ الألباني في (الضعيفة) (2/ 328 - 329) من أن الجهالة عند ابن حبان ليست جرحا حتى أنه في كتابه (المجروحين) لم يقدح بأحد بسبب الجهالة، ومن هنا علم أن توثيق ابن حبان لوحده لا يخرج الراوي عن حد الجهالة عند المحققين وهوالأمر المتحقق هنا تماما بالنسبة لشداد هذا من أنه مجهول الحال كما قدمنا. وإذا تقرر هذا بان بذلك ضعف هذا الحديث مع ما سبق من نكارته لمخالفته الصحيح الثابت في هذا، والله أعلم.

ولحديث أبي سعيد هذا شاهد من حديث أنس، وهومثله في الضعف أوأوهى منه كما سيأتي، فلا يصلح أحدهما لتقوية الآخر من أجل تصحيح هذه القصة، لشدة ضعف كل منهما بما يتقاعس به عن التعاضد والتقوية، وقد ذكر هذا الموسوي رواية واحدة لحديث أنس هذا، وأشار إلى رواية أخرى، ونحن نذكر له رواية ثالثة ونبين ما في كل منها من الضعف، فنقول: أما الرواية التي ذكرها بطولها فقد نقلها من ترجمة ذي الثدية في (الإصابة) (2/ 174) نقلا عن مسند أبي يعلى، وهوفي (المسند) برقم (4143، 9) من طريق موسى بن عبيدة أخبرني هود بن عطاء عن أنس. وهذا إسناد ضعيف جدا، موسى بن عبيدة هذا قال عنهمالإمام أحمد: لا تحل الرواية عنه، وقال الحافظ في (التقريب): ضعيف، وبه أعل الحديث الهيثمي في (المجمع) فقال (6/ 227): (رواه أبويعلى، وفيه موسى بن عبيدة، وهومتروك). قلت: وشيخه هود بن عطاء ساقط أيضا، ذكره الذهبي في (الميزان) ونقل قول ابن حبان فيه: (لا يحتج به، منكر الرواية على قلتها).

والطريق الثاني عن أنس لهذا الحديث عند أبي يعلى أيضا برقم (4127)، وساق سنده أيضا الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) (7/ 298)، وساقها بطولها الهيثمي في (المجمع) (6/ 226) وهي من رواية يزيد الرقاشي عن أنس، وأخرجه من هذا الطريق أيضا أبونعيم في (الحلية) (3/ 52 - 53)، وهذا الإسناد ضعيف من أجل يزيد هذا، وبه أعل الحديث الهيثمي فيما تقدم من (المجمع).

وهذه هي الرواية التي أشار إليها هذا الموسوي بعد ذلك حين قال في آخر كلامه عن حديث أنس هذا: (وقد جاء في آخر ما حكاه في هذه القضية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أن هذا لأول قرن يطلع في أمتي، ولوقتلتموه ما اختلف بعده اثنان، إن بني إسرائيل افترقت اثنين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق ثلاثا وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة) إ. ه. قلت: وكالعادة اقتطع منه هذا الدجال ما لا يعجبه؛ إذ فيه تتمة وهي قوله: (فقلنا: يا نبي الله من تلك الفرقة؟ قال: الجماعة. قال يزيد الرقاشي: فقلت لأنس: يا أبا حمزة وأين الجماعة؟ قال: مع أمرائكم، مع أمرائكم). هذه تتمة الحديث الذي اقتطعه هذا الموسوي _ قطع الله ذكره وأصحابه _ وفيه بيان الفرقة الناجية وصفتها بما هوأبعد ما يكون عن الرافضة هؤلاء، فإنهم أبعد الناس عن الجماعة وعن طاعة الأمراء، كما قدمنا، وهذا الحديث وإن كان إسناده ضعيفا كما مسبق لكن هذه اللفظة منه في افتراق أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى ثلاث وسبعين فرقة وكلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، ووصفها أيضا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها (من كان على ما أنا عليه وأصحابي)، هذا اللفظ من الحديث صحيح وثابت له طرق كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن صحابة عديدين، وقد فصل ذلك الشيخ الألباني في (الصحيحة) (رقم 22، 23) فليراجع.

فهذا يبين أن هذا الحديث الذي احتج به هذا الموسوي فيه ما هودليل عليهم، وهويصح لماله من طرق وشواهد كثيرة، بخلاف أصل الحديث الذي حاول الاستشهاد به فهوضعيف ساقط كما تقدم وكما سيأتي أيضا، ولله الحمد والمنة.

والطريق الثالثة لحديث أنس هذا عند أبي يعلى أيضا برقم (3668)، وساقه بلفظه الهيثمي في (المجمع) (7/ 257 - 258) وإسناده ضعيف أيضا فيه أبومعشر وهونجيح بن عبد الرحمن السندي، قال الحافظ في (التقريب): (ضعيف، من السادسة، أسن واختلط)

فهذه ثلاث طرق لحديث أنس هذا كلها ضعيفة لا تقوم بها حجة كما تقدم.

ثم كذب هذا الموسوي بقوله: (وأرسله إرسال المسلمات جماعة من الثقات) واستدل على ذلك بذكر ابن عبد ربه الأندلسي المالكي له في كتابه (العقد الفريد)، وقد قدمنا في آخر الرد على المراجعة (82) القيمة الحقيقية لهذا الكتاب، فهوكتاب أدب لا حجة فيه لإثبات الأحاديث والأخبار، فضلا عن عدم سوقه للأسانيد فيما يذكره.

ثم لفظ الحديث الذي أشار إليه عند ابن عبد ربه قد تقدم في الطريق الثانية لحديث أنس السابق، وأنه اقتطع منه شيئا مهما فضلا عن كونه حجة على الشيعة كما سبق.

وآخر أحاديثه التي احتج بها في هذه المراجعة حديث علي رضي الله عنه، وقد نقله هذا الموسوي من (كنز العمال)، ولفظه: (جاء النبي صلى الله عليه وسلم أناس من قريش فقالوا: يا محمد، إنا جيرانك وحلفاؤك، وأن ناسا من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين ولا رغبة في الفقه، إنما فروا من ضياعنا وأموالنا فأرددهم إلينا، فقال لأبي بكر: ما تقول؟ قال: صدقوا، إنهم لجيرانك وأحلافك، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لعمر: ما تقول؟ قال: صدقوا إنهم لجيرانك وحلفاؤك، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا معشر قريش والله ليبعثن الله عليكم رجلا قد امتحن الله قلبه بالإيمان فيضربكم على الدين أويضرب بعضكم، فقال أبوبكر: أنا يا رسول الله قال: لا، قال عمر: أنا يا رسول الله؟ قال: لا ولكنه الذي يخصف النعل، وكان أعطى عليا نعلا يخصفها).

وقد عزاه في (الكنز) (3642) لأحمد وابن جرير وسعيد بن منصور. قلت: وهوأيضا عند النسائي في (خصائص علي) _ (تهذيب الخصائص) (28) _ من نفس الطريق لكنه عند أحمد في (المسند) (1/ 155) إلى قوله (فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم) أي بدون قوله (يا معشر .. ) وإسناده هنا ضعيف لا يصح، فإنه من طريق شريك بن عبد الله القاضي وهوسيء الحفظ، قال الحافظ في (التقريب): (صدوق يخطئ كثيرا) وقد تقدم تفصيل حاله ضمن الرواة المئة في المراجعة (16) برقم (4) وبينا هناك أنه لا يمكن الاحتجاج به منفردا إلا إذا توبع، وقد كان ذلك فعلا كما قدمنا خلال الكلام على الحديث رقم (39) في المراجعة (48) عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول اله صلى الله عليه وسلم: (إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله) فاستشرفنا وفينا أبوبكر وعمر، فقال: (لا، ولكنه خاصف النعل) _ يعني عليا _.

وبينا هناك صحة هذا الحديث وما فيه من فضل لعلي رضي الله عنه وهوأقل فضلا من قتال أبي بكر رضي الله عنه للمرتدين كما ذكرناه هناك. والمهم أن هذا فقط هوالذي يمكن أن يصح من حديثنا هذا هنا لما له من شواهد، أما أوله: في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ثم عمر وجوابهما بما لا يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا الذي لا يثبت ولا يصح، بل هومن منكرات شريك بسبب سوء حفظه كما مر في ترجمته المشار إليها، وبهذا لا يبقى في هذا الحديث _ بحمد الله _ أية حجة لهذا الموسوي في التدليل عليه بما يقدح بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما حاوله في هذه المراجعة.

وبكل ما سبق من ضعف أسانيد هذه الأحاديث ونكارتها لمخالفتها ما هوصحيح وثابت في نفس القصة، يتبين كذب هذا الموسوي المفتري بمثاله هذا على عدم التزام أبي بكر وعمر ببعض أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدق ما كنا قررناه سلفا من أنه لا يحفظ لأبي بكر على الخصوص موقف واحد خالف فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا موقف واحد وذلك حين ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني عمروبن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة، فقدم الصحابة أبا بكر إماما بهم، فبينما هم في الصلاة جاء النبي صلى الله عليه وسلم فعلم به أبوبكر فأراد أن يرجع في الصف حتى يتقدم النبي صلى الله عليه وسلم لكنه أشار إلى أبي بكر أن أمكث مكانك، فحمد الله أبوبكر على ذلك ثم رجع إلى الصف فتقدم بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتم الصلاة، فلما سأله بعد الصلاة عن سبب عدم بقائه قال: (ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم) _ البخاري (684)، ومسلم (421) _. والمهم أن هذا الموقف الوحيد الذي يمكن أن يقال عنه لم ينفذ فيه أمر رسول الله صلى الله عليه، لكنه كله تواضع وأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان الشيعة يريدون مثلا صحيحا ثابتا على عدم تطبيق أبي بكر لبعض أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فليذكروا هذا الحديث حتى يكشفوا به عن ما يسوؤهم من الحق في بيان فضل الصديق رضي الله عنه وأرضاه.

وهذا الموسوي كان قد زعم في المراجعة (84) عدم التزام الصحابة ببعض أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم، ورددنا عليه في حينها بما يرد قوله ذلك من عدة أوجه، لكنه حاول بعد ذلك في مراجعاته حتى هذه المراجعة ذكر بعض الأمثلة التي زعم دلالتها على ما ادعاه، وهي ثلاثة أمثلة .. الأول: ما أسماه برزية يوم الخميس (المراجعة 86)، والثاني: سرية أسامة (المراجعة 9)، والثالث: قتل المارق في هذه المراجعة (94)، وفيما سبق من كلامنا في هذه المراجعة ما يبين بطلان مثاله الثالث هذا فلم يبق إلا المثالان الأولان اللذان تقدم ردنا عليهما ونقضنا لكل ما استنتجه منهما فضلا عن ما قدمناه خلال الرد على المراجعة (9) بشمول كل أوجه الطعن التي تستعملها الرافضة من حادثة سرية أسامة في الصحابة عموما لعلي رضي الله عنه أيضا إذ لا نص يخرجه من ذلك أبدا. وفوق هذا فإنا نعارض مثاليه هذين السابقين بمثالين من النصوص الصحيحة الثابتة التي ينطبق عليها كل كلام هذا الموسوي من عدم التعبد ببعض الأوامر النبوية لكنهما مختصين بعلي رضي الله عنه نفسه، بل هذان النصان في انطباق ما زعمه هذا الموسوي في حججه المذكورة أولى مما استعمله ضد الصحابة وأخصهم أبي بكر وعمر.

ونحن لا نعني أننا نتهم عليا رضي الله عنه بما اتهم به هذا الموسوي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هذا من قبيل رد الحجة بمثلها، وما سنذكره من هذين النصين فنحن نعلم أن لا مطعن لعلي رضي الله عنه فيهما، أوأن له من العذر ما يسوغ له فعله ذاك، لكنا نريد أن نبين إن ادعاء هذا الذي ادعاه عبد الحسين على أبي بكر وعمر وسائر الصحابة يلزمه مثله في علي، أما نحن أهل السنة فنحب الكل ونترضى عن الكل ولا نتتبع سقطاتهم، لذا قد اكتفينا في أمثلتنا عن علي باثنين فقط، ونحن نعلم أنا لواستقصينا السنة النبوية لجمعنا من ذلك أكثر من هذا العدد، لكننا قد اكتفينا بما قلناه رغبة في عدم الإشعار بالقدح في أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما ما يحقق رد دعوى هؤلاء الرافضة وإمامهم عبد الحسين هذا.

والمثال الأول: هومن حديث قصة الحديبية، ونعني به ما ثبت في الصحيحين _ البخاري (4251، 2699، 2698)، ومسلم (1783/ 9، 92) _ حين قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: لا تكتب محمد رسول الله، فلوكنت رسول الله لم نقاتلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: (أمحه) فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه_ وفي رواية: لا والله لا أمحوك أبدا، فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده.

وهذا الحديث لوكان مثله في حق أبي بكر أوعمر لطار به الشيعة فرحا، وأهل السنة لأنهم أهل الحق ولنبلهم لا يستعملونه مثل ما يفعل الرافضة ضد الصحابة الباقين ونحن نعلم أن لعلي رضي الله عنه عذرا فيما فعله، لكننا لأجل رد مزاعم الرافضة في الصحابة نواجههم بهذا الحديث ففيه _ مثل ما زعم عبد الحسين هذا في مراجعاته السابقة _ عدم الالتزام بأوامر النبي صلى الله عليه وسلم وعدم الانقياد إليها _ في ظاهره _.

وكل ما يمكن أن تعتذر به الشيعة عن فعل علي هذا فإنه يَرِد أقوى منه فيما ذكره عبد الحسين هذا من نصوصه في المراجعات السابقة، ولا يصح الإعتراض بأنه لم يثبت فإن الأمر ما زال ضمن نصوص أهل السنة لإقامة الحجة عليهم بزعم عبد الحسين هذا.

والمثال الثاني: ما ثبت في الصحيحين أيضا _ البخاري (1127)، ومسلم (775) _ من حديث علي رضي الله عنه نفسه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقال: (ألا تصليان؟) فقلت: يا رسول الله أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئا، ثم سمعته وهومول يضرب فخذه وهويقول {وكان الانسان أكثر شيء جدلا}. وهومن رواية علي بن الحسين _ زين العابدين _ عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب عن علي، وهم أئمة الشيعة فلا وجه لهم في رد هذا الخبر، وأيضا لوكنا سفهاء مثل هؤلاء الرافضة ولا نراعي لله حرمة لاستعملنا هذا الحديث الصحيح الثابت في الطعن بعلي رضي الله عنه كما يستعمل الرافضة أقل منه في أبي بكر وعمر وسائر الصحابة، فبإمكاننا أن نستدل به على مجادلة علي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغير الحق خصوصا وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرن ذلك بالآية المتلوة، وبإمكاننا أن نستدل به على عدم انصياع علي لوصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبإمكاننا أيضا أن نلمح فيه ما يشبه قول الجبرية من نسبة كل أمور العبد إلى الله وأن لا دخل لنوايا العبد فيها ذلك الذي يلمح من جواب علي للنبي صلى الله عليه وسلم وهوطبعا ضد مذهب الشيعة عموما الذين وافقوا المعتزلة في القدر فأخرجوا إرادة الله وقدرته عن أفعال العبد كليا، بإمكاننا أن نقول كل هذا من الطعن بعلي وهوأقبل وأوجه مما حاوله هذا الموسوي في مراجعاته السابقة، لكن الله قد أعاذنا من مثل هذا الاعتداء على خير خلق الله بعد الأنبياء وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا

ومنهم علي رضي الله عنه، وإنما أردنا كما قلنا دفع الحجة بمثلها.

وإذا انتهى بنا الكلام إلى هنا علمنا وتيقنا أن أبا بكر رضي الله عنه لا تطوله كل ما حاوله هذا الموسوي من المطاعن، بل كل ما يحاوله الرافضة جميعا، فلا يحفظ لأبي بكر كما قلنا موقف واحد خالف فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم وحتى رغبته سوى ما مر في قصة تقدمه بالصلاة حين ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني عمروبن عوف، وبينا أن ذلك كله من أدبه وتوقيره لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد أجبنا عن كل ما حاوله من المطاعن فيه هذا الموسوي خلال الرد على المراجعتين (9، 86)، وحتى على فرض السكوت عن ما قاله هذا الموسوي فيه فيبقى موقف عمر أسلم بكثير من موقف علي رضي الله عنه في عدم الانقياد لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في واحد من المثالين السالفين فضلا عن اجتماعهما.

بقي بالنسبة لعثمان رضي الله عنه، وهولم يستطع أحد من الشيعة كلهم أن يذكر _ ولوبالكذب _ موقفا واحدا لعثمان فيه أدنى شبهة مما زعموه، حتى قال شيخ الاسلام ابن تيمية في رده عن ابن المطهر الرافضي _ (المنهاج) (2/ 168) _: (بل لوقال القائل أنه لا يعرف من النبي صلى الله عليه وسلم أنه عتب على عثمان في شيء وقد عتب على علي في غير موضع لما أبعد).

أما باقي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تطولهم مزاعم هذا الموسوي أبدا، وهولم يقصدهم أصلا، وبه اتضحت براءتهم جميعا وأخصهم أبوبكر وعمر مما حاول رميهم به هذا الدجال عبد الحسين.

المراجعة (95): س:

_ اعتذار شيخ الأزهر بأن الأمر الوارد في الحديث ليس للوجوب، أوهوكفائي، وقد سلم بصحة ذلك الحديث المزعوم.

المراجعة (96): ش:

_ رده للأعذار المنسوبة إلى شيخ الأزهر، وذلك لتفاهتها وضعفها، وحاول إلفات النظر عن عدم ثبوتها بصنيعه هذا.

الرد على المراجعة (96):

_ كشف ما في صنيعه هذا من الغش والتلاعب، ثم بيان إن الشيعة محجوجون أيضا حتى إن صح إدعاء إمامهم هذا وذلك فيما ثبت عن علي رضي الله عنه مما فيه شبهة عدم تنفيذ الأوامر النبوية، ثم بيان موقف أهل السنة من كل الصحابة في ذلك.

تكلم في مراجعته هذه عن رد ما نسبه من الجواب إلى شيخ الأزهر، وهوجواب أهل السنة فيما حاول إظهاره به مختارا أوهى الأجوبة وأضعفها ليسهل له رده أولا، وليصادر_كما قلنا غير مرة_ على أجوبة أهل السنة الحقيقية عن شبهتهم هذه السابقة.

لذا تراه قد حصر جواب أهل السنة عن طريق ما نسب إلى شيخ الأزهر بوجهين الأول: عدم إفادة الأمر للوجوب، والثاني: إن الوجوب كان كفائيا. وهذا بلا شك من التفاهة والضعف ما يمكن أي أحد لأن يرده، بينما حجتنا الحقيقية في ردنا ما زعمه في المراجعة (94) هوالتفصيل الواضح لبيان ضعف تلك الحادثة من أساسها مع نكارتها لمخالفتها الصحيح الثابت في تلك القصة، وقد قدمنا كل ذلك بحمد الله في الرد الماضي، ومن ثم لا يلزمنا رده هنا ويبقى ما قلناه قائما ملزما بفضل الله وتوفيقه. على أننا أيضا لوتجاوزنا مسألة ثبوت تلك الواقعة فأنا نقول: أن العذر الذي يمكن أن نجيب به عن موقف أبي بكر وعمر المزعوم في تلك الأحاديث هونفس العذر الذي يفترض بأئمة الشيعة أن يجيبوا به عن موقف علي مثلا حين لم يلتزم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بمحواسمه من الكتاب يوم الحديبية، كما في الحديث الذي قدمناه، وعن موقفه أيضا حين جادل رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل حتى استوجب من النبي صلى الله عليه وسلم تطبيق الآية عليه، وهي قوله تعالى: (وكان الانسان أكثر شيء جدلا).

فكل ما يقال من قبل الشيعة عن موقفي علي هذين يصلح بأقوى منه أن يقال عن موقف أبي بكر وعمر في الحديث الضعيف السابق في قصة قتل المارق، مع الفارق الكبير من ناحية ثبوت موقف علي ذلك بإسناد صحيح بخلاف قصة قتل المارق تلك التي قدمنا ضعفها وسقوطها عن الاحتجاج.

ومثل ما سبق أيضا ينطبق على قول هذا الموسوي في آخر مراجعته هذه: (فلم يطيبا نفسا بما طابت به نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يرجحا ما أمرهما به من قتله، فالقضية من الشواهد على أنهم كانوا يؤثرون العمل برأيهم على التعبد بنصه كما ترى).

ونحن نقول إن امتناع علي من محواسم النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب يوم الحديبية يدل أيضا على أنه لم يطب نفسا بما طابت به نفس النبي صلى الله عليه وسلم، وهوشاهد أيضا على إيثاره العمل برأيه على التعبد بالنص كما هوواضح لا لبس فيه مع ثبوت هذه القصة. وهذا نقرره _ كما قلنا _ لا لأن عليا رضي الله عنه عندنا كذلك، بل هومن أئمة الهدى الأخيار، ولكن إلزاما لهؤلاء الرافضة بحجتهم من أجل دحضها بالكلية، ولله الحمد أولا وآخرا ..

المراجعة (97): س:

_ إلتماس شيخ الأزهر لبقية الموارد في ذلك.

المراجعة (98): ش:

_ سرد عدد من الموارد المزعومة في ذلك دون تفصيلها ولا بيان

مصادرها مع إشارته إلى موارد أخرى خاصة بعلي وأهل البيت.

الرد على المراجعة (98):

1_ الرد الواضح الجلي على ما زعمه من تلك الموارد جميعا مع شيء

من التفصيل في الغامض منها، بعد إيضاح أنه قد خلط فيها بين ما لا

لوم على الصحابة فيه، أوهومن المسائل الفقهية التي لا يقدح في

المخالف فيها.

2_ بيان أن ما يصح من تلك المسائل عن بعض الصحابة فإن لعلي رضي

الله عنه من ذلك نصيب وافر في المخالفة في أحكامه لأحكام النبي صلى

الله عليه وسلم.

3_ تكذيبه فيما ادعاه من النصوص الخاصة بعلي وأهل البيت مع الإشارة

إلى ما سيأتي من ذكر مواضع ذلك.

هذه المراجعة من آخر مراجعات هذا الرافضي طعنا بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتقاصا لها رغبة في إسقاط عدالتهم واتهامهم بكتمانهم نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على علي، وكأن عليا رضي الله عنه لم يقع في الخطأ والزلل بمثل ما وقعوا فيه بل وأكثر من بعضهم! وكأن عليا رضي الله عنه لم يقدح فيه بمثل ما قدح فيهم أوأكثر منهم!، وكأن عليا رضي الله عنه لم يعترض عليه من فضلاء الصحابة بما لم يعترض بمثله على من سبقه (أبي بكر وعمر وعثمان)! وكأن عليا رضي الله عنه لم يلمه النبي صلى الله عليه وسلم بما لم يلم بمثله أبدا أبا بكر وعمر وعثمان، بل وغيرهم من الصحابة! وكأن عليا رضي الله عنه لم يفعل ما فيه إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم _ حين أراد الزواج على فاطمة رضي الله عنهما _ بما لم يفعله سواه من الصحابة أبدا.

ونحن أهل السنة نعذره في كل ذلك ونعلم صدق إيمانه وحسن مقصده في كل ما أتى به مما أشرنا إليه أوغيره، لكنا أردنا أن نبين أن ما ينقل عن غيره من الصحابة فإن لهم العذر مثل ما له رضي الله عنه أجمعين، بل إن العذر لعمر وعثمان رضي الله عنهما أقبل وأوجه من عذره هو، أما أبوبكر فلا نحتاج إلى الإعتذار عنه فلم يثبت عنه رضي الله عنه _ كما قلنا _ موقف واحد فيه ما يسوؤه.

وقد أشار هذا الموسوي في مراجعته هذه إلى عدد من الوقائع التي زعم أن فيها مطاعن على الصحابة بما ظنه يثبت قوله من عدم التزامهم ببعض أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنا لا نشك في أنه لم يفصلها ويشرحها إلا لما فيها من الغش والكذب والافتراء المحض الذي يسقط حجته فيها، ونحن سنقابله برد إجمالي غير تفصيلي مكتفين بتفصيل بعض مزاعمه هنا لغموضها وخفاء بطلانها نسبة لغيرها.

وقد خلط هذا الموسوي في أمثلته هنا بين ما هومن المسائل الفقهية التي كان بعضها محل نزاع مستمر بين الأمة، وبين مسائل لا لوم على الصحابة فيها أبدا، أوفيها ما يدل على فضل بعضهم مثل أبي بكر وعمر، أوهي لا يلحق الصحابة فيها كلام وإنما هي في المنافقين أوحديثي الاسلام، وغيرها من المسائل، ونحن نبين ذلك إن شاء الله غير ملتزمين بتسلسل ما ذكره من الأمثلة، بل بما يجمع بعضها مع بعض كما أسلفنا، فنقول:

أما ما فيه فضل لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فهوقوله: (صلح الحديبية .. وأخذ الفداء من أسرى بدر .. ويوم الصلاة على ذلك المنافق) قلت: وهذا يعني بالإشارة إلى صلح الحديبية ما حصل من الضيق للصحابة عموما حين تكاتب النبي صلى الله عايه وسلم مع سهيل بن عمروعلى شروط الصلح التي لم تكن ترضي الصحابة أبدا مما أدى بهم إلى التأخير شيئا ما في تنفيذ بعض أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا لا لوم فيه عليهم أبدا بل قد بين الله تعالى أن هذا قد وقع منهم حمية منهم على دينهم مما استوجب رضا الله عنهم في تلك الواقعة رغم ما فعلوه، وقد قدمنا في الرد على المراجعة (94) ما ثبت عن علي رضي الله عنه أيضا في تلك الواقعة مما فيه شبهة عصيان لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن عذره في ذلك هوعذر غيره من الصحابة كما قلنا، والمهم أن الفضل في واقعة الحديبية هوللصديق أبي بكر رضي الله عنه، فهوالوحيد من الصحابة الذي كان كامل التسليم والانقياد لأقوال رسول اله صلى الله عليه وسلم وأفعاله بما لم يتأخر عن ذلك قيد شعرة، وهوموقف مسجل له رضي الله عنه يتبين لكل من راجع كتب السيرة والتاريخ.

أما إشارته إلى قصة أخذ الفداء من أسرى بدر فقد قدمنا خلال الرد على المراجعة (26) حديث قصة أسرى بدر واستشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر في شأنهم _ وهوقد اختصهما في المشورة لفضلهما رضي الله عنهما _ وإن أبا بكر أشار عليه بالعفوعنهم وهوما كان يريده النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، وإن عمر أشار عليه بقتلهم كلهم، ثم نزلت الآيات من سورة الأنفال تؤيد قول عمر وتعاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدم الأخذ به وهوقوله تعالى {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} فهذا من فضائل عمر رضي الله عنه بلا خلاف.

ومثله أيضا في فضائله ما أشار إليه من الصلاة على ذلك المنافق وهوعبد الله بن أبي بن سلول حين توفي فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عمر: يا رسول الله عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما خيرني فقال (إستغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) وسأزيده على السبعين، فقال عمر: إنه منافق، فأنزل الله تعالى (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره). والحديث في الصحيحين وغيرهما، والمهم أن فيه فضلا لعمر رضي الله عنه في موافقته الحكم الشرعي وإصابته له، وهذان المثلان هما مصداق قوله صلى الله عليه وسلم عن عمر: (لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون _ قلت: أي ملهمون _ فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر) أخرجه البخاري (3689) _ واللفظ له _ ومسلم (2398) وغيرهما.

وأما ما كان مختصا بالمنافقين وحديثي الإسلام ومن شابههم، أي لا دخل للصحابة فيه، فهوقوله: (وغنائم حنين .. ويوم اللمز في الصدقات وسؤالهم بالفحش) وقد تقدم في المراجعة (94) ذكر الأحاديث الصحيحة في شأن ذي الخويصرة الذي اعترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسمته، وقد جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في (صحيح مسلم) (163) التصريح بأن ذلك كان في قسمة غنائم حنين، ومنه يعلم أن لا دخل للصحابة رضوان الله عليهم في ذلك ولا مطعن عليهم فيها، وهذا هوأبرز ما يوجد في قصة قسمة غنائم حنين، لكن هناك مواقف أخرى فيها، يمكن أن يتعلق بها الشيعة من أجل الطعن بالصحابة، ونحن نشير إليها ونبين وجه تبرئة الصحابة من تلك المواقف. فمن ذلك موقف الأنصار رضي الله عنه وعتبهم على النبي صلى الله عليه وسلم حين أعطى زعماء قريش من تلك الغنائم الكثير وتركهم فوجدوا في أنفسهم من ذلك شيئا، ثم أخبر صلى الله عليه وسلم بمقالتهم فخطبهم خطبة عظيمة بين فيها سبب فعله ذلك وأنه قد ادخر للأنصار خيرا من ذلك بكثير، وكان مما قاله لهم فيها: (ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولوسلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها .. ) _ البخاري (433) _ فهذا فيه أعظم فضيلة للأنصار بلا خلاف، فإن قيل قد جاء في حديث ابن مسعود عند البخاري (4335) في تلك الواقعة أن رجلا من الأنصار قال: (ما أراد بها وجه الله) قلنا هذا الرجل من الأنصار هومن المنافقين الذي علم نفاقهم ونسبته إلى الأنصار لأنه من بني عمروبن عوف وهم ضمن دور الأنصار، واسمه معتب بن قشير _ انظر (فتح الباري) (8/ 69) _. وآخر تلك المواقف الواردة هنا ما جاء في بعض الروايات من إلحاح الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقسم بينهم الفيء حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت عنه رداءه، فوقف

فقال لهم: (أعطوني ردائي، فلوكان عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدونني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا) وأيضا قد جاء التصريح بذكر هؤلاء الناس الذين عاملوه هكذا وذلك في رواية البخاري (3148) بأنهم (الأعراب) أي الذين كانوا حديثي عهد بالاسلام، وهذا مما يبرؤ الصحابة تماما من مثل هذا الموقف المشين.

أما إشارته إلى اللمز بالصدقات فهذا بلا خلاف كان من أفعال المنافقين، وهومما يبرؤ منه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا، وذلك واضح من مراجعة تفسير الآية الخاصة بتلك الواقعة، وهي قوله تعالى {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم) انظر (تفسير الطبري) (1/ 121 - 124)، (تفسير ابن كثير) (2/ 375 - 376) وغيرها.

أما إن كان قصده الإشارة إلى الآية التي قبلها {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} فهي مثل سابقتها باختصاصها بالمنافقين أوبضعيفي الإيمان أمثال ذي الخويصرة السابق، وذلك واضح جلي لإخفاء فيه عند كل من راجع كتب التفسير أيضا، مثل (الطبري) (1/ 95 - 96)، (ابن كثير) (2/ 363 - 364). فبكل حال تحققت براءة الصحابة جميعا مما اتهم به هذا الرافضي، ولله الحمد.

وأما المسائل التي لا لوم على الصحابة فيها أبدا، فهي من قوله: (وأمره صلى الله عليه وآله وسلم بنحر بعض الإبل إذ أصابتهم مجاعة في غزوة تبوك، وبعض شؤونهم يوم أحد وشعبه، ويوم أبي هريرة إذ نادى بالبشارة لكل من لقي الله بالتوحيد و.. كالمعارضة في أمر حاطب بن بلتعة).

قلت: أما قصة نحر الإبل للمجاعة في غزوة تبوك فنحن نسوق لفظها بالكامل حتى تتضح حقيقتها، فقد أخرج مسلم في (صحيحه) (27/ 45) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله لوأذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افعلوا)، قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول الله إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع الله لهم عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم)، قال: فدعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوداهم، قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة ويجيء الآخر بكف تمر ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم قال: (خذوا في أوعيتكم) قال: فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة) إ. ه. هذا نص الحديث بالكامل، فهل يجد فيه ذوعقل مطعنا على عمر رضي الله عنه حين أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بمشورته تلك التي كانت سببا لما أصابهم من البركة؟ ولوكان في موقف عمر أية شائبة من سوء خلق مع النبي صلى الله عليه وسلم أوغيره لما كان أجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما أشار به عليه، فمن ادعى غير ذلك فهوقادح بشخص النبي صلى الله عليه وسلم لأنه هوالذي صوب قول عمر ومشورته، وهوما يقطع لسان كل من ادعى مثل دعوى هذا الموسوي هنا مع أن في الحديث أيضا دليل على ما سبق من الإلهام الذي امتاز به عمر بن الخطاب رضي الله عنه دون غيره من الصحابة.

وأما إشارته إلى يوم أحد، فنحن نرد دعواه بكل اختصار بأن نقول: قد ثبت فعلا خطأ بعض الصحابة رضوان الله عليهم يوم أحد وعصيانهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه من الذنوب التي تاب الله عليهم منها وعفا عنهم فلم يعد هناك أي مجال لأي حاقد عليهم لأن يطعن بهم، بل عاد هذا من أدلة فضائلهم، وذلك لقوله تعالى عنهم (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم) فهل بعد هذا التصريح من رب العالمين من منفذ لسهام هؤلاء الرافضة الحاقدين؟ وقال أيضا قبل ذلك عن الطائفتين اللتين همتا أن تفشلا (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما) فها هورب العالمين يصرح بأنه ولي لهم إعلانا بفضلهم وسابقتهم، حتى قال جابر رضي الله عنه، نزلت هذه الآية فينا: (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا) بني سلمة وبني حارثة، وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: (والله وليهما) _ البخاري (451)، ومسلم (255) _.

وأما قوله (ويوم أبي هريرة إذ نادى بالبشارة .. ) فهوإشارة منه إلى ما أخرجه مسلم (31/ 52) عن أبي هريرة رضي الله عنه من حديث طويل حكى فيه قصة جلوسهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قيامه صلى الله عليه وسلم وتغيبه عنهم حتى خشوا عليه فقام أبوهريرة يتفقده فأتاه وهوفي حائط _ أي بستان _ فقال له: (إذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة) قال: فكان أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني بهما، من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثديي فخررت لاستي، فقال: إرجع يا أبا هريرة فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجهشت بكاء، وركبني عمر فإذا هوعلى أثري، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (مالك يا أبا هريرة) قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي، قال: إرجع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عمر ما حملك على ما فعلت؟) قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: (نعم)، قال: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فخلهم) إ. ه.

قلت: وها هومثال آخر يدل على فقه عمر رضي الله عنه الذي تأكدنا من صحته بتصويب النبي صلى الله عليه وسلم له ثم أخذه به، وليس في ذلك ردا لأمره صلى الله عليه وسلم ولا اعتراضا عليه، وانظر ما قاله القاضي عياض وغيره من العلماء فيما نقله النووي في (شرح مسلم) (1/ 238).

وأيضا فإنا نجد في آخر الحديث إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لما قاله عمر وأخذا به، فما بال هؤلاء الروافض يعدون ذلك من مساوئه، أليس الأحرى أن يعد ذلك من محاسنه وفضائله في إشارته على النبي صلى الله عليه وسلم بما هوالأحرى والأفضل؟ فهذا أيضا من أدلة الإلهام الذي وصفه به النبي صلى الله عليه وسلم فيما سبق، حتى قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (1/ 32): (وهذا معدود من موافقات عمر). ولا يتوهمن ضعاف العقول أنا نعني بذلك أن عمر أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم وأسد منه رأيا، فهذا في غاية الجهل والضلال، وإنما هومن أنواع فضائله مثل موافقته لآيات القرآن الكريم قبل نزولها في نفس الحكم، بل قدمنا أيضا أنه قد حصل مثل ذلك لعلي رضي الله عنه خلال المراجعة (12) في موافقته نص الآيات في تسمية الوليد بن عقبة بن أبي معيط بالفاسق من نزول الآيات بنفس التسمية هذه، وبينا هناك أن هذا أيضا من فضائل علي، لكنه أقل شأنا مما حصل لعمر لموافقة الأخير عددا أكبر من الآيات مع إشارته على النبي صلى الله عليه وسلم بأحكام كانت هي الأفضل والأحرى مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بها، وهكذا الحال هنا فحين أشار عمر على النبي صلى الله عليه وسلم بأفضلية كتمان هذه البشارة خشية إتكال الناس عليها وتركهم للعمل صوبه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن زعم أن عمر كان معتديا ومعترضا عليه صلى الله عليه وسلم فقد قدح في نفس شخصه صلى الله عليه وسلم. وأكثر من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بعد ذلك أخذ يوصي سائر أصحابه بكتمان مثل هذه البشارة خشية إتكال الناس عليها وذلك مثل وصيته لمعاذ رضي الله عنه فقال له: (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه حرمه الله على النار) فقال معاذ: يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: (إذا يتكلوا)، وأخبر بها معاذ عند موته تأثماً _ أي تخلصا من إثم كتمانها _ أخرجه البخاري (128، 129)، ومسلم (32). وفي رواية أخرى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تبشرهم فيتكلوا) وهي عند البخاري (2856)، ومسلم (3/ 49)، وهذه صريحة كقول عمر السابق تماما مما يبعد كل تهمة يلحقها الرافضة هؤلاء بعمر رضي الله عنه. وما قلناه من كون وصية النبي صلى الله عليه وسلم هذه لمعاذ كانت بعد حادثة أبي هريرة السابقة هوالذي مال إليه الحافظ ابن حجر في (الفتح) (1/ 34)، وهوالأنسب بخلاف العكس، وحتى إن فرضنا العكس فإن اللوم لا يلحق عمر أبدا حتى مهما حاوله هؤلاء الروافض، فإن الحال حينئذ يكون أن النبي صلى الله عليه وسلم حين حدث أبا هريرة بهذا الحديث كان قد أوصى معاذا بكتمان مثل هذه البشارة، وهوالأمر الذي تمسك به عمر رضي الله عنه فلا يمكن أن يلام عليه أبدا فضلا عن ما قدمناه من إقرار النبي صلى الله عليه وسلم له بما أشار به. لكن الأرجح _ والله أعلم _ تقدم قصة أبي هريرة على قصة معاذ فيكون ذلك _ كما أسلفنا _ من فضائل عمر وموافقاته بلا خلاف.

بقي من قوله هنا إشارته إلى المعارضة للنبي صلى الله عليه وسلم في أمر حاطب بن بلتعة، وهوبذلك يشير إلى سبب نزول أوائل سورة الممتحنة وذلك حين عمد حاطب رضي الله عنه فكتب كتابا وأرسله مع إمرأة إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوهم، ليتخذ بذلك عندهم يدا فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك فبعث في إثر المرأة فأخذ الكتاب منها، ثم سأل حاطبا عن سبب فعله فبرره وصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن عمر رضي الله عنه رأى هذا الفعل يعد خيانة فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: (دعني أضرب عنقه فإنه قد نافق) فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).

وهذا الحديث مخرج في الصحيحين والسنن والمسانيد، وهوفي كتب السيرة والتفسير أيضا، والذي حاول منه هذا الرافضي أن يغمز عمر رضي الله عنه بأنه طلب _ من دون أمر النبي صلى الله عليه وسلم _ أن يضرب عنقه لفعله هذا، وعد ذلك معارضة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشك عاقل ينظر في تلك القصة بأن لا لوم على عمر في ذلك، ويتضح ذلك جليا بجواب النبي صلى الله عليه وسلم الذي يفهم منه صحة حكم عمر على من فعل هذا الفعل لكن حاطبا بالأخص عنده سبب يقتضي عدم إقامة هذا الحكم عليه وهوكونه من أهل بدر، وهذا الأمر ظاهر لكل من كان عنده أدنى مستوى من علم باللغة وفهم للمعاني، فعاد هذا الحديث من موافقات عمر أيضا في إصابته في حكمه. وأيضا فليس في الحديث اعتراض عمر على قول النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر السبب المتحقق في حق حاطب، بل هناك في الروايات الصحيحة الثابتة ما يبين تسليم عمر رضي الله عنه لحكم النبي صلى الله عليه وسلم الأخير هذا، وذلك ما ثبت من قول عمر بعد أن بين له صلى الله عليه وسلم مزية حاطب وكونه من أهل بدر، قال عمر: (الله ورسوله أعلم) _ انظر البخاري (3983) وغيره _ وهومن رواية علي رضي الله عنه فلا حجة للشيعة فيردها، وهذا يثبت أن عمر كان مصيبا أولا فيما قاله من الحكم _ كما أسلفنا _ وإنه ثانيا كان كامل التسليم لقول النبي صلى الله عليه وسلم وهوعكس ما حاول هذا الرافضي إثباته، لكن الله تعالى يظهر الحق ويزهق الباطل.

ولا ننسى أن نشير إلى الفضيلة التي في الحديث لأهل بدر أجمعين وأخصهم أبوبكر وعمر وعثمان وسائر الصحابة الذين تبغضهم الرافضة، فكان حديثهم هذا شوكة في أعينهم، وهذه جملة من الأسباب التي قدمنا قيامها مانعا من ذكرها مفصلة عند هذا الموسوي، فهي بتفصيلها تعود من فضائل هؤلاء السادة الأخيار.

وأيضا من المسائل التي ذكرها هذا الموسوي ما يعود بالفضل والمدح على الصحابة، وبالأخص عمر بن الخطاب رضي الله عنهمالذي قصده بقوله: (والعهد بالشورى على الكيفية المعلومة، وكالعس ليلا والتجسس نهارا) قلت: أما العهد بالشورى فهومن فضائل الفاروق رضي الله عنه، ذلك أنه لم يرد أن يفرض على الأمة أحدا ربما يكرهونه بل قد جعل الأمر بين أفضل ستة منهم، وهم باقي العشرة المبشرة الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة من دون باقي الصحابة، فضلا عن أن ما فعله عمر كان فيه أعظم الفرصة _ كما قلنا سابقا _ لعلي رضي الله عنه لنيل الخلافة لوكان له فيها أدنى حق، ولوكان له في الأمة قبول أكبر من عثمان رضي الله عنه، فكانت الشورى التي نهجها عمر من دلائل فقهه في بيان أن من سيتولى الأمر من بعده لهومن أقبل الموجودين عند الناس، حتى قال عبد الرحمن بن عوف إنه لم يجد اثنين يختلفان في تقدم عثمان إلا ما نقل عن عمار والمقداد أنهما أشارا بعلي، وقد فصل ذلك أحسن التفصيل الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) (7/ 145 - 147) وبين فيها حسن فعل عمر ذلك وانه كان سببا لاجتماع الأمة كلها على عثمان بما لم تجتمع على من بعده مثله ولا قريبا منه، وقد نقلنا طرفا من ذلك خلال الرد على المراجعة (82) أيضا. وأما العس بالليل فلا خلاف في أنه من أوليات عمر رضي الله عنهمالتي يستحق عليها المدح والثناء الحسن، فالعس هوالمسير ليلا لتفقد أحوال الرعية، فبالله عليكم يا عقلاء أخبرونا هل يكون من يسن ذلك ويفعله مذموما مطعونا به أم ممدوحا محبوبا مقتدى به؟ فيا لقلة حياء الرافضة هؤلاء حين يأتون على ما امتاز به الفاروق رضي الله عنه من أسباب المدح والفضل فيحرفونه ويجعلونه محلا للطعن به، فإنا لله وإنا إليه راجعون، من قلة حيائهم أن أقدم إمامهم هذا الموسوي على إضافة كلمتين من عنده على ما ثبت من فعل عمر، ألا وهوقوله (والتجسس نهارا) فإن ذلك غير معروف في سيرة عمر العادل رضي الله عنه، ولكنه أراد تقبيح فعله الفاضل وتشويه صورته فقرنه بما يساعده على ذلك، لكن الله سيظل يفضح هؤلاء ويخزيهم أبدا _ إن شاء _ إلى يوم القيامة.

وأما ما هومن قبيل المسائل الفقهية التي كان بعضها محل نزاع مستمر بين الأمة، فهوقوله: (وتأويل آيتي الخمس والزكاة، وآيتي المتعتين، وآية الطلاق الثلاث، وتأويل السنة الواردة في نوافل شهر رمضان كيفية وكمية، والمأثورة في كيفية الأذان، وكمية التكبير في صلاة الجنائز .. وكالحكم على اليمانيين بدية أبي خراش الهذلي، وكنفي نصر بن الحجاج السلمي، وإقامة الحد على جعدة بن سليمم، ووضع الخراج على السواد، وكيفية ترتيب الجزية .. وكالعول في الفرائض).

قلت: وهوفي كل هذه المسائل يعرض بالطعن بعمر الفاروق رضي الله عنه، ولا نريد استعراضها مفصلة لما في ذلك من التطويل فضلا عن عدم ضرورة ذلك إذ هي كما قلنا من الفروع الفقهية التي لم تتجمع الأمة فيها على قول واحد يقتضي الإنكار على مخالفه، هذا على افتراض أن عمر كان مخطئا فيها، كيف والحق يستبين لكل من راجع تلك المسائل أن عمر كان صائبا في أغلبها بلا خلاف وبلا أدنى ريبة، وما سواها فقوله فيها محتمل للحق مثل سواه تماما أويكون قد فعله باجتهاده الذي يوجب أجره عليه حتى إن أخطأ.

وهذا الذي يدعى أنه أخطأ فيه قد كان مثله أوأكثر منه لعلي رضي الله عنه من الخطأ في مسائل عديدة أوحكمه فيها بخلاف حكم النبي صلى الله عليه وسلم لعدم علمه به طبعا _ وهوعذر كل الصحابة في مثل أخطائهم هذه _ وهذا ما يسقط اللوم عنهم جميعا رضي الله عنه.

لكن قد يكون قصد هذا الموسوي بالمعارضة لما فعله النبي في مقام إبراهيم، ما جاء من أن المقام كان ملزقاً بالكعبة حتى أخّره عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ما هوعليه الآن، فعدّ هذا الجاهل فعله هذا مخالفة ومعارضة، فإن كان قصده ذاك فلا خلاف أبداً في صحة فعل عمر وأنه لا يعد معارضة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لازدياد عدد الحجاج في زمنه مما أدي إلى إعاقة المقام لهم بالطواف فاقتضى تأخيره، هذا أولا، وثانياً: لوكان في فعله أية معارضة أومخالفة لما كان علي رضي الله عنه في سعة من إمضائه وإبقائه في خلافته، فلما لم يغيره علم ان فعل عمر قد حاز على موافقة الصحابة هؤلاء ومنهم علي. وثالثاً: ذكر الحافظ في (الفتح) (1/ 658) عن الأزرقي إنه روى في (أخبار مكة) بأسانيد صحيحة أن المقام كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هوفيه الآن حتى جاء سيل في خلافة عمر فاحتمله حتى وجد بأسفل مكة، فأتى به فربط إلى أستار الكعبة حتى قدم عمر فاستثبت في أمره حتى تحقق موضعه الأول فأعاده إليه وبنى حوله فاستقر ثم إلى الآن. وهذا فيه كل الصراحة والوضوح التزام عمر رضي الله عنه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، مما يقطع به ألسنة هؤلاء الرافضة، والحمد لله.

ثم اشار هذا الموسوي في الفقرة الثانية من مراجعته هذه إلى وجود نصوص أخرى خاصة بعلي وأهل البيت لم يعمل بها الصحابة، وما هي بأول أكاذيبه، وما هي عليه بعسيرة لكنّا بحمد الله قد بينا سقوط دعواه هذه في ما سبق من مراجعاته،

المراجعة (1): ش:

تقريره بأن الاعتذار عن الصحابة بإيثارهم المصلحة هوما كان قد قاله أولا، وأنه خارج محل البحث.

ذكر عدداً من الأحاديث الخاصة بعلي وأهل البيت مما قدمه في مراجعاته، وزعم دلالتها على ولايتهم وتقديمهم على الأمة، لكنه اتهم الصحابة وطعن فيهم لعدم عملهم بهذه النصوص المزعومة.

الرد على المراجعة (1):

1 - كشف كذبه فيما نسبه إلى شيخ الأزهر أوأحد من

علماء أهل السنة من التسليم بما قال.

2 - الإشارة إلى المواضع المتقدمة التي فيها بيان كذب

احاديثه المذكورة هنا وبطلانها أوبطلان كل ما

استنتجه منها، مع الاشارة إلى ما في كلامه من

الطعن بالصحابة مما تقدم منا نقضه بفضل الله.

زعم في بداية مراجعته هذه تسليم شيخ الأزهر - ومن ورائه كل أهل السنة - فيما افتراه من المطاعن بالصحابة رضوان الله عليهم، وعلى الأخص أبوبكر وعمر ووذلك فيما أشار إليه من موراد عدم تعبدهم بالأوامر النبوية، ونحن لا يداخلنا شك في كذب هذا التسليم المنسوب إلى شيخ الأزهر فمثله لا يخفى عليه الغش والتدليس، بل والكذب أحياناً الذي زاوله هذا الموسوي في مراجعاته السابقة، مما نبهنا عليه في حينها، وهوالأمر الذي يدحض قوله بتسليم أحد من علماء أهل السنة لما قاله سابقاً، ومن أراد التأكد من ذلك فليراجع التفصيل في الرد على المراجعة السابقة أوقبلها.

ثم حاول في فقرته الثانية هنا الاحتجاج على ما أدعاه من النصوص الخاصة بعلي وأهل البيت بعدد من الأحاديث، لكنه قبل ذلك كذب كذبة فظيعة فقال: (إنكم لتعلمون أن كثيراً من الصحابة كانوا يبغضون علياً ويعادونه، وقد فارقوه وآذوه وشتموه وظلموه وناصبوه وحاربوه فضربوا وجهه ووجوه أهل بيته وأوليائه بسيوفهم كما هومعلوم بالضرورة من أخبار السلف) إ. ه. قلت: وهذا محض إفتراء وبهتان، ولوكان صادقاُ لأسند قوله بما يبين صحته وثبوته، ونحن نتحداهم بالإتيان بإسناد واحد صحيح يثبت دعوى شيطانهم عبد الحسين هذا، وأنّى لهم ذلك.

وأن كان يعني بقوله هذا ما كان زعمه في آخر المراجعة (82)، فقد تقدم منا رد ذلك من أوجه عديدة خلال الرد على تلك المراجعة وخصوصاً آخرها، وكذلك خلال الرد على المراجعة (84)، وبينا هناك أن علياً رضي الله عنه كان أكثر الرجال إمكانية لنيل الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لوكان أدعاها لنفسه وكان له أدنى حق فيها وبينا ذلك بأوجه وروايات عديدة بما يدحض حجج هؤلاء الرافضة ويقذف بها وبهم - إن شاء الله - إلى نار جهنم وبئس المصير.

وقد بينا هناك بطلان هذا الزعم من كراهية الصحابة لعلي وضربهم له وتهديدهم له ولأهل البيت بالتحريق وغيره حتى أجبروا على التنازل عن حقهم، وهوما يتضح في تبرئة الصحابة من تهمة هذا الدجال المخادع عبد الحسين، فلله الحمد على معونته في ذلك.

ثم ذكر عدداً من الأحاديث في المراجعات السابقة وقد رددنا عليها بحمد الله بما يبين كذبها وبطلانها أوبطلان ما استنتجه منها جميع هؤلاء الروافض، أنظر الأحاديث (16 - 2) في المراجعة (48)، وكذلك ما ساقه من صفات علي رضي الله عنه قد أبطلناها في ردودنا السابقة وبالأخص على المراجعة (7)،وأيضاً بعض الأحاديث المتقدمة في المراجعة (8) مما اعاد ذكره هنا. اما بالنسبة لنص الغدير الذي احتج به هنا وزعم دلالته على إمامة علي رضي الله عنه فقد فصلنا حاله وما يمكن أن يصح منه ومن دلالته خلال الكلام على المراجعات (58، 56، 54، 38، 8) فراجعه ففيه - إن شاء الله - ما ينقض كل حججه.

لكن هذا التافه ما فتيء يطعن بالصحابة رضوان الله عليهم ويغتاظ منهم، فقال خلال كلامه هنا: (لم يعمل كثير من الصحابة بشيء منها، وإنما عملوا بنقيضها تقديماً لأهوائهم وإيثاراً لأغراضهم) وقال أيضاً: (لكن الأغراض الشخصية كانت هي المقدمة عندهم على كل دليل). وهذا ما كان قد قاله في المراجعة (84) واتهم الصحابة به، وقد أعاننا الله سبحانه على تبرئتهم من تهم هؤلاء المهازيل ونقضنا حججهم بفضله ومنّه، فنسأله دوام ذلك.

عدد مرات القراءة:
4134
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :