الخلاف بين الصحابة
لقد كذبوا والله، بل كان أبوبكر وعمر وعثمان وعلي أسمى من ذلك وأنبل، وكانت بنوهاشم وبنوأمية أوفى من ذلك لإسلامها وقرابتها، وأوثق صلة وأعظم تعاونا على الحق والخير.
ومن أحط أكاذيب الرافضة زعمهم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضمر العداوة بعضهم لبعض _ كما هومقتضى كلام عبد الحسين في تلك المواضع المشار إليها _ بل هم كانوا كما قال الله عنهم: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) فذاك موقفهم من الكفار مع أن فيهم آباؤهم وإخوانهم وذوي قرابتهم، ولكنهم قطعوا هذه الوشائج جميعا، وهذا موقفهم مع المؤمنين أيضا مع أن ما يجمعهم فقط أخوة الدين، فتلك الشدة لله وهذه الرحمة لله، وتلك الحمية لدين الله، وهذه السماحة لدين الله أيضا، فليس لهم في أنفسهم شيء ولا لأنفسهم فيهم شيء، وهم يقيمون عواطفهم ومشاعرهم كما يقيمون سلوكهم وروابطهم على أساس رضا الله ومحبته فقط. وفوق هذا هم كما وصفهم الله: (يبتغون فضلا من الله ورضوانا) فهذا دأبهم وديدنهم، كل ما يشغل بالهم وكل ما تتطلع إليه أشواقهم هوفضل الله ورضوانه ولا شيء وراءه.
فهل يكون مثل هؤلاء المتراحمين بينهم، الأشداء على الكفار _ بنص الله رب العالمين _ كاتمين لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم _ المزعوم _ في علي؟.
وهل يجوز أن يكون هؤلاء الأشداء على الكفار بنص التنزيل شديدين على علي ومهددين له؟ إلا أن يكون علي .. وحاشاه.
وهل يجوز أن يكون هؤلاء الذين دأبهم نيل فضل الله ورضاه _ كما قرره الله عنهم _ غير ملتزمين ببعض أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوى تعلقها بالمصالح الدنيوية كما زعم هذا الكذوب؟.
ثم ما زعمه من التفريق بين أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم المختصة بالشؤون الأخروية، وبين ما سواها مما كان متعلقا بالسياسة لا دليل عليه بل هوتفريق باطل يعلمه كل مسلم صحيح الإسلام فضلا عن أن يكون من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا أول من تلقى قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) وهم أعرف الناس بمعناها ومرادها بما شهدوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته وبما علموه من لغتهم التي خوطبوا بها، فإن قوله (أمرا) نكرة في سياق الشرط وهي تفيد العموم عند كل من فهم كلام العرب، فهي تفيد لزوم تنفيذ أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم في أي شأن كان صغيرا أم حقيرا، دنيويا أم أخرويا، وأن من نكص على ذلك فقد ضل، ليس ضلالا هينا بل ضلالا مبينا. وإذ وضح هذا فإنا وجدنا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد امتدحهم الله تعالى في غير آية بما ينافي ذلك أتم المنافاة، فكيف يكون هؤلاء الذين يبتغون رضوان الله قد أسقطوا بعض أوامر رسوله، الأمر الذي يقتضي أنهم قد ضلوا ضلالا مبينا؟ فهذا لا يستقيم إلا في عقول هؤلاء المجانين.
ثم إن الله تعالى قد وصفهم أيضا بأنهم راشدون فقال (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون) والرشد لا يجتمع مع الضلال إلا عند هؤلاء المجانين.
ثم إن قوله تعالى (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) لازمه تبرأتهم من عصيان أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شؤونه، إذ أن عصيانه صلى الله عليه وسلم إما أن يكون كفرا أوأدنى منه وهوالفسوق أوأقل أحواله أن يوصف صاحبه بأنه عاص، وهذا كله منتف عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنص الآية، فمن جوز أن يكون أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم غير ملتزم ببعض أوامره مهما كانت فليراجع عقله أوإيمانه، فإنه إن أنكر معنى الآية كما بيناه فقد قدح ذلك في عقله، وإن أقر به لكن أنكر تحققها فقد قدح ذلك في إيمانه.
ثم كيف يستجيز عاقل أن يخفى بطلان هذا التفريق بين الأوامر على مسلم فضلا عن أن يكون من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أيضا أول من تلقى قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)؟ وهذا أيضا عام في كل الأمور والشؤون، بل جعل الله ذلك علامة الإيمان.
وإذ بطل التفريق المزعوم بين الأوامر المتعلقة بالشؤون الأخروية وبين ما كان متعلقا بأمور السياسة وتدبير قواعد الدولة، فلم يبق إلا التسوية بين نوعي الأوامر وأن من أنكر أيا منها كان عاصيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهوما يريد التوصل إليه هذا الموسوي وشيعته في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن حرصوا به يلزمهم تكذيب نصوص القرآن التي مر بعضها إذ هي مخالفة لها.
وهوأيضا مخالف لقوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس) وهوما لا يبقى للإسلام من يكذب به، وحقا هوما فعلته الرافضة بتحريفها لنص الآية هذا حين رأوها لا تستقيم مع ما يريدونه من الباطل في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك ثابت عندهم في (تفسير القمي) لعلي بن ابراهيم القمي الذي استشهد به هذا الموسوي في مراجعاته هذه _ انظر صفحة (65) هامش (22)، وصفحة (7) هامش (44) _ قال هذا القمي في مقدمة كتابه (1/ 1): (وأما ما كان على خلاف ما أنزل الله فهوقوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} فقال أبوعبد الله عليه السلام لقارئ هذه الآية: خير أمة تقتلون أمير المؤمنين والحسين بن علي؟ فقيل له: كيف نزلت يا ابن رسول الله؟ فقال: نزلت أنتم خير أئمة أخرجت للناس) أ. ه.
ثم كيف يكون هؤلاء الصحابة عاصين لأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أوبعضها مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وصفهم بقوله: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم .. الحديث) (البخاري) (2652) (مسلم) (2533) .. ؟.
فكيف يكونون خير الناس وهم عند الرافضة أقل الناس علما وأتبعهم للهوى؟ وهذا الحديث بمعنى الآية السابقة تماما، فإن شغبوا بعدم صحته عندهم فالآية تكفي لقطع ألسنتهم. وكيف يكون هؤلاء الصحابة عاصين لبعض أوامره صلى الله عليه وسلم وقد نص الله تعالى على رضائه عنهم فقال (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنه ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم) وقال عنهم قبل ذلك أيضا (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم) ونحن نتصور وقع هذه الآيات البينات على الرافضة هؤلاء كالصواعق يكاد برقها لشدة ضوئه ولمعانه يخطف أبصارهم، ويكاد رعدها لقوته يصم آذانهم.
فكيف يرضى الله عن قوم لا يخضعون لأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يلتزمون بها في جميع الأحوال؟ وكيف يرضى عنهم وهم يرون نفعهم ورفعتهم في خلاف أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم؟ هل يخفى هذا على علام الغيوب فيكشفه أصحاب النقائض والعيوب؟ فإن قالوا إن حال الصحابة هذا كان في ذلك الوقت فقط ثم تغيروا وارتدوا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، أكذبناهم بما صرح الله به فقال (فعلم ما في قلوبهم) فهل لأحد من العالمين غير النبيين والمرسلين مثلها؟ علم الله كل ما في قلوبهم في تلك الحال وبعدها مما استوجب رضا الله الأبدي عنهم. وإنه والله لأمر عظيم أن يختص الله به عباده فيخاطبهم مصرحا لهم بأنه علم ما في قلوبهم ولأجله رضي عنهم ..
ونظيره ما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) _ (مسلم) (2496) وغيره _ وكان هؤلاء ألفا وأربعمائة، وهم أعيان من بايع أبا بكر _ كما قال شيخ الاسلام (المنتقى) (ص7) _ فكيف يمكن أن يكون هؤلاء الذين علم الله ما في قلوبهم فرضي عنهم لذلك، وأخبر رسوله أنه لا يدخل أحد منهم النار، كيف يمكن أن يكونوا كاتمين لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي؟ أوعاصين له بدعوى أنه من الأمور السياسية؟ كما زعمه هذا الموسوي في هذه المراجعة، الذي يكفي لإسقاطه ورده انعدام الدليل عليه فضلا عن ما تقدم من حال الصحابة وفضلهم مما يستحيل معه أن يكونوا كذلك.
وما زعمه من الأدلة على ذلك فيما يأتي من المراجعات كله هذيان وبطلان واختلاق كما سنفصل كل ذلك في موضعه إن شاء الله.
وما بالنا نتكلم عن أفاضل الصحابة وخاصتهم، مع أننا يكفينا لقمع فتن هؤلاء أن ننظر في أقل الصحابة منزلة، ذلك الذي فعله الأستاذ محب الدين الخطيب رحمه الله في الفصل الختامي الذي عقده لكتاب (المنتتقى من منهاج الاعتدال) فقال (ص6 - 62): (بل إن الطبقة الدنيا في هذا الجيل _ وأحوالها معروفة في كل جيل وقبيل _ وهم ممن يستطيع الشيطان في العادة أن يغلبهم على إرادتهم في بعض الأحيان فيقعون في زلة يستوجبون عليها الحد الشرعي، فإن من أعجب ما وقع من تاريخ البشر أن يأتي من يقع في شيء من الزلة من أهل تلك الصبقة الدنيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعترف له بزلته، ويلح بلجاجة وإصرار على طلب إقامة الحد عليه _ وفي ذلك حتفه _ ليتطهر مما دنسه به الشيطان.
وكان نبي الرحمة إذا رأى هذا الإيمان العجيب في هذه الطبقة من أصحابه الطيبين يحاول جهده أن يدرأ الحد عنهم بكل ما يجيزه الشرع، فيأبون إلا أن يتعجلوا عقوبة الدنيا ليتقوا بها عقوبة الآخرة.
وهذه الملاحظة _ عن هذه الطبقة بالذات _ قد سبق التنويه بها والتحدث عنها إمام كبير من أئمة أهل البيت من زيدية اليمن، وهوالامام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة (المتوفى ببلدة كوكبان باليمن سنة 614) نقل ذلك عنه عالم الزيدية في القرن التاسع السيد محمد بن ابراهيم علي المرتضي الوزير (557 - 84) في كتابه (الروض الباسم) (1/ 55 - 56) فذكر تلك الطبقة وقال: (إن أكثركم تساهلا في أمور الدين ممن يتجاسر على الاقدام على الكبائر، لا سيما معصية الزنا .. وذلك دليل خفة الأمانة ونقصان الديانة، لكنا نظرنا في حالهم فوجدناهم فعلوا ما لا يفعله من المتأخرين إلا أهل الورع الشحيح والخوف العظيم ومن يضرب بصلاحه المثل ويتقرب بحبه إلى الله عز وجل. وذلك أنهم بذلوا أرواحهم في مرضاة رب العالمين، وليس يفعل ذلك إلا من يحق له منصب الامامة في أهل التقوى واليقين). أي أن طبقة الدهماء في ذلك الجيل المثالي _ ممن قد يقعون في الكبائر _ كان لهم من صدق الإيمان والاستقامة على الحق ما يرفعهم إلى مرتبة من يحق له منصب الإمامة في أمة من أهل التقوى والدين، فكيف بخاصة الصحابة الذين نزههم الله عز وجل عن أصغر الهفوات ورفعهم إلى أعلى الدرجات .. وقد علق على كلام المنصور بالله علامة الزيدية السيد محمد بن ابراهيم الوزير (1/ 56 - 57 الروض الباسم) قائلا يخاطب قارئ كتابه: (فأخبرني على الإنصاف: في زماننا _ وقبل زماننا _ من مِن أهل الديانة سار إلى الموت نشيطا، وأتى إلى ولاة الأمر مقرا بذنبه مشتاقا إلى لقاء ربه، باذلا في رضا الله لروحه، ممكنا للولاة أوالقضاة من الحكم بقتله؟ وهذه الأشياء تنبه الغافل وتقوي بصيرة العاقل، وإلا ففي قول الله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس) كفاية وغنية، مع ما عضدهم من شهادة المصطفى عليه السلام بأنهم خير القرون وبأن غيرهم لوأنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، إلى أمثال ذلك من مناقبهم الشريفة ومراتبهم المنيفة) انتهى ..
وآخر ما نكتفي به في ردنا هنا ما يرسم صورة صادقة مشرقة لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اتبعهم واقتفى آثارهم، تلك الآيات العظيمة الخالدة من سورة الحشر (8 - 1): (للفقراء المهاجيرن الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) فقل لي بربك من هؤلاء المعنيون غير أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد وأبي عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد وغيرهم إضافة لعلي رضي الله عنه أجمعين؟ فإن كانوا هم فكيف يصفهم الله بأنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم كرها لا ذنب لهم إلا أن يقولوا ربنا الله، وقد خرجوا تاركين كل ذلك ابتغاء فضل الله ورضوانه لا ملجأ لهم سواه ولا جناب لهم إلا حماه، وهم مع أنهم مطاردون قليلون فهم ينصرون الله ورسوله بقلوبهم وسيفوفهم في أحرج الساعات وأضيق الأوقات ثم هم عصوا النبي في استخلاف علي؟
وإن كانوا هم فكيف يخبر عنهم من يعلم السر وأخفى بأنهم هم الصادقون. فكيف يكون هؤلاء صادقين وهم بزعم هذا الدجال عبد الحسين وأشياعه قد كتموا أوتجاهلوا نص النبي صلى الله عليه وسلم في علي؟
ثم وصف إخوانهم من الأنصار فقال {والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حرجا مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولوكان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} وهذا أصدق وصف للأنصار من أصدق قائل سبحانه وتعالى، فإن كانوا هم منبع الإيثار وأهله فكيف يخطر ببال عاقل أنهم كتموا نص النبي صلى الله عليه وسلم في علي وأخفوه؟ وإن كانوا هم من فعل ذلك فكيف يصفهم الله بأنهم هم المفلحون؟.
ثم بين تعالى أبرز سمات من يأتي بعدهم إلى قيام الساعة فقال: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) فأبرز سمات خلفهم أنهم يتوجهون إلى ربهم في طلب المغفرة لا لذواتهم فحسب بل ولكن لسلفهم الذين سبقوهم بالإيمان كذلك، والذين هم من أوصل الدين إليهم.
وتتجلى من وراء تلك النصوص طبيعة هذه الأمة المسلمة وتتجلى الآصرة القوية الوثيقة التي تربط أول هذه الأمة بآخرها وآخرها بأولها في تضامن وتكافل وتواد وتعاطف وشعور بوشيجة القربى العميقة التي تتخطى الزمان والمكان والجنس والنسب.
وهذه الصورة تبدووضاءتها على أتمها حين تقرن إلى صورة الحقد الذميم والهدم اللئيم التي تمثلها وتدعولها الرافضة، صورة الحقد الذي ينغل في الصدور وينخر في الضمير.
صورتان لا التقاء بينهما في لمحة ولا سمة ولا لمسة ولا ظل، صورة تمثل الأجيال من وراء الزمان والمكان والجنس والوطن والعشيرة والنسب متضامنة مترابطة متكافلة متوادة متعارفة بريئة الصدور من الغل، طاهرة القلوب من الحقد، وصورة تمثل الأجيال أعداء متناحرين يلقى بعضهم بعضا بالحقد والغش، والخداع والإلتواء، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم حاول عبد الحسين في الفقرة الأولى من هذه المراجعة إيجاد أسباب لما ادعاه من عدم التزام الصحابة بنص النبي صلى الله عليه وسلم _ المزعوم _ على علي، يمكن أن نجملها في أربعة أسباب:
الأول: ظنهم أن العرب لا تخضع لعلي إلا بالقوة وقد عصبوا به كل دم أريق في الاسلام لكونه أفضل بني هاشم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنه كان بالنسبة لهم مثئور منه.
الثاني: ما نقموه من علي من شدة وطأته على أعداء الله، وشدته في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.
الثالث: حسدهم لعلي رضي الله عنه على ما آتاه الله من فضله في العلم والعمل حتى اجتمعوا على نقض العهد إليه وكتمانه وتناسيه.
الرابع: تشوق قريش وسائر العرب إلى تداول الخلافة في قبائلهم فجعلوها بالإنتخاب والاختيار ليكون لكل حي من أحيائهم أمل في الوصول إليها ولوبعد حين.
هذه أربعة أسباب جعلها هذا المخادع متكئا له في فريته السابقة من كتمان الصحابة للنص على علي، ونحن نبين نقض كل هذه الأسباب فنقول:
أما الأول فيكفي لإبطاله، إن لازمه وصف علي رضي الله عنه بالعجز، والعاجز لا يصلح أن يكون إماما، فإن قوله بأنهم لا يخضعون للنص عليه إلا بالقوة، يقتضي أن عليا لم تكن عنده من القوة ما عند أبي بكر وعمر، بل لم تكن عنده قوة أصلا، إذ قد قدمنا في الرد على آخر ما جاء في مراجعته الماضية ما اجتمع عند علي رضي الله عنه من الأسباب المادية ما تجعله قادرا على نيل الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما لوكان يريدها أوكان له فيها حق، بل قد عرض ذلك عليه صريحا أبوسفيان بن حرب كما مر، وإذن دعوى أنهم لم يكونوا يخضعون لعلي إلا بالقوة التي لم تتوفر عند علي معناها وصفه بالعجز والجبن وحاشاه من ذلك، وإن قيل أن تلك القوة قد توفرت عنده _ وهوما نقول به _ فإعراضه عن استعمالها دليل على علمه بعدم أحقيته للخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهوما أثبتناه سالفا.
ثم زعمه أنهم قد عصبوا به كل دم أريق في الاسلام وأنهم كانوا يطلبون الثأر منه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من سخافات الشيعة وجهالاتهم أيضا، إذ قد علم القاصي والداني أن قريشا لم تكن تنقم نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم أبدا، بل كانوا ينقمون ذلك من أصحابه وأتباعه صلى الله عليه وسلم، هذا فضلا عن أن في بني هاشم من هم من أعدائه صلى الله عليه وسلم، لا نريد المغالاة بنفي تأييد أحد من بني هاشم له بل نقول إن حالهم كان كحال غيرهم من أصحابه سواء مع أن في أصحابه من هوأشد نصرة له منهم كما سيأتي، والحق أن الله تعالى قد أيد رسوله بجميع المؤمنين لا بواحد منهم فقال {هوالذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} لكن بعض المؤمنين كان أشد تأييدا له من غيرهم وأشدهم في ذلك الصديق أبوبكر رضي الله عنه ثم من بعده الفاروق عمر رضي الله عنه. ففي سفر الهجرة لم يصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أبي بكر، ويوم بدر لم يبق معه في العريش غيره، حتى قال صلى الله عليه وسلم مبينا شدة تأييد أبي بكر له أكثر من غيره: (إن أمن الناس علي في صحبته وذات يده أبوبكر، ولوكنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا) وهذا من الأحاديث المستفيضة في الصحاح من وجوه كثيرة، وقد قدمنا تخريجه في بداية الرد على المراجعة (2).
وحتى الكفار والمشركون كانوا يعلمون أن رؤوس المسلمين هم محمد صلى الله عليه وسلم ووزيراه أبوبكر وعمر، وذلك واضح جلي في سؤال أبي سفيان يوم أحد لما أصيب المسلمون فقال: (أفي القوم محمد _ ثلاثا _ ثم قال: أفي القوم ابن قحافة _ ثلاثا _ ثم قال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كفيتموهم) أخرجه الامام أحمد (4/ 293) والبخاري (4/ 27) (5/ 3) عن البراء بن عازب رضي الله عنه.
فقبح الله طائفة يخفى عليها من أمور دينها ما يعلمه حتى أعداؤها، أوأنهم يتكابرون ويتحامقون فينكرون حتى هذا!!
وأما إن كان قصده بقوله: (إن العرب لا تخضع لعلي ولا تتعبد بالنص عليه إذ وترها في سبيل الله وسفك دماءها بسيفه في إعلاء كلمة الله .. ) أنه قد كان لعلي بسبب ذلك حقد في قلوب كثير من العرب ولذلك انحرفوا عنه، فهذا تمويه ضعيف كاذب كما قال الامام ابن حزم، إذ قد رد على شبهة الرافضة هذه في (الفصل) (4/ 99 - 1) بكلام تفصيلي لا يبقي لهم حجة، نجتزئ منه ما يبين المقصود، قال رحمه الله: (إن ساغ لكم ذلك في بني عبد شمس وبني مخزوم وبني عبد الدار وبني عامر لأنه قتل من كل قبيلة من هذه القبائل رجلا أورجالا .. فقد علم كل من له أقل علم بالأخبار أنه لم يكن لهذه القبائل ولا لأحد منها يوم السقيفة حل ولا عقد ولا رأي ولا أمر .. فعرفونا من قتل علي من بني تيم بن مرة أومن بني عدي بن كعب حتى يظن أهل القحة أنهما حقدا عليه؟ ثم أخبرونا من قتل من الأنصار أومن جرح منهم أومن آذى منهم؟ ألم يكونوا معه في تلك المشاهد كلها بعضهم متقدم وبعضهم مساوله وبعضهم متأخر عنه فأي حقد كان له في قلوب الأنصار حتى يتفقوا كلهم على جحد النص عليه؟ .. ثم أخبرونا من قتل علي من أقارب أولاد المهاجرين من العرب من مضر وربيعة واليمن وقضاعة حتى يصفقوا كلهم على كراهية ولايته ويتفقوا كلهم على جحد النص عليه؟ إن هذه لعجائب لا يمكن اتفاق مثلها في العالم أصلا، ولقد كان لطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص من القتل في المشركين كالذي كان لعلي فما الذي خصه باعتقاد الأحقاد له دونهم لوكان للروافض حياء أوعقل.
ولقد كان لأبي بكر رحمه الله ورضي عنه في مضادة قريش في الدعاء إلى الإسلام ما لم يكن لعلي فما منعهم ذلك من بيعته وهوأسوأ الناس أثرا عند كفارهم، ولقد كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في مغالبة كفار قريش وإعلانه الاسلام على زعمهم ما لم يكن لعلي رضي الله عنه فليت شعري ما الذي أوجب أن ينسى آثار هؤلاء كلهم ويعادوا عليا من بينهم كلهم .. وهذا زيد بن حارثة قتل يوم بدر حنظلة بن أبي سفيان وهذا الزبير بن العوام قتل يوم بدر أيضا عبيدة بن سعيد بن العاص وهذا عمر بن الخطاب قتل يومئذ العاص بن هشام بن المغيرة فهلا عاداهم أهل هؤلاء المقتولين) أ. ه.
وأما السبب الثاني وهوما نقموه من علي من شدة وطأته على أعداء الله، أومن يهتك حرمات الله ومساواته بين الناس حتى لم يكن لأحد فيه مطمع، فإنا لا ننكر ذلك فيه رضي الله عنه إذ هوأحد الخلفاء الراشدين المهديين الذين عناهم النبي صلى الله عليه وسلم، لكنا نعلم وكل الناس يعلمون حتى اليهود والنصارى أن المقدم في ذلك والبارز فيه والذي لا يلحقه بعده أحد فيه هوأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهمالذي بلغ من شهرته في ذلك أن لقب بالعادل فلا يذكر العدل إلا ويتبادر إلى الذهن عمر رضي الله عنه، وهوأمر لشهرته وتواتره يستغنى عن ذكر الأدلة عليه، بل ذكر الأدلة يقيده ويضيقه بعد إطلاقه وسعته. فعمر رضي الله عنه هوالذي كانوا ينقمون منه شدة وطأته على أعداء الله ومن يتعدى حدود الله، وهوالذي لم يكن لأحد فيه مطمع ولا عنده لأحد فيه هوادة، حتى أتعب من بعده في عدله، وهذا كله تحقيقا لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث _ الصحيح من طرقه وشواهده _ أنه قال: (اللهم أعز الاسلام بعمر بن الخطاب) _ أخرجه الامام أحمد (2/ 95) والترمذي (3681، 3683) وابن ماجه (15) والحاكم (3/ 83) وابن حبان (2179، 218) والبيهقي (6/ 37) والطبراني في (الكبير) (1428، 11657، 1314) من أحاديث كل من ابن عمر وابن عباس وابن مسعود وعائشة وثوبان _ وكما ثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (وما زلنا أعزة منذ أسلم طعمر) _ أخرجه البخاري (3684) وغيره _ وهذا كله لما كان فيه من الجلد والقوة في أمر الله كما قال الحافظ في (الفتح) (7/ 59).
ثم إن أبا بكر رضي الله عنه خير من عمر وأفضل وقد ثبت عنه _ بإسناد جيد _ أنه قال في أول خطبة له غداة بيعته في السقيفة: (والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله) أخرجه ابن اسحاق _ (سيرة ابن هشام) (4/ 311) _ وقال ابن كثير في (البداية والنهاية) (6/ 31): إسناده صحيح.
لكن هذا الموسوي لقلة حيائه عزا هذا القول لعلي دون أبي بكر، والكل يعلم أنه قول أبي بكر ثابت عنه، ولا ننكر أن عليا رضي الله عنه كان كذلك أيضا لكن أبا بكر كان أسبق منه في ذلك وأحق بوصفه منه، فما أقل حياء هؤلاء الرافضة!
وأما ما افتراه في السبب الثالث من حسدهم له لما اختصه الله به من العلم والعمل فعمدوه إلى نقض عهده وتناسي النص عليه وكتمانه فمن أقبح أكاذيب الرافضة وأحطها كما قدمناه في بداية الرد على هذه المراجعة وقلنا إن لازمه أنهم لم يكونوا كما وصفهم الله (أشداء على الكفار رحماء بينهم) وأنهم (يبتغون فضلا من الله ورضوانا) وأنهم (خير أمة أخرجت للناس)، بل لازمه أنهم كانوا متناحرين فيما بينهم متعادين متباغضين يلعن بعضهم بعضا ويضمر بعضهم لبعض العداوة، وهذا من أبطل الباطل ومن أبين الكذب لاقتضائه تكذيب كلام الله تعالى فإن زعموا أنهم يعنون بقولهم ذلك المنافقين الذين كان لهم مثل ذلك الموقف من علي، قلنا: وهذا أبطل من سابقه إذ معناه أن الكلمة والشوكة والقوة كانت للمنافقين ولم تكن للمؤمنين وأنهم بذلك لم يعد قرنهم خير القرون كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بل شرها وأقبحها لتضمنه علوكلمة المنافقين والمارقين، وسفل كلمة المؤمنين، ومن ثم كلمة الله، وهذا إن تفوهوا به فقد كفونا مؤونة ردهم.
ومثل ما سبق أيضا ينطبق على السبب الرابع المفترى من كونهم تشوقوا إلى تداول الخلافة في قبائلهم فعزموا على نكث العهد ونقض العقد وتناسي النص على علي، فهذا يلزمه مثل ما قدمنا من حالهم ووصفهم بما يخالف نص القرآن، هذا فضلا عن أن نصوص الآيات تدل على ما قلناه من خيرية القرن الأول ذاك وأن الظهور والغلبة لأهل الإيمان الذين أيدهم الله تعالى، وأن كلمة الله تعالى فيهم هي العليا وكلمة الكافرين هي السفلى، وأن الذين ظهروا وانتصروا هم أحباب الله وأولياؤه، ومن تلك الآيات قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم) التي قدمنا الكلام عليها الرد على المراجعة (12) عند استشهاد هذا الموسوي بقوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا .. ) الآية وقلنا أنها أقوى الدلائل على صحة خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأنه هوالذي حارب المرتدين، إذ لا يمكن أن يكون المعني بها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يتفق له محاربة المرتدين بل الكافرين، وكذا لا يمكن أن يكون المقصود عليا لأنه لم يحارب مرتدين بل متأولين كما تقدم في الكلام على الحديث (39) من أحاديث المراجعة (48). فإن زعموا أن مخاصمة علي في الإمامة هي الردة المقصودة قلنا هذا باطل من وجهين .. الأول: أن اسم المرتد لا يتناولهم _ كما قدمناه _ وعلي نفسه لم يسمهم مرتدين كما جاء النص عليه في (نهج البلاغة) (ص323).
الثاني: لوكان كل من نازعه في الإمامة مرتدا لزم ذلك أيضا في أبي بكر وأصحابه، ولوكان كذلك لجاء الله بقوم يحاربونهم ويقهرونهم كما وعد به ووعده الحق فقال {فسوف يأت الله بقوم} خصوصا وأن وعد الله عام في كل مرتد بدليل قوله تعالى (من يرتد منكم عن دينه .. ) و(من) هذه في معرض الشرط فهي تفيد العموم كما لا يخفى، ولما لم يكن الأمر كذلك أي أن الله تعالى لم يأت بقوم يقهرون أبا بكر ومن بايعه بل كان الأمر بالضد وهوأن الروافض كانوا دوما هم المغلوبين كما يقرون هم بذلك، علم بطلان قولهم وعلم أنها دليل على ظهور أهل الإيمان الذين يحبهم الله تعالى ووصفهم بهذه الصفات في هذه الآية وعلم أن المقصود بهم هم أبوبكر وعمر ومن تابعهما، وانظر ما تقدم من الكلام (ج1/ 142 - 143).
والآية الثانية: قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) وهذا نص في أن الله تعالى وعد المؤمنين الحاضرين وقت النزول بالاستخلاف والتمكين في الأرض وإزالة الخوف من الأعداء وأن يجعلهم في غاية الأمن حتى يخشاهم الكفار، وهذا الوعد كله بهذا المجموع لم يقع إلا في زمن الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان، بينما كان علي رضي الله عنه بزعم الرافضة في زمن هؤلاء الثلاثة غير متمكن في الأرض وغير آمن بل كان خافيا لدينه خائفا منهم فضلا عن أنه غير مستخلف، فإما أن يقال أن وعد الله غير متحقق وهذا من أبطل المحال، أوأن يقال أنه تحقق بالنسبة للخلفاء الثلاثة قبله ولم يشمله هو، وهذا نقض لأصل الرافضة فضلا عن أنه ما تريده الخوارج والنواصب، وهوباطل أيضا، فلم يبق إلا أن يقال أنه قد كان له رضي الله عنه نصيب في هذه الآية كنصيب غيره من الخلفاء الثلاثة فالآية تعمهم جميعا من أبي بكر حتى علي، وهوالحق. وإن قالوا إن هذه الآية لم تتحقق إلا في زمن علي وخلافته فقد عاد الأمر إلى ما سبق من استلزامه إخلاف الوعد قبل ذلك وهومحال. وانظر (مختصر التحفة الإثني عشرية) لمحمود شكري الألوسي رحمه الله (ص126 - 128).
والآية الثالثة: قوله تعالى {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أويسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} وفي هذه الآية دليل على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنه وعلى وجوب الطاعة لهم كما قال ابن حزم في (الفصل) (4/ 19). ذلك أن هذه الآية نزلت بعد الحديبية، وبالإجماع لم تحصل دعوة للمخلفين هؤلاء إلى الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال أحد إلا في غزوة تبوك، وما قبلها مثل خيبر لم تكن فيها دعوة لهؤلاء المخلفين فلا يمكن أن تكون مقصودة بالآية، وتبوك أيضا غير مقصودة إذ لم يحصل فيها القتال ولا الاسلام كما هونص وعد الله تعالى بقوله (تقاتلونهم أويسلمون) فلا تكون مقصودة أيضا، ثم ما بعد تبوك لم يدع رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء العرب لقتال، ولم يخرجوا معه أبدا بدليل نص الآية (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) وهذه الآية نزلت بعد تبوك بلا خلاف، فتعين أن المقصود بالآية غير النبي صلى الله عليه وسلم وأنه هوالذي سيدعوهم، وما دعا أولئك الأعراب أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم يقاتلونهم أويسلمون إلا أبوبكر وعمر وعثمان رضي الله عنه، فإن أبا بكر دعاهم إلى قتال مرتدي العرب بني حنيفة وأصحاب الأسود وسجاح وطليحة والروم والفرس وغيرهم، ودعاهم عمر إلى قتال الروم والفرس أيضا، ودعاهم عثمان إلى قتال الروم والفرس والترك، فوجبت طاعتهم بنص القرآن لأنه قال (فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما) وإذ وجبت طاعتهم فقد صحت إمامتهم وخلافتهم.
وهذه الآية ليس لعلي رضي الله عنه نصيب فيها، إذ لم يدع من معه للقتال على الاسلام فإن من خالفه لم يكونوا كفارا، لكنه رضي الله عنه دعاهم للقتال معه لأجل طاعته وخلافته، وهوإن كان محقا فيه لكن المقصود أن الآية لا تخصه بل تخص الثلاثة قبله رضي الله عنه أجمعين.
فهذه ثلاثة من الآيات التي تدل على ما قلناه من ظهور كلمة الله وإعلائها في الصدر الأول منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على عكس ما تزعمه الرافضة.
وقوله في آخر الفقرة الأولى هنا: (فإن من ألم بتاريخ قريش .. يعلم أنهم لم يخضعوا للنبوة الهاشمية إلا بعد أن تهشموا) فيه رائحة للعصبية المذمومة، فإن بني هاشم وإن كان يلحقهم فضل لكون النبوة فيهم إلا أن ذلك لا يعطيهم حق الخلافة لوحدهم، بل قد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم عامة في كل قريش كما في الحديث المتواتر (الأئمة من قريش) وقد قدمنا في بداية الرد على المراجعة (8). ثم إن كانوا قد خضعوا للنبوة بالقوة فقط كما زعم فما المانع من أن يخضعوا لخلافة علي بالقوة أيضا لوكان له أدنى حق فيها؟ لما اجتمع فيه من الشجاعة والأسباب المادية التي أسلفناها ما يجعله قادرا على ذلك لوأراد.
ثم إن زعمه بأنهم خضعوا للنبوة بالقوة فقط لا يشمل أبدا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين علم الناس كلهم أنهم لم يتابعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لخوفهم منه بل كانوا بمتابعتهم له معرضين أنفسهم لشتى صنوف الخلاف والهلاك، فإن كان من العرب أحد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم خوفا، فخوفهم من هؤلاء السابقين من المهاجرين والأنصار إذ هم المعقول أن يرهبوا الناس حتى يدخلوا في دين محمد صلى الله عليه وسلم، لا أنهم مع كونهم سابقين كانوا قد أجبروا على الدخول في الاسلام كما يزعم من لا عقل له.
وإذا كان كذلك فهؤلاء السابقون هم أعيان من بايع أبا بكر، فإن كان لعلي حق في الخلافة لبايعوه ولأجبروا الناس على ذلك، وهوما لم يكن لكذب النص المزعوم وبطلانه.
ثم ما ذكره في آخر الفقرة في قول عمر لابن العباس (إن قريشا كرهت أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة فتجحفون على الناس) وعزاه في الهامش (1/ 278) لابن أبي الحديد في شرح النهج لا حجة فيه على أهل السنة كما لا يخفى، فضلا عن أنه من دون إسناد ولا عزوولا تصحيح فكيف يمكن الاحتجاج به؟ ومثله في هذا أيضا ابن الأثير في (الكامل) المذكور في الهامش أيضا فقد ساقه من دون إسناد ولا تصحيح فهوشبه الريح. لكن هذه الحادثة المزعومة قد أخرجها الطبري في (تاريخه) (4/ 222، 223) من طريقين واهين جدا في كل منهما رجل مبهم لم يسم مع آخرين من المجاهيل أوالضعفاء فلا تصح ولا تثبت.
أما الفقرة الثانية من هذه المراجعة فقد تكلم فيها عن وجه قعود علي رضي الله عنه _ المزعوم _ عن حقه، وادعى هذا الموسوي أن سبب ذلك القعود تقديم مصلحة قمع الفتن الحاصلة بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيثارا للصالح العام ودفعا للخطر عن الأمة. وهي نفس الحجة التي تحجج بها في المراجعة الماضية، وقد رددنا عليه بحمد الله بحجج دامغة من ثلاثة أوجه مع ما قلناه عن دلالة واقع الحال ذاك على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنه، فانظر صفحة (243 - 244) فلا حاجة بنا إلى إعادة الكلام هنا، لكن هذا الموسوي قد كذب وافترى حين قال عن علي رضي الله عنه: (غير أنه قعد في بيته _ ولم يبايع حتى أخرجوه كرها _ احتفاظا بحقه، واحتجاجا على من عدل عنه، ولوأسرع إلى البيعة ما تمت له حجة ولا سطع له برهان) قلت: وقد قدمنا في بداية الرد على المراجعة (8) ما ثبت بالإسناد الصحيح من حصول بيعة علي لأبي بكر الصديق في اليوم الثاني من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن تحجج أحد بأن بعض العلماء قالوا إن البيعة حصلت بعد ستة أشهر لعدم علمهم بهذا الحديث، فهوكاف أيضا كما قدمناه هناك لإثبات بيعة أبي بكر حتى على فرض كونها بعد ستة أشهر فإن النص الذي سقناه هناك صريح كل الصراحة في مبايعة علي لأبي بكر رضي الله عنهما بمحض اختياره ومن غير إكراه إذ في الرواية أنه هوالذي أرسل إلى أبي بكر لإظهار مبايعته، فمن أنكر بيعة علي لأبي بكر فهوأضل من حمار أهله، ومن ادعى أنها كانت بالإكراه فهوأحمق أومخادع، وتلك الرواية الصحيحة ترد كل هذه المزاعم كما قلنا فليراجع تفصيل ذلك فيما أشرنا إليه.
وإذ ثبت مسارعة علي لمبايعة أبي بكر من غير إكراه كما قلنا فنحن نلزم كل الشيعة بما قرره إمامهم عبد الحسين هذا هنا حين قال: (ولوأسرع إلى البيعة ما تمت له حجة ولا سطع له برهان) فالحمد لله الذي أخذ بناصيته فأنطقه بما هوحجة عليه.
ثم زعمه بأنهم أكرهوه على البيعة وأخرجوه إخراجا معارض لما قاله هونفسه في المراجعة الماضية من أن عليا هوالذي شق بنفسه طريق الموادعة وآثر المسالمة، فكيف يلتئم أنه فعل ذلك بنفسه مع ادعاء أنهم أكرهوه!! فهذا مما يضحك الصبيان عليه قبل الكبار لوضوح تناقضه، وهذا اضطرار منه إلى ذلك لقوله بما هوأبطل الباطل فوقع في مثل هذا التناقض الواضح الفاضح. وقد تقدم التنويه على مثل هذا التناقض في آخر الرد على المراجعة الماضية حين نقضنا زعم الشيعة إكراه الصحابة لعلي على بيعة أبي بكر، وذلك من خمسة أوجه، وهوحري بأن يراجع.
وما قاله في آخر مراجعته هذه من تأويل الصحابة للنص على علي ومن ثم تناسيهم له، هوعين كلامه الذي صدر به مراجعته هذه ورددنا عليه فلا حاجة للإعادة.
لكن قبل إنهاء كلامنا على هذه المراجعة والانتقال إلى ما بعدها أرى من المناسب هنا أن نقف وقفة لنبين بطلان كل الاحتمالات التي يمكن أن يتحجج بها الشيعة في تفسير مبايعة علي لأبي بكر وسكت عن حقه لكنهم خاضوا في بولهم وروثهم حين أرادوا تبرير سكوته هذا كما فعل هذا الموسوي هنا فعنون فقرته الثانية من هذه المراجعة بالوجه في قعود الإمام عن حقه، ونحن بإذن الله نفصل كل الأوجه المحتملة مع بيان ما ينقضها ويردها فنقول مستعينين بالله العظيم:
على افتراض وجود النص على علي رضي الله عنه فإما أن يكون قد علم به هونفسه أولم يعلم به، فإن لم يعلم به فيلزمه وصفه بالجهل ومثله لا يصلح أن يكون إماما، ثم إن مثل هذا النص الذي يخصه والذي تدعي الشيعة اشتهاره يبعد مع هذا جهله به، فإذا بطل هذا لم يبق إلا القول بوجوب علمه به.
ثم بعد علمه به إما أن يكون قد طالب الأمة بتطبيقه أولم يطالبهم، فلما لم يدع أحد أنه طالبهم ولم يأت بذلك نص بإسناد صحيح أوضعيف فلم يبق إلا أنه لم يطالبهم به.
ولا يجوز أن يكون تركه لمطالبتهم به من غير سبب أصلا فإن هذا قادح في عدالته ولابد، ومن ثم وصفه بما يتنافى مع الإمامة من تركه لواجب من أهم الواجبات الشرعية ومتحتم عليه.
فخلص من كل ما تقدم على افتراض وجود النص المزعوم بأن عليا رضي الله عنه قد علم به ولم يطالب بحقه فيه لسبب معين، وهذا ما تقر به الشيعة بمعظمهم ومنهم هذا الموسوي لكنهم بعد ذلك تخبطوا في تعيين ذلك السبب.
ومهما يمكن أن يفرضه الذهن من أسباب فهي لا تخرج عن أحد ثلاثة أسباب لا يجوز غيرها: إما أن يكون تركه للمطالبة بحقه خوفا منهم ومن تهديدهم له فجبن عن المطالبة ولم يكن عنده من الشجاعة ما يعينه عليها، أوأنه كان شجاعا كعادته بما يكفي لذلك ولم يجبن لكنه رأى المصلحة العامة توجب عليه السكوت خوفا من تفاقم الفتن الحاصلة بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فآثر تقديم الأهم على المهم على حد زعمهم، أوأن يقال أنه كان شجاعا بما يكفي لذلك ولم ير المصلحة في السكوت بل رأى المطالبة واجبا عليه لكنه لم يجد له أنصارا أوأعوانا بل اتفق الكل على معاداته بسبب ما سلف منه من قتله لأقربائهم وذويهم وامتيازه بذلك أوحسدهم له وتشوقهم إلى نيل الخلافة.
فإما إن قيل أنه كان يمتلك الشجاعة الكافية ولم ير السكوت أفضل بل التصريح هوالحق، وكان له أنصار وأعوان في طلبه فهذا يستلزم حتما حصول المطالبة وعدم الرضا بدون نيل حقه، فلا نجد فيما يفرضه الذهن غير هذه الأسباب الثلاثة إلا أن يكون من قبيل ما لا يجوز وقوعه مثل افتراض من يفترض أنه مع وجود النص عليه وعلمه به لكنه رضي الله عنه كان عنده نص آخر من النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بالسكوت عن حقه، فإن هذا حقا هوالباطل بعينه إذ كيف يستقر في ذهن سليم أن عليا عنده من النبي صلى الله عليه وسلم نص في الخلافة، وهوأيضا عنده نص يأمره بالسكوت والتنازل عنها؟ فلازمه أن أحدهما يلغي الآخر، ثم إن كان نص خلافته حقا وما سواه باطل فلازمه أن النص الآخر يأمره بالباطل، وهذا كما قلنا هوالباطل بعينه. فلذا لا يمكن عده من الأسباب الواردة المحتملة.
وإذا تقرر هذا من حصر الأسباب المفترضة بتلك الثلاثة فهي كلها باطلة، وهي محض تخرصات وظنون بل وافتراءات لا دليل عليها البتة، وقد تقدم _ بحمد الله_ الجواب عن كل واحد منها من عدة أوجه بما ينقض كل متعلق الشيعة بأي منها، أما الأول فراجعه في الصفحات (248 - 256) وأما الثاني فراجعه في الصفحات (236 - 248) لتتيقن من بطلان حجتهم هذه، مع ما في واقع الحال ذاك بسبب تلك الفتن المشار إليها من الدلالة على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله
عنهم.
وأما السبب الثالث فراجع الكلام عليه في (ص24 - 241، 251 - 252، 27 - 275) بما يبين أنه قد توفرت لعلي رضي الله عنه من الأسباب المادية والشجاعة ومن تأييد الأنصار والأعوان ما يجعله أقدر الناس على نيل الخلافة فيما لوأرادوها، بل قد جاء ذلك صريحا في قول أبي سفيان له الذي قدمناه في الصفحة (252)، وراجع في تلك الصفحات أيضا بطلان معاداتهم لعلي بسبب امتيازه بالقتل في صدر الاسلام، أوبسبب حسدهم له فقد نقضنا كل ذلك هناك مع ما قدمانه في بداية الرد على هذه المراجعة من فضل الصحابة وخيريتهم على كل من جاء بعدهم بما ينسف حجة الشيعة هذه هنا ولله الحمد.
وإذ قد بطلت كل هذه الاحتمالات ولم يبق لأي منها صحة ولا قبول فيلزم من ذلك أن أصل الافتراض الذي بدأنا به هوالباطل لاستلزامه إلى الباطل، وهوافتراض وجود النص على علي رضي الله عنه بحجج عقلية واضحة، ولله الحمد والمنة ..