أن أبا بكر وعمر وعثمان خالفوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم والطعن في أبي بكر بحرب المرتدين
... قال الرافضي ص181 «إن من سنة أبي بكر وعمر وعثمان ما يناقض سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويبطلها كما لا يخفى.
... وإذا كانت أول حادثة وقعت بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مباشرة وسجلها أهل السنة والجماعة والمؤرخون هي مخاصمة فاطمة الزهراء لأبي بكر الذي احتج بحديث: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)، هذا الحديث الذي كذبته فاطمة وأبطلته بكتاب الله...
... والحادثة الثانية: التي وقعت لأبي بكر في أيام خلافته، وسجلها المؤرخون من أهل السنة والجماعة اختلف فيها مع أقرب الناس إليه وهوعمر بن الخطاب، تلك الحادثة التي تتلخص في قراره بمحاربة مانعي الزكاة... على أن هؤلاء الذين منعوا إعطاء أبي بكر زكاتهم لم ينكروا وجوبها، ولكنهم تأخروا ليتبينوا الأمر، ويقول الشيعة: إن هؤلاء فوجئوا بخلافة أبي بكر، وفيهم من حضر مع رسول الله [- صلى الله عليه وسلم -] حجة الوداع، وسمع منه النص على علي بن أبي طالب فتريثوا حتى يفهموا الحقيقة».
... قلت: قوله: إن أبا بكر، وعمر، وعثمان، خالفوا سنة
النبي - صلى الله عليه وسلم - دعوى باطلة لايعبأبها، ولا وزن لها في ميزان الحق مالم يؤيدها بالحجة والبرهان، قال تعالى: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}. (1)
... وقد علمت الأمة بالنقل المتواتر، الذي لا يمكن أن يندفع أويتطرق إليه شك: أنه ليس أحد من الخلق أقرب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأقوم بدينه، وأعلم به وأكثر مناصرة له، وأعظم مجاهدة وبلاءً فيه، من أبي بكر، وعمر، ثم من بعدهما عثمان، وعلي -- رضي الله عنه --، فإن هؤلاء هم خلفاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصهاره الذين أخبر أنهم على الهدى، وأوصى بالتمسك بسنتهم، وخص أبابكر، وعمر منهم بالاقتداء بهما (2)، فلا يطعن فيهم بعد هذا إلا ناقص في العقل لا يدري ما يقول، أوضال مضلّ حائد عن السبيل، ولهذا لا يعرف في الأمة أحد تنقص الشيخين، أوتعرض لهما بقدح لا من أهل السنة، ولا من أهل البدعة المنتسبين لهذه الملة، غير هؤلاء الرافضة المخذولين. وما طعن هذا الرافضي هنا في الخلفاء الثلاثة واتهامهم بمخالفة السنة إلا امتداد اً لمطاعن سلفه من الرافضة الذين هم أسخف الناس عقولاً، وأضعفهم حجة ودليلاً. وطعنه هذا من حيث الجملة هوأضعف من أن يتكلف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)... سورة البقرة آية 111.
(2)... تقدم ذكر الحديث وتخريجه ص 56.
في رده ونقضه لمخالفته لما هومعلوم للأمة بالضرورة من قيام هؤلاء الخلفاء بأمر الدين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحسن بلائهم فيه، وانما أقتصر هنا على ما ذكره من أمثلة لما ادعاه من مخالفة هؤلاء الخلفاء للسنة، مع بيان بطلان ما ادعاه وكذبه في ذلك.
... أما الحادثة الأولى: وهي قوله مخاصمة فاطمة لأبي بكر في الميراث فقد تقدم الرد عليه فيها، وبيان كذبه وتلبيسه بما لامزيد
عليه هنا. (1)
... وأما ما ذكر في الحادثة الثانية: وهي طعنه في أبي بكر بقتال المرتدين، الذين منعوا الزكاة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - وارتدوا عن الإسلام.
... فهذا مما أظهر الله به أمره، وكشف ستره، وما هوعليه من زندقة وإلحاد. فتأمل أيها القارئ طعن هذا المنافق في أبي بكر وفي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودفاعه عن المرتدين الذين ارتدوا عن الدين بعد موت الرسول - صلى الله عليه وسلم -، واعتذاره لهم وتخطئة الصحابة في قتالهم، لتعلم موقعه من الدين.
... على أن المؤلف بطعنه هذا ما هوإلا مقلد لإخوانه من الرافضة الذين سبقوه لهذا فرد العلماء عليهم في ذلك، حتى ظهر للناس زيف دعواهم وشدة افترائهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)... انظر ص 42 - 436 من هذا الكتاب.
... يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في رده على ابن المطهر بعد نقله كلامه في المسألة: «والجواب بعد أن يقال: الحمد لله الذي أظهر من أمر هؤلاء إخوان المرتدين، ما تحقق به عند الخاص والعام أنهم إخوان المرتدين حقاً، وكشف أسرارهم، وهتك أستارهم بألسنتهم، فإن الله لا يزال يطلع على خائنة منهم تبين عدوانهم لله ورسوله، ولخيار عباد الله وأوليائه المتقين، {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً} (1)، فنقول من كان له علم بالسيرة، وسمع مثل هذا الكلام جزم بأحد أمرين:
... إما بأن قائله من أجهل الناس بأخبار الصحابة، وإما أنه من أجرأ الناس على الكذب، فظني أن هذا المصنف وأمثاله من شيوخ الرافضة ينقلون ما في كتب سلفهم، من غير اعتبار منهم لذلك، ولا نظر في أخبار الإسلام، وفي الكتب المصنفة في ذلك حتى يعرف أحوال الإسلام، فيبقى هذا وأمثاله في ظلمة الجهل بالمنقول والمعقول...
... إلى أن قال: ومن أعظم فضائل أبي بكر عند الأمة -أولهم وآخرهم- أنه قاتل المرتدين، وأعظم الناس ردة كان بنوحنيفة، ولم يكن قتاله لهم على منع الزكاة، بل قاتلهم على أنهم آمنوا بمسيلمة الكذاب، وكانوا فيما يقال نحومائة ألف، والحنفية أم محمد بن الحنفية سَرّية علي كانت من بني حنيفة، وبهذا احتج من جوز سبي المرتدات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)... سورة المائدة، آية (41).
إذا كان المرتدون محاربين، فإذا كانوا مسلمين معصومين فكيف استجاز علي أن يسبي نساءهم ويطأمن ذلك السبي.
... وأما الذين قاتلهم على منع الزكاة فأولئك ناس آخرون، ولم
يكونوا يؤدونها، وقالوا: لا نؤديها إليك، بل امتنعوا من أدائها بالكلية، فقاتلهم على هذا، لم يقاتلهم ليؤدّوها إليه، وأتباع الصديق كأحمد بن حنبل وأبي حنيفة، وغيرهما يقولون: إذا قالوا: نحن نؤديها ولا ندفعها إلى الإمام، لم يجز قتالهم لعلمهم بأن الصديق إنما قاتل من امتنع عن أدائها جملة، لامن قال: أنا أؤدّيها بنفسي. ولوعدّ هذا المفتري الرافضي من المتخلفين عن بيعة أبي بكر المجوس، واليهود، والنصارى، لكان ذلك من جنس عده لبني حنيفة، بل كفر بني حنيفة من بعض الوجوه كان أعظم من كفر اليهود، والنصارى، والمجوس، فإن أولئك كفار ملِّيُّون وهؤلاء مرتدون، وأولئك يقرون بالجزية، وهؤلاء لا يقرون بالجزية، وأولئك لهم كتاب أوشبه كتاب، وهؤلاء اتبعوا مفترياً كذاباً، لكن كان مؤذنه يقول: أشهد أن محمداً ومسيلمة رسولا الله، وكانوا يجعلون محمداً ومسيلمة سواء». (1)
... فتبين بهذا أن الذين قاتلهم أبوبكر كانوا قسمين:
... قسم منهم: قد ارتدوا بالكلية واتبعوا مسيلمة الكذاب، وهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)... منهاج السنة 8/ 318 - 319 - 324.
بنوحنيفة، وهؤلاء لا يشك مسلم في كفرهم ووجوب قتالهم.
... وقسم آخر: امتنعوا من تأدية الزكاة مطلقاً فلم يؤدوها بأنفسهم ولا دفعوها إلى الخليفة، فكان قتالهم واجباً مأموراً به من الله ورسوله
قال تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} (1) فعلق تخلية السبيل على الإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله). (2)
... فجعل شهادة ألاّ إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، شرطاً لعصمة الدماء والأموال. وأولئك الممتنعون عن تأدية الزكاة لم يتحقق فيهم الشرط، فقاتلهم أبوبكر -- رضي الله عنه -- وكان معه وعلى رأيه سائر الصحابة الذين باشروا قتالهم بأنفسهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)... سورة التوبة آية 5.
(2)... أخرجه البخاري في: (كتاب الإيمان، باب {فإن تابوا وأقاموا الصلاة... وآتوا... الزكاة فخلوا سبيلهم}، فتح الباري 1/ 75، ح25، ومسلم: (كتاب الإيمان،... باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله)، 1/ 53،... ح22.
... وأما دعوى الرافضي: أن عمر خالف في ذلك أبا بكر فكذب صريح على عمر -- رضي الله عنه -- أما قوم مسيلمة فلم يخالف في قتالهم أحد من
الصحابة، لا عمر ولا غيره، ولم يشكوا في كفرهم وردتهم، وأما مانعوا الزكاة: فقد رأى عمر في بداية الأمر عدم قتالهم، لكنه ما لبث أن رجع عن رأيه إلى قول أبي بكر بعد أن تبين له الحق
في ذلك.
... ورجوع عمر عن رأيه وموافقة أبي بكر، أمر مشهور في كتب
السنة والتاريخ لا يخفى على أحد من أهل العلم، ولم ينكره أحد منهم، وهوثابت في الصحيحين:
... فعن أبي هريرة -- رضي الله عنه --: (أن عمر قال لأبي بكر - رضي الله عنهما- كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولون لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله؟ قال أبوبكر: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة، حق المال، والله لومنعوني عناقاً، كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هوإلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق). (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)... أخرجه البخاري: (كتاب استتابة المرتدين، باب قتل من أبى قبول... الفرائض... ) فتح الباري 12/ 275، ومسلم: (كتاب الإيمان، باب الأمر... بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)، 1/ 51، ح2.
... قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وأما قول الرافضي إن عمر أنكر قتال أهل الردة، فمن أعظم الكذب والافتراء على عمر
بل الصحابة كانوا متفقين على قتال مسيلمة وأصحابه، ولكن كانت طائفة أخرى مقرين بالإسلام وامتنعوا عن أداء الزكاة، فهؤلاء حصل لعمر أولاً شبهة في قتالهم، حتى ناظره الصديق وبين له وجوب قتالهم فرجع إليه والقصة في ذلك مشهورة». (1)
... وبهذا يظهر بطلان دعوى الرافضي، وشدة ضلاله في ذمه لأبي بكر على قتال المرتدين الذي يُعد من أعظم مناقبه، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا مما يؤكد فرط جهل المؤلف بالتاريخ وإغراقه في الزيغ والضلال.
... فنسأل الله العافية والسلامة من حاله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)... منهاج السنة 8/ 327.
زعمهم قتال الصديق من لم يرض بخلافته وتسميتهم أهل الردة
الشبهة:
قال شيخهم المفيد: «ولما عرف أهل اليمامة تقلد أبي بكر أنكروا أمره وامتنعوا من حمل الزكاة، حتى أنفذ إليهم الجيوش فقتلهم وحكم عليهم بالردة عن الاسلام، وفي إنكار أهل اليمامة بيعة أبي بكر يقول:
أطعنا رسول الله ما كان بيننا * فيا قوم ما شأني وشأن أبي بكر
إذا مات بكر قام عمر مكانه * وذلك لعمر الله قاصمة الظهر»([1]).
([1]) الجمل، المفيد (1/ 58)..
الرد علي الشبهة:
أولًا: أهل الردة الذين ارتدوا بعد موت النبي r أقسام:
فمنهم من رجع إلى الأصنام والأوثان فعبدها، ومنهم من أنكر نبوة النبي r وقال: لو كان نبيًّا ما مات؛ وهؤلاء كفارٌ لا إشكال فيهم، ومنهم من منع الزكاة، والصحابة قاتلوهم جميعًا، ولم يفرِّقوا بينهم وسموهم المرتدين.
والذي منع الزكاة: قال العلماء إنما كفر؛ لأنه إذا منعها وقاتل عليها دل على جحوده إياها؛ لأنه فعل أمرين: منعها وقاتل عليها، أما إذا منعها ولم يقاتل عليها فإنها تؤخذ منه ويؤدَّب ولا يكفر، ولكن إن منعها وقاتل عليها فإنه يكفر؛ لأن هذا دليل على جحوده.
والمرتدون الذين منعوا الزكاة منعوها وقاتلوا عليها، فدل على أنهم جحدوها، ولهذا عاملهم الصحابة معاملة المرتدين وسموهم مرتدين كلهم وقاتلوهم، لا فرق بين من أنكر نبوة محمد أو عبد الأصنام أو من جحد الزكاة؛ لأنه جحد أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة.
ومن العلماء من قال بأنهم دخلوا في اسم الردة توسعًا، وإليك بعض كلام أهل العلم في ذلك:
قال الخطابي: «ومما يجب أن يعلم ها هنا أن الذين يلزمهم اسم الردة من العرب كانوا صنفين: صنف منهم ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعاودوا الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: (وكفر من كفر من العرب)، وهم أصحاب مسيلمة ومن سلك مذهبهم في إنكار نبوة محمد r، والصنف الآخر: هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة وأنكروا الزكاة، وهؤلاء على الحقيقة أهل بغي، وإنما لم يدعوا بهذا الاسم على الاختصاص به لدخولهم في غمار أهل الردة، فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة؛ إذ كانت أعظم الأمرين خطبًا»([1]).
وقال ابن عبد البر: «فَقَاتَلُوا مَانِعِي الزَّكَاةِ كَمَا قَاتَلُوا أَهْلَ الرِّدَّةِ، وَسَمَّاهُمْ بَعْضُهُمْ أَهْلَ رِدَّةٍ عَلَى الِاتِّسَاعِ؛ لِأَنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَمَعْلُومٌ مَشْهُورٌ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَا تَرَكْنَا دِينَنَا، وَلَكِنْ شَحَحْنَا عَلَى أَمْوَالِنَا»([2]).
وقال الحافظ ابن حجر: «وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قِتَالِ مَنْ جَحَدَ الزَّكَاةَ، قَوْلُهُ: (لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) يَجُوزُ تَشْدِيدُ (فَرَّقَ) وَتَخْفِيفُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْفَرْقِ مَنْ أَقَرَّ بِالصَّلَاةِ وَأَنْكَرَ الزَّكَاةَ جَاحِدًا أَوْ مَانِعًا مَعَ الِاعْتِرَافِ، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ الْكُفْرُ؛ لِيَشْمَلَ الصِّنْفَيْنِ، فَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ جَحَدَ حَقِيقَةً وَفِي حَقِّ الْآخَرِينَ مَجَازٌ تَغْلِيبًا، وَإِنَّمَا قَاتَلَهُمُ الصِّدِّيقُ وَلَمْ يَعْذِرْهُمْ بِالْجَهْلِ؛ لِأَنَّهُمْ نَصَبُوا الْقِتَالَ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى الرُّجُوعِ فَلَمَّا أَصَرُّوا قَاتَلَهُمْ»([3]).
وقال ابن كثير: «وَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَزِيرُهُ وَصَدِيقُهُ وَخَلِيفَتُهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَقَدْ مَالَ الدِّينُ مَيْلَةً كَادَ أَنْ يَنْجَفِلَ، فَثَبَّتَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ فَوَطَّدَ الْقَوَاعِدَ، وَثَبَّتَ الدَّعَائِمَ، وَرَدَّ شَارِدَ الدِّينِ وَهُوَ رَاغِمٌ، وَرَدَّ أَهْلَ الرِّدَّةِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخَذَ الزَّكَاةَ مِمَّنْ مَنَعَهَا مِنَ الطَّغَامِ، وَبَيَّنَ الْحَقَّ لِمَنْ جَهِلَهُ، وَأَدَّى عَنِ الرَّسُولِ مَا حَمَلَهُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي تَجْهِيزِ الْجُيُوشِ الْإِسْلَامِيَّةِ إِلَى الرُّومِ عَبَدَةِ الصُّلْبَانِ وَإِلَى الْفُرْسِ عَبَدَةِ النِّيرَانِ، فَفَتَحَ اللهُ بِبَرَكَةِ سِفَارَتِهِ الْبِلَادَ، وَأَرْغَمَ أَنْفُسَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَمَنْ أَطَاعَهُمَا مِنَ الْعِبَادِ، وَأَنْفَقَ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولُ الْإِلَهِ»([4]).
ثانيًا: أقر علماء الشيعة بأن الصديق قاتل المرتدين حقيقةً ومانعي الزكاة:
قال الطوسي في المبسوط: «ولا خلاف أيضًا أن قتال أهل البغي واجب جائز، وقد قاتل أبو بكر طائفتين، قاتل أهل الردة، قومًا ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وآله، وقاتل مانعي الزكاة وكانوا مؤمنين، وإنما منعوها بتأويل، يدل على ذلك أن أبا بكر لما ثبت على قتالهم قال عمر: كيف تقاتلهم وقد قال النبي عليه وآله السلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» فقال أبو بكر: والله لا فرقت بين ما جمع الله، هذا من حقها، لو منعوني عناقًا مما يعطون رسول الله لقاتلتهم عليها.
فموضع الدلالة أن عمر توقف عن قتالهم لكونهم مؤمنين، وأيضًا فإن القوم لما أسروا، قالوا: والله ما كفرنا بعد إسلامنا وإنما شححنا على أموالنا، وقالوا حين منعوا: قال الله: }خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم{([5]).
وقال جعفر السبحاني: «بعد رحيل النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ارتدَّ كثير ممّن أسلم وآمن به في اليمامة وغيرها بقيادة مسيلمة الكذَّاب وغيره»([6]).
ثالثًا: مانع الزكاة يقاتله الإمام باتفاق السنة والشيعة، أما أهل السنة فقد سبق نقل بعض النصوص، وممن قرر المسألة:
أبو بكر الجصاص الحنفي في كتابه (أحكام القرآن) في تفسير قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) «قيل في الحرج ها هنا: إنَّهُ الشَّكُّ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَصْلُ الْحَرَجِ الضِّيقُ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ التَّسْلِيمَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فِي وُجُوبِ تَسْلِيمِهِ وَلَا ضِيقِ صَدْرٍ بِهِ، بَلْ بِانْشِرَاحِ صَدْرٍ وَبَصِيرَةٍ وَيَقِينٍ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ رَدَّ شَيْئًا مِنْ أَوَامِرِ اللهِ تَعَالَى أَوْ أَوَامِرِ رَسُولِهِ r فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْإِسْلَامِ، سَوَاءٌ رَدَّهُ مِنْ جِهَةِ الشَّكِّ فِيهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ تَرْكِ الْقَبُولِ وَالِامْتِنَاعِ مِنَ التَّسْلِيمِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الصَّحَابَةُ فِي حُكْمِهِمْ بِارْتِدَادِ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَقَتْلِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى حَكَمَ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ لِلنَّبِيِّ r قَضَاءَهُ وَحُكْمَهُ فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ»([7]).
وعلى القول بعدم تكفير مانعي الزكاة؛ فإنهم يقاتلون عليها اتفاقًا، قال ابن تيمية: «هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُبْهَةٌ سَائِغَةٌ فَلِهَذَا كَانُوا مُرْتَدِّينَ، وَهُمْ يُقَاتَلُونَ عَلَى مَنْعِهَا، وَإِنْ أَقَرُّوا بِالوُجُوبِ كَمَا أَمَرَ اللهُ، وَقَد حُكِيَ عَنهُم أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ اللهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ بِقَوْلِهِ: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) وَقَدْ سَقَطَتْ بِمَوْتِهِ»([8]).
وقال أيضا: «وَأَمَّا قِتَالُ مَانِعِي الزَّكَاةِ إِذَا كَانُوا مُمْتَنِعِينَ عَنْ أَدَائِهَا بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ عَنِ الْإِقْرَارِ بِهَا فَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ قِتَالِ الْخَوَارِجِ»([9]).
وأمام عند الشيعة فالنصوص كثيرة في تكفير وقتال بل وقتل مانع الزكاة:
قال هاشم البحراني في البرهان في تفسير القرآن: «قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) وهم الذين أقروا بالإسلام وأشركوا بالأعمال، وهو قوله تعالى: (وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) يعني: بالأعمال إذا أمروا بأمر عملوا خلاف ما قال الله، فسماهم الله مشركين، ثم قال تعالى: (الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) يعني: من لم يدفع الزكاة فهو كافر»([10]).
وفي الكافي: «مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه السلام قَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ لِلْفُقَرَاءِ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ فَرِيضَةً لَا يُحْمَدُونَ إِلَّا بِأَدَائِهَا، وَهِيَ الزَّكَاةُ، بِهَا حَقَنُوا دِمَاءَهُمْ، وَبِهَا سُمُّوا مُسْلِمِينَ»([11]).
وفي روضة المتقين: «وفي رواية أبي بصير في الموثق كما في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من منع قيراطًا -وهو نصف عشر المثقال- من الزكاة فليس بمؤمن حقيقة؛ لأن الإيمان الحقيقي مقرونٌ بالصالحات كما هو ظاهر الآيات، ولا مسلم»([12]).
وقال الصدوق: «وروى عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ما من رجل يمنع درهما في حقه إلا أنفق اثنين في غير حقه، وما من رجل يمنع حقًّا في ماله إلا طوقه الله به حية من نار يوم القيامة، وروى أبان بن تغلب عنه عليه السلام أنه قال: دمان في الإسلام حلال من الله تبارك وتعالى، لا يقضي فيهما أحد حتى يبعث الله عز وجل قائمنَا أهلَ البيت، فإذا بعث الله عز وجل قائمنا أهل البيت حكم فيهما بحكم الله عز وجل: الزاني المحصن يرجمه، ومانع الزكاة يضرب عنقه، وروى عنه عمرو بن جميع أنه قال: ما أدى أحد الزكاة فنقصت من ماله، ولا منعها أحد فزادت في ماله، وفي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم، وهو قول الله عز وجل: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت). وفي رواية اخرى: «ولا تقبل له صلاة».
وروى ابن مسكان عن أبي جعفر عليه السلام قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد؛ إذ قال: قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان حتى أخرج خمسة نفر، فقال: اخرجوا من مسجدنا لا تصلوا فيه وأنتم لا تزكون، وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من منع قيراطًا من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم، وسأل الرجعة عند الموت، وهو قول الله عز وجل: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت)، وقال الصادق عليه السلام: صلاة مكتوبة خير من عشرين حجة، وحجة خير من بيت مملوء ذهبا يتصدق به في بر حتى ينفد، ثم قال: ولا أفلح من ضيع عشرين بيتًا من ذهب بخمسة وعشرين درهما، فقيل له: وما معنى خمسة وعشرين [درهما]؟ قال: من منع الزكاة وقفت صلاته حتى يزكي»([13]).
وقال الحلي في شرائع الإسلام: «خاتمة: من منع الزكاة لا مستَحِلًّا فليس بمرتد، ويجوز قتاله حتى يدفعها»([14]).
فهذا كلامهم، وبه تقوم الحجة عليهم، والحمد لله على نعمة العقل والإسلام.
([1]) أعلام الحديث - شرح صحيح البخاري، الخطابي (1/ 741).
([2]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ابن عبد البر (21/ 282).
([3]) فتح الباري، ابن حجر (21/ 277).
([4]) تفسير ابن كثير (4/ 238).
([5]) المبسوط، الطوسي (7/ 263).
([6]) مع شيخ الأزهر في محاضراته الرمضانية، جعفر السبحاني (1/ 17).
([7]) أحكام القرآن، الجصاص (3/ 181) ت قمحاوي.
([8]) مجموع الفتاوى (28/ 519).
([9]) منهاج السنة النبوية، ابن تيمية (4/ 501).
([10]) البرهان في تفسير القرآن، هاشم البحراني (4/ 779).
([11]) الكافي، الكليني (3/ 498 – 499) وقال المجلسي في مرآة العقول (8/ 16): موثق.
([12]) روضة المتقين، محمد تقي المجلسي (3/ 19).
([13]) من لا يحضره الفقيه، الصدوق (2/ 11 – 12).
([14]) شرائع الإسلام (1/ 257).
موقع رامي عيسى ..