معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

الطاهر ابن عاشور والشيعة ..

الطاهر ابن عاشور والشيعة

تعرض العلامة الإمام الكبير الطاهر ابن عاشور للشيعة من خلال كتبه ورسائله رحمه الله ... في غير كتابه التفسير، وأنا هنا فقط سأقدم بتقدمة فيها إشارات إلى بعض مناقشاته وأقواله في الشيعة؛ هذه الفرقة التي شوهت الإسلام وأضرت بالمسلمين.

1) مناقشة المبتدعة في أسانيد ومتون مرويات حديث (أولية خلق النور المحمدي) ورَدِّه سندًا ومتنًا، روايةً ودرايةً (1).

2) مناقشته لأحاديث المهدي رواية ودراية عامة، والإزراء بالشيعة، وبيان فساد أقوالهم فيه وجهلهم بالمنقولات، وبعدهم عن تمحيص الآثار والروايات (2).

__________

(1) انظر: تحقيقات وأنظار (151 - 156).

(2) انظر: المصدر السابق (49 - 6.).

3) نتف من كلامه رحمه الله في كتابه الذي سخّر قلمه فيه لرفع راية الإصلاح الديني والعلمي والاجتماعي، متفائلًا بقرب الصبح، فوسمه بـ (أليس الصبح بقريب)، ولكن عكر على الإصلاح في العالم الإسلامي وجود بعض الدعوات المشبوهة والمذاهب الهدامة، من الباطنية والإسماعيلية والشيعة الغلاة بشتى مذاهبهم .. فتطرق رحمه الله إلى هذه المذاهب بشيء من الاقتضاب .. وإليك بعضًا منها:

قال رحمه الله في معرض كلامه عن تخلف بعض الديار من أفريقية والأندلس، وأن سببه يعود للتسلط المذهبي المقيت من الشيعة آنذاك فقال (ص:69): "كان ظهور الدولة العبيدية بالقيروان سنة (297هـ) الحايل الحقيقي بين أهل أفريقية وبين الزيادة من العلوم، وتقدمت الأندلس تقدمها السريع على القيروان، فإن العبيديين لما كانوا ينتحلون نحلة الشيعة، أظهروا بدعًا وأوهامًا وأماني من الأوهام، لم تكن معلومة لأهل العلم بالقيروان الذين لم يزالوا إلى يومئذ على السنة، فحدث بسبب ذلك التنكر بين أتباعهم وبين علماء القيروان، وابتدأ الأمر بالفتنة القولية، ثم انتهى بالضغط والاضطهاد، وبتحقير علماء السنة وتولية القضاة وأضرابهم من الشيعة ... إلى أن قال: وكان علماء القيروان يتسترون من الاضطهاد خصوصًا في زمن إسماعيل العبيدي الملقب بالمنصور (سنة:331هـ) الذي تجاهر بمناوأة أهل العلم وهم أهل السنة والفقه، وأغرى بهم حثالة أتباع مذهبه من الشيعة ... إلخ".

قال رحمه الله في ثنايا كلامه عن علم التفسير، وأن سبب الدس فيه الشيعة فقال (ص:187): " ... وأما الطرق عن علي بن أبي طالب فإن أكثرها واه إلا ما صحّ بسند بريء من التهمة؛ لأن الشيعة قد أكثروا الرواية عنه بأسانيد أكثرها واه، وكذلك ما يروونه عن أئمة أهل البيت في تفسير كثير من آي القرآن، وكثير من ذلك في تفسير مجمع البيان للطبرسي ... إلخ".

رحم الله إمامنا ابن عاشور، ففي عصره لم يصل إليه إلا تفسير الطبرسي هذا، وهومؤلف كما يعلم الباحثون على مذهب التقية!! وهوالذي يوزعه الشيعة الآن على أهل السنة من علماء وأكاديميين .. فكيف لووقف الإمام على تفسير القمي، والبرهان للبحراني، وتفسير الصافي!

ج) قال رحمه الله في سياق كلامه عن أسباب الضعف في عرض التفسير وذلك في (ص:189): " ... وكذا ما يحرِّف به غلاة الشيعة الكلم عن مواضعه في نحو: ((إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى)) [الليل:12] فقرأها بعضهم: (إن عليًّا للهدى) وقولهم: إن أهل البيت في آية: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33] هم خصوص فاطمة وعلي وحسن وحسين وعباس، وكلمة: ((وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ)) [الأحزاب:34] تبطل ما صنعوه ... إلخ".

* ... * ... *

موقف ابن عاشور من الشيعة في كتابه

(التحرير والتنوير)

والآن إلى المراد من بيان موقف العلامة الكبير الطاهر ابن عاشور من الشيعة من خلال كتابه العظيم (التحرير والتنوير).

[الموضع الأول]

قال رحمه الله في المجلد الأول (ص:61) من تفسيره، عند كلامه على القراءات في المقدمة السادسة:

" ... وقرأ بعض الرافضة: ((وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً)) [الكهف:51] بصيغة التثنية وفسروها بأبي بكر وعمر حاشاهما، وقاتلهم الله".

أقول: وهذا مذهب وعقيدة الشيعة الإثني عشرية اليوم، فهم يكفرون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وذلك لأن أسياد الشيعة علموا أن الطعن فيهما طعن في الإسلام. وإليك ما يشيب منه مفرق الغراب وناصية الوِلْدان من أقوالهم في الشيخين رضي الله عنهما، موثّقة من مصادرهم الأصلية ومراجعهم المعتمدة:

زَعْم الشيعة الاثني عشرية وجوب لعن الشيخين والبراءة منهما:

يوجب الشيعة الاثنا عشرية لعن الشيخين: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويزعمون أن بعض أئمتهم قد لعنهما:

فقد نسبوا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه -زورًا وبهتانًا- أنه لما قام إليه أحد الناس، وطلب منه أن يبايعه على ما عمل أبوبكر وعمر، قال: "فمد يده، وقال له: اصفق، لعن الله الاثنين" (1).

وزعم سليم بن قيس -من الشيعة- أن عليًّا كان يلعن الشيخين دائمًا (2).

وذكر بعض الشيعة أن الإمام جعفر الصادق رحمه الله كان يلعنهما رضي الله عنهما في دبر كل مكتوبة (3).

وقد أنشأ الشيعة أدعية عديدة في لعن الشيخين رضي الله عنهما، ذكروها في كتبهم، ووضعوا في فضلها أحاديث كثيرة، ترغيبًا لشيعتهم في قراءتها، والإكثار من ترديدها والدعاء بها.

وسأذكر منها:

الدعاء المسمى بـ"دعاء صنمي قريش":

هذا الدعاء اعتبره الشيعة من الأدعية الخاصة في لعن الشيخين: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وابنتيهما عائشة وحفصة زوجتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والشيعة قد زعموا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه -وحاشاه مما نسبه إليه الشيعة- كان يقنت في صلاة الوتر بهذا الدعاء (4). ونسبوا إليه -زورًا وبهتانًا- أنه قال عنه: "إن الداعي به كالرامي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بدر وحنين بألف ألف سهم"، ونسبوا إليه كذلك قوله عنه: "إنه من غوامض الأسرار وكرائم الأذكار" (5).

وقد زعم الشيعة أنه -حاشاه عما نسبوا إليه- كان يواظب عليه في ليله ونهاره وأوقات أسحاره (6).

__________

(1) رواه الصفار في بصائر الدرجات الكبرى (ص:412) والمفيد في الاختصاص (ص:312).

(2) السقيفة لسليم بن قيس.

(3) نفحات اللاهوت للكركي (ق:6/أ:74/ب).

(4) البلد الأمين للكفعمي (ص:511)، والمصباح له (ص:511)، ونفحات اللاهوت للكركي (ق:74/ب)، وعلم اليقين للكاشاني (2/ 7.1)، وفصل الخطاب للنوري الطبرسي (ص:221 - 222).

(5) المصادر السابقة نفسها.

(6) المصادر السابقة نفسها.

ونسبوا إلى بعض أئمتهم -زورًا وبهتانًا أيضًا- في فضل هذا الدعاء: أن من قرأه مرة واحدة "كتب الله له سبعين ألف حسنة، ومحا عنه سبعين ألف سيئة، ورفع له سبعين ألف درجة، ويقضى له سبعون ألف ألف حاجة" (1) وأن من يلعن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في الصباح لم يكتب عليه ذنب حتى يمسي، ومن لعنهما في المساء لم يكتب عليه ذنب حتى يصبح (2).

واهتم الشيعة بهذا الدعاء اهتمامًا كبيرًا، واعتبروه من الأدعية المشروعة (3).

وعمدوا إلى شرحه، فبلغت شروحه أكثر من عشرة شروح (4).

وقد ذكر مصنفوالشيعة هذا الدعاء -بعضه أوكله- في مصنفاتهم، فممن ذكره كله: الكفعمي في البلد الأمين (ص:511 - 514)، وفي المصباح (الجنة الواقية ص:548 - 557)، والكاشاني في علم اليقين: (2/ 7.1 - 7.3)، والنوري الطبرسي في فصل الخطاب (ص:9 - 1.)، وأسد الله الطهراني الحائري في مفتاح الجنان (ص:113 - 114)، وسيد مرتضى حسين في صحيفة علوية (ص:2.. - 2.2)، ومنظور بن حسين وغيرهم (في تحفة العوام مقبول ص:213 - 214).

وممن ذكر مقتطفات من هذا الدعاء أوأشار إليه من مصنفي الشيعة:

__________

(1) ضياء الصالحين (ص:513).

(2) المصدر السابق (ص:513).

(3) الذريعة لآغا بزرك الطهراني (8/ 192).

(4) راجع المصادر الشيعية التالية: البلد الأمين للكفعمي (ص:511)، والمصباح له (ص:551)، ونفحات اللاهوت للكركي (ق:74/ب)، وعلم اليقين للكاشاني (2/ 7.1)، وفصل الخطاب للنوري الطبرسي (ص:221 - 222) والذريعة إلى تصانيف الشيعة لآغا بزرك الطهراني (8/ 192) وأمل الآمال للحر العاملي (2/ 32).

الكركي في نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت (ق:6/أ:74/ب)، والكاشاني في قرة العيون (ص:426)، والداماد الحسيني في شرعة التسمية في زمن الغيبة (ق:26/أ)، والمجلسي في مرآة العقول (4/ 356)، والتستري في إحقاق الحق (ص: 58، 133 - 134)، وأبوالحسن العاملي في مقدمته على تفسير البرهان (ص:113 - 174 - 226 - 25. - 29. - 294 - 313 - 339)، والحائري في إلزام الناصب (2/ 95)، والنوري الطبرسي في فصل الخطاب (221 - 222)، وعبدالله شبر في حق اليقين (1/ 219)، وغيرهم.

وقد سمّى الشيعة هذا الدعاء بـ"دعاء صنمي قريش" كما تقدم، لأنّ أوله: "اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، والعن صنمي قريش وجبتيها وطاغوتيها وإفكيها، وابنتيهما ... إلخ".

ومرادهم بصنمي قريش: أبوبكر وعمر -رضي الله عنهما وعامل بعدله من يبغضهما- كما صرح الشيعة بذلك في العديد من مصنفاتهم، منهم: الكفعمي في شرحه لهذا الدعاء (1)، والكركي في نفحات اللاهوت (2)، والمجلسي في مرآة العقول: (4/ 356)، والداماد الحسيني الذي أشار إلى دعاء صنمي قريش، وقال: إن المراد بـ (صنمي قريش) الرجلان المدفونان مع رسول الله (3)، والتستري في إحقاق الحق (ص:133 - 134)، والحائري في إلزام الناصب (2/ 95) ومما قاله: "صنما قريش هما: أبوبكر وعمر ... غصبا الخلافة بعد رسول الله ... "، والنوري الطبرسي في فصل الخطاب (ص:9 - 1.) وقال نحوًا من قول الحائري.

__________

(1) المصباح للكفعمي (ص:552 - 554).

(2) وكتابه نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت، صنفه خصيصًا في لعن الشيخين الجليلين صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما اللذان عناهما بقوله: الجبت والطاغوت، وقد ذكر في هذا الكتاب أن عليًا رضي الله عنه وحاشاه مما ينسبه إليه الشيعة -كان يقنت في الوتر يلعن صنمي قريش، ثم قال: يريد بهما أبا بكر وعمر، وقد ورد استحباب الدعاء على أعداء الله في الوتر، نفحات اللاهوت للكركي (ق:74/ب).

(3) شرعة التسمية في زمن الغيبة (ق:26/أ).

وبعض الشيعة لم يصرحوا بأن المراد بهما أبوبكر وعمر -وهذا من باب التقية التي يتعاملون بها مع أهل السنة- واكتفوا بالإشارة إلى ألقابهما، بحيث يدرك الشيعي الذي يعرف ألقابهما أنهما المرادان بهذا الدعاء، فالكاشاني: ذكر أن المراد بهما: فرعون وهامان، فقال: "أرذل المخلوقات صنما قريش عليهما لعائن الله .. وهما فرعون وهامان" وفرعون وهامان من الألقاب التي يطلقها الشيعة على الشيخين رضي الله عنهما كما سيأتي (1).

وأشار أبوالحسن العاملي إلى أن المراد بهما: فلان وفلان، أوالجبت والطاغوت (2)، وكلها من الألقاب التي يطلقها الشيعة على الشيخين.

والدعاء الذي وسمه الشيعة بـ"دعاء صنمي قريش" مليء باللعن والسب والشتم، والدعاء بالويل والنار على الشيخين رضي الله عنهما، وقد ختموا هذا الدعاء بقولهم: "ثم قل أربع مرات: اللَّهم عذّبهم عذابًا يستغيث منه أهل النار .. ".

وهومليء أيضًا بالافتراءات المكذوبة، والإفك الواضح، والبهتان المبين، والاتهامات الباطلة الموجّهة لأفضل الناس بعد النبيين، الشيخين الجليلين أبي بكر وعمر، مثل: دعواهم أنهما أنكرا الوحي، وحرفا القرآن، وخالفا الشرع، وعطلا الأحكام، وخرّبا البلاد، وأفسدا العباد، وأخربا بيت النبوة، و... ، و... ، إلى آخر هذا الهذيان الكاذب، والإفك المفترى الذي لا يسعفه برهان، ولا تؤيده حجة ولا دليل. وهويكشف بوضوح عما يعتمل في صدور الشيعة من حقد دفين، وبغض شديد، وكراهية شنيعة لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ولأفضلهم على الإطلاق: اللذين أمرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن نقتدي بهما بعد موته.

أما عن عقيدة الشيعة في البراءة من الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما:

فإن البراءة منهما ومن عثمان ومعاوية رضي الله عنهم تعد من ضروريات مذهبهم، فمن لم يتبرأ منهم، فليس من مذهب الشيعة في شيء.

__________

(1) قرة العيون للكاشاني (ص:432 - 433).

(2) مقدمة البرهان للعاملي (ص:133).

قال المجلسي -مرجع الشيعة المعاصرين-:"ومن ضروريات دين الإمامية البراءة من أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ... " (1).

بل والبراءة منهم تعتبر عند الشيعة من أسباب ذهاب الأسقام وشفاء الأبدان (2).

ومن تبرأ منهم ومات في ليلته دخل الجنة: روى الكليني في كتابه الكافي (2/ 389) -الذي يعد أحد الأصول الأربعة المعتبرة عند الشيعة- بسنده عن أحدهما (3)، قال: "من قال: اللَّهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك المقرّبين، وحملة عرشك المصطفين أنك أنت الله لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم، وأن محمدًا عبدك ورسولك، وأن فلانًا إمامي ووليي (4) وأن أباه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي والحسن والحسين وفلانًا وفلانًا حتى ينتهي إليه (5) أوليائي، على ذلك أحيا، وعليه أموت، وعليه أبعث يوم القيامة، وأبرأ من فلان وفلان وفلان. فإن مات من ليلته دخل الجنة".

وفلان وفلان وفلان هم أبوبكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.

وليس الشيعة وحدهم الذين يلعنون الشيخين الجليلين: أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ويتبرءون منهما، بل هناك خلق آخر -على حد زعم الشيعة- خلقهم الله للعن الشيخين والتبرؤ منهما فقط.

فقد نسب الشيعة زورًا وبهتانًا إلى جعفر الصادق رحمه الله أنه قال: "إن من وراء عين شمسكم هذه أربعين عين شمس فيها خلق كثير، وإن من وراء قمركم أربعين قمرًا فيها خلق كثير، لا يدرون أن الله خلق آدم أم لم يخلقه، ألهموا إلهامًا لعنة فلان وفلان".

__________

(1) الاعتقادات للمجلسي (ق:17).

(2) إلزام الناصب للحائري (2/ 9).

(3) مصطلح يستعمله الشيعة ويريدون به أحد الإمامين: جعفر الصادق أوأباه الباقر.

(4) ويسمى إمام زمانه.

(5) أي: إلى إمام زمانه.

وفي رواية الكليني صاحب الكافي: "لم يعصوا الله طرفة عين، يبرءون من فلان وفلان" (1). وقد أورد رجب البرسي هذه الرواية وزاد على الشيخين عثمان بن عفان (2).

وقد علّق المجلسي على هذه الرواية بقوله: "من فلان وفلان، أي: من أبي بكر وعمر" (3).

وخلاصة القول: أن الشيعة الاثني عشرية مجمعون على لعن الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والتبرؤ منهما، بل ويوجبون ذلك كما تقدم آنفًا.

ولا ريب في مخالفة هذه الأقوال لما يعتقده أئمتهم في الشيخين رضي الله عنهما خصوصًا وفي الصحابة عمومًا، ولا شك أن ما نسبوه إلى أئمتهم من لعن الشيخين رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة والتبرؤ منهم؛ مكذوب على أولئك الأئمة رحمهم الله.

(انظر كتاب: أوجز الخطاب في بيان موقف الشيعة من الأصحاب للحسني).

ونحن نقول هنا كما قال إمامنا المفسر الكبير شيخ الإسلام الطاهر ابن عاشور رحمه الله: "قاتل الله الرافضة وقتلهم".

* ... * ... *

[الموضع الثاني]

__________

(1) رواه الصفار والكليني بسنديهما: بصائر الدرجات الكبرى للصفار (ص:51. - 513)، والروضة من الكافي للكليني (ص:347). وانظر الخرايج والجرايح للراوندي (ص:127)، ومختصر بصائر الدرجات لحسن الحلي (ص:12)، وقرة العيون للكاشاني (ص:433)، والبرهان للبحراني (1/ 48) (4/ 216)، ومرآة العقول شرح الروضة - للمجلسي (4/ 347).

(2) انظر: مشارق الأنوار لرجب البرسي (ص:42).

(3) مرآة العقول - شرح الروضة - للمجلسي (4/ 347).

قال رحمه الله (ص:139) من المجلد الأول، في معرض كلامه عن (البسملة) وخلاف أهل العلم في كونها آية من كل سورة: " ... قال الباقلاني: لوكانت التسمية من القرآن لكان طريق إثباتها إما التواتر أوالآحاد، والأول باطل؛ لأنه لوثبت بالتواتر كونها من القرآن لحصل العلم الضروري بذلك، ولامتنع وقوع الخلاف فيه بين الأمة، والثاني أيضًا باطل؛ لأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، فلوجعلناه طريقًا إلى إثبات القرآن لخرج القرآن عن كونه حجة يقينية، ولصار ذلك ظنيًا، ولوجاز ذلك لجاز ادعاء الروافض أن القرآن دخله الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف. اهـ ... إلى أن قال رحمه الله في نقل كلامٍ لعبدالوهاب: .. ولذلك قطعنا بمنع أن يكون شيء من القرآن لم ينقل إلينا، وأبطلنا قول الرافضة إن القرآن حِمْلُ جَملٍ عند الإمام المعصوم المنتظر، فلوكانت البسملة من الحمد لبينها رسول الله بيانًا شافيًا. اهـ".

وأقول هنا: يجب علينا حتى نَعِي ونفهم كلام هذا الإمام رحمه الله في موقف الشيعة من كتاب الله تعالى، أن نشير إلى بعض كلام علمائهم المعتبرين وعقيدتهم في القرآن الكريم ... وإليك هذا:

قال الشيخ المفيد: "إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وسلم باختلاف القرآن، وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان" (1).

وقال أبوالحسن العاملي: "اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها، أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من التغييرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيرًا من الكلمات والآيات" (2).

__________

(1) أوائل المقالات (ص:91).

(2) المقدمة الثانية لتفسير مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار (ص:36) وطبعت هذه كمقدمة لتفسير البرهان للبحراني.

وقال نعمة الله الجزائري: "إن تسليم تواتره عن الوحي الإلهي، وكون الكل قد نزل به الروح الأمين؛ يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة، بل المتواترة، الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلامًا، ومادةً، وإعرابًا، مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها" (1).

وقال محمد باقر المجلسي في معرض شرحه لحديث هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر ألف آية" قال عن هذا الحديث: "موثق" وأضاف: "ولا يخفى أن هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأسًا، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة، فكيف يثبتونها بالخبر؟ " (2) أي كيف يثبتون الإمامة بالخبر إذا طرحوا أخبار التحريف؟

وروى شيخهم محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالمفيد في كتاب الإرشاد (ص:365، الطبعة الثالثة، مؤسسة الأعلمي، بيروت:1979) عن أبي جعفر عليه السلام قال: "إذا قام قائم آل محمد ضرب فساطيط يعلم فيها القرآن على ما أنزل، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم؛ لأنه يخالف فيه التأليف".

وروى شيخهم النعماني في كتاب الغيبة (ص:318) عن علي عليه السلام قال: "كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلمون الناس القرآن كما أنزل، قلت -أي الراوي-: يا أمير المؤمنين! أوليس هوكما أنزل؟ فقال: لا. مُحي منه سبعون من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما ترك أبولهب إلا إزراء على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه عمه".

__________

(1) الأنوار النعمانية (ج:2) (ص:357).

(2) مرآة العقول (12/ 525).

وقال نعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية (2/ 36.): "روي في الأخبار أنهم عليهم السلام أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها، والعمل بأحكامه، حتى يظهر مولانا صاحب الزمان (المهدي) فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء، ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين عليه السلام، فيقرأ ويعمل بأحكامه".

ويصرح الفيض الكاشاني في تفسير الصافي (المقدمة السادسة:1/ 44 ط: الأولى 1979م، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت لبنان) بأن: "المستفاد من جميع الأخبار والروايات الواردة من طريق أهل البيت، أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، بل منه ما هوخلاف ما أنزل الله، ومنه ما هومغير محرف، وأنه حذف منه أشياء كثيرة، منها اسم علي عليه السلام في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد".

وذكر علي بن إبراهيم القمي في تفسيره (1) بأنه قد قرئت على أبي عبد الله عليه السلام هذه الآية: ((وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)) [الفرقان:74] فقال أبوعبد الله عليه السلام: "لقد سألوا الله عظيمًا أن يجعلهم للمتقين إمامًا، فقيل له: يابن رسول الله! كيف نزلت؟ فقال: إنما نزلت هكذا: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعل لنا من المتقين إمامًا) ".

__________

(1) تفسير القمي (1/ 36)، دار السرور، بيروت.

وقال أيضًا في تفسير القمي [(1/ 37) دار السرور بيروت]: "وأما ما هومحرف فهوقوله تعالى: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك في علي أنزله بعلمه والملائكة يشهدون). وقوله: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي وإن لم تفعل فما بلغت رسالته). وقوله: (إن الذين كفروا وظلموا آل محمد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم). وقوله: (وسيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم أي منقلب ينقلبون).وقوله: (ولوترى الذين ظلموا آل محمد حقهم في غمرات الموت) ".

ويقول نعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية (2/ 357 ط. تبريز إيران): "الأخبار المستفيضة المتواترة الصريحة على وقوع التحريف في القرآن".

ويورد محمد باقر المجلسي في مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول (12/ 525 - 526 ط:2 نشر دار الكتب الإسلامية طهران) ما رووه عن أبي عبد الله أنه قال: "إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر ألف آية".

ويعلق على هذه الرواية بقوله: "فالخبر صحيح، ولا يخفى أن هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة".

ويقول أبومنصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في كتابه المعروف الاحتجاج (1/ 225 - 228 ط. (1414) منشورات شركة الكتبي بيروت:1/ 371 ط: الأعلمي. بيروت ج:1 ص:249) "وليس يسوغ مع عموم التقية التصريح بأسماء المبدلين ولا الزيادة في آياته ... فحسبك من الجواب عن هذا الموضع ما سمعت؛ فإن شريعة التقية تحظر التصريح بأكثر منه".

ويقول الطبرسي في الاحتجاج [(1/ 377 - 378)، ط: الأعلمي بيروت 1/ 254)]: "ولوشرحت لك كل ما أُسقط وحرِّف وبُدِّل وما يجري هذا المجرى، لطال وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء".

ويقول أبوالحسن العاملي المولى محمد طاهر بن عبد الحميد بن موسى بن علي بن معتوق بن عبد الحميد العاملي النباطي الفتوني في مقدمة تفسير مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار [ص:36، ط: الأفتاب بطهران عام (1374هـ) منشوارت مؤسسة إسماعيليان بقم] ما نصه: "اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها؛ أن هذا القرآن الذي بين أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من التغييرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيرًا من الكلمات والآيات عما ذكر الموافق لما أنزله الله تعالى؛ ما جمعه علي عليه السلام وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن عليه السلام، وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم عليه السلام، وهواليوم عنده صلوات الله عليه".

هذه هي عقيدة الشيعة في كتاب الله تعالى الموصوف بأنه: ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)) [فصلت:42].

وأن الله تكفل بحفظه، فقال سبحانه: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9].

ولكن الشيعة اتبعوا غير سبيل المؤمنين ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وأعرضوا عنه بالكلية ... معتقدين أنه محرف زيد فيه وأنقص منه، وأن القرآن الكامل سيأتي به المهدي (المختبئ)! آخر الزمان، وأنه حِمْلُ جَمَل، يعني أضعاف قرآن المسلمين اليوم!!!

* ... * ... *

[الموضع الثالث]

قال رحمه الله (ص:46) من تفسيره الجزء الرابع من المجلد الثالث، عند تفسير قوله تعالى:

((يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)) [آل عمران:1.6].

" .. من العتبية قال: ما آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية: ((يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)) [آل عمران:1.6] قال مالك: إنما هذه لأهل القبلة. يعني أنها ليست للذين تفرقوا واختلفوا من الأمم قبلنا، بدليل قوله: ((أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)) [آل عمران:1.6] ورواه أبوغسان مالك الهروي عن مالك عن ابن عمر، وروي مثل هذا عن ابن عباس، وعلى هذا الوجه: فالمراد الذين أحدثوا بعد إيمانهم كفرًا بالردة أوبشنيع الأقوال التي تفضي إلى الكفر ونقض الشريعة، مثل الغرابية (1) من الشيعة الذين قالوا بأن النبوة لعلي، ومثل غلاة الإسماعيلية أتباع حمزة بن علي، وأتباع الحاكم العبيدي ... إلخ".

أقول: هكذا الشيعة محكوم على أقوالهم بأنها تُفضي إلى الكفر ونقض الشريعة، فقد غلوا فيمن جعلوهم (أئمة) لهم، ورفعوا درجتهم من البشرية إلى مرتبة الربوبية والإلهية، فصرفوا لهم العبادة من دون الله، وإليك بعض الأمثلة من كتاب واحد للشيعة لتعلم كيف أنهم يدعون أن الوحي ينزل على أئمتهم:

في كتاب بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار (ص:251):

(باب في أنهم -الأئمة- يخاطبون ويسمعون الصوت ويأتيهم صور أعظم من جبرئيل وميكائيل):

(1) حدثنا علي بن اسماعيل، عن محمد بن عمروالزيات، عن علي ابن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "إن منا لمن يعاين معاينة، وإن منا لمن ينقر في قلبه كيت وكيت، وإن منا لمن يسمع كما يقع السلسلة كله يقع في الطست، قال: قلت: فالذين يعاينون ما هم؟ قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل".

__________

(1) الغرابية: تقدم تعريفها (ص:39 - 4.) في فصل: أهم عقائدهم التي خالفوا فيها الإسلام وأهله.

(2) حدثنا محمد بن عيسى عن زياد القندي عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "قلت: كيف يزاد الإمام؟ فقال: منا من ينكت في أذنه نكتًا، ومنا من يقذف في قلبه قذفًا، ومنا من يخاطب".

(3) حدثنا بعض أصحابنا عن محمد بن حماد، عن أحمد بن رزين، عن الوليد الطائفي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إن منا لمن يوقر في قلبه، ومنا من يسمع بأذنه، ومنا من ينكت، وأفضل من يسمع".

(4) حدثنا أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن نعمان، عن يزيد بن إسحاق يلقب شعر، عن ابن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "إن منا لمن ينكت في أذنه، وإن منا لمن يؤتى في منامه، وإن منا لمن يسمع الصوت مثل صوت السلسلة يقع على الطست، وإن منا لمن يأتيه صورة أعظم من جبرئيل وميكائيل".

وغير هذا من الروايات والأعاجيب التي كذبوا فيها على أئمة أهل البيت عليهم السلام .. وخالفوا فيها كتاب الله تعالى، وصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم.

* ... * ... *

[الموضع الرابع]

قال رحمه الله في (ص:26.) من المجلد الرابع الجزء السادس عند قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)) [المائدة:67]: " ... وإذ قد كانت هذه الآية من آخر ما نزل من القرآن، علمنا أن من أهم مقاصدها أن الله أراد قطع تخرص من قد يزعمون أن الرسول قد استبقى شيئًا لم يبلغه، أوأنه قد خص بعض الناس بإبلاغ شيء من الوحي لم يبلغه للناس عامة. فهي أقطع آية لإبطال قول الرافضة بأن القرآن أكثر مما هوفي المصحف الذي جمعه أبوبكر ونسخه عثمان، وأن رسول الله اختص بكثير من القرآن علي بن أبي طالب، وأنه أورثه أبناءه، وأنه يبلغ وقر بعير، وأنه اليوم مختزن عند الإمام المعصوم الذي يلقبه بعض الشيعة بالمهدي المنتظر وبالوصي.

وكانت هذه الأوهام ألمت بأنفس بعض المتشيعين إلى علي رضي الله عنه في مدة حياته، فدعا ذلك بعض الناس إلى سؤاله عن ذلك. روى البخاري أن أبا جحيفة سأل عليًّا: (هل عندكم شيء ما ليس في القرآن وما ليس عند الناس؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما عندنا إلا ما في القرآن؛ إلا فهمًا يعطى رجل في كتاب الله، وما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر). وحديث مسروق عن عائشة الذي سنذكره ينبئ بأن هذا الهاجس قد ظهر بين العامة في زمانها. وقد يخص الرسول بعض الناس ببيان شيء من الأحكام ليس من القرآن المنزل إليه لحاجة دعت إلى تخصيصه، كما كتب إلى علي ببيان العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر؛ لأنه كان يومئذ قاضيًا باليمن ... إلخ).

أقول: راجع ما نقلناه في [الموضع الثاني] (ص:1.. - 1.6) من أقوال علماء الشيعة، وعقيدتهم في القرآن الكريم.

* ... * ... *

[الموضع الخامس]

قال رحمه الله (ص:311) من المجلد الرابع -الجزء السابع- عند قوله تعالى: ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الأنعام:74]: " ... قال الفخر: وقالت الشيعة: لا يكون أحد من آباء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجداده كافرًا. وأنكروا أن آزر أب لإبراهيم وإنما كان عمه. وأما أصحابنا فلم يلتزموا ذلك. قلت: هوكما قال الفخر من عدم التزام هذا، وقد بينت في رسالة لي في طهارة نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الكفر لا ينافي خلوص النسب النبوي خلوصًا جبليًا؛ لأن الخلوص المبحوث عنه هوالخلوص مما يتعير به في العادة".

أقول: ثبت عندنا أهل السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه) (1) وفيه بيان أن أبا طالب في النار.

ومن هذا الباب وبمساندة غلوالشيعة الكبير في الأئمة عندهم، فقد ادعوا إيمان أبي طالب والد الإمام علي رضي الله عنه، فقد روى الصدوق عن جابر قال: (قلت: يا رسول الله! إن الناس يقولون: إن أبا طالب مات كافرًا، قال: يا جابر! ربك أعلم بالغيب، إنه لما كانت الليلة التي أسري بي إلى السماء انتهيت إلى العرش، فرأيت أربعة أنوار فقيل لي: هذا عبدالمطلب، وهذا عمك أبوطالب، وهذا أبوك عبدالله، وهذا ابن عمك جعفر بن أبي طالب، فقلت: إلهي لم نالوا هذه الدرجة؟ قال: بكتمانهم الإيمان وإظهارهم الكفر حتى ماتوا على ذلك!!) (2).

فلم اعتقد الشيعة هذه العقيدة؟

يجيبك أحد عقلائهم! فيقول: (كيف عقلًا يكون إمامنا عليٌ أبوه كافر في النار، ومعاوية يسلم أبوه وهومن الأعداء؟!) هذا مبلغهم من العلم!

__________

(1) رواه مسلم (1/ 135).

(2) انظر: جامع الأخبار، نقلاً عن تنقيح المسائل (ص:14.).

وكذلك في كفر عمه (أبي لهب) دليل آخر على إمكانية وقوع ذلك، وكفر أبي لهب واقع باتفاق السنة والشيعة!

فلا أدري لم تكلف الشيعة اختلاق الأحاديث الموضوعة ولي عنق الآيات، لإثبات إيمان أبي طالب؛ ذريعة بتنزيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن أن يكون عمه كافرًا، مع أنهم أثبتوا ذلك في عمه أبي لهب!!

فلوكان كفر عمه أبي طالب منقصة، فالمنقصة واقعة بكفر عمه أبي لهب!

ولكن فعل الشيعة هذا ليس تنزيهًا للرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما المراد منه تنزيه علي رضي الله عنه عن أن يكون أبوه أبوطالب مشركًا، وهم الذين نعلم أنهم قد وصفوا عليًا رضي الله عنه بصفات لا يتصف بها إلا الخالق عز وجل.

والشيعة يرون أن القرابة كافية لدخول الإنسان الجنة، فأنكروا أن يكون آزر أبوإبراهيم في النار وكذلك أبوطالب .. حتى ألف بعض معاصريهم كتابه النشاز (أبوطالب مؤمن قريش) ودعا فيه لهذه العقيدة الفاسدة.

* ... * ... *

[الموضع السادس]

قال رحمه الله في (ص:16) من المجلد الحادي عشر-الجزء الثاني والعشرون-عند تفسير قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33]: " ... وقد تلقف الشيعة حديث الكساء، فغصبوا وصف أهل البيت وقصروه على فاطمة وزوجها وابنيهما عليهم الرضوان، وزعموا أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لسن من أهل البيت. وهذه مصادمة للقرآن بجعل هذه الآية حشوًا بين ما خوطب به أزواج النبي. وليس في لفظ حديث الكساء ما يقتضي قصر هذا الوصف على أهل الكساء؛ إذ ليس في قوله: (هؤلاء أهل بيتي) صيغة قصر، وهوكقوله تعالى: ((إن هؤلاء ضيفي)) [الحجر:68] ليس معناه ليس لي ضيف غيرهم، وهويقتضي أن تكون هذه الآية مبتورة عما قبلها وما بعدها.

ويظهر أن هذا التوهم من زمن عصر التابعين وأن منشأه قراءة هذه الآية على الألسن دون اتصال بينها وبين ما قبلها وما بعدها، ويدل لذلك ما رواه المفسرون عن عكرمة أنه قال: من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه قال أيضًا: ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هونساء النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يصرخ بذلك في السوق. وحديث عمر بن أبي سلمة صريح في أن الآية نزلت قبل أن يدعوالنبي الدعوة لأهل الكساء، وأنها نزلت في بيت أم سلمة.

وأما ما وقع من قول عمر بن أبي سلمة أن أم سلمة قالت: (وأنا معهم يا رسول الله ? فقال: أنت على مكانك وأنت على خير)؛ فقد وهم فيه الشيعة فظنوا أنه منعها من أن تكون من أهل بيته، وهذه جهالة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد ما سألته من الحاصل؛ لأن الآية نزلت فيها وفي ضرائرها فليست هي بحاجة إلى إلحاقها بهم، فالدعاء لها بأن يذهب الله عنها الرجس ويطهرها دعاء بتحصيل أمر حصل، وهومناف لآداب الدعاء كما حرره شهاب الدين القرافي في الفرق بين الدعاء المأذون فيه والدعاء الممنوع منه، فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم تعليمًا لها. وقد وقع في بعض الروايات أنه قال لأم سلمة: (إنك من أزواج النبي). وهذا أوضح في المراد بقوله: (إنك على خير) ".

وأقول: رحم الله العلامة الكبير، شيخ الإسلام الطاهر ابن عاشور فقد بين بالحجّة والبرهان، والعلم الدقيق، والمعرفة الثاقبة بتفسير آي الكتاب، وردّ أقوال المبطلين أعداء النبي صلى الله عليه وسلم والطاعنين في أزواجه الكرام المطهرات، من الشيعة الذين ما فتئوا يقدحون في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهم بهذا يؤذونه أشد الإيذاء، والله سبحانه وتعالى يقول:

((الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [النور:26].

طعن الشيعة في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

وإلى معتقد الشيعة في أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم الطاهرات المطهرات رضي الله عنهن، وحيث إن المطاعن التي وجهها الشيعة إلى عائشة رضي الله عنها أكثر من غيرها فسأقتصر على نماذج منها ..

وإذا كان هذا قولهم في عائشة أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه، فما بالك بغيرها رضي الله عنهن أجمعين؟ فمنها:

أولاً: ادعاء الشيعة كفرها وعدم إيمانها، وزعمهم أنها من أهل النار:

أسند العياشي -وهومن علماء الشيعة- إلى جعفر الصادق - زورًا وبهتانًا- في تفسير قوله تعالى: ((وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً)) [النحل:92]، قال: "التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا: عائشة، هي نكثت إيمانها" (1).

__________

(1) تفسير العياشي (2/ 269)، وانظر: البرهان للبحراني (2/ 383) وبحار الأنوار للمجلسي (7/ 454).

وتبدوالنزعة الباطنية في هذا التفسير جلية، فالشيعة قد نحوا منحى التأويل الباطني، بتحريفهم معنى نقض الغزل إلى نقض الإيمان، وزعمهم أن التي نقضت غزلها -أي إيمانها على حد قولهم- هي عائشة رضي الله عنها، بينما إجماع المفسرين على عكس ذلك، فإنهم أجمعوا على أن المرأة التي نقضت غزلها امرأة خرقاء في أهل الجاهلية تسمى: ريطة، كانت تغزل هي وجوارٍ لها من الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن. وكانت معروفة عندهم، فضربها الله مثلًا لهم ألا يتشبهوا بها فينقضوا العهود من بعد توكيدها، فشبه نقض العهود بنقض الغزل. ولم يقل أحد منهم إن المرأة المعنية بهذه الآية هي الصديقة عائشة رضي الله عنها، ولم يؤول واحد منهم نقض الغزل بنقض الإيمان، ولم يشبه به (1).

وزعم الشيعة أيضًا أن لعائشة رضي الله عنها بابًا من أبواب النار تدخل منه:

فقد أسند العياشي إلى جعفر الصادق -رحمه الله، وحاشاه مما نسبه الشيعة إليه- أنه قال في تفسير قوله تعالى حكاية عن النار: ((لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ)) [الحجر:44]: "يؤتى بجهنم لها سبعة أبواب ... والباب السادس لعسكر ... إلخ" (2).

وعسكر كناية عن عائشة رضي الله عنها، كما زعم ذلك المجلسي (3).

ووجه الكناية عن اسمها بعسكر، كونها كانت تركب جملًا -في موقعة الجمل- يقال له عسكر. كما ذكر ذلك المجلسي أيضًا.

ولم يكتف الشيعة بذلك، بل لقبوا عائشة في كتبهم بـ (أم الشرور) (4)، وبـ (الشيطانة) (5).

__________

(1) انظر: تفسير ابن كثير (2/ 583 - 584)، وفتح القدير للشوكاني (3/ 19.)، وروح المعاني للألوسي (14/ 221 - 222).

(2) تفسير العياشي (2/ 243)، وانظر: البرهان للبحراني (2/ 345)، وبحار الأنوار للمجلسي (4/ 378، 8/ 22.).

(3) بحار الأنوار للمجلسي (4/ 378، 8/ 22.).

(4) الصراط المستقيم للبياضي (3/ 161).

(5) المصدر نفسه (3/ 135).

وزعموا أنها كانت تكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)، وأن لقبها (حميراء) من الألقاب التي يبغضها الله تعالى (2).

فعائشة رضي الله عنها إذًا كافرة عند الشيعة، وليست من أهل الإيمان، وهي عندهم من أهل النار.

ومعلوم أن الشيعة يوجهون هذه المطاعن المفتراة المجردة عن الدليل إلى أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا يحب إلا طيبًا، والكافر خبيث ولا يحب، فكيف تتفق مزاعم الشيعة مع ما تواتر -تواترًا معنويًا- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حبه لعائشة الصديقة رضي الله عنها؟!

أخرج أحمد وأبوحاتم وغيرهما بأسانيدهم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه دخل على عائشة وهي تموت، فقال لها: "كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يكن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا طيبًا" (3).

وسمع عمار بن ياسر رضي الله عنهما رجلًا ينال من عائشة رضي الله عنها، فزجره ووبخه وقال له: "اغرب مقبوحًا منبوحًا، أتؤذي حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم " (4) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن.

وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحبُّ الناس إليك؟ فقال: عائشة) (5).

ثم الشيعة بعد هذا كله يزعمون أنها كانت كافرة! حاشاها بل هي من أفضل المؤمنين وعباد الله الصالحين.

__________

(1) الخصال للصدوق (1/ 19.).

(2) الأصول من الكافي للكليني (1/ 247).

(3) راجع السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين للمحب الطبري (ص:3.).

(4) جامع الترمذي (5/ 7.7) المناقب باب فضل عائشة رضي الله عنها.

(5) صحيح البخاري (5/ 68) ك. الفضائل باب فضائل أبي بكر.

وقد فضلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على سائر النساء بقوله: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) (1).

ويتناقض ما زعمه الشيعة عن عائشة بكونها من أهل النار مع ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بشارته لها بالجنة بقوله: (لقد رأيت عائشة في الجنة؛ كأني أنظر إلى بياض كفيها ليهون بذلك علي عند موتي) (2).

ويتناقض أيضًا مع ما ثبت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، من قوله عنها رضي الله عنها: (إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة) (3).

فالشيعة بعد هذه الأدلة الواضحة الصريحة قد خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالفوا من زعموا أنه إمام لهم -علي بن أبي طالب رضي الله عنه - وزعموا أن عائشة رضي الله عنها كافرة، وأنها من أهل النار، حاشاها من ذلك.

بل هي مؤمنة طاهرة، من أهل الفردوس الأعلى في الجنة مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثانيًا: الشيعة الإثنا عشرية ينسبون الصديقة بنت الصديق المبرَّأة من فوق سبع سموات إلى الفاحشة:

لما رمى رأس النفاق عبدالله بن أبي ابن سلول الصديقة الطاهرة عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه، غضب الله جلَّ وعلا لانتهاك حرمة نبيه فنفى التهمة عن الصديقة، وأنزل في تبرئتها من فوق سبع سموات آيات حَوَتْ الوعيد الشديد في الدنيا، والتوعد بالعذاب العظيم في الآخرة.

__________

(1) أخرجه البخاري (6/ 34.) ك. الأنبياء باب قول الله تعالى: ((وَإِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)) [آل عمران:42].

(2) مسند أحمد (6/ 138)، وفضائل الصحابة له (2/ 871)، وطبقات ابن سعد (8/ 65)، وانظر: السمط الثمين للمحب الطبري (ص:29).

(3) تاريخ الطبري (5/ 225).

ولوفتّشت في آيات القرآن، وتأمّلت الآيات التي أوعد الله العصاة؛ لما رأيته غلّظ في عقوبة شيء تغليظه في عقوبة من رمى الصديقة عائشة رضي الله عنها بالإفك، فالآيات والقوارع مشحونة بالوعيد الشديد، والزجر العنيف، واستعظام ما جاء به رأس النفاق ومن رددوا قوله من الإفك، واستفظاع ما أقدموا عليه من التلقي بالألسنة والقول بالأفواه، يحسبونه هينًا وهوعند الله عظيم، فجعل القَذَفَةَ ملعونين في الدنيا والآخرة، وتوعدهم بالعذاب الشديد في الآخرة، وأخبر أن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ستشهد عليهم بإفكهم وبهتانهم، وهذا ليس ظلمًا لهم، بل هوجزاؤهم الحق الذي هم أهله؛ بسبب خوضهم في عرض نبيه، وتكلمهم على زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنبيهًا لهم على علومنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنافة محله صلوات الله وسلامه علبه.

وقد انتهى ذلك الإفك بجلد الخائضين فيه، وتوبتهم، واعتذارهم إلى نبيهم وزوجه الطاهرة العفيفة.

وبعد ذلك بقرون أحدث الشيعة إفكًا آخر اتهموا به العفيفة الطاهرة في عرضها مرة أخرى، ولم يحاسبهم أحد إلا الله؛ فإنه مطلع عليهم، وهويدافع عن رسوله وحبيبه، ويذب عن عرض خليله صلى الله عليه وسلم.

فقد زعم الشيعة أن قوله تعالى: ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)) [التحريم:1.] مثل ضربه الله لعائشة وحفصة رضي الله عنهما.

وقد فسر بعضهم الخيانة بارتكاب الفاحشة -والعياذ بالله تعالى-.

قال القمي في تفسير هذه الآية: "والله ما عنى بقوله: (فخانتاهما) إلا الفاحشة (1) وليقيمن الحد على (عائشة) (2) فيما أتت في طريق (البصرة) (3) وكان طلحة (4) يحبها، فلما أرادت أن تخرج إلى (البصرة) (5) قال لها فلان: لا يحل لك أن تخرجي من غير محرم، فزوّجت نفسها من (طلحة) " (6).

ووجه إقامة الحد عليها -على حد زعم الشيعة-: كونها زوّجت نفسها من آخر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع حرمة ذلك، فالله تعالى قد حرم نكاح أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من بعده أبدًا.

فمن هي التي ارتكبت الفاحشة وتزوجت من طلحة من بين زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في طريقها إلى البصرة -كما زعم الشيعة-؟

المثل مضروب لعائشة وحفصة معًا -على حد زعم الشيعة المتقدم-.

وحفصة لم تخرج إلى البصرة، والتي خرجت هي عائشة رضي الله عنها بإجماع الشيعة، فهي إذًا التي يقام عليها الحد -كما زعم الشيعة- لتزويجها نفسها من طلحة مع حرمة ذلك عليها.

ولا بد أن يقام هذا الحد عند رجعة الأئمة وأعدائهم، حسب معتقد الشيعة الباطل في ذلك.

__________

(1) وليس هذا القول بدعاً من القمي، فقد سبقه إليه الكليني -شيخ الإسلام عند الشيعة، ومرجعهم- ونسبه إلى أبي جعفر الباقر (راجع البرهان للبحراني 4/ 358 - 375).

(2) عند القمي فلانة بدل عائشة، وهذا من باب التقية، وقد صرح غيره باسمها فكشف ما حظرت التقية كشفه بزعمهم.

(3) في الطبعة الحديثة ( ... ).

(4) في نسخة أخرى: فلان بدل طلحة، وهومن التقية كما أسلفنا.

(5) في الطبعة الحديثة ( ... ).

(6) في نسخة أخرى فلان بدل طلحة .. تفسير القمي ط حجرية (ص:341)، ط حديثة (2/ 377)، وانظر: البرهان للبحراني (4/ 358)، وتفسير عبدالله شبر (ص:338) وقد ساقاها موضحة كما أثبتها في المتن.

ومما يؤكد أن الشيعة الذين لم يذكروا اسم (عائشة) صراحة، عنوا بـ (فلانة) عائشة رضي الله عنها -مع أن الاخرين ذكروا اسمها صريحًا كما تقدم- ما رواه الشيعة في كتبهم من المزاعم المكذوبة التي جاء فيها: "أنه لما نزل قول الله تعالى: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)) [الأحزاب:6]، وحرّم الله نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين غضب طلحة، فقال: يحرِّم محمد علينا نساءه ويتزوج هوبنسائنا، لئن أمات الله محمدًا لنركضنّ بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا -وفي رواية أخرى ذكروها: لأتزوجن عائشة" (1) -وفي رواية ثالثة- "وكان طلحة يريد عائشة" (2)، فأنزل الله تعالى: ((وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً)) [الأحزاب:53].

__________

(1) تفسير القمي ط. حجرية (ص:29.)، ط. حديثة (2/ 195 - 196) ومؤتمر علماء بغداد لمقاتل بن عطية (ص:38)، والشافي للمرتضى (ص:258)، والطرائف لابن طاوس (ص:492 - 493)، والصراط المستقيم للبياضي (3/ 23 - 35)، ومنار الهدى لعلي البحراني (ص:452)، ونفحات اللاهوت للكركي (ق:36/ب)، وتفسير الصافي للكاشاني (2/ 363)، والبرهان للبحراني (3/ 333 - 334) وإحقاق الحق للتستري (ص:26. - 261)، وفصل الخطاب للنوري الطبرسي (ص:58)، وعقائد الإمامية للزنجاني (3/ 56) وسيرة الأئمة الاثني عشر لهاشم الحسيني (1/ 381)، والشيعة والحاكمون لمحمد جواد مغنية (ص:36).

(2) الطرائف لابن طاوس (ص:492 - 493)، ونفحات اللاهوت للكركي (ق:36/ب)، وفصل الخطاب للنوري الطبرسي (ص:58).

ولم يكتف الشيعة بهذا، بل نسبوا إليه أقوالًا في غاية الخسة والبذاءة، وقد ترددت في ذكرها، وهممت أن لا أكتبها، لولا ما ألزمت به نفسي من إعطاء صورة واضحة مختصرة عن نظرة الشيعة إلى الصحاية رضي الله عنهم، لذا فإني أذكر بعضها، وأعرض عن بعضها الآخر:

ذكر رجب البرسي -وهومن علمائهم- أن عائشة جمعت أربعين دينارًا من خيانة وفرّقتها على مبغضي علي (1).

وذكر أحمد بن علي الطبرسي -وهومن علمائهم أيضًا- أن عائشة "زينت يومًا جاريةً كانت، وقالت: لعلنا نصطاد شابًا من شباب قريش بأن يكون مشغوفًا بها" (2).

فقاتلهم الله كيف حفظوا النبي صلى الله عليه وسلم في زوجته وأحب الناس إليه! لقد رموها بأشد مما رماها به رأس المنافقين وأتباعه زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مناقشة هذه المفتريات:

لا يشك عاقل أن هذه المزاعم الشيعية من البهتان المبين والإفك المفترى، فالله سبحانه وتعالى لم يضرب امرأة نوح وامرأة لوط مثلًا لعائشة وحفصة رضي الله عنهما، بل هومثل مضروب للذين كفروا مطلقًا، كما قال الله تعالى في رأس الآية: ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ)) [التحريم:1.]، والشيعة لما كانوا يحقدون على عائشة وحفصة رضي الله عنهما ويعتقدون كفرهما، قصروا المثل المضروب عليهما وخصوبهما.

ولم يقل أحد من مفسري أهل السنة أن الخيانة من امرأة نوح وامرأة لوط هي الوقوع في الفاحشة، وإنما أولوها بأنها الخيانة في الدين (3).

__________

(1) مشارق أنوار اليقين لرجب البرسي (ص:86).

(2) احتجاج الطبرسي (ص:82).

(3) راجع: جامع البيان للطبري (28/ 169 - 171)، وتفسير ابن كثير (4/ 393)، وفتح القدير للشوكاني (5/ 255 - 256)، وقد أوّلها بعض الشيعة بذلك كالبياضي في الصراط المستقيم (3/ 165 - 166)، والكاشاني في تفسير الصافي (2/ 72.).

وفي ذلك يقول حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "ما زنتا؛ أما خيانة امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه". وتبعه على ذلك جميع المفسرين (1).

والقصة التي افتراها الشيعة لا شك في كذبها، وقد وقع واضعها في أخطاء تدل على كذبها، منها: ادعاؤه أن عائشة خرجت دون محرم، ولما أُخبرت أنه لا يجوز أن تخرج بغير محرم زوّجت نفسها من طلحة -على حد زعمهم-.

ودعوى أنها خرجت بغير محرم يبطلها ما أجمع عليه أهل السنة وجمهور الشيعة من أن ابن أختها عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما كان معها وفي عسكرها، وما رواه الشيعة من أنه -أي ابن أختها- عبدالله هوالذي حرّضها على المسير إلى البصرة، وحرّض أباه على محاربة علي رضي الله عنه، وعندما عزم أبوه على الإقلاع عن حربه لما التقيا في البصرة، أخذ يلح عليه حتى عاد إلى حربه، وهذه كلها مزاعم ذكرها الشيعة في كتبهم (2).

فكيف يقال: إنها خرجت من غير محرم، وعبدالله بن الزبير ابن أختها هومحرمها؟

__________

(1) راجع: جامع البيان للطبري (28/ 169 - 171)، وتفسير ابن كثير (4/ 393)، وفتح القدير للشوكاني (5/ 255 - 256) وغيرها من تفاسير أهل السنة فكلها أجمعت على ذلك.

(2) الاختصاص للمفيد (ص:119)، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (2/ 167 - 17.، 4/ 48.، 482 - 483)، وأحاديث أم المؤمنين عائشة لمرتضى العسكري (1/ 227، 268 - 269).

لاشك أن قول الله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً)) [الأحزاب:57] وقوله جل وعلا: ((وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً)) [الأحزاب:58]، منطبق على من قذفها؛ لأن في قذفها من حيث كونها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذاءً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقذفها من حيث كونها مؤمنة غافلة إيذاء لها، ولمن اتهموه بها رضي الله عنهما وأرضاهما.

وينبغي أن يعلم أن سب عائشة رضي الله عنها بما برّأها الله منه يعتبر مروقًا من الدين -حسبما تقرر في القواعد الشرعية- وسابها كافر، وعلى هذا إجماع علماء المسلمين، مستدلين بقوله تعالى: ((يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) [النور:17]، وبغيرها من آيات الكتاب الحكيم.

قال القاضي أبويعلى: "من قذف عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه كفر بلا خلاف" (1).

و"روي عن محمد بن زيد بن علي بن الحسين أخي الحسن بن زيد أنه لما قدم عليه رجل من العراق فذكر عائشة بسوء، فقام إليه بعمود فضرب به دماغه فقتله، فقيل له: هذا من شيعتنا ومن بني الآباء! فقال: هذا سمى جدي (يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم) قرنان، ومن سمى جدي قرنان استحق القتل" (2).

__________

(1) نقله عنه ابن تيمية في الصارم المسلول (ص:571).

(2) ذكرها ابن تيمية في الصارم المسلول (ص:566 - 567).

وروي عن أخيه الحسن بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: "أنه كان بحضرته رجل، فذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام! اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله! هذا رجل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الله تعالى: ((الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ)) [النور:26] فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي صلى الله عليه وسلم خبيث، فهوكافر فاضربوا عنقه. فضربوا عنقه وأنا حاضر-على حد قول الراوي-" (1).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن رمى عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه فقد مرق من الدين .. " (2).

وقال ابن حجر الهيتمي بعد ما ذكر حديث الإفك: "عُلم من حديث الإفك أن من نسب عائشة إلى الزنا كان كافرًا، وقد صرح بذلك أئمتنا وغيرهم؛ لأن في ذلك تكذيبًا للنصوص القرآنية، ومُكِّذبها كافر بإجماع المسلمين، وبه يعلم القطع بكفر كثيرين من غلاة الروافض، لأنهم ينسبونها إلى ذلك، قاتلهم الله أنى يؤفكون" (3).

وقال الشيخ محمد بن سليمان التميمي حاكيًا عن عائشة رضي الله عنها: "والحاصل أن قذفها كيفما كان يوجب تكذيب الله تعالى في إخباره عن تبرئتها عما يقول القاذف فيها" (4).

ويقول في موضع آخر: "ومن كذّب الله فقد كفر" (5).

__________

(1) المصدر السابق: (ص:566).

(2) المصدر السابق (ص:568).

(3) الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي (ص:1.1).

(4) رسالة في الرد على الرافضة لمحمد التميمي (ص:24 - 25).

(5) المصدر نفسه.

ونقل قول بعض أهل البيت في ذلك: "وأما قذفها الآن فهوكفر وارتداد، ولا يكفي فيه الجلد؛ لأنه تكذيب لسبع عشرة آية في كتاب الله كما مر، فيقتل ردة ... ومن يقذف الطاهرة الطيبة أم المؤمنين زوجة رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة كما صح ذلك عنه، فهومن ضرْبِ عبدالله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين .. " (1).

وأقوال علماء المسلمين كثيرة في هذا الباب، وكلها متضافرة في كفر من رمى الصديقة بما برأها الله منه، أونسبها إلى الفاحشة -عياذًا بالله- متبعين لكتاب ربهم الذي قرر أن الطيبين للطيبات والخبيثين للخبيثات، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم التي دلّت دلالة قطعية على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الصديقة الطيبة عائشة حبًّا لم يساوبها فيه أحدًا من الناس، وكان صلى الله عليه وسلم لا يحب إلا طيبًا.

(انظر كتاب: أوجز الخطاب في بيان موقف الشيعة من الأصحاب للحسني).

ولعلك أخي القارئ الكريم تعذرني فيما نقلت لك مما صكّ مسامعك وكاد أن يُعمي بصرك، ووالله وبالله وتالله لولا أخذي على نفسي عهدًا في بيان موقفهم المخزي تجاه أمهاتنا أمهات المؤمنين زوجات النبي الكريم، لما نقلت لك ما يكاد المسلم أن يستفرغ منه؛ من هذا الكلام الذي يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهله رضي الله عنهم. وأستغفر الله وأتوب إليه.

* ... * ... *

[الموضع السابع]

قال رحمه الله في (ص:45 - 47) من المجلد الحادي عشر-الجزء الثاني والعشرون- عند تفسير قوله تعالى: ((مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)) [الأحزاب:4.].

__________

(1) المصدر نفسه.

" ... ولذلك لا يتردد مسلم في تكفير من يثبت نبوة لأحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم وفي إخراجه من حظيرة الإسلام، ولا تعرف طائفة من المسلمين أقدمت على ذلك إلا البابية والبهائية وهما نحلتان مشتقة ثانيتهما من الأولى. وكان ظهور الفرقة الأولى في بلاد فارس في حدود سنة مائتين وألف وتسربت إلى العراق، وكان القائم بها رجلًا من أهل شيراز يدعوه أتباعه السيد علي محمد، كذا اشتهر اسمه، كان في أول أمره من غلاة الشيعة الإمامية، أخذ عن رجل من المتصوفين اسمه الشيخ أحمد زين الدين الأحسائي الذي كان ينتحل التصوف بالطريقة الباطنية، وهي الطريقة المتلقاة عن الحلاج. وكانت طريقته تعرف بالشيخية، ولما أظهر نحلته علي محمد هذا؛ لقَّب نفسه باب العلم فغلب عليه اسم الباب، وعرفت نحلته بالبابية، وادعى لنفسه النبوة، وزعم أنه أوحي إليه بكتاب اسمه البيان، وأن القرآن أشار إليه بقوله تعالى: ((خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)) [الرحمن:3 - 4].

وكتاب البيان مؤلف بالعربية الضعيفة، ومخلوط بالفارسية. وقد حكم عليه بالقتل سنة: (1266هـ) في تبريز.

وأما البهائية فهي شعبة من البابية تُنسب إلى مؤسسها الملقب ببهاء الله، واسمه: ميرزا حسين علي، من أهل طهران، تتلمذ للباب بالمكاتبة، وأخرجته حكومة شاه العجم إلى بغداد بعد قتل الباب، ثم نقلته الدولة العثمانية من بغداد إلى أدرنة ثم إلى عكَّا، وفيما ظهرت نحلته وهم يعتقدون نبوة الباب، وقد التف حوله أصحاب نحلة البابية وجعلوه ليفة الباب، فقام اسم البهائية مقام اسم البابية، فالبهائية هم البابية.

وقد كان البهاء بنى بناء في جبل الكرمل ليجعله مدفنًا لرفات الباب، وآل أمره إلى أن سجنته السلطنة العثمانية في سجن عكا، فلبث في السجن سبع سنوات ولم يطلق من السجن إلا عند ما أعلن الدستور التركي، فكان في عداد المساجين السياسيين الذين أطلقوا يومئذ، فرحل منتقلًا في أوربا وأمريكا مدة عامين ثم عامين، ثم عاد إلى حيفا فاستقر بها إلى أن توفي سنة: (134.هـ)، وبعد موته نشأ شقاق بين أبنائه وإخوته، فتفرقوا في الزعامة وتضاءلت نحلتهم.

فمن كان من المسلمين متبعًا للبهائية أوالبابية، فهوخارج عن الإسلام مرتد عن دينه تجري عليه أحكام المرتد. ولا يرث مسلمًا ويرثه جماعة المسلمين، ولا ينفعهم قولهم: إنا مسلمون ولا نطقهم بكلمة الشهادة؛ لأنهم يثبتون الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم قالوا بمجيء رسول من بعده. ونحن كفرنا الغرابية من الشيعة لقولهم: بأن جبريل أرسل إلى علي ولكنه شُبِّه له محمد بعلي، إذ كان أحدهما أشبه بالآخر من الغراب بالغراب -وكذبوا- فبلغ الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فهم أثبتوا الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم ولكنهم زعموه غير المعين من عند الله.

وتشبه طقوس البهائية طقوس الماسونية، إلا أن البهائية تنتسب إلى التلقي من الوحي الإلهي، فبذلك فارقت الماسونية وعدت في الأديان والملل ولم تعد في الأحزاب".

وأقول: رحم الله شيخ الإسلام ابن عاشور ما أبدع فكره، وأثقب رأيه، وأبعد نظره، وأغير حميته على دين الإسلام .. تأمل أخي كُليماته لتجد كيف أنه يدافع عن الإسلام الدين الحق أمام كل شاغب عليه، بين مقلٍ من الكفر والزندقة ومستكثر! فهورحمه الله يبين هنا بأوجز عبارة وأمتن قول بأن ما ظهر من الأقوال الإلحادية والمذاهب المتزندقة في هذه الأزمنة المتأخرة، إنما هي من رحِم التشيع خرجت .. فالبابية والبهائية والشيخية ملل كافرة خارجة عن الإسلام وهومنها براء.

وحكم رحمه الله على من كان من المسلمين متبعًا للبهائية أوالبابية، فهوخارج عن الإسلام مرتد عن دينه، تجري عليه أحكام المرتد، ولا يرث مسلمًا ويرثه جماعة المسلمين.

بل ولا ينفعهم قولهم: (إنا مسلمون) ولاينفعهم (نطقهم بكلمة الشهادة) لأنهم بعدها يحملون الزندقة والردة والإلحاد في دين الله.

* ... * ... *

[الموضع الثامن]

قال رحمه الله في (ص:1.3) من المجلد الحادي عشر-الجزء الثاني والعشرون-عند تفسير قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [الأحزاب:56].

" ... وأما التسليم في الغيبة فمقصور عليه وعلى الأنبياء والملائكة لا يشركهم فيه غيرهم من عباد الله الصالحين؛ لقوله تعالى: ((سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ)) [الصافات:79] وقوله: ((سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ)) [الصافات:13.] .. ((سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ)) [الصافات:12.] ((سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ)) [الصافات:1.9].

وأنه يجوز إتباع آلهم وأصحابهم وصالحي المؤمنين إياهم في ذلك دون استقلال. هذا الذي استقر عليه اصطلاح أهل السنة، ولم يقصدوا بذلك تحريمًا؛ ولكنه اصطلاح وتمييز لمراتب رجال الدين، كما قصروا الرضى على الأصحاب وأئمة الدين، وقصروا كلمات الإجلال نحو: تبارك وتعالى، وجل جلاله، على الخالق دون الأنبياء والرسل.

وأما الشيعة فإنهم يذكرون التسليم على علي وفاطمة وآلهما، وهومخالف لعمل السلف، فلا ينبغي اتباعهم فيه؛ لأنهم قصدوا به الغض من الخلفاء والصحابة".

أقول: نعم. إن هذا المقصد الخبيث هوخِبْءُ هؤلاء الشيعة، وهوالغض من خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وهم الثلاثة بعده: أبوبكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين وكذا جميع الصحابة إلا من استثنوه بهواهم ... وحتى لا تعجل على العلامة الكبير ابن عاشور دونك عقيدة هؤلاء الشيعة في الصحابة رضي الله عنهم أجمعين:

أولاً: دعوى الشيعة الاثني عشرية ارتداد الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا يرتاب مسلم صادق في إسلامه في سمومنزلة الصحابة وفضلهم ورفعة شأنهم، فهم قوم اختصهم الله تبارك وتعالى لصحبة أفضل رسله محمد صلى الله عليه وسلم، فصدقوه وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي جاء به، فتلقوه عذبًا زلالًا، وسائغًا فراتًا من مشكاة النبوة، وأخلصوا دينهم لله، وبذلوا في سبيله المهج والأرواح، والغالي والنفيس، والأموال والأولاد، فشادوا بنيانه، وأكملوا صَرْحه، وفتحوا البلاد، وهدوا العباد، فكانوا بذلك أهلًا لرضوان الله ومحبته ورحمته وجنته؛ فكانوا خير أمة أخرجت للناس وخير القرون.

ثم الشيعة الاثنا عشرية بعدما تبين لهم فضل أولئك الصحب الأبرار والخيرة الأطهار، يزعمون أن هؤلاء الكرام البررة رضي الله عنهم قد ارتدوا جميعًا على أدبارهم القهقرى، إلا نفرًا يسيرًا منهم رجحوا أنهم ثلاثة: وهم سلمان وأبوذر والمقداد، استثنوهم من عداد من ارتد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال التستري -من كبار علمائهم-:"كما جاء موسى للهداية وهدى خلقًا كثيرًا من بني إسرائيل وغيرهم، فارتدوا في أيام حياته ولم يبق فيهم أحد على إيمانه سوى هارون (ع)؛ كذلك جاء محمد صلى الله عليه وسلم وهدى خلقًا كثيرًا لكنهم بعد وفاته ارتدوا على أعقابهم" (1).

__________

(1) إحقاق الحق للتستري (ص:316).

ولئن سألت الشيعة أدلة جلية ألجأتهم إلى هذا القول؛ لرأيتهم قد افتروا أقوالًا ونسبوها -زورًا وبهتانًا- إلى من يدَّعون أنهم أئمة لهم، أمثال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وغيرهم.

فمن الأقوال التي نسبوها إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "أن الناس كلهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أربعة" (1) فزادوا عمار بن ياسر رضي الله عنه على الثلاثة السابقين.

ومن الأقوال التي نسبوها إلى محمد بن علي الباقر رحمه الله: "كان الناس أهل ردة بعد النبي إلا ثلاثة" (2) و"ارتد الناس إلا ثلاثة نفر" (3).

وقد وصف الشيعة أسانيد هذه الروايات بأنها معتبرة (4).

وهناك روايات أخرى مكذوبة ملأ الشيعة بها كتبهم ونسبوها -كذبًا وبهتانًا- إلى عدد من أئمتهم (5).

ولا ريب أن هؤلاء الأئمة الطيبين بريئون من ذلك، وما نسبه إليهم الشيعة هومحض إفك مفترى، والحق أنه قد كُذب على أئمة أهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم أكثر مما كُذب على غيرهم، حتى شكا الأئمة -وعلى رأسهم جعفر الصادق- من ذلك.

__________

(1) انظر: السقيفة لسليم بن قيس (ص:92)، والأنوار النعمانية للجزائري (1/ 81).

(2) روضة الكافي للكليني (ص:115)، وتفسير العياشي (1/ 199)، واختيار معرفة الرجال (ص:6 - 8 - 11)، وانظر: علم اليقين للكاشاني (1/ 743 - 744)، وتفسير الصافي له (1/ 148 - 3.5)، وقرة العيون له (ص:426)، والبرهان للبحراني (1/ 319)، وبحار الأنوار للمجلسي (6/ 749)، وحياة القلوب له (2/ 837)، والدرجات الرفيعة للشيرازي (ص:223)، وحق اليقين لعبدالله شبر (1/ 218 - 219).

(3) المصادر السابقة نفسها.

(4) انظر: تفسير الصافي للكاشاني (1/ 148)، وقرة العيون له (ص:426)، وحق اليقين لشبر (1/ 218).

(5) راجع في ذلك كتابي: موقف الشيعة الإثني عشرية من الصحابة رضي الله عنهم.

وقد بين الإمام جعفر بن محمد الصادق رحمه الله -إمام الشيعة السادس- ذلك بقوله: "إنّا أهل بيت صادقون، لا نخلومن كذاب يكذب علينا ويُسقط صدقنا -بكذبه علينا- عند الناس" (1).

أضف إلى ذلك معارضة هذه المزاعم-ما زعمه الشيعة من ارتداد الصحابة- لما أخبر الله به تبارك وتعالى من أنه رضي عن الصحابة في غير ما موضع من كتابه الكريم، وأمر بالاستغفار لهم، والمؤمن المطيع المتبع لا يصنع كصنيع الشيعة مع الصحابة: (أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم) بل يستغفر لهم ويترضى عنهم، ويعتقد أن ما نحن فيه من نعمة فهومن جهودهم رضي الله عنهم وجهادهم، ونتائج أعمالهم الطيبة المباركة، وثمرة لما قدموه من مال وولد في سبيل نصر دين الله ونشره، وإعلاء كلمة الله حتى لا يعبد أحد سواه.

وقد أخبر الله تبارك وتعالى أنه رضي عن الصحابة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة بقوله: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18].

__________

(1) اختيار معرفة الرجال للطوسي (ص:1.8)، وتنقيح المقال للمامقاني (2/ 184)، ومعجم رجال الحديث للخوئي (1/ 2.2).

وكانت عدتهم رضي الله عنهم ألفا وثلاثمائة باعتراف الشيعة أنفسهم (1) ولم يرتد منهم أحد، فكيف يُجوِّز الشيعة أن يرضى الله عز وجل عن أقوام ويحمدهم، وهويعلم أنهم سيرتدون على أعقابهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بل وكيف يزعمون بعد هذا الإخبار أن الصحابة ارتدوا إلا نفرًا يسيرًا؟ إلا أن يقولوا: إن الله لم يعلم ذلك حتى وقع، فإن قالوها فقد عرضوا أنفسهم للعنة أحد الأئمة المعصومين عندهم؛ جعفر الصادق الذي لعن من قال: إن الله لا يعلم الشيء حتى يكون، أسنده إليه الكشي الشيعي في كتابه معرفة الرجال (2)، ودعا عليه بالخزي فقال: "من قال هذا أخزاه الله" أسنده الكليني في كتابه الكافي (3).

والآية عامة في الرضا عن المبايعين تحت الشجرة، تشمل جميع المبايعين، فـ (إذ) في قوله: (إذ يبايعونك) ظرف، وسواء أكانت ظرفًا محضًا أم كانت ظرفًا فيه معنى التعليل، فإنها تدل على تعلق الرضا بجميع المبايعين، فعلم أنهم جميعًا من المرضي عنهم.

وخلاصة القول: أن دعوى الشيعة ارتداد الصحابة أمر قائم على الهوى، وليس لديهم دليل نقلي صحيح ولا عقلي صريح يسوغ لهم الإقدام على مثل هذا الادعاء الخطير.

اللهم اعصمنا بالتقوى، واحفظ علينا حبنا لصحابة نبيك صلى الله عليه وسلم كما ترضى يا رب العالمين.

ثانيًا: دعوى الشيعة الاثني عشرية نفاق أكثر الصحابة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم:

لم يكتف الشيعة الاثنا عشرية بنسبة الصحابة رضي الله عنهم إلى الارتداد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل زعموا أن أكثرهم أظهروا الإسلام وأضمروا الكفر في حياته عليه السلام.

__________

(1) انظر: مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب المازندراني (2/ 22)، والبرهان للبحراني (4/ 196 - 197).

(2) اختيار معرفة الرجال للطوسي (ص:151).

(3) الأصول من الكافي للكليني (1/ 148).

قال التستري -من علماء الشيعة- عن الصحابة: "إنهم لم يسلموا، بل استسلم الكثير رغبة في جاه رسول الله ... إنهم داموا مجبولين على توشح النفاق وترشح الشقاق" (1).

والمتأمل لهذا القول يسخر من سفاهة هذا الشيعي وسوء رأيه؛ إذ أي مال أومنصب أوشيء من حطام الدنيا كان لديه عليه السلام وقومه قد رموه عن قوس واحدة، وتآمروا على قتله وقَتْل مَن معه مِن صحابته، وأذاقوهم من العذاب ألوانًا، وأنزلوا بهم من الكربات ما الله به عليم، مما لا يصبر عليه صناديد الرجال، وهم ثابتون مقيمون على إسلامهم، قابضون على دينهم، ولوتركوه صلى الله عليه وسلم وتركوا دينه لأكرمهم المشركون وأعطوهم حتى يعطوهم من حطام الدنيا، ولكنَّ نظرتهم لم تكن إلى هذه الفانية بل كانت نظرة عميقة إلى ما وراء هذه الحياة مما أعد الله لهم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

وكان الواحد منهم يلقى في رمضاء مكة في الأيام الشديدة الحر وتوضع عليه الصخور والأحجار الكبيرة حتى يرجع عن دينه، فلا يزيده هذا إلا ثباتًا على أمر الله ومضيًّا على الحق، ولسان حاله يقول لعتاة المشركين وجبابرتهم: ((فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)) [طه:72] ولوقال لهم كلمة واحدة أحسوا منها أنه مستعد لترك دينه، لأغدقوا عليه وأعطوه، ولكنه الإيمان إذا لامس بشاشة القلوب يلتحم بها التحامًا لا يمكن فكه إلا أن يشاء الله.

فقل لي بربك يا مسلم: هل هذه من صفات المنافقين؟ وهل هؤلاء الأبرار منافقون كما زعم الشيعة؟!

وقد أكَّد حسن الشيرازي -وهومن الشيعة المعاصرين- نفاق أكثر الصحابة، وتساءل عن سبب قبول النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين في صفوف المؤمنين؟ ثم أجاب نفسه بقوله:

__________

(1) إحقاق الحق للتستري (ص:3).

"إنه لم يكن من صالح النبي صلى الله عليه وسلم منذ فجر الإسلام أن يقبل المخلصين فقط ويرفض المنافقين، وإنما كان عليه أن يكدِّس جميع خامات الجاهليه ليسيج بها الإسلام عن القوى الموضعية والعالمية التي تظاهرت ضده، فكان يهتف: (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) ... إلى أن قال: ولم يكن للنبي أن يرفضهم، وإلا لبقي هووعلي وسلمان وأبوذر والعدد القليل من الصفوة المنتجيين" (1).

ثم استرسل حسن الشيرازي في حديثه عن الصحابة فقال: "غير أنهم تكاثروا مع الأيام، وعلى إثر كثرتهم استطاع رءوس النفاق أن يتسللوا إلى المراكز القيادية، فخبطوا في الإسلام خبطًا ذريعًا كاد أن يفارق واقعه لولا أن تداركه بطله العظيم علي بن أبي طالب عليه السلام .. " (2).

ومراده برءوس النفاق: أبوبكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فهم الذين عناهم الشيعي بقوله: "استطاع رءوس النفاق .. ".

وهذه المزاعم التي فيها طعن واضح برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الذي لم يكن يهتم بالكيف، بل كان جُلَّ اهتمامه منصبًّا على الكم -على حد زعم هذا الشيعي- فكان على حد ما زعم يجمع الناس دون اهتمام منه بسلامة عقيدتهم وصدق رغبتهم في الدخول في الإسلام؛ ليقاتل بهم القوى الموضعية والعالمية، وكأن هذا الشيعي لا يدرك أن المنافقين من أشد القوى الموضعية خطرًا على الدين وعلى أتباعه المسلمين المتربصين بهم الدوائر. وكأنه لا يعلم أيضًا أن المنافقين ممن أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجهادهم في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)) [التوبة:73].

__________

(1) الشعائر الحسينية لحسن الشيرازي (ص:8 - 9).

(2) المصدر نفسه (ص:1.).

وقال المامقاني -من الشيعة-:"إن من المعلوم بالضرورة بنص الآيات الكريمة، وجود الفساق والمنافقين في الصحابة، بل كثرتهم فيهم، وعروض الفسق بل الارتداد لجمع منهم في حياته، ولآخرين بعد وفاته .. " (1).

وقول المامقاني بوجود المنافقين في صفوف الصحابة صحيح؛ لكن زعمه كثرتهم من الكذب، إذ لوكانوا كثيرين كما زعم هووأسلافه لأحاطوا برسول الله وصحابته وقضوا عليهم، وأقاموا دولة حال ظهور الإسلام دون قيامها، ولكنهم كانوا قلة حقيرة وشرذمة قليلة لم يكن لهم حول ولا طول، وقوةُ عقيدة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفت حاجزًا منيعًا بينهم وبين مخططاتهم وسورًا عاليًا منعهم من تحقيق مآربهم، لذلك لم تصدر منهم إلا أقوال يسيرة دلت على أفئدتهم وما يعتمل في نفوسهم من حقد دفين نحوالإسلام ورسوله وأصحابه.

وهناك أقوال أخرى كثيرة صدرت عن الشيعة تحاول إلصاق تهمة النفاق بصحابة أطهار أبعد ما يكونون عن الاتصاف بها (2).

* ... * ... *

[الموضع التاسع]

قال رحمه الله في (ص:247) من المجلد العاشر-الجزء الحادي والعشرون-في أول مقدمة تفسير سورة (الأحزاب).

" ... وكون القرآن قد تلاشى منه كثير هوأصل من أصول الروافض ليطعنوا به في الخلفاء الثلاثة، والرافضة يزعمون أن القرآن مستودع عند الإمام المنتظر، فهوالذي يأتي بالقرآن وقر بعير. وقد استوعب قولهم واستوفى إبطاله أبوبكر بن العربي في كتاب العواصم من القواصم".

وأقول هنا: انظر ما قدمناه تحت كلامه رحمه الله في الموضع الثاني (ص:1.. وما بعدها).

__________

(1) تنقيح المقال للمامقاني (1/ 213).

(2) انظر على سبيل المثال لا الحصر: تفسير القمي (2/ 186)، والبرهان للبحراني (3/ 299)، وتفسير الصافي للكاشاني (2/ 342)، وقرة العيون له (ص:416 - 42.). وانظر كتاب: أوجز الخطاب في بيان موقف الشيعة من الأصحاب للحسني.

وأما إمام الزمان عند الشيعة الإمامية الذي يدندنون به ويعتقدون بوجوده، وأنه حي لم يمت، وهوالخرافة كما قدمنا .. فهوالذي ينتظرون ظهوره منذ أحد عشر قرنًا من الزمان!!

فدعونا هنا نتعرف على معتقداتهم فيه، ليعلم المسلم إلى أيّ مدى بلغ بهم السخف والبله .. والحمد لله على نعمة الإسلام أولًا، ونعمة العقل ثانيًا!

أ - مهدي الشيعة سيحكم بشريعة داود وآل داود وبتوراة موسى:

جاء في الكافي للكليني في كتاب الحجة من الأصول في الكافي (1/ 397 - 398) ما يلي:

1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور، عن فضل الأعور، عن أبي عبيد الحذَّاء قال: كنا زمان أبي جعفر عليه السلام حين قبض نتردد كالغنم لا راعي لها، فلقينا سالم بن أبي حفصة فقال لي: يا أبا عبيدة! من إمامك؟ فقلت: أئمتي آل محمد، فقال: هلكت وأهلكت، أما سمعتُ أنا وأنت أبا جعفر عليه السلام يقول: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية؟ فقلت: بلى لعمري! ولقد كان قبل ذلك بثلاث أونحوها، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام، فقلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن سالمًا قال لي كذا وكذا، قال: "يا أبا عبيدة إنَّه لا يموت هنا ميت حتى يخلف من بعده من يعمل بمثل عمله ويسير بسيرته ويدعوإلى ما دعا إليه، يا أبا عبيدة إنَّه لم يمنع ما أعطي داود أن أعطي سليمان. ثم قال: يا أبا عبيدة إذا قام قائم آل محمد عليه السلام حكم بحكم داود وسليمان ولا يُسأل بينة".

2 - محمَّد بن يحيى، عن أحمد بن محمَّد، عن محمد بن سنان، عن أبان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "لا تذهب الدنيا حتى يخرج رجل مني يحكم بحكومة آل داود، ولا يُسأل بيّنة، يعطي كل نفس حقها".

3 - محمد، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمَّار الساباطي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: بم تحكمون إذا حكمتم؟ قال: "بحكم الله وحكم داود، فإذا ورد علينا الشيء الذي ليس عندنا تلقَّانا به روح القُدُس".

4 - محمد بن أحمد، عن محمد بن خالد، عن النَّضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن عمران بن أعين، عن جعيد الهمداني عن عليَّ بن الحسين عليه السلام قال: سألته بأي حكم تحكمون؟ قال "بحكم آل داود، فإن أعيانا شيء تلقانا به روح القُدُس".

5 - أحمد بن مهران رحمه الله، عن محمَّد بن عليَّ، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم عن عمَّار السَّاباطي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما منزلة الأئمَّة؟ قال: "كمنزلة ذي القرنين، وكمنزلة يوشع، وكمنزلة آصف صاحب سليمان، قلت: فبم تحكمون؟ قال: بحكم الله وآل داود وحكم محمَّد صلى الله عليه وسلم، ولتلقَّانا به روح القُدُس" (1).

ب - المهدي المنتظر يتكلم العبرانية:

في كتاب (الغيبة) للنعماني: "إذا أذَّن الإمام دعا الله باسمه العبراني (فانتخب) له صحابته الثلاثمائة والثلاثة عشر كقزع الخريف، منهم أصحاب الألوية، منهم من يفقد فراشه ليلًا فيصبح بمكة، ومنهم من يُرى يسير في السحاب نهارًا يعرف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه .. ".

ج - اليهود من أتباع المهدي الشّيعي المنتظر:

روى الشَّيخ المفيد في الإرشاد، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله قال: "يخرج مع القائم عليه السلام من ظهر الكوفة سبعة وعشرون رجلًا من قوم موسى، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون، وسليمان، وأبودجانة الأنصاري، والمقداد، ومالك الأشتر، فيكونون بين يديه أنصارًا" (2).

وبهذا نخلص إلى أن مهدي الشيعة المنتظر:

__________

(1) الأصول في الكافي للكليني (1/ 397 - 398).

(2) الإرشاد للمفيد الطوسي (ص:4.2).

1 - يحكم بشريعة آل داود، وبقرآن جديد ليس هوالذي بين أيدينا، ولوسأل سائل: فأين شريعة آل داود؟ لوجد الإجابة ولا شك أنه التلمود، ولذلك يبايع الناس على كتاب جديد، ففي كتاب الغيبة للنعماني عن أبي جعفر أنه قال: "فوالله لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس بأمر جديد شديد، وكتاب جديد، وسلطان جديد من السماء" (1).

2 - لسان المهدي وهوالعبرانية.

3 - أتباعه من اليهود، فلعل (مهدي الشيعة) هوملك اليهود (المخلص) المنتظر، وهونفسه المسيح الدجال الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم.

ويزعمون أنه عندما يخرج مهديهم أن أول ما يبدأ به هوإخراج خليفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فيعذبان ثم يحرقان على يد مهديهم، فقد روى المجلسي عن بشير النبال عن أبي عبدالله عليه السلام قال: "هل تدري أول ما يبدأ به القائم عليه السلام؟ قلت: لا. قال: يخرج هذين الرطبين غضين فيحرقهما ويذريهما في الرياح ويكسر المسجد!! " (2).

وفي رواية أخرى يرويها المفضل عن جعفر الصادق وفيها: قال المفضل: "يا سيدي! ثم يسير المهدي إلى أين؟ قال: إلى مدينة جدي رسول الله ... فيقول: يا معشر الخلائق! هذا قبر جدي رسول الله، فيقولون: نعم يا مهدي آل محمد، فيقول: ومن معه في القبر؟ فيقولون: صاحباه وضجيعاه أبوبكر وعمر، فيقول: أخرجوهما من قبريهما، فيخرجان غضين طريين لم يتغير خلقهما ولم يشحب لونهما، فيكشف عنهما أكفانهما ويأمر برفعهما على دوحة يابسة نخرة فيصلبهما عليها! " (3).

__________

(1) بحار الأنوار (52/ 318).

(2) الغيبة للنعماني (ص:1.7).

(3) الرجعة للأحسائي (ص:186).

ويقول نعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية (1/ 141) بعد ما ذكر رأيه في حكم لعن الشيخين رضي الله عنهما وأنه من ضرورات المذهب عندهم يقول: " .. وفي الأخبار ما هوأغرب من هذا، وهوأن مولانا صاحب الزمان عليه السلام (المهدي) إذا ظهر وأتى المدينة أخرجهما من قبريهما، فيعذبهما على كل ما وقع في العالم من ظلم متقدم على زمانيهما، كقتل قابيل وهابيل، وطرح إخوة يوسف له في الجب، ورمي إبراهيم في نار نمرود، وإخراج موسى خائفًا يترقب، وعقر ناقة صالح، وعبادة من عبد النيران، فيكون لهما الحظ الأوفر من أنواع ذلك العذاب".

بل وجاء عندهم من أعماله القبيحة:

ما روى المجلسي عن محمد بن علي الكوفي، عن عبدالرحمن بن أبي هاشم، عن أبي خديجة، عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: إن عليًا عليه السلام قال: "كان لي أن أقتل المولى وأجهز على الجريح، ولكن تركت ذلك للعاقبة من أصحابي، إن جرحوا لم يقتلوا، والقائم له أن يقتل المولى ويجهز على الجريح ... " (1).

وروى النعماني في كتاب الغيبة كما نقله المجلسي في كتابه بحار الأنوار (52/ 353) عن أبي جعفر قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار في أمته باللين وكان يتألف الناس، والقائم يسير بالقتل، بذلك أمر في الكتاب الذي معه: أن يسير بالقتل ولا يستتيب أحدًا، ويل لمن ناواه".

ومهدي الشيعة متعصب لا يقتل من أجل العقيدة، بل يقتل بعض الناس، يعني كتطهير عرقي فقط، وأول من يبدأ بالقتل قريش، روى المجلسي عن أبي عبدالله أنه قال: "إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف" (2).

هذا دليل أنه سوف يقتل العرب وقريش هكذا بلا سبب، يخرج يقتل فقط، فهومتعطش لسفك الدماء، هذا هوالعدل الذي يقصده الشيعة والذي سيملأ الأرض عدلًا أي (قتلًا).تطهير عرقي لا غير.

__________

(1) بحار الأنوار (52/ 353).

(2) بحار الأنوار (52/ 355).

وفي نفس المصدر بحار الأنوار (52/ 354) عن أبي جعفر يقول: "لويعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحب أكثرهم أن لا يروه مما يقتل من الناس، أما إنه لا يبدأ إلا بقريش فلا يأخذ منها إلا السيف ولا يعطيها إلا السيف، حتى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمد، ولوكان من آل محمد لرحم".

وكذلك الأموات لا ينجون من عذاب هذا المنتقم، فإنه يخرجهم من قبورهم فيعذبهم ويضرب أعناقهم -كما مر معنا- يروي المفيد عن أبي عبدالله عليه السلام: "إذا قام القائم من آل محمد عليهم السلام أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخر، حتى يفعل ذلك ست مرات" (1).

هذه وباختصار شديد عقيدة الشيعة في مهديهم السفاح ... فأي هداية ورشاد تُرجى من هؤلاء الشيعة؟!!

* ... * ... *

[الموضع العاشر]

قال رحمه الله في (ص:21.) من المجلد السابع-الجزء الرابع عشر-عند تفسير قوله تعالى: ((ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) [النحل:69].

"ومن لطيف النوادر ما في الكشاف: أن من تأويلات الشيعة أن المراد بالنحل في الآية علي وآله. وعن بعضهم أنه قال عند المهدي: إنما النحل بنوهاشم يخرج من بطونهم العلم، فقال له رجل: جعل الله طعامك وشرابك أضحوكة من أضاحيكهم.

قلت: الرجل الذي أجاب الرافضي هوبشار بن برد. وهذه القصة مذكورة في أخبار بشار".

أقول: هذه واحدة من تأويلات الشيعة وتلاعبهم بآيات القرآن الكريم، ووصمهم آل البيت بأبشع الأوصاف مما هذا عنده تشريف!! فإليك بعضًا منها في تفاسيرهم وكتبهم ومصادرهم المعتمدة:

__________

(1) كتاب الإرشاد (ص:364) وبحار الأنوار (52/ 338).

يؤول الشيعة كثيرًا من آيات القرآن بالإمامة والأئمة، وتأويلاتهم في ذلك تربوعلى الحصر، وكأن القرآن لم ينزل إلا فيهم، ولقد تجاوزوا في هذه الدعاوى كل معقول، وأسفّوا في تأويلاتهم إلى ما يشبه هذيان المعتوهين حتى قالوا:

إن النحل في قوله سبحانه: ((وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ)) [النحل:68] هم الأئمة، وروى القمي بإسناده إلى أبي عبد الله قال: "نحن النحل التي أوحى الله إليها ((أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً)) [النحل:68] أمرنا أن نتخذ من العرب شيعة ((وَمِنْ الشَّجَرِ)) [النحل:68] يقول: من العجم ((وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)) [النحل:68] يقول: من الموالي .. " (1).

وجمع المجلسي رواياتهم في هذا المعنى في باب بعنوان: "باب نادر في تأويل النحل بهم عليهم السلام " (2)، كما جاء بروايات تقول: "إن الأئمة هم الماء المعين، والقصر المشيد، والسحاب والمطر والفواكه، وسائر المنافع الظاهرة" (3).

وفي الباب الذي عقده بعنوان: "باب تأويل الأيام والشهور بالأئمة" (4) جاء فيه:

"نحن الأيام؛ فالسبت اسم رسول الله، والأحد كناية عن أمير المؤمنين، والإثنين: الحسن والحسين، والثلاثاء علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، والأربعاء موسى بن جعفر، وعلي بن موسى ومحمد بن علي وأنا، والخميس، ابني الحسن بن علي، والجمعة ابن ابني .. " (5).

ومن الطريف أن بعض الأيام حظيت في أخبار الشيعة بالذم كيوم الإثنين (6)، فهل يتوجه هذا الذم إلى بعض الأئمة؛ لأن الأئمة هم الأيام؟!

__________

(1) تفسير القمي (1/ 387).

(2) بحار الأنوار (24/ 11. - 113).

(3) انظر: بحار الأنوار (24/ 1.. - 11.).

(4) بحار الأنوار (24/ 238 - 243).

(5) البحار (24/ 239)، الصدوق/ الخصال (ص:395 - 396)، والنص منسوب لإمامهم العاشر علي الهادي.

(6) انظر: سفينة البحار (1/ 137).

ويروي جابر الجعفي قال: سألت أبا جعفر عن تأويل قول الله عز وجل: ((إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ)) [التوبة:36] قال: فتنفس سيدي الصعداء ثم قال: "يا جابر، أما السنة فهي جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهورها اثنا عشر شهرًا فهوأمير المؤمنين إلي (1)،وإلى ابني جعفر، وابنه موسى، وابنه علي، وابنه محمد، وابنه علي، وإلى ابنه الحسن، وإلى ابنه محمد الهادي المهدي اثنا عشر إمامًا ... والأربعة الحرم الذين هم الدين القيم أربعة منهم يخرجون باسم واحد: علي أمير المؤمنين رضي الله عنه، وأبي علي بن الحسين، وعلي بن موسى، وعلي بن محمد، فالإقرار بهؤلاء هوالدين القيم: ((فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)) [التوبة:36] أي: قولوا بهم جميعًا تهتدوا" (2).

والبعوضة (وهي حشرة صغيرة معروفة) ورد ذكرها في سورة البقرة [الآية: 26.].هي علي عندهم (3).

ولفظ (الذباب) يؤوَّل بعلي في تفسير الشيعة (4)، كما أولوا البعوضة وحاول بعضهم أن يلطف من هذا التأويل، فزعم أنه ذباب العسل (5)، وفاته أنهم يؤولون به قوله سبحانه: ((إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ)) [الحج:73].

وما أدري ما السر في إطلاق أسماء أحطِّ الحشرات على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من طائفة تزعم محبته والتشيع له؟!

فقد وصموه بما يلي:

__________

(1) أي هوأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن بعده من الأئمة حتى يصل إليّ، المجلسي - بحار الأنوار (24/ 24.).

(2) الطوسي/ الغيبة (ص:96)، ابن شهر آشوب/ مناقب آل أبي طالب (1/ 244)، بحار الأنوار (24/ 24.)، البرهان (2/ 122 - 123)، نور اليقين (2/ 214 - 215)، اللوامع النورانية (ص:141).

(3) تفسير القمي (1/ 35)، البرهان (1/ 7.).

(4) انظر: مرآة الأنوار (ص:15.).

(5) نفس الموضع من المصدر السابق.

1) علي عند الشيعة (هودابة الأرض) في قوله تعالى: ((وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ)) [النمل:82] (1).

2) علي عند الشيعة (بئر) (2).

3) علي عند الشيعة هو(البحر) في قوله تعالى: ((مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ)) [الرحمن:19] (3).

4) علي عند الشيعة هو(الساعة) في قوله تعالى: ((بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ)) [الفرقان:11] (4).

هذه أوصاف أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه عند هؤلاء الشيعة وهم يزعمون حبه واتباعه -كذبوا- وقد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، وتاريخهم الفعلي مع آل البيت أشد وأشنع.

والحمد لله الذي هدانا للإسلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلنا من أهل التوحيد الذين يعبدون الله على بصيرة وعلم.

* ... * ... *

الخاتمة

__________

(1) انظر: كتاب الرجعة للأحسائي (ص:2.1) فصل في ذكر بعض ما جاء في رجعة أمير المؤمنين-صلوات الله عليه-وأنه دابة الأرض. وانظر: تفسير العياشي لمحمد بن مسعود العياشي (1/ 384) وانظر: تفسير القمي لعلي بن إبراهيم القمي (2/ 13.) وانظر: تفسير فرات لفرات بن إبراهيم الكوفي (ص:373). وانظر: تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي (7/ 4.5). وانظر: التفسير الصافي للفيض الكاشاني (4/ 74).

(2) انظر: تفسير القمي (2/ 85) وأصول الكافي (1/ 427) ... عند تفسير آية الحج رقم:45.

(3) انظر: تفسير القمي (2/ 344) وتفسير فرات (ص:177) والصافي (5/ 1.9).

(4) انظر: الغيبة للنعماني (ص:54) ومرآة الأنوار (ص:182).

وبعد ... فإني أرجوأن يكون قد استبان موقف شيخ الإسلام العلامة (محمد الطاهر ابن عاشور) رحمه الله من الشيعة، وذلك من خلال عرضنا لأقواله رحمه الله في تفسيره الكبير (التحرير والتنوير)، وكذا من خلال أقواله فيما أشرنا إليه من بعض كتبه، والتي يتبين فيها موقفه رحمه الله -وبكل صراحة ووضوح- من الشيعة ومعتقداتهم المخالفة لكتاب الله تعالى وصحيح سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأقوال أئمة آل البيت الموافقة لكتاب الله تعالى وهدي جدِّهم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

وإني هنا: أدعوكل مسلم لعرض أقوال وأفعال ومعتقدات الشيعة على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ليرى البون الشاسع والمخالفات في المعتقد، لتستبين السبيل وليعلم الدليل.

كما أني قد عرضت أقوال علمائنا وفقهائنا السادة المالكية في الشيعة ليُعْلَمَ أن المتقدمين منهم يوافقون شيخنا (الطاهر ابن عاشور) المتأخر؛ في ذم عقائد الشيعة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه، وما في معتقداتهم من شرك وزندقة وإلحاد وكفر بالله تعالى.

وعليه فإني أرجوأن أكون قد أسهمت في بيان معتقدات الشيعة وموقف علمائنا منهم، ليتضح الأمر عند العامة والخاصة من أبناء تونس الغالية -والمغرب العربي عامة- فلا يغتر مغتر بهالات الشيعة وإشاعاتهم وتلبيسهم على العامة، بل وبعض الخاصة.

فرحم الله شيخنا العلامة الكبير (الطاهر ابن عاشور) وأجزل له الأجر والمثوبة على جهوده في بيان الإسلام الصحيح، والتحذير من الدخيل على الدين من بدع المبتدعين وضلالات المضلين، الذين نبذوا كتاب الله خلفهم ظهريًا، واتخذوا من أهوائهم دينًا يحادُّون بها دين الله الذي أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم.

((اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ)) [الأعراف:3].

عدد مرات القراءة:
5110
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :