الفرقة الناجية
أما من هي الفرق الناجية، فقد اختلف العلماء في المراد بهم على أقوال، هي إجمالاً:
1 - قيل: إنها السواد الأعظم من أهل الإسلام.
2 - وقيل: هم العلماء المجتهدون الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أمتي لا تجتمع على ضلالة)) (22)، أي لن يجتمع علماء أمتي على ضلالة، وخصهم شيخ الإسلام بعلماء الحديث والسنة.
3 - إنهم خصوص من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم في رواية: ((ما أنا عليه اليوم وأصحابي)) (23).
4 - إنهم جماعة غير معروف عددهم ولا تحديد بلدانهم، أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم بإخبار الله له أنهم على الحق حتى يأتي أمر الله. ولعل هذا هوالراجح من تلك الأقوال ونحن نطمع إن شاء الله أن نكون منهم مادمنا على التمسك بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى منهج سلفنا الكرام.
5 - وفيه قول خامس، أن الجماعة هم جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير (24).
المبحث الثاني معنى قوله صلى لله عليه وسلم: ((كلها في النار إلا واحدة))
وأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((كلها في النار)) فقد ذكر الشاطبي ما حاصله:
1 - أن هذه الفرق لا بد أن ينفذ فيها الوعيد لا محالة.
2 - أنهم مثل أهل الكبائر تحت المشيئة (25).
3 - أن الأولى عدم التعرض لتعيين الفرق غير الناجية بالحكم عليها بالنار، لأن النبي عليه السلام نبه عليها تنبيهاً إجمالياً لا تفصيلياً إلا القليل منهم كالخوارج (26).
والذي يظهر لي أن الفرق تختلف في بعدها أوقربها من الحق، فبعضها يصح أن يطلق على أصحابها أنهم أهل بدعة أومعصية وحكمهم حكم أصحاب الكبائر، وبعضها لا يصح وصف أصحابها إلا بالكفر لخروجهم عن الإسلام مثل فرق الباطنية والسبئية والميمونية من الخوارج .. الخ، ويكون حكمهم حكم الكفار الخارجين عن الملة، ولوتظاهروا بالإسلام.
الطائفة المنصورة
وأبعد الناس عن الطائفة المهدية المنصورة هم الرافضة، لأنهم أجهل وأظلم طوائف أهل الأهواء المنتسبين إلى القبلة، وخيار هذه الأمة هم الصحابة، فلم يكن في الأمة أعظم اجتماعا على الهدى ودين الحق ولا أبعد عن التفرق والاختلاف منهم، وكل ما يذكر عنهم مما فيه نقص فهذا إذا قيس إلى ما يوجد في غيرهم من الأمة كان قليلا من كثير.
وأما ما يقترحه كل أحد في نفسه مما لم يُخلق، فهذا لا اعتبار به. فهذا يقترح معصوماً من الأئمة، وهذا يقترح ما هوكالمعصوم وإن لم يسمه معصوما، فيقترح في العالم والشيخ والأمير والملك ونحوذلك، مع كثرة علمه ودينه ومحاسنه، وكثرة ما فعل الله على يديه من الخير، يقترح مع ذلك أن لا يكون قد خَفِيَ عليه شيء ولا يخطئ في مسألة، وأن يخرج عن حد البشرية فلا يغضب، بل كثير من هؤلاء فيهم مالا يقترح في الأنبياء.
وقد أمر الله تعالى نوحاً ومحمداً أن يقولا: {لاَ أَقُولُ لَكُم عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} (2) فيريد الجهال من المتبوع أن يكون عالماً بكل ما يُسأل عنه، قادراً على كل ما يُطلب منه، غنيًّا عن الحاجات البشرية كالملائكة. وهذا الاقتراح من ولاة الأمر كاقتراح الخوارج في عموم الأمة، أن لا يكون لأحدهم ذنب، ومن كان له ذنب كان عندهم كافراً مخلداً في النار.
وكل هذا باطل خلاف ما خلقه الله، وخلاف ما شرعه الله.
__________
(1) الآية 11. من سورة آل عمران.
(2) الآية 31 من سورة هود.
فليس الضلال والغيّ في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في الرافضة، كما أن الهدى والرشاد والرحمة ليس في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في أهل الحديث والسنة المحضة، الذين لا ينتصرون إلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنهم خاصته، وهوإمامهم المطلق الذي لا يتبعون قول غيره إلا إذا اتّبع قوله، ومقصودهم نصر الله ورسوله.
وقد تبين أن هذا الكلام الذي ذكره هذا الرجل فيه من الباطل ما لا يخفى على عاقل، ولا يحتج به إلا من هوجاهل، وأن هذا الرجل كان له بالشيعة إلمام واتصال، وأنه دخل في هواهم بما ذكره في هذا الكتاب، مع أنه ليس من علماء النقل والآثار، وإنما هومن جنس نقلة التواريخ التي لا يعتمد عليها أولوالأبصار.
ومن نظر في كتب الحديث والتفسير والفقه والسير علم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأن أصل كل فتنة وبَلٍيَّة هم الشيعة ومن انضوإليهم، وكثير من السيوف التي سُلَّت في الإسلام إنما كانت من جهتهم، وعلم أن أصلهم ومادتهم منافقون، اختلقوا أكاذيب، وابتدعوا آراء فاسدة، ليفسدوا بها دين الإسلام، ويستزلّوا بها مَن ليس مِن أُولى الأحلام، فسعوا في قتل عثمان، وهوأول الفتن، ثم أنزووا إلى عليٍّ، لا حباًّ فيه ولا في أهل البيت، لكن ليقيموا سوق الفتنة بين المسلمين.
ولهذا تجد الشيعة ينتصرون لأعداء الإسلام المرتدين، كبني حنيفة أتباع مُسَيْلمة الكذَّاب، ويقولون: إنهم كانوا مظلومين، كما ذكر صاحب هذا الكتاب، وينتصرون لأبي لؤلؤة الكافر المجوسي.
وقد روى أنه طلب من عمر أن يكلِّم مولاه في خراجه، فتوقَّف عمر، وكان من نيَّته أن يكلّمه، فقتل عمر بُغضاً في الإسلام وأهله، وحبًّا للمجوس، وانتقاما للكفَّار، لما فعل بهم عمر حين فَتَحَ بلادهم، وقَتَلَ رؤساءهم، وقسَّم أموالهم.
فهل ينتصر لأبي لؤلؤة مع هذا إلا من هوأعظم الناس كفرا بالله ورسوله، وبغضا في الإسلام، أومفرط في الجهل لا يعرف حال أبي لؤلؤة؟
ودع ما يُسمع ويُنقل عمَّن خلا، فلينظر كل عاقل فيما يحدث في زمانه، وما يقرب من زمانه من الفتن والشرور والفساد في الإسلام، فإنه يجد معظم ذلك من قِبَل الرافضة، وتجدهم أعظم الناس فتنا وشراًّ، وأنهم لا يقعدون عمَّا يمكنهم من الفتن والشر وإيقاع الفساد بين الأمة.
ونحن نعرف بالعيان والتواتر العام وما كان في زماننا، من حين خرج جنكزخان ملك الترك الكفَّار، وما جرى في الإسلام من الشر. فلا يشك عاقل أن استيلاء الكفّار المشركين، على بلاد الإسلام، وعلى أقارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بني هاشم، كذريَّة العبّاس وغيرهم، بالقتل وسفك الدماء، وسبى النساء واستحلال فروجهن، وسبى الصبيان واستعبادهم وإخراجهم عن دين الله إلى الكفر، وقتل أهل العلم والدين من أهل القرآن والصلاة، وتعظيم بيوت الأصنام - التي يسمُّونها البذخانات والبيَع والكنائس - على المساجد، ورفع المشركين وأهل الكتاب من النصارى وغيرهم على المسلمين، بحيث يكون المشركون وأهل الكتاب أعظم عزّا، وأنفذ كلمة، وأكثر حرمة من المسلمين، إلى أمثال ذلك مما لا يشك عاقل أن هذا أضر على المسلمين من قتال بعضهم بعضا، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى ما جرى على أمته من هذا، كان كراهته له، وغضبه منه، أعظم من كراهته لاثنين مسلمين تقاتلا على الملك، ولم يسب أحدهما حريم الآخر، ولا نفع كافرا، ولا أبطل شيئا من شرائع الإسلام المواترة، وشعائره الظاهرة.
ثم مع هذا الرافضة يعاونون أولئك الكفار، وينصرونهم على المسلمين، كما قد شاهده الناس، لمّا دخل هولاكوملك الكفّار الترك الشام سنة ثمان وخمسين وستمائة، فإن الرافضة الذين كانوا بالشام، بالمدائن والعواصم، من أهل حلب وما حولها، ومن أهل دمشق وما حولها، وغيرهم، كانوا من أعظم الناس أنصاراً وأعوانا على إقامة ملكه، وتنفيذ أمره في زوال ملك المسلمين.
وهكذا يعرف الناس - عامةً وخاصةً - ما كان بالعراق لمّا قَدمَ هولاكوإلى العراق، وقتل الخليفة، وسفك فيها من الدماء ما لا يحصيه إلا الله، فكان وزير الخليفة ابن العلقمى، والرافضة هم بطانته، الذين أعانوه على ذلك بأنواع كثيرة، باطنة وظاهرة، يطول وصفها.
وهكذا ذُكر أنهم كانوا مع جنكزخان، وقد رآهم المسلمون بسواحل الشام وغيرها، إذا اقتتل المسلمون والنصارى هواهم مع النصارى، ينصرونهم بحسب الإمكان، ويكرهون فتح مدائنهم، كما كرهوا فتح عكا وغيرها، ويختارون إدالتهم على المسلمين، حتى أنهم لما انكسر عسكر المسلمين سنة غازان، سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وخلت الشام من جيش المسلمين، عاثوا في البلاد، وسعوا في أنواع من الفساد، من القتل وأخذ الأموال، وحمل راية الصليب، وتفضيل النصارى على المسلمين، وحمل السبى والأموال والسلاح من المسلمين إلى النصارى، أهل الحرب بقبرص وغيرها.
فهذا - وأمثاله - قد عاينه الناس، وتواتر عند من لم يعاينه. ولوذكرت أنا ما سمعتُه ورأيتُه من آثار ذلك لطال الكتاب ,وعند غيري من أخبار ذلك وتفاصيله ما لا أعلمه.
فهذا أمر مشهود من معاونتهم للكفار على المسلمين، ومن اختيارهم لظهور الكفر وأهله على الإسلام وأهله. ولوقُدِّر أن المسلمين ظلمة فسقة، ومظهرون لأنواع من البدع التي هي أعظم من سبِّ عليٍّ وعثمان، لكان العاقل ينظر في خير الخَيْرين وشر الشَّرين.
ألا ترى أن أهل السنة وإن كانوا يقولون في الخوارج والروافض وغيرهما من أهل البدع ما يقولون، لكن لا يعاونون الكفّار على دينهم، ولا يختارون ظهور الكفر وأهله على ظهور بدعةٍ دون ذلك؟
والرافضة إذ تمكّنوا لا يتّقُون. وانظر ما حصل لهم في دولة السلطان خدابندا، الذي صنَّف له هذا الكتاب، كيف ظهر فيهم من الشرّ، الذي لودام وقوى أبطلوا به عامة شرائع الإسلام! لكن يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره الكافرون.
وأما الخلفاء والصحابة فكل خير فيه المسلمون إلى يوم القيامة - من الإيمان والإسلام، والقرآن والعلم، والمعارف والعبادات، ودخول الجنة، والنجاة من النار، وانتصارهم على الكفار، وعلوكلمة الله - فإنما ببركة ما فعله الصحابة، الذين بلّغوا الدين، وجاهدوا في سبيل الله.
وكل مؤمن آمن بالله فللصحابة رضي الله عنهم عليه فضل إلى يوم القيامة، وكل خير فيه الشيعة وغيرهم فهوببركة الصحابة. وخير الصحابة تبع لخير الخلفاء الراشدين، فهم كانوا أَقْوَم بكل خير في الدين والدنيا من سائر الصحابة، فكيف يكون هؤلاء منبع الشر، ويكون أولئك الرافضة منبع الخير؟!
ومعلوم أن الرافضي يوالي أولئك الرافضة ويعادي الصحابة، فهل هذا إلاّ من شر من أعمى الله بصيرته؟ فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.