تنسب هذه الأسرة الى جدها برمك وهومن مجوس بلخ وكان يخدم النوبهار وهومعبد كان للمجوس بمدينة بلخ توقد فيه النيران فكان برمك وبنوه سدنة له، وكان برمك عظيم المقدار عندهم ولم يعلم هل أسلم أم لا؟.
ولما جاءت الدعوة العباسية خراسان كان خالد بن برمك من أكبر دعاتها وقد استوزره أبوالعباس السفاح ثم استمر في منصبه أيام المنصور، وبعد وفاة خالد ولى المنصور ابنه يحيى اذربيجان ثم أصبح كاتبا ووزيرا لهارون الرشيد"9".
وملك البرامكة أمر الرشيد فاحتازوا الأموال دونه، حتى كان الرشيد يحتاج الى اليسير من المال فلا يقدر عليه، وأصبحت بيوتهم موئل الأدباء والعلماء وذوي الحاجات، فملكوا القصور والضياع والمزارع حتى طغى صيتهم على صيت الخليفة.
وفي عام 187 أمر الرشيد بالقضاء عليهم، فقتل جعفر وسجن يحيى وبقية أولاده حتى ماتوا في السجن، واختلف المؤرخون في سبب نكبتهم، فذكر ابن كثير أنهم أظهروا الزندقة والله أعلم.
محاضرات تاريخ الأمم الاسلامية للخضري الدولة العباسية، ص 111.
خلاصة البحث
لقد سيطر الفرس على خلفاء بني العباس، وتغلغل نشاطهم في مجالات كثيرة أبرزها ما يلي:
1_ ظهرت حركات فارسية كثيرة في عهد بني العباس، وجوهر هذه الحركات وأصولها لا يختلف عن أديان الفرس التي كانت منتشرة قبل الاسلام: فالرواندية تؤمن بتناسخ الأرواح، والمقنع نادى بالحلول، وحركة الزنادقة لا تختلف كثيرا عن معتقدات ماني بل ان الاسم نفسه هوالاسم القديم .. ومن قبل نادت السبئية والكيسانية بتناسخ الجزء الالهي في الأئمة، وبالحلول، والرجعة بعد الموت وعلم الباطن.
2_ عاد الفرس في عهد بني العباس الى تصوراتهم وعاداتهم القديمة، فلبسوا القلنسوة، وصاروا يحتفلون بأعياد المجوس (كالنوروز) "10" وهويوم رأس السنة الفارسية، وعيد اليوم السعيد، وعيد السقى، وعيد النساء، وعيد الثوم، وعيد نوروز الأنهار والمياه الجارية.
3_ صار الفرس وزراء للخلفاء العباسيين، وقادة لجيوشهم، وتوصلوا لأعلى المناصب في دولة بني العباس واشتهر منهم: أبومسلم الخراساني والبرامكة، وفي عهد المأمون أصبح المجوسي (الفضل بن سهل) وزيرا وقائدا لجيشه فكان يلقب بذي الرياستين (الحرب والسياسة)، وتمكن الفرس من تزويج بناتهم للخلفاء، فنشأ أولاد الخلفاء في كنف أخوالهم، وتربوا على معتقداتهم ووثنياتهم المجوسية:
في عيد النوروز كان الملوك الساسانيين يسعدون رعاياهم في جميع الولايات في هذا اليوم، وتقدم الضرائب، وتضرب النقود الجديدة.
فأم المأمون (مراجل) فارسية، وعندما انتهى الحكم إليه اتخذ من (مرو) عاصمة للخلافة بدلا من بغداد، ونادى بأفكار وفلسفات غريبة عن الاسلام كقوله بخلق القرآن، وجاءت هذه الدعوة من رواسب تربيته الفارسية المجوسية.
4_ استغل الفرس نفوذهم في دولة بني العباس فعمدوا الى نشر تراثهم الفكري والأدبي، وانبرى شعراؤهم يذودون عن مجد وتاريخ فارس وكسرى، ويسخرون من تاريخ العرب وحياتهم. قال أحدهم:
فلست بتارك إيوان كسرى
لتوضيح أولحومل فالدخول
وضب في الفلا ساع وذئب
بها يعوي وليث وسط غيل
وتحدث الشاعر الفارسي المشهور الخريمي عن أصله فقال مفاخرا:
اني امرؤ من سراة الصغد ألبسني
عرق الأعاجم جلدا طيب الخبر
وقال أيضا:
وناديت من مرووبلخ فارسا
لهم حسب في الأكرمين حسيب
فيا حسرتا لادار قومي قربية
فيكثر منهم ناصري ويطيب
وان أبي كسرى بن هرمز
وخاقان لى لوتعلمين نسيب
ملكنا رقاب الناس في الشرك كلهم
لنا تابع طوع القياد جنيب
نسومكموا خسفا ونقضي عليكمو
بما شاء منا مخطئ ومصيب
ولعل افتخار الخريمي وأمثاله بكسرى بن هرمز وخاقان، وتعلقهم بمرووبلخ وزردشت ومزدك هوالذي دفع الأصمعي الى هجائهم، والتنديد بشركهم، فقال:
اذا ذكر الشرك في مجلسي
أضاءت وجوه بني برمك
وان تليت عندهم آية
أتوا بالأحاديث عن مزدك"11"
5_ عمد المجوس من الفرس وهم الأكثرية الى تشويه التاريخ الاسلامي، ودس الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعملوا على تجريح أعلام الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، وراحوا يجسمون الفتن التي وقعت بين الصحابة أوالتابعين، وأرادوا من وراء ذلك أن يقدموا التاريخ الاسلامي للبشرية على أنه فتن وحروب وسفك دماء.
وما من رواية أوحديث مكذوب في كتب الحديث والتاريخ والسير إلا وتجد مجوسيا وراءه.
الأبيات الشعرية اعتمدنا في الاستشهاد بها على كتاب ضحى الاسلام لأحمد أمين، ج1، ص 64.
ولم يقفوا عند هذا الحد بل راحوا ينشرون الزندقة والالحاد حتى يتخلى الناس عن الاسلام ويتسنى لهم اعادة المانوية والزردشتية والمزدكية من جديد.
وفي كل تحركاتهم وأنشطتهم كانوا يعمدون الى الأسلوب السري، فالروادندية وحركة المقنع وغيرهما كانوا يفاجئون الناس ويباغتونهم مباغتة.