أن من يأتي بعد الصحابة يكون أفضل منهم
قلتم: (ذهب بعض إلى أن من يأتي بعد الصحابة يكون أفضل منهم كما قال القرطبي وذهب ابن عبدالبر المتوفى سنة "463هـ" إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة وإن قوله عليه السلام: (خير الناس قرني ... ) ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول وقد جمع قرنه جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أوعلى بعضهم الحدود ... ) (2) [تفسير القرطبي/4/ 171].
أولاً: ابن عبدالبر رحمه الله يقسم الصحابة قسمين:
... القسم الأول: السابقون الأولون الذين أسلموا وهاجروا وشهدوا بدرًا والحديبية.
... القسم الثاني: من كان بعدهم.
... ويرى أن القسم الأول لا يلحقون، ولكن القسم الثاني يمكن أن يلحقوا في العمل ـ لا في الصحبة ـ وذلك عندما يفسد الزمان.
__________
(1) السنة ومكانتها في التشريع/ص"18"
(2) تفسير القرطبي/4/ 1.9/
... قال رحمه الله بعد إيراده أحاديث في الثناء على من يأتي بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -: (قد عارض قوم هذه الأحاديث بما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم -: (خير الناس قرني ثمَّ الذين يلونهم ثمَّ الذين يلونهم) وهوحديث حسن المخرج جيد وليس ذلك عندي بمعارض.
... لأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: (خير الناس قرني) ليس على عمومه بدليل ما يجمع ... إلخ الكلام السابق ثم ذكر حديث: (لا تسبوا أصحابي) وآية: (كنتم خير أمة ... ) وقولاً لعمر ثم قال: (وقال ابن عباس في قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وشهدوا بدرًا والحديبية وهذا يشهد أن خير قرنه فضلاً أصحابه وأن قوله: (خير الناس قرني) أنه لفظ خرج على العموم ومعناه الخصوص) (1).
... أراد رحمه الله أن يبين أن المراد بـ: (قرني) أصحابي وهولفظ عام والمراد به الخصوص ليخرج المنافقين وغيرهم.
... ولعله يشير كذلك إلى أنَّه عندما يفسد الزمان ويعود الابتلاء على المؤمنين فإنَّهم يضاعف لهم الأجور كما ضوعفت للصحابة في بداية الإسلام ما عدا أهل بدر والحديبية.
... فقد قال بعد في أواخر كلامه: (فيستوي حينئذ أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية والله أعلم) (2).
... إذن عبارتكم لا تنطبق على كلامه ومذهبه رحمه الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
67) قلتم: (وهكذا نقل النووي عن القاضي عياض عن ابن عبدالبر [شرح مسلم/3/ 138] والمناوي في فيض القدير والمباركفوري في تحفة الأحوذي وابن حجر في فتح الباري ثم ناقش فيه ... ) [فيض القدير/4/ 368 وتحفة الأحوذي/8/ 337، وفتح الباري/7/ 6].
... قلت هنا وقفات:
__________
(1) التمهيد (بترتيب فتح البر) /2/ 314 - 315
(2) المرجع السابق/2/ 321/
... أولاً: أشار النووي إلى كلام ابن عبدالبر بعد حديث: (وددت أنا قد رأينا إخواننا) قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: (بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد) (1) ولم يورده بنصه وأورد كلام الباجي في تفسير: (بل أنتم أصحابي) فقال: (ليس نفيًا لأُخوَّتهم ولكن ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة فهؤلاء إخوة صحابة والذين لم يأتوا إخوة وليسوا بصحابة كما قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة).
... ثم أورد كلام القاضي عياض فقال: (قال القاضي عياض: ذهب ابن عبدالبر في هذا الحديث وغيره من الأحاديث في فضل من يأتي آخر الزمان إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من هوأفضل ممن كان من جملة الصحابة وأن قوله: (خيركم قرني) على الخصوص معناه: خير الناس قرني: أي السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ومن سلك مسلكهم فهؤلاء أفضل الأمَّة وهم المرادون بالحديث.
... وأمَّا من خلَّط في زمنه وإن رآه وصحبه أولم يكن له سابقة ولا أثر في الدين فقد يكون في القرون التي تأتي بعد القرن الأول من يفضلهم على ما دلَّت عليه الآثار.
... قال القاضي: وقد ذهب إلى هذا أيضًا غيره من المتكلمين على المعاني.
... قال: وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا وأنَّ من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ورآه مرَّةً من عمره وحصلت له مزية الصحبة أفضل من كل من يأتي بعد فإنَّ فضيلة الصحبة لا يعد لها عمل قالوا: (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لوأنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) (2).
... فكلام القاضي كما ترى تفسير لكلام ابن عبدالبر وقد قسم الصحابة إلى طبقتين:
... الأولى: هم: (السابقون .. ومن سلك مسلكهم .. ) وهؤلاء لا يلحقون.
... الثانية: من خلَّط ولم يكن له سابقة.
__________
(1) شرح صحيح مسلم/ح/141/
(2) شرح النووي على صحيح مسلم/3/ 141/
... وليس بحمد الله في السابقين من خلط ولم يقل أحد من علماء السنَّة إنَّ أحدًا من السابقين يمكن أن يلحق كما سيأتي في: "رابعًا".
... ثانيًا: لم أجد المناوي نقل شيئًا عن ابن عبدالبر ولا غيره عند حديث: (وددت أني لقيت إخواني) (1) والنسخة التي اعتمدتم عليها غير معروفة لدي.
... والذي ذكره هنا قوله: (وقد دل إثبات الأخوة لهؤلاء على علومرتبتهم وأنَّهم حازوا فضيلة الأخروية كما حاز المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فضيلة الأولية وهم الغرباء ... ) (2).
... ثالثًا: أما تحفة الأحوذي فلم أجد فيه نقلاً لكلام ابن عبدالبر عند آية: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) ولا في المكان الذي أشرتم إليه.
... وإنَّما وجدته نقل من تفسير ابن كثير لهذه الآية والذي يُقِر فيه فضل القرن الأول (3).
... رابعًا: وأما ابن حجر رحمه الله فقد أشار إلى قول ابن عبدالبر وتعقبه في تضعيفه بعض الأحاديث التي أوردها في التمهيد لتقوية مذهبه ثم قال: (نعم والذي ذهب إليه الجمهور أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل لمشاهدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وأما من اتَّفق له الذب عنه والسبق إليه بالهجرة أوالنصرة وضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده فإنه لا يعدله أحد ممَّن يأتي بعده لأنه ما من خصلة من الخصال المذكورة إلا وللذي سبق بها مثل أجر من عمل بها بعده فظهر فضلهم.
... ومُحصِّل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة كما تقدم).
... خامسًا: تبين بما تقدم أن العلماء الذين أوردت أسماءهم لم يوافقوا ابن عبدالبر على قوله.
... سادسًا: كل شخص من المتأخرين للصحابة مثل أجره لأنَّ الصحابة هم السبب في نصرة الإسلام وحفظه ونشره فكيف يمكن أن يلحقهم؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
__________
(1) فيض القدير/ح/961/
(2) فيض القدير/6/ 468/
(3) تحفة الأحوذي/8/ 278