معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

أسلوب الدعوة بين كسب الفرد وتغيير المجتمع ..

أسلوب الدعوة بين كسب الفرد وتغيير المجتمع

قانون لتغيير الفرد وآخر لتغيير المجتمع:

المنهج الترضوي لا يدرك الفرق بين القانون أوالأسلوب اللازم لتغيير الفرد أومجموعة من الأفراد، وبين القانون أوالأسلوب اللازم لتغيير المجموع أوالمجتمع، وهذا خلل كبير وخطير في المنهج يجعله مشلولاً وعاجزاً عن إحداث التغيير الاجتماعي.

نعم قد ينجح في استمالة بعض الأفراد ولكن على حساب خسارة المجتمع والتفريط به ككل. إن السكوت وعدم الإعلان بالحقيقة الصريحة في وسط المجتمع خشية أن نفقد عدة أشخاص تربطنا معهم علاقة من أي نوع، أوجاؤوا إلى المسجد القريب مثلاً يؤدي إلى أن يظل المجتمع سادراً في غيه، جاهلاً بحاله، مستمراً في ضلاله. لأنه لم يجد أويسمع من يعرفه بالحق من الباطل.

إن مواجهة الخطر المحدق بنا بسبب إيران وذيولها وهم يرفعون شعار التشيع الفارسي لا تكون إلا بـ (فضحه ومصارحة الشعب والوقوف بصلابة بوجهه وعدم الليونة ورفض أية مساومة لأن الشعار جدي والعاملين على تطبيقه جديون، قد يناورون مثلما حاولوا أن يكسبوا السوريين والليبيين لكن لهذا خطاً لاحقاً يقع في العمق…فدعهم أولاً يحطمون الخطوط الأمامية، وعندما يصلون إلى سوريا سيكون الأمر هيناً عند ذاك، لأنهم حينئذ يتنصلون عن أي التزام…كيف نواجه هذا المخطط؟

نواجهه بمصارحة شعبنا ونعبئ إمكانياتنا، نتضامن ونرفض الألاعيب الإيرانية) (1)

بين الصدع بالحق للمجتمع والحوار الشخصي للأَفراد:

قد يتغير الفرد بالحوار الشخصي والأساليب الفردية المحدودة. ولكن المجتمع سيظل في عزلة عن هذا التغيير. ولا يتأثر به إلى الحد الذي يمكن اعتباره كبيراً وشاملاً ما لم يحصل الصدع العلني بالحق ويستغرق زمناً قد يطول جيلاً أوجيلين تبعاً لتوفر العوامل والظروف المطلوبة.

__________

(1) دين خميني، 42، 43 - صدام حسين.

إن العقل الجمعي للمجتمع لا يتغير قط إلا بهذا الأسلوب الذي يجعله يتأثر ويستجيب -بلا وعي، وشيئاً فشيئاً- لدواعي الحق الذي تتغلغل فقراته على مدى الزمن المطلوب حتى يأتي يوم يكون فيه مهيأً للضربة الأخيرة فيسقط الجدار وقد يكون سقوطه فجأة لطول ما تفاعلت فيه عوامل التغيير مثله كمثل بحيرة ماء تضرب أمواجها جداراً من طين، أوتحفر في ذراته شيئاً فشيئاً. إنه يتصدع -ولوببطء- حتى يأتي يوم فينهار.

صحيح أن هذا الأسلوب يتسبب في نفرة المجتمع في بداية الأمر، وإثارة المشاكل كما حصل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولكن ذلك ليس دليلاً على عدم جدواه. وليس العلاج بالترك والنكوص. ومن قال بذلك فإنه لا يعرف مراحل العلاج أومحطات السير.

إن من العلاج ما يثير السخونة أوالشعور بالمرارة أولاً. وقد يسبب التقيؤ أوانقلاب المزاج. ولكن الطبيب يقول: اصبر على هذه الآثار الجانبية وإلا لن يحصل الشفاء. فالعلاج إذن بالصبر والمصابرة والمرابطة.

المشكلة أن الكثيرين لا يريدون أن يتسببوا في مشكلة، ولا يتحملوا الآثار الجانبية للعلاج. ويجعلون من أي حالة عارضة غير مرغوبة دليلاً على الفشل، وهذه عقبة ما لم نقتحمها ونتجاوزها لنذوق حلاوة عاقبتها فلن نصل إلى الهدف أبدا.

إشكالية النصوص الشرعية:

إن هذا يلزمنا بأن نفرق بوضوح بين أسلوب الإعلان بالدعوة خطاباً للمجتمع، وبين الحوار الفردي في الزوايا الضيقة أواللقاءات الخاصة أوالعلاقات الاجتماعية الفردية توصلاً إلى تغيير الفرد. وعندها سننزل النصوص الشرعية التي تبدومختلفة أومتعارضة منازلها.

إن المنهج الترضوي لا يدرك الفرق بين النصوص الموجهة لدعوة الفرد والنصوص الموجهة لدعوة المجتمع. إنَّهُ يأتي إلى قوله تعالى - مثلاً-: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24)} سبأ. فيجعل منه قاعدة متبعة في الحالتين ويغمض الطرف عن النصوص الأخرى مثل: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) …} الكافرون. بينما تقضي الأصول بأن نوفق بين النصوص جميعها. وذلك بأن نحدد موارد النصوص التي تختلف بها بعضها عن بعض، فيختلف إعمال النصوص باختلاف مواردها. وهنا يزول الأشكال. لا أن نُعمِل بعضاً ونعطل بعضاً.

إن آية (سبأ) المارة الذكر أسلوب جدلي رفيع المستوى بين الداعي وبين فرد أومجموعة أفراد يضعهم فيه وجهاً لوجه أمام المشكلة مفترضاً افتراضاً جدلياً احتمالية وجود الخطأ في أي طرف من الطرفين وكذلك الصواب. ويمكن للداعي أن يستعمل هذا الأسلوب من فوق المنبر أوأي وسيلة إعلان عامة مفترضاً في ذهنه حواراً جدلياً قائماً بينه وبين المجتمع المدعو، بشرط أن يستمر في هذا الحوار إلى نهايته التي يظهر فيها من الذي هوعلى الهدى ومن الذي هوعلى ضلال.

إن هذا الأسلوب لا يصلح أن يكون قاعدة عامة مطردة، أوعنوانا للإعلان عن دعوة تغييرية عظيمة شاملة تعرض على الملأ، وإلا ضاع الحق من الباطل وماعت الدعوة، وفقدت مبرر وجودها. لأن الداعي إذا كان يحتمل حقيقة -لا جدلاً- وجود الخطأ في ما يدعوإليه والصواب في القضية التي يريد تغييرها فقد الحجة التي يستند إليها في دعوته وإلزام المجتمع بها وما عاد هناك أي داع للضجيج والإنكار وفتنة الناس وتفريقهم، لأن الإلزام لا يكون بما هوظني ومحتمل، إنما يكون بما هوحق جزما وقطعاً، فعلاً أوتركاً.

ولوعدنا إلى الآية وقرأناها بإمعان لظهر ذلك لنا بوضوح وظهر لنا معه بطلان شعار: (لا فرق بيننا) الموضوع للمزايدة والاستهلاك فإن النص لم يقل: (وَإِنَّا وإِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)، وإنما يقول: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مبين} فجاء بحرف (أو) الذي يفيد التخيير، ولم يأت بـ (الواو) الذي هوللاشتراك.

ومعنى هذا أن واحداً من الفريقين فقط على هدى. وأما الآخر فعلى ضلال قطعاً. أما ان يكون كلاهما على هدى أوكلاهما على ضلال فكلا. إذن الآية واضحة منذ البداية في عدم قبول الحلول الوسطية الترضوية. فالافتراض موضوع للجدل لا أكثر من أجل إثارة الخصم باتجاه النقاش بأسلوب هادئ.

ومع هذا فالحوار ينتهي هكذا: {قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)} سبأ. أي ببيان انهم مشركون وأنهم على ضلال ودعوتهم مرفوضة بأشد أساليب الإنكار والرفض: (كلا)!

وفي الآية دروس كثيرة منها: أنه لا بأس في الحوار أن نقول: إن ديننا واحد وقرآننا واحد ونبينا واحد وما شابه من الكلمات الهادئة اللينة على أن يكون ذلك مجرد نقطة عبور أوانطلاق مشتركة للوصول إلى نتيجة واحدة واضحة هي أن مفاهيم الخصم لا تستقيم مع هذه القواعد والمبادئ التي اتخذناها أساسا للرجوع والتفاهم.

ننطلق من المتفق عليه لنحسم المختلف فيه:

ولورجعنا إلى القرآن فإننا نجده يعلمنا في نقاشاتنا وحواراتنا أن ننطلق من القواعد والمفاهيم المشتركة المتفق عليها لبحث المختلف فيه وصولاً للاتفاق عليه طبقا إلى تلك القضايا المشتركة كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)} آل عمران. وكما تنص عليه آية سبأ نفسها قائلة: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ (24)} فكون الله هوالرزاق أمر مشترك متفق عليه.

وما لم نستثمر المتفق عليه من اجل حسم المختلف فيه المتعلق به، فإننا نظل نراوح فوق تلك الأرضية المشتركة ونقفز لنرجع إلى النقطة نفسها حتى نتعب أوننهار! خشية أن نفقد من لا فائدة من التوقف معه عند هذه المرحلة الميتة.

أما المنهج الإلهي فيعلمنا أن أسلوب تغيير المجتمع يختلف عن أسلوب تغيير الفرد. فلكل أسلوبه وقانونه. والخلط بينهما يضيع علينا هذا أوهذا. فلا يجوز استعمال أي من القانونين في غير محله.

قانون تغيير المجتمع طبقا للمنهج القرآني:

دار بيني وبين صديق لي الحوار الآتي:

- لقد شتمت الخميني في محاضرتك! وهذا غير صحيح لأنه سينفّر من يحبه. ولقد أثار هذا ضجة في المنطقة التي حول المسجد.

- لا بأس بما تقول. ولكن قل لي: إذا اختلفنا فالحكم إلى من؟ شرعنا أم آرائنا؟

- بل شرعنا.

- أحسنت وأصبت فاسمع مني: إن في القرآن العظيم وكذلك السنة المطهرة وسيرة النبي- صلى الله عليه وسلم - العطرة شتماً لرؤوس الكفر والباطل.

- نعم، ولكنها قليلة.

- بل هي كثيرة جداً بحيث يصعب حصرها. وهي تشتم وتلعن هذه الرؤوس وبالأسماء أوبالصفات الواضحة المشخصة عينا.

خذ مثلاً: أبا لهب وهوليس شراً من الخميني، بل هوأشرف منه نسباً. وخير خلقاً. وأخف كفراً وأقل شراً وضررا. لقد شتمه القرآن بقوله في سورة المسد: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) …} الخ السورة. وخرج بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فألقاها في وجهه وأمام الملأ وهوعمه والعم في مقام الأب كما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (عم الرجل صنوأبيه)!

ولك أن تلاحظ أن السورة لم تكتف بشتم الرجل دون أن تقرن معه امرأته! وهذا أكثر إثارة لدى العربي! إن أحداً يشتمك لا يسيء اليك كما يسيء حين يشتم زوجتك في وجهك.

والوليد بن المغيرة كم مرة شتمه القرآن! اقرأ -مثلاً- سورة (القلم) لتجد الأوصاف الشنيعة التي شتم بها: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ (1.) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)}

ونزلت فيه آيات من سورة (المدثر) تلعنه وتتوعده: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (2.) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)}

(وظللت أسرد عليه أمثال هذه النصوص القرآنية العظيمة وهوينظر الي كأنه يسمعها لأول مرة). ثم قال:

- نعم. ولكن هذا مع الكفار.

(قلت في نفسي: هذا هروب. وهواعتراف غير مباشر بصحة الرد، فإن صرف الموضوع إلى جهة أخرى معناه اعتقاد صحته من حيث الأساس وانحصر الخلاف في التطبيق) ثم قلت:

- من قال لك إن العلة هي الكفر؟ ولماذا لا يكون مناط الحكم الباطل عموماً، كفراً فما دونه فحيثما وجد أنكرته ولعنت رؤوسه؟

يقول تعالى: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)} الأنفال. فقطع دابر الكافرين تفريع للقاعدة الكلية (إبطال الباطل) وتطبيق لها. وليس هوالصورة الوحيدة أوالعلة التي أناط الله بها هذا الحكم.

والقرآن شتم المنافقين وفضحهم ولعن رؤوسهم كعبد الله بن أبي بن سلول. مع أن لهم حكم المسلمين، وظاهرهم مسلم يطالبون بما يطالب به المسلمون من أحكام، وتطبق عليهم الحدود الإسلامية، ويخاطبون بالخطاب نفسه الذي يخاطب به المسلمون: (يا آيها الذي آمنوا).

ثم من حكم للخميني بالإسلام وشهد له بالإيمان؟! إنَّهُ أقذر صورة للنفاق والزندقة. بل الكفر الصريح! هووكل العلماء الذين على شاكلته.

وعاد صديقي إلى نقطة البداية ليقول:

- صحيح. ولكن هذا ينفر الناس. إن أحد هؤلاء كان في المسجد فخرج محتجا!

- وليكن، من قال لك إن نفرة النافرين حجة على صحة الدعوة ومقياس لخطئها من صوابها؟ ألم يقل الله تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (5.) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)} المدثر. فرد على نفرتهم بما يزيدهم عتواً ونفورا!

ماذا تريد أن نفعل للحمير إذا نفرت وضفنت (1)؟ أنقدم لها الحشيش ونمسح على ظهورها، ونرش العطور على وجوهها؟!

__________

(1) ضَفَن البعير برجله: خبط بها. وضفن بغائطه: رمى بِهِ - مجمل اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس.

- إن الدعوة التي لا ينفر منها الحمير ليست بدعوة لأنها ستمسي يوماً -ولا بد- مجمعاً لهؤلاء الحمير أوالمستحمرين! وستكون أنت مسؤولاً عن دفع تكاليف الشعير. وإلا ستخلوالحظيرة أخيراً من (أهلها)، وتحصل على لقب (أفشل داعية) بجدارة! فماذا ستفعل؟!

بل أقول لك سرا من أسرار الدعوة والتغيير الاجتماعي: أتدرى أن التغيير يبدأ من هنا؟! من الإثارة والنفرة وتحريك السواكن الجامدة والعقول الخامدة. إنه ما من دعوة من الدعوات نجحت إلا وبدأت هذه البداية

- كيف!

- سينفر المجتمع أولاً. وهذا لا ينبغي أن يجرك إلى أن تغير خطتك أوتنحرف عن خطك. بل استمر في سيرك ودعوتك وأعلِ من نبرتك وهذا سيؤدي إلى .. نفور أكثر!

- فاستمر على ما أنت عليه وسترى!

سيأتي يوم فيه يصمتون. عندها أعلم أنهم أصيبوا بالذهول وأن الصدمة قد بدأ مفعولها وأنهم بعد حين تتحرك خلايا أدمغتهم الجامدة المتحجرة وتتشكل من جديد لتبدأ بالانتباه بشيء من الجدية إلى ما تدعوإليه والتفكر فيه. ستقول لهم أنفسهم: لولا أن ما يدعوإليه هذا الداع حق لما تمسك به هذا التمسك. فهل نحن حقا على باطل؟! وهذا أول علامات الوهن والانهيار في جدار الباطل. إنه الصمت والتأمل.

وهنا يتحول أهل الباطل من حالة الهجوم وإلقاء الشبهات والضجيج والمطالبة بعقد حلقات الجدل والنقاش إلى حالة أخرى تتمثل بالهروب وعدم المواجهة، والاكتفاء بحالة الدفاع عند الاضطرار، فاعلم أنك قد قطعت شوطا كبيرا في سيرك بالاتجاه الصحيح.

لقد انتهت مرحلة وبدأت مرحلة أخرى:

انتهت مرحلة الهجوم وبدأت مرحلة الدفاع. عليك هنا أن تستثمر الحالة وتحول دفاعك إلى هجوم لتقضي على آخر سواتر المقاومة لخصم قد انهزم نفسيا وفقد الحماس في الدعوة إلى أفكاره المنحرفة التي بدأت تتزعزع ثقته بها حتى مع أبنائه وعائلته.

أي أن الجيل القادم سيكون ضعيف التعلق بباطله ويكون- هووالجيل الذي بعده- من حصة أهل الحق إن شاء الله.

إن الجيل الأول عموماً لا بد أن نقبل خسارته ونفرته - هذا على أسوأ الاحتمالات- ثمناً لربح الأجيال القادمة بشرط ان تتضافر الجهود للدعوة بهذا الأسلوب وأن لا يقف الترضويون حاجزاً أمامها يصدون ويوعدون مع أملنا بالمخلصين منهم أن يلتحقوا بالركب السائر في طريق الأنبياء.

على أن هذا لا يلزم منه أن لا تظل عصابة من الرافضة -لا سيما الرؤوس والمنتفعون والمغرضون- تثير الفتن وتحاول الكيد بشتى الوسائل والأساليب. وهكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وبغض النظر عن تفاصيل المراحل التي مرت بها دعوته -إذ لكل مرحلة ظرفها الذي يصنعها مما يؤدي إلى اختلاف أوتشابه المراحل بين الدعوات وقد تختلف في تفاصيلها تبعا لتشابه الظروف وتسلسلها -فإنه - صلى الله عليه وسلم - صدع بالحق وجهر بالدعوة وسفه آراء المجتمع وضلل آباءهم وشتم كبراءهم وفضحهم وفضح أباطيلهم.

ولولا هذه الشدة وهذا الهجوم العنيف لما رضخ المشركون وجاؤوا إليه صاغرين يتوسلون -للوصول إليه- بالملك والمال والنساء، مقابل شيء واحد هوأن يدعهم وشأنهم. بل كانوا يطلبون إليه أحيانا أن يسكت مجرد سكوت عن تضليل آبائهم. ولكنه يصر -في مقابل ذلك كله- على ما هوعليه! فماذا كانت النتيجة؟

تقربوا إليه أكثر فعرضوا عليه حلاً وسطاً أن يعبدوا إلهه وحده فترة ويعبد آلهتهم مثلها. لكنه يجيبهم بصراحة وغلظة ويرمي بها في وجوههم: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)} الكافرون.

هذا هوالمنهج. فمن وجد في نفسه القوة وعلوالهمة، فليمض على نوره وهداه وإلا فليدع الخلق وشأنهم.

هل رأيت كيف أذل هذا المنهج العزيز رؤوس الباطل فجعلهم يقدمون التنازلات تلوالتنازلات؟ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثابت على موقفه لا يتزعزع ولا يتزحزح قويا صريحا. رغم أنه لم يكن يملك سلاحا، ولم يشهر في وجوههم قنبلة ولا وجه عليهم مدفعا لينهاروا هذا الانهيار!

أرأيت قوة هذا المنهج وفاعليته في هزيمة الخصوم!

هذا ما نحتاجه. وهذا ما نحن بأمس الحاجة إليه اليوم كي نعيد الثقة إلى النفوس. فإنك ترى الأمر بالمقلوب!

أهل الباطل ثابتون على موقفهم لا يتزحزحون، معلنين بباطلهم لا يترددون، وأهل الحق يقدمون لهم التنازلات تلوالتنازلات لعلهم يرضون أويصفحون ثم هم لا يستجيبون!

ماذا تريد مني أن أفعل في زمان انهار الكثير من أهله أوكادوا في دينهم كما انهاروا في سياستهم -إلا من رحم-؟!

ألا ترى الشبه واضحا بين التنازلات السياسية أمام اليهود طمعا في إرضائهم أواتقاء شرهم، وبين التنازلات الدينية أمام الشعوبيين طمعا في إرضائهم أواتقاء شرهم؟!

والنتيجة الملموسة أنَّهُ لا هؤلاء يرضون ولا هؤلاء يرضون! أليس العكس هوالذي يجب أن يكون؟! هل ترى في المنهج الترضوي قدرة على أداء هذا (الواجب) وإنجازه؟! قدرة على قلب هذه المعادلة الظالمة؟!

هذا هوالمطلوب وهوواجب الوقت في بلدنا. فلنبحث عن منهج آخر.

(وصمت صديقي طويلا وراح في تفكير عميق ولم يرد علي) فقلت له:

أقول لك -وبكل تواضع- إن لنا تجربة ميدانية منضبطة بنور الوحي أرجوأن تنتبهوا إليها وتستفيدوا منها قبل فوات الأوان.

الإسلام دعوة تغييرية جماعية اجتماعية ذات منهج تغييري جماعي اجتماعي وليس هودعوة فردية:

الإسلام دين جماعي جاء للجماعة قبل الفرد، والإسلام ليس علاقة قاصرة بين الفرد وربه مجردة عن المجتمع ومنعزلة عنه. نعم هوعلاقة بين العبد أوالفرد وربه ولكن من خلال المجتمع.

إذن جاء الإسلام لتغيير المجتمع ككل، وليس لخطاب فرد أومجموعة من الأفراد. فلا بد أن يكون له منهجه المناسب، وبرنامجه الخاص بهذا الهدف. أي منهج تغييري جماعي صالح لبلوغ الهدف المرسوم. لهذا اتجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدعوته إلى مجتمعه ولم تشغله دعوته الفردية عن هذه المهمة الاجتماعية. بل سخر الأولى في خدمة الثانية. ملخص القول أن الإسلام دعوة تغييرية جماعية قبل أن يكون دعوة فردية موجهة لإصلاح فرد أومجموعة من الأفراد بمعزل عن المجتمع.

إن منهجه التغييري الجماعي يقوم أول ما يقوم على الإعلان الواضح بالدعوة والصدع بالحق وإنكار ما عليه المجتمع من باطل، دون الاكتفاء بطرح الأفكار في الزوايا الضيقة. ولوكان بالإمكان -طبقا لطبيعة البشر والقوانين الاجتماعية التي وضعها الله تعالى في خلقه- إحداث تغيير شمولي في أفكار المجتمع وأوضاعه بغير هذا الأسلوب لما اختاره الإسلام وطبقه الرسول لأنه دين التسامح والحنفية السمحة. وما خُيِّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما. وهوالقائل: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه).

إذن من غير الممكن بلوغ هذا الهدف العظيم ما لم يكن هناك وضوح في الفصل بين الحق والباطل، وصراحة في مواجهة المجتمع في إنكار هذا، والدعوة إلى ذاك.

أما مجاملة المجتمع علنا والاقتصار ببيان الحق من الباطل على الأفراد في المجالس الخاصة والأماكن المغلقة فلا يمكن -في يوم من الأيام ولم يحصل في التاريخ- أن يؤدي إلى التغيير الاجتماعي المطلوب الذي هومهمة الإسلام الأولى، وينبغي أن يكون مهمة كل مسلم وداع إلى الإسلام بحق.

لا بد من (المشكلة) كمرحلة من مراحل التغيير:

{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)} آل عمران.

كل دعوة نجحت على مر التاريخ شكلت في زمانها مشكلة اجتماعية كبيرة في مجتمعها في أول مرحلة من مراحلها!

خذ الثورة العلمية الأوربية مثلاً -كما نوهت فيما سبق- كم عانى العلماء من الاضطهاد والتشريد والقتل والتحريق على يد الكنبسة! لولم يشكل أولئك العلماء الأفذاذ المناضلون مشكلة كبيرة هددت الوجود الباطل لدى (رجال الدين) هل كان يحدث هذا؟ ولولم تمر تلك الدعوة أوالثورة بهذه المرحلة أوالمشكلة أكان بالإمكان أن يكتب لها النجاح؟

تصور! لوأن كل عالم أسر بما عنده لمن يثق به فقط، واقتصر بدعوته على مجالسه الخاصة. أما في العلن والمحافل والمنتديات فيجري تمجيد الخرافة على حساب العقل ومجاملة الجهل على حساب العلم، ومداهنة الكنيسة تجنباً للمشاكل -هل كان قد حصل التغيير المطلوب؟! على العكس. ستذهب دعواتهم هواءاً في شبك وصيحة في واد!

سقراط مثل آخر ما الذي ميع دعوته التوحيدية؟ إنها مجاملة تلميذه إفلاطون- الذي رأى كيف أعدم أستاذه بالسم- التي أنتجت وثنية أرسطوتلميذ افلاطون!

والأحناف الموحدون كانوا موجودين في المجتمع العربي. ولقد كانوا يتمنون الإصلاح ويقومون ببعض ما عليهم من بيان للتوحيد وإنكار للشرك ولكن .. بـ (هدوء) ودون إثارة وبالقدر الذي لا يسبب (مشكلة).

فهل استطاعوا إصلاح المجتمع وإحداث التغيير المطلوب؟ كلا. لماذا؟

لأن الطبخة لم تنضج على نار (المشاكل) التي لا بد منها ليكون الطعام سائغ المذاق. لقد كانوا يدركون حجم ما يسببه لهم التغيير والإصلاح من مشاكل ما كان عندهم الاستعداد لمواجهتها وتحملها، فكانوا يتحاشونها لأنها كانت تمثل لديهم -كما لدينا اليوم- إشارة الخطر الحمراء التي لا بد عندها من تخفيف الضغط حتى ينزل السهم أوالإشارة دونها.

هذا ورقة بن نوفل- رضي الله عنه - يقول لرسول الله- صلى الله عليه وسلم - من أول يوم حين أتاه يستعلمه حقيقة ما رآه من أمر الوحي ويخبره قبل أن يعلم النبي نفسه بهذه الحقيقة الخطيرة والسنة التغيرية الاجتماعية أوالعقبة التي لا بد من اقتحامها:

(يا ليتني فيها جذعا إذ يخرجك قومك فأنصرك نصرا مؤزرا) فيسأله - صلى الله عليه وسلم - مستغربا: (أوَمخرجيَّ هم؟!) فيجيبه: (ما جاء أحد قومه بمثل ما جئت به إلا عُودِيَ وأوذي)

إن كثيراً من المشايخ اليوم والدعاة والمفكرين والمسؤولين يمثلون دور ورقة بن نوفل ونحن بأمس الحاجة إلى دور محمد بن عبد الله. ولعل بعضهم لا يريد أن يكون في واجهة المواجهة، فإذا تقدم الصفوف غيره كان من ورائه ينصره ويؤازره.

افترض أن الأحناف قد كثروا في تلك المجتمعات حتى صاروا يعدون بالمئات وظلوا عشرات السنين بل مئاتها يهمسون بدعوتهم هنا وهناك دون أن يرتقوا بها إلى مستوى (القضية)، ويبلغوا بها سطح الأحداث لتكون هي الأولى وهي (المشكلة)، هل كانوا يحققون هدفهم وأمنيتهم من التغيير المطلوب على مستوى المجتمع كله ما لم يخرج من بينهم (محمد)!

فما لنا نمجد محمدا بأقوالنا، ونصنع ما صنع ورقة بأفعالنا؟ في زمن هبت فيه الريح شديدة عاصفة لا يمكن أن يصمد في وجهها ورقة، ولوكثرت الأوراق وتجمعت وصارت بالآلاف.

سلعة الله غالية:

جنوح الإنسان إلى المسالمة والدعة مغروس في فطرته، وتردده من تحمل التكاليف وارد وليس بمستغرب. ولكن سلعة الله غالية، والجنة لا تنال إلا بمخالفة دواعي الطبع ونوازع النفس التي لا تتلاءم مع الشرع. ومن هنا جاء الحث على الجهاد والترغيب فيه والترهيب من النكول عنه كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)} المائدة. والقرآن يخبرنا أن التردد راود كل نفس ولم يسلم منه حتى الأنبياء الكرام عليهم السلام وليس في ذلك من عيب ما لم يستسلم له الإنسان:

{وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ… (37) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)} الأحزاب.

وقبلها قال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا (36)} الأحزاب.

لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحاول-مندفعاً بطبيعته البشرية-تجربة وسائل أخرى أكثر سلاسة، والسير في طرق أقل وعورة لعلها تكسب إلى دعوته أولئك النافرين المعرضين الذين يؤذيه إعراضهم وصدودهم أشد الأذى. أليس من وسيلة يتجنب بها هذا الإعراض والصدود والعداوة والبغضاء؟

إنهم يعدونه بالإيمان إن هواستجاب لمطالبهم في تحقيق بعض الخوارق مثل تفجير نهر في جزيرة العرب، أوإنزال كتاب من السماء.

ويظهر أنَّهُ كان يسأل الله ذلك وقد يكون ألح في هذا السؤال فأنزل الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وَقَالُوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنزلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (35)} الأنعام.

وقبلها مباشرة قال سبحانه: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ (34)} الأنعام.

ونحن نعلم ذلك من إخواننا ونعطيهم بعض العذر كبشر وحسابهم على الله تعالى. ولكن لا نعذرهم في تطويع النصوص وتقطيعها لتجعل في خدمة الضعف البشري. ونطمع في ان يتجاوزوا ضعفهم ويطوعوا أنفسهم لتكون في خدمة (القضية).

لا تعارض مع التغيير الفردي:

إن تطبيق المنهج القرآني من أجل إحداث التغيير الاجتماعي لا يتعارض أبدا مع الدعوة الفردية أوالحوار الخاص وتكوين العلاقات وعقد اللقاءات كما يبدولمن ينظر إلى الأمر من خارجه. فلكل أسلوبه ومجاله.

وهكذا كان النبي- صلى الله عليه وسلم - يجمع بين الأمرين بحيث لم يجعل من أحدهما سببا لإلغاء الآخر أومعارضته. ولم يقف إعلانه بالدعوة عائقا أمام تلك الحوارات واللقاءات.

على العكس فإن الصدع بالحق يحرك السواكن ويثير العقول ويدفع النفوس باتجاه النقاش والجدل والحوار الذي ينبغي أن نستثمره ونجعله -كما أوصى ربنا- بالحسنى وحسب الضوابط الشرعية. ويؤدي كذلك -وبقوة- إلى مراجعة الأفكار وإثارة الحوارات الذاتية والمثنوية مما يعطي للأفراد فرصة اكبر للوصول إلى الحقيقة مستقبلاً وتنشيط الدعوة الفردية.

فالمنهج القرآني يكسب الفرد والمجتمع، عكس المنهج الترضوي الذي يخسر المجتمع على وهم ربح الفرد. ولكن لا بد من مرور فترة زمنية يأخذ فيها التغيير مستحقه من النضج.

إن هذا- حتى يتم- يحتاج إلى تكامل دعوي يقترن فيه الصدع بالحق من قبل ما يكفي من الدعاة والكتاب والخطباء والمفكرين والمحاضرين الذين يتقدمون الصفوف، بالحركة من قبل الجمهور الواعي الساند الحامل لـ (القضية) بعد أن يكون قد أدرك أبعادها مسبقاً بواسطة أولئك المتقدمين. فالصدع بالحق لا بد أن يقترن بالحركة من قبل ذلك الجمهور متمثلة بالحوار الشخصي وتقديم الوسائل البيانية من الكتاب الهادف والشريط المناسب. إن هذا كله ينشط التغيير الفردي ويكسب باستمرار مزيدا من الأنصار الحقيقيين وليسوا أرقاما فارغة لا قيمة لها. وفي الوقت نفسه نكون قد قمنا بواجبنا تجاه المجتمع الذي نأمل أن يتغير باتجاه الهدف إذا تكاملت فيه عناصر التغيير ضمن الزمن المعين.

ومع هذا كله نقول: لا بأس أن يخسر التاجر عشرة آلاف في زاوية لـ (يربح المليون) في الزاوية الأخرى. لقد حصلت الخسارة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن الربح تحقق من بعد وهوالقائل: (لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله)

نزيد العدد أم نغير المجتمع؟:

قد تؤدي المجاملة على حساب الحقائق المزعجة إلى كسب سريع لعدد من الأشخاص قلوا أم كثروا. هذا صحيح وواقع. وقد يغري هذا العدد البعض من (الدعاة) ويجعلهم يتوهمون النجاح دون أن ينتبهوا إلى أن الثمن المدفوع مقدما مقابل هذا النجاح الموهوم باهض جدا لا تعوضه كل الأرباح المتوهمة لأنه هوالمجتمع نفسه! فنكون قد ضيعنا الكل مقابل جزء لا قيمة له لا من حيث الكمية ولا من حيث النوعية.

أما الكمية: فما قيمة عشرة أشخاص أومائة أوحتى ألف في هذا المجتمع المتلاطم؟. ومن باب الطرفة غير البعيدة عن الواقع نقول: إن هذا العدد يمكن الحصول عليه بوسائل أخرى أكثر (هدوءاً) وأبعد عن حصول المشاكل مثل تشجيع الزواج المبكر وتعدد الزوجات دونما داع لهذه الجهود المضنية المزعجة.

وأما من حيث النوعية فإن أغلب هؤلاء الأفراد لم يتغيروا إلى المستوى المطلوب. بل لازالوا يعانون من رواسبهم القديمة التي يعجز المنهج الترضوي عن إزالتها. فهم معرضون للاهتزاز والارتكاس بمجرد أن يسمعوا كلمة الحق والحقيقة المزعجة. أفنظل نكتم عنهم هذه الكلمة؟! فما قيمة الاجتماع على الباطل؟!

نصف سني يساوي نصف رافضي:

إن أنصاف المتغيرين هؤلاء يشكلون خطراً على الصف الداخلي. وذلك من عدة نواح: منها تسلل المدسوسين فيما بينهم الذين يوفر لهم المنهج الترضوي جميع أسباب الحماية ومظلات التستر والاختفاء ليعملوا عملهم في تخريب الصف وكسب ما يستطيعون كسبه إلى جانبهم عن الطريق العلاقات الشخصية وإثارة الشكوك وإلقاء الشبهات في أوساط أهل السنة والتأثير عليهم بشتى الوسائل والحيل.

وهناك ناحية أخرى خطرة جداً قد لا ينتبه إليها ألا وهي أن هؤلاء الأنصاف -إذا لم تتوفر لهم فرصة التغيير المطلوب ولا بد أن البعض منهم لن تتوفر له هذه الفرصة فيظل كما هو- سيحسبون مستقبلا على الصف الداخلي ويكون منهم الخطيب والأستاذ والمحاضر والكاتب والمتدين العادي. ولا شك أن ما سوف يطرحونه سيكون مخلوطا وليس صافياً. وعندها -وبعد اكتسابهم للهوية بتأثير الزمن- سيستقبل الوسط هذا الخليط على أنه هوالحق.

فمن الكاسب في هذه الحالة و(لله الدين الخالص) والشيطان يقبل بأي تابع؟! ويمكن تصوير الخطر الناتج بالمثل التالي: افترض أن رافضياً استطاع أن يغير سنيا إلى النصف فصار نصفه رافضياً ونصفه سنياً، وأن هذا الصنف -النصف قد كثر بيننا وصار يتكلم بألسنتنا ويبث أفكاره المشوشة المخلوطة فيما بيننا أليس في هذا خطرٌ علينا؟

والآن قل لي: أليس السني الذي نصفه رافضي يساوي الرافضي الذي تغير فصار نصفه سنيا؟!

لماذا نرفض الأول ونرضى بالثاني؟! ما الفرق؟!

هذا ما أردت قوله لك. إن الصنف -نصف سني = الصنف- نصف رافضي.

وإن هؤلاء الأصناف- الأنصاف ما لم نقطع معهم الشوط إلى نهايته طبقا إلى المنهج القرآني لنغيرهم التغيير المطلوب فانهم يشكلون خطر مستقبلياً علينا لا يقل عن خطر الفرس حين دخلوا في الإسلام جملة واحدة واكتسبوا الهوية على عجرهم وبجرهم، فقاموا بأخطر الأدوار في هدم دولة الإسلام.

إن هؤلاء الأصناف-الأنصاف سيمارسون دورهم -بقصد أوبغير قصد- في تنصيف أهل السنة حتى يتغير وجه السنة الحقيقية ويبدوغريبا على أهلها وهي مرحلة متقدمة باتجاه التشيع الفارسي. إن المنهج الترضوي عاجز كل العجز عن إحداث التغيير المطلوب لهؤلاء الأصناف بل هوصالح جداً لإنتاج المزيد منهم. ولهذا أرى أن السير على هذا المنهج والاستمرار عليه ما هوإلا خطة غير واعية لتشييع أهل السنة فارسياً.

الاعتدال في وسط التطرف اعوجاج:

وأخيراً اختم -بحمد الله- هذه الجولة الواسعة بكلام حكيم من حكماء الدعوة والتغيير في هذا العصر هوالدكتور حسن الترابي وهويتحدث عن سنة من سنن التغيير الاجتماعي:

قال -تحت عنوان: الاعتدال أم الأقدام-:

أن يكون الاتزان بين الثبات والتطور حكمة مطلوبة، فإن مخاطبة المجتمع المسلم الحاضر بمعاني المحافظة والحذر من التغيير بقدر مساولمخاطبته بدواعي النهضة والحركة، إنما هوفي مثل ظروفنا وضع للأمور في غير مواضعها وسبب لإضرار بالغ بالمجتمع ودينه. والخطاب المناسب لمجتمع نائم خامد قرونا طويلة أن نبادره بالمنبهات ودواعي الحركة الحرة. وأن نصيح له أن تيقظ! جاهد! اجتهد! حتى إذا جاد بالحركة وتباركت نهضته لدرجة نخشى عليه فيها الجنوح والفوضى عندئذ يجوز أن ندعوه لما هوالأسلم والأحوط…. وهذه الروح في تربيتنا الدينية لا بد من أن نتجاوزها الآن ولا نتواصى اليوم بالمحافظة بل لا ينبغي إطلاق الدعوة إلى الاعتدال لأننا لواعتدلنا نكون قد ظلمنا ولواقتصدنا نكون قد فرطنا.

أما وقع التجديد الديني من حيث اللطف أوالعنف فإنه يأتي تبعاً لظروف التحول الاجتماعي. فحين تكون عهود الفترة قد تطاولت وآثار الجمود تراكمت لا يولد العهد التجديدي إلا بعسر شديد، ولا يتم إلا بمجاهدات عظيمة. ويمكن أن يسمى الأمر عندئذ بعثاً أوثورة لعظم النقلة بين الموات القديم إلى الحياة المنبعثة وفور الحركة الطارئة على السكون القديم.

ولما كانت حدة المفارقة وشدة وقعها تستفز القديم المستقر وتزلزل قواعده الجامدة فإن التجديد يغلب أن يستصحب شيئاً من الحدة والشدة فتأتي لغته لاذعة صافعة وتأتي تدابير تنفيذه كثيفة عنيفة. وتؤدي المدافعة الجهادية إلى مجابهة بينة تنصب القديم وحلفاءه في وجه القائمين بالجديد. والأولى بالمسلمين بالطبع أن يرفقوا في الجدال فلا يقولوا إلا التي هي أحسن، وأن يتجنبوا الفتنة والقتال إلا إذا استحكم البغي وصار الجهر بالسوء والانتصار بالقوة ضرورة يقتضيها الواجب من الدين.

إن الجمود والثورة كليهما سبب فتنة في الدين، بل يغري أيهما بالآخر، ذلك أن الجمود يؤدي إلى أن يخلد الإنسان في مقامه بينما يقتضي الدين مقاماً جديداً فتزداد الشقة والغربة بينه وبين دينه، ويزداد بانسلابه من الدين تصلباً في أوهامه وأهوائه حتى لا يترك رجاء للإنابة الرفيقة، ويصبح الإصلاح العنيف لزاما ليكسر حدة المقاومة ويستدرك كل القصور المتراكم وتنبعث الثورة التي تقع عندئذ بقوة اندفاع هائل لتحقيق الإصلاح الشامل (1).

__________

(1) تجديد الفكر الديني /94 - 96، 166،167 الدكتور حسن الترابي.

إن هذا يذكرني بالرد الإلهي العنيف البعيد عن الوسطية على اليهود حين غلوا في شأن القبلة وجعلوا منها قضية ومشكلة اشغلوا بها المجتمع المدني حينا من الزمن، وأثاروا من ورائها غبارا كثيفا من التشكيك والبلبلة ملأ الجوكله. وكانت شبهات قوية كادت تزعزع الصف الداخلي حتى قال سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)} البقرة. لا سيما وقد جندوا اخوانهم المنافقين معهم في هذه المهمة الخطيرة والفتنة المستطيرة.

لقد ناقش القرآن هذا الأمر مطولاً. ومن خلال النقاش نرى أن اليهود قد غلوا في موضوع القبلة -لحاجة في أنفسهم- غلواً كبيراً. فكان الرد من جنس الفعل غلوا في التهوين من شأنها، حتى إن صيغة الخطاب القرآني جاءت تنفي في ظاهرها أن يكون التوجه إلى هذا الاتجاه أوذاك من البر: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ .. (177)} البقرة. مع أن التوجه إلى الكعبة ركن من أركان الصلاة لا تتم إلا به فكيف لا يكون من البر لولا أن الاعتدال والوسطية في وسط الجنوح والتطرف اعوجاج.

إن هذا يكشف لنا كشفاً واضحاً أن صيحات الوسطية لا تجدي مع الرافضة كثيراً. وأن علينا إعادة الحساب من جديد في كل ما قيل وطرح من أفكار أثبت الواقع فشلها. ومن القوانين الفيزياوية أن (القوة × ذراعها = المقاومة × ذراعها).وهذا يعني أنه إذا وقف الخصم في طرف المعادلة فليكن وقوفك أنت أومكانك في الطرف الآخر مبتعداً عن نقطة الوسط بالقدر المكافئ لابتعاد الخصم وقوته حتى يحصل الاعتدال. وإلا فإن الوقوف أوالاستقرار والجمود في نقطة الوسط مع تطرف الخصم لا يحدث الموازنة مهما حاولت، ومهما أرسلت مع الريح رسائل الحب من جانب واحد. ... ... ... ... ... ... ... ... ... الأحد 18 محرم 1423مـ

عدد مرات القراءة:
2801
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :