المطاعن في الصحابة دون اهل البيت
قال الرافضي: ((وأما المطاعن في الجماعة فقد نقل الجمهور منها أشياء كثيرة: حتى صنَّف الكلبي كتابا ((في مثالب الصحابة)) ولم يذكر فيه منقصة واحدة لأهل البيت)).
والجواب أن يقال: قبل الأجوبة المفصلة عن ما يُذكر من المطاعن أن ما يُنقل عن الصحابة من المثالب فهونوعان: أحدهما: ما هوكذب: إما كذب كله، وإما محرَّف قد دخله من الزيادة والنقصان ما يُخرجه إلى الذم والطعن. وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هومن هذا الباب يرويها الكذّابون المعروفون بالكذب، مثل أبي مخنف لوط بن يحيى، ومثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي وأمثالهما من الكذّابين. ولهذا استشهد هذا الرافضي بما صنّفه هشام الكلبي في ذلك، وهومن أكذب الناس، وهوشيعي يروى عن أبيه وعن أبي مخنف، وكلاهما متروك كذّاب.
النوع الثاني: ما هوصدق. وأكثر هذه الأمور لهم فيها معاذير تخرجها عن أن تكون ذنوبا، وتجعلها من موارد الاجتهاد، التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران وإن أخطأ فله أجر. وعامة المنقول الثابت عن الخلفاء الراشدين من هذا الباب، وما قُدِّر من هذه الأمور ذنبا محققا فإن ذلك لا يقدح فيما عُلم من فضائلهم وسوابقهم وكونهم من أهل الجنة، لأن الذنب المحقق يرتفع عقابه في الآخرة بأسباب متعددة.
منها: التوبة الماحية. وقد ثبت عن أئمة الإمامية أنهم تابوا من الذنوب المعروفة عنهم.
ومنها: الحسنات الماحية للذنوب؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات. وقد قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرُ عَنْكُم سَيِّئَاتِكُم} (1).
ومنها: المصائب المكفِّرة.
ومنها: دعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وشفاعة نبيهم، فما من سبب يسقط به الذم والعقاب عن أحد من الأمة إلا والصحابة أحق بذلك، فهم أحق بكل مدح، ونفي كل ذم ممن بعدهم من الأمة.
__________
(1) الآية 31 من سورة النساء.
قال الرافضي: ((وقد ذكر غيره منها أشياء كثيرة، ونحن نذكر منها شيئا يسيرا. منها ما رووه عن أبي بكر أنه قال على المنبر: إن النبي (كان يعتصم بالوحي، وإن لي شيطانا يعتريني، فإن استقمت فأعينوني، فإن زغت فقوموني، وكيف يجوز إمامة من يستعين بالرعية على تقويمه، مع أن الرعية تحتاج إليه؟)).
والجواب أن يقال: هذا الحديث من أكبر فضائل الصديق (وأدلها على أنه لم يكن يريد علوًا في الأرض ولا فسادا، فلم يكن طالب رياسة، ولا كان ظالما، وإنه إنما كان يأمر الناس بطاعة الله ورسوله فقال لهم: إن استقمت على طاعة الله فأعينوني عليها، وإن زغت عنها فقوّموني. كما قال أيضا: أيها الناس…أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.
والشيطان الذي يعتريه يعتري جميع بني آدم؛ فإنه ما من أحد إلا وقد وكَّل الله به قرينه من الملائكة وقرينه من الجن.
ومقصود الصديق بذلك: إني لست معصوماً كالرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا حق. وقول القائل: كيف تجوز إمامة من يستعين على تقويمه بالرعية؟ كلام جاهل بحقيقة الإمامة. فإن الإمام ليس هوربًّا لرعيته حتى يستغني عنهم، ولا هورسول الله إليهم حتى يكون هوالواسطة بينهم وبين الله. وإنما هووالرعية شركاء يتعاونون هم وهوعلى مصلحة الدين والدنيا؛ فلا بد له من إعانتهم، ولا بد لهم من إعانته، كأمير القافلة الذي يسير بهم في الطريق: إن سلك بهم الطريق اتّبعوه، وإن أخطأ عن الطريق نبّهوه وأرشدوه، وإن خرج عليهم صائل يصول عليهم تعاون هووهم على دفعه. لكن إذا كان أكملهم علما وقدرة ورحمة كان ذلك أصلح لأحوالهم.