ومن قال: إن الصديق قال: ليتني كنت سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل للأنصار في الخلافة نصيب؟ فقد كذب، فإن المسألة عنده وعند الصحابة أظهر من أن يُشَكَّ فيها، لكثرة النصوص فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا يدل على بطلان هذا النقل.
قال الطاعن : (( وقال أبو بكر عند موته : ليتني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل للأنصار في هذا الأمر حق ؛ وهذا يدل على أنه في شكٍ من إمامته ولم تقع صوابا )) .
والجواب : أن هذا كذب على أبي بكر رضي الله عنه ، وهو لم يذكر له إسنادا .ومعلوم أن من احتج في أي مسألة كانت بشيء من النقل ، فلابد أن يذكر إسنادا تقوم به الحجة . فكيف بمن يطعن في السابقين الأوّلين بمجرد حكاية لا إسناد لها ؟
ثم يقال : هذا يقدح فيما تدّعونه من النص على عليّ ؛ فإنه لو كان قد نصّ على عليّ لم يكن للأنصار فيه حق ، ولم يكن في ذلك شك .
قال الطاعن : ((وقال عند احتضاره : ليت أمي لم تلدني ! يا ليتني كنت تبنة في لبنة . مع أنهم قد نقلوا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ما من محتضر يحتضر إلا ويرى مقعده من الجنة والنار )).
والجواب : أن تكلمه بهذا عند الموت غير معروف ، بل هو باطل بلا ريب . بل الثابت عنه أنه لما احتُضر ، وتمثلت عنده عائشة بقول الشاعر :
لعُمرك ما يغني الثراءُ عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بهاالصدرُ
فكشف عن وجهه ، وقال : ليس كذلك ، ولكن قولي : { وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ } .
ولكن نقل عنه أنه قال في صحته : ليت أمي لم تلدني ! ونحو هذا قاله خوفاً – إن صح النقل عنه . ومثل هذا الكلام منقول عن جماعة أنهم قالوه خوفاً وهيبة من أهوال يوم القيامة ، حتى قال بعضهم : لو خُيِّرت بين أن أحاسب وأدخل الجنة ، وبين أن أصير ترابا، لاخترت أن أصير ترابا . وروى الإمام أحمد عن أبي ذر أنه قال : والله لوددت أني شجرة تعضد .
ومما طعنوا به على الصديق رضي الله عنه أنه قال عند موته: (ليتني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل للأنصار في هذا الأمر حق) وهذا يدل على شكه في صحة بيعة نفسه، مع أنه الذي دفع الأنصار يوم السقيفة لما قالوا: (منا أمير ومنكم أمير) بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الأئمة من قريش»([431]).
والرد على هذا:
أما زعمهم أنه رضي الله عنه قال: ليتني سألت النبي صلى الله عليه وسلم هل للأنصار في هذا الأمر حق، فهذا من الكذب الواضح؛ لأن المسألة كانت واضحة عنده وعند الصحابة لكثرة النصوص الواردة فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على بطلان هذا النقل، ولو قدر صحته ففيه فضيلة لـ أبي بكر؛ لأنه لم يكن يعرف النص واجتهد فوافق اجتهاده النص، ثم من اجتهاده وورعه تمنى أنه يكون معه نص بعينه على الاجتهاد، فهذا يدل على كمال علمه حيث وافق اجتهاده النص، ويدل على ورعه حيث خاف أن يكون مخالفاً للنص، فأي قدح في هذا؟
وأما قولهم: إنه شك في صحة بيعة نفسه، هذا مما يرمونه به كذباً وزوراً لم يصدر عن أي طائفة سوى الرافضة([432]).
([431]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة: (4/219). الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم للعاملي: (2/301).
([432]) انظر منهاج السنة: (4/219-220)، والمنتقى للذهبي، (ص:538).