أنه لم يول أبا بكر شيئا من الأعمال، وولّى عليه
قال الرافضي: ((العاشر: أنه لم يول أبا بكر شيئا من الأعمال، وولّى عليه)).
والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا باطل. بل الولاية التي ولاّها أبا بكر لم يشركه فيها أحد، وهي ولاية الحج. وقد ولاّه غير ذلك.
الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ولّى من هوبإجماع أهل السنّة والشيعة من كان عنده دون أبي بكر، مثل عمروبن العاص، والوليد بن عقبة، وخالد بن الوليد. فعُلم أنه لم يترك ولايته لكونه ناقصا عن هؤلاء.
__________
(1) تقدم ذكره ص 484.
الثالث: أن عدم ولايته لا يدل على نقصه، بل قد يترك ولايته لأنه عنده أنفع له منه في تلك الولاية، وحاجته إليه في المقام عنده وغنائه عن المسلمين أعظم من حاجته إليه في تلك الولاية، فإنه هووعمر كانا مثل الوزيرَيْن له.
لم يُوَلِّ النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر البتة عملاً في وقته
قال الرافضي: ((وأيضا لمْ يُوَلِّ النبي (أبا بكر البتة عملا في وقته، بل ولَّى عليه عمروبن العاص تارة وأسامة أخرى. ولما أنفذه بسورة ((براءة)) ردّه بعد ثلاثة أيام بوحي من الله، وكيف يرتضي العاقل إمامة من لا يرتضيه النبي (بوحي من الله لأداء عشر آيات من ((براءة))؟!)).
والجواب: أن هذا من أَبْيَن الكذب؛ فإنه من المعلوم المتواتر عند أهل التفسير والمغازى والسير والحديث والفقه وغيرهم: أن النبي (استعمل أبا بكر على الحج عام تسع، وهوأول حج كان في الإسلام من مدينة رسول الله (، ولم يكن قبله حج في الإسلام، إلا الحجة التي أقامها عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية من مكة؛ فإن مكة فتحت سنة ثمان، وأقام الحج ذلك العام عتاب بن أسيد، الذي استعمله النبي (على أهل مكة ثم أمّر أبا بكر سنة تسع للحج، بعد رجوع النبي (من غزوة تبوك، وفيها أَمَر أبا بكر بالمناداة في الموسم: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. ولم يؤمِّر النبي (غير أبي بكر على مثل هذه الولاية؛ فولاية أبي بكر كانت من خصائصه، فإن النبي (لم يؤمِّر على الحج أحدا كتأمير أبي بكر، ولم يستخلف على الصلاة أحداً كاستخلاف أبي بكر، وكان عليٌّ من رعيته في هذه الحجة؛ فإنه لحقه فقال: أمير أومأمور؟ فقال عليّ: بل مأمور. وكان عليّ يصلّي خلف أبي بكر مع سائر المسلمين في هذه الولاية، ويأتمر لأمره كما يأتمر له سائر من معه، ونادى عليٌّ مع الناس في هذه الحجة بأمر أبي بكر.
وأما ولاية غير أبي بكر فكان يشاركه فيها غيره، كولاية عليّ وغيره؛ فلم يكن لعليّ ولاية إلا ولغيره مثلها، بخلاف ولاية أبي بكر، فإنها من خصائصه، ولم يولِّ النبي (على أبي بكر لا أسامة بن زيد ولا عمروبن العاص.
فأما تأمير أسامة عليه فمن الكذب المتفق على كذبه.
وأما قصة عمروبن العاص، فإن النبي (كان أرسل عَمْراً في سرية، وهي غزوة ذات السلاسل، وكانت إلى بني عذرة، وهم أخوال عمرو، فأمَّر عمراً ليكون ذلك سبباً لإسلامهم، للقرابة التي له منهم. ثم أردفه بأبي عبيدة، ومعه أبوبكر وعمر وغيرهما من المهاجرين. وقال:
((تطاوعا ولا تختلفا)) فلما لحق عَمْراً قال: أصلّي بأصحابي وتصلّي بأصحابك. قال: بل أنا أصلّي بكم؛ فإنما أنت مدد لي. فقال له أبوعبيدة: إن رسول الله (أمرني أن أطاوعك، فإن عصيتني أطعتك. قال: فإني أعصيك. فأراد عمروأن ينازعه في ذلك، فأشار عليه أبوبكر أن لا يفعل. ورأى أبوبكر أن ذلك أصلح للأمر، فكانوا يصلّون خلف عمرو، مع علم كل أحد أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة أفضل من عمرو.
وأما قول الرافضي: إنه لما أنفذه ببراءة ردّه بعد ثلاثة أيام؛ فهذا من الكذب المعلوم؟ أنه كذب. فإن النبي (لما أمَّر أبا بكر على الحج، ذهب كما أمره، وأقام الحج في ذلك العام، عام تسع، للناس، ولم يرجع إلى المدينة حتى قضى الحج، وأنفذ فيه ما أمره به النبي (، فإن المشركين كانوا يحجون البيت، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، وكان بين النبي (وبين المشركين عهود مطلقة، فبعث أبا بكر وأمره أن ينادي: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. فنادى بذلك من أمره أبوبكر بالنداء ذلك العام، وكان عليّ بن أبي طالب من جملة من نادى بذلك في الموسم بأمر أبي بكر، ولكن لما خرج أبوبكر أردفه النبي (بعليّ بن أبي طالب لينبذ إلى المشركين العهود.
قالوا: وكان من عادة العرب أن لا يعقد العهود ولا يفسخها إلا المطاع، أورجل من أهل بيته. فَبَعَث عليًّا لأجل فسخ العهود التي كانت مع المشركين خاصة، لم يبعثه لشيء آخر. ولهذا كان عليّ يصلّي خلف أبي بكر، ويدفع بدفعه في الحج، كسائر رعية أبي بكر الذين كانوا معه في الموسم.
وكان هذا بعد غزوة تبوك، واستخلافه له فيها على من تركه بالمدينة، وقوله له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟
ثم بعد هذا أمّر أبا بكر على الموسم، وأردفه بعليّ مأموراً عليه لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه. وكان هذا مما دلّ على أن عليُّا لم يكن خليفة له، إلا مدة مغيبه عن المدينة فقط. ثم أمَّر أبا بكر عليه عام تسع. ثم إنه بعد هذا بعث عليًّا وأبا موسى الأشعري ومُعاذًا إلى اليمن، فرجع عليّ وأبوموسى إليه، وهوبمكة في حجة الوداع، وكل منهما قد أهلٌ بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. فأما معاذ فلم يرجع إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، في خلافة أبي بكر الصدّيق - رضي الله عنه -.
ومن مطاعنهم على أبي بكر رضي الله عنه: أنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يول أبا بكر وولى عليه([433]).
والرد على هذا من وجوه:
الوجه الأول: أن هذا الزعم باطل حيث ولاه ولاية لم يشركه فيها أحد وهي ولاية الحج، وقد ولاه غير ذلك.
الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ولى من هو بإجماع أهل السنة والشيعة من كان عنده دون أبي بكر مثل عمرو بن العاص والوليد بن عقبة وخالد بن الوليد، فعلم أنه لم يترك ولايته لكونه ناقصاً عن هؤلاء.
الوجه الثالث: أن عدم ولايته لا يدل على نقصه، بل قد يترك ولايته؛ لأنه عنده أنفع له منه في تلك الولاية وحاجته إليه في المقام عنده وغنائه عن المسلمين أعظم من حاجته إليه في تلك الولاية، فإنه هو وعمر كانا مثل الوزيرين له يقول كثيراً: دخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر([434]) فلا وجه للرافضة للطعن على أبي بكر بعدم تولية النبي صلى الله عليه وسلم إياه، إذ الثابت خلاف ما تقولوه.
وجاء في مختصر التحفة الإثني عشرية في صدد تعداد مطاعن الرافضة في حق الصديق، قال: ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر أبا بكر قط أمراً مما يتعلق بالدين، فلم يكن حرياً بالإمامة.
والجواب: أن هذا كذب محض تشهد على ذلك السير والتواريخ، فقد ثبت تأميره لمقاتلة أبي سفيان بعد أحد، وتأميره أيضاً في غزوة بني فزارة، وتأميره في العام التاسع ليحج بالناس أيضاً، ويعلمهم الأحكام من الحلال والحرام، وتأميره أيضاً بالصلاة قبيل الوفاة، إلى غير ذلك مما يطول... ويجاب أيضاً على تقدير التسليم بأن عدم ذلك ليس لعدم اللياقة، بل لكونه وزيراً ومشيراً على ما هي العادة. اهـ([435]).
([433]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة: (4/221). حق اليقين: (1/177).
([434]) منهاج السنة: (4/221)، والحديث رواه البخاري في صحيحه: (2/294).
([435]) مختصر التحفة الإثني عشرية، (ص:240-241).