آخر تحديث للموقع :

السبت 6 رجب 1444هـ الموافق:28 يناير 2023م 07:01:37 بتوقيت مكة

جديد الموقع

عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة وأهل البيت والرد على الشيعة الإثني عشرية - 1 - علاء بكر ..
الكاتب : علاء بكر ..

عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة وأهل البيت والرد على الشيعة الإثني عشرية - 1
علاء بكر


المقدمة:
 
 مقدمة المراجع:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
أما بعد:
فإن الصحوة الإسلامية وهي تتلمس طرق التمكين لدين الله في الأرض، امتثالاً لأمره سبحانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحتاج إلى بصيرة في المنهج، والتزام بالحق، وابتعاد عن البدع والضلال وإن زخرفتها قوة زائفة، أو ظهور مؤقت، أو خداع ماكر من الحاقدين على الحق وأهله، وقد كانت لفرق البدع التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنها أنها في النار الأثر السيء في الأمة، وكان دائماً من أسباب ظهور الأعداء على المسلمين وأخذهم بعض ما في أيديهم انتشار البدع ومخالفة السنة، ولم تزل الأمة في عز وتمكين ما ظهرت السنن وانقمعت البدع.
ولقد قدر الله في زماننا ظهور مذهب الرافضة المعروفين بـالشيعة الإمامية الإثني عشرية، ووجود دولة من ورائه تدعو إليه وتسعى إلى نشره باسم الإسلام، مع تعصب لهذا المذهب الباطل المنحرف، وحرص على الانتماء لهذه البدعة الضلالة، وقد غر كثيراً من المسلمين والعاملين في ساحة العمل الإسلامي إعلان هؤلاء أنهم يعملون من أجل الإسلام، وبعض المواقف السياسية الخداعة في تأييد العمل الإسلامي دون نظر إلى انتمائه المذهبي بزعمهم فارتفعت الأصوات تنادي بالتقريب بين السنة والشيعة، وعدم ضرورة الانتماء إلى منهج أهل السنة والجماعة، والتعاون مع الرافضة، ونسيان الخلافات القديمة، وصارت هذه الدعوات من أخطر ما يهدد الصحوة الإسلامية بالانحراف والتبديل، الذي لا يؤدي إلا إلى مزيد من التأخر والفشل والعجز والجهل، وكان أكثر هؤلاء المغرورين ممن لا يعرف حقيقة هذا المذهب المبتدع، الذي هو من شر مذاهب أهل البدع المنتسبة للقبلة إن لم يكن شرها على الإطلاق، ولذا كانت دعوته للتعاون والتقارب ونسيان الخلافات وعدم التعصب.
ولما كان الموقف من الناس -حباً وبغضاً وولاءً وعداءً- يجب أن يكون على الدين- على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة- كان لابد من معرفة حقيقة هؤلاء القوم وعقائدهم؛ ليكون الموقف منهم شرعياً لا سياسياً، ولا لأجل مصالح وهمية أضرارها أضعاف منافعها.
ومن أجل توضيح حقيقة هذه البدعة وحجم الاختلاف بين أصحابها وبين أهل السنة، ودرجة الخلاف معهم، وأنه ليس من الخلاف السائغ الذي يسع أهل العلم، كان هذا البحث الذي أعده أخونا الكريم. د/ علاء بكر، نسأل الله تعالى أن يجعله بياناً للحق، ونصرة للسنة، وقمعاً للبدعة، ونوراً على طريق الالتزام بمنهج الحق، فجزاه الله خيراً، ونفع به كاتبه ومراجعه وناشره وقارئه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
كتبه
ياسر برهامي
 مقدمة المؤلف:
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [آل عمران:102].
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) [النساء:1].
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً)) [الأحزاب:70]* ((يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)) [الأحزاب:71].
ثم أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. وبعد:
فإن الفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة - وسط بين الفرق- كما أن الإسلام وسط بين الملل- كما قال تعالى:
 ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)) [البقرة:143].
لذا فـأهل السنة والجماعة بوسطيتهم وعدالتهم واتباعهم للكتاب والسنة، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، هم حجة على من خالفهم من أهل البدع والأهواء، أصحاب الإفراط منهم وأصحاب التفريط، الغلاة منهم والجفاة، فـأهل السنة والجماعة:
(1) وسط في أسماء الله تعالى وصفاته:
بين المجسمة والمشبهة وبين النفاة والمؤولة.
(2) ووسط في القضاء والقدر:
بين الجبرية الغلاة في القدر، والقدرية نفاة القضاء والقدر.
(3) ووسط في باب الإيمان:
بين المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، وبين الخوارج والمعتزلة الذين يحكمون بخلود أصحاب المعاصي في النار.
(4) ووسط في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته:
بين الناصبة المعادين لـعلي بن أبى طالب وأهل البيت، وبين الرافضة الغلاة في علي بن أبى طالب وأهل البيت، ويتبرءون من كل من عادى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وطعن فيهم.
لذا فـأهل السنة والجماعة حجة الله القائمة على خلقه، وهم الطائفة الظاهرة المنصورة بالسيف والسنان تارة، وبالحجة والبرهان تارة، وبهما جميعاً تارة، وهذه سنة الله في خلقه إلى قيام الساعة إن شاء الله تعالى.
وما زال أهل الإيمان والإنصاف والحق منهم على الحق المبين والهدى المستنير، جيلاً بعد جيل، يتمسكون بما كان عليه سادات الأمة، وأئمة الهدى.
 وأعلام الصلاح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن تبعهم بإحسان، يرفعون راية التوحيد الحق، ويظهرون التمسك بالسنة الشريفة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، ولا يخافون في الله لومة لائم.
وكان من شأنهم بيان حقيقة مذهب أهل السنة وعقائد السلف، وكشف ضلال بدع أهل الأهواء الذين يحدثون في الدين ما ليس منه، ويخالفون ما كان عليه سلف الأمة من نقاء الدين وصفائه.
وما زالت المؤلفات السديدة، والكتب العديدة، والجهود العظيمة، والمواقف الجليلة، تملأ صفحات التاريخ قديماً وحديثاً، وتشهد لهم بجهادهم بالكلمة والبيان.
ولذا ما أن تجد بدعة وتظهر، أو تطمس سنة وتبعد، إلا سارعوا بقمع البدعة، وإحياء السنة، والدعوة إلى الحق المبين.
وما أن تطل فتنة برأسها، أو يحيي أهل الزندقة ملة خاسرة، وعقيدة فاسدة، إلا بادروها بما يكسر شوكتها، ويطفئ جذوتها، ويهتك أستارها، ويكشف أغوارها، ويظهر للناس عوارها.
ولهذا فعلماء أهل السنة وأتباع السلف الصالح في كل زمان ومكان هم مراجع الناس، الذين جعلهم الله مصابيح تضيء لهم مسالك الحق وترشدهم إليها.
ومن القضايا الهامة التي تحتاج في زماننا الحالي إلى بيانها للناس وتوضيحها لهم، حقيقة نظرة أهل السنة والجماعة لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه القضية من القضايا التي تعرضت إلى اختلاف الناس فيها وتضارب آرائهم، وتلاعبت بها الأهواء والعقول، حتى وقع الشطط الكبير والإجحاف العظيم بحقوق صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وحقوق أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
ولقد رأينا انصراف الناس عن تقدير الصحابة رضي الله عنهم التقدير اللائق بهم، وإنزالهم منزلتهم الواجبة لهم، ورأينا ضعف الهمم عن الاقتداء بهم والاهتداء بهديهم، ورأينا عقوقاً وشروداً غير لائق في النظرة إليهم، حتى قال البعض: نحن رجال وهم رجال، كأنهم يساوون أنفسهم بهؤلاء القمم من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ناهيك عن أهل الكلام والفلسفة وأتباعهم، ثم زمرة الزنادقة من الملاحدة ومن وافقهم من العقلانيين والعلمانيين في العصر الحديث.
فهؤلاء قالوا قديماً طريقة الخلف أعلم وأحكم من طريقة السلف، وهؤلاء قالوا حديثاً: يجب علينا نبذ كل قديم أخذناه عنهم، فقد مضت حضارتهم، وبليت ثقافتهم، فالأخذ بها وترك الحضارة الغربية والمدنية الحديثة: تخلف ورجعية وانحطاط؟؟! فصار ما ورثناه عنهم من مبادئ الإسلام الحنيف، وعقائده الحقة، وأخلاقياته العظيمة، وسلوكياته القويمة، مما يجب نبذه والإعراض عنه إن كنا نريد أن ندرك أوروبا في نهضتها الحديثة!!!
وهكذا اختلطت الأمور، وتبعثرت الأوراق، واختلفت المقاييس، حتى صار العمل بالإسلام الصافي، والفهم الوافي، والإيمان النقي في نظر البعض حائلاً بيننا وبين نهضة صناعية ومادية، تخلفنا عنها بسبب ضعف الهمم وفتور العمل، ونقص الرغبة الجادة في العطاء والاستزادة، بعد أن ركن الناس إلى التقليد، وأهملوا العلم والعمل به وأقفلوا باب الاجتهاد، وتركوا العمل بفروض الكفايات، وقصروا في التمسك بمعاملات وأخلاقيات وسلوكيات الإسلام الحقة التي سدنا بها العالم في أزمان وقرون قريبة.
أما الطامة الكبرى ففي أولئك الذين يطعنون في الصحابة رضي الله عنهم، وينتقصونهم ويسبونهم، بل وربما فسقوهم وكفروهم باسم محبة أهل البيت، وأولئك هم الضلال من الشيعة الذين ينتشرون في بقاع عديدة من أرض الإسلام، وقد ضاعف هؤلاء الضلال من نشاطهم ودعوتهم الباطلة، بقيام الثورة الإيرانية، وقيام جمهوريتهم المسماة بالإسلامية، فتبنى رجالها تدعيم عقائدهم الباطلة، وإحياء الدعوة إليها، ومحاولة نشرها خارج إطار دولتهم، وقد افتتن بثورتهم ثم بدعوتهم الكثير من أتباع كل ناعق، دون أن ينتبهوا إلى حقائق الدعوة.
 أما أهل البيت رضوان الله عليهم فلم يسلموا كذلك من هذا الشطط، فصار ينتسب إليهم الكثير من الأدعياء، وقد سولت لهم أنفسهم أن هذا الانتساب يسقط عنهم الكثير من التبعات، فراحوا يفتخرون بهذا النسب وهم من أبعد الناس عن العمل بما يقتضيه من العلم والعمل، والصلاح والتقوى، والورع والزهد، بل اتخذوا هذا الانتساب وسيلة إلى زعامة دينية بين أصحاب النزعات الصوفية وجماهير العوام، أو ذريعة إلى التسلط والحكم على بعض الشعوب الإسلامية.
وقبل ذلك وبعده هؤلاء الغلاة من الشيعة في أئمة أهل البيت ممن ادعوا حلول الإله في بعض أئمتهم، أو أن للأئمة خصائص من خصائص الألوهية، كالتصرف في الكون، وتدبير أموره، ومعرفة الغيب... إلخ. ومن ثم تقديسهم وعبادتهم مع الله تعالى.
ودون أولئك أقوام من الشيعة ادعوا العصمة لبعض أئمة أهل البيت وأوجبوا طاعتهم، وتقديم هذه الطاعة على طاعة غيرهم، وجعلوا أقوال أئمة أهل البيت حجة في الشرع، بها يحللون ويحرمون، فدفعهم هذا النوع من الغلو إلى مساواتهم بالأنبياء، لذا قالوا: منزلتهم لا تقل عن رتبة الأنبياء بل تفوقهم، ثم دفعهم ذلك بالتالي إلى الطعن في الصحابة وسبهم؛ إذ لم يعرف فيهم مثل هذا التقديس والغلو في أهل البيت، فزعموا أن الصحابة بدلوا وغيروا وحرفوا في دين الله تعالى!!
فهذه بعض صور الانحراف عن الجادة، عن إنصاف أهل السنة والجماعة في نظرتهم لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته رضي الله عنهم جميعاً، وقد وصل هذا الانحراف إلى حد كبير ومدى بعيد في هذا الزمان، الذي اندثرت فيه واختفت الكثير من معالم وملامح عقيدة أهل السنة والجماعة الطائفة المنصورة.
لذا كان لابد من بيان الحق في ذلك كله، وتوضيح مذهب أهل السنة والجماعة في هذه القضية، وبيان ضلال من خالفهم، ومقدار ابتداع من حاد عنهم، وهذا البحث المختصر-على طوله- جهد متواضع في خدمة هذا الغرض الذي هو من واجبات الدين، فإن محبة الصحابة؛ خاصة المهاجرين والأنصار، ومحبة أهل البيت؛ خاصة فاطمة وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين من الإيمان، وبغضهم من الكفر، وفي الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً: «المرء مع من أحب»([1]).
فحبهم باب لخير كثير يوم القيامة لمن امتلأ به قلبه، والإنصاف في حقوق هؤلاء الأخيار واجب، فلا غلو فيهم، ولا انتقاص أو بخس لمكانتهم وقدرهم، وهذا هو منهاج الاعتدال الذي كان عليه سلفنا الصالح، الذي من خرج عنه عرض نفسه للضلال والابتداع:
فكل خير في اتباع من سلف                              وكل شر في ابتداع من خلف
فمن خالفهم فيما كانوا عليه مع الاعتدال والإنصاف، فهو من أهل الفرقة والاختلاف.
وفي تفسير قوله تعالى: ((يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)) [آل عمران:106].
قال ابن عباس رضي الله عنه: (تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدع والاختلاف)([2]).
فالاقتداء بهم واجب، وترك هديهم ضلال، ولا يصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أولها.
 منهج البحث:
وقد سرت في بحثي هذا على منهج السلف في التعرض لقضايا الخلاف مع أهل البدع والضلال، وعلى طريقتهم في الرد عليهم، بتقديم النقليات على العقليات، والرجوع إلى الكتاب والسنة، والإعراض عن الجدل العقيم؛ لذا فالبحث يشتمل على:
(1) بيان حقيقة مذهب أهل السنة، وتوضيح نظرتهم إلى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، بأدلته من الكتاب والسنة، وتحري ما صح من الأحاديث النبوية في ذلك ما أمكن، وتدعيم ذلك بأقوال الأئمة ومواقف السلف رحمة الله عليهم.
(2) ذكر ضلالات المخالفين وبدع الخارجين عن أهل السنة على وجه الإيجاز والاختصار، وبالدرجة التي تظهر بوضوح مخالفتهم للكتاب الكريم والسنة الصحيحة المطهرة، بلا توسع في الشبهات والرد عليها بالطرق الكلامية، ودون إطالة في عرض المخالفات وانتقادها؛ خشية تعلق بعض القلوب الضعيفة أو العقول القاصرة بها، وعدم ارتياح البعض للردود العقلية والانتقادات الكلامية بدرجة تدفع هذه الشبهات عنه.
ويكفي في بيان بطلان ما عندهم عند أهل الإيمان والصلاح مخالفتها الصريحة للكتاب والسنة.
وهذا من صميم منهج السلف في عرض قضاياهم والتعرض للمخالفين لهم، فآثرنا الاقتداء بهم، فخير الكلام ما قل ودل، والعلم ما كان فيه قال الله تعالى وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، وما زاد عليه فيخشى أن يكون لجاجاً وجدالاً، أو مراء ملؤه المكابرة والمعاندة، ومن لا يكفيه كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فلا خير في إطالة المحاورة معه وتكرار الكلام.
ومن الملاحظ على مؤلفات أهل السنة، أنهم ينتهجون في مؤلفاتهم منهج العرض لعقيدة السلف مدعمة بالأدلة النقلية، دون عرض لشبهات المخالفين وأدلتهم.. ونادراً ما يخالفون ذلك المنهج.
 أما المؤلفات التي وضعت للرد على آراء الخصوم من أهل البدع، فإنها تعرض الشبهة موجزة وبصورة غير كاملة، والمطلع على مصنفاتهم في العقيدة يتبين له ذلك.
ولقد كان علماء السلف يكرهون الجلوس مع أهل البدع ومحاورتهم، وينهون عن ذلك، ونهوا كذلك عن نقل شبهاتهم أو عرضها على عموم المسلمين، وذلك خشية افتتان بعض من سمعها أو قرأها، خاصة إذا ضعف الناقل عن إبطال أدلة هذه البدعة وتزييفها، وهذا كله حماية لعقول المسلمين وصيانة لقلوبهم، إلى جانب ما في ذلك من إهانة للمبتدعة ومحاصرة لآرائهم، وعدم اتخاذ مؤلفات أهل السنة طريقاً لإظهار هذه الآراء المنحرفة.
ومن الآثار الواردة عن السلف التي تبين منهجهم ذلك:
قول سفيان الثوري: (من سمع بدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقيها في قلوبهم)([3]).
وعن عبد الله بن السري: (ليس السنة عندنا أن يرد على أهل الأهواء، ولكن السنة عندنا أن لا نكلم أحداً منهم)([4]).
وروى حنبل بن إسحاق بن حنبل أن أبا عبد الله رحمه الله كتب لرجل يستأذنه في الرد على أهل البدع فقال: (الذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا من أهل العلم، أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمر في التسليم والانتهاء إلى ما كان في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا الجلوس مع أهل البدع والزيغ لترد عليهم، فإنهم يلبسون عليك وهم لا يرجعون، فالسلامة إن شاء الله في ترك مجالستهم والخوض معهم في بدعتهم)([5]).
 
 خطة البحث:
نظراً لطول البحث وتشعب مواضيعه فقد قسمته بعد المقدمة إلى ستة أبواب وخاتمة:
الباب الأول:
تضمن بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، مدعمة بالأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأقوال الأئمة في ذلك، وتعرضت فيه لذكر فضائل الصحابة، عدالتهم، عصمتهم، والكلام في الخلافات التي نشبت بينهم، وخلافة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم فـالحسن ومعاوية رضي الله عنهما.
ثم بينت باختصار الفرق المخالفة لـأهل السنة في نظرتهم لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وأتبعت ذلك بتخصيص الكلام عن تلامذة المستشرقين وطعنهم في الصحابة، مع بيان الضوابط العامة الواجبة عند الكتابة في شأن الصحابة رضي الله عنهم.
الباب الثاني:
تضمن بيان حكم من طعن أو انتقص من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه:
حكم من سب الصحابة.
حكم من فسق الصحابة.
حكم من كفر الصحابة.
مع مراعاة ذكر أقوال العلماء في ذلك، وأدلتهم، والترجيح بينها إن أمكن.
الباب الثالث:
تضمن بيان نظرة أهل السنة والجماعة إلى أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وتعرضت فيه لتعريف: من هم أهل البيت، ما ورد في فضلهم، ما لهم من الحقوق، وما عليهم من الواجبات.
ثم بينت باختصار الفرق المخالفة لـأهل السنة في ذلك.
 الباب الرابع:
وتضمن تعريف وبيان لفرق الشيعة، خاصة في نظرتهم لأهل البيت، وقد قسمت فيه الشيعة عامة إلى قسمين:
الغلاة في أهل البيت.
و الشيعة من غير الغلاة.
وذكرت فيه فرقهم المختلفة، وعقائدهم المتباينة، من قديم وإلى الآن على وجه الاختصار.
وذكرت إجمالا حكم الشرع فيهم.
الباب الخامس:
وتضمن ذكر مخالفات الشيعة الإثني عشرية، وهم غالبية شيعة اليوم، وتعمدت فيه نقل الكثير من أقوال علمائهم قديماً وحديثاً فيما يتعلق بهذه المخالفات، حتى لا تكون هذه المخالفات مجرد تهم تلقى جزافاً.
ونظراً لعدم توفر المصادر الشيعية في بلادنا، فقد أخذت بنقولات عن ثقات من علماء أهل السنة رووا عن كتب الشيعة، وتطابقت نقولاتهم في كل مواضيع المخالفات بما يبعث الاطمئنان في النفس في صحة ودقة ما نقلوه، بما يجعل هذه النقولات حجة عند التحدث عن عقائد الشيعة.
فمن هؤلاء: الشيخ محمود الألوسي، الأستاذ رشيد رضا، محب الدين الخطيب، الشيخ منظور نعماني كبير علماء الهند، الأستاذ إحسان إلهي ظهير، الأستاذ عمر الأشقر، الأستاذ سعيد حوى، الأستاذ محمد مال الله، الدكتور علي أحمد السالوس، دكتور عبد الله الغريب، الأستاذ عبد الله الموصلي، الدكتور مصطفى السباعي، وغيرهم كثير.
كما قام الأستاذ عبد الكريم محمد عبد الرؤوف في كتابه النصوص الفاضحة لعقائد الشيعة الإثني عشرية بتصوير فقرات عديدة من كتاب الكافي المتضمن للأحاديث المحتوية على المخالفات العقائدية الشنيعة للإمامية، فكانت بديلاً متاحاً عن الكافي مأخوذة منه مباشرة، وقد جاءت مطابقة لنقولات العلماء السابقين، وباعثة على مزيد من الثقة فيما نقلوه وذكروه.
ومن مجموع قراءاتي عند كل هؤلاء لا يتطرق الشك إليّ -وكذلك كل قارئ يعاين ما نقلناه عنهم- في صحة كل هذا المنسوب إلى مذهب الإمامية وعقائدهم.
ولا يبقى إلا أقوال بعض مظهري الاعتدال من علماء الشيعة المعاصرين، وأغلبهم من دعاة التقريب، أي محاولة تقريب واحتواء أهل السنة وتشييعهم، بمعنى تقبلهم للكفر الشيعي ومبادئه، وأقوالهم هي أقوال منمقة مصطنعة، لا تتطرق إلى آراء وأقوال علماء الشيعة القدامى والمحدثين، المليئة بمخالفات الشيعة الباطلة، بل تصفها أحياناً بالشذوذ ومخالفة غالبية الشيعة، وأحياناً بالتنصل منها، وهذا كله أمام أهل السنة، أما في صفوف جماهير الشيعة نفسها، فلا توجد لهم أي محاولات منهم لتصحيح عقائدهم، أو توجيه الفكر الشيعي نحو تقبل عقائد أهل السنة المستمدة من الكتاب والسنة، فكل جهدهم كدعاة تقريب موجه تجاه أهل السنة بما يثير الشك في حقيقة دعواهم، وأن آراءهم تخضع لـ:
(1) أغراض مذهبية بكسب أنصار للشيعة من داخل أهل السنة، وإبعاد أهل السنة عن التعرض للشيعة والإنكار عليهم، أو على الأقل تقبل أهل السنة لأفكار التشيع ومبادئه.
(2) وإلا فهي من باب التقية التي يعرفونها جيداً، ويمارسونها منذ قديم الزمان مع مخالفيهم من أهل السنة.
وأدعو كل قارئ أن يتأمل معي ما نقلناه عن مؤسسي مذهب الشيعة القدامى وأركان المذهب من المراجع، ثم أقوال مظهري الاعتدال من الشيعة، وأنا موقن -إن شاء الله- أن كل قارئ سيشاركني هذا الشعور، ويتبنى معي هذا الرأي.
 الباب السادس:
وتضمن بيان المواقف المختلفة لـأهل السنة من الإمامية، من ضوء الواقع العملي؛ خاصة بعد قيام الثورة الإيرانية، وإقصاء شاه إيران، وإقامة الجمهورية الإيرانية الإسلامية.
وقد اختلفت الآراء بين مؤيد، ومعترض، ومحذر، فذكرتها جميعاً؛ فذكرت:
(1) أقوال المتعاطفين مع الشيعة والمدافعين عنهم، وبينت وجهة نظرتهم وناقشتها.
(2) مواقف الذين تراجعوا عن هذا التعاطف والتأييد بعد أن تبين لهم فساد الشيعة والتشيع.
(3) مواقف الذين حذروا من خطر الشيعة، وبينوا فضائحهم، وأظهروا للجميع مساوئهم.
ثم ختمت الكلام بذكر مذهب أهل السنة والجماعة في التعامل مع أهل البدع والضلالة، وركزت فيه على نقل ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في فتاويه الكبرى في بيان مذهب السلف تجاه أهل البدع، فكلامه هنا يمتاز بالدقة وسعة العلم والدراية الكاملة بعقائد السلف، فكان كلامه وحده كافياً شافياً في هذا الموضوع لكل من تأمله ودرسه.
الخاتمة:
وتضمنت نتائج هذا البحث الطويل، والدراسة المتأنية عن موقف أهل السنة وموقف الشيعة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.
وبعد:
فهذا جهد مني متواضع قد لا أكون قد وفيت الموضوع حقه أو استكملته من كل جوانبه، ولكن (ما لا يدرك كله لا يترك كله) ويكفي أنني -بفضل الله- قد تطرقت إلى موضوع أرى احتياج الناس إليه، وقد جمعت لهم فيه ما ينبغي أن يعلموه ويعرفوه.
 لذا أرجو من كل من انتفع بذلك أن يدعو لي دعوة طيبة بظهر الغيب، ينفعني الله وينفعه بها، ورغم الجهد المبذول فإني أقر بتقصيري وضعفي وقصر باعي، فما كان فيه من الصواب فمن توفيق الله وفضله، وأسأله تعالى أن يتمم عليَّ نعمة هذا التوفيق بنفع الناس به، وما كان من الخطأ وعدم الصواب فمني ومن الشيطان، أسأل الله تعالى أن يغفره لي، وأن يحول بين الناس وبين الاغترار به، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعلى كل من يجد فيما كتبته خطأ وعدم توفيق أن يتكرم ويسارع بتوجيهي ونصحي، وتغيير ما يجب تغييره، وأداء حق النصح لي، وجزاه الله عني خيراً.
وأولاً وأخيراً: أشكر الله تعالى وأحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، على ما رزقني من النعم والخيرات والتوفيق.
ولا أنسى تقديم شكري بعد ذلك لكل من ساهم معي في إعداد هذا البحث وإخراجه، من التوجيه والنصح، والتشجيع والتقويم، والصبر على ذلك، خاصة شيخي وأستاذي الفاضل/ ياسر برهامي، الذي أشرف على هذه الدراسة من أولها إلى آخرها، وكانت توجيهاته الصائبة دائماً بتوفيق الله منارة لي، ولولا هذا التيسير من الله ما كان هذا البحث ليكون على هذه الصورة الطيبة، أسأل الله أن يجزيه عنى خير الجزاء، وأن يوفقني الله وإياه وسائر إخواننا إلى ما يحبه ويرضاه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه:
علاء بكر.

الباب الأول: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة رضي الله عنهم:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي منّ على المسلمين بحفظ هذا الدين، وتكفل بحفظ القرآن في الصدور والسطور إلى يوم الدين، وأتم الحفظ بحفظ سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم على يد أصحابه رضوان الله عليهم، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي أمره ربه بتبيان ما أراده من التنزيل الحكيم، قال تعالى: ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) [النحل:44]، فقام صلى الله عليه وسلم بالبيان على أتم حال.
ورضي الله عن الصحابة الذين تلقوا السنة النبوية عن النبي الكريم، فوعوها وحفظوها ونقلوها للمسلمين من بعدهم كما سمعوها، خالصة من شوائب التحريف، خالية من النقص أو التبديل.
والرحمة والمغفرة للسلف الصالح الذين تناقلوا هذا الدين جيلاً بعد جيل، فأدوا ما كان عليهم من التبليغ والبيان، فجزاهم الله عنا كل خير.
أما بعد:
فإن المسلمين -بل الإنسانية كلها- أشد ما كانوا اليوم حاجة إلى معرفة فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرم معدنهم، وأثر تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، وما كانوا عليه من علو المنزلة التي صاروا بها الجيل المثالي في الإسلام؛ لأن أخبار أولئك الأخيار قد طرأ عليها من التحريف والإغراض والبتر، والزيادة وسوء التأويل في قلوب شُحنت بالغل على المؤمنين الأولين، فأنكرت عليهم حتى نعمة الإيمان! وقد أصبح من الفرض الديني على كل من يستطيع تصحيح تاريخ صدر الإسلام أن يعتبر ذلك من أفضل العبادات، وأن يبادر له، ويجتهد فيه ما استطاع إلى أن يكون أمام شباب المسلمين مثال صالح من سلفهم يقتدون به، ويجددون عهده، ويصلحون سيرتهم بصلاح سيرته.
 ومما يتعين على المسلمين -خاصة شبابهم- في هذا المقام هو ما يجب عليهم اعتقاده تجاه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليؤدوا ما عليهم من حقوق نحوهم، وليعرفوا ما يلزمهم به دينهم تجاههم، كما كان عليه سلف هذه الأمة، وليتجنبوا الزلل الذي سقط فيه غيرهم من أهل البدع والضلال، وليتمسكوا بما سار عليه أئمة أهل السنة والجماعة، فإن الناس قد اختلفوا في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بين جاف عاق يتجرأ عليهم وينتقصهم، ولا ينزلهم منزلتهم اللائقة بهم، وبين غال يغلو في بعضهم ويرفعهم لمرتبة تعادل مرتبة الأنبياء، بل وربما ألهوه، أما أهل السنة والجماعة فهم وسط بين الجفاة وبين الغلاة، وعقيدتهم في إجلال الصحابة وتقديرهم، مرجعُها إلى ما ثبت في النصوص الكثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، في بيان فضائلهم ومناقبهم، وذكر رضا الله عنهم ومغفرته لهم وثنائه عليهم، والإخبار بأنهم أفضل قرون الأمة، والنهي عن التعرض لهم بالسب أو بالطعن فيهم، والأمر بالكف عن الخوض في أعراضهم.
ويشهد لفضلهم أيضاً ما قاموا به من أعمال عظيمة لنصرة هذا الدين ونشره في أرجاء المعمورة، والتمكين له في الأرض.
هذا إلى جانب ما خصهم الله به من الحلم، والتقوى، والصلاح، والفقه، والإخلاص، والرغبة الصادقة في الجهاد في سبيل الله، والتضحية من أجل ذلك بالغالي والنفيس، بما يوجب التأسي بهم والأخذ عنهم، والاقتداء بهم، والسير على طريقتهم ومنهجهم، والتمسك بما تمسكوا به من عقائد هذا الدين، وعباداته، ومعاملاته، وأخلاقه، وسلوكياته.
 من هو الصحابي:
المراد بالصحابي: كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم بعد نبوته وهو مسلم مميز، ومات على إسلامه، وإن تخلل ذلك ردة على الأصح.
وهذا التعريف يتضمن أنه يشترط في الصحابي:
(1) أن يكون قد لقي النبي صلى الله عليه وسلم في حياته زمناً وإن قل، ويدخل في اللقاء السماع منه، أو صحبته، أو رؤيته، أما اشتراط طول الصحبة بسنة أو سنتين، أو الغزو معه غزوة أو غزوتين، نظراً لعظم شرف صحبة النبي صلى الله عليه وسلم فلا تنال إلا بذلك- أي: لا يعد صحابياً من وفد عليه، وانصرف بلا صحبة وطول اجتماع- فقول ضعيف لإجماع أهل اللغة على أن اسم الصحابي مشتق من الصحبة، بدون قدر مخصوص، وذلك يطلق على كل من صحب غيره، قليلاً كان أو كثيراً، وإن كان لطول الصحبة لا شك فضل أكبر وأعظم.([6])
أما من رآه بعد موته صلى الله عليه وسلم وقبل دفنه فإنه لا صحبة له، وقد وقع ذلك لـأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي.
(2) أن يكون اللقاء بعد نبوته صلى الله عليه وسلم: وذهب البعض إلى عدم اشتراط ذلك، فأدخل في الصحابة من رآه صلى الله عليه وسلم قبل النبوة ومات على الحنيفية كـزيد بن عمرو بن نفيل، وكذا من رآه صلى الله عليه وسلم قبلها ثم أدرك البعثة وأسلم وإن لم يره بعدها، وهذا قول ضعيف عند الجمهور.
(3) أن يكون حال لقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام: فمن رآه كافراً ثم أسلم بعد موته فلا يعد صحابياً.
(4) أن يكون على الأقل مميزاً حال لقائه صلى الله عليه وسلم، واختلفوا فيمن رآه وهو غير مميز لا يعقل، فقيل هو من التابعين، وعده البعض من صغار الصحابة، كالأطفال الذين حنكهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يروه بعد تمييزهم، كـعبد الله بن الحارث بن نوفل الذي حنكه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له، ولا رؤية له بعد تمييزه، وعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري الذي حنكه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له، ومحمد بن حاطب وعبد الرحمن بن عثمان التميمي وعبيد الله بن معمر وغيرهم.
ولا يشترط البلوغ على الصحيح وإلا لخرج من أجمع على عده من الصحابة كـالحسن والحسين وعبد الله بن الزبير وغيرهم.
 (5) أن يكون موته بعد ذلك وهو على دين الإسلام، فإن مات على الكفر فلا يعد صحابياً بالاتفاق.
أما من ارتد بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم ومات مسلماً؛ فالصحيح أنه لا تحبط صحبته بردته لموته على الإسلام لقوله تعالى: ((وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)) [البقرة:217].
وقال تعالى: ((وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ)) [المائدة:5].
فحبوط الصحبة يكون لردته وموته على الكفر.
مثال من ارتد ثم أسلم ومات على الإسلام: قرة بن ميسرة، والأشعث بن قيس.
أما إن رجع إلى الإسلام في حياته صلى الله عليه وسلم فيدخل في صحابته صلى الله عليه وسلم كـعبد الله بن أبى السرح.
ولا يشترط في حد الصحابي الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم([7]).
ومعرفة الصحابي بأحد أمور خمسة:
(1) التواتر: كـأبي بكر وعمر وبقية العشرة المبشرين بالجنة.
(2) الشهرة والاستفاضة: وهى الشهرة التي لم تبلغ حد التواتر كـعكاشة بن محصن وضمام بن ثعلبة.
(3) شهادة صحابي لغيره: بإخباره بذلك، كشهادة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه لحممة بن أبي حممة الدوسي -الذي مات مبطوناً بـأصبهان - بأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم.
(4) إخبار أحد التابعين الثقات؛ بناء على قبول التزكية من واحد وهو الراجح.
(5) إخبار الراوي إن كان عدلاً عن نفسه أنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم وكانت دعواه ممكنة.
 [أهمية علم معرفة الصحابة والكتب التي ألفت فيهم]:
 ومعرفة الصحابة علم عظيم الفائدة كبير الأهمية، ومن فوائده:
1- إعطاء الصحابي حقه من الموالاة والمحبة والتوقير لمنزلته بمصاحبة النبي صلى الله عليه وسلم.
2- إعطاؤه حقه من الترضي عليه عند ذكره والدعاء له، كما قال تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].
3- عدم النظر في مدى عدالته؛ إذ الصحابة جميعهم عدول.
4- معرفة المتصل من المرسل من الحديث النبوي.
من الكتب التي ألفت في الصحابة:
1- أسد الغابة: لـعز الدين بن الأثير الجزري وعليه المعول لمن جاء بعده.
2- الإصابة في تمييز الصحابة: لـابن حجر.
3- الاستيعاب: لـابن عبد البر، وذيل عليه ابن فرحون المالكي.
4- كتاب الصحابة لـابن حبان.
5- كتاب لـأبي عبد الله بن منده، ذيل عليه أبو موسى المديني.
 الآيات القرآنية الواردة في فضل الصحابة رضي الله عنهم:
1- وقال تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية: (فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم، ولاسيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم، عياذاً بالله من ذلك، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضي الله عنهم؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله ويعادون من عادى الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدون، ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون) اهـ. ط. المكتبة التوفيقية (جـ2/ ص 383-384).
وقد اختلف في من هم السابقون الأولون:
فقيل: من صلى إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول سعيد بن المسيب وابن الحنفية وابن سيرين وقتادة وطائفة.
وقيل: أهل بيعة الرضوان عام الحديبية من المهاجرين والأنصار، وهو قول الشعبي.
وقيل: أهل بدر: وهو قول محمد بن كعب القرظي وعطاء بن يسار.
وقيل: من أسلم قبل فتح مكة: قال به الحسن.
2- قال تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18]* ((وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)) [الفتح:19].
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: (يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم، وأنهم كانوا ألفاً وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سمرة بأرض الحديبية)([8]).
وقال رحمه الله: وقوله تعالى: ((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)) أي: من الصدق والوفاء والسمع والطاعة ((فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ)) وهي الطمأنينة ((عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) وهو ما أجرى الله عز وجل على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ((وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً))([9]).
 3- قال تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29].
والآية إخبار بأن محمداً النبي صلى الله عليه وسلم حق لا شك ولا ريب، وفيها ثناء من الله عز وجل على أصحابه رضي الله عنهم.
قال ابن كثير رحمه الله في ثنايا تفسيره للآية: (فالصحابة رضي الله عنهم خلصت وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم، وقال مالك رضي الله عنه: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة رضي الله عنهم الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا، وصدقوا في ذلك، فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نوه الله تبارك وتعالى بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة، ولهذا قال سبحانه وتعالى ههنا: ((ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ))، ثم قال: ((وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ)) أي: فراخه، ((فَآزَرَهُ)) أي: شده، ((فَاسْتَغْلَظَ)) أي شب وطال، ((فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ)) أي: فكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم آزروه وأيدوه ونصروه، فهم معه كالشطء مع الزرع، ((لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ)) ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله عنهم، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة رضي الله عنهم فهو كافر لهذه الآية، ووافقه طائفة من العلماء على ذلك، والأحاديث في فضل الصحابة رضي الله عنهم والنهي عن التعرض بمساويهم كثيرة، ويكفيهم ثناء الله عليهم ورضاه عنهم، ثم قال تبارك وتعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ)) (من) هذه لبيان الجنس ((مَغْفِرَةً)) أي: لذنوبهم ((وَأَجْراً عَظِيماً)) أي: ثواباً جزيلاً ورزقاً كريماً، ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدل، وكل من اقتفى أثر الصحابة رضي الله عنهم فهو في حكمهم، ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة، رضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم وقد فعل) اهـ([10]).
4- قال تعالى: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:117].
قال ابن كثير في تفسيره: (قال مجاهد وغير واحد نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مجدبة وحر شديد، وعسر من الزاد والماء، قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد ما أصابهم فيها جهد شديد، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم)([11]).
وذكر عن ابن جرير بسنده عن عمر بن الخطاب قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، وحتى إن الرجل كان ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! إن الله عز وجل قد عودك في الدعاء خيراً فادع لنا، فقال: أتحب ذلك؟ قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعها حتى سالت السماء فأهطلت ثم سكنت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر»([12]).
 5- قال تعالى: ((وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10].
والجمهور على أن المراد بالفتح ههنا فتح مكة، وعن الشعبي وغيره أن المراد بالفتح ههنا صلح الحديبية.([13]).
قال ابن كثير رحمه الله: (وقوله تعالى: ((وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [النساء:95] يعني: المنفقين قبل الفتح وبعده، كلهم لهم ثواب على ما عملوا وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء)([14])، وقال: (وإيمائه بهذا لئلا يهدر جانب الآخر بمدح الأول دون الآخر فيتوهم متوهم ذمه، فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه مع تفضيل الأول عليه، ولهذا قال تعالى: ((وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) [الحديد:10] فأي: فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذاك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق)([15])، وقال أيضاً: (ولاشك عند أهل الإيمان أن الصديق أبا بكر رضي الله عنه له الحظ الأوفر من هذه الآية، فإنه سيد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء، فإنه أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله عز وجل، ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها) اهـ.([16]).
6- قال تعالى: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2]* ((وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) [الجمعة:3].
قال ابن كثير رحمه الله: (وهذه الآية هي مصداق إجابة الله لخليله إبراهيم حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فبعثه الله سبحانه وتعالى وله الحمد والمنة على حين فترة من الرسل، وطموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه). تفسير ابن كثير (جـ4/363) ط المكتبة التوفيقية. والأميون هم العرب.
وقد تلى النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه آيات الله وهداهم إلى ما يطهر نفوسهم ويزكيها، وعلمهم ما أوحي إليه من الكتاب والسنة، فأدى ما عليه من أمانة التبليغ، وتحققت الغاية من البعثة والرسالة، فتحولوا من الضلالة إلى الحق، ومن الجاهلية إلى الإسلام، ولله الحمد والمنة، ثم تعدى هذا الخير عن طريقهم إلى: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ).
قيل في تفسيرها: (إن الآخرين) فارس وغيرهم من الأمم الذين دعاهم إلى اتباع ما جاء به، وقال مجاهد وغير واحد: هم الأعاجم وكل من صدق النبي صلى الله عليه وسلم من غير العرب، وقيل: المراد بقية من بقي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
7- قال تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8]* ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:9]* ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].
والآية تبين حال الفقراء المستحقين لمال الفيء من المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان؛ قال ابن كثير رحمه الله: (يقول تعالى مبيناً حال الفقراء المستحقين لمال الفيء أنهم: ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)) أي: خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم، ابتغاء مرضاة الله ورضوانه، ((وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) أي: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم، وهؤلاء هم سادات المهاجرين، ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) أي: سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين، وآمنوا قبل كثير منهم)([17]).
وقال: وقوله تعالى: ((يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)) أي: من كرمهم وشرف أنفسهم يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم، وقال: ((وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا)) أي: ولا يجدون في أنفسهم حسداً للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة([18]) وقال: وقوله تعالى: ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) أي: من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح.([19]).
وقال أيضاً رحمه الله: وما أحسن ما استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية الكريمة، أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب، لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ))([20]).
ونقل عن ابن أبي حاتم بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم ثم قرأت الآية) ونقل عن البغوي بسنده عن عائشة قالت: (أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فسببتموهم).
8- قال تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [الأنفال:74].
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير سورة الأنفال: (وقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار في غير ما آية في كتابه)، وقال: (فإن ظاهر الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، لا يختلفون في ذلك). تفسير ابن كثير ط. المكتبة التوفيقية: (جـ2/ ص329).
 وفي الآية وصف للمهاجرين والأنصار بأنهم أهل الإيمان حقاً، وهذا ثناء من الله عليهم وشهادة لهم، ثم وعدهم بالمغفرة للذنوب، ودخول الجنة، والتنعم بما فيها من رزقه الكريم عز وجل.
9- قال تعالى: ((إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)) [الفتح:26].
وفي الآية إخبار من الله تعالى عن منزلة صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه يوم الحديبية، فنالتهم لإيمانهم وطاعتهم لنبيهم سكينة الله، والثبات على مرضاته، وكلمة التقوى (لا إله إلا الله)، وهي كلمة الإخلاص والتوحيد، وهي رأس كل تقوى،([21]) فكانوا عليها، وكانوا بإخبار الله تعالى أهلها والأحق بها.
وقوله تعالى: ((وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)): أي: عليم بمن يستحق هذا الثناء وهذا الفضل ممن لا يستحق، وفي ذلك أبلغ الثناء على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.
10- قال تعالى: ((فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ)) [البقرة:137].
والآية خوطب بها أول هذه الأمة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي عامة في كل المؤمنين، وأولى الناس بالدخول فيها صحابته صلى الله عليه وسلم، والمعنى: فإن آمنوا -أي: الكفار من أهل الكتاب وغيرهم- بمثل ما أنتم عليه من الاعتقاد والإيمان، فقد أصابوا الحق وأرشدوا إليه: ((وَإِنْ تَوَلَّوْا)) عن الحق إلى الباطل بترك ما أنتم عليه من الإيمان بعد قيام الحجة عليهم ((فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ)) أي: فسينصرك يا أيها النبي وأتباعك عليهم ويظفرك بهم.
 11- قال تعالى: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ)) [يوسف:108].
فيها أمر من الله لنبيه أن يخبر الناس أنه ومن اتبعه من صحابته الكرام رضي الله عنهم، إنما يدعون إلى الله وحده، على علم ويقين بما يدعون إليه، وتنزيه لله عن الشريك والنظير، والبراءة من الشرك والمشركين.
ويفهم من الآية تحقق ذلك في أتباعه الذين كانوا معه، من الإخلاص لله في الدعوة، وحصول العلم اليقيني لهم، وإخلاصهم في الدعوة إلى الله وتنزيهه، والبراءة من الشرك والكفر والنفاق.
12- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)) [الفتح:1] قال: الحديبية، قال أصحابه: هنيئاً مريئاً، فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: ((لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)) [الفتح:5)] وهو في الصحيح([22]).
حديث أنس في قوله تعالى: ((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)) [الفتح:1] رواه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي باب غزوة الحديبية.
وعند أحمد عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)) [الفتح:2] مرجعه من الحديبية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أنزلت عليّ الليلة آية أحب إليّ مما على الأرض، ثم قرأها عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هنيئاً مريئاً يا نبي الله! بيّن الله عز وجل ما يفعل بك؛ فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه صلى الله عليه وسلم: ((لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)) حتى بلغ: ((فَوْزاً عَظِيماً)) [الفتح:5]» أخرجاه في الصحيحين من رواية قتادة به.([23]).
 ففيها وعد الله لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين اتبعوه ونصروه، وجاهدوا معه حتى تحقق فتح الله عز وجل لنبيه بدخول الجنة ونوال الفوز العظيم.
13- قال تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110]([24])
14- وقال تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)) [البقرة:143]([25]).
15- وقال تعالى: ((يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ)) [التحريم:8]([26]).
والصحابة رضي الله عنهم هم المشافهون بهذا الخطاب في هذه الآيات، وهم أحق الأمة بما فيها من الثناء والفضل، وأول من يدخل تحت معانيها.
والآية الأولى تضمنت إثبات الله تعالى الخيرية لهم على سائر الأمم وكافة الناس، ولا شيء يعادل شهادة الله تعالى لهم بذلك؛ لأنه تعالى أعلم بعباده وبما انطووا عليه من الخير وغيره، بل لا يعلم ذلك أحد غيره تعالى، فوجب اعتقاد خيريتهم بلا شك أو ارتياب.
والآية الثانية: تضمنت أن الله تعالى خلقهم عدولاً وخياراً، ليكونوا شهداء على بقية الأمم يوم القيامة، فكيف يزعم أهل الزور والبهتان أنهم غير عدول، مع أن الله تعالى يستشهد بهم؟!
والآية الثالثة تضمنت تأمين الله تعالى لهم من خزي يوم القيامة، وفيها دلالة على أنهم يموتون على كمال الإيمان وحقائق الإحسان، وأنهم يتركون الدنيا، والله سبحانه وتعالى عنهم راض، فمن لم يصدق بذلك فيهم فقد كذب القرآن وخالفه.
 
 الأحاديث النبوية الواردة في فضل الصحابة رضي الله عنهم:
1- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس خير([27]) قال: أقراني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه وتبدر يمينه شهادته» رواه البخاري في فضائل الصحابة، ومسلم أيضاً في فضائل الصحابة (متفق عليه).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم» والله أعلم أذكر الثالث أم لا. رواه مسلم.
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعاً: «إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً» متفق عليه، وعند مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس خير؟ قال: القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث».
2- وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» رواه مسلم في فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم، وروى أبو سعيد رضي الله عنه مثله عند البخاري ومسلم. انظر: البخاري (7/ 17) في فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذاً خليلاً»، ومسلم (4/ 1967م/ ح2541) في فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم.
فائدة: حديث ابن مسعود: «أي الناس خير؟ قال: أقراني ثم الذين يلونهم» رواه البخاري في فضائل الصحابة (7/ 3) باب: فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا شهد، وفي الرقاق باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، وفي الأيمان والنذور، باب أشهد بالله أو شهدت بالله، ورواه مسلم في فضائل الصحابة (4/ 1962/ ح2533) باب: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم.
وقد ورد أيضاً من حديث أبي هريرة «خير أمتي القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم» وآخره: «يشهدون قبل أن يستشهدوا» رواه مسلم (4/ 1963/ ح2534). في فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، وقد ورد أيضاً بنحوه من حديث عمران بن حصين: «إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» رواه البخاري في فضائل الصحابة (3/7) باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الشهادات، باب لا يشهد جور إذا شهد، وفي الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا وزينتها والتنافس فيها، وفي الأيمان والنذور، باب إثم من لا يفي بالنذر، ورواه مسلم في فضائل الصحابة (4/ 1964/ ح2535) باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم.
وورد عن عائشة: «أي الناس خير؟ قال: القرن الذي أنا فيه» وآخره: «ثم الثالث» رواه مسلم في فضائل الصحابة (4/ 1965/ ح2536) باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم.
3- في الصحيحين عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: «لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم»([28]).
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (حدثني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدراً أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر بضعة عشر وثلاثمائة، قال البراء: لا والله ما جاوز معه النهر إلا مؤمن). رواه البخاري في المغازي (جـ7/ 290) باب عدة أصحاب بدر.
4- وعند مسلم مرفوعاً: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه أبو داود عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً، انظر: مسلم في فضائل الصحابة (4/ 1942/ ح2496) باب من فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان، والترمذي في المناقب (5/ 695/ ح3860) باب: ما جاء في فضل من بايع تحت الشجرة، وأبو داود في السنة (4/ 213/ ح 4653) باب: ما جاء في الخلفاء عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يوم الحديبية: «أنتم اليوم خير أهل الأرض»، رواه البخاري في المغازي (7/ 443)، ومسلم في الإمارة (13/ 3).
5- وفي الحديث المرفوع: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» متفق عليه، وفي رواية: «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق».
وفي الحديث أيضاً: «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار»، وإنما نال الأنصار ذلك لحسن صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه، وكل الصحابة من غير الأنصار لهم مثل هذا الوصف، فحبهم علامة الإيمان، وبغضهم علامة النفاق، لاشتراكهم مع الأنصار رضي الله عنهم في حماية النبي وحماية دعوته والجهاد في سبيل الله معه، والبذل والتضحية في سبيل ذلك.
أما تخصيص الأنصار في هذا الحديث بهذا الفضل فهو لعلمه صلى الله عليه وسلم أن المسلمين سيكثرون بالفتوحات فتقل نسبة الأنصار فيهم، لذا ذكر جموع المسلمين بمنزلتهم وفضلهم، وإما لأن الخلافة والإمامة من بعده صلى الله عليه وسلم إنما هي لقريش، فربما غفل الناس عن الأنصار لإبعادهم عن الإمارة والولاية الكبرى، فنوه النبي صلى الله عليه وسلم بمكانتهم لتمتلئ القلوب حباً لهم، وتقديراً لدورهم، وحفظاً لمكانتهم، والله تعالى أعلم.
 فائدة: حديث: «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار» رواه مسلم (جـ16/ ص67)، باب فضل الأنصار، وأحمد وأبو داود والطيالسي عن زيد بن أرقم، ورواه عن أنس البخاري والترمذي، ورواه عن خزيمة بن ثابت الطبراني في الكبير وابن أبي شيبة عن أبي سعيد.
حديث: «الأنصار كرشي وعيبتي، إن الناس سيكثرون وهم يقلون، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» رواه النسائي والطبراني في الكبير عن أنس، ورواه البخاري ومسلم والترمذي وقال: حسن صحيح عن أسيد بن حضير، ورواه النسائي وابن حبان عن أنس، ولفظ مسلم بزيادة (إن) في أوله وبدون لفظ (هم) في قوله «هم يقلون» وانظر مختصر صحيح مسلم حديث رقم (1727) (كرشي وعيبتي) أي: بطانته وموضع سره وأمانته، والذين يستخدمهم في أموره لثقته فيهم.
6- ولما أخبر صلى الله عليه وسلم عن افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة قال في صفتها: «هي ما كانت على ما أنا عليه وأصحابي»وفي رواية: «وهي الجماعة».
حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة رواه أحمد (4/ 102) وأبو داود (4/ 198/ ح4597) في السنة، باب شرح السنة، والدارمي (2/241) والحاكم (1/128)، والآجري في الشريعة (ص:18) من حديث معاوية رضي الله عنه وسنده حسن -وللحديث شواهد كثيرة- انظر السلسلة الصحيحة للألباني الحديث (204)، أما زيادة «ما أنا عليه وأصحابي» فمروية عن أنس رضي الله عنه وعند الطبراني في الصغير وفي سنده مقال، وعن عبد الله بن عمرو عند الترمذي وفيه ضعف، وروي عن أبي أمامة وأبي الدرداء وواثلة بن الأسقع، وهي زيادة حسنة، انظر السلسلة الصحيحة للألباني حديث رقم (204).
 7- وفي حديث العرباض بن سارية المرفوع: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» (قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح).
وفي الحديث فضل الصحابة رضي الله عنهم؛ خاصة الخلفاء الراشدين وفي مقدمتهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وذلك من وجوه منها:
1- الأمر بالتمسك بسنتهم والأخذ بهديهم.
2- جمع سنته صلى الله عليه وسلم وسنتهم في ضمير واحد: «عضوا عليها» ولم يقل: (عضوا عليهما) فجعل سنتهم سنته، لعلمه صلى الله عليه وسلم أنهم لا يفارقون سنته، بل يتمسكون بها لا يحيدون عنها، وأن سنته إنما تنشر في الأرض شرقها وغربها عن طريقهم من بعده، لذا أمر باتباعها والعض عليها بالنواجذ، إذ أن سنتهم موافقة لسنته، وهذا مما علمه النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق وحي السماء، وفيه دلالة على صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد وقع الأمر كما أخبر، وحفظت سنته صلى الله عليه وسلم ونقلت للأمة من بعده، عن طريق صحابته الكرام، والله تعالى أعلم.
3- وصفهم بالراشدين.
4- وصفهم بالمهديين.
5- استنباط بعض الفقهاء من الحديث حجية الأخذ بما اتفق عليه الخلفاء الأربعة من الأحكام الفقهية، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأخذ بسنتهم، خاصة ما اتفق عليه الشيخان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (والسنة هي الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة، ولهذا كان السلف قديماً لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله) اهـ([29]).
 8- في صحيح مسلم عن أبي بردة عن أبيه رضي الله عنه قال: «صليت المغرب مع رسول الله ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي العشاء، قال: فجلسنا، فخرج علينا فقال: ما زلتم ها هنا! قلنا: يا رسول الله! صلينا معك المغرب ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم -أو أصبتم- قال: فرفع رأسه إلى السماء -وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء- فقال: النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة([30]) لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهبت أصحابي أتى أمتي ما يوعدون».
رواه مسلم في فضائل الصحابة (4/1961 / ح2531) باب بيان أن بقاء النبي صلى الله عليه وسلم أمان لأصحابه، ورواه أحمد (4/ 399) في المسند، والبغوي في شرح السنة (14/ 71، 72).
9- وفي الصحيح عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم».
رواه البخاري (7/ 3) في فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الجهاد، وفي الأنبياء. ورواه مسلم (4/ 1962/ ح2532) في فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، ورواه أحمد (3/7).
10- وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».
11- وعن واثلة مرفوعاً: «لا تزالون بخير مادام فيكم من رآني وصاحبني، والله ما تزالون بخير مادام فيكم من رأى من رآني وصاحبني».
رواه ابن أبي شيبة (4/ 12463) الفضائل. قال الحافظ ابن حجر: وإسناده حسن. فتح الباري جـ (7/5)، ورواه ابن أبي عاصم أطول منه (1481).
12- وعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه».
رواه أحمد (4/ 87) و(5/54-57) والبخاري في تاريخه، والترمذي (13/ 244)، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان، قال الصدر المناوي: فيه عبد الرحمن بن زياد، قال الذهبي: لا يعرف، وفي الميزان: في الحديث اضطراب، ومع ذلك فقد صححه ابن حبان، وانظر جمع الجوامع - الجامع الكبير - للسيوطي (جـ1/ عدد 29) في السنن القولية ط. مجمع البحوث الإسلامية، وقد قال فيه الترمذي: إنه حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال ابن حجر الهيتمي: إن الحديث رجاله ثقات.
 من أقوال السلف في فضل الصحابة رضي الله عنهم:
1- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيء).
أخرجه أحمد رقم (3600)، والطيالسي في مسنده (ص:23) وابن الأعرابي في معجمه (2/84) وهو صحيح موقوفاً، وروي مرفوعاً، وفي إسناده كذاب فلا أصل له مرفوعاً، وانظر السلسلة الضعيفة والموضوعة الحديث رقم (533).
2- وعن ابن عمر قال: (لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة -يعني: مع النبي صلى الله عليه وسلم- خير من عمل أحدكم عمره) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (2/ 12463)، وابن ماجة (1/57)، وابن أبي عاصم في السنة (2/484).
3- وعن ابن عباس بإسناد صحيح قال: (لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلمقام أحدهم ساعة -يعني: مع النبي صلى الله عليه وسلم- خير من عمل أحدكم أربعين سنة) وفي رواية: (خير من عبادة أحدكم عمره) وعنه قال: (لا تسبوا أصحاب محمد، فإن الله قد أمر بالاستغفار لهم، وقد علم أنهم سيقتتلون) رواه أحمد.
4- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد فسبوهم) رواه مسلم رقم (22 30)، ورواه أبو عاصم في السنة (2/ 484)، وابن أبي شيبة (12464)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 20) من رواية الطبراني وقيل لـعائشة رضي الله عنها: (إن أناساً يتناولون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون من هذا؟ انقطع عنهم العمل، فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر).
5- وعن ابن عمر رضي الله عنهما: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه ونقل دينه).
 6- وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: (والله لمشهد رجل منهم -يعني الصحابة- مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يغبر منه وجهه، خير من عمل أحدكم ولو عُمِّر عمر نوح) ثم قال يتوعد من سبهم أو بغضهم: (لا جرم لما انقطعت أعمارهم، أراد الله أن لا يقطع الأجر عنهم إلى يوم القيامة، والشقي من أبغضهم، والسعيد من أحبهم) رواه الترمذي وأبو داود.
 
 أقوال أهل السنة والجماعة في الصحابة رضي الله عنهم:
عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة رضي الله عنهم:
قال الطحاوي رحمه الله في عقيدته: (ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم([31]) ولا نتبرأ من أحد منهم([32])، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) اهـ.
قال ابن تيمية في العقيدة الواسطية: (ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10] وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»([33]) ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، ويفضلون من أنفق من قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- وقاتل، على من أنفق من بعد وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة([34])، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالعشرة المبشرين([35]) وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة) اهـ([36]).
وقال في موضع آخر من العقيدة الواسطية: (وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم) اهـ([37]).
وقال أيضاً رحمه الله عن أهل السنة: (ويتبرأون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل) اهـ([38]).
 عدالة الصحابة رضي الله عنهم:
أجمع العلماء على أن الصحابة جميعاً عدول، قال السيوطي: (الصحابة كلهم عدول؛ من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به).
والمراد بالعدالة الثابتة لجميع الصحابة عند المحدثين هي: تجنب تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها، بارتكاب ما يوجب عدم قبولها، فإن الذنب على فرض وقوعه لا يمنع من قبولها، فهم عدول على العموم.
 قال د. محمود الطحان: (والصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول؛ سواء من لابس الفتن منهم أم لا، وهذا بإجماع من يعتد به، ومعنى عدالتهم: أي تجنبهم تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها، بارتكاب ما يوجب عدم قبولها، فينتج عن ذلك قبول جميع رواياتهم من غير تكلف في البحث عن عدالتهم، ومن لابس الفتن منهم يحمل أمره على الاجتهاد المأجور فيه لكل منهم، تحسيناً للظن بهم؛ لأنهم حملة الشريعة وخير القرون). تيسير مصطلح الحديث للطحان (ص:198).
قال ابن الأنباري: (المراد من عدالة الصحابة قبول روايتهم من غير تكلف البحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا أن يثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك) اهـ.
وقال شاه ولي الله الدهلوي: وبالتتبع وجدنا أن جميع الصحابة يعتقدون أن الكذب على رسول الله أشد الذنوب، ويحترزون عنه غاية الاحتراز.
وقبولهم أولى بالاعتبار من قبول رواية المبتدع الذي يحرم الكذب ويظن صدقه من غير الصحابة، وحتى من يرى أن العدالة لا تتحقق إلا باجتناب جميع المنهيات، فإنه يريد الكاملة، ولا يمنع من القول بأنها تتجزأ.
 عصمة الصحابة:
ما اتفق عليه الصحابة رضي الله عنهم من أمور الدين فهو حجة، لعصمة إجماعهم، وهو دليل قطعي عند أهل السنة والجماعة فـ (إن أهل السنة لا يتصور أن يتفقوا على مخالفة إجماع الصحابة)([39]). (فإنهم متفقون على أن إجماع الصحابة حجة)([40])فإذا كان إجماع أهل الاجتهاد من المسلمين، في عصر من العصور، على أمر من أمور الدين يعد حجة شرعية عند الفقهاء، فلاشك أن إجماع الصحابة أولى ومقدم على إجماع غيرهم من القرون([41])، من أمثلة ذلك:
 إجماعهم على خلافة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم وصحة خلافتهم.
إجماعهم على قتال مانعي الزكاة.
إجماعهم على جمع المصحف.
أما الصحابة كأفراد، فإن أي فرد منهم ليس معصوماً من الخطأ، ومن الوقوع في المعاصي صغيرة كانت أو كبيرة، فـ (نحن المسلمين لا نعتقد العصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل من ادعى العصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كاذب)([42]).
قال ابن تيمية في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة: (وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم من كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم في السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنهم خير القرون»([43]) وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم، ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين؟ إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور)([44])اهـ.
 ثم قال رحمه الله بعد ذلك: (ثم إن القدْر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر، مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح. ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم به من الفضائل علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله)([45])اهـ.
وقال أيضاً رحمه الله في رده على الرافضة: (فمن ذلك أن أهل السنة عندهم أن أهل بدر في الجنة، وكذلك أمهات المؤمنين، ويقولون: ليس من شروطهم سلامتهم عن الخطأ، بل ولا عن الذنب، بل يجوزون أن يذنب الرجل منهم ذنباً صغيراً أو كبيراً ويتوب منه، وهذا متفق عليه بين المسلمين، ولو لم يتب منه؛ فالصغائر تمحى باجتناب الكبائر عند جماهيرهم، بل وعند الأكثرين منهم أن الكبائر تمحى بالحسنات التي هي أعظم منها، وبالمصائب المكفرة وغير ذلك، وإذا كان هذا أصلهم فيقولون: ما ذكر عن الصحابة من السيئات كثير منه كذب، وكثير منه كانوا مجتهدين فيه؛ ولكن لا يعرف كثير من الناس وجه اجتهادهم.
وما قدر أنه كان فيه ذنب من الذنوب فهو مغفور لهم؛ إما بتوبة، وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفرة، وإما بغير ذلك، فإنه قد قام الدليل الذي يجب القول بموجبه أنهم من أهل الجنة، فامتنع أن يفعلوا ما يوجب النار لا محالة، وإذا لم يمت أحدهم على موجب النار لم يقدح ذلك في استحقاقهم الجنة، ونحن قد علمنا أنهم من أهل الجنة، ولو لم يعلم أن أولئك المعينين في الجنة لم يجز لنا أن نقدح في استحقاقهم للجنة بأمور لا نعلم أنها توجب النار، فإن هذا لا يجوز في آحاد المؤمنين الذين لم يعلم أنهم يدخلون الجنة، وليس لنا أن نشهد لأحد منهم بالنار لأمور محتملة لا تدل على ذلك، فكيف يجوز ذلك في خيار المؤمنين؟ والعلم بتفاصيل أحوال كل واحد منهم باطناً وظاهراً وحسناته وسيئاته واجتهاداته أمر يتعذر علينا معرفته، فكان كلامنا في ذلك كلاماً فيما لا نعلمه، والكلام بلا علم حرام، فلهذا كان الإمساك عما شجر بين الصحابة خيراً من الخوض في ذلك بغير علم بحقيقة الأحوال، إذ كان كثير الخوض في ذلك أو أكثره كلاماً بلا علم، وهذا حرام لو لم يكن فيه هوى ومعارضة للحق المعلوم، فكيف إذا كان كلاماً لهوى يطلب فيه دفع الحق المعلوم؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة: رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار»([46]) فإذا كان هذا في قضاء بين اثنين في قليل المال أو كثيره، فكيف القضاء بين الصحابة في أمور كثيرة؟ فمن تكلم في هذا الباب بجهل أو بخلاف ما يعلم، كان مستوجباً للوعيد، ولو تكلم بحق بقصد الهوى لا لوجه الله تعالى أو يعارض به حقاً آخر؛ لكان أيضاً مستوجباً للذم والعقاب.
ومن علم ما دل عليه القرآن والسنة من الثناء على القوم، ورضا الله عنهم، واستحقاقهم الجنة، وأنهم خير الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس؛ لم يعارض هذا المتيقن المعلوم بأمور مشتبهة، منها ما لا يعلم صحته، ومنها ما يتبين كذبه، ومنها ما لا يعلم كيف وقع، ومنها ما يعلم عذر القوم فيه، ومنها ما يعلم توبتهم منه، ومنها ما يعلم أن لهم من الحسنات ما يغمره، فمن سلك سبيل أهل السنة استقام قوله، وكان من أهل الحق والاستقامة والاعتدال، وإلا حصل في جهل ونقص وتناقض كحال هؤلاء الضلال)([47])اهـ. كلام ابن تيمية سقناه على طوله لأهميته.
 
 موقف أهل السنة من مشاجرات الصحابة وخلافاتهم:
أهل السنة والجماعة يجوزون الخطأ والذنوب في أعمال الصحابة كأفراد، لذا فهم يرون أن الاختلافات والمشاجرات التي وقعت بينهم: إما أنها عن اجتهادات منهم-وهو الظن اللائق بهم لمنزلتهم- فيكون للمصيب منهم أجران وللمخطئ أجر واحد، أو هي على أسوأ تقدير ذنوب وقعت من بعضهم، فهم ليسوا بمعصومين، وهذه الذنوب تكفرها أعمالهم الجليلة وفضائلهم العظيمة على فرض عدم توبتهم منها، ولذا فـأهل السنة يتجنبون الخوض في منازعات الصحابة، ويتشككون في كثير مما روي عن مشاحناتهم، لما دسه أهل البدع والكذب عليهم من الافتراءات والأكاذيب.
يقول ابن تيمية في بيان موقف السلف في ذلك: (ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم: منها ما هو كاذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغيّر عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون؛ إما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم ليغفر لهم السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم)([48]). وقد نقلنا في الكلام عن عصمة الصحابة عن ابن تيمية قريباً من ذلك، وفي متن معارج القبول:
ثم السكوت واجب عما جرى                            بينهم من فعل ماقد قدرا
فكلهم مجتهد مثاب                                        خطؤهم يغفره الوهاب
 وقال في الشرح: (أجمع أهل السنة والجماعة الذين هم أهل الحل والعقد الذين يعتد بإجماعهم، على وجوب السكوت عن الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم بعد قتل عثمان رضي الله عنه، والاسترجاع على تلك المصائب التي أصيبت بها هذه الأمة، والاستغفار للقتلى من الطرفين والترحم عليهم، وحفظ فضائل الصحابة والاعتراف لهم بسوابقهم ونشر مناقبهم، عملاً بقول الله عز وجل: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10] الآية، واعتقاد أن الكل منهم مجتهد، إن أصاب فله أجران؛ أجر على اجتهاده وأجر على إصابته، وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد، والخطأ مغفور، ولا نقول إنهم معصومون، بل مجتهدون، إما مصيبون وإما مخطئون لم يتعمدوا الخطأ في ذلك، وما روي من الأحاديث في مساويهم الكثيرُ منه مكذوب، ومنه ما قد زيد فيه أو نقص منه وغيّر عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون)([49]).
وساق كلام ابن تيمية مما سبق نقله، ثم قال بعدها: (وقال القاضي عياض في ذكر الصحابة رضي الله عنهم وفضائلهم: وأما الحروب التي جرت، فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب نفسها بسببها، وكلهم عدول رضي الله عنهم ومتأولون في حروبهم وغيرها، ولم يخرج شيء من ذلك أحداً منهم عن العدالة؛ لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها، ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم)([50])، (وما أحسن ما قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وقد سئل عن الفتن أيام الصحابة، فقال تالياً قول الله عز وجل: ((تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [البقرة:134]([51]).
 وهذا ينطبق على كل الخلافات بين الصحابة، والمواقف الشخصية التي كانت بينهم، سواء أكانت من الخلافات الفقهية الفرعية، أو من الصراعات الكبيرة، كنزاع علي ومعاوية رضي الله عنهما، وانقسام الصحابة في ذلك بين مؤيد لـعلي، ومؤيد لـمعاوية، ومعتزل للفتنة.
فائدة: حديث: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» أخرجه الطبراني في الكبير (2/ 78/ 2)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 108) عن ابن مسعود رضي الله عنه، ورواه الطبراني أيضاً في الكبير (1/ 71/ 2) عن ثوبان رضي الله عنه، ورواه ابن عدي (295/1) عن ابن عمر رضي الله عنه، وأسانيد الحديث ضعيفة جميعها، وللحديث شاهد مرسل عن طاووس، وقد صححه بمجموع طرقه الألباني في سلسلته الصحيحة حديث رقم (34).
 أفضل الصحابة عند أهل السنة والجماعة:
قال أبو منصور البغدادي: (أجمع أهل السنة أن أفضل الصحابة: أبو بكر فـعمر فـعثمان فـعلي، فبقية العشرة المبشرين بالجنة، فأهل بدر، فباقي أهل أحد، فباقي بيعة الرضوان بـالحديبية، فباقي الصحابة) اهـ([52]).
وقال السيوطي: (أفضلهم على الإطلاق أبو بكر، ثم عمر رضي الله عنهما بإجماع أهل السنة، ثم عثمان، ثم علي، هذا قول جمهور أهل السنة) اهـ([53]).
وقال محمد خليل هراس رحمه الله في شرح متن العقيدة الواسطية لـابن تيمية: (وأما قوله-يعني: ابن تيمية - (يفضلون من أنفق قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- وقاتل، على من أنفق من بعده وقاتل) فقد ورد النص القرآني بذلك، قال تعالى في سورة الحديد: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10] وأما تفسير الفتح بصلح الحديبية فذلك المشهور([54])، وقد صح أن سورة الفتح نزلت عقيبه وسمي هذا الصلح فتحاً لما ترتب عليه من نتائج بعيدة المدى في عزة الإسلام وقوته، وانتشاره ودخول الناس فيه.
وأما قوله: (ويقدمون المهاجرين على الأنصار) فلأن المهاجرين جمعوا الوصفين: النصرة والهجرة، ولهذا كان الخلفاء الراشدون وبقية العشرة، من المهاجرين، وقد جاء القرآن بتقديم المهاجرين على الأنصار في سورة التوبة والحشر، وهذا التفضيل إنما هو للجملة على الجملة، فلا ينافي أن في الأنصار من هو أفضل من بعض المهاجرين، وقد روي عن أبي بكر أنه قال في خطبته يوم السقيفة: (نحن المهاجرون، وأول الناس إسلاماً، أسلمنا قبلكم، وقدمنا في القرآن عليكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء).
وأما قوله: (ويؤمنون بأن الله قال لـأهل بدر.. إلخ): فقد ورد أن عمر رضي الله عنه لما أراد قتل حاطب بن أبي بلتعة وكان قد شهد بدراً؛ لكتابته كتاباً إلى قريش يخبرهم فيه بمسير الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال له الرسول: «لا. وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»([55]). وأما قوله: (وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)([56])... إلخ. فلإخباره صلى الله عليه وسلم بذلك، ولقوله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) [الفتح:18] فهذا الرضى مانع من إرادة تعذيبهم ومستلزم لإكرامهم ومثوبتهم.
وأما قوله: (ويشهدون بالجنة لمن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم، كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة) أما العشرة([57]) فهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، وأما غيرهم فكـثابت بن قيس وعكاشة بن محصن وعبد الله بن سلام وكل من ورد الخبر الصحيح بأنه من أهل الجنة) اهـ([58])
وفي كتاب السنة للالكائي في ذكر عقيدة إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل([59]) رحمه الله قوله: (وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا في ذلك، ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة- علي بن أبي طالب وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد كلهم يصلح للخلافة وكلهم إمام، ونذهب إلى حديث ابن عمر: (كنا نعد -ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي وأصحابه متوافرون- أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت)([60]).
ثم من بعد أصحاب الشورى: أهل بدر من المهاجرين، ثم أهل بدر من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قدر الهجرة والسابقة أولاً فأولاً، ثم أفضل الناس بعد هؤلاء: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم القرن الذي بعث فيهم).
 وفي شرح الطحاوية: (وروي عن أبي حنيفة تقديم علي على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان على علي، وعلى هذا عامة أهل السنة، وقد تقدم قول عبد الرحمن بن عوف لـعلي رضي الله عنه إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بـعثمان، وقال أيوب السختياني: (من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار)، وفي البخاري عن ابن عمر قال: (كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي: أفضل أمة النبي صلى الله عليه وسلم بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان)([61]).
قال الدارقطني: من فضل علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، قال ابن كثير: يعني: في اجتهادهم ثلاثة أيام، ثم اتفقوا على عثمان وتقديمه على علي بعد مقتل عمر.([62]).
 الاتفاق على تقديم عثمان على علي في الخلافة، والاختلاف في أفضلية عثمان على علي رضي الله عنهما:
قال ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية عن مذهب أهل السنة والجماعة: (ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر ويثلثون بـعثمان ويربعون بـعلي رضي الله عنهم، دلت عليه الآثار، كما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة؛ مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي رضي الله عنهما -بعد اتفاقهما على تقديم أبي بكر وعمر - أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بـعلي، وقدم قوم علياً، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي، وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله) اهـ([63]).
قال محمد خليل هراس رحمه الله في شرحه للعقيدة الواسطية: (فمذهب جمهور أهل السنة أن ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل على حسب ترتيبهم في الخلافة، وهم لهذا يفضلون عثمان على علي، محتجين بتقديم الصحابة عثمان في البيعة على علي، وبعض أهل السنة يفضل علياً؛ لأنه يرى أن ما ورد من الآثار في مزايا علي ومناقبه أكثر، وبعضهم يتوقف في ذلك، وعلى كل حال فمسألة التفضيل ليست -كما قال المؤلف([64])- من مسائل الأصول التي يضلل فيها المخالف، وإنما هي مسألة فرعية يتسع لها الخلاف، وأما مسألة الخلافة فيجب الاعتقاد بأن خلافة عثمان كانت صحيحة؛ لأنها كانت بمشورة من الستة الذين عينهم عمر رضي الله عنه ليختاروا الخليفة من بعده، فمن زعم أن خلافة عثمان كانت باطلة، وأن علياً كان أحق بالخلافة منه، فهو مبتدع ضال يغلب عليه التشيع، مع ما في قوله من إزراء بالمهاجرين والأنصار) اهـ([65]).
 خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
أجمع أهل السنة والجماعة على صحة خلافة الصديق رضي الله عنه، وعلى كونه أول الخلفاء الراشدين، قال صاحب العقيدة الطحاوية: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه، تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة).
وقد اختلفوا في هذه الخلافة هل كانت بالنص أم بالاختيار: فذهب الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث أنها ثبتت بالإشارة، ومنهم من قال: ثبتت بالنص الجلي، وعمدتهم في ذلك عدة أحاديث منها:
 حديث البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: «أتت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن لم أجدك -كأنها تريد الموت- قال: إن لم تجديني فأتِ أبا بكر»([66]). قالوا: وهذا نص على إمامته.
وعند أصحاب السنن عن حذيقة بن اليمان رضي الله عنه مرفوعاً: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»([67]).
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي بدئ فيه فقال: ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لـأبي بكر كتاباً، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر»([68]). وفي رواية: «ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر لأكتب لـأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه» ثم قال: «معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر» قالوا: فهذا أبلغ من مجرد العهد، وقالوا: قد دل النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله، كاستخلافه في الصلاة([69]).
 أما الاحتجاج على عدم النص له بالخلافة بحديث عمر رضي الله عنه الموقوف: (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني: أبا بكر - وإن لا أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني -يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم-) فأجابوا: بأن الظاهر والله أعلم أن المراد لم يستخلف بعهد مكتوب، ولو كتب عهداً لكتبه لـأبي بكر، بل أراد كتابته ثم تركه، وقال: «يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر».
فلو كان التعيين مما يشتبه عليهم لبينه صلى الله عليه وسلم بيانا قاطعاً للعذر، لكن لما دلهم بدلالات متعددة، على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك منه، حصل المقصود.
وذهب آخرون إلى أن الخلافة قد ثبتت لـأبي بكر بالاختيار([70])، حيث أجمع الصحابة على مبايعته خليفة للمسلمين، وأقروا له بالطاعة، وعاونوه في حروب الردة وقتال مانعي الزكاة، وقد استنبط جماعة من العلماء صحة خلافة الصديق رضي الله عنه من القرآن الكريم:
1- فأخرج البيهقي عن الحسن البصري في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54] الآية. قال: (هو والله أبو بكر وأصحابه، لما ارتدت العرب جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردوهم إلى الإسلام).
2- قال أبو الحسن الأشعري: سمعت أبا العباس بن سريج يقول: (خلافة الصديق في القرآن في هذه الآية: ((قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ)) [الفتح:16] قال: لأن أهل العلم أجمعوا على أنه لم يكن بعد نزولها قتال دعوا إليه إلا دعاء أبي بكر لهم وللناس إلى قتال أهل الردة ومن منع الزكاة، قال: فدل ذلك على وجوب خلافة أبي بكر وافتراض طاعته، إذ أخبر الله أن المتولي عن ذلك يعذب عذاباً أليماً).
3- وفي قوله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ)) [النور:55] قال ابن كثير: هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق([71]).
أما فضله رضي الله عنه وإمامته وسعة علمه ومنزلته العظيمة؛ فقد وردت أحاديث كثيرة مشهورة في ذلك. وأعماله العظيمة في خلافته القصيرة -قرابة السنتين- أشهر من أن تذكر([72]).
 خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
يثبت أهل السنة والجماعة الخلافة بعد الصديق رضي الله عنه لـعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويرونه أحق بالخلافة بعده، لإجماع الصحابة عليه، كما يرون أنه أفضل الصحابة بعد أبي بكر، ولا خلاف بينهم في ذلك، وكان الصديق رضي الله عنه قد أوصى عند وفاته بالخلافة لـعمر، ووافقه الجميع على اختياره بعد وفاته، وثبتت بذلك البيعة لـعمر فـ(عمر صار إماماً لما بايعوه وأطاعوه، ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر في عمر لم يصر إماماً)([73]).
 قال صاحب معارج القبول في أبياته:
ثانيه في الفضل بلا ارتياب                       الصادع الناطق بالصواب
أعني به الشهم أبا حفص عمر                            من ظاهر الدين القويم ونصر
الصارم المنكي على الكفار                       وموسع الفتوح في الأمصار
وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاروق وكان شديداً في الحق، حتى إن شيطانه ليخافه أن يأمره بمعصية كما قال عنه علي بن أبي طالب، وقد وافق الوحي قبل نزوله في عدة أشياء منها:
عندما دعا إلى ترك الصلاة على رأس المنافقين في المدينة عبد الله بن أُبي ابن سلول لما مات، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآيتان من سورة براءة تؤيد رأي عمر فقال تعالى: ((وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً)) إلى قوله: ((وَهُمْ فَاسِقُونَ)) [التوبة:84].
وعندما أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بضرب أعناق المشركين من أسرى بدر، وخالفه الصديق رضي الله عنه، ومال النبي صلى الله عليه وسلم إلى رأي الصديق بأخذ الفداء منهم، فنزل بعدها قوله تعالى موافقاً لرأي عمر رضي الله عنه: ((مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ)) [الأنفال:67]إلى قوله تعالى: ((فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً)) [الأنفال:69].
وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: «قال عمر رضي الله عنه: وافقت الله في ثلاث -أو وافقني الله في ثلاث- قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى: ((وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)) [البقرة:125] وقلت: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فدخلت عليهن فقلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله صلى الله عليه وسلم خيراً منكن، حتى أتيت إحدى نسائه قالت: ما في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله تعالى: ((عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ)) [التحريم:5] الآية»([74]).
 وبالجملة: ففضائل الفاروق رضي الله عنه كثيرة، وكانت خلافته مضرباً للأمثال في العدل وحسن الإمامة للرعية، مع كثرة الفتوحات؛ حيث أكمل فتح بلاد الروم بعد اليرموك وفتح بلاد فارس والتوغل في بلاد الترك، وأعماله الجليلة مشهورة معروفة([75]).
فائدة: حديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على رأس المنافقين في المدينة، ومراجعة عمر له، ونزول الآيتين من سورة براءة، رواه البخاري في الجنائز (3/ 138) باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف، ومن كفن بغير قميص، وفي تفسيره سورة براءة (8/ 333-334) باب قول الله تعالى: ((اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)) [التوبة:80]. ورواه مسلم (4/1865/ ح 240) في فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
حديث أسارى بدر، وإشارة عمر بن الخطاب بضرب أعناق أسارى المشركين، ونزول آية سورة الأنفال: ((مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ)) [الأنفال:67].
رواه مسلم في الجهاد (3/ 1383-1385، باب 1763) باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم.
حديث عمر «وافقت الله في ثلاث» رواه البخاري في الصلاة (1/ 504) باب ما جاء في القبلة ومن لا يرى الإعادة على من سها وصلى لغير القبلة، وفي تفسير سورة البقرة، باب قوله: ((وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)) [البقرة:125] وفي تفسير سورة الأحزاب، باب قول الله تعالى: ((لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ)) [الأحزاب:53] وفي تفسير سورة التحريم، ورواه مسلم في فضائل الصحابة (1865/4/ ح 2399) باب فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
 
 خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه:
أجمع أهل السنة على إثبات خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستقر الرأي عندهم على تفضيل عثمان على علي رضي الله عنه كما ذكرنا، ولقد كان عثمان رضي الله عنه (أعلم بالقرآن من علي، وعلي أعلم بالسنة، وعثمان أعظم جهاداً بماله، وعلي أعظم جهاداً بنفسه، وعثمان أزهد في الرياسة، وعلي أزهد في المال.
وسيرة عثمان أرجح، وهو أسن من علي ببضع وعشرين سنة، وأجمعت الصحابة على تقديمه على علي، فثبت أنه أفضل)([76]).
فإن قيل: علي زوج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن عثمان تزوج رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توفيت زوَّجه صلى الله عليه وسلم ابنته الثانية أم كلثوم رضي الله عن الجميع، لذا سمي بـذي النورين، ولقد (كانت خلافته هادئة ساكنة، كثيرة الجهاد والفتوحات الكبار، كثيرة الفيء، ولكنها لا تقارب خلافة من قبله)([77]).
وقد وقعت البيعة لـعثمان رضي الله عنه بإجماع الأمة، وذلك أن عمر بن الخطاب لما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي وخشي عليه الناس قالوا له: أوص يا أمير المؤمنين واستخلف، فقال: (ما أجد أحق بالأمر من هؤلاء النفر -أو الرهط- الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن) فجعل الزبير أمره إلى علي، وجعل طلحة أمره إلى عثمان، وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن، فتبرأ عبد الرحمن من هذا الأمر، وارتضاه عثمان وعلي حكماً بينهما، فأستشار عبد الرحمن المسلمين، فوجد أن أمر الناس قد اجتمع على عثمان رضي الله عنه، فبايعه على الخلافة له علي رضي الله عنه، وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد([78]).
وعثمان رضي الله عنه له فضائل خاصة كثيرة منها: أنه ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنتيه رقية ثم أم كلثوم، ولا يعلم أن أحداً تزوج ابنتي نبي مثل عثمان، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، وكان ممن استكملوا حفظ القرآن، وكان من أتم الناس حفظاً للحديث؛ إلا أنه كان يهاب الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم الكثير من ماله لمصالح المسلمين، فابتاع بئر رومة وجعله لسقاية المسلمين، وجهز جيش العسرة، وكان من السابقين في دخول الإسلام، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة المنورة، وتعد فترة خلافته من أكثر الفترات في الفتوحات الإسلامية، وارتبط اسمه بجمع الناس على المصحف العثماني لما خشي اختلاف الأمة في القرآن والاختصام فيه، فكان عمله من أعظم الأسباب لحفظ القرآن، وأقره على ذلك الملأ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ظلماً:
شهدت خلافة عثمان رضي الله عنه بداية ظهور الفتن على أمة الإسلام، فقد كثرت في أيامه الفتوح، ودخل أهل الأمصار المختلفة في دين الله أفواجاً، ولم يكونوا على ما كان عليه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم من التربية والأدب، ولم يعرف الكثيرون منهم إنزال أهل السابقة من الصحابة المنزلة اللائقة بهم، ومعرفة حقهم من الاحترام والتبجيل، فظهرت فيهم أمور من الجاهلية، منها الطعن في ولاة الأمصار والتجني عليهم، والنكير على عثمان رضي الله عنه بسبب ذلك.
وكان رأس الفتنة اليهودي عبد الله بن سبأ، الذي أظهر الإسلام للدس لأهله وإيقاع الفتنة، فتبعه على مذهبه الكثير من أهل الأهواء الذين لهم قلوب لا يفقهون بها، حتى فشت القالة والطعن على عثمان رضي الله عنه وولاته، وبلغت هذه الأخبار أهل المدينة، فبعث عثمان رضي الله عنه من يستفسر عن أحوال ولاته، فما نقلوا له عن أكثرهم إلا الخير، ثم إنه دعا عماله في موسم الحج، فشاورهم في أمر هؤلاء المنحرفين من أهل الأمصار، ثم استقر رأيه على استعمال اللين معهم منعاً لتحريك الفتنة، ولكن المنحرفين اجتمعوا في المدينة مظهرين الخروج للحج، فلما لم يجدوا من يوافقهم على تولي الخلافة بعد عثمان انصرفوا، وكان عثمان قد استجاب لهم بعزل من رضوا عزله من ولاة الأمصار، إلا أنهم عادوا وأحاطوا بدار عثمان رضي الله عنه، مدعين أنهم اكتشفوا كتاباً مع خادم لـعثمان رضي الله عنه يأمر عامله في مصر بقتلهم، وأنكر عثمان ذلك، فحاصروه ومنعوه عن الصلاة، ومنعوا عنه الماء، كل ذلك وعثمان رضي الله عنه يأبى قتال الصحابة لأولئك الثوار؛ حفاظاً على دماء المسلمين، مكتفياً بتوجيه الخطب وإرسال الرسل إلى أولئك القابعين حول داره([79])، حتى دخل عليه الذين كتب عليهم الشقاوة، فقتلوه رضي الله عنه ظلماً وعدواناً، في الشهر الحرام في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففتحوا بذلك باب الفتنة والشقاق بين المسلمين.
 أحاديث نبوية في أن عثمان رضي الله عنه سيقتل مظلوماً:
فمن ذلك: روى أحمد والترمذي وقال: حسن غريب، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقال: يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوماً، فنظرنا فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه»([80]).
وروى أحمد بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافاً -أو قال: اختلافاً وفتنة- فقال قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالأمين وأصحابه، وهو يشير إلى عثمان بذلك»([81]).
 وروى الترمذي في جامعه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لولا حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تكلمت، وذكر الفتن فقربها، فمر رجل مقنع في ثوب فقال: هذا يومئذ على الهدى، فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان، فأقبلت عليه بوجهه فقلت: هذا؟ قال: نعم» ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، رواه الترمذي في المناقب (628/5/ ح3704) في مناقب عثمان رضي الله عنه.
وروى أحمد وابن ماجة وغيرهما عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة، فقربها وعظمها، قال: ثم مر رجل مقنع في ملحفة فقال: هذا يومئذ على الحق، قال: فانطلقت مسرعاً -أو محضراً- وأخذت بضبعيه فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: هذا»([82]).
وروى أبو داود والطيالسي (ح1250) بإسناد رجاله ثقات عن عبد الله بن حوالة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تهجمون على رجل متعجر ببردة من أهل الجنة يبايع الناس؟ قال: فهجمنا على عثمان بن عفان رضي الله عنه متعجراً يبايع الناس»([83])
 خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
يثبت أهل السنة والجماعة الخلافة لـعلي بن أبي طالب من بعد خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، واستقر رأيهم على أفضلية أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، خلافاً للشيعة القائلين بتقديم علي على غيره وكونه أولى بالخلافة منهم وأحق، لذا فهم ينكرون خلافة من سبقه، ويسمون من أثبت الخلافة لـأبي بكر وعمر وعثمان ناصباً، لذا فالصحابة عندهم ظلمة مخطؤون، بل منهم من فسق الصحابة وكفرهم.
ومعلوم من السيرة أن علياً رضي الله عنه بايع للخلفاء الثلاثة، وكان معهم على السمع والطاعة، فصلى خلفهم وجاهد معهم، وكان مستشارهم والمعاون لهم في الحوادث التي تعرضوا لها، ولو كان عند علي نص بالخلافة ما تركه، ولا تركه الصحابة رضي الله عنهم، ولا كان الاجتماع في السقيفة -سقيفة بني ساعدة- ولا كان التشاور في أمر الخلافة، ولا اجتمع القوم على البيعة لـأبي بكر ومن بعده، وهذا لاشك فيه عند أي عاقل منصف.
وعلي بن أبي طالب من أفضل الصحابة، ومن العشرة المبشرين بالجنة، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهره على فاطمة سيدة نساء هذه الأمة رضي الله عنها، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، فهو أول من أسلم من الصبيان، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، والخطباء المعروفين، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمره أن يقيم بعده بـمكة أياماً حتى يؤدي عنه أمانة الودائع التي كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يلحقه بـالمدينة، ففعل ذلك، وكان مبيته ليلة الهجرة بفراش النبي صلى الله عليه وسلم والكفار يتربصون به مثلاً رائعاً من أمثلة التضحية والفداء.
بويع لـعلي بن أبي طالب بالخلافة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، ذلك أن المسلمين ظلوا حيارى بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، فلم يجدوا للخلافة أفضل من علي بن أبي طالب، ولكنه رفضها بشدة، كراهة أن يتولاها بعد عثمان رضي الله عنه الذي قتل مظلوماً، فلما ألحوا عليه قَبِل؛ خشية بقاء المسلمين بدون إمام، وبايعه الناس على ذلك، وثبتت له البيعة، أما ما قيل عن تخلف البعض عن بيعته- خاصة في الشام - فلا تضر؛ لأن البيعة لا يشترط لها الإجماع التام، فمخالفة البعض للأكثرية لا تضر هنا، وقد بدأ خلافته رضي الله عنه بتغيير ولاة عثمان على العديد من الأمصار.
ويميل أهل السنة والجماعة إلى الكف عن الخوض فيما شجر من الخلاف بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، ويرون أنهما بين محق مأجور ومخطئ معذور، وأن لكل منهما من الأعمال العظيمة ما يكفر أخطاءهم، ولا يطيلون الحديث عنها إلا لرد افتراءات المفترين، وتمحيص الحق، والدفاع عن سيرة سلف الأمة من الصحابة الأولين.
أما علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نزاعه مع معاوية فكان يرى أن معاوية قد خرج عن طاعته كإمام للمسلمين، فله أن يقاتله على ذلك([84])
وأما معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فكان ولي دم عثمان يطالب بالقصاص من قتلته، ويراه أمراً لا يقبل التأجيل([85])، وعلي لم يفعله؛ لأن الأحداث لم تسمح له بذلك، خاصة وأن قتلة عثمان كانوا منتشرين مع الثوار في المدينة، ولهم منعة وقوة، فأراد أن يستتب له الأمر أولاً ثم يكون القصاص.
ولجمع الكلمة والرأي كان خروج عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم إلى العراق، ولقد كادت الكلمة أن تجتمع وتتوحد الأمة، ولكن أصحاب الفتنة من قتلة عثمان أشعلوا الحرب خشية أن يُقتص منهم إن اتحدت الكلمة، فكانت معركة الجمل بين أصحاب علي، ومن مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من المسلمين.
ولقد نجح قتلة عثمان أيضاً في تزكية نار الحرب بين معسكر علي ومعسكر معاوية، فكانت معركة صفين، والتي أوقفت رحاها الاتفاقية بين الفريقين على التحكيم.
وكل ذلك يقع إثمه في المقام الأول على قتلة عثمان، الذين فتحوا باب الفتنة على المسلمين، ثم شرعوا في استمرارها وإذكاء نيرانها المشتعلة.
وبعد الاتفاق على التحكيم ظهرت فرقة الخوارج تكفر علياً ومعاوية وأجلاء الصحابة، وتعتدي على حرمات المسلمين ودمائهم، فقاتلهم علي بن أبي طالب حتى كسر شوكتهم، فحاز بذلك أجر قتالهم الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم لمن يقتلهم قتل عاد، ودل ذلك أيضاً على أن جماعة علي رضي الله عنه هي التي على الحق، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم([86])، وكما دل عليه الحديث الصحيح «ويح عمار تقتله الفئة الباغية»([87]).
وعند التحكيم: مال أبو موسى الأشعري إلى خلع علي، رغبة في إنهاء الصراع بينه وبين معاوية لتجتمع الكلمة على غيره، وتحقن الدماء بذلك، أما عمرو بن العاص فأقر خلع علي ورأى أن تبقى الشام تحت يد معاوية، وما كان لـأبي موسى بمفرده أن يخلع علياً، وما كان لـعمرو بمفرده أن يثبت البيعة لـمعاوية، خاصة وأن النزاع لم يكن يتعلق بأيهما أحق بالخلافة([88]).
أما من اعتزل الفتنة من الصحابة رضي الله عنهم، فقد رأوا أن الاعتزال أفضل في هذه الفتنة، كراهية قتال إخوانهم من المسلمين وانتهاك الدماء والأموال، فآثروا مجانبة الفريقين، وفي الحديث المرفوع: «إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الراكب».
 وعزم البعض من بقايا الخوارج على قتل علي ومعاوية وعمرو رضي الله عنهم في ليلة واحدة، فكان مقتل علي بن أبي طالب بواسطة عبد الرحمن بن ملجم عليه من الله ما يستحقه.
وهكذا تمخضت أحداث الفتنة عن انقسام وفرقة وقتال، وكان يمكن أن تستمر هذه المآسي لولا أن الله عز وجل حقن دماء المسلمين، ووحد الأمة من جديد، بتنازل الحسن بن علي رضي الله عنه عن الخلافة لـمعاوية رضي الله عنه، وقد نجمت من هذه الأحداث نشأة العديد من الفرق منها:
الشيعة: المناصرون لأهل البيت العلوي، والذين غالوا فيه بعد ذلك وكفروا جمهور الصحابة، ونادى غلاتهم بألوهية علي بن أبي طالب.
الخوارج: القائلون بتكفير علي ومعاوية وأتباعهما، بتهمة تحكيم غير الله، فاستباحوا أعراض المسلمين ودماءهم، فهزمهم علي في موقعة النهروان، وكسر شوكتهم وشتت جموعهم وإن لم يستأصل شأفتهم بالكلية.
الناصبة: الموالون لـمعاوية والأمويون، المعادون لـعلي بن أبي طالب وأهل بيته، فوقع منهم الطعن فيهم وبخسهم حقهم، وعدم إنزالهم المنزلة اللائقة بهم.
وقد عصم الله عز وجل أهل السنة والجماعة في هذه الفتنة، وهداهم إلى ما اختلف فيه من الحق بإذنه، فكانوا أصحاب النظرة الوسط المنصفة للجميع، المجانبة للإجحاف والغلو، ولقد عرضنا الأمر بإيجاز شديد، وتركنا التفاصيل اقتداء بأئمة أهل السير ومنهجهم المحمود في إجلال السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم.
 خلافة الحسن بن علي رضي الله عنه:
لما طعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفض أن يستخلف، وفيه دلالة على أن الحسن لم يكن موصى إليه من أبيه بأمر من الله كما يدعي الشيعة الإمامية، فلما توفي صلى عليه ابنه الحسن رضي الله عنه -أكبر بنيه- فلما فرغ الناس من أمر الدفن كان قيس بن سعد بن عبادة أول من تقدم إلى الحسن فبايعه على الخلافة، ثم بايعه الناس بعده([89]).
ثم رأى الحسن رضي الله عنه تفرق الأمة فمقت ذلك، وراسل معاوية في أمر الصلح خاصة، وقد رأى اجتماع أهل الشام على معاوية وقوتهم ومنعتهم، وتفرق أتباعه عليه واختلافهم حوله، فتنازل عن الخلافة لـمعاوية؛ جمعاً للكلمة وتوحيداً للأمة، وحقناً للدماء، وقد سمي هذا العام: (عام الجماعة).
ولقد كان الحسن رضي الله عنه مصيباً في ذلك، وفي مدح صنيعه يروي العلماء حديث النبي صلى الله عليه وسلم عند البخاري رحمه الله عن أبي بكرة الثقفي؛ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر يوماً وأجلس الحسن بن علي إلى جانبه، فجعل ينظر إلى الناس مرة وإليه أخرى ثم قال: أيها الناس! إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»([90]).
واستدل العلماء على كون الحسن بن علي رضي الله عنهما من الخلفاء الراشدين بما ورد في دلائل النبوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً»([91])، وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فإنه تنازل عن الخلافة في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت خلافة الحسن رضي الله عنه ستة أشهر([92])، وفي فضائله الخاصة أحاديث عديدة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
 قال ابن تيمية رحمه الله: (وإن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان القتال واجباً أو مستحباً لم يثن النبي صلى الله عليه وسلم بترك واجب أو مستحب) اهـ([93]).
 فضائل الحسن بن علي رضي الله عنه:
الحسن بن علي رضي الله عنه من أفاضل أهل البيت، وله عند أهل السنة كل المحبة والتبجيل والتوقير والاحترام، وهو خامس الخلفاء الراشدين، والذي حقن دماء المسلمين بتنازله عن الخلافة لـمعاوية رضي الله عنه، لما رأى اجتماع أهل الشام عليه وقوة شوكتهم، خشية استمرار القتال وإراقة الدماء، خاصة مع احتمالات اختلاف أتباعه عليه كما اختلفوا حول أبيه من قبل، وخاصة أن بقايا أصحاب الفتنة من الثوار الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه في ثنايا صفوف أتباعه، ولا همّ لهم إلا تصعيد الفتنة، وتأليب النفوس، وإثارة القلاقل، وهم المستفيدون من هذه الفتن، أما سائر الأمة فتمقت الفتنة وتتمنى السلامة، وحفظ الدماء والأرواح، وتكريس الجهود لنشر الفتوحات الإسلامية في سائر البلدان، والقيام بأعباء الدعوة الإسلامية بين العباد، والتي تأثرت كثيراً بهذه الحروب الداخلية بين هاتين الطائفتين العظيمتين من المسلمين، طائفة علي وأتباعه، وطائفة معاوية وأتباعه.
وقد وردت أحاديث كثيرة خاصة في فضيلة الحسن بن علي رضي الله عنه، تنويهاً بفضله وتعظيماً لشأنه، فمن ذلك:
ما أخرجه البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن إلى جنبه، ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة، ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» (سبق تخريجه).
 وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي بكر رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنا، فيجيء الحسن وهو ساجد، وهو إذ ذاك صغير، فيجلس على ظهره وعلى رقبته، فيرفعه النبي صلى الله عليه وسلم رفعاً رقيقاً، فلما فرغ من الصلاة قالوا: يا رسول الله! إنك تصنع بهذا الصبي شيئاً لا تصنعه بأحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا ريحانتي، وإن هذا ابني سيد، وحسبي أن يصلح الله تعالى به بين فئتين من المسلمين».
وأخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هما ريحانتاي من الدنيا –يعني: الحسن والحسين -» رواه البخاري في فضائل الصحابة (7/95) باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما، وفي الأدب باب رحمة الولد وتقبيله.
وأخرج الترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»([94]).
وأخرج الشيخان عن البراء رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن على عاتقه وهو يقول: اللهم إني أحبه فأحبه»([95]).
وأخرج الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي أهل بيتك أحب إليك؟ قال: الحسن والحسين».
وأخرج الترمذي عن أسامة بن زيد قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن والحسين على وركيه، فقال: هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما»([96]).
 وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: «أقبل النبي صلى الله عليه وسلم وقد حمل الحسن على رقبته، فلقيه رجل فقال: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ونعم الراكب هو!».
أخرج ابن سعد عن عبد الله بن عبد الرحمن بن الزبير قال: «أشبه([97]) أهل النبي صلى الله عليه وسلم به وأحبهم إليه الحسن، رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته -أو قال ظهره- فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر».
أخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلع لسانه للحسن بن علي، فإذا رأى الصبي حمرة اللسان يهش إليه».
وأخرج الحاكم عن زهير بن الأرقم قال: قام الحسن بن علي يخطب، فقام رجل من أزد شنؤة فقال: «أشهد لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعه على حبوته، وهو يقول: من أحبني فليحبه، وليبلغ الشاهد الغائب، ولولا كرامة النبي صلى الله عليه وسلم ما حدثت به أحداً».
 وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إني أحبه وأحب من يحبه -يعني: الحسن -» وفي رواية: «اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه قال أبو هريرة: فما كان أحد أحب إليّ من الحسن بعد أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عند الحافظ السلفي، قال: «ما رأيت الحسن بن علي قط إلا فاضت عيناي دموعاً، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً وأنا في المسجد، فأخذ بيدي واتكأ عليّ، حتى جئنا سوق بني قينقاع، فنظر فيه ثم رجع حتى جلس في المسجد، ثم قال: ادع ابني، قال: فأتى الحسن بن علي يشتد حتى وقع في حجره، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح فمه ثم يدخل فمه في فمه، ويقول: اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه، ثلاث مرات».
وروى أحمد مرفوعاً: «من أحبني وأحب هذين -يعني: حسناً وحسيناً - وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة» ورواه الترمذي بلفظ: «كان معي في الجنة» وقال: حديث غريب، قال ابن حجر الهيتمي المكي: (وليس المراد بالمعية هنا المعية من حيث المقام، بل من جهة رفع الحجاب، نظير ما في قوله تعالى: ((فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً)) [النساء:69] اهـ([98]).
 افتراءات للشيعة والرد عليها:
ذهب الشيعة إلى أن الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي لـعلي بن أبي طالب ولأبنائه من بعده، لذا طعنوا في إمامة أبي بكر وخلافته، ولهم في ذلك افتراءات كثيرة أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه منهاج الاعتدال، وقام بالرد عليها رداً مفصلاً([99]) ونورد هنا بعضاً منها للاطلاع على تخرصات الشيعة وفساد عقائدهم:
فمن ذلك قولهم: إن إمامة أبي بكر لم تكن بمبايعة الكل، وإنما بمبايعة عمر والبعض من الصحابة.
وقولهم: إن أبا بكر إنما طلب الخلافة لنفسه بغير حق من أجل الدنيا، وإن أكثر من بايعوه إنما بايعوه عليها للدنيا.
قال ابن تيمية في بيان الاجتماع على إمامة أبي بكر وكذب دعوى الاختلاف عليه: (بل بمبايعة الكل ورضاهم رغم أنفك، ولا يرد علينا شذوذ سعد وحده، فهذه بيعة علي امتنع منها خلق من الصحابة والتابعين ممن لا يحصيهم إلا الله تعالى، أفذلك قادح في إمامته؟ ومذهب أهل السنة: أن الإمامة تنعقد عندهم بموافقة أهل الشوكة الذين يحصل بهم مقصود الإمامة وهو القدرة والتمكين) اهـ([100]).
وقال أيضاً في موضع آخر: (ولا ريب أن الإجماع المعتبر في الإمامة لا يضر فيه تخلف الواحد والاثنين، ولو اعتبر ذلك لم تنعقد إمامة، بخلاف الإجماع على الأحكام العامة، فهل يعتد بخلاف الواحد أو الاثنين؟ فعن أحمد روايتان إحداهما لا يعتد بخلافهما فيه، وهو قول محمد بن جرير الطبري وغيره، والثانية يعتد بخلاف الواحد والاثنين في الأحكام) اهـ([101])
 وقال رحمه الله أيضاً: (ثم اجتماع الأمة على بيعة أبي بكر أعظم من اجتماعهم على بيعة علي، فإن ثلث الناس أو أرجح لم يبايعوه وقاتلوه، وخلق من الكبار لم يقاتلوا معه واعتزلوا، فإن جاز القدح في الإمامة بتخلف بعض الأمة عن البيعة كان القدح في إمامة علي أولى بكثير.
فإن قلت: إمامته ثبتت بالنص فلا يحتاج إلى الإجماع، قلنا: قد مرت النصوص الدالة على تقديم أبي بكر تلويحاً وتصريحاً، مع أولويته، وإجماعهم على بيعته وتسميته خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكلام في إمامة الصديق إما أن يكون في وجودها وإما أن يكون في استحقاقه لها:
أما الأول: فهو معلوم بالتواتر واتفاق الناس بأنه تولى الأمر وقام مقام رسول الله، وخلفه في أمته، وأقام الحدود، واستوفى الحقوق، وقاتل الكفار والمرتدين، وولي الأعمال، وقسم الأموال، وفعل جميع ما يفعل الإمام، بل هو أول من باشر الإمامة في الأمة.
وأما إن أريد بإمامته كونه مستحقاً لذلك: فهذا عليه أدلة كثيرة غير الإجماع، فلا طريق يثبت بها كون علي مستحقاً للإمامة إلا وتلك الطريق يثبت بها أن أبا بكر مستحق للإمامة، وأنه أحق بالإمامة من علي وغيره، وحينئذ فالإجماع لا يحتاج إليه لا في الأولى ولا في الثانية، وإن كان الإجماع حاصلاً) اهـ كلام ابن تيمية([102]).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضاً دفاعاً عن أبي بكر رضي الله عنه ومذهب أهل السنة فيه: (ومن المعلوم أن أبا بكر لم يطلب الأمر لنفسه، بل قال: (قد رضيت لكم إما عمر وإما عبد الرحمن وإما أبا عبيدة) قال عمر: (فو الله لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر) وإنما اختاره عمر وأبو عبيدة، وسائر المسلمين بايعوه، فزعمك أنه طلبها وبايعوه للدنيا كذب ظاهر فإنه ما أعطاهم دنيا، وقد كان أنفق في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وقل ما بيده، والذين بايعوه فأزهد الناس في الدنيا، قد علم القاصي والداني زهد عمر وأبي عبيدة وأسيد بن حضير وأمثالهم، ثم لم يكن عند موت النبي صلى الله عليه وسلم بيت مال يبذله لهم، ثم كانت سيرته ومذهبه التسوية في قسم الفيء، وكذلك سيرة علي، فلو بايعوا علياً أعطاهم كعطاء أبي بكر، مع كون قبيلته أشرف من بني تميم، وله عشيرة وبنو عم هم أشرف الصحابة من حيث النسب كـالعباس وأبي سفيان والزبير وعثمان ابني عمته وأمثالهم، وقد كلم أبو سفيان علياً في ذلك ومت بشرفه فلم يجبه علي لعلمه ودينه.
فأي رياسة وأي فائدة دنيوية حصلت لجمهور الأمة بمبايعة أبي بكر، لاسيما وهو يسوي بين كبار السابقين وبين آحاد المسلمين في العطاء؟ ويقول: إنما أسلموا لله وأجورهم على الله، وإنما هذا المتاع بلاغ)([103])اهـ.
وقال أيضاً: (فإذا جاء القادح فقال في أبي بكر وعمر: كانا طالبين للرياسة مانعين للحقوق، ظلما المنصوص عليه، ومنعا أهل البيت إرثهم، أوشك أن يقول قادح النواصب نحواً من ذلك في علي؛ أنه قاتل على الرياسة وسفك الدماء ولم ينل غرضه، فإن كنا ندفع من يقدح في علي بهذه الشبهة، فلأن ندفع من يقدح في أبي بكر وعمر بطريق الأولى؛ لأنهما أبعد عن التهمة إذ لم يقاتلا على الإمارة، وأطاعهما علي والكبار، وإذا كنا نظن بـعلي أنه كان قاصداً الحق، غير مريد علواً ولا فساداً في الأرض، فلأن نظن ذلك بهما بطريق الأولى) اهـ([104]).
روى البخاري في صحيحه في كتاب المغازي باب غزوة خيبر، عن عائشة: أن فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما أفاء الله عليه بـالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركناه صدقة إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المال، وإني والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها، وكان لـعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك، كراهية لمحضر عمر فقال عمر: لا والله لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبو بكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي! والله لآتينهم، فدخل عليهم أبو بكر، فتشهد علي فقال: إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك -أي: لم نحسدك على الخلافة- ولكنك استبددت علينا بالأمر -أي: قُضي إليك بغير مشورة منا- وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيباً، حتى فاضت عينا أبي بكر، فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليّ أن أصل من قرابتي.
وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال، فلم آل فيها عن الخير -أي: لم أقصر- ولم أترك أمراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيها إلا صنعته، فقال علي لـأبي بكر: موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر الظهر رقي المنبر وتشهد، وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة، وعذره الذي اعتذر إليه، ثم استغفر وتشهد علي فعظم حق أبي بكر، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة -أي: حسداً- على أبي بكر ولا إنكاراً للذي فضله الله به، ولكنا نرى لنا في هذا الأمر نصيباً، فاستبد علينا فوجدنا في أنفسنا، فسر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت)
قالوا: لم يبايع علي بن أبي طالب أبا بكر رضي الله عنه إلا مكرهاً وبعد وفاة فاطمة رضي الله عنه؛ لأن علياً هو الأحق بالإمامة منه.
 والجواب: إن هذا ليس بصحيح([105])، قال الأستاذ محمود مهدي الإستانبولي في تعليقه على العواصم من القواصم: (والحقيقة لقد اضطربت الروايات في بيان موقف علي بن أبي طالب من خلافة أبي بكر الصديق، ولعبت الدسائس دورها، ونسجت الافتراءات والأكاذيب حولها بقصد زعزعة الثقة بالإسلام بصورة عامة، وبالصحابة بصورة خاصة، وإظهارهم بمظهر الجشع والتهالك على المناصب والأموال ولو بمخالفة الشريعة، ونحن ننقل فيما يلي أصح الروايات عن موقف علي النبيل، ثم نأتي على بعض الروايات الأخرى التي تقول بامتناعه عن البيعة حتى وفاة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونوضح زيفها وكذبها:
قال العلامة محمد عزة دروزة في كتابه الجنس العربي (7: 14 وما بعدها): لقد روى الطبري عن عبد الله بن سعيد الزهري أن عمرو بن الحريث سأل سعيد بن زيد قال: (فحتى بويع أبو بكر أشهدت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة، قال: فخالف عليه أحد؟ قال: لا. إلا مرتد، أو من قد كاد أن يرتد لولا أن الله أنقذهم من الأنصار، قال: فهل فقد أحد من المهاجرين؟ قال: لا. تتابعوا على بيعته من غير أن يدعوهم) (جـ2/ ص 447). والمتبادر أن القائل أراد بما ذكره عن الأنصار موقف سعد بن عبادة وأنصاره يوم السقيفة وتطلعهم إلى رئاسة الحكم، فأنقذهم الله وجعلهم يتراجعون ويتابعون أبا بكر دون افتراق وخلاف ونزاع، والرواية تعبر عما كان من شدة حرص أصحاب رسول الله من مهاجرين وأنصار على سرعة البت في أمر الرئاسة حتى تجتمع كلمتهم، وتفيد أن الهاشميين أيضاً -وهم من المهاجرين- قد تتابعوا على بيعة أبي بكر ولم يقعد منهم أحد([106]).
 ولقد روى الطبري خبر مبايعة علي لـأبي بكر فوراً وبحركة رائعة، حيث روى بأسانيده عن حبيب بن أبي ثابت: (أن علياً كان في بيته فأتى إليه الخبر عن جلوس أبي بكر للبيعة؛ فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء، عجلاً كراهية أن يبطئ عنه حتى بايعه، ثم جلس إليه، وبعث فأحضر ثوبه وتخلله ولزم مجلسه) (2/447) وعلى كل حال فإن المتفق عليه في روايات الشيعة وغيرهم أن علياً وبني هاشم بايعوا أبا بكر فوراً كما روى الطبري، أو بعد تردد كما تروي رواية أخرى وتعاونوا معه، حيث يدل هذا دلالة حاسمة على أنه لم يكن هناك وصية صريحة أو ضمنية من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يكون الأمر لـعلي من بعده.
وما رواه الطبري كذلك بأسانيد أخرى خبر امتناع علي وبني هاشم عن بيعة أبي بكر طوال حياة فاطمة؛ لأن فاطمة جاءت هي والعباس إلى أبي بكر يطلبان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: «أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا نورث ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال،([107]) وإني والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه إلا صنعته، فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى توفيت بعد ستة أشهر من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ورأى علي انصراف وجوه الناس عنه وكان لم يبايع أبا بكر هو ولا أحد من بني هاشم، والقصة طويلة وفي ختامها: بايع علي أبا بكر»، أي: بعد وفاة فاطمة، ويلحظ أن صيغة خبر الطبري تجعل مسألة الميراث سبباً لامتناع علي وبني هاشم عن مبايعة أبي بكر، ومطالبتهم بالميراث من أبي بكر تقتضي أن تكون بعد الاعتراف بخلافته، وفي هذا من التناقض ما يجعل القصة متهافتة، وإن كان لها أصل ما، فكل ما يمكن أن يكون هو أنهم بعد مبايعتهم لـأبي بكر طالبوا بما اجتهدوا أنه ميراث من النبي، فأورد أبو بكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي سمعه، ووقف الأمر عند هذا الحد، ويكون ماعدا ذلك من مزايدات الشيعة ومدسوساتهم؛ لأنه لا يمكن أن يكون علي وفاطمة وبنو هاشم لم يصدقوا أبا بكر في الحديث الذي رواه، كما لا يمكن أن يكونوا كابروا وأصروا بعد سماعهم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ الجنس العربي.
ومن الغريب أن أعداء الإسلام الذين يحملون على أبي بكر رضي الله عنه منع فاطمة من إرثها في فدك وسهمها من خيبر، بينما علي نفسه لما تولى الخلافة لم يعط أحداً ورثها، ولا لأحد من بني هاشم ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث: «لا نورث» وإذا كان أبو بكر منع ذلك فيكون قد منع ابنته عائشة أيضاً من هذا الإرث!! وهناك روايات أخرى مختلطة ومكذوبة في رفض علي وبني هاشم بيعة أبي بكر ضربنا عنها صفحاً لتهافتها، وللروايات الكثيرة التي تثبت مسارعة علي لبيعة أبي بكر ومعاونته في شئون الخلافة، وهو من أعرف الناس بفضله) اهـ. كلام الأستاذ محمود مهدي الإستانبولي في تعليقه على العواصم([108]).
قالوا: منع إرث فاطمة ولجأ إلى رواية تمنع ميراث فاطمة رضي الله عنها انفرد وحده بها «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» (سبق تخريجه) والقرآن يخالف ذلك؛ لأنه تعالى قال: ((يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ)) [النساء:11]، وهذا عام، وقال تعالى: ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)) [النمل:16] وقال تعالى: ((فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً)) [مريم:5]* ((يَرِثُنِي)) [مريم:6]([109])
 وأجيب عن ذلك بأن هذه الرواية لم ينفرد بها الصديق رضي الله عنه، فقد رواها كذلك عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعيد وعبد الرحمن بن عوف والعباس وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو هريرة رضي الله عنهم أجمعين.
كما أن أبا بكر لم يكن غريماً لها في هذه القضية، فهو لم يدع التركة لنفسه وإنما هي صدقة لمستحقها، حرم منها فاطمة رضي الله عنها كما حرم منها زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وفيهن ابنته عائشة، وفيهن حفصة ابنة عمر، وفي الورثة كذلك العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فإن ريع فدك وكذلك خمس خيبر أبيح لآل البيت يأكلون منه حاجاتهم، كما كانت الحال في حياته صلى الله عليه وسلم، والباقي صرف حيث كان يصرف النبي صلى الله عليه وسلم ما زاد عن حاجاته منه، وهذا علي رضي الله عنه لما تولى الخلافة لم يقسم تركة النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيرها عن مصرفها.
ثم إن أبا بكر قد أعطى علياً وبنيه المال الكثير، ولماذا يتمسك أبو بكر بمنع الورثة وهو يعلم أن ذلك قد يسبب المنازعة، وربما المنازعة على الولاية؟ لكنه التمسك بما ثبت عنده من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أما آية المواريث فهي مخصصة بذلك، كما خصصت بأن لا يرث الكافر ولا القاتل عمداً وغير ذلك، وقوله تعالى: ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)) [النمل:16] فإن لفظ الإرث يستعمل في إرث العلم والملك وغير ذلك، قال تعالى: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا)) [فاطر:32] وقال تعالى: ((وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا)) [الزخرف:72] وفي الحديث: «إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم» رواه أبو داود، فالمراد: إرث العلم والنبوة، إذ معلوم أنه كان لـداود أولاد كثيرون غير سليمان لا يختص سليمان بماله، وليس في كونه ورث ماله صفة مدح لهما، فإن البر والفاجر يرث أباه، والآية سيقت في مدح سليمان وما خص به، وكذلك قوله تعالى: ((يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)) [مريم:6] لأنه لا يرث من آل يعقوب أموالهم، إنما يرثهم أولادهم وذريتهم، ثم إن زكريا عليه السلام لم يكن ذا مال وكذلك يحيى عليه السلام كان من أزهد الناس([110]).
 
 أقوال أئمة أهل البيت في الثناء على الشيخين أبي بكر وعمر:
عن عبد الله الملقب بـالمحض -وهو والد النفس الزكية - أنه قال: (فـعمر خير مني وملء الأرض مثلي، فقيل له: هذا تقية؟ فقال: نحن بين القبر والمنبر، اللهم هذا قولي في السر والعلانية، فلا تسمع قول أحد بعدي، ثم قال: من هذا الذي يزعم أن علياً كان مقهوراً؟ وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأمر فلم ينفذه، فكفى بهذا إزراء ومنقصة له) رواه الدارقطني.
وعن ولده الملقب بـالنفس الزكية أنه قال لما سئل عن الشيخين: (لهما عندي أفضلُ من علي) رواه الدارقطني.
وعن محمد الباقر أنه قال: (أجمع بنو فاطمة رضي الله عنهم على أن يقولوا في الشيخين أحسن ما يكون من القول) رواه الدارقطني.
وعن زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنه أن رجلاً سأله: (أخبرني عن أبي بكر فقال: عن الصديق؟ قال: وتسميه الصديق؟ فقال: ثكلتك أمك! قد سماه صديقاً رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار، ومن لم يسمه صديقاً فلا صدق الله عز وجل قوله في الدنيا والآخرة، اذهب فأحب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما) رواه الدارقطني.
وعن زيد بن علي لما خرج وبايعه خلق من الكوفة حضر إليه كثير من الشيعة فقالوا له: (ابرأ من الشيخين ونحن نبايعك، فأبى، فقال: اذهبوا فأنتم الرافضة، فمن حينئذ سموا الرافضة) رواه الدارقطني.
وعن زيد أيضاً أنه قال للرافضة: (انطلقت الخوارج فبرئت ممن دون أبي بكر وعمر، ولم يستطيعوا أن يقولوا فيهما شيئاً، وانطلقتم أنتم فطفرتم -أي وثبتم- فوق ذلك، فبرئتم منهما، فمن بقي؟ فو الله ما بقي أحد إلا برئتم منه) رواه الدارقطني.
 وعن جعفر بن محمد أنه قال وهو مريض: (اللهم إني أحب أبا بكر وعمر وأتولاهما، اللهم إن كان في نفسي غير هذا فلا تنالني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم).
وعن أبي جعفر أنه سئل عن أبي بكر وعمر فقال: (والله إني لأتولاهما، وما أدركت أحداً من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما).
وعن الحسين بن محمد ابن الحنفية أنه قال: (يا أهل الكوفة! اتقوا الله عز وجل ولا تقولوا لـأبي بكر وعمر ما ليسا له بأهل، إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثاني اثنين، وإن عمر أعز الله به الدين).
وعن عبد الجبار الهمداني أن جعفراً الصادق أتاهم وهم يريدون أن يرتحلوا من المدينة فقال: (إنكم إن شاء الله من صالحي أهل مصركم، فأبلغوهم عني: من زعم أني إمام مفترض الطاعة فأنا منه بريء، ومن زعم أني أبرأ من أبي بكر وعمر فأنا منه بريء).
وعن علي بن الحسين رضي الله عنه أنه قال لجماعة خاضوا في أبي بكر وعمر ثم في عثمان: (ألا تخبروني أنتم ((الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8]؟ قالوا: لا. قال: فأنتم: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:9]؟ قالوا: لا. قال: أما أنتم فقد برئتم أن تكونوا في أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل فيهم: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10)].
وعن عبد الله بن الحسن أنه قال: (والله لا يقبل الله عز وجل توبة عبد تبرأ من أبي بكر وعمر، وإنهما ليعرضان على قلبي فأدعو الله عز وجل لهما، أتقرب به إلى الله عز وجل).
 وعن علي بن الحسين: (أنه قدم العراق فجلس إليه قوم، فسبوا أبا بكر وعمر ثم عثمان، فشتمهم)، وعنه قال: (يا أهل العراق! أحبونا حب الإسلام، ولا تحبونا حب الأصنام، فما زال بنا حبكم حتى صار علينا شيئاً). وعنه قال: (يا أيها الناس! أحبونا حب الإسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً.).
وسئل (كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأشار بيده إلى القبر، ثم قال: بمنزلتهما منه الساعة).
أخرج البخاري في فضائل الصحابة (7/ 20) ومسلم في فضائل أبي بكر (15/ 154) وأحمد عن محمد ابن الحنفية قال: (قلت لأبي -يعني: علي بن أبي طالب رضي الله عنه-: أي الناس خير بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر).
روى الدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (لما برز أبو بكر إلى ذي القصة واستوى على راحلته، أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أقول لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: لمّ سيفك ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فو الله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبداً. فرجع)([111]).
وعن علي قال: (لا أوتى بأحد فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري) (البداية والنهاية جـ 5/815).
قال ابن كثير: (وتواتر عنه -أي: علي رضي الله عنه- أنه قال: (خير الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر)).
 وقال أيضا: (وقد ثبت عنه -أي: علي رضي الله عنه- بالتواتر أنه قال على منبر الكوفة: (أيها الناس! إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ولو شئت أن أسمي الثالث لسميت)) (البداية والنهاية جـ4/ 436-437).
وعن جعفر الصادق قال: (من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السنة) وسئل عن حلية السيف؟ فقال: (لا بأس به، فقد حلى أبو بكر الصديق سيفه، فقيل له: وتقول الصديق؟ فوثب واستقبل القبلة، ثم قال: نعم الصديق.. نعم الصديق.. ثم قال: فمن لم يقل الصديق، فلا صدق الله له قولاً في الدنيا والآخرة) وقال ذات يوم لـجابر الجعفي: (يا جابر! بلغني أن قوماً بـالعراق يزعمون أنهم يحبوننا ويتناولون أبا بكر وعمر، ويزعمون أني أمرتهم بذلك، فأبلغهم عني أني إلى الله منهم بريء).
وقال أيضاً: (لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم إن لم أكن أستغفر لهما وأترحم عليهما) وكان جعفر الصادق يقول: (ولدني أبو بكر مرتين)([112]).
وعن جعفر الصادق أنه قال لـسالم بن أبي حفصة: (يا سالم! أيسب الرجل جده؟ أبو بكر جدي، لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إن لم أكن أواليهما -أي: أبو بكر وعمر - وأبرأ من عدوهما) وقال: (من زعم أني أبرأ من أبي بكر وعمر فأنا منه بريئ) وقال: (بريئ الله ممن تبرأ من أبي بكر وعمر).
وفي الصحيحين عن ابن عباس: (أن علياً ترحم على عمر وهو في كفنه قبل أن يدفن، وقال: ما خلفت أحداً أحب إلى أن ألقى الله بمثل عمله منك)([113]).
 
 افتراءات الثوار على عثمان رضي الله عنه والرد عليها:
طعن الثائرون على عثمان في خلافته وإمامته، بافتراءات عديدة اتهموه بها، وكلها كما بين صاحب كتاب العواصم من القواصم لا تثبت عليه ولا تعد من مظالمه رضي الله عنه([114])، فضلاً عن أنها لو ثبتت على أنها مظالم ما كانت تجيز الطعن في إمرته رضي الله عنه للمسلمين، ولو فعل مثلها عمر رضي الله عنه أو معاوية رضي الله عنه لما جرؤ أحد منهم على الخروج عليه والطعن فيه بسببها، ولكنها نفس عثمان رضي الله عنه الزكية التي شملتهم برحمته، فآثرهم على نفسه؛ حقناً لدمائهم واجتناباً لوقوع الفتن وانتشار المنازعات بين أهل الإسلام في عصره، فمن هذه الافتراءات:
1- ادعاؤهم ضربه لـعمار بن ياسر رضي الله عنهما([115]) حتى فتق أمعاءه، وضرب ابن مسعود رضي الله عنه حتى كسر أضلاعه، ومنع عنه العطاء، وابتدع في الدين بجمع القرآن ثم تحريق المصاحف.
وأجيب عن ذلك: بأن عثمان إن ضرب عماراً فهو إما مصيب في تعزيره له وإما أنه مخطئ، ولكلاهما من الحسنات العظيمة ما يغفر لهما إن أخطئا، بل القول في عثمان أنه أفضل من عمار، فهو أحق منه بمغفرة الله ورحمته، أما أنه فتق أمعائه فهذا كذب وإلا لسبَّب ذلك وفاة عمار، وقد عزر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عدداً من الصحابة، والنزاعات بين الصحابة معروفة، فأي شيء في تعزير عمار أو ابن مسعود رضي الله عنه؟ ولقد كان ابن مسعود يود أن يكتب المصحف بدلاً من زيد بن ثابت رضي الله عنه، أو أن يبقى مصحفه الذي كان يكتبه لنفسه، ولكن عثمان رضي الله عنه اختار زيداً لكتابة المصحف لكون الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما اختارا زيداً من قبل لجمع القرآن من قبل؛ ولأن زيداً هو الذي أخذ العرضة الأخيرة لكتاب الله على الرسول صلى الله عليه وسلم قبيل وفاته، فكان عثمان رضي الله عنه محقاً في ذلك.
أما حرق المصاحف فكانت وسيلة لتوحيد كتابة المصحف عند المسلمين، بالأمر بكتابة المصحف العثماني وحرق ما سواه؛ توحيداً لكلمة الأمة في كتاب الله تعالى بعد وقوع الاختلاف في قراءته، وهذا العمل هو من أعظم أعمال عثمان رضي الله عنه، ووافقه عليه الصحابة رضي الله عنهم([116]).
ولم يثبت نقلاً ضرب عثمان لـابن مسعود أو منع العطاء عنه، وما عرف عن ابن مسعود إلا الطاعة لـعثمان والتمسك بالبيعة له.
2- قالوا: حمى الحمى، وأجيب: بأن ذلك وقع في زمن عمر رضي الله عنه حيث وسع الحمى، وعثمان زاده لاتساع الدولة وزيادة الفتوح، فإذا جاز أصل الحمى للحاجة إليه جازت الزيادة لزيادة الحاجة.
3- وقالوا: أجلى أبا ذر إلى الربذة وأبا الدرداء من الشام.
أما أبو ذر فكان له مذهب في الزهد في التصرف في المال مخالف لجمهور الصحابة؛ فاختار هو العزلة، فوافقه عثمان وأكرمه([117])، وجاء في بعض الروايات أن أبا ذر استأذن في ذلك وقال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرني أن أخرج إذا بلغ البناء سلعاً) صححه الحاكم ووافقه الذهبي، أما أبو الدرداء فكان يميل إلى السير في الناس بطريقة عمر رضي الله عنه، واختلف معه معاوية، فعزله عثمان للمصلحة، فخرج إلى المدينة، ومثل ذلك لا يعيب عثمان ولا يعيب أبا الدرداء رضي الله عنهما.
4- قالوا: ورد الحكم بعد أن نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والجواب: أن ذلك لم يصح، وقصة نفيه ليست في الصحاح بل رواية مرسلة، وإن ثبتت فإن نفيه صلى الله عليه وسلم لا يكون على التأبيد، إنما هو عقوبة على ذنب استحق به النفي، والتوبة مبسوطة، وقيل: إنه إنما رده لما ولي؛ لعلمه بالإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم في رده، وكان أبو بكر ثم عمر لم يأذنا بالرد بقول عثمان أن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك حتى يأتيهما بشاهد، فلما ولي قضى بما يعلمه.
وقد طعن كثير من العلماء في مسألة نفي الحكم، وقالوا: ذهب باختياره([118]).
5- وقالوا: ترك قصر الصلاة في منى في موسم الحج، خلافاً لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
والجواب: أنه اعتذر عن ذلك، بأن بعض الحجاج كانوا من أهل اليمن ومن جفاة الناس، فخشي أن يُظَن أن الصلاة للمقيم ركعتان، وربما لأنه كان يرى إتمام الصلاة لمن اتخذ أهلاً له في مكة، ولقد كان عثمان ممن يتخذ أهلاً في مكة، ومعلوم أن المسألة فيها خلاف في كون المسافر مخيراً بين القصر والإتمام.
 6- وقالوا: ولى معاوية بن أبي سفيان على الشام لقرابته.
والجواب: وأي عيب في ذلك؟ فـمعاوية رضي الله عنه أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استعمله النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة للوحي، ولقد استخلفه أخوه يزيد بن أبي سفيان والي الشام في عهد أبي بكر على الشام لما تولى قيادة أحد الجيوش، وأقره عمر رضي الله عنه، فـعثمان رضي الله عنه إنما تعلق بإقرار عمر وأقره([119]).
7- وقالوا: ولى عبد الله بن كريز لقرابته.
والجواب: وأي عيب في ذلك، فأم أبيه أمها: البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد نشأ سخياً كريماً شجاعاً، افتتح خراسان كلها، وأطراف فارس، وسجستان، وكرمان، وقضى على يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس، قال فيه ابن كثير: (إنه أول من اتخذ الحياض بـعرفة لحجاج بيت الله الحرام، وأجرى إليها الماء المعين)، وقال فيه ابن تيمية: (إن له من الحسنات والمحبة في قلوب الناس ما لا ينكر)([120]).
8- وقالوا: وولى الوليد بن عقبة لقرابته له، وهو فاسق ليس من أهل الولاية، وفيه نزل قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)) [الحجرات:6]، وقد حد في شرب الخمر.
 والجواب: أن الآية لم يثبت كونها نزلت في الوليد بن عقبة، فالروايات في ذلك موقوفة ليست متصلة، بل قيل إن الوليد إنما كان صغيراً في السن صبياً وقت فتح مكة، فكيف نزلت فيه الآية؟! ثم إن الوليد قد استعمله أبو بكر في إرسال رسائله الحربية إلى خالد بن الوليد في قتاله مع الفرس، وتولى صدقات قضاعة بأمر أبي بكر، ودعاه أبو بكر هو وعمرو بن العاص للجهاد، فقاد عمرو لواء المسلمين نحو فلسطين، وقاد الوليد لواء المسلمين إلى شرق الأردن([121]).
وعين أميراً على بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة في عهد عمر بن الخطاب، فلما جاء عثمان ولاه الكوفة، فكانت ولايته فتحاً وعدلاً، وأما حده في الخمر فلقد حد عمر قدامة بن مظعون على الخمر، وليست الذنوب مسقطة للعدالة إذا وقعت منها التوبة.
9- وقالوا: ولى مروان لقرابته وأعطاه خمس إفريقية.
 والجواب: أن مروان من العدول، ومن كبار الأمة عند الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين، روى عنه من الصحابة سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، وكذلك أصحابه من التابعين، وفقهاء الأمصار على تعظيمه والأخذ بمروياته، أما القول بأنه أعطاه خمس إفريقية، فلم يصح، علماً بأن مذهب مالك وجماعة أن الإمام له أن ينفذ في الخمس ما يراه اجتهاده، وإن أعطاه لواحد فجائز([122]).
وبالجملة: فلا حرج في أن يولي المرء أخاه أو قريبه إن وجد فيه الأهلية لذلك، ولقد ولَّى غير عثمان عمالاً من أهل قرابتهم، فلم تخصيص عثمان بالذم على ذلك دون غيره؟([123])..
10- وقالوا: استعمل العصا في الضرب بدلاًَ من الدرة، وعلا على درجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنبر وقد انحط عنها أبو بكر وعمر.
والجواب: أن ذلك لم يثبت عنه، بل تلك من قبيل الإشاعات المنكرة، وإن صحت فلا تحل دمه بأي حال، ولقد رآه الصحابة على ذلك إن صح، فلما لم ينكروا عليه ووافقوه على ذلك فلا عيب عليه، ويحتمل أن علوه لدرجة -إن صح- إنما كان لزيادة مساحة المسجد النبوي وتوسيعه في عهده رضي الله عنه، فاقتضت المصلحة الارتفاع درجة لكثرة المصلين.
 11- قالوا: لم يحضر بدراً، وانهزم يوم أحد، وغاب عن بيعة الرضوان.
والجواب: أنه تخلف يوم بدر بإذن النبي صلى الله عليه وسلم لعيادة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لمرضها وقت ذاك، وقد ضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهم في الغنائم، وأما انهزامه يوم أحد فقد عفا الله عنه فيمن عفا عنهم من المنهزمين([124])، وأما يوم البيعة فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى مكة، وبسبب إشاعة مقتله رضي الله عنه كانت بيعة الرضوان، ولقد ضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة، فكانت يده صلى الله عليه وسلم لـعثمان رضي الله عنه خيراً من أيدي الصحابة رضي الله عنهم لأنفسهم([125])
12- وقالوا: لم يقتل عبيد الله بن عمر قصاصاً بـالهرمزان، الذي أعطى السكين لـأبي لؤلؤة المجوسي، وحرضه على قتل عمر رضي الله عنه حتى قتله، فقتله عبيد الله بن عمر انتقاماً لأبيه.
وأجيب عن ذلك: بما روي من أن ابنه القماذبان قد عفا عن عبيد الله وهو ولي دم الهرمزان([126])، ويحتمل أن ابن عمر كان متأولاً في قتل الهرمزان، لكونه أعان على قتل عمر فرأى قتله لذلك، والشبهة تدرأ الحد والقصاص عن القاتل، لذا اكتفى عثمان رضي الله عنه بالدية واحتملها من ماله الخاص، وقد وافق الصحابة عثمان رضي الله عن الجميع في موقفه في هذه القضية، وهو إنما قضى في الأمر بمشورتهم ولم يستبد بالرأي.
 13- وقالوا: كتب مع عبدٍ له كتاباً إلى مصر لقتل الثوار الخارجين عليه.
وأجيب عن ذلك: بأن عثمان أنكر ذلك، وطلب من قائليه أن يأتوا بشاهدين على ذلك، وإلا فما كتب شيئاً ولا أمر به، ثم إن عثمان لم يأمر بقتل الثوار وهم يحاصرونه، ولم يرض أن يذب عنه، فكيف يتهمونه بالسعي في قتلهم، ومعلوم أن الثوار إنما خرجوا من المدينة المنورة متفرقين جماعة منهم إلى مصر، وجماعة إلى العراق، فكيف علم هؤلاء بأمر هؤلاء، وعادوا جميعاً إلى المدينة بدعوى الكشف عن رسالة من عثمان للولاة بقتلهم في بلادهم، ثم العزم على التخلص من عثمان رضي الله عنه بقتله، ولقد كان تزوير الرسائل في مأساة البغي على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من أسلحة البغاة، كما زورت رسائل باسم بعض زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ودست بين أهل مصر لتأليبهم على علي رضي الله عنه وأفلحوا في ذلك.
 خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه:
يثبت أهل السنة والجماعة الخلافة لـمعاوية بن أبي سفيان من بعد الحسن رضي الله عنه، ويرون أن خلافته كانت فاتحة خير على المسلمين، فشهدت فترة ولايته أعمالاً جليلة: فتوحدت الكلمة بعد الشقاق، وامتدت الفتوحات، ولقد عرف معاوية رضي الله عنه بالحكمة والعدل والفقه في الدين، مع القوة والأمانة في أمور الولاية، وإن كان أقل حالاً ممن سبقه من الخلفاء الراشدين إلا أنه أفضل بكثير ممن جاء بعده.
ومعاوية رضي الله عنه من أجلاء الصحابة؛ استعمله النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الوحي، واستعمله أبو بكر وعمر وعثمان، وكفى بذلك شهادة له على أمانته وتحمله للقيادة والولاية.
روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: (ما رأيت أحداً بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب) -يعني: معاوية -، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (ما رأيت رجلاً أخلق بالملك من معاوية) وما ذلك إلا لعدله وحلمه وحسن رعايته للناس([127]).
 (فإن قيل: ألم يكن في الصحابة أقعد بالأمر من معاوية؟ قلنا: كثير! ولكن معاوية اجتمعت فيه خصال، وهي أن عمر جمع له الشامات كلها وأفرده بها، لما رأى من حسن سيرته وقيامه بحماية البيضة، وسد الثغور، وإصلاح الجند، والظهور على العدو، وسياسة الخلق، وقد قال صلى الله عليه وسلم لـمعاوية: «اللهم اجعله هادياً مهدياً، واهد به» رواه الترمذي في المناقب، والإمام أحمد في مسنده وسيأتي قريباً، وشهد بخلافته في حديث أم حرام «أن أناساً من أمته يركبون ثبج البحر الأخضر ملوكاً على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة وكان ذلك في ولايته»)([128]).
(وقد تكلم العلماء في إمامة المفضول مع وجود من هو أفضل منه)([129])(وأما جمهور الفقهاء والمتكلمين فقالوا: تجوز إمامة المفضول، وتصح بيعته، ولا يكون وجود الأفضل مانعاً من إمامة المفضول إذا لم يكن مقصراً عن شروط الإمامة، كما يجوز في ولاية القضاء تقليد المفضول مع وجود الأفضل؛ لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار، وليست معتبرة في شروط الاستحقاق)([130]).
أما تولية معاوية لابنه يزيد والعهد له بالخلافة من بعده، فهذا اجتهاد منه رضي الله عنه، فقد رأى لابنه يزيد من القوة العسكرية والألمعية ما يؤهله لتولي الخلافة؛ فتكون قوته قوة للمسلمين، كما أنه رأى أن للأمويين شوكة ومنعة تكفي لاجتماع الكلمة عليهم، فخشي أن تقع الأمة في صراع جديد من بعده فتضعف قوة المسلمين، فجعل العهد لابنه، وهو في ذلك قد ترك الأفضل في أن يجعلها شورى، وفي أن لا يخص بها أحداً من قرابته([131]).
 قال ابن خلدون: (والذي دعا معاوية رضي الله عنه لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه، إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع واتفاق أهوائهم، باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية، إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش، وأهل الملة أجمع وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصاً على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع، وإن كان لا يظن بـمعاوية غير هذا لعدالته، وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه؛ دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم أجل من ذلك، وعدالتهم مانعة منه)([132])اهـ.
 فضل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما:
اعلم أن أهل الحق قد هداهم الله في شأن معاوية، فيعرفون فضله ومناقبه، لا يقولون بعصمته من الذنوب الكبيرة أو الصغيرة، ويرون أنه اجتهد في كثير من الأمور، فما أصاب فيه الحق فله عليه أجران، وما أخطأ فيه فله أجر الاجتهاد دون أجر الإصابة، ويقرون بإمامته بعد الحسن بن علي رضي الله عنه، وأن خلافته كانت خيراً وفتحاً على المسلمين، لحسن سياسته وعدله وحلمه وحكمته.
أما أهل الضلال والبدع فخاضوا في شأن معاوية، وطعنوا فيه، وانتقصوا منه بالعقل والهوى، وروجوا الأحاديث الباطلة، والقصص المختلقة في ذم معاوية والإساءة إليه، لتغيير قلوب الناس تجاه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن أعظم هذا الكذب ما نسبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه» وزعمهم أن الذهبي صححه.
 والحقيقة: أن الذهبي ذكره في تاريخه، ثم بين أنه كذب موضوع لا أصل له، وهذا الحديث دلائل الوضع والكذب ظاهرة عليه من وجوه منها:
1- أن هذا الحديث فيه منع معاوية من ولاية أمور المسلمين والقيام بمصالحهم، فمن هذا حاله كيف يُستأمن على كتابة الوحي للمسلمين؟
2- أن فيه نقيصة لسائر الصحابة رضي الله عنهم؛ أن بلغهم هذا الحديث فلم يعملوا به، واتخذوا معاوية إماماً وخليفة وتابعوه على ذلك.
3- يعارضه: تولية عمر لـمعاوية على الشام مدة ولايته، وثناؤه عليه.
4- يعارضه: ثناء الصحابة على معاوية، وإقرار ولايته، وأخذ العلم عنه.
5- عدم ورود هذا الحديث بسند صحيح مقبول، مع أنه مما تتوافر الدواعي على نقله وإظهاره، خاصة زمن وقوع الحروب والفتن؛ خاصة من أعدائه.
إذا علم هذا تبين أنه حديث مكذوب موضوع لا تحل روايته إلا لبيان كذبه، وتبين جهالة وحماقة المحتجين به والناقلين له([133]).
 معاوية خير ممن جاء بعده:
قال ابن تيمية رحمه الله-: (لم تحدث في خلافة عثمان بدعة ظاهرة، فلما قُتل وتغرق الناس حدثت بدعتان متقابلتان: بدعة الخوارج المكفرة لـعلي، وبدعة الرافضة المدعين لإمامته وعصمته، أو نبوته، أو إلاهيته، ثم لما كان في آخر عصر الصحابة، في إمارة ابن الزبير وعبد الملك حدثت بدعة المرجئة والقدرية، ثم لما كان في أول عصر التابعين في أواخر الخلافة الأموية حدثت بدعة الجهمية المعطلة والمشبهة الممثلة، ولم يكن على عهد الصحابة شيء من ذلك، وكذلك فتن السيف، فإن الناس كانوا في ولاية معاوية رضي الله عنه متفقين يغزون العدو، فلما مات معاوية قتل الحسين، وحوصر ابن الزبير بـمكة، ثم جرت فتنة الحرة بـالمدينة، ثم لما مات يزيد جرت فتنة بـالشام بين مروان والضحاك بـمرج راهط.
ثم وثب المختار على ابن زياد فقتله، وجرت فتنة، ثم جاء مصعب بن الزبير فقتل المختار وجرت فتنة، ثم ذهب عبد الملك إلى مصعب فقتله وجرت فتنة، وأرسل الحجاج إلى ابن الزبير فحاصره مدة ثم قتله وجرت فتنة، ثم لما تولى الحجاج العراق خرج عليه ابن الأشعث مع خلق عظيم من العراق وكانت فتنة كبيرة، فهذا كله بعد موت معاوية، ثم جرت فتنة ابن المهلب بـخراسان، وقتل زيد بن علي بـالكوفة، وقتل خلق آخرون، ثم قام أبو مسلم وغيره بـخراسان وجرت حروب وفتن يطول وصفها ثم هلم جرا.
فلم يكن من ملوك المسلمين ملك خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيراً منهم من زمن معاوية، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده، وأما إذا نسبت إلى أيام أبي بكر وعمر ظهر التفاضل) اهـ([134]).
(سئل المعافى بن عمران: أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فغضب وقال للسائل: أتجعل رجلاً من الصحابة مثل رجل من التابعين؟ معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله)([135])تاريخ بغداد (جـ1/ ص:209)، البداية والنهاية لـابن كثير (جـ8/ ص:139).
عن عبد الرحمن بن أبي عميرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لـمعاوية: «اللهم اجعله هادياً مهدياً، واهد به» رواه الترمذي في المناقب، والإمام أحمد في مسنده، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.
 وعن أبي إدريس الخولاني قال: لما عزل عمر بن الخطاب عمير بن سعيد عن حمص ولي معاوية، فقال الناس: عزل عميراً وولى معاوية!! فقال عمير: «لا تذكروا معاوية إلا بخير، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اهد به» رواه الترمذي في المناقب. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: «قال أبو سفيان: يا رسول الله! ثلاثاً أعطنيهن، قال: نعم. قال: تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم. قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم، وذكر الثالثة وهو أنه أراد أن يزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنته الأخرى عزة بنت أبي سفيان، واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فقال: إن ذلك لا يحل لي».
وفي الحديث: أن معاوية رضي الله عنه كان من جملة الكتاب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يكتبون الوحي.
حديث: «اللهم علمه العلم واجعله هادياً مهدياً، واهده واهد به» رواه عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قاله لـمعاوية، رواه أحمد والترمذي وقال: حسن غريب، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر، وأورده صاحب جمع الفوائد في كتابه (جـ2/ ص227) بلفظ: «اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به» رواه الترمذي.
وعن عمر: «لا تذكروا معاوية إلا بخير، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اهد به» رواه الترمذي، وعن مسلمة بن مخلد مرفوعاً في معاوية: «اللهم علمه الكتاب والحساب، ومكن له في البلاد، وقه العذاب» رواه ابن سعد والطبراني في الكبير، وابن عساكر في تاريخه.
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (جـ9/ ص:356) باب ما جاء في معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، ورواية الطبراني من طريق جبلة بن عطية عن مسلمة بن مخلد، وجبلة لم يسمع من مسلمة فهو مرسل، ورجاله وثقوا وفيهم خلاف، وروى نحوه عن العرباض بن سارية عند أحمد والطبراني وأبي نعيم في الحلية. وعن ابن عباس عند أبي داود والطيالسي والطبراني.
قال ابن عباس: «كنت غلاماً أسعى مع الصبيان، قال: فالتفت فإذا نبي الله صلى الله عليه وسلم خلفي مقبلاً، فقلت: ما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم إلا إليّ، قال: فسعيت حتى أختبئ وراء باب دار، قال: فلم أشعر حتى تناولني، قال: فأخذ بقفاي فحطأني حطأة، قال: اذهب فادع لي معاوية -وكان كاتبه- قال: فسعيت: فقلت أجب نبي الله صلى الله عليه وسلم فإنه على حاجة» أخرجه أحمد في مسنده.
روى ابن سعد وابن عساكر عن معاوية رضي الله عنه قال: (لما كان عام الحديبية، وصدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت، وكتبوا بينهم القضية، وقع الإسلام في قلبي، فذكرت لأمي، فقالت: إياك أن تخالف أباك، فأخفيت إسلامي، فو الله لقد رحل رسول الله من الحديبية وإني مصدق به، ودخل مكة عام عمرة القضية وأنا مسلم، وعلم أبو سفيان إسلامي، فقال لي يوماً: لكن أخاك خير منك وهو على ديني، فقلت: لم آل نفسي خيراً، وأظهرت إسلامي يوم الفتح، فرحب بي النبي صلى الله عليه وسلم وكتبت له).
وروى البغوي بسنده وابن بطة من وجه آخر عن أبي الدرداء قال: (ما رأيت أحداً أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا) -يعني: معاوية - وقد ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (جـ9/357) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير قيس بن الحارث المذحجي وهو ثقة.
وفي تاريخ الطبري وسير أعلام النبلاء وأنساب الأشراف عن معاوية: (كنت أوضئ رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزع قميصه وكسانيه، فرفعته، وخبأت قلامة أظفاره، فإذا مت، فألبسوني القميص على جلدي، واجعلوا القلامة مسحوقة في عيني، فعسى الله أن يرحمني ببركتها).
 
 شهادة ابن عباس له بالفقه:
عن ابن أبي مليكة قال: (أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لـابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي رواية عن ابن أبي مليكة: قيل لـابن عباس: (هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال: إنه فقيه) أخرجهما البخاري في فضائل الصحابة باب ذكر معاوية رضي الله عنه.
 إعادته للفتوحات والغزو في سبيل الله:
عن سعيد بن عبد العزيز قال: (لما قتل عثمان، ووقع الاختلاف، لم يكن للناس غزو حتى اجتمعوا على معاوية فأغزاهم مرات)، رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن عساكر([136]).
روى أبو بكر الأثرم بسنده عن قتادة قال: (لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي).
وروى ابن بطة بسنده عن مجاهد: (لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدي) وذكر نحوه ابن كثير في البداية والنهاية (جـ8/ص:135)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (جـ9/ 357) وقال: رواه الطبراني مرسلاً وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف.
وروى الأثرم بسنده أن عمر بن عبد العزيز ذكر عند الأعمش فقال: (فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: في حلمه؟ قال: لا والله، بل في عدله!).
وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبي إسحاق السبيعي أنه ذكر معاوية فقال: (لو أدركتموه أو أدركتم أيامه لقلتم: كان المهدي) وروى الأثرم عنه قال: (ما رأيت بعده مثله) -يعني: معاوية -([137]).
 

الفرق المخالفة لأهل السنة في الصحابة رضي الله عنهم:
بينا عقيدة أهل السنة والجماعة في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم، المبنية على إجلالهم وتعظيمهم وإعزازهم، وإنزالهم المنزلة اللائقة بهم، والإقرار بعدالتهم، وأنهم السابقون، وهم خير قرون هذه الأمة، أجلاؤهم وعلماؤهم أفضل الخلق بعد أنبياء الله عز وجل؛ فهم أفضل الأولياء، وأعظم العباد، وأخلص المجاهدين، وأتقى الأتباع للأنبياء، وقد خالف أهل البدع والأهواء أهل السنة والجماعة في هذه النظرة لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فبخسوا الصحابة -أو بعضهم- حقهم، وعاملوهم على غير ما يجب أن يعاملوهم به، من هذه الطوائف:
 الخوارج (الحرورية):
سموا خوارج لخروجهم عن طاعة الإمام، وتجويزهم ذلك، وسموا حرورية نسبة إلى حروراء البقعة التي خرجوا منها، وهم الذين ظهروا إبان نزاع علي ومعاوية رضي الله عنهما، عقب إنهاء معركة صفين بإجابة فريق علي لمطلب فريق معاوية بالتحكيم بين الفريقين، تحت إلحاح أتباع علي لـعلي رضي الله عنه على قبول التحكيم، رغم عدم موافقته، ثم تراجعه إرضاء لهم، ثم ما لبثوا أن خطئوه واتهموه وأصحاب معاوية بالكفر لتحكيمه الرجال، منادين بشعارهم: (إن الحكم إلا لله)، فأجابهم علي: (أنها كلمة حق أرادوا بها باطلاً) وناظرهم ابن عباس فلم يعد منهم إلا القليل، ولم يقاتلهم علي حتى اعتدوا على حرمات المسلمين وأعراضهم وأموالهم، فهزمهم هزيمة منكرة في النهروان، فأضعف شوكتهم.
ومازال للخوارج بقية؛ خاصة المذهب الإباضي الذي ما زال له أتباعه إلى اليوم، والخوارج كفروا عموم الصحابة وقاتلوهم على ذلك، وأشقاهم عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب، ولسان حالهم تفضيل أنفسهم على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم([138]).
 الشيعة (الرافضة):
وهم الذين شايعوا علي بن أبي طالب وأهل بيته، ثم غالوا في ذلك، فمنهم من يكتفي بتقديم علي على غيره من الصحابة، وإن كانوا يقرون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وعندهم علي أولى منهم بالإمامة، والصحابة اجتهدوا فأخطئوا بتقديمهم علي في الخلافة.
ومنهم من ينكر خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ويعدهم ظلمة اغتصبوا حق علي رضي الله عنه، ويتهمون عموم الصحابة بإخفاء النص الصريح، أو الإشارة الواضحة من النبي صلى الله عليه وسلم للأمة بحق علي في الإمامة.
ومنهم من يتهم صحابة النبي بالردة والكفر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكتمان ما بلغه النبي صلى الله عليه وسلم، وهضم حق علي في الإمامة، والتنافس على الدنيا وأمور الحكم.
ومنهم من يغلو في علي، فيدعي أنه أحق بالرسالة من النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولكن جبريل أخطأ فنزل بها على النبي صلى الله عليه وسلم لعظيم الشبه بينهما.
ومنهم من أفرط في الغلو فادعى ألوهية علي، وأن الله حل فيه -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- لذا فهو عندهم لم يمت، ولكن رفع كـعيسى وهو في السحاب، وعند أكثرهم الإيمان بالرجعة في الدنيا واعتبار أبي بكر وعمر طواغيت، وسب عثمان وعائشة وحفصة رضي الله عنهم، والطعن في أبي هريرة وغيره من علماء الصحابة رضي الله عنهم، ورد رواياتهم([139]).
 الناصبة:
وهم الذين ناصروا الأمويين على البيت العلوي، ووقعوا في انتقاص الصحابة من أهل البيت العلوي كـالحسن والحسين وذريتهما؛ مبالغة في الخصومة، وتأييداً لبني أمية، وقد انقرضوا الآن.
 
 الراوندية:
قالوا بتقديم العباس على سائر الصحابة، فهو عندهم أفضل الصحابة لمنزلته من النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلوه وذريته أولى الناس بالإمامة والخلافة، ظهروا في خلافة العباسيين.
 الخطابية:
طائفة قالت بتقديم عمر بن الخطاب على غيره من الصحابة.
 المعتزلة:
يسمون أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون أيضاً بـالقدرية، وهم أصحاب واصل بن عطاء، قالوا بأن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، وإنما بمنزلة بين المنزلتين، وتبعهم على ذلك كثيرون سموا بـالمعتزلة.
وواصل بن عطاء البصري كان تلميذاً للحسن البصري؛ متكلماً بليغاً، خالف الحسن البصري بإظهاره القول بمنزلة بين المنزلتين، واعتزل عن الحسن البصري، وجلس إليه عمرو بن عبيد فقيل لهما ولأتباعهما: معتزلون، وهو شيخ المعتزلة، ولد بـالمدينة سنة (80هـ) وتوفي سنة (131هـ)، ذهب إلى أن الفريقين من أصحاب الجمل وأصحاب صفين أحدهما مخطئ فاسق لا محالة، كما أن أحد المتلاعنين فاسق، لا بعينه، وكذلك قوله في عثمان وقاتليه وخاذليه، والفاسق عنده بين منزلة المؤمن ومنزلة الكافر، وأقل درجات الفريقين أن لا يقبل شهادتهما كما لا تقبل شهادة المتلاعنين، لذا لم يجوز شهادة علي وطلحة والزبير ولو على باقة بقل([140])، وجوز أن يكون عثمان وعلي رضي الله عنهما على الخطأ([141]).
 
 أهل الكلام والفلسفة:
وهم الذين اشتغلوا بعلم الكلام ودراسة المنطق والفلسفة، وجعلوا منهجهم مبنياً على العقل، وتقديم الآراء العقلية على الأدلة السمعية، بدعوى أن دلالة العقل قطعية ودلالة السمع ظنية، أو أن الاستدلال بالسمع لا يصلح نهجاً مع أعداء الدين، فلزم اللجوء إلى المنهج العقلي في الاستدلال، وهذا يخالف نهج الصحابة القائم على تقديم النقل على العقل وآراء الرجال، ولما لم يجد أصحاب علم الكلام لمنهجهم مكانة في علوم الصحابة، زعموا أن الصحابة لم يحيطوا بأمهات مسائل أصول الدين، وأن الجهاد في سبيل الله والذب عن الدين شغلهم عن ذلك، وادعوا أن طريقة السلف في الاستدلال بالكتاب والسنة وإن كانت أسلم؛ إلا أنها لا تصلح في الرد على أعداء الدين، ووصفوا طريقتهم بأنها الأعلم والأحكم، ومضمون ذلك ذم الصحابة، ووصفهم بعدم الدراية بأصول الدين، والانشغال عن تعلمها، وهذا كله مخالف لطريقة أهل السنة والجماعة، الذين يرون أن طريقة الصحابة هي الأسلم والأعلم والأحكم، وأن ما هم عليه هو الصواب والحق، وأن ما خالفهم فهو الخطأ والضلال:
وكل خير في اتباع من سلف                     وكل شر في ابتداع من خلف
 تلامذة المستشرقين:
تعامل المستشرقون الغربيون مع تاريخ المسلمين، بما عرف عنهم من الحقد على الإسلام وأهله، والكره الباطني الدفين للمسلمين الأوائل الذين فتحوا الأمصار، وحرروا الشعوب، وأزالوا حكم البيزنطيين من الشام وشمال إفريقيا، وامتدت فتوحاتهم إلى غرب أوروبا –كـالأندلس - وشرق أوروبا مع الفتوحات العثمانية؛ خاصة فتح القسطنطينية وجنوب أوروبا خاصة جزر البحر الأبيض المتوسط كـقبرص وكريت وغيرها، هذا إلى جانب النظرة الدنيوية للتاريخ، والتي تفسر أعمال شخصياته على أنها لحظوظ الدنيا وأهواء النفس، فما كانوا ليدركوا المنزلة السامية لسلفنا الصالح وجهادهم في سبيل الله عز وجل ابتغاء مرضاته، لذا شوه المستشرقون عمداً تاريخ المسلمين، بطمس أعمالهم العظيمة، والتقليل من شأنها، والمبالغة في وصف الأخطاء والمنازعات والخلافات، وتصوير سلفنا الصالح بصورة طلاب الدنيا والمتنازعين على حظوظها.
هذا بالإضافة إلى الطعن في العقيدة الإسلامية، وفي القرآن، وأحكام الدين، بل وشخص النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا معروف لكل من درس كتاباتهم المغرضة، وقد ربى هؤلاء المستشرقون -خاصة طلاب البعثات العلمية إلى أوروبا - تلاميذاً لهم، أخذوا عنهم مناهجهم المغرضة في البحث، وتأثروا تماماً بشبهاتهم ودسائسهم، وتلقوها من مؤلفاتهم، التي اعتبروها المراجع المقدمة على غيرها بما فيها مراجع أئمة المسلمين.
وكانت المحصلة جحود الأبناء لفضل الآباء، والعقوق المخالف لما أمر الله به من تعظيم خير القرون وتبجيلهم، وظهر ذلك جلياً في مؤلفات هؤلاء التلاميذ وكتاباتهم، خاصة بعد أن عادوا إلى أوطانهم حاملين درجاتهم العلمية الجديدة، وموجهين للأجيال الناشئة من أبناء المسلمين الصغار، فدسوا في مناهج التدريس أولاً، وفي عقول الناشئين ثانياً؛ كثيراً من عدم التقدير للسلف الصالح، والكثير من الطعن فيهم والإساءة إليهم، مع تعظيم تاريخ الأوروبيين وعظمائهم وعلمائهم ورجالهم.
وليس المجال مجال سرد لهذه الإساءات لبيان زيفها والرد عليها، ولكن نكتفي هنا بمثال واحد نراه يكفي، ونعني به كتابات طه حسين الملقب بـ(عميد الأدب العربي)، والذي تربى على أيدي المستشرقين وأفكارهم في جامعة السربون في فرنسا، وعاد لينشر إساءتهم في كتبه ومؤلفاته، ويبثها في عقول الأجيال من الناشئة، داعياً إلى الاستهانة بأعمال المسلمين العظيمة، ومنادياً بالأخذ بما عليه الأوروبيون؛ حلوه ومره، ما يحمد منه وما يعاب.
ومن أمثلة كتاباته: في كتاب الفتنة الكبرى وهو من جزئين: الأول عن عثمان، والثاني عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، أخذ فيه ينتقص الصحابة ويشنع عليهم، ويصورهم بصورة السياسيين المعاصرين المحترفين، ويثير الشكوك حول نظام الحكم الإسلامي؛ ويظهر ذلك كذلك في كتبه: مرآة الإسلام – الشيخان - الوعد الحق.
 أمثلة من طعن طه حسين في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وافتراء الأكاذيب لتحقيق ذلك، والغمز واللمز في كتاباته عنهم: زعمه أن خالد بن الوليد رضي الله عنه تعمد قتل مالك بن نويرة، وأسرع بعد قتله إلى التزوج من امرأته لتعلقه بها([142]).
وأعقب ذلك بذكر تغاضي أبي بكر الصديق خليفة المسلمين عن فعلة خالد هذه لمكانة خالد عنده! ولم يستجب لرأي عمر بضرورة عزل خالد عن قيادة الجيش حفاظاً على المثل العليا([143]).
ويصف خالداً بحب سفك الدماء والتعطش لذلك، لذا كان يمعن في القتل ويسرف فيه بلا ضرورة!!
يقول عن خالد: (أنه قد هزم طليحة ورد أتباعه إلى الإسلام، ولكنه جعل يتتبع من المغلوبين من كان قتل المسلمين أو فتنهم، فإذا أخذهم لم يفلتهم، ولم تأخذه بهم رحمة؛ حتى أخاف الخارجين وملأ قلوبهم رهباً)([144]). ويقول: (والذين قرأوا تاريخ مكة يذكرون أنه خالف عن أمر النبي، وقتل من أهل مكة حتى أرسل النبي من كفه عن القتل)([145])
ويقول: (وهذا الخلق من أخلاق خالد هو الذي يفسر لنا موقفاً من مواقفه، أحفظ -أي: أغاظ- عليه عمر رحمه الله وطائفة من المسلمين، وهو موقفه من مالك بن نويرة)([146]).
ويقول عن حرب خالد لـمسيلمة الكذاب بـاليمامة: (قصد خالد اليمامة، فلقي جماعة من أهلها، فأخذهم على غرة، ثم أمر بقتلهم فقتلوا إلا رجلاً واحداً هو مجاعة بن فرارة؛ استبقاه أسيراً ووضعه في الحديد، وجعله عند زوجه أم تميم، وهي التي تزوجها بعد أن قتل زوجها مالك بن نويرة، وبعد قتل مسيلمة في الحديقة عرض مجاعة بن فرارة أسير خالد الصلح... ولما أمضى الصلح قال خالد لـمجاعة: زوجني ابنتك.. فزوجه ابنته، وبلغ النصر على مسيلمة أبا بكر، وبلغه أيضاً أن خالداً تزوج بنت مجاعة بن فرارة، فكتب إليه يعنفه: (لعمري يا ابن أم خالد إنك لفارغ تنكح النساء وبفنائك ألف ومئتان من المسلمين لم يجف دمهم بعد)، قال الرواة: فلما نظر خالد في الكتاب قال: (هذا عمل الأعيسر) يريد عمر، وكان أعسر([147]).
فانظر إلى كلام طه حسين ملأه اتهامات وافتراءات، دون أن يذكر لذلك دليلاً، أو يشير إلى مرجع نقل عنه، أو يذكر أسماء رواة أخذ عنهم.
 ثم ما هذا الدس الرخيص؟ ماذا يقصد بقوله: (إن خالداً قد استبقى الأسير عند زوجه أم تميم) ثم (قال له: زوجني ابنتك)؟ ثم وصف كبار الصحابة أنهم يستخدمون ألفاظ السب، وأنهم يتنابزون بالألقاب فيما بينهم (ابن أم خالد) (الأعيسر).
واتهم خالداً أيضاً بأنه قتل عدداً ضخماً من أسرى الفرس ليكون من دمائهم نهراً، وفاءً لقسم كان قد قطعه على نفسه من قبل! يقول طه حسين: (مضى المسلمون في تتبع المنهزمين حتى أخذوا منهم عدداً ضخماً، وأراد خالد أن يبر يمينه؛ فصد الماء عن النهر، وجعل يقدم الأسرى فيضرب أعناقهم في مجرى النهر، وزعم الرواة أنه أقام على ذلك يوماً وليلة حتى قال له القعقاع بن عمرو، وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وآخرون معه، وقد راعهم ما رأوا من الإسراف في قتل الأسرى: إن الدماء لا تجري وإن الأرض تنشف الدماء، فأجر الماء تبر يمينك، فلما أجرى الماء إلى النهر جرى ذلك النهر دماً، فسمي نهر الدم، وقد يكون الرواة أسرفوا في المبالغة، ولكن المحقق أن خالداً أمعن في القتل، وهذه صورة أخرى من صور العنف في أخلاق خالد)([148]).
ولإظهار عمر في صورة كئيبة قاتمة يقول عنه: (كان يشق على نسائه، فيفرض عليهن حياة قاسية لا يستحبها النساء، كان شديداً عليهن في الكسوة، وشديداً عليهن في الرزق، وشديداً عليهن في سيرته كلها، يدخل عليهن عابساً، ويخرج عنهن عابساً، كما قالت إحدى النساء وقد خطبها ذات يوم، فامتنعت عليه وكرهت عبوسه وخشونة عيشه)([149]).
ووصف عمر بن الخطاب بالبطش، وذكر أنه لم يمت حتى ملَّته قريش([150])، وادعى أن الصحابة كانوا ينافقونه، فقال عنهم: (وكان الذين يعودون منهم إلى المدينة يلقون عمر فيتكلفون التجمل بسيرته، ويحتالون في ألا يظهر على دقائق أحدهم وحقائقه، يلقونه مظهرين الشظف وغلظة الحياة وخشونة العيش، ليرضى عنهم ويطمئن إليهم، فإذا خلوا إلى أنفسهم أو خلا بعضهم إلى بعض أخذوا بما ألفوا من لين الحياة، وأشفقوا على عمر من حياته الخشنة تلك في كثير من الإكبار له والإعجاب به)([151])وقال أيضاً: (إن الناس كانوا يعارضون حكم عمر، ولكنهم يخشونه ويخافون منه)([152]).
زعم طه حسين أن عمر رضي الله عنه اشتد في عقابه للذين يشربون الخمر، وابتكر أشياء لم يكن للمسلمين عهد بها أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وفرض لشرب الخمر حداً لم يكن معروفاً من قبله، يقول: فالله حرم الخمر في القرآن الكريم، ولكنه لم يفرض على شارب الخمر عقاباً محدداً في الدنيا، وإنما ترك ذلك لما ادخر للمخالفين عن أمره ونهيه من العقاب يوم القيامة([153]).
وزعم أن عمر رضي الله عنه ابتدع في الدين عبادات لم تكن في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، كصلاة التراويح في ليالي رمضان([154]).
في كتابه الوعد الحق أسهب في الكلام عن ظلم عثمان رضي الله عنه، وقال في كتابه الفتنة الكبرى: (فسياسة عثمان في العزل والتولية، لم تكن ملائمة للعهد الذي أعطاه، وليس من شك في أن الذين ضاقوا بهؤلاء العمال، وثاروا عليهم، ونقموا من عثمان توليتهم لم يكونوا مخطئين) الفتنة الكبرى جـ(1/189)([155]).
وينكر وجود عبد الله بن سبأ اليهودي لنفي الدور الذي لعبه في إثارة الفتنة فيقول: (إن أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء -أي: عبد الله بن سبأ - إنما كان متكلفاً منحولاً، قد اخترع بآخرة حين كان الجدال بين الشيعة وغيرهم من الفرق الإسلامية، أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا في أصول هذا المذهب عنصراً يهودياً؛ إمعاناً في الكيد لهم والنيل منهم، أما أنا فلا أعلل الأمرين إلا بعلة واحدة وهي أن ابن السوداء لم يكن إلا وهماً) الفتنة الكبرى جـ(2/90-91)([156]).
 فجذور الخلاف عند طه حسين تعود إلى الصحابة أنفسهم وليست لـعبد الله بن سبأ، يقول: (والخلاف بين الصحابة أقوى من أن يحتاج لمثل ابن السوداء)([157]). فالفتنة إذن سببها الصحابة أنفسهم!! لذا يقول: (إن الفتنة عربية، نشأت من تزاحم الأغنياء على الغنى والسلطان، ومن حسد العامة لهؤلاء الأغنياء)([158]).
كما أنكر طه حسين أيضاً ما ذكر من تأليه ابن السوداء لـعلي بن أبي طالب، مع أن ذلك ثابت عند العلماء الأثبات، ولكنه الدفاع عن هذا اليهودي الخبيث([159]).
كما أنكر أيضاً الدور المفسد الذي قام به الثوار أتباع ابن سبأ في الوقيعة بين صفوف المسلمين في نزاع علي ومعاوية رضي الله عنهما، بل جعلهم من المخلصين لـعلي بن أبي طالب، ومن الساعين للصلاح، يقول طه حسين عنهم: (فـابن السوداء لم يخرج مع علي إلى الشام، وأصحاب ابن السوداء خرجوا معه، ولكنهم كانوا أنصح الناس له وأوفى الناس بعده، وأطوع الناس لأمره، لم يتمردوا ولم يسعوا بالفساد بين الخصمين، وإنما سمعوا وأطاعوا وأخلصوا الإخلاص كله) الفتنة الكبرى جـ(2/90)([160]).
 وهذه شهادة من محب متيم بهؤلاء السبئية، أعماه حبهم عن حقائق التاريخ، فوصفهم بالإخلاص والوفاء والنصح!! وفي المقابل نسب السوء والفساد والخلاف إلى درجة الفتنة، إلى الصحابة أنفسهم لا يستثني أحداً منهم!! ولسان حال (عميد المفسدين) أنه (لا حاجة لمخرب يمشي بين الصحابة، لقد كان الخراب قد استحوذ عليهم وراحوا يقاتلون بعضهم بعضاً عن قصد وتصميم، لا عن خطأ ووشاية)([161]).
وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يقول طه حسين: تأخر عن بيعة عثمان ثم بايعه، ولما اشتد الخلاف كان من المؤلبين والمشاركين في حصار عثمان، وكان يبحث عن الثراء، فهلك وأهلك، ثم بايع علياً ونكث البيعة، ثم هرب إلى مكة، ومن مكة سار إلى البصرة لقتال علي عندما علم أن علياً لن يمكنه من الولاية وجمع المال، وبعد أن اصطلح طلحة والزبير على هدنة مع عثمان بن حنيفة عامل علي على البصرة عادا ونكثا الهدنة([162]).
وطلحة رضي الله عنه من العشرة المبشرين بالجنة، وممن عرفوا ببذل المال وجزيل العطاء للآخرين من غير مسألة، فكيف يوصف بسوء الخلق، والحرص على المال وجمعه، والخروج على الخلفاء الراشدين ونكث العهد، والحرص على الولاية؟!!
وعن سبب خروج عائشة إلى البصرة أثناء نزاع علي ومعاوية يقول: (وكانت تنكر على علي فيما أعتقد أمرين آخرين:
أحدهما لم يكن لـعلي فيه خيرة: فقد تزوج فاطمة بنت رسول الله، ورزق منها الحسن والحسين، فكان أبا الذرية الباقية للنبي، ولم يتح لها هي الولد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان هذا العقم يؤذيها في نفسها.
أما الأمر الآخر: فهو أن علياً قد تزوج أسماء الخثعمية بعد وفاة أبي بكر رحمه الله، وأسماء هي أم محمد بن أبي بكر الذي نشأ في حجر علي، فكانت عائشة تجد على علي لهذا كله). الفتنة الكبرى جـ(2/26)([163]).
ويصف عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أيضاً، فيدعي أنها وهي على جملها كانت تخطب الناس وتحثهم على القتال، بلسان زلق ومنطق عذب، وحجة ظاهرة قوية([164]).
ويقول عن عمار بن ياسر: (وربما جادل في أن عثمان قد قتل مؤمناً أو كافراً... وقد خاصم الحسن بن علي على ذلك، كان الحسن يرى أن عثمان مات مؤمناً، وكان عمار يزعم أنه مات كافرا) الوعد الحق (ص:171)([165]).
ولا ندري من أين جاء بهذا؛ إذ كيف يجادل عمار في كفر عثمان وهو من العشرة المبشرين بالجنة، ومكانته عند النبي صلى الله عليه وسلم معروفة؟
وعن معاوية رضي الله عنه يقول: (ولقد ضاق معاوية برجل عظيم الخطر من أصحاب النبي؛ هو أبو ذر.. ولم يستطع أن يبطش به لمكانه من رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإيثاره إياه، ولسابقته في الإسلام، ولم يستطع أن يفتنه عن دينه بالمال) الفتنة الكبرى (جـ2/ 57)([166]).
 وعن عمرو بن العاص يقول طه حسين: كان يكره بيعة علي؛ لأنه لا ينتظر من هذه البيعة منفعة أو ولاية أو مشاركة في الحكم، ولهذا انضم إلى معاوية، وكان ابنه عبد الله يرى أن أباه قد باع دينه بثمن قليل([167]).
ويقول عنه أيضاً: وهنا يظهر عمرو بن العاص الذي لم يكن أقل دهاء، ولا أدنى مكراً، ولا أهون كيداً من معاوية([168]). كما اتهمه أنه بدد خراج مصر([169]).
ويقول عن معركة صفين: (فما أستبعد أن يكون الأشعث بن قيس، وهو ماكر أهل العراق وداهيتهم قد اتصل بـعمرو بن العاص، ماكر أهل الشام وداهيتهم، ودبروا هذا الأمر بينهم تدبيراً) الفتنة الكبرى (جـ2/ 81)([170])
 
 ضوابط الكتابة عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم:
واعلم -أخي القارئ- أن هناك من الضوابط الشرعية والعلمية، ما ينبغي مراعاتها لمن يكتب عن تاريخ الإسلام عامة، وتاريخ الصحابة رضي الله عنهم خاصة، منها:
1- أن جيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين لهم تميز، يوجب على من يكتب عنهم النظر في سيرتهم بما يوافق ما قدموه من أعمال، ومالهم من مناقب وفضائل، فإن لهم ما ليس لغيرهم من قوة الإيمان، ونصرة الدين، والجهاد الصادق في سبيل الله، ونشر الدين، وتعليمه للناس، وتبليغه في الآفاق، مع عدالتهم وإخلاصهم في القول والعمل، لذا أثنى الله عليهم ومدحهم في الكثير من آيات كتابه، وجعل من صفات الصالحين ممن جاء بعدهم أن يبجلهم ويدعو ويستغفر لهم ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].
وأخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم خير قرون الأمة، لذا كان من الواجب على من يتعرض لسيرتهم؛ أن يجعل همه إبراز فضائلهم، وذكر مناقبهم، وبيان قدرهم وشرفهم، ونشر أعمالهم الصالحة، ليحبب فيهم شباب الأمة ويحملهم على الاقتداء بهم، والتأسي بأعمالهم، والاعتزاز بالانتساب إليهم، وبذلك يرتبط حاضر الأمة بماضيها العريق، ويستكمل الأبناء مسيرة الآباء.
2- أن يكون الكاتب ممن يلتزمون بالإسلام علماً وعملاً، فليس من المقبول أن يقيم أعمال رجالات الإسلام من لا يعرف الإسلام؛ عقيدة ومعاملات وأخلاقيات وسلوكيات، وهي بلا شك تؤثر في حياة المسلم -المطلوب تقييمها- عملاً وفكراً ومنهجاً وسلوكاً.
 ولهذا رأينا المستشرقين يسيئون فهم مواقف في تاريخ الإسلام، ويصورون أصحابها كمحترفي السياسة المعاصرين، وطلاب الدنيا والمتنازعين عليها، هذا بالإضافة إلى ما في صدور هؤلاء المستشرقين من الحقد للإسلام، والكره للمسلمين الأوائل، أصحاب الفتوحات العظيمة، والذين على أيديهم سقطت دولة الروم.
وليس من المقبول فيمن يكتب عن المسلمين أن لا يكون عدلاً ثقة، صالحاً في عمله، مستقيماً في خلقه، وإلا فكيف يستأمن على كتابة تاريخ المسلمين وتقييم أحداثه، أما إذا كان الكاتب ممن لا يقيم لدين الإسلام وزناً، بل قد يهاجمه صراحة أو بأسلوب ملتوٍ، فكيف لهذا أن يكتب عنه، وأنى لهذا أن يأخذ الناس تاريخهم منه؟
3- أن يلتزم الكاتب الأخذ من المصادر والمراجع الإسلامية، ويقدمها على غيرها، فإنها مصادر مبنية على منهج علماء الإسلام في كتابة التاريخ، وأهم ما يميزه التثبت في الأخبار بإثبات أسانيد الروايات المنقولة، والحكم عليها من خلال نظرة إسلامية ثابتة للمواقف والأحداث، فالمصادر التاريخية الإسلامية على نوعين:
(أ) مصادر في إثبات الروايات: وهي مصادر تعتمد على الأسانيد في نقل الروايات.. وقد وضع علماء الحديث قواعد لمعرفة الروايات الصحيحة من السقيمة، واتبعوا في ذلك منهجاً دقيقاً مدوناً في كتب مصطلح الحديث، ومأخوذاً من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
والهدف من ذلك: التثبت في الرواية، بالسؤال عن الرواة، والنظر في الأسانيد، لتمييز المتصل من المنقطع، ولمعرفة العدول من الرواة وضع العلماء علم الجرح والتعديل، كما أن هناك قواعد للموازنة بين الروايات المختلفة للترجيح بينها، وهذه العلوم يجب على الكاتب أن يلم بها، وهذه المصادر يجب على الكاتب الرجوع إليها.
 (ب) مصادر في تقييم الحوادث والحكم عليها: إذ أن تفسير حوادث التاريخ والحكم على المواقف، وتقييم الرجال؛ ينبع من نظرة الكاتب ومنهجه في النقد والحكم، ومن يكتب عن الإسلام ورجاله يجب ألا يخرج عن نظرة الإسلام ومنهجه في الكون والإنسان والحياة، فلا يجوز أن يكون التفسير تفسيراً مادياً، يحصر المؤثرات على حركة التاريخ البشري على عوامل مادية بحتة، كما في الفكر الماركسي عند الكتاب اليساريين، ولا يجوز أن يكون تفسيراً يعتمد على أثر البيئة الخارجية، كما عند كتاب الفكر المادي الغربي، إن التفسير للتاريخ يجب أن يراعي دور الإنسان ومسئوليته عن التغيير الاجتماعي، في إطار الأحكام الشرعية الموضحة لما هو حق وصواب، وما هو باطل وخطأ.
والخلاصة: لابد أن يعتمد الكاتب على المصادر الإسلامية وأن يكون ملماً بعلم الرواية (دراسة الأسانيد) وملماً بعلم الدراية (نقد المتون والحكم عليها) ومحيطاً بالنظرة الإسلامية في تقييم الأحداث، وإلا فلا ثقة فيما ينقل من روايات، ولا اطمئنان لما أبدى فيها من أحكام وآراء.
* وهناك تنبيهات هامة ذكرها العلماء إرشاداً للناس فيما يتعلق بهذا الشأن منها:
1- أن ثابت العدالة والإمامة لا يلتفت إلى قول من يطعن فيه، وفي مقدمة هؤلاء العدول: صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يلتفت إلى من جرح فيهم. قال الطبري: (ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح، وما تسقط العدالة بالظن) فتح الباري للحافظ ابن حجر جـ(2/151-152)، وقال الإمام أحمد بن حنبل: (كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل تجريح أحد حتى يتبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه) من تهذيب التهذيب للحافظ (7/273).
2- أن من طعن في الأئمة المعتبرين المشهود بعدالتهم ارتد طعنه عليه، فمن طعن في ثقات الأمة فالطعن فيه أولى، قال الحسن بن حميد:
يا ناطح الجبل العالي ليكلمه                     أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
 وقال الأعشى:
كناطح صخرة يوماً ليوهنها                      فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
قيل لـابن المبارك: فلان تكلم في أبي حنيفة فأنشد:
حسدوك إذ رأوك فضلك الله                    بما فضلت به النجباء
3- أن أعراض المسلمين عامة، والعدول الثقات منهم خاصة؛ يحرم التعرض لها والطعن فيها إلا ببرهان واضح لاشك فيه، ومصلحة شرعية ترجح على ضرر اغتيابهم، قال ابن دقيق العيد: (أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام)، لذا فعلى من يتكلم في حق الرجال أن يتقي الله تبارك وتعالى ويتثبت مما يقول.
4- أن من تكلم في إمام عدل استقرت عدالته في الأذهان، وتناقل الرواة فضائله، فقد جر الملام إلى نفسه، فإن كان كلامه بالهوى ونحوه فقد جرح نفسه، وزلت قدمه، وعرض عرضه للانتقاص، إلا إذا كان من علماء الشرع الأثبات فلا يطعن فيه بمجرد ذلك، فربما كان واهماً فيما نقل أو متأولاً أو نقل ما يظنه صادقاً وليس كذلك، وبالجملة: فخطؤه هو فيه معذور مجتهد، من باب حسن الظن به، إذ هو من أهل العلم الشرعي ورجاله، فتبقى عدالة من جرح فيه، ولا يلتفت إلى كلام الطاعن فيه، ولا نجرح الطاعن بذلك.
5- أن قول العلماء أن (الجرح مقدم على التعديل) فهذا في حالة تعارض الجرح والتعديل للراوي، فإن تعارضا قدمنا الجرح؛ خاصة إذا كان مفسراً، لما فيه من زيادة العلم، أما من اتفقت الأمة على عدالته، وكثر مزكوه من نقاد الرجال وعلماء الجرح والتعديل، وانتفت عندهم الظنون عنه والتهم، ثم أراد رافع رفعها بجرح، ولم يأت بالدليل الدامغ، مع كون الرافع غير سالم من سوء الظن به، وليس من أهل النقد المعتبرين، فلاشك في رد جرحه وعدم الالتفات إلى طعنه.
 فلو طعن طاعن في الشافعي -مثلاً- فلا يقبل طعنه ولو فسره وادعى عليه الدليل، لاتفاق الأمة على أن الطاعن غير محق، فكيف بمن هو أعظم وأجل عند الأمة من الشافعي من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؟
6- أن من أدب العلماء وطلاب العلم التأدب مع الأئمة الماضين من سلف الأمة، فإن عرضت لأحدهم شبهة في ذلك فليحسن الظن فيهم، ويسيء الظن بنفسه، ويضرب صفحاً عما عرض له، فإنه لم يخلق لهذا، فليشتغل بما يعنيه وليدع ما لا يعنيه([171]).
قال تاج الدين السبكي: (ولا يزال طالب العلم عندي نبيلاً، حتى يخوض فيما جرى بين السلف الماضين ويقضي لبعضهم على بعض)([172]).
وقد عاب العلماء على كثير من المؤرخين ممن ليسوا على علم بالرجال والجرح والتعديل، أو ممن عرفوا بالتعصب، أو كانت كتبهم مشحونة بالأخطاء في النقل، أو استطالوا على صفوة الخلق وأئمة الدين، أو أثنوا على أهل البدع والضلال... إلخ، فإن مثل أولئك ربما وضعوا من أناس ورفعوا أناساً، إما لتعصب أو لجهل، أو لاعتماد على نقل لا يوثق به، لذا اشترط العلماء في المؤرخ شروطاً منها:
1- الصدق في القول وعدالة الحال.
2- أن يعتمد في نقله من المصادر على اللفظ دون المعنى، إذ يخشى مع الرواية بالمعنى البعد عن مراد القائل فيختلف الحكم بين عبارة القائل وعبارة الناقل.
3- أن لا يكون الذي نقله كتبه من الذاكرة.
4- أن يسمي المنقول عنه.
 5- التحري فيما يراه من الكلام الذي يتضمن غمزاً أو جرحاً أو حطاً على أحد المعتبرين من السلف، فليس له إشاعة قول السوء على أحد العدول الثقات، فإنه على الغالب يكون مدخولاً عليهم.
قال الحافظ السخاوي في الإعلام بالتوبيخ (ص:63-65)([173]): (وأما شروط المعتنى بالتاريخ: فالعدالة، مع الضبط التام الناشئ عنه مزيد الإتقان والتحري، سيما فيما يراه من الوقائع التي كانت بين أعيان الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم، لما أمرنا من الإمساك عما كان بينهم، والتأويل له بما لا يحط من مقدارهم، ويلتحق بذلك ما وقع بين الأئمة، سيما المتخالفين في المناظرات والمباحثات) اهـ.
فإن تكلم في ترجمة شخص وتقييم أعماله، فيجب في المؤرخ:
1- أن يكون عارفاً بحال صاحب الترجمة علماً وديناً، وغيرهما من الصفات، وهذا عزيز جداً.
2- أن يكون حسن العبارة عارفاً بمدلولات الألفاظ.
3- وأن يكون حسن التصور، حتى يتصور حال ترجمته جميع حال ذلك الشخص، ويعبر عنه بعبارة لا تزيد عليه ولا تنقص عنه.
4- وأن لا يغلبه الهوى فيخيل إليه هواه الإطناب في مدح من يحبه، والتقصير في غيره، وأن يكون معه من العدل ما يقهر به هواه، ويسلك معه طريق الإنصاف.
 

الباب الثاني: حكم الطعن في الصحابة رضي الله عنهم:
ويشمل:
* حكم سب الصحابة.
* حكم تفسيق الصحابة.
* حكم تكفير الصحابة.
 
 حكم سب الصحابة:
حرم الإسلام سب المسلم، واتفق العلماء على أن سب الصحابة أو شتمهم أو الانتقاص منهم أو بغضهم هو أشد حرمة، واختلفوا في كفر الساب لهم على قولين:
الأول: يكفر بذلك.
الثاني: لا يكفر بل يفسق، ويقتل، أو يعزر بما دون القتل.
أما من كَفَّر فاعل ذلك، فلهم في ذلك فتاوى مختلفة:
* فمنهم من أفتى بأن من سبهم جميعهم كفر، ومن سب أحدهم استخفافاً بصحبته للنبي صلى الله عليه وسلم كفر بذلك:
قال ابن حجر الهيتمي: (ثم إن الكلام في سب بعضهم، أما سب جميعهم فلاشك أنه كفر، وكذا سب واحد منهم من حيث هو صحابي؛ لأنه استخفاف بالصحبة، فيكون استخفافاً به صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول الطحاوي (بغضهم كفر) فبغض الصحابة كلهم وبغض بعضهم من حيث الصحبة لاشك أنه كفر، وأما سب أو بغض بعضهم لأمر آخر، فليس بكفر، حتى الشيخين رضي الله عنهما) اهـ، الصواعق المحرقة (ص:379-380).
قال أبو بكر بن عبد العزيز في المقنع: فأما الرافضي فإن كان يسب فقد كفر فلا يزوج. (الصواعق المحرقة: (ص:383) وما بعدها).
* وممن كفر الرافضة([174]) أحمد بن يونس وأبو بكر بن هانئ وقالا: لا تؤكل ذبائحهم؛ لأنهم مرتدون.
 وقال عبد الله بن إدريس أحد أئمة الكوفة: ليس للرافضة شفعة؛ لأنه لا شفعة إلا لمسلم.
قال ابن حجر الهيتمي: (الظاهر أنهم أخذوا ذلك من إمامهم أبي حنيفة رضي الله عنه، وهو أعلم بالروافض؛ لأنه كوفي، والكوفة منبع الرفض) اهـ. (الصواعق ص:384).
وقال: (وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم، بقتل من سب الصحابة وكفر الرافضة) (الصواعق 383).
وقال ابن حجر الهيتمي: (ولم أجد في كلام أحد من العلماء أن سب الصحابة يوجب القتل، إلا ما يأتي من إطلاق الكفر من بعض أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة، ولم يصرحوا بالقتل).
* ومنهم من فرق بين استحلال ذلك أو عدم استحلاله، فمن استحل ما حرمه الإسلام من سب الصحابة كفر بذلك:
قال أبو يعلى الحنبلي: (الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة إن كان مستحلاً لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلاً فسق ولم يكفر) (نقلاً من الصواعق ص 383).
وعن أحمد بن يونس قال: لو أن يهودياً ذبح شاة وذبح رافضي؛ لأكلت ذبيحة اليهودي، ولم آكل ذبيحة الرافضي؛ لأنه مرتد عن الإسلام، قال: وصرح جماعات من أصحابنا بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من علي وعثمان، وبكفر الرافضة لسب جميع الصحابة، الذين كفروا الصحابة وفسقوهم وسبوهم([175]).
* ومنهم من أفتى بكفر الساب لأحد الشيخين أو عثمان أو عائشة رضي الله عنهم، ومعلوم أن هؤلاء الفضلاء، قد جاءت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة بما يفيد تزكيتهم وصلاحهم، وخاصة عائشة رضي الله عنها التي نزل القرآن الكريم ببراءتها، وهم جميعاً من أهل الجنة، فذكر ابن حجر الهيتمي أن سب أبي بكر كفر عند الحنفية، وأحد وجهين عند الشافعية.
وعن أحمد في رواية أبي طالب عنه، أن من شتم عثمان فهو زنديق، وعن ابن حجر الهيتمي قال: (ومن استحل ما حرم الله فقد كفر، ولعن الصديق وسبه محرمان، واللعنة أشد، وتحريم لعن الصديق معلوم من الدين بالضرورة، لما تواتر عنه من حسن إسلامه وأفعاله الدالة على إيمانه، وأنه دام على ذلك إلى أن قبضه الله تعالى) اهـ (ص:380 الصواعق).
قال القاضي حسين: من سب النبي صلى الله عليه وسلم يكفر بذلك، ومن سب صحابياً فسق، وأما من سب الشيخين أو الختنين([176]) ففيه وجهان:
أحدهما: يكفر؛ لأن الأمة أجمعت على إمامتهم.
والثاني: يفسق ولا يكفر، ولا خلاف أن من لا يحكم بكفره من أهل الأهواء لا يقطع بتخليده في النار، وهل يقطع بدخولهم النار؟ وجهان) اهـ. (نقلاً من الصواعق ص 382).
وعن مالك رحمه الله: (من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل)([177]).
وعن هشام بن عمار: (سمعت مالكاً يقول: من سب أبا بكر وعمر قتل، ومن سب عائشة رضي الله عنها قتل؛ لأن الله تعالى يقول فيها: ((يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) [النور:17] فمن رماها فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قتل).
وسئل محمد بن يوسف الفريابي عمن شتم أبا بكر قال: كافر. قيل: يصلى عليه؟ قال: لا. (نقلاً من الصواعق ص:383).
 وسئل: كيف يصنع به وهو يقول لا إله إلا الله؟ قال: لا تمسوه بأيديكم ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ما ملخصه: (ومن خص بعضهم بالسب، فإن كان ممن تواتر النقل في فضله وكماله كالخلفاء، فإن اعتقد حقية سبه أو إباحته فقد كفر، لتكذيبه ما ثبت قطعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومكذبه كافر، وإن سب من غير اعتقاد حقية سبه أو إباحته فقد تفسق؛ لأن سباب المسلم فسوق، وقد حكم بعضهم فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقاً والله أعلم، وإن كان ممن لم يتواتر النقل في فضله وكماله، فالظاهر أن سابه فاسق، إلا أن يسبه من حيث صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك كفر) اهـ.([178]).
 أدلة القائلين بتكفير الساب للصحابة:
1- أن الساب لهم منكر لما أجمعت عليه الأمة من حرمة سبهم، وراٌّد لما هو معلوم من الدين بالضرورة من حسن إسلامهم، ومخالف لما جاءت به الآيات والأحاديث الصحيحة في فضل الصحابة، ومنزلتهم الطيبة عند الله عز وجل ورضاه عنهم.
2- قال تعالى: ((وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ)) [الفتح:29].
فالكفار يغاظون بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن غيظ بهم فقد شارك الكفار فيما أخزاهم الله به، وقوله تعالى: ((لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ)) تعليق للحكم بوصف مشتق مناسب؛ لأن الكفر مناسب لأن يغاظ صاحبه، فإذا كان هو الموجب لأن يغيظ الله صاحبه بأصحاب محمد، فمن غاظه الله بأصحاب محمد فقد وجد في حقه موجب ذاك وهو الكفر، وممن أخذ بذلك الفهم مالك رحمه الله في رواية عنه، ووافقه عليه جماعة من الأئمة.
 3- لحديث: «الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضاً من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضى أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» (سبق تخريجه).
فمن أبغض الصحابة وتكرر منه إيذاؤهم، فقد آذى الله وآذى رسوله، وهذا من الكفر والعياذ بالله.
 مناقشة أدلة القائلين بتكفير ساب الصحابة:
لاشك أن سب الصحابة رضي الله عنهم من أكبر الذنوب، ورمي المؤمنين بغير ما اكتسبوا إنما هو من البهتان والإثم الكبير، والمسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، وأعراض الصحابة أولى بالحفظ من أعراض غيرهم، ومن سب مسلماً وجب تعزيره، وسب الصحابي يستوجب تعزيراً أشد، أما القول بكفر ساب الصحابة فيعارضه:
1- أن الصحابة أنفسهم لم يكفروا من وقع في سبهم من أهل البدع والأهواء، خاصة مع وقوع المشاجرات وظهور الفرق بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وقتال علي ومعاوية رضي الله عنهما، وما صاحب ذلك من المخاصمات والمدافعات، ونشوب الاقتتال، وانقسام الناس كل يميل إلى فريق ويعادي الفريق الآخر، حتى ذكر علماء السيرة أن من أتباع الفريقين من غالى في الخصومة، فوقع السب والشتم واللعن بين أهل الأهواء في مجالسهم وأحاديثهم، بل وعلى أعواد المنابر، فكانت معاداة الناصبة لـعلي بن أبي طالب وبنيه ومن والاهم، وكانت معاداة الشيعة لـمعاوية وأبنائه ومن والاهم، ولم يعلم عن أحد من الصحابة أنه كفّر من خاض من أهل الأهواء والبدع في أعراض الصحابة، مع ما في ذلك من الذنب العظيم والجرم الكبير، فدل إجماعهم ذلك على أن هذا السب ليس بكفر وردة تستوجب تطبيق حد الردة على قائله أو استتابته، قال في شرح المختار: وسب أحد من الصحابة وبغضه لا يكون كفراً، لكن يضلل، فإن علياً رضي الله عنه لم يكفر شاتمه. (نقلاً عن الصواعق 381).
 2- أن من الصحابة من سب غيره في العهد النبوي لخصومة بدرت بينهما، أو لأمر ظنه فيه، أو لموقف رآه قرينة منه على مخالفة شرع الله عز وجل ولم يعد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الشتم كفراً وردة، ولكن أنكر على فاعله في مواضع لخطئه، وسكت عنه أحياناً لكونه من الساب اجتهادا، فمن ذلك:
(أ) سب خالد رضي الله عنه لـعبد الرحمن بن عوف، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك ونهى عن سب أصحابه: «لا تسبوا أصحابي! فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم أو نصيفه» (حديث صحيح سبق تخريجه). وخالد صحابي جليل وعبد الرحمن بن عوف أجل منه، وأقدم صحبة، وأعظم باعاً، فإذا كان النهي لـخالد فلمن دونه أولى، ولو كان السب كفراً لبينه صلى الله عليه وسلم بياناً شافياً.
(ب) سب أحد الصحابة للمرأة الغامدية لما رجمت، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، وبيَّن أنها تابت توبة صادقة وغفر لها بها([179]).
(جـ) سبهم لرجل جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من شرب الخمر، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وبين أنه ممن يحبون الله ورسوله([180]).
(د) قول بعضهم لأحد زعماء الأنصار: (إنك منافق تجادل عن المنافقين)([181]).
3- أن سب عرض من لا يستحق السب فسوق، وهذا السب من هذا الفاسق لا يلزم منه معاداة المؤمنين، بل قد يواليهم ويعتقد مع سبه للمؤمن أنه تجب موالاته من جانب آخر، فيكون السب بغضاً من جانب، والموالاة موجودة مع ذلك من جانب آخر، فلا يلزم من مجرد السب للصحابي سوء المعتقد فيه وقطع موالاته، إلا إذا عرف ذلك من الساب بإقراره، أو بقرينة قوية منه تدل على سوء معتقده، وإلا فمجرد السب لا يلزم منه كفر صاحبه، والتعرف على الاعتقاد بمجرد السب متعذر، وليس كل ساب للصحابة من الرافضة ومن شابههم معه سوء معتقد، بل فيهم من الاختلاف في ذلك الكثير، بتعدد فرقهم وتقلبهم بين الاعتدال في الابتداع والإفراط فيه، فلا يساوى بين الجميع مع اختلافهم.
4- أن هذا السب وإن كان من الباطل المحرم، فإنه لا يضر الصحابة في شيء، فقد علم أهل الحق يقيناً من الأحاديث والآيات الصريحة ما يدل على صلاحهم، ويزيل عار السب عنهم، فهؤلاء الصحابة مبرؤون من ذلك، فليسوا ممن يستحقون شتماً أو سباً أو تكفيراً، فالخائض في أعراضهم معلوم كذبه وفسقه، ومخالفته لإجماع أهل العلم، وقوله مردود عليه، بل يسقطه في نظر أهل الحق، ويعد بفعله ذلك ضالاً مبتدعاً كاذباً مغتاباً آثماً، لا يعتد بقوله ولا حكمه، وهو مستحق للتأديب والتعزير والزجر الشديد، وطعنه في الصحابة -وهذا حاله عند أهل العلم- لا يترتب عليه رد أحكام الدين التي نقلوها والأحاديث التي رووها، والأخذ باجتهاداتهم وفتاويهم، فليس في سبهم إلا انتهاك أعراضهم، وهذا القدر لا يوجب عليه إلا التعزير المغلظ لا الحكم بكفره.
5- أن هؤلاء الجهال من الرافضة الذين يسبون الصحابة، يزعمون أن هذا السب من الحق وفيه التعظيم لأهل البيت، وهم وإن خالفوا في ذلك إجماع أهل الحق المؤيد بالأدلة القرآنية والأحاديث النبوية، إلا أنهم عندهم في ذلك تأويلات، ومعهم شبهات راجت عليهم، وفي بيئتهم الشيعية المبنية على الأكاذيب والخرافات والشناعات المشهورة عن فرقهم، ما يجعلهم بمثابة الجهال، ولا يصير صلاح الصحابة عندهم وحسن إسلامهم من المعلوم من الدين بالضرورة بالنسبة لهم، فليس في معتقد عوامهم أنهم مخالفون للإجماع الحق، وللصريح الواضح من دلالات القرآن والسنة، لذا وجب معاملتهم بمقتضى ذلك، فهم أشبه بالمتأولين من أهل الباطل والبدع، إلا من قامت عليه الحجة وزال عنه جهل ما علم بالضرورة عند أهل الحق أنه من الباطل قطعاً، فمن كان عالماً بذلك ليس جاهلاً ولا متأولاً، كأئمة الشيعة ورجال العلم فيهم، فلا ينسحب عليهم ذلك العذر([182]).
وقد يقع المرء في السب المحرم شرعاً، وهو لا يدري أن ذلك سب يخالف الدين، ويستحق عليه عقاب الله، بل قد يظنه ديناً معظماً.
ومثاله: النهي عن سب الدهر؛ لكونه سباً في الحقيقة لله عز وجل، الذي خلق الأفعال وأوجد الحوادث، وصاحب السب لم يقصد ذلك، ولم يعلم بحرمته، ويفعله ظناً منه أنه غير محرم.
فكيف بمن يسب الصحابة ولا يعتقد حرمة ذلك، بل يظن لشدة جهله ولشدة التلبيس عليه أن سبه للصحابة تديناً وتعظيماً لأهل البيت، فمن هذا حاله فيحتاج إلى تعليم وتصويب، وإقامة حجة، وأخذ على يديه، وردٍّ على شبهاته، وإزالة اللبس عنه قبل اعتباره متعمد التكذيب للإجماع والكتاب والسنة، والله تعالى أعلم.
6- أن السب للصحابي قد يكون لفاعله غرض من ذلك، مع اعتقاده حرمة السب للمسلم، لظنه أن الصحابة كتموا علماً، أو أحدثوا في حق أهل البيت ظلماً، أو هضموا لهم حقاً، أو قصروا في توقيرهم والدفاع عنهم، أو وقع منهم الخذلان لهم في الشدائد أو السكوت عما أصابهم.. إلخ، وكل ذلك وإن كان لا يشفع لصاحبه في استحقاقه التعزير والعقاب، ولكنه يدفع عنه اتهامه بالكفر، ولا يقال مثل ذلك في سب الرب عز وجل، أو سب نبيه صلى الله عليه وسلم، فإنه لا مصلحة لأحد ولا غرض في سب الله عز وجل، أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم، مع اعتقاده حرمة ذلك.
فإهانة الرجل لمن يجب عليه كرامته لا يوجب الحكم عليه بالكفر، كإهانة الرجل للوالدين ونحوهما، وهو بذلك مرتكب لكبيرة؛ لأنه أهان من إكرامه شرط في بره وطاعته لله وتقواه.
7- أما التفريق بين استحلال السب أو عدم استحلاله؛ كموجب لتكفير الساب فليس بمعتبر: فإن اعتقاد حل السب كفر سواء اقترن به وجود السب أو لم يقترن، فلا أثر إذاً للسب كفعل في التكفير وجوداً وعدماً، والساب إن اعتقد حل السب كافر وإن لم يسب، والناس يعلمون علماً عاماً أن الرجل قد يبغض الرجل ويعتقد فيه العقيدة القبيحة ولا يسبه، وقد يضم إلى ذلك مسبة وإن كانت مطابقة للمعتقد، فليس كل ما يحتمل عقداً يحتمل قولاً، ولا ما يحتمل أن يقال سراً يحتمل أن يقال جهراً).
8- إن هؤلاء السابين للصحابة ليس معهم جحود بالربوبية أو بالرسالة، أو إنكار لما جاءت به الشريعة، بل هم من المظهرين للإيمان بالله وبرسوله، وبكتابه وباليوم الآخر، ويعملون بشرائع الإسلام، من عبادات كالصلاة والصيام والحج، ومن المعاملات كإباحة ما أباحه الإسلام وتحريم ما حرمه الإسلام، ولهم ما بيناه سابقاً من الشبهات والتأويلات، وما انتشر في مجتمعاتهم من الأكاذيب والخرافات، والاتهامات المجحفة للرعيل الأول ما يعد بمثابة العذر لهم في مخالفتهم للشرع، والتجرؤ على سب صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.
وبتعبير آخر: فإن (أشخاص الصحابة لا يجب الإيمان بهم بأعيانهم، فسب الواحد لا يقدح في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر)([183]).
 أما ما حكاه بعض الحنابلة رواية عن أحمد أن شتم عثمان زندقة، وعليه فسب الشيخين كفر، فقد قال ابن حجر الهيتمي: وعندي أنهم غلطوا فيه؛ لأنهم أخذوه من قولهم: (شتم عثمان زندقة)، وعندي أنه لم يرد أن شتمه كفر وإلا لم يكن زندقة؛ لأنه أظهرها، وإنما أراد قوله المروي عنه في موضع آخر: (من طعن في خلافة عثمان فقد طعن في المهاجرين والأنصار) يعني أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أقام ثلاثة أيام ليلاً ونهاراً يطوف على المهاجرين والأنصار، يخلو بكل واحد منهم رجالهم ونسائهم، ويستشيرهم فيمن يكون خليفة، حتى اجتمعوا على عثمان، فحينئذ بايعه، فمعنى كلام أحمد أن شتم عثمان في الظاهر شتم له، وفي الباطن تخطئة لجميع المهاجرين والأنصار، وتخطئة جميعهم كفر، فكان زندقة بهذا الاعتبار، فلا يؤخذ منه أن شتم أبي بكر وعمر كفر، هذا لم ينقل عن أحمد أصلاً، فمن خرَّج من أصحابه رواية عنه مما قاله في شتم عثمان بقتل ساب أبي بكر مثلاً فلم يصنع شيئاً). اهـ.(الصواعق ص:378-379).
وذهب الكثير من العلماء إلى أن سب الصحابة فسق ليس بكفر:
وعمدتهم في ذلك فعل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، مع من عاداهم أو سبهم أو انتقص منهم أو بغضهم من الطوائف الضالة كـالناصبة (المعاندين لأهل البيت) والخوارج (الطاعنين في الصحابة)، لذا لم يكفر جمهور العلماء الخوارج أو الناصبة رغم ما اقترفوه في حق أئمة أهل البيت وفضلاء صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن حجر الهيتمي: (وأجمع القائلون بعدم تكفير من سب الصحابة على أنهم فساق) (الصواعق ص:383).
وعلى ذلك فسبهم وبغضهم فسق ليس بكفر، وهو كبيرة من الكبائر العظيمة، تستوجب التعزير والعقوبة، وفي الحديث: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»([184]) وهذا الذنب في حق الصحابة أشد.
 واختلفوا في عقوبة الساب وتعزيره: فذهب البعض إلى وجوب قتل الساب، وذهب آخرون إلى تعزيره بما دون القتل، من جلد وحبس وضرب وإيلام ونحوه.
 أما القول بقتل الساب للصحابة:
فمن ذلك:
* فتاوى طائفة من أهل الكوفة وغيرهم، بالقطع بقتل من سب الصحابة، ذكره ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة (ص:383).
* وعن عمر بن عبد الرحمن بن أبزى الصحابي القول بوجوب القتل على من سب أبا بكر رضي الله عنه (نقلاً من الصواعق: ص 383).
 أدلة القائلين بقتل ساب الصحابة:
1- أن بغض الصحابة وسبهم أذية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم تستوجب القتل([185]) ففي الحديث: «الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» (سبق تخريجه).
وقال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً)) [الأحزاب:57] وفي الحديث المرفوع: «من لـكعب بن الأشرف، فإنه آذى الله ورسوله»([186]) (الصارم: (ص:85).
2- أن سب غير الصحابي كبيرة تستوجب التعزير، فسب الصحابي يستحق تعزيراً أشد وأكبر، وأقصى تعزير هو القتل حداً([187])، حفظاً للأمة في أفضل قرونها، وتعظيماً لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ونصرة لهم، ومن العلماء من يجيز التعزير بالقتل، وليس أحد أحق بالقتل تعزيزاً من ساب الصحابة.
3- في الحديث القدسي المرفوع: «من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة»([188]). والصحابة أولياء بشهادة الأمة، ومن عاداهم فقد بارز الله عز وجل بالمحاربة، وجزاء المحاربة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم القتل.
4- وفي الحديث المرفوع: «لعن المؤمن كقتله» (متفق عليه) (انظر الصارم المسلول: ص 42). واللعن سب وشتم، والقاتل يقتل، فسب الصحابة يستوجب القتل.
5- أن سب الصحابة من الإفساد في الأرض، فالإفساد إما إفساد دنيوي في الدماء أو الأموال أو الفروج، وإما إفساد في الدين، وسب الصحابة والطعن فيهم منه، بل هو من أعظم الفساد، وتعزير صاحبه بالقتل؛ لإفساده من أعظم الإصلاح في الأرض. راجع الصارم (ص: 383-384).
 مناقشة أدلة القائلين بالقتل:
1- إن سلمنا أن السب لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فيه أذية لنبيه صلى الله عليه وسلم -مع أن الساب من أهل البدع والأهواء لهم لا يضرهم، لما علم من صلاحهم وحسن إسلامهم من القرآن والسنة- فإنه ليست كل أذية للنبي صلى الله عليه وسلم تستوجب القتل أو الكفر. قال تعالى: ((إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ)) [الأحزاب:53] وقال تعالى في المنافقين: ((وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ)) [التوبة:61].
 ولم تصرح الآيات مع هذه الأذية بتكفيرهم، ولم تأمر بقتلهم بذلك، وإن كان في نفسه من الذنوب الكبيرة، ولقد سب البعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فنهى عن سب أصحابه، ولم يبين أن أذيته بسبهم تستوجب قتلاً أو كفراً وردة، ولقد آذى البعض النبي صلى الله عليه وسلم برمي عائشة رضي الله عنها كذباً وزوراً في حادثة الإفك، ومع ذلك لم يأمر بقتلهم، وأقام حد القذف فقط على من ثبت عليهم القذف منهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم في شأن الذي تولى كبر حادثة الإفك: «من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي»([189]) ولم يأمر بقتله، وقد جاءت الآيات الكثيرة في النهي عن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر فيها أن ذلك يستوجب القتل، فليس كل إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم يوجب قتل فاعله.
2- أن قتل المسلم لا يكون إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق عمداً([190])، كما ثبت في الحديث (الحديث في الصحيحين)، ومن سب الصحابة معصوم الدم بإسلامه فلا يباح دمه إلا بيقين.
3- أن سب الصحابة يوجب التعزير، والإغلاظ في التعزير لا يستلزم القتل، والتعزير بالقتل محل خلاف، وأكثر العلماء لا يجيزون التعزير بالقتل، والصحابة أنفسهم لم يعزروا الساب لهم من أهل البدع والأهواء من الناصبة والخوارج بقتلهم لمجرد السب لهم، وعلى ذلك عمل السلف وفتاويهم:
قال ابن حبيب: من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدباً شديداً، ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد، ويكرر ضربه، ويطال سجنه حتى يموت، ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أحمد في من سب الصحابة: (أما القتل فأجبن عنه؛ لكن أضربه ضرباً نكالاً).
قال الحارث بن عتبة: (إن عمر بن عبد العزيز أتي برجل سب عثمان رضي الله عنه، فقال: ما حملك على أن سببته؟ قال: أبغضه، قال: وإن بغضت رجلاً سببته، قال: فأمر به فجلد ثلاثين سوطاً) وقال إبراهيم بن ميسرة: (ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنساناً قط إلا رجلاً شتم معاوية، فضربه أسواطاً) (رواهما اللالكائي).
وروى الإمام أحمد عن عاصم الأحول قال: (أتيت برجل قد سب عثمان، قال: فضربته عشرة أسواط، قال: ثم عاد لما قال فضربته عشرة أخرى، قال: فلم يزل يسبه حتى ضربته سبعين سوطاً).
وعن أبي برزة: (أغلظ رجل لـأبي بكر الصديق فقلت: أقتله؟ فانتهرني وقال: ليس هذا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه النسائي وأبو داود. وفي رواية: أنه شتم أبا بكر. (انظر الصارم: 93).
وسب رجل عمر بن عبد العزيز -سادس الخلفاء الراشدين- فكتب عمر: (أنه لا يقتل إلا من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن اجلده على رأسه أسواطاً، ولولا أني أعلم أن ذلك خير له لم أفعل) انظر الصارم (ص:205).
4- أن السب لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم من الجنايات الكبيرة، ولا يعلم حداً يوجب القتل يجوز إلحاق سب الصحابة به قياساً، وغاية ما في هذه الجناية تشديد العقوبة صيانة لأعراض الصحابة، فليست أعراضهم كأعراض غيرهم، فيليق المبالغة في التأديب لمن سبهم.
5- ويستأنس لذلك بحديث علي بن أبي طالب المرفوع على ضعفه: «من سب نبياً قتل، ومن سب أصحابه جلد» رواه أبو محمد الخلال وأبو القاسم الأرجي، ورواه أبو ذر الهروي ولفظه: «من سب نبياً فاقتلوه، ومن سب أصحابي فاجلدوه»([191]) قال ابن تيمية: (وفي القلب منه حزازة) انظر الصارم: (ص:92-93).
* وذهب آخرون إلى وجوب تعزير الساب للصحابة بما دون القتل من جلد وحبس وضرب وإيلام:
فمشهور مذهب مالك أن السب يجب به الجلد وليس بكفر.
قال القاضي عياض في سب الصحابة: قد اختلف العلماء فيه، ومشهور مذهب مالك فيه الاجتهاد والأدب الموجع، قال مالك رحمه الله: (من شتم النبي صلى الله عليه وسلم قتل، وإن شتم الصحابة أدب)، وقال أيضاً: (من شتم أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أو عمر أو معاوية أو عمراً بن العاص فإن قال: كانوا على ضلال أو كفر([192]) قتل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالاً شديداً) نقلاً من الصواعق (ص:382).
قال إسحاق بن راهويه: (من شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعاقب ويحبس، وهذا قول كثير من أصحابنا منهم ابن أبي موسى، قال: ومن سب السلف من الروافض فليس بكفر ولا يزوج، ومن رمى عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه فقد مرق من الدين، ولم ينعقد له نكاح مسلمة إلا أن يتوب ويظهر توبته، وهذا في الجملة قول عمر بن عبد العزيز وعاصم الأحول وغيرهما من التابعين)([193]).
 قال ابن حبيب من المالكية: (من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدباً شديداً، ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد، ويكرر ضربه، ويطال سجنه حتى يموت، ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي صلى الله عليه وسلم).
وقال سحنون من المالكية: (من كذب أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم علياً أو عثمان أو غيرهما يوجع ضرباً).
وقال أحمد فيمن سب الصحابة: (أما القتل فأجبن عنه لكن أضربه ضرباً نكالاً).
 أدلة القائلين بتعزير الساب بما دون القتل من حبس أو جلد:
أن السب للصحابة كبيرة من الكبائر، وصورة من صور العقوق([194])، ومخالفة الأمر القرآني بالاستغفار لهم، وطعن في أفضل قرون الخيرية في الأمة، تستوجب التعزير والعقوبة، ولكن ليس بالقتل، لما ثبت في الحديث الصحيح أن القتل لا يكون إلا بإحدى ثلاث:
1- زنا بعد إحصان.
2- قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق متعمداً.
3- الردة عن الإسلام. (سبق تخريجه).
ويؤيد ذلك امتناع الصحابة عن قتل مخالفيهم من الخوارج والناصبة بمجرد صدور السب منهم.
 
 حكم من فسق الصحابة:
اختلف العلماء فيمن فسق الصحابة أو طعن فيهم أو نسبهم إلى الظلم على قولين: فذهب البعض إلى كفر من فسق الصحابة: وعند من كفر من ساب الصحابة فتكفيره عندهم بتفسيقهم أو نسبتهم إلى الظلم وقلة الدين أولى.
ومن أدلة كفر من فسق الصحابة:
1- أن تفسيقهم معارض للنصوص الشرعية الثابتة الواردة في عدالتهم، وأنهم من أهل الجنة خاصة العشرة المبشرين، وجحد النصوص الشرعية كفر.
2- أن تفسيقهم مخالف لإجماع الأمة على عدالتهم، وحسن إسلامهم، وعظم إيمانهم، ورد الإجماع كفر.
3- أن من لوازم هذا الطعن فيهم الطعن فيما نقلوه لنا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بما يستوجب رد أحكام الشرع الثابتة، وهذا يستوجب الكفر.
4- من لوازم ذلك أذيتهم بذلك، وأذية النبي صلى الله عليه وسلم، وأذية الله عز وجل، وهذا كله من الكفر.
وذهب البعض إلى أن تفسيق الصحابة والطعن فيهم فسق ليس بكفر، واستدلوا على ذلك بأن الصحابة رضي الله عنهم أنفسهم لم يكفروا من طعن فيهم من أهل الأهواء، من الناصبة والخوارج، مع معاملتهم معاملة المبتدعين أو البغاة المحاربين.
 حكم من كفر الصحابة:
اختلف العلماء في حكم من كفر صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أو كفر أحدهم، على قولين: فذهب البعض إلى كفر من كفر الصحابة، فمن كفر الساب الشاتم لهم فتكفير المكفر لهم عنده أولى، ومن كفر المفسق لهم فتكفير المكفر لهم عنده أولى، وعن مالك رواية بتكفير الخوارج؛ لتكفيرهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فتكون المسألة عنده على حالين: إن اقتصر على السب من غير تكفير لم يكفر وإلا كفر، وعن مالك: (من شتم أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر أو معاوية أو عمراً بن العاص، فإن قال كانوا على ضلال أو كفر قتل) الصواعق (ص:382).
قال ابن حجر الهيثمي: (وقوله: يقتل من نسبهم إلى ضلال أو كفر حَسَنٌ إذا نسبهم إلى كفر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم شهد لكل منهم بالجنة) الصواعق (ص:382-383).
وعن سلمة بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: (قلت لأبي: يا أبت! لو كنت سمعت رجلاً يسب عمر بن الخطاب بالكفر، أكنت تضرب عنقه؟ قال: نعم). (رواه الإمام أحمد وغيره).
وعن سحنون من المالكية: من قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أنهم كانوا على ضلال وكفر قتل.
 أدلة القائلين بكفر من كفر الصحابة:
1- أن مكفري الصحابة منكرون لإجماع الأمة على عدالة الصحابة وحسن إسلامهم وسلامة إيمانهم، وأنهم مكذبون لما ثبت في القرآن والسنة من فضل الصحابة والثناء عليهم، وبما ورد في القطع لهم بالجنة؛ خاصة العشرة المبشرين بالجنة، وهذا الرد للإجماع المبني على ما ثبت في الكتاب والسنة من الكفر.
2- أن من لوازم تكفيرهم الطعن في الدين، بالطعن في كل ما نقلوه لنا من أحكام الدين ونصوصه، وهذا يوجب الطعن فيهم، فهم أولى بالطعن من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.
3- في الحديث المرفوع: «من رمى رجلاً بالكفر، أو قال عدو الله وليس كذلك، فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه» والصحابة -خصوصاً أكابرهم- مسلمون مؤمنون وليسوا أعداءً لله، فمكفرهم هو الكافر.
 4- من العلماء من كفر الخوارج المكفرين للصحابة، فإن قيل إن جمهور العلماء لم يكفروا الخوارج، فجوابه أن الخوارج في عهد الصحابة قالوا بكفر من لم يعلموا قطعاً بتزكيته إلى مماته، أما تكفير الرافضة ممن جاء بعدهم فمستلزم تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم فيمن قطع لهم بالجنة وماتوا على ذلك. انظر الصواعق: (ص:377).
5- أن تكفيرهم فيه أذية للنبي صلى الله عليه وسلم، وأذية لله عز وجل، وأذية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كفر.
 مناقشة أدلة المكفرين لمن كفر الصحابة:
لاشك أن القول بتكفير صحابة النبي صلى الله عليه وسلم من أشنع المقالات، ومن أعظم العقوق لهذا الجيل العظيم الذي أجمع أهل الحق على تبجيله وتوقيره جيلاً بعد جيل، وشهد لهم القرآن الكريم بالمنزلة، والفضل، والصدق، والإحسان، والإخلاص، والفلاح،، وشهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم من أهل الجنة؛ خاصة العشرة المبشرين، وأهل بدر، ومن شهدوا صلح الحديبية، فالقول بكفرهم، وأنهم ماتوا على الكفر -والعياذ بالله- ضلال مبين وبهتان كبير، والعجب كل العجب أن يتفوه من ينتسب إلى الإسلام بمثل هذه الشناعات، مع شهادة أصحاب الملل الأخرى الكافرة للصحابة رضي الله عنهم بالصلاح والإحسان، حتى عدهم أهل الشام لما رأوهم بأنهم كحواري عيسى عليه السلام.
وعلى ذلك فمن كفر من أجمع أهل الحق على حسن إسلامهم وسلامة إيمانهم، هو أحرى بأن يوصف بهذا الوصف، وإذا كان الإسلام الصحيح هو ما كان عليه هؤلاء الصحابة الأجلاء، وكنا مأمورين باتباعهم في هديهم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد سبق تخريجه. فوصفهم بالكفر هو من الكفر، ولكن يعارض القول بالكفر:
 (أ) أن الصحابة أنفسهم وجماهير الأمة على عدم تكفير الخوارج، الذي وقع منهم تكفير الصحابة وقتالهم والطعن فيهم، فسيرة الصحابة معهم وقتالهم كبغاة([195]) مبتدعين تفيد عدم تكفيرهم لهم، واعتبارهم من المتأولين المخطئين([196])، حتى وصفوهم بأنهم ما فعلوا ما فعلوه إلا فراراً من الكفر بزعمهم.
وأتباع الخوارج شهدوا وفاة العديد من الصحابة في حياتهم، ويرون أنهم ماتوا على الكفر، بل إنهم قتلوا علياً رضي الله عنه ولا يرونه إلا وقد قتل على الكفر بزعمهم، فدل ذلك كله على أن هدي جماهير السلف من الصحابة ومن بعدهم في عدم تكفير الخوارج، يفيد عدم كفر من كفر صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، أو من دونهم من أعيان الأئمة ممن أجمع على إمامتهم وصلاحهم، ويبقى الحساب في الآخرة بين يدي الله عز وجل، مع معاملتهم في الدنيا على أنهم من أهل البدع والضلال([197]).
(ب) إن بيئة هؤلاء المكفرين للصحابة من الرافضة -قبحهم الله- فيها ما فيها من الأقاويل العجيبة والشناعات العظيمة، والأكاذيب المستطيرة، والبهتان الصريح الذي انتشر بين عامتهم وكأنها حقائق لا تقبل الجدال، حتى وصفهم العلماء بأنهم أسفه الناس في العقليات وأكذبهم في النقليات، وقد دس مؤسسو مذهبهم على أئمة أهل البيت من الأحاديث والأخبار المكذوبة الكثير والكثير، في ذكر مثالب وطعون في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، مما يحمل على القول بأن تعظيم الصحابة وتوقيرهم والاعتراف بفضلهم، ليس هو من المعلوم بالدين بالضرورة عندهم، بل إن الطعن في الصحابة يعدونه عندهم تعظيماً لأهل البيت، وديناً يتقرب به إلى الله، خاصة مع تأويلاتهم الباطلة للآيات القرآنية الكريمة، وتفاسيرهم المعوجة التي وضعها لهم أئمتهم، وردهم للأحاديث النبوية الغير واردة عن شيعتهم.
فهذا كله يفسر ما وقع فيه هؤلاء العوام الجهال من الاعتقادات الشنيعة في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي بالنسبة لهم غير قطعية البطلان، وإن كانت ليست عذراً لهم فيما ذهبوا إليه يسقط معه عقابهم؛ لأن ذلك يعد شبهة يدرأ بها التكفير عنهم بما يجعلهم أشبه بالمتأولين الذين لا يكفرون قبل إقامة الحجة عليهم.
وهذا الوصف ينطبق على من اطلع على أدلة أهل السنة وعقائدهم وحججهم، ثم تمادى فيما هو عليه من الباطل ودعا إليه.
يقول ابن تيمية رحمه الله: (فتكفير المعين من هؤلاء الجهال([198]) وأمثالهم -بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار- لا يجوز الإقدام عليه، إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية، التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر، وهذا الكلام في تكفير جميع المعينين، مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة) اهـ الفتاوى (جـ12، ص 500).
وقال ابن تيمية في شأن الحرورية والرافضة وتكفير المعين منهم: (وأما تكفيرهم وتخليدهم([199]) ففيه أيضاً للعلماء قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد، القولان في الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم، والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين، هي كفر أيضاً، ولكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار؛ موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه، فإنا نطلق القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق، ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم المقتضي الذي لا معارض له.. فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة، وكثير من هؤلاء قد لا يكون قد بلغته النصوص المخالفة لما يراه، ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك، فيطلق أن هذا القول كفر، ويكفر من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها دون غيره، والله أعلم) اهـ (كلام ابن تيمية في الفتاوى جـ28، (ص:449، 501).
وقال ابن تيمية في الفتاوى: (جـ28: ص 476-477): (والفقهاء وإن تنازعوا في قتل الواحد المقدور عليه من هؤلاء، فلم يتنازعوا في وجوب قتالهم إذا كانوا ممتنعين، فإن القتال أوسع من القتل، كما يقاتل الصائلون العداة والمعتدون البغاة، وإن كان أحدهم إذا قدر عليه لم يعاقب إلا بما أمر الله ورسوله به.
وهذه النصوص المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج، قد أدخل فيها العلماء لفظاً أو معنىً من كان في معناهم من أهل الأهواء الخارجين عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة المسلمين، بل هؤلاء شر من الخوارج الحرورية، مثل الخرمية والقرامطة والنصيرية وكل من اعتقد في بشر أنه إله أو غير الأنبياء أنه نبي، وقاتل على ذلك المسلمين فهو شر من الخوارج الحرورية، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما ذكر الخوارج الحرورية؛ لأنهم أول صنف من أهل البدع خرجوا بعده، بل أولهم خرج في حياته، فذكرهم لقربهم من زمانه، كما خص الله ورسوله أشياء بالذكر لوقوعها في ذلك الزمان لمعان قامت بهم، وكل من وجدت فيه تلك المعاني ألحق بهم؛ لأن التخصيص بالذكر لم يكن لاختصاصهم بالحكم، بل لحاجة المخاطبين إذ ذاك إلى تعيينهم، هذا إذا لم تكن ألفاظه شاملة لهم) اهـ (كلام ابن تيمية).
 ويقول ابن تيمية في الفتاوى (جـ28/ ص:470-471): (وكذلك المبتدع الذي خرج عن بعض شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته وأموالهم؛ هو أولى بالمحاربة من الفاسق، وإن اتخذ ذلك ديناً يتقرب به إلى الله، ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أن هذه البدع المغلظة شر من الذنوب التي يعتقد أصحابها أنها ذنوب، وبذلك مضت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث أمر بقتال الخوارج من السنة، وأمر بالصبر على جور الأئمة وظلمهم، والصلاة خلفهم مع ذنوبهم، وشهد لبعض المصرين من أصحابه على بعض الذنوب أنه يحب الله ورسوله، ونهى عن لعنته([200])، وأخبر عن ذي الخويصرة وأصحابه -مع عبادتهم وورعهم- أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية) اهـ.
ويقول ابن تيمية في الفتاوى (جـ12/ ص50): (ومما ينبغي أن يعلم في هذا الموضوع، أن الشريعة قد تأمرنا بإقامة الحد على شخص في الدنيا، إما بقتل أو جلد أو غير ذلك، ويكون في الآخرة غير معذب، مثل قتل البغاة والمتأولين مع بقائهم على العدالة، ومثل إقامة الحد على من تاب بعد القدرة عليه توبة صحيحة.. بخلاف من لا تأويل له.. وكذلك نعلم أن خلقاً لا يعاقبون في الدنيا مع أنهم كفار في الآخرة، مثل أهل الذمة المقرين بالجزية على كفرهم، ومثل المنافقين المظهرين الإسلام، فإنهم تجري عليهم أحكام الإسلام وهم بالآخرة كافرون.. وهذا لأن الجزاء في الحقيقة إنما هو في الدار الآخرة التي هي دار الثواب والعقاب، وأما الدنيا فإنما يشرع فيها من العقاب ما يدفع به الظلم والعدوان.. وإذا كان الأمر كذلك فعقوبة الدنيا غير مستلزمة لعقوبة الآخرة ولا بالعكس... ولهذا أكثر السلف يأمرون بقتل الداعي إلى البدعة الذي يضل الناس، لأجل إفساده في الدين، سواء قالوا هو كافر أو ليس بكافر) اهـ.
 (ج) أما رجوع كلمة الكفر على قائلها إذا لم يكن المقالة له على الكفر حقاً، فإن في الحديث: «إن كان كما قال وإلا رجعت عليه» (سبق تخريجه). وهي تحتمل:
1- أن تكون للزجر والتخويف، لئلا يتجرأ مسلم بمثل هذا القول الخطير إلا بعد تثبت وروية.
2- وقد يكون المراد بالرجوع عليه رجوع أوزار هذه المقالة الكاذبة وآثامها على قائلها، لما فيها من الكذب والبهتان، ورمي المسلم بما ليس فيه.
فليس في الحديث ما يفيد التصريح الواضح بكفر قائل تلك المقالة، والله تعالى أعلم.
وذهب الآخرون إلى عدم تكفير من كفر الصحابة: واعتمدوا في ذلك على أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكفروا من كفرهم من الخوارج، ويدخل فيمن كفَّرهم الخوارج من علم قطعاً تكفير الخوارج لهم حتى بعد مماتهم، ومنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه نفسه، والذي قتله أحد الخوارج - عبد الرحمن بن ملجم - ويرى الخوارج أنه قتل على الكفر مع أنه من المبشرين بالجنة، المشهود له قطعاً بدخولها في الأحاديث الصحيحة المقبولة عند الأمة.
تنبيه:
قال ابن تيمية رحمه الله: (أما من اقترن بسبه دعوى أن علياً إله، أو أنه كان هو النبي وإنما غلط جبريل في الرسالة، فهذا لاشك في كفره، بل لاشك في كفر من توقف في تكفيره، وكذلك من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية ومنهم التناسخية، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم.
وأما من سبهم سباً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد ونحو ذلك، فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره لمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من العلماء.
وأما من لعن وقبح مطلقاً، فهذا محل الخلاف فيهم لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.
وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضع عشرة عشر نفساً، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضاً في كفره؛ لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار وفساق، وأن هذه الآية التي هي: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110] وخيرها هو القرن الأول؛ كان منهم كفار أو فساق، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، ولهذا تجد عامة من ظهر عليه شيء من هذه الأقوال، فإنه يتبين أنه زنديق، وعامة الزنادقة إنما يستترون بمذهبهم) اهـ.
فائدة:
من رمى أم المؤمنين عائشة بما برأها الله منه، فهو كافر كفراً يخرج من الملة؛ لتكذيبه بما أخبر الله به من براءتها، قال ابن كثير: (وقد أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سبها بعد هذا، ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر معاند للقرآن، وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي، والله أعلم) اهـ([201]).
 توبة من سب الصحابة:
سئل رحمه الله تعالى([202]): عن رجلين تنازعا في ساب أبي بكر، أحدهما يقول: يتوب الله عليه. وقال الآخر: لا يتوب الله عليه؟
فأجاب([203]): الصواب الذي عليه أئمة المسلمين، أن كل من تاب تاب الله عليه، كما قال الله تعالى: ((قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) [الزمر:53] فقد ذكر في هذه الآية أنه يغفر للتائب الذنوب جميعاً، ولهذا أطلق وعمم.
وقال في الآية الأخرى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء:116]، فهذا في غير التائب، ولهذا قيد وخصص، وليس سب بعض الصحابة بأعظم من سب الأنبياء أو سب الله تعالى، واليهود والنصارى الذين يسبون نبينا سراً بينهم؛ إذا تابوا وأسلموا قبل ذلك منهم باتفاق المسلمين، والحديث الذي يروى: «سب صحابتي ذنب لا يغفر» كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشرك الذي لا يغفره الله يغفره لمن تاب باتفاق المسلمين، وما يقال: إن في ذلك حقاً لآدمي يجاب عنه من وجهين:
أحدهما: أن الله قد أمر بتوبة السارق والملقب، ونحوهما من الذنوب التي تعلق بها حقوق العباد، كقوله: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) [المائدة:38]* ((فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [المائدة:39] وقال: ((وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ)) [الحجرات:11]، ومن توبة مثل هذا أن يعوض المظلوم من الإحسان إليه بقدر إساءته إليه.
الوجه الثاني: أن هؤلاء متأولون، فإن تاب الرافضي من ذلك، واعتقد فضل الصحابة، وأحبهم ودعا لهم، فقد بدل الله السيئة حسنة كغيره من المذنبين. اهـ([204]).
* وسئل أيضاً رحمه الله تعالى: عن فرقة من المسلمين يقرون بالشهادتين، ويصومون، ويحجون، ويخرجون الزكاة، ويجاهدون أنفسهم في مرضاة الله، غير أنهم يكفرون سابي صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرجوا لأحد توبة إذا تاب، وأن المصر على ذلك مخلد في النار.. إلى آخر السؤال؟
 فأجاب: الحمد لله، هؤلاء قوم مسلمون لهم ما لأمثالهم من المسلمين، يحاسبهم الله على إيمانهم بالله ورسوله، وطاعتهم لله ورسوله، ولا يذهب بذلك إيمانهم وتقواهم بما غلطوا فيه من هذه المسائل، في سائر طوائف المسلمين الذين أصابوا في جمهور ما يعتقدونه ويعملونه، وقد غلطوا في قليل من ذلك، فهؤلاء بمنزلة أمثالهم من المسلمين، وقولهم: إن توبة ساب الصحابة لا تقبل، وأنه مخلد في النار؛ خطأ، بل الذي عليه السلف والأئمة كالأئمة الأربعة وغيرهم: أن توبة الرافضي تقبل كما تقبل توبة أمثاله، والحديث الذي يروى: «سب صحابتي ذنب لا يغفر» حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم، ولو قدر صحته فالمراد من لم يتب، فإن الله يأخذ حق الصحابي منه.
وأما من تاب فقد قال الله تعالى: ((قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) [الزمر:53] وهذا في حق التائب: أخبر أنه يغفر جميع الذنوب، وساب الصحابة إذا كان يعتقد جواز ذلك، فهذا مبتدع ضال كسائر الضلال، والحق في ذلك لله، كمن سب الرسول معتقداً أنه ساحر أو كاذب، فإذا أسلم هذا قبل الله إسلامه، كذلك الرافضي إذا تبين له الحق وتاب قَبِل الله منه، وإن كان يقر بتحريم ذلك فهو ظالم، كمن قذف غيره واغتابه، ومظالم العباد تصح التوبة منها، ويدعو لهم ويثنى عليهم بقدر ما لعنهم وسبهم، فإن الحسنات يذهبن السيئات اهـ.([205]).
* سئل رحمه الله عن رجل قال عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنه ليس من أهل البيت، ولا تجوز الصلاة عليه، والصلاة عليه بدعة؟
فأجاب: أما كون علي بن أبي طالب من أهل البيت، فهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين، وهو أظهر عند المسلمين من أن يحتاج إلى دليل، بل هو أفضل أهل البيت، وأفضل بني هاشم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه أدار كساءه على علي وفاطمة وحسن وحسين فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» (سبق تخريجه).
وأما الصلاة عليه منفرداً، فهذا ينبني على أنه هل يصلى على غير النبي صلى الله عليه وسلم منفرداً؟ مثل أن يقول: اللهم صل على عمر أو علي، وقد تنازع العلماء في ذلك، فذهب مالك والشافعي وطائفة من الحنابلة إلى أنه لا يصلي على غير النبي صلى الله عليه وسلم منفرداً، كما روي عن ابن عباس أنه قال: (لا أعلم الصلاة تنبغي على أحد، إلا على النبي صلى الله عليه وسلم).
وذهب الإمام أحمد وأكثر أصحابه إلى أنه لا بأس بذلك؛ لأن علي بن أبي طالب قال لـعمر بن الخطاب: (صلى الله عليك) وهذا القول أصح وأولى.
ولكن إفراد واحد من الصحابة والقرابة كـعلي أو غيره بالصلاة عليه دون غيره، مضاهاة للنبي صلى الله عليه وسلم، بحيث يجعل ذلك شعاراً معروفاً باسمه هذا هو البدعة([206]).
 

الباب الثالث: نظرة أهل السنة لأهل البيت النبوي رضي الله عنهم:
نظرة أهل السنة لأهل البيت النبوي رضي الله عنهم:
 من هم أهل البيت:
اختلف العلماء في من هم المقصود بـ (أهل البيت) ولهم في ذلك عدة أقوال منها:
1- أنهم أهل الكساء: وهم علي وفاطمة والحسن والحسين وأولادهم رضي الله عنهم خاصة، لما ورد في الحديث أنه لما نزلت الآية: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فدخل معهم تحت كساء خيبري وقال: «هؤلاء أهل بيتي» وقرأ الآية وقال: «اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» (أخرجه الترمذي وغيره، وقال: هذا حديث غريب). وفي بعض الروايات: امتناعه صلى الله عليه وسلم من إدخال أم سلمة تحت الكساء بعد سؤالها ذلك([207]).
ولما نزل قول الله تعالى: ((فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)) [آل عمران:61] دعاهم صلى الله عليه وسلم فاحتضن الحسين، وأخذ بيد الحسن، ومشت فاطمة خلفه، وعلي خلفهما فعلم أنهم المراد من الآية، ودل على أن أولاد فاطمة يسمون أبنائه صلى الله عليه وسلم، وينسبون إليه نسبة صحيحة.
وزعم أصحاب هذا الرأي أن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخلن في أهل البيت، لأن آية سورة الأحزاب بيَّن الحديث المقصود بأهل البيت فيها، وهم أهل الكساء، كما أنه لو كانت الزوجات أهل البيت لقيل: (يذهب عنكن)، (يطهركن تطهيراً)، بصيغة التأنيث لا التذكير، وممن فسر الآية بذلك الكلبي، وبهذا القول أخذ الشيعة المنتسبون إلى علي بن أبي طالب.
2- أهل البيت أهل السكنى: وهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لا رجل معهن، ففيهن نزلت آية سورة الأحزاب: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33] فيتضح ذلك من السياق القرآني قبل الآية وبعدها: فقد قال تعالى قبلها: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً)) [الأحزاب:28].. ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ)) [الأحزاب:30].. ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ)) [الأحزاب:32] الآية.
وقال تعالى بعدها: ((وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً)) [الأحزاب:34] فالسياق قبل وبعد الآية خطاب لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ففصل الآية عما قبلها أو بعدها يجعل الآية في أهل الكساء خاصة، وما قبلها وما بعدها متعلق بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم؛ ينافي تناسب سياق الآيات، فتعين أن المراد بأهل البيت صاحبات الحجرات أهل السكنى، المأمورات بذكر ما يتلى في بيوتهن من القرآن، وما يتعلمن من السنة النبوية المطهرة، فالبيت يراد به مساكن النبي صلى الله عليه وسلم.
 أما الاحتجاج بأن آية الأحزاب جاء الخطاب فيها بصيغة التذكير لا التأنيث، فلا حجة فيه عند أصحاب هذا الرأي، إذ يمكن أن يكون الخطاب خرج على لفظ الأهل، كما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك؟ أي: امرأتك ونساؤك، فيقول: هم بخير. قال الله تعالى: ((قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)) [هود:73] فالأهل مذكر، فسماهن -وإن كن إناثاً- باسم التذكير لذلك، ويوافق ذلك الفهم مخاطبة الزوجة والإخبار عنها بصيغة (الأهل) في آيات من القرآن كقوله تعالى: ((فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)) [القصص:29].
وفي حديث أبي حميد الساعدي المتفق عليه مرفوعاً: «اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم..» الحديث، فجعل الأزواج والذرية مقام آل محمد، فدل على أنهم أهل البيت دون غيرهم([208]) والقول بذلك مذهب عطاء وعكرمة وابن عباس.
3- أهل البيت أهل النسب والقرابة: فقيل هم بنو هاشم، يدل عليه أن البيت يراد به بيت النسب، فيراد به العباس وأعمامه وبنو أعمامه، وهذا القول مروي عن الثعلبي، وقيل: بل المراد من حرمت عليهم الصدقة من أقربائه صلى الله عليه وسلم، وهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس رضي الله عنهم، فسرهم بذلك زيد بن أرقم كما في صحيح مسلم، والصحابي أعرف بمراده صلى الله عليه وسلم، فيكون قرينة على التعيين، وقيل: هم قرابته صلى الله عليه وسلم من غير تقييد، وهو مروي عن جماعة من أهل العلم([209]).
4- كل من اتبعه صلى الله عليه وسلم فهو من آله: فالمراد بأهل البيت كل أتباعه صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمتهم قرابته وأزواجه وذريته.
قال صاحب معارج القبول: (آله صلى الله عليه وسلم: وهم أتباعه وأنصاره إلى يوم القيامة، كما قيل:
 
آل النبي هم أتباع ملته                           على الشريعة من عجم ومن عرب
لو لم يكن آله إلا قرابته                         صلى المصلي على الطاغي أبي لهب
ويدخل الصحابة في ذلك من باب أولى، ويدخل فيه أهل بيته من قرابته وأزواجه وذريته من باب أولى)([210])اهـ، ومن أدلة ذلك قول عبد المطلب في أبيات له:
وانصر على آل الصليب                         وعابديه اليوم آلك
والمراد بآل الصليب أتباعه.
ومن الأدلة قوله تعالى: ((أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)) [غافر:46] والمراد أتباع فرعون.
وفي تفسير أهل البيت بذلك عدة أحاديث ولكنها ضعيفة، فعند الطبراني مرفوعاً: «آل محمد كل تقي» من حديث علي وأنس رضي الله عنهما([211])، وفي القاموس أن آل الرجل أهله وأتباعه([212]) وقد قال صلى الله عليه وسلم: «سلمان منا أهل البيت» وسلمان رضي الله عنه ليس بعربي، وليس من أقربائه، فهو فارسي من العجم.
5- أهل البيت يدخل فيهم أزواجه وقرابته الذين حرموا الصدقة، ففي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم خطب أصحابه قرب رابغ، مرجعه من حجة الوداع قبل وفاته بنحو شهر، فقال: «إني تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.. ثلاثاً» فقيل لـزيد بن أرقم -راوي الحديث-: من أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: (نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرم الصدقة بعده. قيل: من هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس رضي الله عنهم. قيل: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم)([213]). فدل ذلك على دخول الزوجات -وهو واضح من آيات سورة الأحزاب- إلى جانب من تحرم عليه الصدقة من أقربائه صلى الله عليه وسلم لتفسير زيد بن أرقم الأهل بذلك، وهو أعلم بمراده صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: إن حديث الكساء في صحيح مسلم حصر الآل في علي وفاطمة والحسن والحسين وذريتهما، فالجواب كما قال الشوكاني أن يقال: (إن كان هذا التركيب يدل على الحصر باعتبار المقام أو غيره، فغاية ما فيه إخراج من عداهم بمفهومه، والأحاديث الدالة على أنهم أعم منهم، كما ورد في بني هاشم وفي الزوجات، مخصصة بمنطوقها لعموم هذا المفهوم، واقتصاره صلى الله عليه وسلم على تعيين البعض عند نزول الآية، لا ينافي إخباره بعد ذلك بالزيادة؛ لأن الاقتصار ربما كان لمزية للبعض، أو قبل العلم بأن الآل أعم من المعينين. ثم يقال: إذا كانت هذه الصيغة تقتضي الحصر فما الدليل على دخول أولاد المجللين بالكساء في الآل، مع أن مفهوم هذا الحصر يخرجهم، فإن كان إدخالهم بمخصص وهو التفسير بالذرية، وذريته صلى الله عليه وسلم هم أولاد فاطمة؛ فما الفرق بين مخصص ومخصص) اهـ([214]).
قال القرطبي: (وإنما هذا شيء جرى في الإخبار أن النبي عليه السلام لما نزلت عليه الآية دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين، فعمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى كساء فلفها عليهم، ثم ألوى بيده إلى السماء فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»([215]) فهذه دعوة من النبي صلى الله عليه وسلم لهم بعد نزول الآية؛ أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج، فذهب الكلبي ومن وافقه فصيرها لهم خاصة، وهي دعوة لهم خارجة من التنزيل) اهـ([216]).
فإق قيل: آل النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه، فيرده قوله صلى الله عليه وسلم: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي» الحديث وهو في صحيح مسلم وغيره (من حديث زيد، وسبق تخريجه قريباً) فإنه لو كان الآل جميع الأمة لكان المأمور بالتمسك به والأمر المتمسك به شيئاً واحداً، وهو باطل([217]).
ويؤيد القول بأن الزوجات من الآل، والذرية من الآل: حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» رواه أبو داود وسكت عنه، وسكت عنه المنذري أيضاً، وفي إسناده عند أبي داود أبو جعفر اختلف فيه، ورواه النسائي بإسناد اختلف في أبي جعفر وحبان بن يسار من رواته([218]).
ففي الحديث ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الآل مجملاً ومبيناً، وذكر فيه الزوجات والذرية، وأمر المصلي على أهل البيت أن يصلي عليهم.
ونسبة البعض أحياناً من غير القرابة والذرية والأزواج إلى أهل البيت، فهذا للتشريف والتنويه بفضله، وهو بذلك موافق لعموم معنى (الأهل) لغة، وليس المراد به كونه من قرابته وأهله على الحقيقة، وعلى ذلك يحمل قوله صلى الله عليه وسلم لـسلمان: «سلمان منا أهل البيت» وقوله لـواثلة بن الأسقع: «أنت من أهلي».
فمن قال إن أزواجه صلى الله عليه وسلم لسن من أهل البيت، ففي آية سورة الأحزاب الرد عليه من سياق القرآن، ومن قال: إن فاطمة وعلياً والحسن والحسين ليسوا داخلين فيها فأحاديث لفهم بالكساء ترد عليه.
قال ابن كثير: (لكن إذا كان أزواجه من أهل بيته فقرابته أحق بهذه التسمية)([219]).
قال ابن حجر المكي في التسمية بأهل البيت: (إن له إطلاقين: إطلاقاً بالمعنى الأعم، وهو ما يشتمل جميع الآل تارة والزوجات أخرى، ومن صدق في ولائه ومحبته أخرى، وإطلاقاً بالمعنى الأخص، وهم الذين ذكروا في خبر مسلم) اهـ([220]). يعني حديث زيد رضي الله عنه عند الإمام مسلم رحمه الله.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم لـواثلة: «وأنت من أهلي»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «سلمان منا أهل البيت» وقوله صلى الله عليه وسلم: «أسامة منا أهل البيت» فقال فيه ابن حجر المكي: (فهذه منهم باعتبار صدق صحبته وعظيم قربه وولائه) اهـ([221]).
ويشترط للانتفاع بنسب أهل البيت السلامة من الشرك والكفر، والقيام بالعمل الصالح، والتمسك بالسنة، وإلا فمع الكفر لا ينفع هذا النسب، وقد قال نوح عليه السلام يدعو ربه: ((إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)) [هود:45] فقال تعالى: ((إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)) [هود:46] لكونه مات كافراً، ومعلوم أن الابن من الأهل نسباً وقرابة.
ودعا لوط عليه السلام: ((رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ)) [الشعراء:169] فقال تعالى: ((فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ)) [الشعراء:170]* ((إِلاَّ عَجُوزاً)) [الشعراء:171] أي امرأته ((فِي الْغَابِرِينَ)) [الشعراء:171]* ((ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ)) [الشعراء:172] والزوجة من الأهل كما ذكرنا، ولكن مع كفرها وخيانتها([222]) لم ينفعها ذلك.
فالراجح إذن أن أهل البيت: هم الذين حرمت عليهم الصدقة، وهم آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل عباس، وبنو الحارث بن عبد المطلب، وكذلك أزواجه من أهل بيته كما دل عليه سياق آية الأحزاب، وأفضلهم([223]) علي وفاطمة والحسن والحسين الذين، أدار عليهم الكساء وخصهم بالدعاء([224]).
 
 الآيات القرآنية في فضل أهل البيت:
وردت الآيات الكثيرة في بيان فضل أهل البيت، ومنزلتهم العالية عند ربهم، ووجوب تعظيمهم وتوقيرهم وتبجيلهم واحترامهم، والتقرب إلى الله تعالى بذلك. فمن هذه الآيات:
1- قول الله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33].
((وَيُطَهِّرَكُمْ)) بإلهامهم الإنابة وإدامة العمل الصالح، وإرشادهم إلى ما فيه صلاحهم وتوفيقهم إليه.
((تَطْهِيراً)) مبالغة في التطهير وإكثاراً منه تعظيماً لهم، والآية تشير إلى اصطفاء الله عز وجل لأهل البيت بالمنزلة الرفيعة والمكانة العالية، وأنه يريد لهم الطهر والصلاح تعظيماً لشأنهم، وفي ذلك الدليل الواضح على مكانتهم العظيمة عند ربهم، وتوجب علينا توقيرهم وتعظيمهم واحترامهم لمحبة الله لهم وقربهم منه.
2- قول الله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [الأحزاب:56].
وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم سئل كيف يصلى عليه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.. الحديث» قال ابن حجر الهيتمي المكي: (دليل ظاهر على أن الأمر بالصلاة على أهل بيته وبقية آله مراد من هذه الآية) اهـ الصواعق المحرقة (ص:225).
والأمر بالصلاة عليهم والتسليم عليهم فيه تشريف لهم، وتعظيم ودعاء لهم برفع المنزلة وبلوغ الدرجات العالية في الآخرة، وقد ذكر الرازي -رحمه الله- أن أهل البيت يساوونه([225]) صلى الله عليه وسلم في خمسة أمور:
 1- في السلام.
2- في الصلاة عليه وعليهم في التشهد.
3- في الطهارة.
4- في تحريم الصدقة عليهم.
5- في محبتهم، قال تعالى: ((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)) [الشورى:23].
قال أبو العالية: (صلاة الله تعالى على نبيه ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء)، وقال غير واحد من أهل العلم: صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار. قال ابن كثير: (والمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعاً) اهـ([226]). وعلمنا من الأحاديث الموضحة لكيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، أن لأهل بيته نصيباً من ذلك، ففيه ثناء عليهم وتشريف لهم وإخبار عن منزلتهم الرفيعة عند ربهم.
3- قول الله تعالى: ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)) [الضحى:5].
روى الحاكم مرفوعاً وصححه: «وعدني ربي في أهل بيتي، من أقر منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم».
وفي الحديث وصححه ابن حجر الهيتمي المكي: «يا بني عبد المطلب -وفي رواية: يا بني هاشم- إني قد سألت الله عز وجل لكم أن يجعلكم رحماء نجباء، وسألته أن يهدي ضالكم، ويؤمن خائفكم، ويشبع جائعكم» انظر الصواعق المحرقة (ص:242).
وذكر القرطبي عن ابن عباس والسدي: (رضى محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار).
 وعن ابن عباس: (إن الله يرفع ذرية المؤمن معه في درجته وإن كانوا دونه في العمل، ثم قرأ: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)) [الطور:21)].
4- قول الله تعالى: ((فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)) [آل عمران:61].
في تفسير الآية أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج لمباهلة وفد نصارى نجران أخذ معه علياً وفاطمة والحسن والحسين من أهله، وعادة العرب عند المباهلة أن يخرج الرجل بأحب الناس وأقربهم إليه للمباهلة، فإخراجهم تشريف لهم وبيان لمنزلتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم، ومكانتهم وقربهم منه، وبالتالي منزلتهم الرفيعة ومكانتهم العظيمة عند ربهم عز وجل.
5- قول الله تعالى: ((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً)) [الشورى:23] وقد ذكر في تفسيرها عدة أقوال منها:
الأول: قال ابن كثير: (أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش: لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم ما لا تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني، وتذروني أبلغ رسالات ربي إن لم تنصروني، فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة) اهـ، وذكر البخاري أن ابن عباس رضي الله عنه قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة» وهذا القول مروي عن الشعبي والضحاك، وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم.
الثاني: وهو مروي أيضاً عن ابن عباس عند أحمد وابن أبي حاتم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجراً إلا أن تودوا الله تعالى، وأن تقربوا إليه بطاعته» روي عن الحسن البصري مثله، قال ابن كثير: (وهذا كأنه تفسير ثان يقول: إلا المودة في القربى أي: إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى) اهـ.
الثالث: وهو مروي عن ابن جبير أنه قال: (إن معنى ذلك أن تودوني في قرابتي، أي: تحسنوا إليهم وتبروهم) قال ابن كثير رحمه الله: (والحق تفسير هذه الآية بما فسرها به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كما رواه عنه البخاري) يعني القول الأول المذكور، ثم قال رحمه الله: (ولا ننكر الوصاة بأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخراً وحسباً ونسباً، ولاسيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم كـالعباس وبنيه، وعلي وأهل بيته وذريته رضي الله عنهم أجمعين) اهـ.
فالواجب نحو أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (محبتهم وتوليهم، وإكرامهم لله ولقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولإسلامهم وسبقهم وحسن بلائهم في نصرة دين الله، وغير ذلك من فضائلهم، فاحترامهم ومحبتهم والبر بهم من توقيره صلى الله عليه وسلم واحترامه، وامتثالاً لما جاء في الكتاب والسنة من الحث على ذلك، قال تعالى: ((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)) [الشورى:23])([227]).
قال ابن تيمية في الفتاوى (جـ4/ ص:496-497) في سؤال يتعلق بـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: (وأما الصلاة عليه -يعني: علياً - منفرداً، فهذا ينبني على أنه هل يصلى على غير النبي صلى الله عليه وسلم منفرداً؟ مثل أن يقول: اللهم صل على عمر أو علي، وقد تنازع العلماء في ذلك، فذهب مالك والشافعي وطائفة من الحنابلة إلى أنه لا يصلى على غير النبي صلى الله عليه وسلم منفرداً، كما روي عن ابن عباس أنه قال: (لا أعلم الصلاة تنبغي على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم). وذهب أحمد وأكثر أصحابه إلى أنه لا بأس بذلك لأن علي بن أبي طالب قال لـعمر بن الخطاب: (صلى الله عليك) وهذا القول أصح وأولى، ولكن إفراد واحد من الصحابة والقرابة كـعلي أو غيره بالصلاة عليه دون غيره مضاهاة للنبي صلى الله عليه وسلم بحيث يجعل ذلك شعاراً معروفاً باسمه، هذا هو البدعة) اهـ.
 الأحاديث النبوية الواردة في فضل أهل البيت:
ورد في فضل أهل البيت أحاديث نبوية كثيرة تبين منزلتهم وفضلهم ووجوب محبتهم وتوقيرهم، وأن هذا من تمام الإيمان، فمن تلك الأحاديث:
عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: «يا رسول الله! كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (متفق عليه).
وقد ذهب مالك إلى منع الصلاة على غير الأنبياء مطلقاً بالاستقلال أو بالتبع، وأجازها أبو حنيفة تبعاً فقط، وعند أحمد يجوز ذلك مع الكراهة، وأجازها البخاري مطلقاً.
وفصّل ابن القيم: فأجازها مطلقاً على آل الرسول وأزواجه وذريته وعلى الملائكة وأهل الطاعة، وكرهها على غير هؤلاء على التعيين، وحرمها إذا جعل شعاراً كما تفعل الرافضة مع علي رضي الله عنه.
وأخرج مسلم وغيره عن واثلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».
وفي الحث على التمسك بالكتاب والسنة، وبالعلماء بهما من أهل البيت النبوي، وأن هؤلاء الثلاثة يبقون إلى قيام الساعة، ما جاء عند مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم خطب أصحابه قرب رابغ مرجعه من حجة الوداع، قبل وفاته بنحو شهر فقال: «إني تارك فيكم ثقلين أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثاً» (صحيح سبق تخريجه). وفي رواية زيادة: «فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض».
قال ابن حجر المكي: (ولهذا الحديث طرق كثيرة عن بضعة وعشرين صحابياً) وقال أيضاً: (سماهما ثقلين إعظاماً لقدرهما؛ إذ يقال لكل خطر شريف: ثقلاً، أو لأن العمل بما أوجب الله من حقوقهما ثقيل جداً، ومنه قوله تعالى: ((إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)) [المزمل:5] أي له وزن وقدر؛ لأنه لا يؤدى إلا بتكليف ما يثقل، والإنس والجن ثقلين لاختصاصهما بكونهما قطتان الأرض، وبكونهما فضلا بالتمييز على سائر الحيوان) اهـ. الصواعق (ص:342). والحديث حث على التمسك بالعارفين بالكتاب والسنة من أهل البيت.
وفي الحديث المرفوع: «ألا إن عيبتي التي آوي إليها أهل بيتي، وإن كرشي الأنصار، فاعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم». ذكر ابن حجر المكي أنه حديث حسن. عيبتي: ظاهري وجمالي. كرشي: باطني. الصواعق المحرقة (ص:339).
قال ابن حجر المكي: (وهذا غاية في التعطف عليهم والوصية بهم) الصواعق (ص:339-340).
وفي الحديث عند مسلم وغيره: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي» (صحيح سبق تخريجه).
قال ابن حجر المكي: (العترة: الأهل والنسل والرهط الأدنون) الصواعق (ص:231) وقال: (وقيل في العترة: إنهم العشيرة، وقيل: الذرية) الصواعق حاشية (ص:32).
وعند الترمذي عن ابن عمر مرفوعاً: «إن الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا» وهو في الصحيح. (صحيح سبق تخريجه) وللترمذي عن أسامة بن زيد مرفوعاً: «هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما» (صحيح سبق تخريجه). الصواعق المحرقة: (ص:290-291).
 عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة رضي الله عنها أخبرتها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـفاطمة: «ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة؟» (رواه البخاري في فضائل الصحابة 78/7)، باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الأنبياء، باب علامات النبوة في الإسلام، وفي المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، وفي الاستئذان. ورواه مسلم في فضائل الصحابة (4/ 1904/ ح2450) باب فضل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم.
وجاء من طرق عديدة ذكر ابن حجر الهيتمي أنه يقوي بعضها بعضاً: «إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا» (رواه الحاكم عن أبي ذر مرفوعاً) (الصواعق ص 234، 352، 282).
وقال أيضاً: (وشيعته هم أهل السنة؛ لأنهم الذين أحبوهم كما أمر الله ورسوله، وأما غيرهم فأعداؤه في الحقيقة؛ لأن المحبة الخارجة عن الشرع، الحائدة عن سنن الهدى؛ هي العداوة الكبرى) اهـ. الصواعق (236، 264).
وفي الصحيحين مرفوعاً: «يا فاطمة! ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين؟» الصواعق المحرقة (ص:289).
وفي الحديث المرفوع قال صلى الله عليه وسلم: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعم، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي» (رواه الترمذي وقال: حسن غريب ورواه الحاكم). وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية. الصواعق المحرقة: (ص:344، 262).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إني أحبهما فأحبهما، وأبغض من أبغضهما» (رواه الطبراني في الكبير، وابن أبي شيبة).
وعند الترمذي وأحمد مرفوعاً: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» وعند الترمذي والحاكم مرفوعاً: «أحب أهلي إليّ فاطمة». وللمنذري مرفوعاً: «أحب أهل بيتي إليّ الحسن والحسين» الصواعق المحرقة (ص:290).
 حديث أبي سعيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا ما بال أقوام يزعمون أن رحمي لا تنفع، والذي نفسي بيده إن رحمي لموصولة في الدنيا والآخرة، ألا وإني فرطكم أيها الناس على الحوض، ألا وسيجيء قوم يوم القيامة فيقول القائل منهم: يا رسول الله! أنا فلان بن فلان، فأقول: أما النسب فقد عرفت، ولكنكم ارتددتم بعدي ورجعتم القهقرى» (رواه أبو داود الطيالسي، وأحمد، وعبد بن حميد، وأبو يعلى، والحاكم في المستدرك، والضياء المقدسي في المختارة).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (جـ1/ ص 364): رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد وثق، وفي رواية الهيثمي مغايرة لفظية لا تؤثر في معناه، وانظر جمع الجوامع (الجامع الكبير) للسيوطي حديث رقم (500) جـ1/ العدد 28/ في السنن القولية ط. مجمع البحوث الإسلامية.
وفي الانتفاع بالانتساب إليه صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة: قال في الصواعق المحرقة في (ص:346): (وصح أنه صلى الله عليه وسلم قال على المنبر: «ما بال رجال يقولون أن رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنفع قومه يوم القيامة، والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة؛ لأني أيها الناس فرطكم على الحوض» ولا ينافي هذه الأحاديث ما في الصحيحين وغيرهما «أنه لما نزل قوله تعالى: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) [الشعراء:214]، خرج فجمع قومه، ثم عم وخص بقوله: لا أغني عنكم من الله شيئاً، حتى قال: يا فاطمة بنت محمد» إما لأن هذه الرواية محمولة على من مات كافراً، أو أنها خرجت مخرج التغليظ والتنفير، أو أنها قبل علمه بأنه يشفع عموماً وخصوصاً، وجاء عن الحسن رضي الله عنه أنه قال لرجل يغلو فيهم: (ويحكم أحبونا لله، فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا، فقال له الرجل: إنكم ذوو قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير عمل بطاعته..؟ لنفع بذلك من هو أقرب إليه منه، وإني أخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين) اهـ. الصواعق المحرقة: (ص:346).
ولأجل هذا النسب برسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم بنت فاطمة وعلي رضي الله عنهما وهي صغيرة.
 وعن العباس رضي الله عنه قال: «يا رسول الله! إن قريشاً إذا لقي بعضهم بعضاً لقوهم ببشر حسن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها، فغضب صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، وقال: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ورسوله». وفي رواية: «والله لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتهم مني». رواهما ابن ماجة.
وعند أحمد: «حتى يحبهم لله ولقرابتي». وعند الطبراني: «أيرجون أن يدخلوا الجنة بشفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلب». وذكر ابن حجر المكي عن ابن الجوزي تصحيح حديث العباس. (الصواعق المحرقة ص 345). وفي الصحيحين عن المسور بن مخرمة مرفوعاً: «إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها»([228]).
أخرج أحمد والحاكم عن المسور مرفوعاً: «فاطمة بضعة مني، يغضبني ما يغضبها، ويبسطني ما يبسطها، وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري». الصواعق المحرقة (ص:285).
وعند الترمذي وحسنه عن بريدة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا، إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله ((إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ)) [التغابن:15] نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما»([229]).
 حديث ابن مسعود مرفوعاً: «إن فاطمة حصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار». (أخرجه الطبراني (1/ 257/ 1) والعقيلي في الضعفاء ((ص:286) وابن عدي في الكامل (ق 249/ 1) وابن عساكر (5/ 23/ 1) و(17/ 386/ 1). وفي أسانيدها ضعفاء، وقد روى أبو نعيم في أخبار أصبهان (2/ 206-207) ابن الرضا أن هذا الحديث خاص بـالحسن والحسين وجاء في رواية للحديث: «ولمن أطاع الله منهم»، وهذا تأويل جيد، ولكن الحديث ضعيف الإسناد جداً.
حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـفاطمة: «إن الله غير معذبك ولا ولدك» أخرجه الطبراني (3/ 131/ 2) وفيه: إسماعيل بن موسى بن عثمان الأنصاري: مجهول، وأحمد بن ما بهرام الأندجي لم يرد فيه جرح أو تعديل، فالحديث ضعيف، وانظر السلسلة الضعيفة والموضوعة حديث رقم (457).
حديث عمران بن حصين المرفوع: «سألت ربي عز وجل لا يدخل من أهل بيتي النار فأعطانيها» أخرجه ابن بشران في الأمالي (56/ 1) وفيه ثابت بن أبي صافية ليس بثقة، ومحمد بن يونس وهو وضاع مشهور، انظر السلسلة الضعيفة والموضوعة حديث رقم (322).
ومن فضلهم أيضاً ما ورد في أن المهدي المنتظر سيكون من ولد فاطمة عليها السلام، وفي ذلك دلالة على أن البركة في نسل فاطمة رضي الله عنها، وأنه يخرج منها النسل الطيب.
قال ابن حجر المكي: (وقد ظهرت بركة دعائه صلى الله عليه وسلم في نسلها، فكان منه من مضى ومن يأتي، ولو لم يكن في الآتين إلا الإمام المهدي لكفى) الصواعق المحرقة: (ص:249).
وعند البخاري عن أبي بكرة مرفوعاً: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» يعني: الحسن، (سبق تخريجه).
وفي التحذير من بغض أهل البيت أو سبهم أو أذيتهم: عند أحمد وغيره مرفوعاً: «من أبغض أهل البيت فهو منافق» (الصواعق المحرقة: ص 357).
وعند ابن ماجة وأحمد والحاكم مرفوعاً: «من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني» (سبق تخريجه).
وعن الحسن قال: (ما عادانا فلرسول الله صلى الله عليه وسلم عادى) الصواعق المحرقة (ص:357).
وفي الصحيحين منع النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي بن أبي طالب من التزوج على فاطمة في حياتها، ثم قال فيها: «هي بضعة مني، يريبني ما يريبها، ويؤذيني ما يؤذيها» (سبق تخريجه) (وانظر الصواعق المحرقة (ص:289).
 من مواقف السلف في إكرام أهل البيت:
عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لـعلي رضي الله عنه: (والذي نفسي بيده! لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليّ أن أصل من قرابتي)([230]).
وحلف عمر بن الخطاب للعباس رضي الله عنه أن إسلامه أحب إليه من إسلام أبيه لو أسلم؛ لأن إسلام العباس أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأتى زين العابدين ابن العباس فقال له: (مرحباً بالحبيب ابن الحبيب) وقربت بغلة لـزيد بن ثابت ليركبها فأخذ ابن عباس رضي الله عنهما بركابه فقال له: (خل عنك يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء، فقبل زيد يده، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل البيت).
وجاء عبد الله بن حسن بن حسين إلى عمر بن عبد العزيز في حاجة فقال له: (إذا كانت لك حاجة فأرسل أو اكتب بها إليّ، فإني أستحيي من الله أن يراك على بابي).
 ودخلت فاطمة بنت علي على عمر بن عبد العزيز وهو أمير مكة، فبالغ في إكرامها وقال: (والله ما على ظهر الأرض أهل بيت أحب إليّ منكم، ولأنتم أحب إليّ من أهلي).
وعن أبي بكر الصديق: (يا أيها الناس! ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته)، أي: احفظوه فيهم فلا تؤذوهم الصواعق المحرفة (ص:231).
وعن مالك: (من سب آل بيت محمد يضرب ضرباً وجيعاً، ويشهر ويحبس طويلاً حتى يظهر توبته؛ لأنه استخفاف بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم). الصواعق (ص:384)، وبلزوم محبتهم صرح البيهقي والبغوي وغيرهما وأنشد الشافعي:
يا أهل بيت رسول الله حبكم                    فرض من الله في القرآن أنزله
الصواعق المحرقة (ص:266)
فمن مبالغة الشافعي في محبتهم صرح بأنه من شيعتهم، حتى قيل كيت وكيت، فأنشد أبياته منها هذا البيت السابق.
وأخرج ابن عبد البر أن الصحابة كانوا يعرفون للعباس رضي الله عنه فضله، فيقدمونه ويشاورونه، ويأخذون برأيه رضي الله عنه: فأخرج البخاري أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بـالعباس وقال: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم -يعني: بدعائه- إذا قحطنا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا -يعني: بدعائه في الاستسقاء- فاسقنا، فيسقون).
وأخرج ابن عبد البر أن العباس لم يمر بـعمر وعثمان رضي الله عنهم راكبين إلا نزلا حتى يجوز([231]) إجلالاً لعم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمشي وهما راكبان، أخرج ابن أبي الدنيا أن عمر لما أراد أن يفرض للناس([232]) قالوا له: ابدأ بنفسك، فأبى وبدأ بالأقرب فالأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 أخرج الدارقطني أن عمر سأل علياً عن شيء فأجابه: فقال له عمر: (أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن).
أخرج أحمد أن رجلاً سأل معاوية عن مسألة فقال: (اسأل عنها علياً فهو أعلم، فقال: جوابك فيها أحب إلي من جواب علي، قال معاوية: بئس ما قلت، لقد كرهت رجلاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزه بالعلم عزاً، ولقد قال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وكان عمر إذا أشكل عليه شيء أخذ منه) الصواعق المحرقة (ص:273).
كان أبو حنيفة رحمه الله يعظم أهل البيت كثيراً، ويتقرب بالإنفاق على المستترين منهم([233]) والظاهرين، حتى قيل: إنه بعث إلى متستر منهم باثنى عشر ألف درهم، وكان يحض على ذلك أصحابه. الصواعق المحرقة (ص:274).
روى الإمام أحمد عن عمير بن إسحاق قال: (كنت مع الحسن بن علي فلقينا أبو هريرة فقال: أرني أقبل منك حيث رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل، فقال بقيمصه قال: فقبل سرته).
وكان الحسن إذا صلى الغداة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس في مصلاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس، ويجلس إليه من يجلس من سادات الناس يتحدثون عنده، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين فيسلم عليهن، وربما أتحفنه، ثم ينصرف إلى منزله، وكان الحسن والحسين إذا كانا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما مما يزدحمون عليهما للسلام عليهما، وكان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا، ويرى هذا من النعم عليه.
وكان علي رضي الله عنه يقول لأهل الكوفة عن الحسن: (لا تزوجوه فإنه مطلاق -أي: كثير الزواج والطلاق- فيقولون: والله يا أمير المؤمنين لو خطب إلينا كل يوم لزوجناه منا من شاء، ابتغاء في صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم).
 روى مسلم في صحيحه: أن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنه، دخل على جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فلما عرفه أهوى بيده إلى رأسه فنزع زره الأعلى، ثم نزع زره الأسفل، ثم وضع كفه بين ثدييه، وهو يومئذ غلام فقال: (مرحباً بك يا ابن أخي! سل عما شئت، وكان قد عمي.. الحديث).
قال النووي في شرحه: (وفيه إكرام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما فعل جابر بـمحمد بن علي، ومنها استحباب قوله للزائر والضيف ونحوهما مرحباً، ومنها ملاطفة الزائر بما يليق به وتأنيسه، وهذا سبب حل جابر زري محمد بن علي ووضع يده بين ثدييه، وقوله: (وأنا يومئذ غلام شاب) فيه تنبيه على أن سبب فعل جابر ذلك التأنيس لكونه صغيراً، وأما الرجل الكبير فلا يحسن إدخال اليد في جيبه والمسح بين ثدييه) اهـ. صحيح مسلم (جـ8/ ص170-171) ط دار الريان للتراث.
ودخل محمد ابن الحنفية على عمر بن الخطاب عند أم كلثوم([234]) فهش له ورحب به، وأمر أم كلثوم أن تتحفه مما عندها.
 عقيدة أهل السنة والجماعة في أهل البيت:
قال ابن تيمية في العقيدة الواسطية مبيناً عقيدة أهل السنة والجماعة في آل البيت: (ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله حيث قال يوم غدير خم: «أذكركم الله في أهل بيتي»([235])، وقال أيضاً للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم فقال: «والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي»([236]) وقال: «إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»([237])، ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصاً خديجة رضي الله عنها أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق رضي الله عنها التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»([238])، ويتبرأون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل) اهـ. انظر شرح العقيدة الواسطية للشيخ خليل هراس (ط 4/ ص:120-122).
قال الطحاوي: (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق، وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا الجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل).
 ما لأهل البيت من الحقوق: [حقوق آل البيت]:
([239]).
1- الصلاة والسلام عليهم: وهذا يكون تبعاً للصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، إذ في صيغة ذكر آل محمد صلى الله عليه وسلم، فيدخلون جميعاً في عموم: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد).
 2- امتلاء القلب بحبهم وتبجيلهم: فهذا من تمام المحبة لله تعالى، محبة من أحبهم الله من أئمة وصالحي أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن أو الحسين «اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من أحبه» (سبق تخريجه).
3- الإنصاف في يوم عاشوراء: فيوم عاشوراء من كل عام تجتمع فيه ذكريان تتنازعانه:
(أ) ذكرى إنجاء الله عز وجل لـموسى عليه السلام وبني إسرائيل، وإغراق فرعون وقومه، وهي ذكرى طيبة، وقد سن فيها النبي صلى الله عليه وسلم صيام هذا اليوم، فصامه وأمر بصيامه، وأخبر أن صومه يكفر سنة، وأمر بصيام يوم قبله مخالفة لأهل الكتاب، لذا يستحب صيام التاسع والعاشر.
(ب) ذكرى استشهاد الحسين رضي الله عنه، سيد شباب أهل الجنة، وريحانة النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد أفاضل أئمة أهل البيت النبوي عامة، والبيت العلوي خاصة، فقد وافق قتله على يد الفجرة الأشقياء في ذلك اليوم، وقتله رضي الله عنه مصيبة من أعظم المصائب التي ألمت بالمسلمين، وهذه المصيبة تتجدد ذكراها مع تقادم العهد، وقد روى الإمام أحمد وغيره عن فاطمة بنت الحسين وقد كانت شهدت مصرع أبيها، عن أبيها الحسين بن علي رضي الله عنه، عن جده رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من رجل يصاب بمصيبة، فيذكر مصيبته وإن قدمت، فيحدث لها استرجاعاً، إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها». والسنة عند الإصابة بالمصائب وإن عظمت أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فاستشهاد الحسين رضي الله عنه: (إنما فعله الله كرامة للحسين رضي الله عنه، ورفعاً لدرجته ومنزلته عند الله، وتبليغاً له منازل الشهداء، وإلحاقاً له بأهل بيته الذين ابتلوا بأصناف البلاء، ولم يكن الحسن والحسين حصل لهما من الابتلاء ما حصل لجدهما، ولأنهما ولدا في عز الإسلام، وتربيا في حجور المؤمنين، فأتم الله نعمته عليهما بالشهادة، أحدهما مسموماً([240])، والآخر مقتولاً([241])، لأن الله أعد من المنازل العالية في دار كرامته ما لا ينالها إلا أهل البلاء)([242]).
(أما اتخاذ المآتم في المصائب، واتخاذ أوقاتها مآتم، فليس من دين الإسلام، وهو أمر لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من السابقين الأولين، ولا من عادة أهل البيت ولا غيرهم، وقد شهد مقتل علي([243]) أهل بيته، وشهد مقتل الحسين من شهده من أهل بيته، وقد مرت على ذلك سنون كثيرة، وهم متمسكون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يحدثون مأتماً ولا نياحة، بل يصبرون ويسترجعون كما أمر الله ورسوله، أو يفعلون ما لا بأس به من الحزن)([244]).
وقد ورد النهي عن لطم الخدود، وشق الجيوب، والدعوى بدعوى الجاهلية والنياحة، فيحرم ذلك كله في يوم عاشوراء وفي غير عاشوراء.
كذلك ما يفعله البعض من المبالغة في تعظيم عاشوراء، بالاكتحال فيه والاختضاب والاغتسال والمصافحة وإظهار الفرح الشديد نكاية بالمخالفين، كل ذلك مخالف للسنة.
والعبد قد يجمع الله له في وقت واحد نعمة توجب شكراً ومحنة توجب صبراً، والعبد قد يبتلى بالحسنات التي تسره، والسيئات التي تسوءه في وقت واحد؛ ليكون صباراً شكوراً، والنبي صلى الله عليه وسلم ولد في ربيع الأول فكان يوم مولده هو يوم هجرته هو يوم وفاته، وفي (17) رمضان كانت غزوة بدر وفيه قتل علي بن أبي طالب.
 
 ما على أهل البيت من الواجبات:
1- الامتناع عن تناول الصدقات: وهذا والله أعلم من التطهير الذي شرعه الله لهم في قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33].
فإن الصدقة من أوساخ الناس، وثبت في الحديث أن الحسن رضي الله عنه لما تناول تمرة من تمر الصدقة قال له صلى الله عليه وسلم: «كخ كخ! أما علمت أنا آل بيت لا تحل لنا الصدقة»([245]) وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا آل محمد»([246])، وقد عوضوا عن ذلك بالأخذ من خمس الغنائم والفيء، الذي جعل رزق النبي صلى الله عليه وسلم منه، وفي الحديث: «وجعل رزقي تحت ظل رمحي».
لذا ينبغي الاهتمام بكفاية المنتسبين لأهل البيت، والذين حرمت عليهم الصدقة من بيت المال، كما يكفى منه الآخرون.
2- الامتناع عن سب الصحابة أو الانتقاص منهم والتعرض لهم، والحقيقة أن هذا لم يقع منهم، ولكن أهل الضلالة والبدعة ينسبون إليهم هذه الأفعال القبيحة والأقوال الشنيعة، افتراءً وكذباً عليهم، وإلا فكل فاضل منتسب لأهل البيت قد ثبت عنه إحسان القول في الصحابة وتبجيلهم، وإنزالهم منزلتهم، وفي مقدمتهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويظهر ذلك جلياً في قتاله أهل الجمل وأهل صفين، فإنه لم يسب لهم ذرية، ولم يغنم لهم مالاً، ولا أجهز على جريح، ولا اتبع مدبراً ولا قتل أسيراً، بل صلى على قتلى الطائفتين، وقال: (إخواننا بغوا علينا) وكان رضي الله عنه متوجعاً لقتالهم، متشكياً مما جرى، فدل على صفاء القلب تجاههم حتى في أشد حالات التخاصم والنزاع، ولكن الرافضة قبحهم الله؛ من أجهل الناس بسيرة علي بن أبي طالب، وسيرة أئمة أهل البيت.
3- عدم الانتساب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأهل البيت إلا بحق، فلا يدعى ذلك بالباطل، فإن كثيراً من الناس ينسب نفسه إليهم بأدنى قرينة، ويسارع في إعلان ذلك، ومعلوم أن الأنساب تحفظ وتصان من أهلها، ولا يوجد ما يمنع ثبوت ذلك بنسب محفوظ، كما يوجد من لهم أسانيد لرواة كتب الحديث كـالبخاري ومسلم، وهناك من لهم أسانيد تصلهم بأصحاب القراءات في القرآن الكريم، وفي كل ذلك يجب التحقق من ثبوت السند والنسب.
4- أن يجرى من ثبت نسبه إلى أهل البيت على طريقتهم، فيتمسك بسنته صلى الله عليه وسلم اعتقاداً وعملاً، وعبادة وسلوكاً، وزهداً وتقوى، وليعلم أن الله تعالى قال: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) [الحجرات:13] وأن الله ينظر إلى أعمال العباد وقلوبهم، لا إلى صورهم وأموالهم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه»([247]).
5- أن يزوج من ثبت نسبه إليهم بناته، ممن يكافئهن في الصلاح والتقوى والديانة، حفاظاً على هذا النسب الشريف وصوناً له.
 

الفرق المبتدعة وأهل البيت:
أهل السنة والجماعة وسط في نظرتهم إلى أهل البيت بين الجفاة وبين الغلاة، فهم يحبون أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم جميعاً، قرابته وذريته وزوجاته رضي الله عنهم جميعاً، لا يفرقون بينهم، فيقرون بمكانتهم ومنزلتهم، ويحبونهم ويوالونهم، ويدينون لهم بالود والتكريم، خاصة العلماء منهم والمشهورون بالصلاح، فيرون الخير كل الخير في اتباعهم والاقتداء بهم والتمسك بهديهم، وهم مع ذلك لا يجرهم هذا الحب وهذه المودة إلى الغلو فيهم، ورفعهم فوق مرتبة البشر، كما وقع في ذلك الغلاة من المبتدعين، فلا يرونهم أئمة تنحصر الإمامة فيهم دون غيرهم، ولا يرونهم من الخطأ معصومين، ولا يضفون عليهم من صفات لا تليق إلا بالله عز وجل، كادعاء علم الغيب، وتصريف أمور الكون، وحق التحليل والتحريم للعباد، وسوق المقادير، وينزهونهم مع ذلك عن كتمان الحق ومنع بذل العلم باسم التقية إيثاراً للسلامة وحفظاً للحياة، بل هم عندهم من أجرأ الناس في الحق، وأحرص الأمة على نشر العلم والفضيلة والصلاح.
أما أهل الأهواء فهم بين الجفاء وبين الغلو:
فمنهم الناصبة: الذين عادوا أهل البيت خاصة علي بن أبي طالب وأبناءه في صراعهم مع معاوية، وخلال العهد الأموي، فوقع منهم السب والشتم والإيذاء لجماعات من أهل البيت خاصة علي وذريته، وللخوارج نصيب من ذلك، فقد كفروا فيمن كفروهم من الصحابة جماعات من أهل البيت منهم علي بن أبي طالب وأولاده، حتى إن شقيهم ابن ملجم قتل علياً رضي الله عنه.
ومنهم الراوندية: الذين مالوا إلى الغلو في العباس وأولاده من أهل البيت، فقدموهم على من سواهم، وحصروا الإمامة فيهم، وجعلوا العباس أفضل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وأولاده أئمة من بعده.
 ومنهم الرافضة: الذين غالوا في علي بن أبي طالب وأولاده من فاطمة رضي الله عنهم جميعاً من أهل البيت دون غيرهم، فحصروا الإمامة فيهم، وعدوا علياً أفضل الصحابة وجعلوا أولاده أئمة من بعده، واختلفوا وتفرقوا في ذلك إلى فرق كثيرة تغالي في علي وأبنائه، ونذكر هنا بعضاً من تفاصيل هذه الفرق:
 الناصبة:
هم الذين ناصبوا أهل البيت بالعداء، فوقع منهم البغض لهم، والسب واللعن والشتم، والمظاهرة والمعاونة عليهم، وتفضيل من هم أقل منهم شأناً عليهم بالمحبة الدينية والمحبة القلبية، وقد ظهرت هذه الطائفة مع بداية الصراع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، فظهر في معسكر معاوية وأهل الشام من يبالغ في معاداة علي بن أبي طالب وأبنائه من أهل البيت، وبلغ الأمر أشده مع قيام دولة بني أمية وكثرة الموالين لها، ووقوع الاضطهاد على أبناء علي بن أبي طالب، خاصة مع خروج بعض أئمة أهل البيت لطلب الإمامة، أو كثرة مؤيديهم والملتفين حولهم بدرجة توقع الريبة والخوف منهم عند خلفاء بني أمية، وقد ضعفت هذه الطائفة بزوال دولة بني أمية شيئاً فشيئاً حتى انقرضت تماماً الآن، فلا وجود لها ولله الحمد.
وليس من النواصب من قدم من قدمه أهل السنة والجماعة من الصحابة على علي بن أبي طالب وأبنائه، كـأبي بكر وعمر وعثمان، وليس من النواصب من أحب أبا بكر وعمر وعثمان من الصحابة محبة قلبية أكثر من محبته القلبية لأهل البيت، مع وجود المحبة الدينية لأهل البيت وسلامة الاعتقاد فيهم.
وليس من النواصب من خالف علي بن أبي طالب أو أحد أبنائه في الرأي، ولم يعتقد العصمة فيه أو في أبنائه، فكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد خالف بعض الصحابة علي بن أبي طالب وغيره في الرأي لاختلاف الفهم والاجتهاد في الدين، فما قدح ذلك فيهم ولا انتقص من إمامتهم وصلاحهم، وليس من النواصب من عظم يوم عاشوراء بصيام لثبوت الأمر بذلك في الشرع، أما تعظيمه يوم عاشوراء بغير الصيام بتوسعة على العيال، ولبس أحسن الثياب وغير ذلك؛ ظناً منه صحة الأحاديث في ذلك -وفي صحتها مقال- فصاحب ذلك معذور ليس من النواصب، فإن مقتل الحسين رضي الله عنه يوم عاشوراء وقع عام (61)هـ اتفاقاً في هذا اليوم، والمعظم له لا يفعل ذلك شماتة في مقتل الحسين أو إظهاراً للفرح بذلك.
أما الطعن فيمن ينكر على من يبني القباب والأضرحة على المقابر المنسوبة لأهل البيت، كالمشهد الحسيني والمشهد الزينبي، أو ينكر على من يعظمها بطواف وتبرك ودعاء ونذر واستغاثة وغير ذلك، واتهامه أنه من الناصبة كما يفعله المبتدعة من الصوفية مع أهل السنة في زماننا، فهذا من الباطل، وليس ذلك من تعظيم أهل البيت في شيء، بل هو من الابتداع في الدين والغلو في الصالحين.
ومن الباطل قطعاً طعن الشيعة في أهل السنة، واتهامهم لهم أنهم من الناصبة؛ لكونهم لا يقولون بعصمة أئمة أهل البيت، والنص عليهم بالإمامة، وعلمهم الغيب، وإضفاء خصائص عليهم لا تكون إلا لله وحده، فهذا كله باطل قطعاً، والإنكار فيه من أعظم واجبات الدين.
 الراوندية:
([248]).
طائفة من الغلاة في أهل البيت، غالت في العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم وأبنائه، فعدت العباس رضي الله عنه أفضل الصحابة، وقدمته على سائرهم، ودعت إلى حصر الخلافة والإمامة في أبنائه من بعده، اشتد أمرها وقوي مع ازدياد الصراع بين الدولة الأموية والدعاة للعباسيين من أهل البيت، وظهور دولة العباسيين وزوال دولة بني أمية، وبضعف الدولة العباسية وزوالها ضعفت هذه الطائفة وانقرضت، بنوا مذهبهم على أن لأولاد العباس حقاً في الخلافة لاتصال النسب، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وعمه العباس أولى بالوراثة.
 
 الصوفية:
طائفة من الغلاة في مشايخهم وأئمتهم، ويولون أئمة أهل البيت بمزيد من هذا الغلو، خاصة بعد تأثرهم بالمذهب الفاطمي الشيعي إبان قيام الدولة الفاطمية في مصر وشمال أفريقية، لذا أقاموا العديد من القباب والأضرحة والمساجد على قبور منسوبة لأهل البيت العلوي، كالمشهد الحسيني والمشهد الزينبي في مصر، ويرون تعظيمها من الدين، لذا يقيمون لها الموالد والاحتفالات، وحلقات الذكر المبتدعة، ويتبركون بها، ويخصونها بالدعاء والاستغاثة، والنذر والذبح والطواف، والتمسح بأركانها وأعتابها، وإيقادها بالزيت والسرج والشموع والمصابيح، وغير ذلك من بدعهم المعروفة في غلوهم فيمن ظنوا فيه الصلاح من مشايخهم وأئمتهم.
 الرافضة:
أشهر الغلاة في أهل البيت، ابتدعوا في سبيل ذلك أموراً كثيرة، حصروا الإمامة في علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين وأولادهما خاصة، عرفوا بسب الصحابة؛ خاصة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وكراهية زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة عائشة وحفصة رضي الله عنهما، اشتهروا باسم (الرافضة) و(الشيعة).
سموا بـالشيعة: لأنهم (الذين شايعوا علياً على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصية، إما جلياً أو خفياً، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عن أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقية من عنده)([249])و(لهم في تعدية الإمامة كلام وخلاف كثير، وعند كل تعدية وتوقف مقالة ومذهب وخبط)([250])و(بعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال، وبعضهم إلى السنة، وبعضهم إلى التشبيه)([251]).
سموا بـالرافضة: لأنهم رفضوا الإقرار بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وقيل لأنهم لما سمعوا زيد بن علي زين العابدين أحد أئمة أهل البيت يثني على أبي بكر وعمر تفرقوا عنه، فقال لهم: (رفضتموني) فسموا بـالرافضة.
 ومن الناس من يخص لقب الرافضة بغلاة الشيعة دون غيرهم، وأكثر أهل السنة على إطلاق لقب الرافضة على الجميع، غلاتهم ومن دونهم، ومن الشيعة من أخرج الإمامة من أولاد الحسن والحسين إلى أولاد محمد ابن الحنفية بن علي بن أبي طالب من غير فاطمة رضي الله عنهم جميعاً، قالوا: إن علياًَ نص على إمامته من بعده وهم الكيسانية، ومنهم من أخرج الإمامة من أولاد الحسن والحسين إلى أولاد العباس بن عبد المطلب بدعوى انتقال هذه الإمامة بوصية من بعض الأئمة إليهم.
ومنهم من أخرج الإمامة من أولاد الحسن والحسين إلى غيرهم من الدعاة إلى التشيع من خارج أهل البيت، بدعواهم تناسخ الروح وانتقالها من الإمام إلى من زعموا أن الإمامة انتقلت إليه.
وفرق الشيعة كثيرة جداً، وأقوالهم مضطربة اضطراباً يصعب ضبطه، ولهم مقالات عديدة ليس من السهل حصرها، ولهم عقائد مختلفة، بعضها قريب من عقائد أهل السنة لا تخالفها كثيراً، كما في بعض فرق الزيدية من الشيعة المعتدلين، ومنها ما حوت عقائد فيها الغلو الشنيع في أئمة أهل البيت كالقول بحلول الإله فيهم، وأنهم جمعوا بين الناسوت واللاهوت، والقول بتناسخ الروح والرجعة والبداءة والغيبة، وغير ذلك من الشناعات والعقائد القبيحة، ومنها ما حوت عقائد فيها التجسيم القبيح، بتشبيه الخالق جل وعلا بالمخلوقين، والقول بأن له جسماً وصورة كهيئة الإنسان، ووصفه بأن له أعضاء كأعضاء المخلوقين.
ومنها ما حوت عقائد تخففت فيها من التشبيه، ولكنها تأثرت بمذاهب المعتزلة والفلاسفة ومقالات أهل الكلام، ويمكن تقسيم الرافضة إلى:
1- غلاة الرافضة: أصحاب الغلو في أهل البيت، والذين أضفوا عليهم خصائص الألوهية، فكفروا بذلك.
2- المعتدلين من الرافضة: وهم من خلت مقالاتهم الشيعية من الغلو في أهل البيت بالدرجة التي ترفعهم إلى مرتبة الألوهية، وإن كانت لهم عقائد أخرى مخالفة لـأهل السنة والجماعة، منها ما اختلف في تكفيرهم بها ومنها ما اتفق على أنها غير مكفرة.
 

علي بن أبي طالب وأولاده:
شهدت حياة علي بن أبي طالب وحياة أولاده من بعده ظهور الفرق العديدة من الشيعة، وانتسابهم إليهم، والاعتقاد فيهم، والتمسح بهم، خاصة فيمن كان له عقب من أولاده، كـالحسن والحسين ومحمد ابن الحنفية.
ورغم تبرئهم رضي الله عنهم من عقائد هذه الفرق خاصة الغلاة منهم، إلا أن هذه الفرق الضالة تمسكت بعقائدها، ونسبت لأئمة البيت العلوي مقالات كلها زور وكذب، تؤيد وتقر عقائدهم، وما ورد عن الأئمة في التبرؤ منهم زعموا أنها من التقية التي مارسوها للتستر والتخفي خشية بطش أعدائهم، وقد ارتبطت حياة كل إمام منهم بظهور فرق عاصرته وانتسبت إليه وغالت فيه، فمن أمثلة ذلك في هؤلاء الأئمة:
1- غلو السبئية في علي بن أبي طالب في حياته.
2- انتساب الكيسانية والمختارية إلى محمد ابن الحنفية.
3- انتساب الهاشمية إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية.
4- معاصرة الخطابية والنعمانية لحياة الإمام الصادق.
5- معاصرة المنصورية والمغيرية لحياة الإمام الباقر.
6- انتساب الإسماعيلية الباطنية إلى الإمام إسماعيل بن الصادق.
7- ظهور الإسحاقية والنصيرية في حياة الإمام أبي الحسن العسكري.
فوائد:
لم يتزوج علي بن أبي طالب على فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم في حياتها غيرها، ورزق منها الحسن والحسين من الذكور، وكانا لهما عقب (أولاد)، وتوفي له منها محسن مات صغيراً ولم يعقب، وقد توفيت السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها سنة (11هـ) بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بنحو ستة أشهر.
 
توفي الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة (50هـ).
استشهد الحسين رضي الله عنه في كربلاء سنة (61هـ) يوم عاشوراء، وقتل معه يومها من أبناء علي بن أبي طالب العديد منهم: جعفر وعبد الله وعثمان وعبيد الله وأبو بكر.
تزوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثماني مرات، ومن زوجاته: أمامة بنت أبي العاص بن الربيع ابنة زينب الكبرى ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخت فاطمة رضي الله عنها.
ومنهن أسماء بنت عميس الخثعمية تزوجت جعفر ثم تزوجها أبو بكر، وله منها محمد بن أبي بكر، ثم تزوجها علي ورزق منها يحيى ومحمد الأصغر وعون.
ومنهن خولة بنت جعفر الحنفية من سبي خالد بن الوليد في حروب الردة، وله منها محمد الأكبر ابن الحنفية.
ومنهن أم حبيبة بنت زمعة التغلبية من سبي حروب خالد بن الوليد في العراق رزق منها عمر الذي توفي وعمره (35) سنة وله عقب.
 أولاد علي بن أبي طالب (ثماني زوجات):
1- فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم له منها:
أ- الحسن توفي سنة (50هـ).
ب- الحسين: استشهد يوم عاشوراء في كربلاء سنة (61هـ).
ج- محسن: توفي صغيراً.
د- زينب الصغرى.
هـ- أم كلثوم: تزوجها عمر بن الخطاب.
2- أم البنين بنت حرام الكلابية له منها:
أ- العباس (له عقب).
ب- جعفر.
ج- عبد الله.
د- عثمان.
(استشهدوا الثلاثة في كربلاء وعقب لهم).
3- ليلى بنت مسعود التميمية له منها:
أ- عبيد الله.
ب- أبو بكر: استشهد في كربلاء.
4- أم حبيبة بنت زمعة التغلبية من سبي خالد من العراق له منها:
أ- عمر: توفي وعمره (35) سنة وله عقب.
ب- رقية.
5- أسماء بنت عميس الخثعمية لها منها:
أ- يحيى.
ب- محمد الأصغر.
ج- عون (وهم الثلاثة لا عقب لهم).
6- أمامة بنت أبي العاص بن الربيع ابنة أخت فاطمة رضي الله عنها، أمها زينب الكبرى ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم له منها:
أ- محمد الأوسط (لا عقب له).
7- خولة بنت جعفر الحنفية (من سبي خالد في حروب الردة) وله منها:
أ- محمد الأكبر الملقب بـابن الحنفية.
8- أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفية وله منها:
أ- أم الحسن.
ب- رملة الكبرى.
 مات علي بن أبي طالب عن (4) نسوة و(19) سرية، وله بنات لأمهات أولاد هنَّ:
1- أم هانئ.                          2- ميمونة.
3- زينب الصغرى.                   4- رملة الصغرى.
5- أم كلثوم الصغرى.                6- فاطمة.
7- أمامة.                                       8- خديجة.
9- أم الكرام.                         10- أم جعفر.
11- أم سلمة.                       12- جمانة.
 

المهدي من أهل البيت:
 
 المهدي عند أهل السنة والجماعة:
يعتقد أهل السنة والجماعة أن المهدي سيظهر في آخر الزمان، وأنه سيكون إماماً –خليفة- للمسلمين من أهل البيت نسباً، ستكون خلافته على منهاج النبوة، يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً، وهو علامة من علامات وأشراط الساعة، وفي زمانه ينزل المسيح عيسى بن مريم -عليه السلام- ليقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، وقد جاءت في ذلك الأحاديث الكثيرة والتي بلغت حد التواتر المعنوي([252]).
قال صديق حسن خان: (والأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها كثيرة جداً تبلغ حد التواتر، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد) اهـ الإذاعة لما كان وما يكون من أشراط الساعة (ص:122-123).
قال الشوكاني: (والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها، منها خمسون حديثاً في الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلاشك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار المروية عن الصحابة المصرحة بـالمهدي، فهي كثيرة أيضاً لها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك) اهـ. الإذاعة (ص:124).
 وممن قال بتواترها وأقر بذلك كل من: القرطبي في التذكرة، والحافظ ابن حجر في فتح الباري، والحافظ السخاوي في فتح المغيث، والحافظ السيوطي في العرف الوردي، والمحدث ابن عبد الباقي الزرقاني في شرح المواهب وغيرهم([253]).
 من أحاديث المهدي:
روى أحمد ومسلم مرفوعاً: «يكون في آخر الزمان خليفة يحثي المال حثياً ولا يعده عداً»([254]) وهو المهدي كما فسره العلماء بذلك، وروى أحمد وغيره مرفوعاً: «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة»([255])، وروى الطبراني مرفوعاً: «يلتفت المهدي وقد نزل عيسى بن مريم عليه السلام، كأنما يقطر من شعره الماء، فيقول المهدي: تقدم فصل بالناس، فيقول عيسى: إنما أقيمت الصلاة لك، فيصلي خلف رجل من ولدي»([256]). وفي صحيح ابن حبان في إمامة المهدي نحوه.
وفي الحديث المرفوع: «ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا. إن بعضكم أئمة على بعض، تكرمة الله هذه الأمة»([257]).
وعند أحمد مرفوعاً: «لا تذهب الدنيا ولا تنقضي، حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي»([258]).
في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا. إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة».
 وهذا الحديث وإن كان غير صريح في المهدي، فإنه يحمل عليه بدلالة الأحاديث الأخرى([259]).
قال الألباني تعقيباً على قوله صلى الله عليه وسلم: (أميرهم): (هو المهدي محمد بن عبد الله عليه السلام كما تظاهرت بذلك الأحاديث بأسانيد بعضها صحيح وبعضها حسن)([260]).
وفي الحديث المرفوع: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة»([261]). وروى أحمد مرفوعاً: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لبعث الله عز وجل رجلاً منا يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً».
ومن روايات أحاديث المهدي يتبين أن:
1- المهدي خليفة -كسائر خلفاء المسلمين- يظهر في آخر الزمان ليملأ الدنيا عدلاً بعد أن تكون ملئت جوراً، وعلى هذا: فهو من أشراط الساعة، بل في عهده يظهر الدجال وينزل المسيح عليه السلام، وهو كخليفة غير معصوم، ويلي الخلافة في سن التكليف (لا تصح خلافة للصغير).
2- ويمتد نسبه إلى فاطمة رضي الله عنها، وهو من نسل الحسن رضي الله عنه واسمه: محمد بن عبد الله (يحمل اسم النبي صلى الله عليه وسلم) يهديه الله في يوم وليلة، ويبايعه الناس بين الركن والمقام، وعلى هذا فهو لم يولد بعد.
 * وليس للأمة أن تعطل حكماً من أحكام الدين والقيام به من الجمع والجماعات والجهاد... إلخ، بدعوى انتظاره، لذا فلم يوصف عند أهل السنة بـ (المهدي المنتظر) بل هو (المهدي) فقط كما جاءت بذلك الأحاديث.
* والأحاديث في ذلك كثيرة بلغت حد التواتر المعنوي، فلا سبيل إلى إنكارها أو ردها، وتدخل في الإيمان بالغيب وأشراط الساعة.
أما ادعاء الشيعة الإثني عشرية أن المهدي هو إمامهم الثاني عشر المختفي في السرداب؛ ليظهر في آخر الزمان فباطل من وجوه، منها:
1- أن اسمه لا يوافق اسم النبي صلى الله عليه وسلم.
2- أنه من نسل الحسين لا من نسل الحسن.
3- أنه أوتي الحكم والإمامة وسنه خمس سنوات.
والصغير لا تصح ولايته ولا إمامته لعدم تكليفه، وعجزه عن تحمل أعباء الإمامة لضعفه.
أما حديث: «لا مهدي إلا عيسى بن مريم»([262]) فتأويله: لا مهدي كامل، فإن عيسى عليه السلام أكمل من المهدي؛ لأنه نبي الله، وهذا التأويل متحتم للأحاديث المتواترة في إثبات المهدي الذي يكون في زمانه نزول عيسى بن مريم([263]).
والحديث سنده مختلف فيه: ذكر ابن القيم أن فيه راوياً مجهولاً وضعفه الحفاظ، وفيه اضطراب وانقطاع، وأحاديث المهدي أصح إسناداً منه، فيؤخذ بها إن تعذر الجمع بينهما([264]).
قال السفاريني: (الصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزوله عليه السلام، وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم)([265]). اهـ.
فإن قيل: في الحديث أن المهدي من ولد الحسن بن علي، وفي الحديث عثمان، وعمار بن ياسر، والعباس، وأم الفضل رضي الله عنهم أنه من ولد العباس([266]) فكيف ذلك؟
فالجواب: 1- حديث أنه من ولد العباس ضعيف جداً، لذا فمع التعارض نرجح الأحاديث المصرحة بأنه من ولد الحسن؛ لأنها أصح، وهذا ما مال إليه الدارقطني، وهذا هو الجواب المتوجه هنا.
 2- وإما الجمع: وذلك على وجهين:
(أ) أنه من ولد العباس من قبل أمه، فهو حسني الأب، عباسي الأم.
(ب) أن أحاديث أنه من ولد العباس المقصود به (المهدي العباسي) وهو الخليفة العباسي (محمد بن عبد الله المنصور) ثالث خلفاء بني العباس، وهو في العباسيين كـعمر بن عبد العزيز في بني أمية، وهذا إن صح فهو ليس مهدي آخر الزمان؛ لأن المراد بالمهدي الآتي آخر الزمان المهدي الذي يأتم به عيسى عليه السلام، ويعارضه كذلك أن المهدي العباسي لم تنطبق عليه الأوصاف الواردة في أحاديث المهدي الذي يكون في آخر الزمان.
 

الباب الرابع: فرق الشيعة المختلفة:
يمكن تقسيم الشيعة من جهة الغلو الصريح في أهل البيت إلى:
1- شديدي المغالاة في أهل البيت، يجعلون لهم خصائص الألوهية صراحة، ويقولون بالحلول والاتحاد وتناسخ الأرواح، وهؤلاء هم الباطنية الغلاة، وقد اتفق العلماء على كفرهم: كفر نوع وكفر عين، فكل من انتسب إليهم فليس من المسلمين إجماعاً.
2- شيعة أقل مغالاة في أهل البيت، ممن لا يقولون بما قال به الغلاة السابقون، وهم دون القسم الأول؛ إذ لا يصرحون بالحلول والاتحاد وتناسخ الأرواح، وتتفاوت درجاتهم في الغلو في أهل البيت، وتتفاوت أيضاً نظرتهم في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.
وهؤلاء اختلف فيهم هل يكفرون ببدعتهم أم لا، كـالشيعة الإمامية الإثني عشرية، والمراد بكفرهم كفر نوع لا كفر عين، إذ تكفير المعين منهم يحتاج إلى إقامة الحجة عليه، وإزالة ما علق به من شبهات وتأويلات.
3- ومنهم من اتفق العلماء على إسلامهم، وأنهم من فرق الإسلام كـالشيعة الزيدية.
 
 غلاة الشيعة:
الغلو لغة: مجاوزة الحد، يقال: غلوت في الأمر: أي جاوزت فيه الحد وأفرطت فيه([267])، والغلو نقيض التقصير، والحق بين طرفي الإفراط والتفريط، ودين الله بين الغلو والتقصير، وقد ورد لفظ الغلو في القرآن مرتين في آيتين:
قوله تعالى: ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ)) [النساء:171].
يقول ابن كثير: (ينهي تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهاً من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه؛ سواء كان حقاً أو باطلاً، أو ضلالاً أو رشاداً، أو صحيحاً أو كذباً) اهـ([268]).
وقوله تعالى: ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ)) [المائدة:77]، والآية وردت بعد الرد على أباطيل اليهود، ثم الرد على أباطيل النصارى، وبين فساد ما هم عليه، فأعقبه بمخاطبة الفريقين بهذا الخطاب (لا تغلوا في دينكم) بالخروج عن الحد (غير الحق) أي: غلواً باطلاً بتقرير الشبه وإخفاء الدلائل وتكلف ذلك.
 والمراد بغلاة الشيعة اصطلاحاً: الذين غلوا من الشيعة في حق بعض أئمة أهل البيت، حتى أخرجوهم عن مرتبة المخلوقين إلى مرتبة الألوهية، أو ادعاء نبوتهم.
ولم يدع أحد من أئمة أهل البيت النبوة أو الألوهية، وإنما ادعى ذلك أتباعهم وأدعياؤهم من الغلاة، فإما أن يدعيها زعيمهم ويتبعه أنصاره، وإما أن يدعي أتباعه فيه بعد موته، ومن العقائد التي راجت بين هؤلاء الغلاة:
1- القول بحلول الإله في الإمام.
2- ادعاء النبوة.
3- القول بتناسخ الأرواح.
4- التشبيه والتجسيم.
5- القول بالبداءة لله.
6- القول بالرجعة.
7- تأويل النصوص الشرعية.
ومنهم من جعل غلوه في علي بن أبي طالب أو في ذريته من بعده، ومنهم الحسن، ومنهم الحسين، ومنهم محمد ابن الحنفية ومن أبنائهم، ومنهم من صرف الغلو إلى العباس بن عبد المطلب وذريته، ومنهم من صرف الغلو إلى أبناء جعفر بن أبي طالب (وهم الجناحية نسبة إلى ذي الجناحين جعفر بن أبي طالب)، ومنهم من غلوا في زعمائهم، وإن لم يكونوا من أئمة أهل البيت، فادعوا لهم الإمامة، ثم النبوة، ثم الألوهية، ومما مهد وروج لهؤلاء الغلاة:
1- المبالغة في حب أهل البيت والإفراط في ذلك.
2- التعاطف مع أهل البيت أمام ما تعرضوا له من الاضطهاد، خاصة في عهد الأمويين؛ خاصة بعد مقتل الحسين وأبنائه يوم كربلاء.
3- السرية في نشر التعاليم والعقائد التي يعتنقونها، والتخفي لإبعاد الأنظار عنهم، واستعمال أساليب المكر والخديعة.
 * ويلاحظ فى هؤلاء الغلاة:
1- أن زعماءهم من الزنادقة المتظاهرين بالإسلام، وأتباعهم من جهلة العوام، وقد استمرؤوا جميعاً الخروج عن تعاليم الإسلام، وإسقاط الفرائض والتكاليف.
2- أن فرقهم كثيرة جداً، يجد الباحث مشقة في حصرهم، فكل داعية من دعاتهم يتبنى رأياً أو ينتسب إلى إمام من أئمة أهل البيت، أو يدعي انتقال الوصية إليه، أو يزعم نفسه إماماً يوحى إليه، فيتبعه جماعة من الدهماء الغوغائيين من أهل الضلال، فيعدون بذلك فرقة من فرق الغلاة وطائفة، وغالباً تندثر الطائفة وتتفرق وتضعف بهلاك داعيتهم، ورغم هذا التعدد فأفكار دعواتهم متقاربة.
3- أن هذه الفرق يكفر بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً.
4- أن هذه الفرق تأثرت بالعقائد الباطلة الضالة في الأمم السابقة، المعروفة بالغلو في الدين، الذين يقولون بالحلول والاتحاد والتشبيه والتجسيم، كـالنصارى واليهود والمجوسية وضلال الفلاسفة.
5- أنها راجت أكثر ما راجت عند زيادة الاضطهاد لأئمة أهل البيت وإظهار معاداتهم، خاصة أيام صراع بني أمية والعباسيين.
6- أن هذه الفرق كانت من أخطر وأعظم وسائل الشعوبيين الحاقدين على الإسلام، الساعين لهدم الإسلام من الداخل، وبيد أبنائه؛ لذا وجدناها تروج بين هؤلاء الشعوبيين أكثر من غيرهم، خاصة في بلاد فارس -إيران - وما حولها، وضعف وجودها بين العرب وبلاد الإسلام الأولى.
* يراجع في التعرف على فرق الغلاة في أهل البيت من الشيعة:
- الملل والنحل للشهرستاني.
- غلاة الشيعة وتأثرهم بالأديان المغايرة للإسلام، تأليف الدكتور فتحي محمد الزغبي.
- الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة.
 
 (السبئية) أصحاب عبد الله بن سبأ:
السبئية نسبة إلى عبد الله بن سبأ، ويطلق عليه ابن السوداء وهو يهودي من أهل اليمن من أهل صنعاء، تظاهر بالإسلام زمان عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ متستراً به ليفسد على المسلمين دينهم، حيث تنقل في البلدان لبث أفكاره وتحقيق مؤامرته، فبدأ بـالحجاز، ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام، ثم أخرج بعد ذلك إلى مصر، وقد التف حوله مجموعة كبيرة من الأتباع في العديد من الأمصار، وتفاقم أمرهم وشاع قولهم بين الناس، وصارت لهم دعوة يدعون إليها، فسموا السبئية([269]).
وهو الذي تولى تأليب الناس على عثمان بن عفان رضي الله عنه، وولاته في الأمصار([270])، وحث الثوار على الخروج عليه، وبث الشائعات والافتراءات حول الخليفة الراشد، حتى انتهى الأمر بقتل الثوار الظلمة لـعثمان رضي الله عنه بـالمدينة المنورة، وتفرقهم في البلاد بعد ذلك، ثم إشعالهم الحرب والقتال (يوم الجمل) وفي ما تلا ذلك من أحداث.
وفي خلافة علي بن أبي طالب كان ابن سبأ أول من قال بالغلو في الإمام علي، حتى ادعى أنه الوصي والإمام الحق، ثم ادعى ألوهيته([271])، ومن آراء السبئية تشعبت أصناف الغلاة بعد ذلك.
 من معتقداتهم القول بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي بالأمر من بعده، فهم أول من أظهروا القول بذلك، وطعنوا في إمامة أبي بكر وعمر وعثمان لذلك، ثم نادوا بألوهية علي بن أبي طالب في حياته، فحرق علي أتباعه بالنار، وقبل استتابه وسيره إلى المدائن([272])، وقالوا برجعة الإمام علي بنفسه في الدنيا، وأنه لم يمت ولم يقتل، لذا زعموا أنه صعد إلى السماء؛ فالرعد صوته والبرق سوطه، وقد توقفوا عند إمامة علي ولم يتعدوه إلى إمامة غيره، واعتقدوا غيبته.
وبالجملة: فهم أول من قال بالوصية، والتوقف، والغيبة، والرجعة، ونبوة علي، وتأليهه.
 الكيسانية:
هم أتباع كيسان مولى للإمام علي بن أبي طالب، وقيل: هو تلميذ لـمحمد ابن الحنفية، وقيل: هو صاحب شرطة المختار الثقفي وقيل: إن علياً قال له: (يا كيس يا كيس) فسمي كيسان بالتثنية، وقد دعا إلى الأخذ بثأر الحسين، ودعا إلى أخيه محمد ابن الحنفية؛ لأنه كان صاحب راية أبيه يوم البصرة دون أخويه الحسن والحسين، ولأن الحسين أوصى إليه عند خروجه إلى الكوفة، وكان للكيسانية دور بارز في حركة المختار بن عبيد الثقفي، قالوا: الدين طاعة الإمام، وإن الإمام أحاط بكل العلوم، وقالوا بالتناسخ، والحلول، والرجعة، والعصمة، والبداءة، وأن لكل شيء ظاهراً وباطناً، وبوفاة محمد ابن الحنفية سنة (81هـ) تفرق الكيسانية فرقاً عديدة منها:
* المختارية: أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي.
* الحمزية: قالوا بألوهية محمد ابن الحنفية ورجعته.
* الحربية: غالوا في إمامة علي وأولاده، وقالوا برجعة ابن الحنفية.
* البيانية: قالوا بوصية ابن الحنفية لابنه أبي هاشم([273])، وغالوا في علي وأولاده.
 * الجناحية: قالوا بالوصية من أبي هاشم إلى عبد الله بن معاوية.
* الراوندية: قالوا بالوصية من أبي هاشم إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس،
* الهاشمية: قالوا بانتقال الإمامة إلى أبي هاشم بعد أبيه وأنه أفضى إليه بأسرار العلوم، عاصروا الباقر رحمه الله وخلافة سليمان بن عبد الملك.
 المختارية:
أصحاب المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو الثقفي، كان أبوه([274]) من قواد جيوش عمر بن الخطاب في العراق، ولد في السنة الأولى للهجرة، وليست له صحبة، قتل أبوه وعمره ثلاث عشرة سنة، فكان مع عمه بـالمدائن.
كان خارجياً (خرج على الحسن بن علي رضي الله عنه، وأشار على عمه بدفع الحسن إلى معاوية) ثم صار زبيرياً (حيث التقى بـابن الزبير وحرضه على بني أمية) ثم صار شيعياً وكيسانياً (بالدعوة إلى إمامة محمد ابن الحنفية والانتساب إليه).
ادعى أنه مرسل إلى الكوفة من قبل محمد ابن الحنفية لما رأى حب الناس لـابن الحنفية([275])، نادى بالثأر من قتلة الحسين، فاجتمع حوله الشيعة وناصروه، وقد قتل عدداً كبيراً ممن اشتركوا في قتل الحسين منهم ابن زياد، سار إليه مصعب بن الزبير في جمع كبير فكانت نهايته سنة (67هـ) بعد إمارته للكوفة لمدة سنة ونصف.
ادعى المختار علم الغيب وأنه يوحى إليه، وحمله ذلك على القول بالبداءة لله([276])، لما أخطأ في أمور غيبية ستقع، ادعى النبوة.
وقد فرح المسلمون بزوال دولة المختار بعد أن فتن به أتباعه وادعى ما ادعى، وذكر العلماء أن الكذاب المراد في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن في ثقيف كذاباً ومبيراً»([277]) هو المختار، ولاشك أنه كان ضالاً مضلاً كذاباً.
 الحمزية:
أتباع حمزة بن عمارة البربري، كان من أصحاب ابن كرب من القائلين بأن محمد ابن الحنفية هو المهدي وأنه لم يمت، بل هو غائب وله رجعة، ادعى الإمامة ثم النبوة وأن محمد ابن الحنفية هو الله -تعالى الله علواً كبيراً- وهو أول من ادعى ألوهيته خاصة، دون القول بانتقال روح الله إليه من أبيه، وأتى بشريعة جديدة بدأ هو بممارستها، فنكح ابنته وأحل جميع المحارم، وقال: إن من عرف الإمام فليصنع ما يشاء فلا إثم عليه، فكانت بداية الإباحية وإسقاط التكاليف؛ اكتفاء بمعرفة الإمام.
تنقل بين المدينة والكوفة، تبعه أناس منهم صائد صاحب فرقة الصائدية، وبيان صاحب فرقة البيانية، عاصر الحمزية الباقر والصادق رحمهما الله (94 هـ-148هـ).
 الحربية:
أتباع عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي، أحد تلاميذ عبد الله بن سبأ، وممن صاحبوه بعد وفاة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ظهر بعد وفاة أبي هاشم بن محمد ابن الحنفية، وادعى الإمامة بوصية من أبي هاشم، سمي أتباعه الحربية.
قالوا بإمامة علي والحسن والحسين ومحمد ابن الحنفية، جعلوهم أسباطاً، ورفعوهم فوق مستوى البشر، وغالوا فيهم فقالوا: بهم يُسقى الخلق الغيث، ويقاتل العدو، وتظهر الحجة، وتموت الضلالة، ومن تبعهم لحق، ومن تأخر عنهم محق، وإليهم المرجع، وهم كسفينة نوح من دخلها صدق ونجا، ومن تأخر عنها غرق وهوى، وادعوا فيهم العصمة، وتأولوا القرآن لذلك.
قالوا: برجعة محمد ابن الحنفية وأنه غائب لم يمت، انتقل ابن حرب بعد ذلك إلى ادعاء الألوهية لنفسه، بادعاء أن روح الله تناسخت في الأنبياء والأئمة حتى انتهت إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية ومنها انتقلت إليه([278]).
عاصر الحربية الإمام الصادق رحمه الله (114هـ- 148هـ) قيل: قتل ابن حرب على يد خالد بن عبد الله القسري.
 
 البيانية:
أتباع بيان بن سمعان النهدي (من بلدة نهد) يمني الأصل كـعبد الله بن سبأ، أقام بـالكوفة، تأثر بـحمزة بن عمارة وكان من تلاميذه، كان من الكيسانية القائلين بالوصية لـأبي هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية، بعد وفاة أبي هاشم ادعى أنه الإمام القائم المهدي وله رجعة، ثم ادعى أنه الوصي على إمامته ثم ادعى النبوة، ادعى حلول روح الله في الإمام علي، ففيه جزء إلهي حل بجسده؛ لذا كان يعلم الغيب ويأتي بالخوارق، ثم ادعى بيان لنفسه الربوبية عن طريق التناسخ، وانتقال روح الله من علي إلى ابنه محمد، ثم ابنه أبي هاشم ثم إليه على مذهب الحلولية، وهو أول من قال بالتشبيه من الغلاة، فزعم أن الله تعالى علواً كبيراً، على صورة إنسان له جوارح وأعضاء على هيئة رجل من نور، ولجأ إلى تأويل القرآن، واستخدام السحر لجذب الناس إليه، لما بلغ خالد بن عبد الله القسري غلوه، قبض عليه وعدداً من أصحابه فحرقهم بالنار سنة (119هـ).
 الجناحية:
أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ويكنى بـأبي معاوية (هاشمي النسب)، سموا بـالجناحية نسبة إلى جده جعفر بن أبي طالب المشهور بـذي الجناحين([279])، دفعه بعض الزنادقة إلى ادعاء انتقال الوصاية إليه من أبي هاشم فاستجاب لهم، ظهر في آخر دولة بني أمية وأول ظهور الدعوة العباسية بـخراسان، كان داعيته عبد الله بن الحارث زنديقاً أمال غلاة من صنوف الشيعة إلى ابن معاوية، وأدخلهم في القول بالتناسخ، وإباحة المحرمات من الخمر والميتة والزنا واللواط.
 من آراء الجناحية: حلول روح الله في أنبيائه([280])، حتى انتهت من النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإمام علي، ثم إلى ابنه محمد، ثم إلى أبي هاشم، ثم إلى عبد الله بن معاوية، ثم ادعى الألوهية وعلم الغيب([281]).
وقالوا بتناسخ أرواح الأشخاص من شخص إلى شخص، وترتب الثواب والعقاب على ذلك، لذا فهم ينكرون القيامة والجنة والنار، ويزعمون أن الدنيا لا تفنى أبداً، ويجعلون النجاة في طاعة الإمام، ورفع كل السيئات بذلك، فلما قتل زعيمهم عبد الله بن معاوية قال بعض أتباعه: إنه حي لا يموت([282]) ولابد أن يظهر ليسلم الإمامة لرجل من بني هاشم من ولد علي وفاطمة.
 الراوندية:
طائفة من نتاج الغلو الشيعي، لكنها مالت إلى العباسيين، حيث ادعى بعض الكيسانية انتقال الإمامة إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فكانوا من أنصار الدعوة العباسية، وشيعة لولد العباس بن عبد المطلب من أهل خراسان وغيرهم.
يزعم الراوندية أن أبا هاشم جعل الوصية لابن عمه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس حيث قدم عليه وأخبره بذلك، وأفضى إليه بأسراره، فلما حضرت الوفاة محمداً أوصى إلى ابنه إبراهيم، ومن بعده إلى أخيه أبي العباس وهو أول خلفاء العباسيين، نودي به خليفة للدولة عام (132)هـ بعد زوال دولة بني أمية، سموا بـالراوندية نسبة إلى راوند القريبة من أصفهان، وكانت مهد الدعوة العباسية.
 والعباسيون وإن لم يكونوا غلاة منحرفين، ولكن دعاتهم استغلوا أمثال هؤلاء الغلاة المناوئين للأمويين من الشيعة، في العمل لإقامة دولتهم والقضاء على دولة بني أمية([283]).
فلما تولى أبو جعفر المنصور العباسي الخلافة، أظهر أن الخلافة حق لولد العباس، وأنهم أحق بها من أولاد علي بن أبي طالب؛ إذ أن العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، فله ولأولاده حق ميراث الولاية، وأولاد علي بن أبي طالب على قرابتهم للنبي صلى الله عليه وسلم لا حق لهم في هذا الميراث، فلما تولى ابنه المهدي بن المنصور ألغى وصية أبي هاشم ولم يعترف بها، وأرجع الإمامة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب -عم النبي صلى الله عليه وسلم- لأنه وارثه وأقرب الناس إليه، ومن تولى الخلافة دونه غاصبون، ثم جعل الإمامة من بعد العباس إلى ابنه عبد الله ثم لـأبي جعفر المنصور ثم لنفسه أي: المهدي.
وهذا كله يمثل صورة من صور الغلو العباسي، وفيه مخالفة لما أجمعت عليه الأمة من إمامة الخلفاء الراشدين وأفضليتهم، وليس للعباسيين ما للراوندية من الزندقة، ولكن كما ذكرنا كانوا من الداعين لهم بين الناس.
من هؤلاء الراوندية وضلالهم:
الأبلق:
رجل من الراوندية، أصم، تكلم بالغلو، زعم أن الروح التي كانت في عيسى صارت في الإمام علي ثم في الأئمة حتى وصلت إلى إبراهيم بن محمد، وأنهم آلهة، استحل وأتباعه المحرمات، قتله أسد بن عبد الله وأتباعه وصلبهم.
خداش:
اسمه عمار بن يزيد، سمي خداشاً؛ لأنه خدش الدين، كان نصرانياً فأظهر الإسلام لهدم الدين الإسلامي، أظهر الدعوة إلى محمد بن علي، واستمال الناس إليه، وأظهر دين الخرمية في إباحة المحرمات، وشوه صورة الإمام العباسي بذلك، ثم دعا إلى نفسه وزعم أنه يحيط بالأسرار الإلهية، وأقام نفسه زعيماً، ظفر به أسد بن علي لما تفاقم أمره، فقطع لسانه ويده وسمل عينه.
أبو مسلم الخراساني:
الراجح أنه فارسي من ولد يزدجرد، على يديه قويت الدعوة العباسية وعرف بأنه صاحب دعوتهم، وقد وطأ لهم البلاد، وقتل العباد، حتى تم لهم الأمر، وظهرت خطورته باستمالته لخليط من أهل الأهواء من الناس على مذاهب متباينة ومعتقدات مختلفة، فكان منهم كيسانية حربية، وجناحية وكان منهم الراوندية.
وبعد نجاح حركة أبي مسلم باعتلاء العباسيين عرش الخلافة وتولي أبو العباس السفاح أحسن معاملة أبي مسلم([284])، فلما تولى أبو جعفر المنصور خشى منه على الدولة فدبر له مكيدة وقتله عام (137هـ).
 الرازمية المسلمية:
أتباع رزام بن رزام، ظهروا أيام أبي مسلم الخراساني في خراسان، حتى قيل إنه على مذهبهم؛ لأنهم ساقوا الإمامة إليه، تدرجوا بالإمامة من الإمام علي إلى ابنه محمد، فإلى أبي هاشم، ثم إلى العباسيين بالوصية، حتى انتهوا بها إلى أبي مسلم([285])، ثم ادعوا حلول الإله فيه؛ لذا نصره على بني أمية، قالوا بتناسخ الأرواح، وبعد مقتل أبي مسلم سميت الرزامية بـالمسلمية حيث أفرطوا في أبي مسلم غاية الإفراط فزعموا أنه حي لم يمت، وانتظروا عودته([286])، وفي عام (141هـ) ادعى جماعة منهم أن أبا جعفر المنصور هو ربهم، وأن أبا مسلم الخراساني نبي أرسله أبو جعفر، فأخذ أبو جعفر المنصور عدداً منهم استتابهم.
 المقنعية:
نسبة إلى رجل يسمى عطاء من أهل مرو بـخراسان، كان قبيح الوجه يتخذ وجهاً من ذهب يتقنع به لئلا يرى، فقيل له المقنع وصار أتباعه المقنعية، كان على دين الرزامية الموالين لـأبي مسلم الخراساني، من الكيسانية الراوندية، دعا لنفسه، واستعمل الحيل الهندسية والسحر للسيطرة على عقول الناس وإظهار المخاريق، ادعى الألوهية، وتبعه خلق عظيم، عبدوه وكانوا يسجدون له.
زعم أنه هو الإله، وأنه تصور من قبل في صور الأنبياء والحكماء، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، ثم الإمام علي، ثم أولاده، ثم في صورة أبي مسلم، ثم تجسد في صورة المقنع، وأنه يتصور في صورة عباده؛ لأن العباد لا يطيقون رؤيته في صورته، وإلا احترقوا بنوره.
دعا إلى الإباحية، وترك الفرائض، واستحل المحرمات، وكان يقتل من يخالف مذهبه، تحصن وأتباعه في قلعة، وأعانه كفار الأتراك في الإغارة على أموال المسلمين، ودامت فتنته مقدار أربع عشرة سنة، فلما استفحل خطره أنفذ إليه الخليفة المهدي أكثر من جيش وأكثر من قائد، فأطالوا حصار قلعته حتى تفرق من حوله من الأتباع إلا قليلاً، فلما أيقن الهلاك جمع نساءه وأهله وسقاهن السم، وأمر أن يحرق هو بالنار ليتلاشى جسده (صاعداً إلى السماء) حتى يتحقق أصحابه قوله، ثم يلقوا بأنفسهم في النار بعده ليرتفعوا معه إلى السماء، فلما دخل العسكر القلعة وجدوها خالية خاوية، وكان ذلك في عام (169هـ).
 
 المغيرية:
نسبة إلى المغيرة بن سعيد، قيل: العجلي، وقيل: البجلي، مولى ليس بعربي، سكن الكوفة، بدأ حياته مظهراً التشيع والحب لـعلي بن أبي طالب، قريباً من أبي جعفر الباقر، بدأ انحرافه بإظهار السب للشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم أظهر الغلو في علي، فادعى أنه أفضل من الأنبياء السابقين، وفي منزلة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ادعى أنه إله يحيي الموتى، وعرض نفسه على أئمة أهل البيت للدعوة إليهم، فرفضه أبو هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية ومحمد بن عبد الله بن الحسن والإمام الباقر، ادعى أن الإمام الباقر أبا جعفر إله، وأنه نبيه ورسوله، فتبرأ الباقر منه ولعنه، ثم ادعى لنفسه الألوهية، وادعى علم الغيب وإحياء الموتى، وكان ممن قال بالتشبيه والتجسيم، والقول بالحلول واستحلال المحارم([287]).
تبعه على ضلاله خلق كثير؛ لاستخدامه السحر وادعاء الخوارق والشعوذة، تمكن منه خالد بن عبد الله القسري فأحرقه وبقية من أتباعه عام (119هـ) وبرغم موته قال بعض أتباعه بمهديته وانتظار رجعته، دسوا في كتب أصحاب الباقر معتقدات كفرية، وقالوا بالغيبة.
 المنصورية:
أصحاب أبي منصور العجلي، عربي من بني عجل([288])، تأثر بـالكيسانية في أول حياته، ثم تتلمذ على يد المغيرة بن سعيد وتابعه، فلما قتل المغيرة أعلن أنه الوصي، وعزا نفسه إلى الباقر، فلما تبرأ منه الباقر، زعم أنه الإمام ودعا الناس إلى نفسه، فلما توفي الباقر ادعى أنه فوض الأمر إليه وجعله وصيه، وادعى انتقال الإمامة إليه، وانضم إليه المغيرية بعد مقتل زعيمهم.
 تبنى آراء المغيرة وزاد آراء جديدة، زعم أن الله عز وجل عرج به إليه، وأدناه وكلمه، واتخذه نبياً ورسولاً، وادعى أن الرسالة مستمرة لا تنقطع أبداً، أباح المحرمات وأسقط الفرائض، وكفر بالجنة والنار، فزعم أن الجنة رجل أمرنا بموالاته وهو الإمام، وأن النار رجل أمرنا بمعاداته وهو خصم الإمام، والمحرمات كلها أسماء رجال أمرنا بمعاداتهم، والفرائض أسماء رجال أمرنا بموالاتهم، وأبطل المواريث والطلاق، كان يأمر أصحابه بخنق من خالفهم وقتلهم، فإنه جهاد خفي، لما اطلع يوسف بن عمر الثقفي([289]) والي العراق أيام هشام بن عبد الملك على أمره وما أحدثه، أخذه وصلبه عام (121هـ)، انقسمت المنصورية بعده إلى فرقتين:
 الحسينية:
1- الحسينية: أتباع ابنه الحسين، الذي ادعى مرتبة أبيه وأنه نبي، وكثر أتباعه فقتله المهدي الخليفة العباسي([290]) وجماعة من أتباعه.
 المحمدية:
2- المحمدية: قالوا بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن([291]) ومالت إليه، وقد امتدت الدعوة المنصورية من أيام الأمويين حتى عصر الخليفة العباسي الثالث المهدي.
 
 الخطابية:
أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع الأسدي([292])، نشأ بـالكوفة وعاصر انحسار حركات الغلاة، فنظم صفوفها من جديد، عاصر الإمام جعفر الصادق فكان من تابعيه وأجل أصحابه، ونال رضاه، ثم غلا فيه فتبرأ منه ولعنه، ادعى أنه وصي الصادق من بعده، فتقوّل عليه، وادعى الإمامة فالنبوة والرسالة، وتبعه وآمن به بقايا من المنصورية والجناحية.
زعم أن الأئمة آلهة، وأن الله حل فيهم، وركز على ألوهية الصادق، ثم ادعى الإلهية لنفسه، وأن الله انفصل عن الصادق وحل فيه، وآمن بألوهية أبي الخطاب الكثيرون، استحل المحارم ورخص لهم فيها، وأسقط الفرائض.
فلما علم عيسى بن موسى عامل المنصور على الكوفة باستحلالهم المحرمات وغلوهم، بعث المنصور إليهم بجيش كثيف، قتلهم عن آخرهم، وأسر أبا الخطاب فقتل وصلب وأحرق جسده، كان ذلك عام (138هـ).
وقد انقسمت الخطابية في عهد زعيمها ثم بعد مقتله إلى فرق مختلفة، من الفرق التي ظهرت في حياة أبي الخطاب:
1 العميرية أو (العجيلية):
أصحاب عمير بن بيان العجلي، جهروا بالخروج على أبي الخطاب، واجتمعوا على عبادة جعفر في الكوفة، قتل عمير على يد يزيد بن عمر بن هبيرة عام (128هـ).
1 البزيغية:
أصحاب بزيغ بن موسى الحائك، تبرأوا من أبي الخطاب لما تبرأ منه الإمام الصادق، زعموا أن جعفر هو الله، وأن كل مؤمن يوحى إليه، وأن منهم من هو خير من الملائكة ومن النبي صلى الله عليه وسلم.
 أما بعد وفاة أبي الخطاب فتكونت منهم فرق منها:
1 المعمرية أو (اليعمرية):
أصحاب معمر بن الأحمر، دانوا له كما دانوا لـأبي الخطاب، زعموا أن الدنيا لا تفنى، وقالوا بالتناسخ، واستحلوا المحرمات، قالوا: الجنة ما يصيب الناس من الخير، والنار ما يصيبهم خلاف ذلك، وخرج (ابن اللبان) يدعو إلى معمر بالألوهية، ووضع عن أتباعه غسل الجنابة ونكاح المحارم، ويأمر بالصلاة والصيام والتوجه بهما إلى معمر.
1 المفضلية:
أتباع مفضل الصيرفي، قالوا بربوبية جعفر دون نبوته ورسالته، وتبرأوا من أبي الخطاب لتبرؤ الإمام جعفر منه.
1 فرقة السري:
قالوا إنه رسول مثل أبي الخطاب أرسله جعفر، وجعفر هو الله، نادوا بنبوة السري ورسالته، وصلوا وصاموا وحجوا لـجعفر، وكانت تلبيتهم: لبيك يا جعفر! لبيك.
1 الصائدية:
أصحاب صائد.
1 البشيرية:
أصحاب محمد بن بشير.
قال الشهرستاني معقباً على فرق الخطابية: (وتبرأ من هؤلاء كلهم جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه، وطردهم ولعنهم، فإن القوم كلهم حيارى ضالون جاهلون بحال الأئمة تائهون).
 الشريعية:
أتباع رجل يسمى الشريعي، مُخمِّسة يغالون في خمسة أشخاص، أولهم النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه الإمام علي، والسيدة فاطمة، والحسن، والحسين رضي الله عنهم، وهم أصحاب الكساء في قصة مباهلة أهل نجران، زعموا أن الله حل في هؤلاء الخمسة بالسوية، لا فضل لأحدهم على الآخر، وكرهوا أن يقولوا فاطمة بالتأنيث فقالوا فاطم، وجعلوا لهؤلاء الخمسة أضداداً، هم أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية وعمرو بن العاص، ادعى الشريعي يوماً أن الإله حل فيه.
 الذمية:
الذمية: وهم أولئك الذين رفعوا من منزلة علي رضي الله عنه وغضوا من مقام النبي صلى الله عليه وسلم ووصفوه بصفات مذمومة!! فمنهم من ادعى أن علياً هو الله، وأن محمداً عبده!! ومنهم من ادعى أن الله أرسل محمداً ليدعو إلى علي فدعا إلى نفسه!! ومنهم من يخطئ جبريل في تسليمه الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم بدلاً من علي!!
ومن هؤلاء:
1 العلبائية:
العلبائية: أصحاب العلباء بن ذراع الدوسي، عاصروا إمامة الصادق:
منهم: من ادعى محمداً عبداً لـعلي وعلي الرب، وقد اعتبرهم ابن حزم امتداداً للسبئية.
ومنهم: من ادعى أن الله بعث علياً نبياً وكلف محمداً صلى الله عليه وسلم ليظهر أمره، فادعى النبوة لنفسه، وأنه أرضى علياً بأن زوجه ابنته.
ومنهم: من ادعى أن علياً استعان بالنبي؛ لأنه أكبر منه سناً، فاستقل بالأمر دونه.
1 الغرابية:
الغرابية: زعموا أن جبريل غلط، أرسله الله إلى علي بالرسالة، فذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة للشبه بينهما، قالوا: كان أشبه به من الغراب للغراب، وقالوا: أولاد علي أنبياء من بعده أيضاً، ومنهم من قال: إن جبريل قصد ذلك وتعمده، فلم يقع منه غفلة أو سهواً.
1 العذاقرة:
العذاقرة: أتباع أبي جعفر بن علي الشلمغاني المعروف بـابن أبي العذاقر، من قرية شلمغان بـواسط، ظهر مذهبه بـبغداد في عهد الراضي بن المقتدر، ادعى حلول الإله في الأنبياء وأضدادهم: أي في النبي وإبليسه، حتى وصل الحلول إلى الإمام علي وإبليسه، ومن بعد علي يظهر الله في كل شيء، ادعى أنه إله الآلهة، وسمى نفسه روح القدس، أحل المحارم لأتباعه، واستعمل التأويل، فالملائكة كل من ملك نفسه وعرف الحق، والجنة انتحال مذهبهم، والنار الجهل بهم، وقال بالتناسخ، لما ذاع صيته وانتشر أمره طلبوا، فاستتروا ولم يوجدوا، وفي عام (322هـ) قبض على الشلمغاني ومجموعة من أتباعه، وأفتى الفقهاء بإباحة دم الشلمغاني ومن لم يتب من أتباعه، فصلبه المقتدر بالله ثم أحرقه وطرح رماده في نهر دجلة.
1 الهشامية:
الهشامية: أتباع الخبيث الرديء هشام بن الحكم، أول من قال بالإمامة نصاً ووصية، ووضع لها الأصول النظرية، له مصنفات كثيرة ومباحث مع مخالفيه، أشهر كتبه الإمامة، كان حاذقاً بصناعة الكلام، كان من خواص موسى بن جعفر، وعاصر الصادق والكاظم، انقطع للبرامكة وتوفي بعد نكبتهم.
من معتقداتهم: التشبيه والتجسيم([293])، وأن الله لا يعلم الشيء حتى يكون، قالوا بألوهية علي ووجوب طاعته، وجوزوا المعصية على الأنبياء ولم يجوزوا المعصية على الأئمة، (فالأئمة معصومون) (والأنبياء غير معصومين)، قالوا: لأن النبي يمكن تنبيهه بالوحي إذا أخطأ، والإمام لا يوحى إليه، وتجب طاعته؛ فوجبت عصمته، وقد تبرأ منه الأئمة من أهل البيت.
1 النعمانية:
النعمانية: أتباع محمد بن علي بن النعمان الأحول، اشتهر بلقب: (شيطان الطاق)([294])، لقب بذلك نسبة إلى ابنه، كان له دكان للصرافة في طاق المحامل بـالكوفة كان يجلس فيها، كان حاضر الجواب، سريع البداهة، شاعراً، حاذقاً في صناعة الكلام، له مناظرات مع أبي حنيفة، كان من أصحاب الإمام جعفر الصادق ثم خرج عليه، له كتب منسوبة إليه تدل على فساده.
 قالوا: إن الله نور على صورة إنسان، وأنه لا يعلم الشيء حتى يكون، والتقدير عندهم الإرادة، والإرادة فعله تعالى، قالوا بالتناسخ والحلول والرجعة.
1 اليونسية:
اليونسية: أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي مولى آل يقطين، كانت له منزلة عظيمة عند الشيعة من الإمامية؛ على مذهب القطعية القائلين بقطعية موت موسى بن جعفر، له مصنفات كثيرة، من المشبهة، أفرط في باب التشبيه، زعم أن الله تحمله الملائكة حملة العرش.
1 الكاملية:
الكاملية: أصحاب أبي كامل، كفروا الصحابة لتركهم إمامة علي وبيعته، وطعنوا في علي رضي الله عنه لتركه حقه في الإمامة، ولم يعذروه في القعود وقالوا بكفره، وأنه كان يلزمه قتال الصحابة كما قاتل أصحاب صفين، فالصحابة جميعاً عندهم كفار بلا استثناء، يقولون بالتناسخ، وأن الإمامة نور يتناسخ من شخص إلى آخر.
1 الكيالية:
الكيالية: أتباع أحمد بن الكيال، كان يدعو إلى إمام مستور من أهل البيت بعد جعفر بن محمد الصادق، فلما تبرأ منه أهل البيت دعا إلى نفسه، ادعى الإمامة أولاً، ثم ادعى أنه القائم ثانياً، له اعتقادات ضالة مبتدعة تدل على إلحاده.
 الإسماعيلية:
ترجع نشأة الإسماعيلية الأولى إلى وفاة الإمام جعفر الصادق عام (148هـ)، حيث افترق الشيعة القائلون بإمامته إلى فرق، وسبب الافتراق أن إسماعيل الابن الأكبر -والإمام المتفق عليه بعد أبيه جعفر - مات في حياة أبيه عام (143هـ) فظهر الانقسام بشأن من يكون الإمام:
فقالت الإسماعيلية الخالصة: إن إسماعيل لم يمت، وإنما قال أبوه جعفر بذلك خوفاً عليه، وهو لا يموت حتى يملك الأرض ويقوم بأمر الناس، لأن أباه جعفر إمام أخبرهم بإمامته والإمام لا يقول إلا الحق، وإنما أظهر موته تقية، فهؤلاء أوقفوا الإمامة على إسماعيل ولم يتعدوه إلى غيره ولو كان أحد أبنائه.
 وقالت الإسماعيلية المباركية: إن الإمام بعد جعفر هو محمد بن إسماعيل بن جعفر؛ لأنه ابن الإمام إسماعيل فهو المستحق للإمامة، وهم يقرون بوفاة إسماعيل، ويرون أن النص عليه إماماً، ثم وفاته في حياة أبيه أفاد انتقال الإمامة عنه إلى ابنه خاصة، فالنص من الإمام لا يرد، والقول بالبداءة على الله محال، والإمامة لا تكون إلا في الأبناء، فأقروا بإمامة إسماعيل حياً فقط، وبموته انتقلت إلى ابنه محمد.
وقال الشيعة الإثنا عشرية: بانتقال الإمامة بوفاة إسماعيل بن جعفر في حياة أبيه إلى أخيه موسى الكاظم، وأن هذا التغيير في تعيين الإمام إنما هو من البداءة، أي أن الله -تعالى عما يقولون- قرر أمراً ثم ظهر له ما جعله يغيره بأمر آخر!!
وبالجملة: فقد اتفقوا على إمامة إسماعيل واختلفوا في إمامة غيره من بعده، فهذه الإسماعيلية الأولى التي امتدت حتى تولدت الإسماعيلية الباطنية من القرامطة والدروز والآغاخانية والبهرة.
1 الإسماعيلية الباطنية:
الإسماعيلية الباطنية: سميت الإسماعيلية المباركية بـالمباركية نسبة إلى رئيسهم الذي يسمى المبارك وهو مولى لـإسماعيل بن جعفر، وكان ممن يدعو إلى محمد بن إسماعيل أيضاً مولى آخر يسمى ميمون بن القداح كان مولى للإمام جعفر الصادق، وسمي أتباعه الميمونية وقد التحق بـالميمونية الإسماعيلية كثير من الخطابية بعد مقتل أبي الخطاب رئيسهم، زعموا أن الإمامة انتقلت بعد جعفر إلى أبي الخطاب، ثم من بعده إلى محمد بن إسماعيل وولده من بعده، وبانضمام الخطابية إلى فرقة الميمونية بدأ الغلو في الإسماعيلية وهيأت لتبني الدعوة الباطنية.
1 الباطنية:
الباطنية: نحلة تدين بتأويل النصوص تأويلاً يذهب بها مذاهب شتى، قد تصل إلى حد التناقض الخالص، فحولت النصوص الدينية إلى رموز وإشارات لها حقائق خفية وأسرار، وهي من وضع أعداء الإسلام الذين يئسوا من استئصاله بالقوة، فلجأوا إلى سلاح التشكيك والتأويل والطعن، ذكر أصحاب التواريخ أن دعوة الباطنية ظهرت أولاً في زمن المأمون، ثم انتشرت في زمان المعتصم، وممن ساهم في إظهارها بابك الخرمي وكان على دين المزدكية، فصارت الخرمية مع الباطنية يداً واحدة.
وقيل: إن الخرمية احتالوا في تحويل الملك للعجم، فموهوا بالنحلة الباطنية، وزينوها للجهال، ودعوا إليها سراً، وقد دخل التأويل الباطني إلى الشيعة عن طريق الغلاة، ولكنه اتخذ صورة منظمة عند الخرمية، ثم أدخلها ميمون بن ديصان بعد ذلك إلى الإسماعيلية فاعتنقوها.
ميمون بن ديصان القداح: قام بإدخال الدعوة الباطنية في المذهب الإسماعيلي تحت ستار الدعوة إلى إمامة محمد بن إسماعيل، انتقل من مكان إلى مكان يجمع حوله فلول الغلاة من الخطابية والجعفرية والمباركية، وكان محمد بن إسماعيل قد اختبأ وأبناؤه في خراسان، وأرسل دعاته في الأقطار، وكان أشهرهم ميمون، وقد بدأ محمد بن إسماعيل دور الستر في المذهب الإسماعيلي، فهو أول الأئمة المستورين في المذهب، بمعنى: يدعو لنفسه سراً ويجعل له دعاة ظاهرين يدعون له جهراً، فالإمام المستور له حجة ودعاة ظاهرين.
وقد استغل ميمون دعوته للإمام محمد بن إسماعيل في ترويج المذهب الباطني، وتعهد أبناؤه حركته من بعده، وأولهم ابنه عبد الله بن ميمون الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للباطنية، وقد لاقت الدعوة الإسماعيلية على يد عبد الله بن ميمون رواجاً عظيماً، واختلطت بالشعوبين والوثنيين وأتباع فلاسفة اليونان، وقد نظم ابن ميمون جمعية سرية هائلة، وبعث دعاته إلى جميع الأقطار باسم الدعوة الإسماعيلية والتبشير بـالمهدي المنتظر.
1 القرامطة:
حركة باطنية انفصلت عن الإسماعيلية المباركية، نسبة إلى حمدان قرمط، بدأ تابعاً لـعبد الله بن ميمون آخذاً بمذهبه، مراسلاً له، داعياً له بعد ذلك، فلما مات عبد الله خلفه ابنه حسين، ولكن حمدان لم يعترف بابنه، وجعل نفسه رئيساً لأتباعه الذين سموا بـالقرامطة.
 كان حمدان خبيثاً داهية لا يظهر غير التشيع داعياً للإمام محمد بن إسماعيل بن جعفر، وزاد في دعوة ابن ميمون وغيّر، كما غيّر ابن ميمون في المباركية وزاد، واتبعه على ضلاله كثير من العرب وغيرهم، واستفحل خطرهم وارتكبوا فظائع وجرائم كبيرة، ومر القرامطة بعدة أدوار وأطوار:
فقد برز إلى جانب حمدان آل الجنابي في البحرين والخليج العربي([295])، فزحفوا على بغداد والبصرة والحجاز والحرمين، حتى نهبوا حجاج مكة وقتلوهم في المسجد الحرام، وقلعوا الحجر الأسود وقلعوا باب البيت، وظل الحجر الأسود في حوزتهم من سنة (317هـ) حتى سنة (339هـ)، وفي اليمن استمال حمدان علي بن الفضل وكان داعية لـابن ميمون، فاستمال قلوب الناس لدعوة القرامطة، واستباح صنعاء قتلاً ونهباً وفعل العظائم، مات ابن الفضل مسموماً سنة (303هـ)، ويعد القرامطة أدق ما عرف من الجمعيات السرية في التاريخ.
رفعوا درجة محمد بن إسماعيل من الإمامة إلى النبوة، وجعلوه من أولي العزم وخاتم النبيين، وقالوا بوقوع النسخ لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، على أن بعض دعاتهم ادعى النبوة كـعلي بن الفضل وأبي سعيد الجنابي، وقالوا بـالحلولية في أئمتهم كـمحمد بن إسماعيل وأبي سعيد وعلي بن الفضيل وغيرهم.
وقالوا برفع التكاليف واستعانوا على ذلك بالتأويل: فمن ذلك تأويل الملائكة بدعاتهم، والشيطان بمخالفيهم، وتأويل الصلاة بموالاة إمامهم، والحج زيارته، والصوم الإمساك عن إفشاء سره... إلخ، ومن مبادئهم كذلك شيوعية المال والنساء فيما بينهم، فكانوا على الإباحية وإطلاق العنان للشهوات.
1 الدولة الفاطمية:
أسس الإسماعيلية الفاطمية دولتهم الفاطمية في شمال إفريقية بظهور عبيد الله المهدي، وتبعه من الحكام الفاطميين: المنصور بالله المعز لدين الله الذي فتح مصر سنة (358هـ) وانتقل سنة (362) وأقام بها.
 فـالحاكم بأمر الله([296])، فـالظاهر، فـالمستنصر بالله، الذي بوفاته انقسمت الإسماعيلية إلى نزارية شرقية ومستعلية مغربية، ومن أئمة الإسماعيلية الفاطمية المستعلية الذين حكموا مصر بعد المستنصر بالله: المستعلي، الآمر، الحافظ، الظافر، الفائز، ثم العاضد آخر حكامها، وقد زالت دولتهم على يد صلاح الدين الأيوبي.
1 طائفة الدروز:
أتباع محمد بن عبد الله الدرزي، وكان من أهل موالاة الحاكم أبي علي منصور بن العزيز خليفة مصر([297]).
يطلق الدروز على أنفسهم طائفة الموحدين، وهو الاسم الذي عرفوا به في كتبهم المقدسة، كان محمد بن إسماعيل الدرزي الملقب بـ(نشتكين) من الباطنية القائلين بالتناسخ، فارسي الأصل، اجتمع بـالحاكم وساعده على ادعاء الربوبية.
ويعد حمزة بن علي بن محمد الزوزني المؤسس الفعلي الحقيقي للمذهب؛ إذ هو رأس الطريقة ومصنف عدة رسائل غدت من الكتب المقدسة عندهم، فارسي من مقاطعة زوزون، وفد إلى القاهرة عام (405هـ)، وكان على اتصال وثيق بـالحاكم واستوحى منه دعوته، يبدأ التاريخ الرسمي للدروز بإعلان حمزة ألوهية الحاكم عام (408هـ)، أما قبل ذلك فكانت الدعوة سرية له.
يقوم مذهب الدروز على ألوهية الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي، وأنه نسخ شريعة الإسلام وأسقط التكاليف، فالله: -تعالى عما يقولون علواً كبيراً- حل في علي بن أبي طالب، وأن روحه انتقلت إلى الحاكم بأمر الله، وشريعتهم التي أتى بها الحاكم بأمر الله هي آخر الشرائع، وتضمنت شريعتهم نقض سائر أركان الإسلام، واستعملوا في ذلك التأويل، وقالوا بتناسخ الأرواح.
 وقد حرص الدروز على كتمان عقائدهم طيلة القرون السابقة، ولم تعرف خبايا مذهبهم إلا منذ نحو قرن، حين غزا إبراهيم باشا المصري([298]) مناطقهم الجبلية([299]) ووقع رجاله على بعض كتبهم المقدسة([300]) وعرفت محتوياتها([301]).
من معتقدات الدروز:
([302]).
1- يقولون بألوهية الحاكم بأمر الله، ولما قتل قالوا بغيبته وأنه سيرجع.
2- ينكرون الأنبياء والرسل ويبغضون مخالفيهم بما فيهم المسلمين.
 3- يعتقدون أن ديانتهم نسخت كل ما قبلها، لذا ينكرون أحكام الإسلام.
4- يقولون بالتناسخ، وأن الثواب والعقاب بانتقال الروح من جسد إلى جسد آخر؛ أسعد أو أشقى بحسب صلاح الشخص، لذا فهم ينكرون الثواب والعقاب الأخروي.
5- لا يأخذون بالقرآن الكريم، ولهم مصحف خاص بهم يسمى: المنفرد بذاته.
6- يبدأ التاريخ عندهم من سنة (408هـ) والتي فيها أعلن ألوهية الحاكم.
7- يعتقدون أن القيامة هي رجوع الحاكم ليهدم الكعبة، ويسحق المسلمين والنصارى، ليحكم الدروز العالم إلى الأبد.
8- يمنعون أبناء الطائفة من الزواج من غيرهم، ويحرمون إرجاع المطلقة.
9- لا يسمح لأحد بالدخول في دينهم، ولا يسمحون لأتباعهم بالخروج منه.
10- مناطق تواجدهم خالية من المساجد.
11- لا يبوحون بعقائدهم لأحد، ولا يعلمونها للمكلفين من أتباع الطائفة إلا بعد سن الأربعين.
12- يقولون: ليس في السماء إله موجود، ولا على الأرض رب معبود، إلا الحاكم بأمره.
* ولما وجد الدروز الأوائل أن دعوتهم في مصر لا تلقى قبولاً، انتقلوا إلى الشام حيث وجدوا هناك من يقبل دعوتهم.
* والدروز يوافقون سائر المسلمين في الختان والزواج والطلاق، والصلاة على الجنازة، لكن لا يتزوج الدرزي أكثر من واحدة، والطلاق لا رجعة فيه.
* ويحتفلون بعيد رمضان وعيد الأضحى، ويجتمعون ليلة الجمعة في معابدهم، ولهم خلوات للانقطاع للعبادة، والوصية عندهم نافذة للقريب والبعيد.
 
1 الدروز المعاصرون:
* ينحصر الدروز المعاصرون في لبنان ثم حوران، ثم وادي التيم، ثم بلاد صفد، ومرج عيون، والجبل الأعلى في جهة حلب، وقليل منهم في بعض المدن([303]).
وينقسمون إلى قسمين:
عقال (أو أجاويد): أي الذين يعرفون الأمور الدينية، وبيدهم أسرار الطائفة([304]).
وجهال: أي يجهلونها، وهؤلاء يعتنون بالأمور الدنيوية([305]). والعقال درجات بحسب المعرفة والإدراك.
* ويشتهر عنهم التمسك بالعادات الحسنة في الكلام والجلوس والضيافة، ويميل كل من كتب عن الدروز حديثاً إلى أنهم على ما كان عليه أسلافهم من تأليه الحاكم، والتمسك بمبادئ حمزة بن علي، والاحتفاظ بخصائصهم كطائفة مميزة من طوائف المذهب الإسماعيلي، ومنهم من ينتسبون في ظاهرهم للإسلام، ويعلنون أنهم صادقون في إسلامهم، ويقيمون أركان الإسلام العملية من صلاة وزكاة وصيام، ومثل هذه الدعاوى تستلزم لقبولها التبرؤ من تعاليم مؤسس المذهب حمزة بن علي ورفضها.
1 انقسام الإسماعيلية إلى مستعلية ونزارية:
لما مات الخليفة المستنصر بالله الفاطمي عام (487هـ)، انقسمت الإسماعيلية الفاطمية إلى نزارية شرقية ومستعلية مغربية. حيث أن المستنصر نص على أن يليه ابنه نزار الأكبر، ولكن الوزير الأفضل بن بدر الجمالي أمير الجيوش نحى نزاراً وأقام المستعلي الابن الأصغر خليفة، وظفر بـنزار وسجنه حتى مات -أو قتله-([306]).
1 الإسماعيلية المستعلية:
أقام الأفضل المستعلي بالله بن المستنصر خليفة([307])، فلما مات عام (495هـ)، أقام من بعده ابنه الآمر بأحكام الله وعمره خمس سنين، فلما قتل أقيم من بعده الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر، وبعد الحافظ تولى الظافر ثم الفائز ثم العاضد (آخر خلفائهم)([308])وقد أزال صلاح الدين الأيوبي دولتهم في مصر.
1 الإسماعيلية البهرة:
دخل المذهب الإسماعيلي اليمن مع دعاة القرامطة علي بن فضل وابن حوشب، ولكنه لم يعش طويلاً، ثم استطاع علي بن محمد الصليحي أن يخضع اليمن لسلطانه ويعيد فيه الدعوة الباطنية، وأنشأ دولة، وسميت دعوته بالدعوة الصليحية، وعلي بن محمد الصليحي أخذ المذهب الباطني عن داعيته عامر بن عبد الله الزواحي، فأظهره بالقوة، ودعا للخليفة المستنصر الفاطمي، قتل الصليحي عام (459هـ)، واستمر حكم اليمن في أهل بيته باسم الإمام الإسماعيلي الفاطمي في مصر، فلما انقسمت الإسماعيلية إلى مستعلية ونزارية انضم اليمنيون الصليحيون إلى المستعلية.
تابع الصليحيون الخليفة المستعلي بالله ومن بعده ابنه الآمر بأحكام الله، فلما مات الآمر بأحكام الله رفض الصليحيون الاعتراف بخليفته في مصر، وزعموا أن للآمر طفلاً ذكراً اسمه الطيب بن الآمر، ونادوا به إماماً لهم([309])، فأطلق عليهم الدعوة الطيبية أو الطيبيين، وهي امتداد للدعوة الصليحية في اليمن، وتقوم الدعوة الطيبية على الدعوة للإمام المستور الطيب وأبنائه من بعده.
فلما انقرضت الدولة الصليحية عام (511هـ) لم يعد للدعوة الطيبية نشاط سياسي، وركن أتباعها إلى التجارة واتخاذ التقية، وساعدتهم التجارة على نشر الدعوة الإسماعيلية الطيبية في الهند، لاسيما في ولاية جوجرات جنوب بومباي، فلما اعتنق جماعة من الهندوس الدعوة الطيبية وكثر عددهم في الهند، عرفت الدعوة باسم البهرة.
والبهرة: كلمة هندية قديمة معناها: التاجر، انقسم البهرة في القرن العاشر الهجري إلى فرقتين:
البهرة الداودية: وتنسب إلى الداعي قطب الشاه داود، وهو الداعي السابع والعشرين من سلسلة دعاتهم توفي عام (1021هـ)، ومركز دعوتهم انتقل من اليمن إلى الهند([310])، وداعيتهم الآن هو طاهر سيف الدين، يعد الداعي الخمسين من سلسلة دعاة الطائفة، يقيم في مدينة بومباي، يتمتع بنفس الصفات التي يوصف بها الأئمة على أنها صفات مكتسبة لا ذاتية، وطاهر سيف الدين هو حفيد عبد القادر نجم الذي كان يتوارث الإمامة عن أجداده، وله قصر فخم وحاشية كبيرة، وأتباع أكثرهم من كبار التجار، وهم يعظمونه غاية التعظيم، وهو عندهم الداعي المطلق من إمام زمانهم المستتر، وهو كالمعصوم، وطاعته واجبة.
البهرة السليمانية: وهم الذين رفضوا الاعتراف بـداود كداعية، واتخذوا سليمان بن حسن داعية لهم عام (997هـ).
 وداعيها الآن علي بن محمد، يقيم بـاليمن([311])، وله سلطة روحية على أتباعه كما عند الداودية، والطائفتان في انتظار الإمام من أبناء الطيب بن الآمر، ويدينون بالطاعة المطلقة لدعاتهم، ولشدة تعصبهم لعقيدتهم احتفظوا بمذهبهم كما ورثوه من عهد الصليحيين، لهم ملابس مميزة رجالاً ونساء، يتخذون لأنفسهم أماكن خاصة للعبادة اسمها: (جامع خانة)، ولا يصلون في مساجد المسلمين العامة، يصلون كما يصلي المسلمون، ولكن يقولون إن صلاتهم للإمام الإسماعيلي المستور، ويحجون، والكعبة عندهم رمز الإمام.
وبالجملة: فـالبهرة طائفة باطنية تستر عقائدها وتقدس داعيهم المطلق، ويطيعونه طاعة عمياء، ولكن لا يقولون بنبوته أو ألوهيته، وهم امتداد للدعوة الفاطمية في مصر والطيبية في اليمن.
1 الإسماعيلية النزارية:
القائلون بإمامة نزار الابن الأكبر للمستنصر، والذي أوصى المستنصر بإمامته، تمسكوا بإمامته أثناء حياته بـمصر، وتمسكوا بإمامته بعد موته، ولكن النزارية لم يكن لهم حظ من الانتشار، حتى ظهر الحسن بن الصباح فأقام لهم دولة نزارية في بلاد فارس([312]).
تتلمذ الحسن بن الصباح على يد ابن عطاش أحد دعاة الإسماعيلية، طاف البلاد ووصل إلى مصر ودخل على المستنصر، الذي دعاه إلى الدعوة إليه، وأخبره أن الإمامة من بعده لابنه نزار، طاف الحسن ببلاد الشام وخراسان، وكون له أتباعاً استولى بهم على قلعة آلموت([313]) وسيطر عليها.
 بعد موت المستنصر دعا لابنه نزار، فلما قتل ادعى أنه لم يقتل([314]) واستمر على الدعوة له، ونجح في تكوين قلاع وحصون قوية في أقاليم متعددة، ولقب برئيس الدعوة، وآلت إليه رئاسة الإسماعيلية في فارس وخراسان([315]) واتخذ القتل وسيلة لتحقيق أهدافه، فكان يقتل كل من يقف في طريقه من مخالفيه، ونال كثيراً من أهل السنة، حتى ضج الناس من كثرة قتلاه، وساعده على ذلك طاعة أتباعه له طاعة عمياء، حتى اعتقدوا فيه أن له درجة أرفع من النبوة، وأن باستطاعته إدخال من شاء منهم الجنة.
توفي الحسن بن الصباح عام (518) واستمرت دولته النزارية من بعده إلى عام (655هـ)، حيث تصدعت على يد هولاكو والتتار المغول([316]).
1 وتاريخ النزارية مر بدورين: [مرور تاريخ النزارية بدورين]:
الدور الأول: دور الستر الأول: وهو دور الدعاة وهم النواب عن الإمام المستور من نسل نزار بن المستنصر، واستمر من عام (487هـ) إلى عام (557هـ)، وهؤلاء الدعاة هم: الحسن بن الصباح (487هـ- 518هـ)، الكيابزرك (518هـ- 532هـ). محمد الأول محمد بن الكيابزرك (532هـ- 557هـ).
الدور الثاني: دور الظهور الأول: وفيه أعلن الحسن الثاني (557هـ- 561هـ) الإمامة وأنه من سلالة نزار بن المستنصر، وسمى نفسه القاهر بن الهادي بن نزار وجاء من بعده الأئمة:
محمد الثاني (561هـ- 607هـ).
جلال الدين حسن (607هـ- 617هـ).
علاء الدين محمد (617هـ-653هـ).
ركن الدين خورشاه (653هـ- 655هـ).
 وخلال هذه الفترة قال النزارية بإسقاط التكاليف والفرائض، وقالوا بالحلول، فسماهم أهل السنة: الملاحدة، وبقتل هولاكو لـركن الدين خورشاه دخل النزارية في دور الستر الثاني، والذي انتهى بظهور الآغاخانية، والذين بظهورهم بدأ دور الظهور الثاني.
1 الآغاخانية:
كما أن البهرة امتداد للإسماعيلية المستعلية، فإن الآغاخانية امتداد للإسماعيلية النزارية، لما زالت دولة النزارية على يد هولاكو لم تمت دعوتهم، ولكنها غشيها موجة من التخفي والتستر لفترة طويلة.
1 آغاخان الأول:
ظهر في إيران حسن علي شاه([317]) الذي جمع حوله أتباع من الإسماعيلية وغيرهم، هاجم بهم القرى والقوافل، وذاع صيته في أنحاء إيران، خاصة بعد وفاة الشاه فتح علي سنة (1835م)، لقب نفسه آغاخان الأول([318])، وقام بثورة ولكنه فشل وسجن وأخرجه الإنجليز، رحل إلى أفغانستان ثم إلى الهند واتخذ مدينة بومباي مقراً له، واعترف به النزارية الإسماعيلية إماماً لهم وخلعوا عليه لقب آغاخان.
وهو يعد عندهم جامعاً لسلالة الإمامة (بالانتساب إلى نزار) والملك؛ لأنه حفيد شاه فارس([319])، وقد اكتسب رضا الإنجليز في بلاد الهند، ومنحته الملكة البريطانية لقب صاحب السمو ومنح معاشاً ضخماً له ولأبنائه من بعده، وبظهوره دخل إسماعيلية الهند في دور الظهور بعد أن عاشوا في ظل الستر والكتمان مئات السنين، وقد نظم آغاخان شئونهم حتى توفي في (1298هـ-1881م) ودفن في مدينة مجكاؤن، وخلفه في الإمامة ابنه.
 
1 آغاخان الثاني:
هو الإمام علي بن الإمام حسن علي([320])، عرف بصاحب السماحة علي شاه آغاخان الثاني([321]) أعده أبوه للإمامة فكان واسع الثقافة يجيد الرماية وركوب الخيل ويتكلم عدة لغات، وفي احتفال مهيب أعلن أن نجله سلطان محمد شاه ولي عهده والإمام من بعده، مات بعد أربع سنوات في سنة (1885م-1302هـ). ونقل جسده إلى مدينة كربلاء.
1 آغاخان الثالث:
هو الإمام سلطان محمد شاه([322])، تولى بعد وفاة أبيه، وعمره ثماني سنوات([323])، كان يتمتع بشخصية قوية، ودقة التنظيم، فبلغت الإسماعيلية في عهده مكانة كبيرة، كان من أغنى أغنياء العالم، وله شهرة واسعة، أظهر التأييد لسيادة الإنجليز على الهند، توفي بقصره في سويسرا عام (1957م)، ونقل جثمانه جواً إلى أسوان بـمصر في فيلا نور السلام، فلما انتهى إعداد مقبرته احتفل رسمياً بنقل جثمانه إلى مقره الأخير عام (1959م).
 
1 آغاخان الرابع:
تولى كريم بن علي بن محمد الحسيني الإمامة الإسماعيلية سنة (1957م) بعد وفاة جده آغاخان الثالث، وأطلق عليه آغاخان الرابع، وذلك تنفيذاً لوصية جده التي أودعها في أحد بنوك بريطانيا، وكريم من مواليد سنة (1936م) بـجنيف بـسويسرا، ونشأ نشأة غربية، ودرس بإحدى الجامعات الأمريكية، وهو الخليفة الحالي للطائفة، احتفلت الطائفة الإسماعيلية بتنصيبه آغاخان في أكثر من عاصمة من عواصم العالم، يعرف بالذكاء والنشاط.
1 اعتقادات الآغاخانية:
يحتل الآغاخان مكانة كبيرة بين أتباعه، له حق على أبناء الطائفة في كل ما يملكون، يتبركون به، ويقدمون له الهدايا والنذور الغالية، يعتمد في معيشته على ما يجبى له من الزكاة ويقدم له من الهبات السخية، وقد بلغ من غلوهم ادعاء العصمة في الآغاخان الثالث، ثم رفعه في التقديس إلى درجة الألوهية.
 
1 مجمل اعتقادات طوائف الإسماعيلية:
1- ضرورة وجود إمام معصوم منصوص عليه من نسل محمد بن إسماعيل، على أن يكون الابن الأكبر، وقد حدث خروج على هذه القاعدة عدة مرات.
2- من مات ولم يعرف إمام زمانه، ولم يكن في عنقه بيعة له؛ مات ميتة الجاهلية.
3- يضفون على الإمام صفات ترفعه إلى ما يشبه الإله، ويخصونه بعلم الباطن، ويدفعون له خمس ما يكسبون.
4- يأخذون بالتقية ويستعملون السرية والتكتم.
5- الإمام هو محور عقيدتهم، والأرض لا تخلو من إمام مكشوف (ظاهر) أو مستور (باطن)، فإن كان الإمام مستوراً فلابد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين.
6- يقولون بالتناسخ، وأن الإمام وارث الأنبياء جميعاً، ووارث كل من سبقه من الأئمة، ولا يكون التعلم إلا من الأئمة خاصة.
7- يقولون: نحن إسماعيلية لتميزنا عن الشيعة بالاعتقاد في إمامة إسماعيل، وقد تأثرت دعوتهم بالفلاسفة الملاحدة، فظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض([324]).
قال عنهم الغزالي: (المنقول عنهم الإباحة المطلقة، ورفع الحجاب، واستباحة المحظورات واستحلالها، وإنكار الشرائع، إلا أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم) ومن ألقابهم:
الباطنية: لأخذهم التأويل والغلو فيه، فيدعون أن لكل ظاهر باطناً ولكل تنزيل تأويلاً.
 القرامطة: نسبة إلى دولة القرامطة نسبة إلى حمدان قرمط من دعاتهم.
الحشاشون: نسبة إلى أتباع الحسن بن الصباح الملقب بـالعباد صاحب قلعة آلموت.
النصيرية: يزعم النصيرية إمكانية ظهور الروحاني بالجسد الجسماني، في جانب الخير كظهور جبريل في صورة أعرابي، أو صورة بشر، وفي جانب الشر كظهور الشيطان بصورة إنسان، وظهور الجني بصورة بشر، وهكذا ظهور الإله في شخص علي؛ إذ هو أفضل شخص بعد النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده أولاده، ومن هنا أطلقوا عليهم كونهم آلهة.
 النصيرية (العلويون):
طائفة منشقة عن الشيعة الإثني عشرية في عهد إمامهم الحادي عشر([325])، وتنسب إلى محمد بن نصير النميري من أصحاب الإمام الحسن العسكري([326])، ويسمون أحياناً النميرية نسبة إلى النميري، وهم المعروفون حالياً باسم العلويين، وهو الاسم الذي أطلق عليهم حديثاً نسبة إلى تأليههم الإمام علي وعبادتهم له، كان لـمحمد بن نصير آراء غالية في الإمام الحسن العسكري، فقال بألوهيته، وادعى النبوة، وقال بإباحة المحارم. توفي سنة (260هـ).
 وقد تطورت دعوته على يد أتباعه الذين تفرقوا واختلفوا بعد وفاته، وتركزت حول تأليه الإمام علي، يزعم النصيرية أن الله حل جزئياً في علي رضي الله عنه -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- لذا علم التأويل وأتى بالخوارق وعلم الغيب، ويعتقدون أن علياً -الإله في نظرهم- أرسل سلمان الفارسي رسولاً له، أما محمد صلى الله عليه وسلم فهو حجاب للإمام علي: (فـعلي الرب، ومحمد الحجاب، وسلمان هو الباب)، ومن عجائبهم أنهم يحبون ابن ملجم -قاتل الإمام علي - لأنه في زعمهم خلص اللاهوت من الناسوت، ويخطئون من يلعنه، وهو عندهم أفضل أهل الأرض وأكرمهم في الآخرة.
* يستحلون الخمر والمحارم واللواط.
* والصلوات الخمس عندهم عبارة عن خمسة أسماء: علي وحسن وحسين ومحسن وفاطمة، وذكرهم يغني عن الغسل من الجنابة والوضوء([327]).
* والصوم عندهم عبارة عن اسم ثلاثين رجلاً واسم ثلاثين امرأة، يعدونهم في كتبهم([328]).
* وعمر عندهم إبليس الأبالسة، يليه في الإبليسية أبو بكر ثم عثمان!! رضي الله عنهم جميعاً([329]).
 يتسمون بالسرية الشديدة، ويفرضون على أتباعهم الكتمان المطلق، ولا يطلعون أحداً على معتقداتهم إلا رجالهم بعد التاسعة عشرة من العمر، مع القسم بعدم البوح بهذه الأسرار ولو قتل.
* يزعم النصيرية أن علياً يسكن السحاب، لذا يسلمون على السحاب إذا مر بهم، ويقولون: إن الرعد صوت علي، والبرق سوطه، شأنهم شأن غلاة الشيعة.
* يزعمون أن علياً خلق محمداً، وأن محمداً قد خلق سلمان الفارسي([330])، وأن سلمان خلق الأيتام الخمسة -أي الذين لا مثيل لهم-([331]) وهم:
1- المقداد بن الأسود: يعدونه رب الناس والموكل بالرعود.
2- أبو ذر الغفاري: الموكل بدوران الكواكب والنجوم.
3- عبد الله بن رواحة: الموكل بالرياح وقبض أرواح البشر.
4- عثمان بن مظعون: الموكل بالجسد وأمراض الإنسان.
5- قنبر بن كادان: الموكل بنفخ الأرواح في الأجسام.
ومن أعيادهم([332]):
(أ) عيد النيروز: في الرابع من إبريل أول أيام السنة عند الفرس([333]).
(ب) عيد الغدير: يوم الوصية لـعلي بالإمامة من النبي صلى الله عليه وسلم([334]).
 (ج) يوم عاشوراء: ذكرى مقتل الحسين في كربلاء([335]).
(د) يوم المباهلة (يوم الكساء): ذكرى دعوة وفد نجران للمباهلة، ويسمونه يوم الغدير الثاني، في التاسع من ربيع الأول.
(هـ) عيد الأضحى: في (12) من ذي الحجة.
(و) يشاركون النصارى في عيد الغطاس، وعيد العنصرة، وعيد القديسة بربارة، وعيد ميلاد المسيح، وعيد الصليب.
(ز) يوم دلام: ذكرى مقتل عمر بن الخطاب.
وقد اتفق العلماء على كفر هؤلاء النصيرية العلويين، وحرمة مناكحتهم، وحرمة أكل ذبائحهم وأنه لا يصلي على من مات منهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (هؤلاء القوم المسمون بـالنصيرية -هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية - أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل التتار والفرنج وغيرهم.. وهم دائماً مع كل عدو للمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار، ثم إن التتار ما دخلوا بلاد المسلمين وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم) اهـ.
 وقد أطلق الاستعمار الفرنسي لـسوريا اسم العلويين في عصرنا الحاضر على هؤلاء النصيرية، وهو تمويه وإخفاء لحقيقتهم وأنهم من الرافضة الباطنية، ولهم حالياً تواجد في العديد من المدن السورية، وفي الأناضول وتركيا وألبانيا وفارس، وتركستان ولبنان وفلسطين، وقد بين عدد من الباحثين أن هؤلاء المعاصرين من النصيرية على غلو أسلافهم، بل ولهم مظاهر جديدة من الغلو عرفت من الاطلاع على كتبهم السرية، وبعض العلويين يتظاهرون في العلن بموافقة الإثني عشرية، ولعل ذلك من باب التقية عندهم، ولدفع التكفير عنهم.
 البابية والبهائية:
يمكن عد البابية من نتاج الغلو الشيعي من وجوه:
* أن مؤسس البابية من الشيعة الإثني عشرية، ولكنه تجاوز حدود المذهب بآراء جديدة منحرفة مستمدة من فرق الغلاة.
* أن المذهب الإثني عشري رغم أنه أغلق باب الإمامية بالإمام الثاني عشر، إلا أنها بانتظار ظهوره قد تركت الباب مفتوحاً لظهور فرق تدعي المهدية([336]).
* أن مذهب طائفة الإثني عشرية فيه تخصيص الأئمة بالقداسة الزائدة، والبابية والبهائية أخذت بهذا التقديس الزائد لمؤسسيها.
* أن مبادئ البابية ما كانت لتظهر وتروج إلا في مثل بيئة الشيعة الإثني عشرية.
 وأول من وصفهم بأنهم من غلاة الشيعة هو الشيخ العلامة الألوسي مفتي بغداد وصاحب تفسير روح المعاني، إذ كان معاصراً للبابية واطلع على انحرافاتهم، ووقف في وجههم، وقد توفي الإمام الألوسي رحمه الله عام (1270هـ).
2 البابية:
البابية: نسبة إلى السيد أو الميرزا علي محمد الذي أطلق على نفسه (الباب) فسمى أتباعه البابية، ولد ميرزا علي محمد في مدينة شيراز (1235هـ-1819م)([337]). وسمي علياً تيمناً باسم الإمام علي رضي الله عنه.
مات أبوه قبل فطامه، وتربى في حجر خاله ميرزا سيد علي الذي كان يشتغل بالتجارة، فعمل معه بالتجارة، ثم استقل بنفسه، وكسب شهرة تجارية واسعة، درس العلوم الدينية والرياضيات والروحانيات، ثم شق على نفسه بالمجاهدات حتى تأثرت قواه، فرحل به خاله إلى كربلاء، في كربلاء زار المشاهد المقدسة عند الشيعة، وتعرف على مدرسة الشيخ أحمد زين الدين الإحسائي زعيم الطائفة الشيخية، والذي كان يمزج بين التصوف والفلسفة، ويبشر بقرب ظهور المهدي الغائب المنتظر، في مدرسة الإحسائي بـكربلاء تردد الميرزا على السيد كاظم الرشتي تلميذ الشيخ الإحسائي، وزعيم طائفته بعد وفاته، فاستمع إلى شروحه على كتب الإحسائي، وتأثر بفكرة المهدي وقرب ظهوره، لما مات الرشتي عام (1259هـ-1843م) ادعى الميرزا أنه الباب، ودعا إلى نفسه، وأظهر الزهد والتقشف، فمال إليه الكثير من السذج([338]).
 ولفظ (الباب) من ألفاظ الإسماعيلية، وهو عنوان للشيخ الذي يعلم الناس أسرار الدين، وعند النصيرية يعد سلمان الفارسي بالباب، وكذلك الباطنية تطلق على زعمائها أركان الدعوة لفظ الباب؛ لأنهم واسطة الدخول وسبب الوصول.
اقتنع الميرزا بأنه الباب الذي أشرفت منه على العالم الرغبة المعصومة للإمام المهدي المستور، الذي يعد المصدر الأول لكل حقيقة وهداية، ثم بعد ذلك ادعى أنه هو المهدي المنتظر، وأنه ظهر ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
استجاب لدعوته البسطاء، فبث فيهم دعوته، وأساس معتقداته، وأرسلهم في أنحاء إيران للدعوة إليه([339])، ثم لما رأى إقبال الناس عليه ادعى النبوة، وأن الله أنزل عليه كتاباً يسمى (البيان)، وأن البيان ناسخ للقرآن وأفضل منه، والبابيون يقدسون كتابه هذا ويؤمنون به، جعل الصلاة ركعتين وجوباً في الصباح فقط، وجعل بيته في تبريز كعبة المصلين، وجعل الشهر (19) يوماً والسنة (19) شهراً، فمجموعها (361) يوماً، وأضاف البابية خمسة أيام هي أيام الهاء، وجعلها عيداً، وجعل الصوم (19) يوماً تنتهي بعيد النيروز.
أخذ البابية برفع التكاليف، والإباحية للنساء، ثم قالوا بحلول الله في شخص الميرزا، وقد استمر الباب في دعوته تارة سراً وتارة علناً، وأثار فتناً وفرقة([340])، فأفتى العلماء بردته، ونفذ فيه حكم الإعدام بأمر من الشاه ناصر الدين([341]) صبيحة يوم الإثنين سنة (1265هـ) الموافق لسنة (1849م)([342]). وكان بدء دعوته سنة (1260هـ) الموافق (1844م).
 
2 البهائية:
بإعدام الباب وقع الشقاق بين البابيين([343]) وقد انقسموا فريقين:
أتباع الميرزا يحيى نور الملقب بـ (صبح أزل)([344]): وهو الذي استخلفه الباب قبل إعدامه بفترة وأوصى إليه.
أتباع الميرزا حسين علي الملقب بـ البهاء، وكان الباب قد جعله وكيلاً للأول، فاستأثر بالأمر لنفسه، ولما اشتد الخلاف بين الفريقين تدخلت الحكومة العثمانية بالاتفاق مع السفارة الإيرانية لنفي الفريقين:
فنفت أتباع صبح أزل إلى قبرص، وهم أقلية تتمسك بـالبابية على صورة مؤسسها، ونفت أتباع البهاء إلى عكا، وهم أغلبية، ادعى بهاؤهم نسخ كثير مما أتى به الباب، فطور البابية، ووضع للطائفة عدة كتب تبين مذهبهم، أشهرها كتاب الأقدس، وقامت دعوته على دعوى النبوة، ثم القول بحلول الله فيه.
ومن شرائع البهائية:
* الصيام تسعة عشر يوماً تنتهي بعيد النيروز في 21 مارس.
* الصلاة تسع ركعات وتكون شطر عكا، ولا تقام الصلاة جماعة إلا في الجنازة، ولكل صلاة دعاء خاص.
* الحج يكون إلى الدار التي نزل بها البهاء خلال إقامته بـالعراق، وبعد وفاته يزار قبره بـعكا، وليس للحج وقت معين.
* مساواة الولد بالبنت في الميراث وغيره.
* التقويم البهائي: وفيه سمى الشهور الـ(19) بأسماء جديدة، وجعل لأيام الأسبوع أسماء جديدة.
* نبذ البهاء كل أعياد المسلمين وجعل أعياد الطائفة خمسة:
 1- عيد النيروز في (21) مارس.
2- عيد الرضوان (من 21 أبريل- 2 مايو) ذكرى إعلانه دعوته.
3- عيد ميلاد الباب (مؤسس الدعوة) في أول المحرم من كل عام.
4- عيد ميلاد البهاء حسين في الثاني من محرم.
5- عيد إعلان دعوة الباب في الخامس من جمادي الأولى.
وقتل البهاء في (16) مايو (1892م) على يد أحد أتباع صبح أزل ودفن في عكا، انتقلت رسالته إلى ابنه وخليفته عباس أفندي المسمى عبد البهاء، وكان يطلق عليه - غصن الله الأعظم -، ولكن أخاه ميرزا علي الملقب بـ - غصن الله الأظهر - نازعه في الأمر، واتبعه عدد قليل من البهائية، فانقسمت البابية إلى عدة فرق:
1- أزلية: أتباع صبح أزل.
2- بهائية: أتباع البهاء.
3- بابية بهائية: أتباع عبد البهاء.
4- بابية خلص: لم يعترفوا بأحد بعد الباب.
5- ناقضون: أتباع محمد علي أخي العباس.
وكل فريق يؤيد دعواه ويعادي الآخرين، إلا أن عبد البهاء كان يتمتع بشخصية قوية ودهاء، فزاد على تعاليم أبيه، ووفق بينها وبين الثقافة الغربية، مع الاحتفاظ بتقديس الباب وفكرة ألوهية أبيه البهاء([345])، واستطاع بالدعاية الواسعة عن طريق أتباعه جمع الأتباع والأنصار حول دعوته، فانتشرت البهائية في كثير من بلدان العالم، وصار لها أتباع من النصارى واليهود والمجوس واتخذت البهائية شيكاغو مركزاً لها.
 هلك عبد البهاء عام (1921م-1340هـ)، خلفه وصيه حفيده شوقي أفندي رباني، وقد توفي بأزمة قلبية في لندن ودفن هناك، ومن بعده انتخب مجلساً أعلى للطائفة البهائية من تسعة من البهائيين؛ لتولي شئون الطائفة إلى إقامة الخليفة الثالث للبهائية، وقد اجتمع بعدها المجلس في إسرائيل وانتخب اليهودي الصهيوني ميسون -وهو أمريكي الجنسية منتمي للصهيونية العالمية- رئيساً للطائفة البهائية في العالم.
من معتقدات البهائية:
* الدعوة إلى المحبة بين كافة الأديان والمناداة بالسلام العالمي.
* نسخ شريعة الإسلام بشريعة البيان، ثم نسخ شريعة البيان بـالأقدس وألواحه.
* أن البهاء هو المهدي المنتظر، وأن الباب كان يهيئ الطريق أمامه... وأن البيان كان مما أوحاه البهاء إليه لتهيئة الأذهان لذلك.
ويختلف أتباع البهاء في ادعائه الربوبية؛ ونصوصهم تفيد ادعاء ربوبيته، فمن ألقابه (حضرة الأعلى) و(الرب الأعلى) و(حضرة النقطة) و(النقطة الأولى) وهو اصطلاح شيعي يعني به أنه نقطة الكون.. وأنه حرف الباء في بسم الله الرحمن الرحيم.. ومن ألقابه: (قرة عين النبيين) و(باب الله الأعظم) و(ذكر الله الأكرم الأفخم) و(العلي الأعلى) و(حجة الله بين الأمم).. إلخ.
* الصلاة جعلها الباب صلاة واحدة، أما البهاء فجعلها ثلاث صلوات يومياً يمكن الاكتفاء بواحدة منها.
* الصيام تسعة عشر يوماً في شهر مارس من كل عام، بالكف عن الطعام والشراب طوال النهار، وله أن يفعل ما يشاء.
 * الحج يكون إلى بيت النقطة بـشيراز أو البيت الأعظم بـبغداد. (وقد هدمت الحكومة الإيرانية بيت النقطة بـشيراز، وتحظر الحكومة العراقية الاقتراب من البيت الأعظم بعد حل المحافل والمجالس البهائية هناك).
* الزكاة 19% من رأس المال.
* ألغى البهاء كل الحدود والعقوبات الجسدية في الإسلام تخفيفاً عن الناس، ففي الزنا تدفع فقط غرامة مالية.
* مساواة المرأة بالرجل في كل شيء، وإن كانت المرأة لا حج عليها.
 
 نظرة الشيعة غير الغلاة للصحابة وأهل البيت:
يزعم هؤلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عين الإمام من بعده وحدده، وهو علي بن أبي طالب، ثم ذريته من بعده، لا أحد غيرهم، فالإمامة محصورة فيهم.
منهم من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أشار إشارات واضحة بينة، لا تقبل التردد فيها، إلى إمامة علي بن أبي طالب من بعده، وهؤلا مختلفون:
فمنهم من يتهم الصحابة بالخطأ والإثم باختيار أبي بكر خليفة؛ إذ لم يكن ذلك جائزاً لهم.
ومنهم من يكتفي بدعوى أن الصحابة اجتهدوا في الاختيار، ولم يوفقوا إلى الاهتداء إلى إمامة علي، فهم ليسوا بمخطئين آثمين، ولكنهم اجتهدوا فأخطأوا لا إثم عليهم، فهؤلاء يقرون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ولكنهم يرونها خلاف الأولى، وأن علياً كان أحق بها منهم جميعاً.
ويذهب غالبية الشيعة إلى زعم أن نص النبي صلى الله عليه وسلم على علي بن أبي طالب كان تصريحاً وتلميحاً، بالنص الجلي تارة، وبالإشارة تارة، وأن ذلك كان في مواضع متعددة، ولكن الصحابة تعمدوا مخالفة نص النبي صلى الله عليه وسلم وأمره، وتغاضوا عنه، وقدموا أبا بكر للإمامة ثم عمر ثم عثمان.
فمنهم من يقول: هم بذلك من المخطئين الآثمين الفاسقين الظالمين، هضموا حق علي، وحابوا غيره، وآثروا هواهم على توجيه النبي صلى الله عليه وسلم وأمره.
ومنهم من يقول: هم بذلك من الكفار المرتدين، كتموا الحق، وجحدوه، وردوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم وكتموه، وزعموا أن غالبية الصحابة كانوا على نفاق، فأظهروا الإسلام للنبي صلى الله عليه وسلم مداراة، ومخادعة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينتبه لهم إلا مؤخراً، وملهم وسئمهم ولكن بعد فوات الأوان.
لذا فهم يكفرون جملة الصحابة إلا قليلاً ممن زعموا أنهم نادوا بإمامة علي بن أبي طالب وكانوا معه، ويقولون: إن علياً لم يجهر بحقه في الإمامة طوال ولاية أبي بكر وعمر وعثمان:
(أ) إما حرصاً منه على مصلحة المسلمين، وقد اجتمعوا على غيره، مع ظهور المرتدين ومانعي الزكاة وتكالبهم على المسلمين، ثم حروب فارس والروم، وحاجة الأمة إلى الاستقرار داخلياً، وترك الفرقة والتنابذ، كل ذلك حتم في هذه الظروف العصيبة عدم جهر علي بالإمامة([346]).
(ب) وإما خوفاً على نفسه من القتل والتنكيل أمام تآمر الجميع عليه، وإصرارهم على حجب الإمامة منه، فسكت عنهم تقية وتصنعاً، ولم يجهر بالحق إلا لخاصته من أهل بيته وشيعته وبطانته التي يأتمنهم، وهم قليل([347]).
 

الشيعة الإمامية الإثني عشرية:
([348]).
أكبر الفرق الشيعية وأكثرهم عدداً، يرون الإمامة واجبة بالعقل لا بالشرع، وأنها أصل من أصول الدين، وأحد أركان الإيمان، وأن الإمام معصوم في علمه وعمله، وصفاته كالأنبياء، ولا يخلو زمان من وجود إمام، إذ هو حجة الله على الناس وبه هدايتهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد عين الأئمة من بعده ونص عليهم، وكل إمام نص قبل وفاته على الإمام من بعده، وعدد الأئمة (اثنا عشر) إماماً، أولهم علي بن أبي طالب، ثم من بعده أحد عشر إماماً من ذريته، آخرهم قد اختفى وهو صغير، وغاب في سرداب تحت الأرض، وسيظهر في آخر الزمان، ليملأ الدنيا عدلاً بعد أن تملأ ظلماً وجوراً، والأئمة الاثنا عشر المنصوص عليهم على الترتيب هم:
1- أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الملقب بـالمرتضى ولد عام (23) قبل الهجرة، قتله ابن ملجم سنة (40هـ). ونص على إمامة ابنه الحسن بن علي.
2- الحسن بن علي رضي الله عنهما: الملقب بـالزكي، ولد سنة (2هـ)، وتوفي سنة (50هـ)، ونص على إمامة أخيه الحسين بن علي.
3- الحسين بن علي رضي الله عنهما: الملقب بـسيد الشهداء، ولد سنة (3هـ)، وقتل سنة (61هـ)، ونص على إمامة ابنه علي بن الحسين.
 4- علي بن الحسين رحمه الله: الملقب بـزين العابدين، ولد سنة (38هـ)، وتوفي سنة (94هـ)، ونص على إمامة ابنه محمد بن علي.
5- أبو جعفر محمد بن علي الملقب بـالباقر، ولد سنة (57هـ) وتوفي سنة (115هـ)، ونص على إمامة جعفر بن محمد ابنه.
6- جعفر بن محمد الملقب بـالصادق: وإليه ينسب مذهب الإمامية الفقهي (المذهب الجعفري)، ولد سنة (80هـ)، وتوفي سنة (148هـ)، ونص على إمامة ابنه موسى بن جعفر.
7- موسى بن جعفر الملقب بـالكاظم: ولد سنة (128هـ)، وتوفي سنة (183هـ)، ونص على إمامة ابنه علي بن موسى.
8- علي بن موسى الملقب بـالرضا: ولد سنة (148هـ)، توفي سنة (203هـ)، ونص على إمامة ابنه محمد بن علي.
9- محمد بن علي بن موسى الملقب بـالجواد: ولد سنة (195هـ)، توفي سنة (220هـ)، ونص على إمامة ابنه علي.
10- علي بن محمد الملقب بـالهادي، ولد سنة (214هـ)، وتوفي سنة (254هـ)، ونص على إمامة ابنه الحسن.
11- الحسن بن محمد الملقب بـالعسكري: (وكان بـسامراء)، ولد سنة (232هـ)، وتوفي سنة (260هـ)، ونص على إمامة ابنه محمد بن الحسن العسكري.
12- محمد بن الحسن العسكري الملقب بـالمهدي أو القائم: زعموا أنه ولد سنة (256هـ) واختفى في سرداب بـسامراء بعد وفاة والده، وعمره يقارب الخمس سنوات، وهو حي بالسرداب موجود إلى الآن، ويخرج في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً.
والإثنا عشرية تقصر أهل البيت على علي رضي الله عنه وفاطمة رضي الله عنها وذريتهما (أهل الكساء)، وتنسب الإثنا عشرية مذهبها في الإمامة إلى هؤلاء الأئمة في الاعتقاد والعمل، زاعمين أنهم عملوا بالتقية، ودعوا إلى مذهب الإمامية سراً، وأظهروا موافقة عموم المسلمين، فلم يصرحوا بحقيقة المذهب إلا للخواص من أتباعهم وشيعتهم!!
وهذا من الباطل قطعاً، فسيرة علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم جميعاً؛ معلوم قطعاً خلوها من اعتقادات الشيعة الباطلة، وعباداتهم ومعاملاتهم الفاسدة التي يخالفون فيها عموم المسلمين.
فكيف ينبذ المسلمون ما هم عليه من دين الله، وما أخذوا عن الصحابة وأهل البيت، وسادات التابعين والأئمة؛ لأباطيل يدعي الشيعة أنها نشرت بواسطة الأئمة سراً، تخالف ما كانوا عليه ظاهراً، خاصة وأن نقلة هذا المذهب (الشيعة) اشتهروا عند الخلق بالبدعة والكذب، والجرأة على الافتراء على أئمة أهل البيت بالباطل، حتى قيل فيهم: إنهم أجهل الناس بالعقليات، وأكذب الناس في النقليات.
وللإمامية غلو شديد وإسراف عظيم، في تعظيم أئمة أهل البيت الذين ينتسبون إليهم، تخرجهم عن جادة الصواب، وسنبين لك ذكراً قريباً إن شاء الله([349]).
وحتى نزيد لك الأمر وضوحاً، فسنذكر باختصار تراجم عن أحوال هؤلاء الأئمة الذين يتمسح بهم الشيعة الإثنا عشرية من بعد الحسين رضي الله عنه، لتعرف حقيقة ما كانوا عليه أولاً.. ومنزلتهم وأقدارهم عند أهل السنة، وحتى لا تغتر بعد ذلك بما سننقله عنهم من روايات شيعية كاذبة مزورة، عند ذكر مخالفات الشيعة الإثني عشرية الذين هم غالبية شيعة اليوم.
 
 زين العابدين علي بن الحسين:
([350])
يكنى أبا الحسين، ويقال: أبو الحسن، ويقال: أبو محمد ويقال: أبو عبد الله.
أمه: أم ولد، اسمها سلامة سُلافة بنت ملك الفرس يزدجرد([351])، وقيل: غزالة، يظن أنه ولد سنة (38هـ)، وهو علي الأصغر، أما أخوه علي الأكبر فقتل مع أبيه بـكربلاء.
حضر كربلاء مع أبيه الحسين وله ثلاث وعشرون سنة، وكان يومئذ مريضاً فلم يقاتل، ولم يتعرض له أحد، وذهبوا به إلى دمشق مع أهله، فأكرمه يزيد ورده مع أهله إلى المدينة، ولم يكن للحسين رضي الله عنه عقب إلا من طريق علي زين العابدين رحمه الله، وكان ثقة مأموناً، كثير الحديث، عالياً، رفيعاً، ورعاً، قال العجلي: علي بن الحسين مدني، تابعي، ثقة.
قال الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل من علي بن الحسين، وقال أيضاً: لم أدرك من أهل البيت أفضل من علي بن الحسين، وقال عنه: ما رأيت أحداً كان أفقه منه، ولكنه كان قليل الحديث، قال رجل لـابن المسيب: (ما رأيت أحداً أورع من فلان؟ فقال له: هل رأيت علي بن الحسين؟ قال: لا. قال: ما رأيت أورع منه).
 عن علي بن الحسين أنه قدم العراق، فجلس إليه قوم، فسبوا أبا بكر وعمر ثم عثمان فشتمهم، وعنه قال: (والله ما قتل عثمان رحمه الله على وجه الحق) وعنه أنه لعن المختار رغم ما كان يظهر من التشيع؛ لفساده.
وعن علي بن الحسين قال: (يا أهل العراق! أحبونا حب الإسلام ولا تحبونا حب الأصنام، فما زال بنا حبكم حتى صار علينا شيناً).
وعنه قال: (يا أيها الناس! أحبونا حب الإسلام فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً).
سئل: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأشار بيده إلى القبر ثم قال: (بمنزلتهما منه الساعة).
وسأله رجل عن أبي بكر فقال: (عن الصديق تسأل؟ قال: وتسميه الصديق؟! فقال: ثكلتك أمك، قد سماه صديقاً من هو خير مني، رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار، فمن لم يسمه صديقاً فلا صدق الله قوله، اذهب فأحب أبا بكر وعمر وتولهما، فما كان من أمر ففي عنقي).
سمي زين العابدين لكثرة عبادته، ولقب أيضاً (بـالسجاد)، وقع حريق في بيته فجعل الناس ينادونه وهو ساجد يصلي فما رفع رأسه حتى طفئت، فقيل له في ذلك، فقال: (ألهتني عنها النار الأخرى) -يعني: نار جهنم-.
وعنه أنه كان إذا توضأ اصفر لونه، فإذا قام إلى الصلاة ارتعد من الفرق.
وكان كثير صدقة السر، فينقل للمساكين الخبز والجرب على ظهره في ظلمة الليل، قيل: كان يعول مائة أهل بيت بـالمدينة، فلما مات وجدوا أثر حمل الجراب في ظهره وأكتافه.
ذكروا أنه كان كثير البكاء، فقيل له في ذلك، فقال: (إن يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف ولم يعلم أنه مات، وإني رأيت بضعة عشر من أهل بيتي يذبحون في غداة واحدة، أفترون حزنهم يذهب من قلبي أبداً؟).
 ووقع من جارية له إبريق ماء على رأسه فشجه، فنظر إليها، فقالت: (إن الله يقول: ((وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)) [آل عمران:134] فقال: قد كظمت غيظي، قالت: ((وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ)) [آل عمران:134] فقال: عفا الله عنك، فقالت: ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) [آل عمران:134] قال: أنت حرة لوجه الله تعالى.).
قالوا: كان يلبس في الشتاء خميصة من خز بخمسين ديناراً، فإذا جاء الصيف تصدق بها، ويلبس في الصيف الثياب المرقعة فما دونها، ويتلو قوله تعالى: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ)) [الأعراف:32].
وكان يقول لمن يسيء إليه: (إن كنت كما قلت فاسأل الله أن يغفر لي، وإن لم أكن كما قلت فاسأل الله أن يغفر لك).
كانت له جلالة وهيبة، أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وعلمه، واشتهرت بين الناس قصيدة الفرزدق فيه، وقصتها: أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة أبيه، فكان إذا أراد استلام الحجر زوحم عليه، وإذا دنا علي بن الحسين من الحجر تفرق الناس عنه إجلالاً له، فوجم هشام. وسأل من معه من أهل الشام عنه، فأنشده الفرزدق:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته                          والبيتُ يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم                     هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها                         إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته                        ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضي حياء ويُغضى من مهابته                           فما يكلم إلا حين يبتسم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله                           بجده أنبياء الله قد ختموا
وهي قصيدة طويلة([352]). فحبس هشام الفرزدق بـعسفان([353]) لذلك، فأرسل إليه زين العابدين ما يكافئه به، فلم يقبله إلا بعد إلحاح وقسم، وقال في هشام شعراً يهجوه به([354]). توفي سنة (94هـ) عند (الجمهور) وقيل: (92) أو (93)، أو (95) قبره بـالبقيع.
 
 أبو جعفر الباقر:
([355])
هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
أمه: أم عبد الله بنت الحسن بن علي، فهو علوي النسب من جهة أبيه وأمه، ولد بـالمدينة سنة (57هـ).
تابعي جليل، كبير القدر، أحد أعلام هذه الأمة، علماً وعقلاً، وسيادة وشرفاً، قال العجلي: هو مدني تابعي ثقة، قال محمد بن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، سمي الباقر لبقره العلوم بقراً، واستنباطه الحكم، كان ذاكراً خاشعاً صابراً، كثير البكاء والعبرات، معرضاً عن الجدل والخصومات.
عنه أنه قال: (من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر، فقد جهل السنة) وقال في قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)) [المائدة:55]، إنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقيل له: يقولون هو علي، قال: (علي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم) كان ممن يقدم أبا بكر وعمر وعنه قال: (ما أدركت أحداً من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما رضي الله عنهما).
سئل عن حلية السيف؟ فقال: (لا بأس به، فقد حلى أبو بكر الصديق سيفه، فقيل له: وتقول الصديق؟ فوثب واستقبل القبلة ثم قال: نعم الصديق (مرتين) ثم قال: فمن لم يقل الصديق، فلا صدق الله له قولاً في الدنيا والآخرة).
وقال ذات يوم لـجابر الجعفي: (يا جابر! بلغني أن قوماً بـالعراق يزعمون أنهم يحبوننا ويتناولون أبا بكر وعمر، ويزعمون أني أمرتهم بذلك، فأبلغهم عني أني إلى الله منهم بريء، والذي نفس محمد بيده -يعني: نفسه- لو وليت لتقربت إلى الله بدمائهم، لانالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم إن لم أكن أستغفر لهما وأترحم عليهما، إن أعداء الله لغافلون عن فضلهما وسابقتهما، فأبلغهم أني بريء منهم، وممن تبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما).
توفي سنة (115هـ) وقيل في التي بعدها، وقيل في التي بعدها أو في (117هـ) أو (118هـ)، والله أعلم. ودفن بـالبقيع.
 
 جعفر الصادق:
([356])
هو جعفر بن محمد بن علي بن أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب، ولقبه: الصادق، أحد أعلام التابعين، كان يقول: (ولدني أبو بكر الصديق مرتين)؛ لأن أمه هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأمها هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.
كان يغضب ممن يتعرض لجده أبي بكر الصديق، ولد سنة (80هـ) ورأى بعض الصحابة، وهو من ثقات التابعين وأعلمهم، كان يقول: (سلوني قبل أن تفقدوني، فإنه لا يحدثكم أحد بعدي بمثل حديثي).
قال أبو حنيفة رحمه الله: (ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمد) سأله أبو حنيفة عن أربعين مسألة من صعاب المسائل أمام الخليفة العباسي المنصور فأجابها جميعاً.
كان إماماً في العلم والعمل، برع في شتى العلوم، وتتلمذ عليه كثيرون، وعده أبو حنيفة من شيوخه في الفقه، وأخذ عنه مالك، وعرف بكمال الحكمة، وعظم الزهد في الدنيا، والورع عن الشبهات) قال صاحب حلية الأولياء: (كان جعفر بن محمد يعطي حتى لا يبقي لعياله شيئاً، وذلك لشدة سخائه؛ سمي الصادق لأنه لم يعرف عنه الكذب قط، كان جريئاً صداعاً بالحق).
ومن أقواله في أبي بكر وعمر:
قال: (والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر) وقال لـسالم بن أبي حفصة: (يا سالم! أيسب الرجل جده؟ أبو بكر جدي لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إن لم أكن أتولاهما -أي: أبا بكر وعمر - وأبرأ من عدوهما).
وقال: (ما أرجو من شفاعة علي شيئاً إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله، لقد ولدني مرتين).
وقال: (من زعم أني إمام معصوم مفترض الطاعة، فأنا منه بريئ، ومن زعم أني أبرأ من أبي بكر وعمر فأنا منه بريء) وقال: (برئ الله ممن تبرأ من أبي بكر وعمر).
قال الإمام الذهبي رحمه الله: (هذا القول متواتر عن جعفر الصادق، وأشهد بالله إنه لبار في قوله غير منافق لأحد، فقبح الله الرافضة)([357]).
توفي في سنة (148هـ) (765م) ودفن في قبة الحسن والعباس عند أهله بـالبقيع.
 موسى الكاظم:
([358])
لقبه: الكاظم، وكنيته: أبو الحسن وأبو إبراهيم، هو موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب.
قيل: ولد سنة (128هـ) بـالمدينة، ولد له من الذكور والإناث أربعون نسمة، لقب بـالكاظم لكظمه الغيظ وصبره، وكثرة تجاوزه وحلمه، ذكره أبو حاتم فقال: ثقة صدوق، إمام من أئمة المسلمين.
كان يدعى العبد الصالح من عبادته واجتهاده، كان سخياً كريماً يواسي الناس بماله، فيه مروءة، إذا بلغه أن رجلاً يؤذيه أرسل إليه بالتحف والذهب، وكان يتفقد الفقراء ويحمل إليهم المال والطعام.
حبسه المهدي بعد أن استدعاه إلى بغداد ثم ما لبث أن ندم على ذلك، فأخذ العهد عليه أن لا يخرج عليه ولا على أحد من أولاده وأكرمه وأعطاه ورده إلى المدينة، استدعي إلى بغداد أيام الرشيد، وحبس حتى توفي بها، في سنة (183هـ)، له مشهد مشهور في جانب بغداد الغربي، ودفن معه فيه حفيده الجواد، ولابنه علي بن موسى مشهد آخر بـطوس.
 
 علي الرضا:
([359])
كنيته: أبو الحسن، أشهر ألقابه: الرضا، أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين رضي الله عنه.
أمه نوبية اسمها سكينة، ولد بـالمدينة في سنة (148هـ) (وقيل 153هـ). قيل: أفتى وهو شاب في أيام مالك، وكان لا يسأل عن شيء إلا أجاب عنه، روى الحديث عن أبيه وغيره، وكان من أعلم أهل زمانه، وروى عنه جماعة.
من أقواله: (الله أعدل من أن يكلف العباد ما لا يطيقون، وهم أعجز من أن يفعلوا ما يريدون).
استدعاه الخليفة العباسي المأمون، وبالغ في إعظامه، وهم أن ينزل عن الخلافة فأبى عليه ذلك، فصيره ولي عهده؛ لأنه نظر في بني العباس وبني علي، فلم يجد أحداً هو أفضل ولا أعلم ولا أورع منه، وهو الذي سماه الرضا من آل محمد، وأمر بأخذ الناس على بيعته، وقد قامت قيامة بني العباس لذلك، ونهض إبراهيم ومنصور ابنا المهدي، فنزعوا الطاعة وبايعوا إبراهيم بن المهدي.
ولكن الإمام علي الرضا لم تطل أيامه، فتوفي في حياة المأمون، فاغتم المأمون لموته.
كان رحمه الله كبير الشأن، أهلاً للخلافة، غالت فيه الرافضة وبالغت في الكذب عليه، وأطروه بما لا يجوز، وادعوا فيه العصمة، وهو بريء من ذلك كله، توفي في سنة (203)، ودفن بطوس ومشهده هناك.
 
 محمد بن علي بن موسى الجواد:
([360])
هو محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه، كنيته: أبو جعفر، لقبه: الجواد، ولد سنة 195هـ، ولم تطل حياته فمات وعمره خمس وعشرون سنة، أحب المأمون محمد الجواد لما رأى من فضله وعلمه وكمال عقله، فزوجه ابنته أم الفضل، وحملها معه إلى المدينة، لما مات المأمون، وبويع بالخلافة للمعتصم، طلب محمد الجواد، فقدم بغداد ومعه امرأته ابنة المأمون.
فتوفي بـبغداد ودفن بها عند جده موسى بن جعفر الكاظم([361])، في مقابر قريش، وترك ذكرين وبنتين، صلى عليه الواثق الخليفة العباسي، كانت وفاته في ذي الحجة سنة (220هـ) وكان عمره خمساً وعشرين سنة.
 
 أبو الحسن علي الهادي:
([362])
هو علي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
ولد سنة (214هـ) بـالمدينة، كنيته: أبو الحسن، ولقب: بـالهادي وبـالنقي، كان عابداً زاهداً، كان المتوكل يخشاه لما يسمع من ميل الناس إليه، واجتماعهم حوله بـالمدينة، وأمر بإحضاره إلى بغداد، ثم نقله المتوكل إلى سامراء فأقام بها أزيد من عشرين سنة بأشهر، ومات بها ودفن بها، عرف بالعلم والصلاح والسخاء.
ذكر للمتوكل يوماً أن بمنزله سلاحاً وكتباً، وأن الناس يجتمعون حوله، فأمر بمداهمة بيته، فوجدوه في بيته جالساً مفترش التراب مستقبل القبلة وقد لبس مدرعة من صوف، فحملوه إلى المتوكل على هيئته تلك، فأجله وأعظمه وأجلسه إلى جانبه، وأنشد للمتوكل يعظه:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم                            غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم                    فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا
نادى بهم صارخ من بعد ما قبروا                          أين الأسرة والتيجان والحلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم                          تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طال ما أكلوا دهراً وما لبسوا                          فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
فبكى المتوكل حتى بل الثرى، وبكى من كان بحضرته، وأجزل له العطاء، واعتذر له ورده إلى منزله مكرماً.
مات رحمه الله سنة (254هـ)، توفي ودفن في سامراء وعمره أربعون، ودفن بداره.
 
 الحسن بن علي بن محمد العسكري:
([363])
هو أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
كنيته: أبو محمد، ولقبه العسكري؛ (لأنه كان يسكن في سامراء بمحلة تعرف بـالعسكر)([364]). ولد سنة (232هـ) (وقيل:231هـ) عرف بحسن الخلق والخشوع والكرم، وعظم العبادة، كما كان معظماً بين الناس، ورث عن أبيه العلم والسخاء.
توفي في سامراء ودفن بها كأبيه سنة (260هـ)، وليس له أولاد، أما الشيعة فادعوا أنه كان له ولد في السر والخفاء!!!
فهو عندهم والد المنتظر الذي يعتقدون اختفاءه بسرداب سامراء من مئات السنين.
 
 محمد بن الحسن العسكري المنتظر:
([365])
محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين الشهيد بن الإمام علي بن أبي طالب.
هو خاتمة الاثنى عشر إماماً الذين تدعي الإمامية عصمتهم -ولا عصمة إلا لنبي- هو عندهم حي في السرداب بـسامراء، يخرج ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً، والعرب تقول: من أحالك على غائب لم ينصفك، فكيف بمن أحال على مستحيل، والمعروف أن الحسن العسكري مات من غير عقب، ولكن الإثنا عشرية يقولون: إنه كان له ابن أخفاه، وقيل: بل ولد له بعد موته، من أم اسمها: نرجس أو سوسن، والأظهر عندهم أنها صقيل، ادعت الحمل بعد سيدها، فأوقف ميراثه لذلك، ونازعها جعفر بن علي أخو الحسن([366]) بشأن الميراث، ثم انغش ذلك الحمل وبطل، فأخذ جعفر ميراث أخيه وأخ له، وكان موت الحسن العسكري سنة (260هـ)، وقد افتتن الرافضة بـصقيل ودعواها، فحبسها المعتضد بعد نيف وعشرين سنة من موت سيدها، وجعلت في قصره إلى أن ماتت في دولة المقتدر، قيل دخل السرداب وهو ابن تسع سنين، وقيل دون ذلك([367]).
 قال الذهبي في سير النبلاء: (فلو فرضنا وقوع ذلك في سالف الدهر فمن الذي رآه؟ ومن الذي نعتمد عليه في إخباره بحياته؟ ومن الذي نص على عصمته؟ وأنه يعلم كل شيء؟ هذا هوس بيَّن، إن سلطناه على العقول ضلت وتحيرت، بل جوزت كل باطل، أعاذنا الله وإياكم من الاحتجاج بالمحال والكذب، أو رد الحق الصحيح كما هو ديدن الإمامية) اهـ.
وممن قال إن الحسن العسكري لم يعقب الإمام الطبري ويحيى بن صاعد، قال الذهبي: (وناهيك بهما معرفة وثقة). وكذلك: أبو محمد بن حزم، وغيرهم.
 

الزيدية:
([368])
الزيدية أقرب فرق الشيعة إلى أهل السنة والجماعة، إذ تخلو وتبتعد عن الكثير من مظاهر التطرف والغلو في طوائف الشيعة الأخرى، وترجع نسبة المذهب إلى زيد بن علي زين العابدين رحمه الله، حيث تبنى أتباعه آراءه في السياسة والحكم والصحابة، والتي جاهد من أجلها حتى قتل.
قال الزيدية بأن الإمامة لكل فاطمي عالم شجاع من أولاد الحسن أو الحسين، خرج طالباً الإمامة، فتجب نصرته وتجب طاعته، وعلى هذا فإمامة الفاطمي لا تكون إلا إذا خرج طالباً لها، فيصير بذلك الإمام، لذا بايعوا زيد بن علي زين العابدين لما خرج في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك من بني أمية.
ومن مذهبهم جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل؛ لأن علياً رضي الله عنه للمصلحة ترك الخلافة لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه تسكيناً للفتنة، وتطييباً لقلوب الصحابة رضي الله عنهم الذين اختاروه، وعندهم علي بن أبي طالب أفضل من الشيخين أبي بكر وعمر، ولكنهم أثبتوا خلافة الشيخين، وإن اختلفوا في عثمان رضي الله عنه.
 
 زيد بن علي بن زين العابدين:
هو زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب([369])، ولد سنة (80هـ) وقتل رحمه الله سنة (122هـ).
تنقل في العراق وبلاد الشام طلباً للعلم، كان تقياً ورعاً، عالماً فاضلاً شجاعاً، وسيماً مهيباً، تلقى العلم والرواية عن أخيه الأكبر محمد الباقر رحمه الله، كما اتصل بـواصل بن عطاء رأس المعتزلة، فتأثر ببعض عقائد المعتزلة؛ فأصبحت من عقائد الزيدية، لذا قيل: الزيدية معتزلة في الأصول، وممن أخذ عنه العلم الإمام أبو حنيفة النعمان فتأثر به، ومن بعده الزيدية لذا قيل: الزيدية حنفية في الفروع.
له كتاب المجموع في الحديث، وكتاب المجموع في الفقه، وهما في كتاب واحد اسمه (المجموع الكبير)، رواهما عنه تلميذه: أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي الهاشمي بالولاء، الذي مات في الربع الثالث من القرن الثاني للهجرة.
 
 خروج زيد ومقتله:
كان زيد يرى الأحقية في الإمامة في وجود ظلم وجور من حكام بني أمية، ثم إن طائفة من الشيعة نحواً من أربعين ألفاً التفوا حول زيد بن علي، فلما أخذ البيعة ممن بايعه من أهل الكوفة عزم على الخروج وطلب الإمامة، وكان في عهد هشام بن عبد الملك، وقد نهاه بعض النصحاء عن الخروج، وقال له محمد بن علي بن أبي طالب: إن جدك -يعني: الحسين - خير منك، وقد التفت على بيعته من أهل العراق ثمانون ألفاً، ثم خانوه أحوج ما كان إليهم، وإني أحذرك من أهل العراق، فلم يقبل، بل استمر يبايع الناس في الباطن في الكوفة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى استفحل أمره بها في الباطن، وهو يتحول من منزل إلى منزل([370])، ثم واعد أصحابه بالتأهب للخروج أول سنة (122هـ)، فبلغ الأمر يوسف بن عمر نائب العراق، فبعث يوسف يطلبه ويلح في طلبه، فلما علمت الشيعة بذلك اجتمعوا عند زيد بن علي، فسألوه عن الشيخين أبي بكر وعمر.
فقال: غفر الله لهما، ما سمعت أحداً من أهل بيتي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلا خيراً، قالوا: فلم تطلب إذاً بدم أهل البيت؟ فقال: إنا كنا أحق الناس بهذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً، قد ولوا فعدلوا وعملوا بالكتاب والسنة، قالوا: فلم تقاتل هؤلاء إذاً؟ قال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم، وإني أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإحياء السنن وإماتة البدع، فإن تسمعوا يكن خيراً لكم ولي، وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل، فرفضوه وانصرفوا عنه، ونقضوا بيعته وتركوه، فلهذا سموا من يومها الرافضة([371]). أما من تابعه من الناس على قوله فسموا الزيدية.
 فصار غالب أهل الكوفة منهم رافضة، وغالب أهل مكة يومها زيدية، ثم إن زيداً خرج بمن بقي معه من أصحابه في صفر من سنة (122هـ)، وقد تهيأ له يوسف بن عمر نائب العراق، والحكم بن الصلت نائبه على الكوفة، فحجبا الناس عنه، فما اجتمع معه إلا عدد قليل، ووقع قتال شديد، وأظهر زيد ومن معه شجاعة وبأساً شديداً، حتى أصيب زيد بسهم في جانب جبهته اليسرى ووصل إلى دماغه، فما إن نزع منه حتى مات من ساعته([372])، وتفرق أتباعه من بعده إذ فقدوا من كانوا يقاتلون من أجله.
أما ابنه يحيى بن زيد فقد خاض المعارك مع والده، لكنه تمكن من الفرار إلى خراسان([373])، حيث لاحقته سيوف الأمويين فقتل هناك سنة (125هـ).
فوض الأمر بعد يحيى إلى محمد وإبراهيم، خرج محمد بـالمدينة فقتله عاملها عيسى بن ماهان، وخرج إبراهيم بـالبصرة فكان مقتله فيها بأمر من المنصور.
أحمد بن عيسى بن زيد -حفيد مؤسس الزيدية - أقام بـالعراق، وأخذ عن تلاميذ أبي حنيفة فكان ممن أثرى هذا المذهب وعمل على تطويره.
من علماء الزيدية القاسم بن إبراهيم المرسي بن عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب (170-242هـ) تشكلت له طائفة زيدية عرفت باسم القاسمية.
جاء من بعده حفيده الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم (245- 298هـ) الذي عقدت له الإمامة بـاليمن، وتشكلت له فرقة زيدية عرفت باسم الهادوية منتشرة في اليمن والحجاز وما والاها.
 ظهر للزيدية في بلاد الديلم وجيلان إمام حسيني هو أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن زيد بن عمر بن الحسين بن علي رضي الله عنه، والملقب بـالناصر الكبير (230-304هـ) عرف باسم الأطروش، فقد هاجر هذا الإمام إلى هناك داعياً إلى الإسلام على مقتضى المذهب الزيدي، فدخل فيه خلق كثير صاروا زيديين ابتداء.
ومنهم الداعي الآخر صاحب طبرستان الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي رضي الله عنه والذي تكونت له دولة زيدية جنوب بحر الخزر سنة (250هـ).
وقد عرف من أئمتهم محمد بن إبراهيم بن طباطبا، الذي بعث بدعاته إلى الحجاز ومصر واليمن والبصرة، ومن شخصياتهم البارزة كذلك مقاتل بن سليمان، ومحمد بن نصر، ومنهم أبو الفضل بن العميد والصاحب بن عباد وبعض أمراء بني بويه.
خرجت عن الزيدية فرق، طعن بعضها في الشيخين([374])، كما مال بعضها عن القول بإمامة المفضول، وهذه الفرق هي:
1- الجارودية([375]): أصحاب أبي الجارود زياد بن أبي زياد، يزعمون أن محمد بن عبد الله بن الحسن لم يمت وسيخرج ويغلب.
2- السليمانية: أصحاب سليمان بن جرير.
 3- الصالحية: أصحاب الحسن بن صالح بن حي.
4- البترية: أصحاب كثير النوى الأبتر، ويسمون أيضاً الكثيرية.
هذه الفرق بجملتها لم يعد لها مكانة بارزة عند الزيدية المعاصرة التي تقتفي نهج الإمام زيد من حيث القصد والاعتدال.
 الأفكار والمعتقدات الزيدية:
يجيزون الإمامة في كل أولاد فاطمة، سواء أكانوا من نسل الإمام الحسن أم من نسل الإمام الحسين، فمن قام طالباً لها فهو الأحق بها.
الإمامة لديهم ليست بالنص، إذ لا يشترط فيها أن ينص الإمام السابق على الإمام اللاحق، بمعنى أنها ليست وراثية بل تقوم على البيعة، فمن كان من أولاد فاطمة وفيه شروط الإمامة؛ كان أهلاً لها إذا طلبها.
لا يجوز عندهم أن يكون الإمام مستوراً، إذ لابد من اختياره من قبل أهل الحل والعقد، ولا يتم اختياره إلا إذا أعلن عن نفسه مبيناً أحقيته بالإمامة.
يجوز لديهم وجود أكثر من إمام واحد في وقت واحد في قطرين مختلفين.
تقول الزيدية بالإمام المفضول مع وجود الأفضل إذ لا يشترط أن يكون الإمام أفضل الناس جميعاً، بل من الممكن أن يكون هناك للمسلمين إمام على جانب من الفضل، مع وجود من هو أفضل منه، على أن يرجع إليه في الأحكام ويحكم بحكمه في القضايا التي يدلي برأيه فيها.
معظم الزيدية يقرون خلافة أبي بكر وعمر، ولا يلعنونهما كما تفعل فرق الشيعة، بل يترضون عنهما، ويقرون بصحة خلافة عثمان مع مؤاخذته على بعض الأمور، وهم يحطون من منزلة معاوية وينتقصونه.
يميلون إلى الاعتزال فيما يتعلق بذات الله، والجبر والاختيار، ومرتكب الكبيرة يعتبرونه في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة([376]) ولكنه غير مخلد في النار؛ إذ يعذب فيها حتى يطهر من ذنبه ثم ينتقل إلى الجنة.
 يخالفون الشيعة في زواج المتعة ويستنكرونه، يتفقون مع الشيعة في زكاة الخمس، وفي جواز التقية إذا لزم الأمر، وهم متفقون مع أهل السنة بشكل كامل في العبادات والفرائض، سوى اختلافات قليلة في الفروع مثل:
1- يقولون: (حي على خير العمل) في الأذان على الطريقة الشيعية.
2- يعدون صلاة التراويح جماعة بدعة.
3- يرفضون الصلاة خلف الفاجر.
4- فروض الوضوء عشرة بدلاً من أربعة عند السنة.
باب الاجتهاد مفتوح لكل من يريد الاجتهاد، ومن عجز عن ذلك قلد، وتقليد أهل البيت أولى من غيرهم.
يقولون بوجوب الخروج على الإمام الظالم الجائر ولا تجب طاعته، ولا يقولون بعصمة الأئمة عن الخطأ، كما لا يغالون في رفع أئمتهم على غرار ما تفعله معظم فرق الشيعة الأخرى.
لكن بعض المنتسبين للزيدية قرروا العصمة لأربعة فقط من أهل البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين.
لا يوجد عندهم مهدي منتظر، يستنكرون (نظرية البداء) التي قال بها المختار الثقفي الذي كان يسجع سجع الكهان فإذا جاء الأمر على عكس ما قال علل ذلك بأن يقول للناس: قد بدا لربكم تغيير علمه، إلا أن الزيدية تقرر بأن علم الله أزلي قديم غير متغير وكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ.
قالوا بوجوب الإيمان بالقضاء والقدر، مع اعتبار الإنسان حراً مختاراً في طاعة الله أو عصيانه، ففصلوا بذلك بين الإرادة وبين المحبة أو الرضا.
مصادر الاستدلال عندهم كتاب الله، ثم سنة رسول الله، ثم القياس، ومنه الاستحسان والمصالح المرسلة، ثم يجيء بعد ذلك العقل، فما يقر العقل صحته وحسنه يكون مطلوباً، وما يقر قبحه يكون منهياً عنه.
 
 الجذور الفكرية والعقائدية:
يتمسكون بالعديد من القضايا التي يتمسك بها الشيعة، كأحقية أهل البيت في الخلافة، وتفضيل الأحاديث الواردة عنهم على غيرها، وتقليدهم، وزكاة الخمس، فالملامح الشيعية واضحة في مذهبهم على الرغم من بعدهم عن الغلو.
تأثر الزيدية بـالمعتزلة، فانعكست اعتزالية واصل بن عطاء عليهم، وظهر هذا جلياً في تقديرهم للعقل، وإعطائه أهمية في الاستدلال، إذ يجعلون له نصيباً وافراً في فهم العقائد، وفي تطبيق أحكام الشريعة، وفي الحكم بحسن الأشياء وقبحها، فضلاً عن تحليلاتهم للجبر والاختيار، ومرتكب الكبيرة والخلود في النار.
أخذ أبو حنيفة عن زيد، كما أن حفيداً لـزيد وهو أحمد بن عيسى بن زيد، قد أخذ عن تلاميذ أبي حنيفة في العراق، وقد تلاقى المذهبان الحنفي السني والزيدي الشيعي في العراق أولاً، وفي بلاد ما وراء النهر، ثانياً: مما جعل التأثر والتأثير متبادلاً بين الطرفين.
 الانتشار ومواقع النفوذ:
1- قامت دولة للزيدية أسسها الحسن بن زيد سنة 250هـ في أرض الديلم وطبرستان.
2- الهادي إلى الحق أقام دولة ثانية لها في اليمن في القرن الثالث الهجري.
3- انتشرت الزيدية في سواحل بلاد الخزر وبلاد الديلم وطبرستان وجيلان شرقاً، وامتدت إلى الحجاز ومصر غرباً، وتركزت في أرض اليمن حيث لا تزال تمثل ثلث السكان فيها.
 

من أقوال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى في كفر غلاة الفرق في أهل البيت:
* قال ابن تيمية مبيناً الحكم في غلاة الشيعة: (والغالية يقتلون باتفاق المسلمين، وهم الذين يعتقدون الإلهية والنبوة في علي وغيره، مثل النصيرية والإسماعيلية، فإن جميع هؤلاء كفار أكفر من اليهود والنصارى، فإن لم يظهر عن أحدهم ذلك كان من المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، ومن أظهر ذلك كان أشد من الكافرين كفراً، فلا يجوز أن يقر بين المسلمين بلا جزية ولا ذمة، ولا يحل نكاح نسائهم، ولا تؤكل ذبائحهم؛ لأنهم مرتدون من شر المرتدين، فإن كانوا طائفة ممتنعة وجب قتالهم كما يقاتل المرتدون، كما قاتل الصديق والصحابة أصحاب مسيلمة الكذاب، وإذا كانوا في قرى المسلمين فرقوا وأسكنوا بين المسلمين بعد التوبة، وألزموا بشرائع الإسلام التي تجب على المسلمين، وليس هذا مختصاً بغالية الرافضة، بل من غلا في أحد المشايخ وقال: إنه يرزقه، أو يسقط عنه الصلاة، أو أن شيخه أفضل من النبي، أو أنه مستغن عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن له إلى الله طريقاً غير شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن أحداً من المشايخ مع النبي صلى الله عليه وسلم كما كان الخضر مع موسى، وكل هؤلاء كفار يجب قتالهم بإجماع المسلمين، وقتل الواحد المقدور عليه منهم) اهـ. (الفتاوى جـ28/ص:474-475).
* يقول ابن تيمية رحمه الله: (هؤلاء الدرزية والنصيرية كفار باتفاق المسلمين، لا يحل أكل ذبائحهم، ولا نكاح نسائهم، بل ولا يقرون بالجزية، فإنهم مرتدون عن دين الإسلام، ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى، لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس، ولا وجوب صوم رمضان، ولا وجوب الحج، ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما، وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد فهم كفار باتفاق المسلمين، فأما النصيرية فهم أتباع أبي شعيب محمد بن نصير وكان من الغلاة الذين يقولون: إن علياً إله..
وأما الدرزية فأتباع هشتكين الدرزي وكان من موالي الحاكم، أرسله إلى أهل وادي تيم الله بن ثعلبة فدعاهم إلى إلهية الحاكم، ويسمونه الباري، العلام، ويحلفون به، وهم من الإسماعيلية القائلين بأن محمداً بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله وهم أعظم كفراً من الغالية، يقولون بقدم العالم، وإنكار المعاد، وإنكار واجبات الإسلام ومحرماته) (ب35 ص161-162 الفتاوى).
* وقال رحمه الله: (كفر هؤلاء -أي: الدروز- مما لا يختلف فيه المسلمون، بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم، لاهم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين، بل هم الكفرة الضالون فلا يباح أكل طعامهم، وتسبى نساؤهم، وتؤخذ أموالهم فإنهم زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم، بل يقتلون أينما ثقفوا، ويلعنون كما وصفوا، ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ، ويجب قتل علمائهم وصلحائهم لئلا يضلوا غيرهم، ويحرم النوم معهم في بيوتهم ورفقتهم والمشي معهم، وتشييع جنائزهم إذا علم موتها) (جـ3 ص162- الفتاوى).
* وقال رحمه الله: (فمن اعتقد في بشر أنه إله، أو دعا ميتاً، أو طلب منه الرزق والنصر والهداية، وتوكل عليه أو سجد له، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ومن فضل أحداً من المشايخ على النبي صلى الله عليه وسلم، أو اعتقد أن أحداً يستغني عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم استتيب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وكذلك من اعتقد أن أحداً من أولياء الله يكون مع محمد صلى الله عليه وسلم كما كان الخضر مع موسى عليه السلام، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.. ومحمد صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الثقلين إنسهم وجنهم، فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله) اهـ (جـ3 ص 422- الفتاوى).
 * وقال رحمه الله: (وكذلك الغلو في بعض المشايخ: إما في الشيخ عدي ويونس القتي أو الحلاج وغيرهم، بل الغلو في علي بن أبي طالب رضي الله عنه ونحوه، بل الغلو في المسيح عليه السلام ونحوه، فكل من غلا في حي، أو في رجل صالح كمثل علي رضي الله عنه، أو عدي أو نحوه، أو فيمن يعتقد فيه الصلاح، كـالحلاج أو الحاكم الذي كان بـمصر، أو يونس القتي ونحوهم، وجعل فيه نوعاً من الإلهية، مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده، أو يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى، مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو ارزقني، أو أغثني أو أجرني، أو توكلت عليك، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال والأفعال، التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل) (جـ3 ص 395- الفتاوى).
* وقال -رحمه الله-: (وهؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه يراه -أي: الله سبحانه وتعالى- بعيني رأسه في الدنيا، هم ضلال كما تقدم، فإن ضموا إلى ذلك أنهم يرونه في بعض الأشخاص: إما الصالحين، أو بعض المردان، أو بعض الملوك وغيرهم، عظم ضلالهم وكفرهم، وكانوا حينئذ أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوه في صورة عيسى بن مريم، بل هم أضل من أتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان، ويقول للناس: أنا ربكم!.. وهؤلاء قد يسمون الحلولية والاتحادية وهم صنفان:
1- قوم يخصونه بالحلول أو الاتحاد في بعض الأشياء، كما يقوله النصارى في المسيح عليه السلام، والغالية في علي رضي الله عنه ونحوه، وقوم في أنواع من المشايخ، وقوم في بعض الملوك، وقوم في بعض الصور الجميلة، إلى غير ذلك من الأقوال التي هي شر من مقالة النصارى.
 2- (صنف) يعمون، فيقولون بحلوله واتحاده في جميع الموجودات -حتى الكلاب والخنازير والنجاسات وغيرها- كما يقول ذلك قوم من الجهمية ومن تبعها من الاتحادية: كأصحاب ابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض، والتلمساني، والبلياني، وغيرهم... فهؤلاء الضلال الكفار الذين يزعم أحدهم أنه يرى ربه بعينيه، وربما زعم أنه جالسه وحادثه أو ضاجعه، وربما يعين أحدهم آدمياً إما شخصاً أو صبياً أو غير ذلك ويزعم أنه كلمهم، يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم وكانوا كفاراً، إذ هم أكفر من اليهود والنصارى... وهذا أكفر من الغالية الذين يزعمون أن علياً رضي الله عنه أو غيره من أهل البيت هو الله، وهؤلاء هم الزنادقة الذين حرقهم علي رضي الله عنه بالنار) اهـ كلام ابن تيمية (من فتاوى جـ3/ ص 391-394).
 

الباب الخامس: مخالفات الشيعة الإثني عشرية لأهل السنة:
* ويتضمن: جعل الاعتقاد في الأئمة من أركان الإيمان، والغلو في أهل البيت.
* النظرة الخاطئة للقرآن الكريم.
* الطعن في الصحابة رضي الله عنهم.
* رد السنة النبوية ومعاداة أهلها.
* القول بالبداءة لله تعالى.
* القول بالرجعة.
* المهدي المنتطر عند الإمامية.
* الأخذ بالتقية لخداع الآخرين.
* وجوب تقليد مجتهدي الشيعة وإعطاء الزكاة والخمس لهم.
* الولاية المطلقة للفقيه الشيعي.
* بدع العبادات والمعاملات.
 
 جعل الاعتقادات في الأئمة من أركان الإيمان:
يعتقد الشيعة الإمامية اعتقاداً يقينياً لاشك فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى -بأمر من الله- بالإمامة من بعده لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأولاده من بعده.. وأن النبي صلى الله عليه وسلم وضح ذلك وأشار إليه تصريحاً وتلميحاً، ولكن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم لم يلتزموا بذلك، مخالفين أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقدموا للإمامة أبا بكر أولاً.. ثم عمر بن الخطاب ثانياً.. ثم عثمان بن عفان قبل أن يجعلوا الخلافة بعد ذلك لـعلي بن أبي طالب.. ثم جعلوها لغير أبناء علي من بعده.. فكان كل ذلك منهم ظلماً وعدواناً.
ويعتقد الإمامية أن أئمة أهل البيت المستحقين للإمامة هم علي، فـالحسن، فـالحسين، فأبناء الحسين.. وهم يختلفون مع فرق الشيعة الأخرى في ترتيب الأئمة من بعد الحسين رضي الله عنه.
والأئمة عندهم اثنا عشر إماماً، آخرهم محمد بن الحسن العسكري الذي غاب في السرداب وهو طفل صغير، وسيظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً، ولأئمة أهل البيت عندهم مكانة عظيمة لا تدانيها مكانة.. ومنزلة سامية لا يدركها غيرهم.. ولهم سبق فضل لا يعلمه إلا الله.. وأن طاعتهم واجبة.. وأقوالهم وأفعالهم معصومة.. وهم حجة الله على عباده.. وهم المبلغون عن الله أحكامه.. لا يجوز مخالفتهم أو الخروج عن هديهم.
ويعتقد الإمامية أن من ينكر ذلك أو لا يعتقده، أنه على ضلال مبين ووزر عظيم وإثم كبير، يعرضه للخسران التام يوم القيامة.
وهؤلاء الأئمة يزعم الشيعة الإمامية أن النبي صلى الله عليه وسلم نص عليهم جميعاً بأسمائهم، ثم نص المتقدم منهم على من بعده، يقول الخميني في كتابه (الحكومة الإسلامية) (ط. 1389هـ ص:98): (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يلي من أمور الناس كل شيء، قد عين من بعده والياً على الناس أمير المؤمنين (ع)([377])واستمر انتقال الإمامة والولاية من إمام إلى إمام، إلى أن انتهى الأمر إلى الحجة القائمة (ع)([378])) اهـ.
ويعتقد الإمامية أن محمد بن الحسن العسكري ولد عام (256هـ) ثم اختفى وغاب -وهو طفل صغير- عام (261هـ) بعد وفاة أبيه في سرداب، ومعه كل ما ورثه عن أبيه، وهو مازال حياً مختفياً لم يمت طوال القرون الماضية، لذا فهم ينتظرون خروجه وعودته من غيبته، وإذا ذكروه قالوا: (عجل الله فرجه)([379]).
يقول الخميني في الحكومة الإسلامية (ص:26): (وقد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر) اهـ.
وهؤلاء الأئمة الاثنا عشر هم علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم تسعة أئمة من ذرية الحسين لا من ذرية الحسن، وهؤلاء الأئمة بحسب ترتيبهم الزمني كالآتي:
1- علي بن أبي طالب الملقب بـالمرتضى، قتله عبد الرحمن بن ملجم عام (40هـ).
2- الحسن بن علي الملقب بـالزكي، توفي عام (50هـ).
3- الحسين بن علي الملقب بـسيد الشهداء، قتل عام (61هـ).
4- علي بن الحسين الملقب بـزين العابدين([380])، توفي عام (95هـ).
 5- أبو جعفر محمد بن علي الملقب بـالباقر، توفي عام (114هـ).
6- جعفر بن محمد الملقب بـالصادق، توفي عام (148هـ).
7- موسى بن جعفر الملقب بـالكاظم، توفي عام (183هـ).
8- علي بن موسى الملقب بـالرضا، توفي عام (203هـ).
9- محمد بن علي بن موسى الملقب بـالجواد، توفي عام (220هـ).
10- علي بن محمد الملقب بـالهادي، توفي عام (254هـ).
11- الحسن بن علي بن محمد الملقب بـالعسكري، توفي عام (260هـ).
12- محمد بن الحسن العسكري الملقب بـالمهدي والقائم، دخل السرداب بـسامراء عام (260هـ) وعمره نحو الخمس سنين.
تعيين علي في منصب الولاية بحكم إلهي على الملأ عند غدير خم ونكوص الصحابة:
يذكر الشيعة الإمامية: (أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بإعلان ولاية علي ونزلت هذه الآية: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)) [المائدة:55]، ولكن عامة المسلمين لم يفهموا معناها، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بإعلان ذلك، فاضطرب خشية ارتداد الناس وتكذيبهم، فنزل الوحي: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ)) [المائدة:67] وتوعده ربه)([381])، فجمع الناس عند غدير خم أثناء عودته من حجة الوداع، حيث مهد للموضوع وقال: «من كنت مولاه فـعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، كررها ثلاثاً»([382]). وأمر أيضاً بإعداد منبر خاص،([383]). حيث (صعد رسول الله المنبر بعد أن اجتمع الناس، وأخذ علياً رضي الله عنه -بيديه- إلى أعلى حتى يشاهده الحاضرون، معلناً أن علياً هو خليفته، وهو الإمام الديني والدنيوي للأمة من بعده، وولي الأمر (أي: الحكم) وأعلن الرسول أن هذا ليس من اختياره، بل هو حكم جاءه من الله، وهو يقوم بتنفيذ الحكم الإلهي.
وتقول الروايات الشيعية الموثوق بها: إن الرسول قال آنذاك (وخاصة للشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما) قولوا: (السلام عليكم يا أمير المؤمنين)- أي السلام على علي رضي الله عنه)، وهكذا قام الشيخان -مع بقية الصحابة- بإطاعة حكم رسول الله)([384]).
وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم (بيده من جميع الحضور العهد والميثاق على ولاية علي، فكان أول من بايعه على ذلك أبو بكر وعمر وعثمان ثم جميع المهاجرين والأنصار وجميع الحضور، واستمرت سلسلة البيعة حتى الليل، حتى أن المغرب والعشاء أقيمتا معاً)([385]).
(والحقيقة أن هذه الواقعة التي ترويها كتب الشيعة فيما يتعلق بـغدير خم، قد وردت في جميع روايات كتب الشيعة، وفي جميع إرشادات الأئمة بتفصيل دقيق عرضنا بعضه ملخصاً)([386]).
(وتحكي روايات كتب الشيعة فيما بعد؛ أنه بعد إعلان غدير خم، وبعد هذا الإقرار والعهد الجماعي للصحابة بحوالي ثمانين يوماً؛ انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وقام -معاذ الله- أبو بكر وعمر وجماعة الصحابة بمؤامرة، فألغوا ما أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أمر باستمراره حتى يوم القيامة إطاعة لأمر الله تبارك وتعالى، وحنثوا بعهدهم مع رسول الله، وقاموا بتعيين أبي بكر خليفة للنبي وحاكماً للأمة بدلاً من علي رضي الله عنه، ونتيجة لهذا الغدر والجرم الكبير -معاذ الله!- تستخدم روايات الشيعة وإرشادات أئمتها في حق الصحابة عامة والشيخين خاصة ألفاظاً جارحة مثل: المرتد، وكافر، ومنافق، وجهنمي، وشقي، ويلعنونهم بألفاظ بذيئة)([387]).
القصة العجيبة في مولد الإمام الثاني عشر وإنكار أقربائه لمولده، وغيابه وانتظار عودته في آخر الزمان:
للشيعة الإمامية قصة عجيبة -وإن شئت قلت: أسطورة أو خرافة- تتعلق بميلاد واختفاء الإمام الثاني عشر-المزعوم- جديرة بالذكر لمعرفة عقلية القوم ومستوى فكرهم وفهمهم، وسنجمل الكلام ونختصره([388]) وفقاً لمعتقداتهم.
* عند الشيعة تولى الإمامة من بعد علي بن أبي طالب ابنه الحسن رضي الله عنهما، ثم بعد الحسن تولى أخوه الحسين رضي الله عنهما، ثم صارت الإمامة بعد ذلك تنتقل من الإمام إلى ابنه، ولا يمكن لقريب له أن يكون إماماً بدلاً منه أو يحل محله، أي أن الإمامة صارت في أبناء الحسين من دون الحسن رضي الله عنهما.
 *ولد الإمام الحادي عشر الحسن بن علي الملقب بـالعسكري، طبقاً لرواية صاحب أصول الكافي في رمضان (232هـ) وتوفي في ربيع الأول (260هـ) عن ثماني وعشرين سنة.
* أعلن جعفر بن علي –أخو الإمام الحسن بن علي العسكري - ومعه أهل بيته أن الحسن العسكري توفي ولم يخلف ولداً.. وعلى هذا تحولت تركته وميراثه إلى أخيه جعفر، وهذا يعني انقطاع الإمامة وهي أساس العقيدة الإمامية، وماذا عن الإمام الثاني عشر للشيعة؟
ادعى الشيعة أنه قبل وفاة الحسن العسكري بأربع أو خمس سنوات، طبقاً لإحدى الروايات في سنة (255هـ) وفي رواية أخرى في سنة (256هـ) ولد للإمام الحسن ولد من أحد جواريه، وكان مختفياً.
ولهم في ذلك قصة ظريفة جديرة بالذكر: ذكر العلامة المجلسي في جلاء العيون وفي حق اليقين رواية تفصيلية من روايات ابن بابويه والشيخ الطوسي –وهما من أساطين الشيعة - نقلاها عن بشر بن سليمان بالأسانيد المعتبرة خلاصتها: أن بشراً هذا –وكان من خواص الإمام الحسن العسكري - اشترى له جارية، أرسله خصيصاً لشرائها الإمام العسكري من بغداد من سفينة على ساحل النهر فيها جوار للبيع، وذكر له من صفاتها أنها داخل حجابها لا تريد أن يشاهدها أحد، وترفض الذهاب مع أحد بأي حال من الأحوال، فإذا سلمها خطاباً –بعث به معه إليها- سترضى بالذهاب معه بعد شرائها، ففعل بشر كما أمره وجاء بها من بغداد إليه، فإذا هي حفيدة ملك الروم واسمها مليكة، وكانت قد رأت في منامها المسيح عليه السلام وجماعة من الحواريين، والنبي صلى الله عليه وسلم ووصيه علي والأئمة، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم مليكة من المسيح للإمام الحسن العسكري، فوافق المسيح بسعادة وعقد الزواج.
ثم وقع لها منام آخر أشد غرابة إذ جاءتها مريم عليها السلام ومعها فاطمة الزهراء والآلاف من الحور العين؛ حيث عرفتها مريم بالسيدة فاطمة أم زوجها الحسن العسكري، فلما طلبت رؤيته قالت لها: كيف يمكن هذا؟ أنت مسيحية مشركة.. فلما سمعت ذلك نطقت بالشهادتين ودخلت في الإسلام.. واستيقظت من منامها على ذلك.. فلما اشتد بها الشوق لزوجها الإمام الحسن العسكري صحبت جنوداً قادمين من بلادها لقتال المسلمين، فوقعت في الأسر حتى جاءها بشر بن سليمان رسول الإمام الحسن العسكري بخطابه إليها واشتراها له، فكانت جارية من جواريه.. وولدت له الإمام الثاني عشر.. وظلت ولادته مخفية غير ظاهرة... وظل المولود مختفياً عن الأنظار.
فلما مات والده الحسن العسكري اختفى الطفل الصغير وغاب وعمره أربع أو خمس سنوات، وبطريقة إعجازية أخذ معه كل المتاع الخاص بأئمة الشيعة الذين سبقوه، والذي ظل ينتقل من علي إلى كل إمام من الأئمة على التوالي، حتى وصل في نهاية الأمر إلى الحسن العسكري، ويتضمن المتاع: القرآن الكامل الذي جمعه وكتبه علي بن أبي طالب، وصحف الأنبياء السابقين في شكلها الأصلي، ومنها التوراة والإنجيل والزبور، ومصحف فاطمة، والجفر، والجامعة، ومعجزات الأنبياء السابقين الباقي، ومنها قميص آدم عليه السلام وعصا موسى عليه السلام، وخاتم سليمان وغير ذلك.
حمل الطفل الصغير كل ذلك المتاع واختفى به في غار في مدينة (سر من رأى) وسوف يظل هذا الإمام حياً مختفياً إلى آخر الزمان -إذ من الضروري أن يكون في الدنيا إمام وإلا فنيت الدنيا وانتهى العالم- فإذا حل الوقت المناسب لظهوره يظهر من الغار ليحكم العالم كله.
* وهناك روايات عديدة في أبواب عدة من أصول الكافي عن مولد هذا الإمام الثاني عشر... ثم عن غيبته منها:
باب من رآه (من (ص:202 إلى (ص:207).
باب مولد صاحب الزمان عليه السلام (من (ص:333 حتى (ص:342).
 والشيعة يؤمنون بظهوره؛ لذا إذا ذكروه قالوا: (عجل الله فرجه) أي: (عجل الله ظهوره) وقد تمضي آلاف السنين قبل ظهوره.
* وقد ادعى أربعة من كبار الشيعة آخرهم علي بن محمد السميري المتوفى في سنة (329هـ) أن الإمام الغائب الثاني عشر يأتي إليهم سراً، وأنهم سفراؤه المقربون([389]) فكان البسطاء من عوام الشيعة يرسلون له الهدايا الثمينة والخطابات والأسئلة عن طريق هؤلاء السفراء، ويتلقون منهم ردود الإمام الغائب وعليها خاتم الإمام!! وكان هذا الأمر يتم في سرية تامة.
وقد جمع علماء الشيعة ومجتهدوهم خطابات الإمام الغائب وردوده في كتب روايات الشيعة وأحاديثهم([390])، وتسمى تلك الفترة التي استمرت فيها سلسلة المراسلات والاتصالات بين الشيعة والإمام الغائب عن طريق سفرائه بفترة الغيبة الصغرى.
* كانت هذه الاتصالات تتم في سرية تامة، فلما سمع حكام ذلك الوقت بالأمر، وبدأوا في البحث والتقصي عن ذلك، أعلن أن زمان الغيبة الصغرى قد انتهى، وأن زمان (الغيبة الكبرى) قد بدأ، وهكذا لم تعد هناك أية إمكانية للاتصال بالإمام صاحب الزمان قبل ظهوره.
* جاء في كتاب احتجاج طبرسي -وهو من أوثق كتب الشيعة - أن الإمام التاسع محمد بن علي بن موسى قال عن الإمام القائم إمام آخر الزمان: (هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصيته.. يجتمع إليه من أصحابه عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أقاصي الأرض.. فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره). احتجاج طبرسي ط. إيران (ص:230).
 ذكر العلامة باقر مجلسي في كتابة حق اليقين بالفارسية (ط. إيران ص:139) عن الإمام الباقر قوله: (حين يظهر قائم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يلقى العون من الله وملائكته، وأول من يبايعه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعده علي).. وذكر أيضاً عن علل الشرائع لـابن بابويه عن الإمام الباقر قال: (حين يظهر قائمنا -أي: المهدي - تبعث عائشة إلى الحياة وتعاقب وتثأر منها فاطمة)، ويقتل المهدي السنيين أولاً.. ثم الكفار... يبيدهم عن آخرهم.
إن هذه العقيدة في الإمامة هي عقيدة علماء الشيعة قديماً؛ ممتلئة بها كتبهم، وهي عقيدة علمائهم الحاليين والمعاصرين لم تتغير ولم تتبدل، بل هي أساس عقيدتهم:
يقول الخميني موضحاً فكره وعقيدته فيما يتعلق بتعيين رسول الله لـعلي رضي الله عنه كخليفة له من بعده، وهو ما يخص الولاية والإمامة والعقيدة الأساسية للشيعة: (نحن نعتقد بالولاية، ونعتقد ضرورة أن يعين النبي خليفة من بعده، وقد فعل([391]). وبعد عدة أسطر يكتب الخميني أن تعيين الرسول لخليفته من بعده كان مكملاً لفريضة الرسالة، يقول الخميني: (وكان تعيين خليفة من بعده عاملاً متمماً ومكملاً لرسالته)([392]).
ويوضح الخميني هذا الأمر أكثر فأكثر في موضع آخر فيقول: (بحيث كان يعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم لولا تعيين الخليفة من بعده غير مبلغ رسالته)([393])اهـ([394]).
 لذا فـالشيعة الإمامية تفسر قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)) [المائدة:67] أنها في إعلان النبي صلى الله عليه وسلم أن الإمام من بعده علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ومن تصريحات الخميني في هذا الصدد قوله في الحكومة الإسلامية: (والرسول الكريم (ص).. قد كلمه الله وحياً أن يبلغ ما أنزل إليه فيمن يخلفه من الناس، وبحكم هذا الأمر، فقد اتبع ما أمر به وعين أمير المؤمنين علياً للخلافة،([395]). ويقول في موضع آخر من نفس الكتاب: (وفي غدير خم في حجة الوداع عينه النبي (ص) حاكماً من بعده، ومن حينها دب الخلاف إلى نفوس القوم([396]).
ولنقرأ عبارة أخرى مما كتب الخميني في هذا الكتاب: قد عين من بعده والياً على الناس أمير المؤمنين رضي الله عنه، واستمر انتقال الإمامة والولاية من إمام إلى إمام، إلى أن انتهى الأمر إلى الحجة القائم رضي الله عنه([397])) اهـ([398]).
لذا يروي صاحب الجامع الكافي في كتاب الروضة([399]) عن الإمام الخامس أبي جعفر الباقر قوله: (كان الناس أهل ردة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة. فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود وأبو ذر وسلمان الفارسي رحمة الله عليهم وبركاته)([400])اهـ.
 
الإيمان بالإمام من أركان الإيمان:
* يؤمن الشيعة الإمامية الإثني عشرية أن الإيمان بالأئمة من أركان الدين([401]) -أي: الإسلام- لا يصح إلا به.
* وينسبون إلى أئمة أهل البيت([402]) التصريح بذلك: ففي أصول الكافي، كتاب الكفر والإيمان، باب دعائم الإسلام، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (بني الإسلام على خمس: الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية) أصول الكافي (ص:368)([403]).
* وفي نفس الباب عن الإمام جعفر الصادق -في رواية له- عن الإمام الباقر أنه قال: (أثافي الإسلام ثلاثة: الصلاة والزكاة والولاية، لا تصح واحدة منهن إلا بصاحبتها) أصول الكافي (ص:368).([404]).
* ويزعمون أن ذلك الركن من الإيمان كان مفروضاً على الأنبياء السابقين؛ ففي أصول الكافي آخر كتاب الحجة، باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية، عن أبي عبد الله قال: (ولايتنا ولاية الله التي لم يُبعث نبي قط إلا بها) أصول الكافي (ص:276).([405]).
 وعن أبي الحسن عليه السلام: (ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وآله ووصيه علي عليه السلام) أصول الكافي (276)([406]).
ويزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أنكر القائم([407]) من ولدي فقد أنكرني»([408]) ولهذا:
لا تصح العبادة عندهم إلا بالإيمان بهؤلاء الأئمة:
ففي الكافي (جـ1/ ص:181 رقم:4): عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: (إنما يعرف الله عز وجل ويعبده من عرف الله وعرف إمامه منا أهل البيت([409])، ومن لا يعرف الله عز وجل، ولا يعرف الإمام منا أهل البيت؛ فإنما يعرف ويعبد غير الله هكذا والله ضلالاً)([410]).
الحجة على الخلق لا تقوم إلا بالإمام:
في أصول الكافي كتاب الحجة تحت عنوان: (أن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام) عن الإمام السادس جعفر الصادق أنه قال: (إن الحجة لا تقوم لله عز وجل على خلقه إلا بإمام حتى يعرف) أصول الكافي (ص:103)([411]).
 وفي أصول الكافي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام: (إن الله تبارك وتعالى طهرنا وعصمنا، وجعلنا شهداء على خلقه، وحجة في أرضه) أصول الكافي (ص:113).([412]).
وفي الكافي (جـ1/193): عن أبي عبد الله قال: (إن الله عز وجل خلقنا فأحسن خلقنا، وصورنا فأحسن صورنا، وجعلنا خزانه في سمائه وأرضه، ولنا نطقت الشجرة، وبعبادتنا عبد الله عز وجل، ولولانا ما عبد الله)([413]).
وفي الكافي (جـ1/ ص:193) أيضاً: عن أبي عبد الله قال: (الأوصياء هم أبواب الله عز وجل التي يؤتى منها، ولولاهم ما عرف الله عز وجل، وبهم احتج الله تبارك وتعالى على خلقه)([414]).
وفي أصول الكافي أيضاً عن أبي جعفر: (لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله)([415]).
ويذكر الشيعة الإمامية (روايتين أخريين أوردهما صدوق الشيعة -وهو كذوب- ابن بابويه القمي وهو واحد من أصحاب الصحاح الأربعة، أنه روى عن جعفر بن محمد الباقر عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين أنه قال: (نحن أئمة المسلمين وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض، كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وتنشر الرحمة، وتخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها). ثم قال: (ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة الله فيها ظاهر مشهور، أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله فيها، ولولا ذلك لما يعبد الله، قال سليمان: فقلت للصادق عليه السلام: فكيف ينتفع الناس بـالحجة الغائب المستور؟ قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب)([416]).
وروى أيضاً عن محمد الباقر أنه قال: (نحن جنب الله، ونحن صفوته، ونحن حوزته، ونحن مستودع مواريث الأنبياء، ونحن أمناء الله عز وجل، ونحن حجج الله، ونحن أركان الإيمان، ونحن دعائم الإسلام، ونحن من رحمة الله على خلقه، ونحن من بنا يفتح وبنا يختم، ونحن أئمة الهدى، ونحن مصابيح الدجى، ونحن منار الهدى، ونحن السابقون، ونحن الآخرون، ونحن العلم المرفوع للخلق، من تمسك بنا لحق، ومن تأخر عنا غرق، ونحن قادة الغر المحجلين، ونحن خيرة الله، ونحن الطريق الواضح والصراط المستقيم إلى الله عز وجل، ونحن من نعمة الله عز وجل على خلقه، ونحن المنهاج، ونحن معدن النبوة، ونحن موضع الرسالة، ونحن الذين إلينا تختلف الملائكة، ونحن السراج لمن استضاء بنا، ونحن السبيل لمن اقتدى بنا، ونحن الهداة إلى الجنة، ونحن عرى الإسلام، ونحن الجسور والقناطر، من مضى عليها لم يسبق، ومن تخلف عنها محق، ونحن السنام العظام، ونحن الذين بنا ينزل الله عز وجل الرحمة، وبنا يسقون الغيث، ونحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب، فمن عرفنا وأبصرنا، وعرف حقنا وأخذ بأمرنا؛ فهو منا وإلينا)([417])اهـ([418]).
تكفيرهم من لا يعتقد إمامة الأئمة الاثني عشر:
في إتحاف ذوي النجابة للتباني المغربي أن الشيعة يروون عن الباقر والصادق: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادعى إمامة ليس له، ومن هجر إماماً عند الله، ومن زعم أن أبا بكر وعمر لهما نصيب من الإسلام)([419]).
في أصول الكافي (ص:110) عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: (نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمناً، ومن أنكرنا كان كافراً، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاً حتى يرجع إلى الهدى الذي افترضه الله عليه من طاعته الواجبة)([420]).
 وذكر كامل سليمان في كتابه يوم الخلاص في ظل القائم المهدي عليه السلام (ص:44) دار الكتاب اللبناني - بيروت - الطبعة السابعة، حديثاً ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «المقر بهم -أي: الأئمة الإثني عشرية- مؤمن، والمنكر لهم كافر»([421]).
أقوالهم المصرحة في كتبهم بتكفير مخالفيهم:
وهذا موجود في كتب مؤلفيهم المختلفة.. تكفير أهل السنة قاطبة.. وتسميتهم بـالنواصب.. وإن أظهروا الحب والتبجيل لأهل البيت النبوي.. ولا يوجد من ينكر ما ورد في كتب علمائهم بشأن هذا التكفير لـأهل السنة.. ولكن الكتب الدعائية التي تكتب موجهة لغير الشيعة -تعلم معتقدات الشيعة ومفاهيمهم- لا تذكر ذلك خداعاً وتلبيساً وتزويراً للحقائق.
(وإن القوم الذين حكموا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالردة -خيار خلق الله بعد الأنبياء والمرسلين وصفوتهم- لم يحكموا عليهم بهذا الحكم القاسي الجاني إلا لعدم مبايعتهم علياً رضي الله عنه -حسب زعمهم- ومبايعتهم أبا بكر الصديق، وبعده عمر الفاروق، وبعده عثمان ذا النورين رضي الله عنهم أجمعين، وتركهم مناصرة علي، وخذلانهم إياه كما يذكرون)([422]).
(فمن كان هذا شأنهم مع أولئك الأخيار الأبرار، فماذا سيكون موقفهم مع أخلافهم، ومن يسلكون مسلكهم، وينهجون منهجهم ويتبعونهم بإحسان؟
فإن القوم لا يكتمون حقدهم وبغضهم وعقيدتهم في أولئك، فيقولون بكل صراحة ووقاحة: اتفقت الإمامية على كفر من أنكر إمامة أحد من الأئمة، وجحد ما أوجب الله تعالى له من فرض إطاعته، فهو كافر ضال مستحق الخلود في النار)، قاله المفيد محمد بن النعماني العكبري)([423])اهـ([424]). من كتاب بين الشيعة وأهل السنة لـإحسان إلهي ظهير ط. لاهور - باكستان (ص:199-200).
(وقال أيضاً([425]): اتفقت الإمامية على أن الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم في بني هاشم خاصة، ثم في علي والحسن والحسين، ومن بعده في ولد الحسين عليه السلام دون ولد الحسن إلى آخر العالم.. واتفقت الإمامية على أن رسول الله استخلف أمير المؤمنين عليه السلام في حياته، ونص عليه بالإمامة بعد وفاته، وأن من دفع ذلك عنه دفع فرضاً من الدين)([426]).
وقال ابن بابويه القمي: (اعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من بعده عليهم السلام؛ أنه بمنزلة من جحد نبوة الأنبياء عليهم السلام، وفيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة عليهم السلام؛ أنه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء وأنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم)([427])رسالته في الاعتقادات (ص:13).
وقال أيضاً: (يجب أن يعتقد أنه لا يتم الإيمان إلا بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، وإن أعداء الأئمة كفار مخلدون في النار وإن أظهروا الإسلام، فمن عرف الله ورسوله والأئمة، وتولاهم وتبرأ من أعدائهم؛ فهو مؤمن، ومن أنكرهم، أو شكَّ فيهم أو في أحدهم، أو تولى أعداءهم؛ فهو ضال هالك، بل كافر، ولا ينفعه عمل ولا تقبل له طاعة)([428]).
 هذا وقال السيد المرتضى الملقب بـعلم الهدى: (إن المعرفة بهم -يعني: الأئمة- كالمعرفة به تعالى، فإنها إيمان وإسلام، وإن الجهل والشك فيهم كالجهل والشك فيه، فإنه كفر وخروج من الإيمان، وهذه المنزلة ليست لأحد من البشر إلا لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم، والأئمة من بعده علي وأولاده الطاهرين.. والذي يدل على أن معرفة إمامة من ذكرناه من الأئمة عليهم السلام من جملة الإيمان، وأن الإخلال بها كفر ورجوع عن الإيمان إجماع الإمامية)([429]).
وقال الطوسي الملقب بـشيخ الطائفة: (دفع الإمامة كفر، كما أن دفع النبوة كفر؛ لأن الجهل بهما على حد واحد، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من مات وهو لا يعرف إمام زمانه؛ مات ميتة جاهلية» وميتة الجاهلية لا تكون إلا على كفر([430]).
وقال أيضاً: (إن المخالف لأهل الحق كافر، فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار)([431]).
وقال الهاشم البحراني: (إن الإقرار بنبوة النبي وإمامة الأئمة، والتزام حبهم، وإطاعتهم وبغض أعدائهم ومخالفيهم؛ أصل الإيمان مع توحيد الله عز وجل، بحيث لا يصح الدين إلا بذلك كله، بل إنها سبب إيجاد العالم، وبناء حكم التكليف، وشرط قبول الأعمال، والخروج عن حد الكفر والشرك، وإنها التي عرضت كالتوحيد على جميع الخلق، وأخذ عليها الميثاق، وبعث بها الأنبياء، وأنزلت في الكتب، وكلف بها جميع الأمم ولو ضمناً، وأن نسبة النبوة إلى الإمامة كنسبتها إلى التوحيد في تلازم الإقرار بها وبقرينها، بحيث إن الكفر بأحدهما في حكم الكفر بالآخر، ولا يفيد الإيمان ببعض دون بعض، وإن الأئمة مثل النبي في فرض الطاعة والأفضلية.. وإن الأحاديث غير المحصورة تدل على هذه الأمور المذكورة، بل أكثرها مما هو مجمع عليه عند علمائنا الإماميين، وقد نص على حقيقتها بل كون جلها من ضروريات هذا المذهب أعاظم أصحابنا المحدثين)([432])اهـ. من كتاب بين الشيعة وأهل السنة تأليف إحسان إلهي ظهير ط. الأولى. إدارة ترجمان السنة - لاهور- باكستان (ص:200-202).
وقال محدث الشيعة الكبير الحر العاملي: (إن من ادعى الإمامة بغير حق، أو أنكر إمامة إمام الحق كفر)([433]).
يقول يوسف البحراني في كتابه الحدائق الناضرة (جـ18/ ص:153) ط. بيروت: (وليت شعري أي فرق بين من كفر بالله سبحانه وتعالى ورسوله، وبين من كفر بالأئمة عليهم السلام؛ مع ثبوت كون الإمامة من أصول الدين؟!)([434]).
ويقول محمد محسن المعروف بـالفيض الكاشاني في منهاج النجاة (ص:48) ط. الدار الإسلامية بيروت (1987م): (ومن جحد إمامة أحدهم -أي: الأئمة الإثني عشر- فهو بمنزلة من جحد نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام)([435]).
ويقول محمد باقر المجلسي في موسوعته بحار الأنوار (جـ23/ ص:390). بيروت: (اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر، على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام، وفضل عليهم غيرهم، يدل على أنهم كفار مخلدون في النار)([436]).
 ويقول عبد الله المامقاني في تنقيح المقال (جـ1/ ص:208) باب الفوائد ط. النجف (1352هـ): (وغاية ما يستفاد من الأخبار جريان حكم الكافر والمشرك في الآخرة، على كل من لم يكن اثني عشرياً)([437]).
ويقول الخميني في كتابه الأربعون حديثاً (ص:512) بيروت ط. دار التعارف (1991م): (إن ما مر في ذيل الحديث الشريف من أن ولاية أهل البيت ومعرفتهم شرط في قبول الأعمال، يعتبر من الأمور المسلمة، بل تكون من ضروريات مذهب التشيع المقدس، وتكون الأخبار في هذا الموضوع أكبر من طاقة مثل هذه الكتب المختصرة على استيعابها، وأكثر من حجم التواتر، ويتبرك هذا الكتاب بذكر بعض تلك الأخبار)([438]).
والشيعة الإمامية يزعمون أن عقيدتهم تلك في تكفير من لم يقل بالإمامة، إنما هي مبنية على تعاليم الأئمة المعصومين، ومن أقوالهم وتصريحاتهم:
في أصول الكافي (ص:238): عن جعفر الصادق قال: (لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله)([439]).
 وفي أصول الكافي (ص:238): عن الإمام الباقر قال: (إن الله لا يستحي أن يعذب أمة دانت بإمام ليس من الله، وإن كانت في أعمالها برة تقية، وإن الله ليستحي أن يعذب أمة دانت بإمام من الله، وإن كانت في أعمالها ظالمة مسيئة)([440]).
ويرى بعض علماء الشيعة أن إنكار الإمامة شر من إنكار النبوة، يقول الحلي الملقب عند الجعفرية بـالعلامة: (الإمامة لطف عام، والنبوة لطف خاص، لإمكان خلو الزمان من نبي حي بخلاف الإمام، وإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص). من كتاب الألفين في إمامة أمير المؤمنين للحسن بن يوسف المطهر الحلي (جـ1/3).
وعقب أحد علمائهم على هذا بأنه: نِعَم ما قال! وأضاف: (وإلى هذا أشار الصدوق بقوله عن منكر الإمامة: هو شر الثلاثة، فعنه أنه قال: (الناصبي شر من اليهودي، قيل: وكيف ذلك يا ابن رسول الله؟ فقال: إن اليهودي منع لطف النبوة وهو خاص، والناصبي منبع لطف الإمامة وهو عام). من الحاشية على كتاب النافع يوم الحشر (ص:43) لـجمال الدين المقداد بن عبد الله السيوري([441]).
والعجب كل العجب جعلهم إقامة الإمام المنصوص عليه، والإيمان بذلك من أركان الدين، بل وتكفير المخالف، ثم زعمهم بعد ذلك كله:
 * أن علياً رضي الله عنه كتم القول بإمامته، ولم يجهر بين الناس بذلك، ولم يطلب حقه، بل لم ينفذ أمر الله بذلك، فسكت على ذلك طوال فترة خلافة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان!! ولماذا؟ للتقية تارة، ولمصلحة الدين تارة!! وخوفاً على نفسه تارة!! رغم أن معه ووراءه شجعان بني هاشم؛ أصحاب النجدة والشهامة والبأس.
* أن علياً رضي الله عنه أقر عمر لما جعل الخلافة من بعده في ستة مرشحين، أحدهم الإمام علي نفسه، ثم اختار المسلمون ممثلين في أهل الحل والعقد عثمان... فكيف قبل ذلك كله؟
* أن علياً قبل عرض أهل الحل والعقد عليه بتولي الخلافة بعد مقتل عثمان بعد إلحاح منهم... فكيف يرفضها أولاً.. وهو المنصوص عليه بها.. ثم يقبلها على أنها عرض من أهل الحل والعقد، وباختيار منهم لا بنص إلهي؟
* ولما طعن رضي الله عنه لم ينص على الحسن من بعده، وترك الأمر لأهل الحل والعقد من المسلمين، وكان الواجب وهو بين أنصاره، أن يصرح بالنص على إمامة الحسن، أو على الأقل أن يعهد إليه بها، وإنما وقع الاختيار على الحسن باختيار أهل الحل والعقد من المسلمين، بعد مقتل علي رضي الله عنه.
* ثم كيف يتنازل الحسن بن علي رضي الله عنه عن الإمامة لـمعاوية رضي الله عنه، مع أن معه الأنصار والأعوان وبني هاشم وفضلاء أهل البيت!! ومن خلفه جمهور أهل الحل والعقد، وقلوب الكثير من المسلمين!! وكيف أطاعوه في ذلك؟
* ولما خرج الحسين بن علي رضي الله عنه بتشجيع أهل الكوفة له، ومراسلاتهم إليه، والتي فيها مبايعتهم له وعزمهم على نصرته، إنما أعلن أن خروجه لما ظهر من فساد يزيد بن معاوية، وجور الأمويين، وليس بدعوى أنه الإمام المنصوص عليه، وكان الواجب -على قول الشيعة - أن يجهر بأنه خرج لحقه في الإمامة المنصوص عليه.
 * كيف لم يجهر الأئمة من بعد الحسن والحسين بأن الإمامة فيهم نصاً، بينما تنسب إليهم خفية وسراً طوال قرون عديدة!!
* وأين الغاية من وجود أئمة في الأرض هداة معصومين، وهم لم يُمكنوا من حكم الناس، ولم تظهر آثار حميدة لهذه الإمامة المزعومة، اللهم إلا فترة خلافة علي رضي الله عنه، وانشغل فيها بقتال المخالفين له؟
ولا يخفى أن كتم الإمامة، بل وعدم الجهر بها سنين طويلة -بل وقرون- مهما كان التبرير؛ يعد مخالفة كثيرة ننزه علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وأئمة أهل البيت، وفضلاء الصحابة، وسادات التابعين؛ عنها.
وكيف يعلقون القيام بوظائف الأمة، وفروض الكفايات فيها؛ على وجود الإمام، ثم هو بعد ذلك غائب عن الناس قروناً عديدة طويلة حتى يعم الفساد في الأرض، ولا يجد من أراد الهدى من يهديه ويرشده، والكل -بزعمهم- في حاجة إلى هداية الأئمة.. بل بغيرهم لا تقوم الحجة وتضطرب الحياة. وبالطبع لا مقارنة بين وجود فقهاء ومجتهدين من الشيعة.. وبين وجود الأئمة أنفسهم؟
 
 الغلو في أهل البيت:
 
الغلو في الأئمة:
(هناك مظاهر كثيرة للغلو، تبدأ بالغلو النظري وتنتهي بالغلو العملي)([442]). وفكرة الغلو في الصالحين منتشرة بين الفرق المبتدعة، (غير أن الشيعة سبقت الفرق الإسلامية الأخرى في هذا المضمار كثيراً، ويعود هذا الإسراف في الغلو إلى كتب الروايات التي لم تهذب، وموقف الفقهاء من تلك الروايات، وعدم تفنيدهم لمحتواها، فقد ذكرت كتب الشيعة والتي تعتبر موثوقة، قصصاً في معجزات الأئمة وفي كراماتهم، لا تقل عن تلك التي نجدها في كتب روايات الفرق الإسلامية الأخرى، عن المشايخ والأولياء وشيوخ الصوفية)([443]).
أما إضفاء العصمة للأئمة فقد كان الغرض منها تثبيت تلك الروايات الكاذبة التي تتنافى مع العقل والمنطق، والتي نسبت إلى الإمام كي يسد باب النقاش في محتواها على العقلاء والأذكياء، ويرغم الناس على قبولها؛ لأنها صدرت من معصوم لا يخطئ)([444]).
ومن المؤسف حقاً أن الغلو النظري مثل العملي دخل إلى أعماق القلوب، عن طريق فقهاء المذهب والمجتهدين، فالمسئولية الأولى والأخيرة تقع على عاتقهم؛ لأنهم هم الذين قادوا العوام على الطريق، فهناك أمور نسبتها كتب الشيعة إلى الأئمة، وتبناها فقهاء المذهب، وذكرتها كتب الروايات الموثوقة عندهم مثل أصول الكافي والوافي والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه ووسائل الشيعة وغيرها من أهم الكتب والمصادر الشيعية، وفيها كثير من الغلو([445]).
ولعل من نافلة القول أن نذكر هنا على وجه التحديد موسوعة بحار الأنوار الضخمة التي وضعها المولى محمد باقر المجلسي باللغة العربية، وفي مجلدات تربو على العشرين، أن هذه الموسوعة([446]) قد أضرت الشيعة والوحدة الإسلامية أكثر من أي أثر آخر ألف حتى الآن في التاريخ الشيعي، لقد خصص المؤلف شطراً كبيراً من موسوعته في معاجز أئمة الشيعة، وهي مليئة بالأفكار الغلوائية التي تحتوي على قصص في المعاجز والكرامات([447]).
والجانب الآخر الهدام في هذه الموسوعة هو التركيز على الطعن وتجريح الخلفاء الراشدين، وبصورة مقذعة في بعض الأحيان([448])، ولازالت الكتب التي تؤلف ضد الشيعة تركز تركيزاً مباشراً على كتب المجلسي([449])، والمجلسي ألف كتباً باللغة الفارسية أيضاً، وهي لا تقل في محتواها عن موسوعته العربية، ولاشك أن عصر المجلسي وتأييد النظام الحاكم للمذهب الشيعي ولعلماء المذهب، كان من أهم عوامل تأليف موسوعة مثل بحار الأنوار، الكتاب الذي كان يضمن الخلاف الأبدي بين الشيعة في إيران وبين الأكثرية الساحقة من المسلمين([450]).
 (وقبل أكثر من ثلاثين عامة عندما أرادت دار للنشر في إيران أن تجدد طبع موسوعة البحار في مئة مجلد، أمر الإمام الطباطبائي البروجردي الزعيم الأعلى للطائفة الشيعية آنذاك، أن يخضع الكتاب للتهذيب والتنقيح ويجرد من الروايات والقصص التي فيها تجريح للخلفاء الراشدين ولكن الناشر([451]) بدأ بطباعة الموسوعة من المجلدات الضخمة التي لا تحتوي على تلك الروايات والقصص المضرة، متجاهلاً التسلسل الوارد في الموسوعة، وتم طبع المجلدات الضارة بعد وفاة الإمام البروجردي، وعرضت في المكتبات الإسلامية لتكون وقوداً جديداً لإثارة الضغناء والشحناء بين المسلمين)([452]).
فإن قيل: (إن كتب السنة أيضاً مليئة بما يجرح الشيعة، وترميهم بالزندقة والكفر والخروج عن الإسلام)([453]).
فالجواب: إن أهل السنة تكرم أئمة أهل البيت وتذكر فضائلهم، وتقر بمكانتهم الكبرى في قلوب المسلمين، (ولكن حينما يريد علماء السنة الدفاع عن أعز وأكرم فئة ترى فيها امتداداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرتها الكتب الشيعية بما لا يليق بمكانتها، فلابد وأن توجه السهام نحو صدور أولئك الذين دونوا مثل تلك الأقوال في كتبهم، ومن هنا نستطيع القول: إن وطأة الكتب الشيعية وما فيها من كلام جارح على الخلفاء، هي أقسى وأشد كثيراً على السنة مما تقوله السنة في الشيعة نفسها)([454]).
ولا يخفى أن هذا الغلو في أئمتهم هو من جنس غلو النصارى في المسيح عيسى عليه السلام، ومن جنس غلو الفرس القدامى في الأسرة الحاكمة، والذين كانوا يدينون بالخضوع والولاء لهم مع الحب والتقديس([455])، وقريب من ذلك أيضاً غلو الصوفية عبر الأزمان في أوليائهم وصالحيهم.
(ونحن نكتفي لبيان معتقداتهم المعارضة لعقائد الأمة أجمعها، بذكر عناوين بعض الأبواب التي زينوا بها صحاحهم ومجاميعهم، في أوصاف أئمتهم، من الكتب المعتمدة الموثوق بها المعتبرة في الحديث لديهم، ولا نسرد كل الروايات التي أوردوها في هذه الأبواب من تلك الكتب، بل نكتفي بخبر أو خبرين من الأخبار الكثيرة التي رووها فيها، ليحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون)([456]).
الغلو في علي رضي الله عنه:
يقول زين الدين البياضي في الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم (1/20) ط الأولى المطبعة الحيدرية نشر المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية) في علي بن أبي طالب صلى الله عليه وسلم: (وأكثر شيوخنا يفضلونه على أولي العزم، لعموم رئاسته وانتفاع جميع أهل الدنيا بخلافته) اهـ([457]).
 ويكذب على الإمام مالك فيقول: (نقل الإمام مالك بن أنس أخباراً جمة في فضائل علي، وكان يفضله على أولي العزم من الأنبياء) اهـ([458]).
فهل انتفع بخلافة علي جميع أهل الدنيا!! وهل كان معتقد الإمام مالك رحمه الله أن علياً رضي الله عنه مقدم على أولي العزم من الأنبياء.
ويقول أيضاً في نفس الكتاب (1/101) مبيناً مساواة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لجماعة من النبيين: (موسى أحيا الله بدعائه قوماً في قوله تعالى: ((ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ)) [البقرة:56]. وأحيا لـعلي أهل الكهف، وروي أنه أحيا سام بن نوح، وأحيا له جمجمة الجلندي مالك الحبشة)([459])اهـ. ويقول في موضع من الكتاب (1/103) وبصيغة الجزم: (وعلي أحيا ساماً وأهل الكهف والجمجمة) ويقول في موضع آخر (1/ 102): (و علي سلمت عليه الحيتان، وجعله الله إمام الإنس والجن)([460]).
ويقول في نفس الكتاب (1/105): (قال له أصحابه -أي: علي - إن موسى وعيسى كانا يريان المعجزات، فلو أريتنا شيئاً لنطمئن إليه، فأراهم عليه السلام جنات من جانب وسعيراً من جانب، وقال أكثرهم: سحر، وثبت اثنان فأراهم حصى مسجد الكوفة ياقوتاً، فكفر أحدهما وبقي الآخر)([461]).
ويقول أيضاً (1/105): (اختصم خارجي وامرأة إليه -أي علي - فعلى صوته -أي: الخارجي- فقال عليه السلام: اخسأ، فإذا رأسه -أي: الخارجي- رأس كلب)([462]).
 ويقول أيضاً (1/ 107): (ولما رجع من صفين كلم الفرات فاضطربت، وسمع الناس صوتها بالشهادتين والإقرار له بالخلافة) وفي رواية عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام (أنه ضربها بقضيب فانفجرت، وسلمت عليه حيتانها وأقرت له بأنه الحجة) اهـ([463]).
عن أبي عبد الله قال: (ما جاء به علي عليه السلام أخذنا به، وما نهى عنه انتهينا عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم الفضل على جميع خلق الله عز وجل، المتعقب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله، كان أمير المؤمنين عليه السلام باب الله الذي لا يؤتى إلا منه، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك، وكذلك يجري لأئمة الهدى واحداً بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى، وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه، كثيراً ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار، وأنا الفاروق الأكبر، وأنا صاحب العصا والميسم، ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم([464])، ولقد حملت على مثل حمولته وهي حمولة الرب، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعى فيكسى، وأدعى فأكسى، ويستنطق فأستنطق فأنطق على حد منطقه، ولقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد قبلي: علمت المنايا والبلايا، والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني([465])، أبشر بإذن الله وأؤدي عنه، كل ذلك من الله مكنني فيه بعلمه) (الكافي جـ1/ ص:196)([466]).
وعن أبي عبد الله أيضاً أنه قال لـسليمان بن خالد: (يا سليمان! ما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام يؤخذ به، وما نهى عن ينتهى عنه، جرى له من الفضل ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفضل على جميع من خلق الله، المعيب على أمير المؤمنين عليه السلام في شيء من أحكامه كالمعيب على الله عز وجل وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله.
كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه باب الله الذي لا يؤتى إلا منه، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك، وبذلك جرت الأئمة عليهم السلام واحداً بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بهم والحجة البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى) (الكافي جـ1/ (ص:197)([467]).
عن أبي عبد الله قال: (إن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برمانتين فأكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحداهما، وكسر الأخرى بنصفين، فأكل نصفاً وأطعم علياً نصفاً ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أخي! هل تدري ما هاتان الرمانتان؟ قال: لا. قال: أما الأولى فالنبوة، ليس لك فيها نصيب، وأما الآخرة فالعلم أنت شريكي فيه، فقلت: أصلحك الله! كيف كان يكون شريكه فيه؟ قال: لم يعلم الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إلا وأمره أن يعلمه علياً عليه السلام) الكافي (جـ1/ ص:263)([468]).
 وعن أبي جعفر بنحوه، وفيه: قال أبو جعفر: (فلم يعلم الله رسول الله صلى عليه وآله وسلم حرفاً مما علمه الله عز وجل إلا وقد علمه علياً، ثم انتهى العلم إلينا، ثم وضع يده على صدره) الكافي (جـ1/ص:263)([469]).
تنبيه: روى البخاري عن أبي جحيفة أنه سأل علياً رضي الله عنه: (هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما عندنا إلا ما في القرآن، وإلا فهماً يعطي الله رجلاً في كتابه، وما في الصحيفة؟ قلت: وما الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر).
عن أبي الحسن قال: (ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ووصيه علي عليه السلام) الكافي (جـ1/ ص:437).
عن الحسن بن الجهم قال: قلت للرضا عليه السلام: (إن أمير المؤمنين عليه السلام قد عرف قاتله، والليلة التي يقتل فيها، والموضع الذي يقتل فيه([470]). وقوله لما سمع صياح الأوز في الدار: صوائح تتبعها نوائح، وقول أم كلثوم: لو صليت الليلة داخل الدار وأمرت غيرك يصلي بالناس؟ فأبى عليها وكثر دخوله وخروجه تلك الليلة بلا سلاح، وقد عرف عليه السلام أن ابن ملجم -لعنه الله- قاتله بالسيف؛ كان هذا مما لم يجز تعرضه، فقال الرضا: ذلك كان، ولكنه خُيَّر في تلك الليلة([471]) لتمضي مقادير الله عز وجل). الكافي (جـ1/ ص:259).
 عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي توفي فيه: ادعوا لي خليلي، فأرسلتا إلى أبويهما، فلما جاءا أعرض بوجهه، ثم قال: ادعوا لي خليلي، فقالا: قد رآنا، لو أرادنا لكلمنا، فأرسلتا إلى علي عليه السلام، فلما جاء كب عليه يحدثه ويحدثه، حتى إذا فرغ لقياه، فقالا: ما حدثك؟ فقال: حدثني بألف باب من العلم، يفتح كل باب إلى ألف باب»([472]). (الكافي جـ1/ ص 128). قوله (فأرسلتا): أي: عائشة وحفصة رضي الله عنهما، و(أبويهما): أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
وعن أبي جعفر في تفسير قوله تعالى: ((عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)) [النبأ:1] قال: (هي في أمير المؤمنين صلوات الله عليه)([473])كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: (ما لله عز وجل آية هي أكبر مني، ولا لله من نبأ أعظم مني) الكافي (جـ1/ ص: 207).
عن عبد الله بن أبان الزيات وكان مكيناً عند الرضا عليه السلام قال: (قلت للرضا عليه السلام: ادع الله لي ولأهل بيتي، وقال: أولست أفعل؟ والله إن أعمالكم لتعرض علي في كل يوم وليلة؟([474]). قال: فاستعظمت ذلك فقال لي: أما تقرأ كتاب الله عز وجل: ((وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)) [التوبة:105]. قال: هو والله علي بن أبي طالب عليه السلام). الكافي (جـ1/ ص:219).
الغلو في فاطمة الزهراء رضي الله عنها:
تجاوز الإمامية حد الاعتدال في محبة السيدة فاطمة رضي الله عنها إلى الغلو فيها، فادعوا نزول جبريل عليه السلام عليها وتعليمها أمور الغيب:
يقول الخميني في خطاب ألقاه يوم الأحد (3/2/ 1986م) بمناسبة عيد المرأة وهو يوافق مولد السيدة فاطمة رضي الله عنها عندهم، يقول معلقاً على رواية وردت في كتاب الكافي للكليني ما نصه: (إن فاطمة الزهراء عاشت بعد وفاة والدها خمساً وسبعين يوماً حزينة كئيبة، وكان جبرائيل الأمين يأتي إليها لتعزيتها وإبلاغها بالأمور التي ستقع في المستقبل، ويتضح من الرواية بأن جبرائيل خلال الـ50 يوماً كان يتردد كثيراً عليها، ولا أعتقد بأن رواية كهذه وردت بحق أحد باستثناء الأنبياء العظام) اهـ. كلامه بنصه. وفي الكافي في كتاب الحجة (جـ1/ ص458): عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن فاطمة عليها السلام مكثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان يأتيها جبرائيل فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي عليه السلام يكتب ذلك) وفي رواية أخرى زيادة: (وكان علي يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة عليها السلام).
وروى في الكافي بسنده عن أبي عبد الله أيضاً قال: (تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة، وذلك أني نظرت في مصحف فاطمة عليها السلام -قال الراوي حماد بن عثمان - قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: إن الله تعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وسلم دخل على فاطمة من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، فأرسل الله إليها ملكاً يسلي غمها ويحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته، فجعل أمير المؤمنين عليه السلام يكتب كلما سمع، حتى أثبت من ذلك مصحفاً، قال: ثم قال: أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون.).
الأئمة يعرفون أولياءهم الشيعة ولهم تفويض من الله فهم شركاء له في أموره:
في الكافي (جـ1/ ص:438) كتاب الحجة رقم (1) بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام: (أن رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو مع أصحابه، فسلم عليه ثم قال له: أنا والله أحبك وأتولاك، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: كذبت، قال: بلى والله إني أحبك وأتولاك، فكرر ثلاثاً، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: كذبت، ما أنت كما قلت، إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام، ثم عرض علينا المحب لنا، فوالله ما رأيت روحك فيمن عرض، فأين كنت؟ فسكت الرجل عند ذلك ولم يراجعه) وفي رواية أخرى قال: أبو عبد الله عليه السلام: (كان في النار)([475]).
وفي الكافي (جـ1/ ص:441) رقم (5) بسنده عن محمد بن سنان قال: (كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام، فأجريت اختلاف الشيعة فقال: يا محمد! إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفرداً بوحدانيته، ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمورها إليهم([476])، فهم يحلون ما يشاءون ويحرمون ما يشاءون، ولن يشاءوا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى، ثم قال: يا محمد! هذه الديانة التي من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها محق، ومن لزمها لحق، خذها إليك يا محمد)([477]).
 وفي الكافي (جـ1 ص:440) كتاب الحجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال الله تبارك تعالى: يا محمد! إني خلقتك وعلياً نوراً -يعني: روحاً بلا بدن- قبل أن أخلق سماواتي وأرضى وعرشي وبحري، فلم تزل تهللني وتمجدني، ثم جمعت روحيكما فجعلتهما واحدة، فكانت تمجدني وتقدسني وتهللني، ثم قسمتها ثنتين، وقسمت الثنتين ثنتين فصارت أربعة: محمد واحد، وعلي واحد، والحسن والحسين ثنتان، ثم خلق الله فاطمة من نور، ابتدأها روحاً بلا بدن، ثم مسحنا بيمينه فأفضى نوره فينا)([478]).
وفي الكافي رقم (167) (ص:142) روضة الكافي عن سماعة قال: (كنت قاعداً مع أبي الحسن الأول عليه السلام والناس في الطواف في جوف الليل، فقال: يا سماعة! إلينا إياب الخلق وعلينا حسابهم، فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله عز وجل حتمنا على الله في تركه لنا، فأجابنا إلى ذلك، وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم، وأجابوا إلى ذلك، وعوضهم الله عز وجل)([479]).
في أصول الكافي (ص:259) (باب: أن الأرض كلها للإمام): عن جعفر الصادق أنه قال لـأبي بصير: (أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث شاء، ويدفعها إلى من يشاء)([480]).
وفي أصول الكافي (ص:117): أن أمير المؤمنين كثيراً ما كان يقول: (أنا قسيم الله بين الجنة والنار، وأنا صاحب العصا والمبسم، ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا لمحمد)([481]).
 
الأئمة عندهم علم الغيب:
ففي الكافي (جـ1/ ص:242) رقم (7) بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (والله إن عندي لكتابين فيهما تسمية كل نبي وكل ملك يملك الأرض، لا والله ما محمد بن عبد الله –يعني: أحد ذرية الحسن - وفي واحد منهما)([482]).
وعنده في (جـ1/ ص:258) رقم (3) عن أبي عبد الله قال: (إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً أعلمه الله ذلك)([483]).
وفي أصول الكافي (ص:158-159) باب بعنوان: (إن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم): وفيه روايات منها: عن أبي جعفر قال: (أنزل الله عز وجل النصر على الحسين رضي الله عنه حتى كان بين السماء والأرض، ثم خير النصر ولقاء الله فاختار لقاء الله عز جل)([484]).
وفي أصول الكافي (ص:134) (باب: عرض الأعمال على النبي والأئمة): (أن عبد الله بن أبان الزيات -وهو من خاصة الشيعة - طلب من الإمام الرضا الدعاء له ولأهله فقال: أولست أفعل؟ والله إن أعمالكم لتعرض عليّ في كل يوم وليلة)([485]).
وفي أصول الكافي (ص:155) أن أرواح الأئمة تعرج كل ليلة جمعة، يصلون إلى العرش وينالون علماً جديداً، ثم ترد إلى الأبدان([486]).
وعن أبي عبد الله قال: (ورب الكعبة ورب البنيّة -ثلاث مرات- لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما؛ لأن موسى والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وراثة)([487])الكافي (جـ1/ ص:260).
وعن أبي عبد الله قال: (إني لأعلم ما في السموات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون، ثم مكث هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه منه، فقال: علمت ذلك من كتاب الله عز وجل، إن الله عز وجل يقول: فيه تبيان كل شيء) الكافي (جـ1/ ص:261)([488]).
وقال المفضل لـأبي عبد الله: (جعلت فداك! يفرض الله طاعة عبد على العباد ويحجب عنه خبر السماء؟ قال أبو عبد الله: لا. الله أكرم وأرحم وأرأف بعباده، من أن يفرض طاعة عبد على العباد، ثم يحجب عنه خبر السماء صباحاً ومساء) الكافي (جـ1/ ص:261)([489]).
عن أبي عبد الله قال: (إن علمنا غابر ومزبور، ونكت في القلوب، ونقر في الأسماع، قال: أما الغابر فما تقدم من علمنا، وأما المزبور فما يأتينا، وأما النكت في القلوب فإلهام، وأما النقر في الأسماع فأمر الملك) الكافي (جـ1/ ص:264)([490]).
وقال أبو جعفر عليه السلام: (لو كان لألسنتكم أوكية، لحدثت كل امرئ بما له وعليه) الكافي (جـ1/ص:264)([491]).
 وعن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته رخى عليه ستره فقال: يا مفضل! إن الله تبارك وتعالى جعل في النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمسة أرواح: روح الحياة فبه دبّ ودرج، وروح القوة فيه نهض وجاهد، وروح الشهوة فبه أكل وشرب، وأتى النساء من حلال، وروح الإيمان فبه آمن وعدل، وروح القدس فبه حمل النبوة، فإذا قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم انتقل روح القدس فصار إلى الإمام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل، ولا يلهو ولا يزهو، والأربعة الأرواح تنام وتغفل، وتزهو وتلهو، وروح القدس كان يرى به) الكافي (جـ1/ ص:272)([492])وفي رواية عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال له: (يا جابر! إن في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح: روح القدس، وروح الإيمان، وروح الحياة، وروح القوة، وروح الشهوة، فبروح القدس يا جابر عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى) الكافي (جـ1/ ص:272)([493]).
الأئمة تنزل عليهم الملائكة والوحي:
يروي محمد بن الحسن الصفار المتوفى سنة (290هـ) -وهو أقدم علماء الشيعة الإمامية وأجلهم- والذي يعدونه من أصحاب الإمام المعصوم الحادي عشر الحسن العسكري حسب زعمهم، وهو من أساتذة الكليني صاحب الكافي، يروي في كتابه بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد، وهو من الكتب المعتمدة في الحديث عندهم([494]) أخباراً كثيرة في إثبات نزول الوحي والملائكة على أئمة الشيعة، من ذلك ما جاء في (الباب السادس عشر من الجزء الثامن في أمير المؤمنين، أن الله ناجاه بـالطائف وغيرها ونزل بينهما جبريل، وروى تحته روايات عشراً، منها: عن حمران بن أعين قال: قلت لـأبي عبد الله عليه السلام: (جعلت فداك، بلغني أن الله تبارك وتعالى قد ناجى علياً عليه السلام؟ قال: أجل! قد كان بينهما مناجاة بـالطائف نزل بينهما جبريل) وروى عن أبي رافع قال: (لما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً يوم خيبر فتفل في عينيه وقال له: إذا أنت فتحتها فقف بين الناس، فإن الله أمرني بذلك، قال أبو رافع: فمضى علي عليه السلام وأنا معه، فلما أصبح افتتح خيبر ووقف بين الناس، وأطال الوقوف، فقال الناس: إن علياً عليه السلام يناجي ربه، فلما مكث ساعة أمر بانتهاب المدينة التي فتحها، قال أبو رافع: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: إن علياً عليه السلام وقف بين الناس كما أمرته، قال قوم منهم: إن الله ناجاه. فقال: نعم يا أبا رافع، إن الله ناجاه يوم الطائف، ويوم عقبة، ويوم حنين، ويوم غسل رسول الله)([495]).
(ومنها ما رواه الصفار في الجزء التاسع من كتابه تحت عنوان: (الباب الخامس عشر في الأئمة عليهم السلام، أن روح القدس يتلقاهم إذا احتاجوا إليه)، عن أسباط عن أبي عبد الله جعفر أنه قال:
(قلت: تسألون عن الشيء فلا يكون عندكم علمه؟
قال: ربما كان كذلك.
قلت: كيف تصنعون؟
قال: تلقانا به روح القدس)([496]).
وفي الجزء السادس روى رواية في (باب في أمير المؤمنين عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم علم العلم كله، وشاركه في العلم ولم يشاركه في النبوة) عن حمران أنه قال: قلت لـأبي عبد الله عليه السلام: (جعلت فداك! قد بلغني أن الله قد ناجى علياً؟ قال: أجل! قد كان بينهما مناجاة بـالطائف ونزل بينهما جبريل، وقال: إن الله علم رسوله الحلال والحرام والتأويل، فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً عليه السلام علمه كله)([497]).
وفي الجزء الرابع من الكتاب باب (في أن الأئمة يخاطبون ويسمعون الصوت، ويأتيهم صور أعظم من جبريل وميكائيل) عن أبي عبد الله أنه قال: (إنا لنزاد في الليل والنهار، ولو نزد لنفد ما عندنا، قال أبو بصير: جعلت فداك! من يأتيكم به؟ قال: إن منا من يعاين، وإن منا من ينقر في قلبه كيت وكيت، وإن منا من يسمع بأذنه وقعاً كوقع السلسلة في الطست، قال: فقلت له من الذي يأتيكم بذلك؟ قال: خلق أعظم من جبريل وميكائيل)([498]).
وفي الجزء السابع باب (في الإمام بأنه إن شاء أن يعلم العلم علم) وفيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً علمه الله ذلك)([499]).
وباب آخر بعنوان: (ما يفعل بالإمام من النكت والقذف والنقر في قلوبهم وآذانهم) وفيه عن الحارث بن المغيرة أنه قال: (قلت لـأبي عبد الله عليه السلام: هذا العلم الذي يعلمه عالمكم، أشيء يلقى في قلبه أو ينكت في أذنه؟ فسكت حتى غفل القوم، ثم قال: ذاك وذاك)([500]).
وباب آخر: (ما يلقى شيء بعد شيء يوماً بيوم وساعة بساعة مما يحدث) وفيه عن ضريس أنه قال: (كنت مع أبي بصير عند أبي جعفر عليه السلام، فقال له أبو بصير: بم يعلم عالمكم الغيب جعلت فداك؟ قال: يا أبا محمد! إن عالمنا لا يعلم الغيب، ولو وكل الله عالمنا إلى نفسه كان كبعضكم، ولكن يحدث إليه ساعة بعد ساعة) وروى أيضاً عن أبي بصير قال: (قلت لـأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، أي شيء هو العلم عندكم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار، والأمر بعد الأمر، والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة) وفي رواية أخرى: (ما يحدث بالليل والنهار يوماً بيوم، وساعة بساعة)([501]).
الأئمة عندهم علم الأنبياء:
ففي الكافي (جـ1/ ص:224) رقم (2) بسنده عند أبي عبد الله قال: (إن داود ورث علم الأنبياء، وإن سليمان ورث داود، وإن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ورث، وإنا ورثنا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، وإن عندنا صحف إبراهيم وألواح موسى)([502]).
عن أبي جعفر قال: (إن الله عز وجل جمع لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم سنن النبيين، من آدم وهلم جرا إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قيل له: وما تلك السنن؟ قال: علم النبيين بأسره، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صير ذلك كله عند أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له رجل: يا ابن رسول الله! فأمير المؤمنين أعلم أم بعض النبيين؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: اسمعوا ما يقول؟ إن الله يفتح مسامع من يشاء، إني حدثته أن الله جمع لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم علم النبيين وأنه جمع ذلك كله عند أمير المؤمنين عليه السلام، وهو يسألني أهو أعلم أم بعض النبيين؟) الكافي (جـ1/ ص:222)([503]).
وفي الكافي باب بعنوان: (أن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عز وجل، وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها). وفيه روايات عديدة بهذا المضمون منها: عن الإمام جعفر الصادق قال: (وإن عندنا علم التوراة والإنجيل والزبور، وتبيان ما في الألواح) وعنه قال: (إن لدينا الجفر([504]) الأبيض، فسئل عنه، فقال: زبور داود عليه السلام وتوراة موسى وإنجيل عيسى وصحف إبراهيم)([505]).
وفي أصول الكافي باب بعنوان: (باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء) فيه أن ما بقي من معجزات الأنبياء عند الأئمة ينتقل من إمام إلى آخر، وعن الباقر (أن الإمام علي المرتضى خرج عليهم ذات ليلة بعد العشاء عليه قميص آدم، وفي يده خاتم سليمان وعصى موسى)([506]).
تفضيل الأئمة على الملائكة والرسل والنبيين:
يعتقد الشيعة الإثنا عشرية تقدم أئمة البيت العلوي في الفضل على الملائكة والرسل والنبيين، فالملائكة والرسل أقرت لـعلي رضي الله عنه بمثل ما أقرت للنبي صلى الله عليه وسلم، وللأئمة شفاعة يوم القيامة كشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وللأئمة عندهم كل ما عند الرسل والنبيين من العلم، والأئمة لهم المقام المحمود والمنزلة السامية، ولهم من الزلفى ما لا يعلمه إلا الله، يقول الخميني في كتابه الحكومة الإسلامية (ص:52):
(فإن للإمام مقاماً محموداً، ودرجة سامية، وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل([507])، وبموجب ما لدينا من الروايات فإن الرسول الأعظم (ص:) والأئمة (ع)([508])، كانوا قبل هذا العالم أنواراً، فجعلهم الله بعرشه محدقين، وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلمه إلا الله، وقد قال جبرائيل -كما ورد في روايات المعراج-: لو دنوت أنملة لاحترقت، وقد ورد عنهم (ع)([509]). أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل([510])، ومثل هذه المنزلة موجودة لـفاطمة الزهراء عليها السلام) اهـ([511]).
ويقول السيد أمير محمد الكاظمي القزويني في كتابه الشيعة في عقائدهم وأحكامهم ((ص:73 ط. الثانية): (الأئمة من أهل البيت عليهم السلام أفضل من الأنبياء)([512]). ويقول آية الله السيد عبد الحسين في كتابه اليقين (ص:46 ط. دار التعارف بيروت 1989م): (وأئمتنا الاثنا عشر عليهم السلام أفضل من جميع الأنبياء؛ باستثناء خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، ولعل أحد الأسباب في ذلك هو أن اليقين لديهم أكثر)([513])اهـ.
 وكتب علامتهم باقر مجلسي في كتابه حياة القلوب (م3 ص:10): (إن الإمامة أعلى من رتبة النبوة) (أمامت بالاتراز مرتبة بيغميري است)([514]).
وذكر علي موسى البهبهاني في كتابه مصباح الهداية في إثبات الولاية (ص:61-62): أن الإمامة مرتبة فوق النبوة([515]).
(ينص القوم بأن أئمتهم أفضل من جميع الأنبياء بما فيهم أولو العزم من الرسل، وأعلم منهم)([516]):
بوب محمد بن الحسن الصفار في كتابه بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد باباً بعنوان: (باب في أمير المؤمنين عليه السلام وأولو العزم أيهم أعلم)([517]).
كما أن الحر العاملي بوب باباً بعنوان: (إن النبي والأئمة الاثنى عشر عليهم السلام، أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين والملائكة وغيرهم، وإن الأنبياء أفضل من الملائكة)([518]).
وابن بابويه القمي الملقب بـصدوق الشيعة بوب باباً بعنوان: (أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وآله وسلم والأئمة على جميع الملائكة والأنبياء عليهم السلام)([519]).
 وفي بصائر الدرجات للصفار (باب أن الأئمة عليهم السلام أفضل من موسى والخضر عليهما السلام)([520]).
ونظرة إلى عناوين الأبواب من (كتاب الحجة) التي ذكرها شيخهم الكليني في الأصول من الكافي، تشير بوضوح إلى هذا الغلو في حق الأئمة، ورفعهم إلى منزلة لا يبلغها غيرهم من الأنبياء السابقين([521]).
عصمة الأئمة وإحاطتهم بالعلم كله:
فالأئمة من البيت العلوي عند الشيعة الإثني عشرية معصومون عن الخطأ والنسيان والسهو.
ففي كتاب عقائد الإمامية (ص:51): (ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً عن جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً، كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان؛ لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه، حالهم في ذلك حال النبي، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء، هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة).
وفي (ص:52) يقول إخباراً عن علم الإمام: (أما علمه، فهو يتلقى المعارف والأحكام الإلهية وجميع المعلومات، من طريق النبي أو الإمام من قبله، وإذا استجد شيء فلابد أن يعلمه عن طريق الإلهام، بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه، فإن توجه إلى شيء وشاء أن يعلمه على وجهه الحقيقي، لا يخضع في كل ذلك إلى البراهين العقلية ولا تلقينات المعلمين).
وفي الكافي رقم (3) (ص:254 جـ1) كتاب الحجة عن يونس أو المفضل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ما من ليلة جمعة إلا ولأولياء الله فيها سرور، قلت: كيف ذلك جعلت فداك! قال: إذا كان ليلة الجمعة ووافى رسول الله صلى الله عليه وسلم العرش، ووافى الأئمة عليهم السلام، ووافيت معهم؛ فما أرجع إلا بعلم مستفاد، ولولا ذلك لنفد ما عندي)([522]).
وتكفي نظرة سريعة على عناوين الأبواب في كتاب الأصول من الكافي للكليني، للدلالة على زعمهم إحاطة أئمتهم بجميع العلوم، فمن أمثلة تلك الأبواب([523]):
* باب: أن الأئمة عليهم السلام يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل عليهم السلام، (للكليني في الأصول من الكافي جـ1/ 255).
* باب: أن الأئمة عليهم السلام إذا شاؤوا أن يعلموا علموا (الأصول من الكافي جـ1/ 258).
* باب: أن الأئمة عليهم السلام يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم([524])، (الأصول من الكافي جـ1/ 258).
* باب: أن الأئمة عليهم السلام يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم شيء، (الأصول من الكافي جـ1/ 260).
* باب: أنه عز وجل لم يعلم نبيه علماً إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين وأنه كان شريكه في العلم. (الأصول من الكافي جـ1/ 263).
* باب: أن الأئمة عليهم السلام لو ستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه، (الأصول من الكافي جـ1/ 264).
* باب: أن الأئمة عليهم السلام محدثون مفهمون (الأصول من الكافي جـ1/ 270).
 عن أبي عبد الله: (إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم) (الكافي جـ1/ (ص:258)([525])، وفي رواية: (إن الإمام إذا شاء أن يعلم أعلم) (الكافي جـ1/ (ص:258)([526]). وفي رواية: (إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً أعلمه الله ذلك) الكافي (جـ1/ ص:258)([527])، وقد مر قريباً بعض من الأحاديث التي وردت في هذه الأبواب بما يغني عن إعادتها.
عن أبي بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى: ((وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ)) [الشورى:52]، قال أبو عبد الله: خلق من خلق الله عز وجل أعظم من جبرائيل وميكائيل، كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده) الكافي (جـ1/ ص:273)([528]).
وعن أبي بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)) [الإسراء:85] قال: خلق أعظم من جبرائيل وميكائيل، كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مع الأئمة وهو من الملكوت) الكافي (جـ1/ ص:285)([529]).
نقل إبراهيم الموسوي الزنجاني صاحب عقائد الإمامية الإثني عشرية عن الصدوق قوله: (اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة، أنهم معصومون مطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنباً؛ لا صغيراً ولا كبيراً، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)([530]).
 ثم قال بعدها: (ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم، ومن جهلهم فهو كافر)([531]).
ثم قال: (واعتقادنا فيهم أنهم معصومون موصوفون بالكمال والتمام، والعلم من أوائل أمورهم وأواخرها، لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا عصيان)([532]).
وقال المجلسي: (أصحابنا الإمامية أجمعوا على عصمة الأنبياء والأئمة، من الذنوب الصغيرة والكبيرة، عمداً وخطأ ونسياناً، قبل النبوة والإمامة وبعدهما، بل من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله تعالى، ولم يخالف في ذلك إلا الصدوق محمد بن بابويه وشيخه ابن الوليد، فإنهما جوزا الإسهاء من الله تعالى، لا السهو الذي يكون من الشيطان في غير ما يتعلق بالتبليغ وبيان الأحكام)([533]).
وفي أصول الكافي للكليني (باب: فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة) (جـ1/271-272)، و(باب: الروح التي يسدد الله بها الأئمة) (جـ1/ 273-274): ذكر ستة أخبار عن أبي عبد الله في الروح المرادة في قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا)) [الشورى:52] (أن الروح: خلق أعظم من جبريل وميكائيل، كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يسدده ويخبره، وهو مع الأئمة من بعده)([534]). وعن الإمام الصادق (أن روح القدس خاص بالأنبياء، فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم انتقل روح القدس فصار مع الإمام، وبه يرى الإمام ما غاب في أقطار الأرض وعنان السماء، وروح القدس لا ينام ولا يغفل، ولا يلهو ولا يزهو)([535]).
 وفي بحار الأنوار لـمحمد باقر المجلسي (جـ2/47-99) (باب الأرواح التي فيهم -يريد الأئمة- وتأييدهم بالروح القدس، وقال ابن بابويه القمي في رسالة للصدوق في الاعتقادات (ص:108-109): (اعتقادنا في الأخبار الصحيحة عن الأئمة أنها موافقة لكتاب الله، متفقة المعاني، غير مختلفة؛ لأنها مأخوذة من طريق الوحي عن الله سبحانه)([536]).
وفي أصول الكافي (ص:121-122) عن الإمام علي بن موسى الرضا في خطبة له قال: (الإمام المطهر من الذنوب والمبرأ من العيوب) وقال أيضاً: (فهو معصوم مؤيد، موفق مسدد، قد أمن الخطأ والزلل والعثار)([537]).
وفي أصول الكافي (ص:113) عن أمير المؤمنين([538]) أنه قال: (إن الله تبارك وتعالى طهرنا وعصمنا، وجعلنا شهداء على خلقه، وحجة في أرضه)([539]).
ويقول الخميني في كتابه الحكومة الإسلامية في سياق كلامه عن الأئمة: (الأئمة لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة([540])، ونعتقد فيهم الإحاطة بكل ما فيه مصلحة للمسلمين)([541]).
 قال الدكتور عمر سليمان الأشقر حفظه الله: (وعصمة الأئمة عندهم -أي: الشيعة الإثني عشرية - مسألة اعتقادية رئيسية، ولذا فإنهم يكفرون مخالفيهم فيها، ويترتب عليها أمور كثيرة، منها: أن الكلام المنسوب إلى الأئمة يعتبرونه دليلاً شرعياً كالقرآن والسنة، ولذا فإن التشريع لم ينته عندهم بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو مستمر إلى حين غيبة إمامهم الثاني عشر، بل يرون أنه يمكن أن يتلقوا رسائل من الإمام الغائب بواسطة نوابه.
ومن ذلك أنهم أحق بالخلافة من غيرهم، فهم أحق من أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة) اهـ. ومراده من تلقي رسائل الإمام الغائب بواسطة نوابه ما يسميه الشيعة (بالغيبة الصغرى)([542]).
وجوب طاعة الأئمة كطاعة الرسل وهم يحللون ويحرمون:
في أصول الكافي (ص:178) أن أبا جعفر الثاني محمد بن علي التقي قال لـمحمد بن سنان: (يا محمد! إن الله تبارك وتعالى لم يزل منفرداً بوحدانيته، ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها وفوض أمورها إليهم، فهم يحلون ما يشاؤون ويحرمون ما يشاؤون، ولن يشاؤوا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى)([543]).
وتأمل قوله: (أجرى طاعتهم)، (فوض أمورها إليهم) (يحلون) (يحرمون) وربط ذلك بمشيئهم، وقد صرح القزويني في شرحه، أنه يدخل في ذلك الأئمة الذي يولدون من نسل محمد صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة رضي الله عنهما، الصافي في شرح أصول الكافي (جـ3/ ق2/ ص:149)([544]).
 وعن أبي عبد الله في أصول الكافي (ص:110) أنه قال لـأبي الحسن العطار: (أشرك بين الأوصياء والرسل في الطاعة)([545]).
قال القزويني في الصافي في شرح أصول الكافي (جـ3/ ق1/ ص:58) شارحاً لهذه الرواية: (يمكن أن تكون صيغة (أشرك) صيغة أمر، كما يمكن أن تكون صيغة مجهولة للمفرد الغائب، والنتيجة في الحالتين واحدة.).([546])أي أن طاعتهم واجبة كطاعة الرسل.
ويقول الخميني في الحكومة الإسلامية (ص:113): (إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن يجب تنفيذها واتباعها)([547]).
(ومن الضروري أن نشير هنا إلى أن روايات الشيعة الإثني عشرية، وأقوال أئمتها تحتل نفس المكانة التي تحتلها كتب الحديث كـصحيح البخاري ومسلم وغيرها لدى أهل السنة، فـالبخاري ومسلم وأحمد وغيرهم تضم مجموعة من الأحاديث النبوية التي تروي إرشادات رسول الله، وتحكي عن أفعاله وأعماله برواية السند الصحيح، وهكذا -أيضاً- ينظر الشيعة إلى كتبهم الخاصة بالأحاديث والروايات الشيعية، وما تضمنته هذه الكتب من أحاديث رسول الله يمثل نصيباً بسيطاً جداً، بل يمكن أن نقول إنها نادرة([548]). (ربما حوالي 5%)، والبقية تضم إرشادات وأعمالاً وأقوالاً، وأحوال الأئمة المعصومين مع سندها، كل ذلك من وجهة نظر شيعية خالصة؛ لأن هؤلاء الأئمة في نظرهم هم حجة الله على عباده حتى يوم القيامة، وهم ممثلوه والمتحدثون باسمه، وهم وسيلة هداية الأمة)([549]).
 
التعلق بقبور الأئمة وشد الرحال إليها وتقديم زيارتها على كل الطاعات:
وهم ينسبون إلى أئمتهم القول بذلك: ففي كتاب من لا يحضره الفقيه (ص:347) رقم (16): عن أبي عبد الله قال: (من أتى الحسين عليه السلام عارفاً بحقه كتبه الله عز وجل في أعلى عليين).
وفيه برقم (14) (ص:347) أيضاً عنه قال: (من زار قبر الحسين بن علي عليه السلام، جعل ذنوبه جسراً على باب داره، ثم عبرها كما يخلف أحدكم الجسر وراءه إذا عبره)([550]).
وفي من لا يحضره الفقيه (ص:348 جـ2) رقم (20): بسنده عن أبي عبد الله قال: (إذا كان النصف من شعبان، نادى مناد من الأفق الأعلى: يا زائري قبر الحسين! ارجعوا مغفوراً لكم، ثوابكم على ربكم، ومحمد نبيكم) وفيه (ص:362) رقم (1): بسنده عن الصادق: (في طين قبر الحسين عليه السلام شفاء من كل داء، وهو الدواء الأكبر)([551]).
تزعم الشيعة أن ثواب من زار قبر الحسين رضي الله عنه، مثل ثواب مائة ألف شهيد من شهداء بدر (انظر بحار الأنوار للمجلسي جـ98/ (ص:17)([552]).
ومن جاء تشوقاً، كتب الله تعالى له ألف حجة مقبولة، وألف عمرة مبرورة، وأجر ألف شهيد من شهداء بدر، وأجر ألف صائم، وثواب ألف صدقة مقبولة، وثواب ألف نسمة أريد بها وجه الله. بحار الأنوار (جـ98/ص:18)([553]).
وزيارته توجب غفران الذنوب، ودخول الجنة، والعتق من النار، وحط السيئات، ورفع الدرجات. بحار الأنوار (جـ98/ ص:21-26)، وثواب الأعمال (ص:77)، وأمالي الصدوق (142)([554]).
 وزيارته تعدل الحج والعمرة، والجهاد في سبيل الله تعالى، وعتق الرقاب. بحار الأنوار (جـ98/ص:28-48)، كامل الزيارات (ص:152)، ثواب الأعمال (ص:79)، مصباح الطوسي (498)، التهذيب للطوسي (6/47)، وسائل الشيعة (جـ10/ ص:326 وما بعدها)([555]).
وتأتي لزيارته الأنبياء والرسل والملائكة، ويدعون لزواره ويبشرونهم. بحار الأنوار (جـ98/ ص:51-68)([556]).
عن أبي عبد الله عليه السلام: (من خرج إلى قبر الحسين عليه السلام عارفاً بحقه غير مستكبر، صحبه ألف ملك عن يمينه وألف ملك عن شماله، وكتب له ألف حجة وألف عمرة مع نبي أو وصي نبي) مصباح الطوسي (ص:498)، مصباح الكفعمي (ص:501)، بحار الأنوار (جـ98/ ص:91)([557]).
وعن أبي عبد الله أيضاً قال: (إن الله تبارك وتعالى يتجلى لزوار الحسين صلوات الله عليه قبل أهل عرفات، ويقضي حوائجهم ويغفر من ذنوبهم، ويشفعهم في مسائلهم، ثم يثني بأهل عرفات فيفعل ذلك بهم) (ثواب الأعمال (ص:83، بحار الأنوار جـ98 (ص:86-87)([558]).
وعن أبي عبد الله أيضاً قال: (من فاتته عرفة بـعرفات فأدركها بقبر الحسين عليه السلام لم تفته، وإن الله تبارك وتعالى ليبدأ بأهل قبر الحسين عليه السلام قبل أهل عرفات، ثم يخاطبهم بنفسه) كامل الزيارات (ص:170)، بحار الأنوار (جـ98/ 87)([559]).
 وعن أبي عبد الله أيضاً قال: (إذا كان يوم عرفة اطلع الله تبارك وتعالى على زوار قبر الحسين عليه السلام فقال لهم: استأنفوا قد غفرت لكم، ثم يجعل إقامته على أهل عرفات) كامل الزيارات (171)، بحار الأنوار (جـ98/ ص:88)([560]).
صرف العبادات لهؤلاء الأئمة كالدعاء والاستغاثة والنذر.. الخ:
من الشائع لدى الشيعة الإثني عشرية تعلقهم بقبور الأئمة المزعومة وتعظيم العبادة عندها، بل وعد ذلك من أفضل القرب لله تعالى!! وتكفي زيارة واحدة لمشهد من المشاهد المنسوبة لهؤلاء الأئمة، ليرى الناظر الصور العديدة من تصريف العبادات لهذه المشاهد، فالخشوع عندها والبكاء والعويل في جو نفسي رهيب.. إلى جانب دعائها والاستغاثة بها، والتمسح والتبرك بها، والطواف حولها، والاعتقاد فيها، والنذر لها وغير ذلك، ولا يرون غضاضة في ذلك، بل هي عندهم من علامات حب هؤلاء الأئمة وتعظيمهم.
ومعلوم أن الشرع يحرم هذا كله، وصرف العبادة لغير الله تعالى هو من الشرك الأكبر، ولكنه الغلو الشيعي في الأئمة، والذي فاق غلو غلاة الصوفية في مشايخهم، وزيارة المشاهد ومقابر الأئمة من الأمور المعظمة، والتي لا ينقطع الشيعة عن إتيانها ليلاً ونهاراً، ويسمونها: (حج المشاهد) والبناء على المشاهد والمقامات، وتزيينها بقباب الذهب، وتطعيمها بالأحجار الكريمة، وإنفاق الملايين عليها مما يعدوه من مناقبهم.
ففي تحرير الوسيلة للخميني إجازة الصلاة عند قبور الأئمة واستحباب الصلاة في مشاهدهم، خصوصاً مشهد الإمام علي ومشهد الإمام الحسين([561]).
 أما طين وتربة كربلاء -التربة الحسينية- فهي عندهم مقدسة، يحملونها ويتبركون بها، وربما أكلوها للاستشفاء من الأمراض([562]).
تعبيد الأسماء لهم:
فمشهور بين الشيعة الإمامية تسمية أبنائهم بأسماء تدل على تعبيدهم للأئمة والخضوع لهم: فيسمون عبد الحسين، عبد علي، عبد الزهراء، وشيوع ذلك فيهم دليل على مدى غلوهم في تلك الأسماء.
تلقين الميت الإقرار بالأئمة وكتابة ذلك على الكفن:
من الأمور الشائعة عند الشيعة الإمامية تلقين المحتضر الإقرار بالأئمة مع الشهادتين قبل موته.. ثم كتابة أسماء الأئمة على كفنه قبل الدفن.. ثم تلقينه هذا الإقرار مرة أخرى بعد تمام الدفن وانصراف المشيعين بصوت مرتفع([563]).
الحلف بعلي والقسم به:
كقولهم في اليمين (خذ بـعلي) و(أعطني بـعلي) ونحو ذلك، ومعلوم أن الحلف بغير الله شرك أصغر، قال ابن كثير: (ويخشى على من اعتاد ذلك سلب الإيمان عند الموت، ومن حلف بغير الله فقد أشرك)([564]).
وقد يكون شركاً أكبر إذا كان الحالف معظماً للمحلوف به كتعظيمه لله أو أشد.
 
الأئمة ليسوا بشراً عاديين فلهم خصائص خاصة: [زعم الشيعة أن الأئمة ليسوا بشراً عاديين بل لهم خصائص خاصة]:
ففي الكافي (جـ1 ص:388) رقم (8) بسنده عن أبي جعفر قال: (للإمام عشر علامات: يولد مطهراً، مختوناً، وإذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يجنب، وتنام عيناه ولا ينام قلبه، ولا يتثاءب ولا يتمطى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، ونجوه كرائحة المسك، والأرض موكلة بستره وابتلاعه، وإذا لبس درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت عليه وفقاً، وإذا لبسها غيره من الناس طويلهم وقصيرهم زادت عليه شبراً، وهو محدث إلى أن تنقضي أيامه)([565]).
يروي المجلسي في حق اليقين عن الإمام الحادي عشر الحسن العسكري قال: (حملنا نحن أوصياء الأنبياء -أي: الأئمة- لا يكون في رحم البطن، بل يكون في الجانب، ونحن لا نأتي من خارج الرحم، بل نأتي من أفخاذ الأمهات؛ لأننا نحن الأئمة نور الله تعالى، لهذا فهو يضعنا بعيداً عن القذارة والنجاسة)([566]).
وعن الإمام علي بن موسى أنه قال في خطبة له: (الإمام المطهر من الذنوب والمبرأ من العيوب) وقال أيضاً: (فهو معصوم مؤيد، موفق مسدد، قد أمن الخطأ والزلل والعثار، يخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده، وشاهده على خلقه). انظر أصول الكافي (ص:121-122)([567]).
 وعن أبي بصير الصديق الملازم للإمام جعفر الصادق، وكاتم أسراره، أنه في اليوم الذي ولد فيه الإمام السابع موسى الكاظم نجل جعفر الصادق قال له جعفر: (إن ولادة كل إمام ووصي تكون كالآتي: في الليلة التي يكتب الله فيها لحمله أن يستقي، يرسل الله ملكاً من عنده بكوب فيه شراب لذيذ، يحمله إلى الوالد ويسقيه له، ويقول له: توجه الآن وجامع زوجتك، فقد استقر حمل الإمام الذي يولد في رحم الأم.. وفي هذه الرواية الطويلة أن الإمام والوصي حين يخرج من بطن أمه يأتي هكذا: تكون يده على الأرض ورأسه مرفوعاً إلى السماء)([568]).
 
وقفة متأنية مع غلو الشيعة في أئمة أهل البيت:
السمة البارزة للشيعة الإمامية الغلو في الأئمة العلويين من أهل البيت النبوي، وبناء المذهب كله على ذلك، ويظن الإمامية أن تمسحهم بأهل البيت من العلويين، غاية تبرر لهم كل ما يعتقدونه ويفعلونه من مخالفات جسيمة يأباها شرع الإسلام، ثم بعد ذلك يزعمون لأنفسهم المكانة السامية، وأنهم -دون غيرهم- الطائفة الحقة، بهذا الغلو والإفراط في التعظيم وادعاء المحبة، وينبغي أن يراعى في تقييم موقف هؤلاء الشيعة ما يأتي:
أن كل الأمة الإسلامية -إلا الناصبة وقد انقرضوا الآن- على حب وود وتعظيم لأهل البيت العلوي، بل معروف للجميع أن أئمة أهل السنة هم أكثر الناس محبة لهم، ولقد كان –وما زال- لأهل البيت العلوي خاصة، ولقرابة النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته وذرياتهم عامة، منزلة رفيعة في قلوب المسلمين لا تدانيها منزلة، خاصة عند أهل العلم والفضل والصلاح والتقوى.
ومن مظاهر ذلك الحب والتعظيم عند أهل السنة على سبيل المثال:
1- الجزم بأن علياً بن أبي طالب من أهل الجنة المبشرين بها، وأنه إمام هدى، ومن أبرز الصحابة علماً وزهداً وشجاعة وجهاداً وعملاً للحق.
2- جمهور أهل السنة على أن علياً وأصحابه هم الأقرب للصواب والحق في صراعهم مع معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام، وهذا مذهب جمهور العلماء وهو الصواب، هذا مع سلامة وصفاء القلب تجاه الجميع، والترضي عنهم، واعتبار المخطئ منهم مجتهداً معذوراً.
 3- اختيار علي بن أبي طالب خليفة للمسلمين بعد عثمان بن عفان، وعده رابع أربعة هم أفضل الصحابة رضي الله عنهم، وأنه من الخلفاء الراشدين.
4- اختيار الحسن بن علي رضي الله عنه خليفة للمسلمين بعد مقتل أبيه، وعده خامس الخلفاء الراشدين، حتى تنازل هو عن الخلافة -والإمامة- طواعية.
5- اعتبار الحسين بن علي رضي الله عنه سيد شباب أهل الجنة، وتخطئة وتأثيم وتجريم قاتليه، وعدم الرضا بذلك.
6- الحزن الشديد الذي أصاب المسلمين بمقتل الحسين رضي الله عنه يوم كربلاء، وأهل بيته المكرمين.
7- ما هو معروف في كتب السيرة والتاريخ من إكرام السلف لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهي قصص معروفة مشهورة يصعب حصرها، حتى في أوقات الثورات والتربص من الدولة الأموية بالعلويين من أهل البيت، كانت مظاهر الحب والود لأهل البيت لا تنقطع، حتى اتهم بعض الأئمة بالتشيع أو الدعوة للخارجين من أهل البيت العلوي، والخروج على الأئمة، كما نسب التشيع للإمام أبي حنيفة وللشافعي وغيرهما.
8- ما كان يلقاه رجالات العلم من أهل البيت العلوي من الاحتفاء بهم والجلوس لهم، والأخذ عنهم، وتدوين أحكامهم، حتى أن إماماً كـالباقر وابنه جعفر الصادق كانت دروسهم محط أنظار الجميع، ولهم من التلاميذ والأتباع في العلم الكثير من طلاب العلم ومحبيه.
9- أن الخليفة العباسي المأمون عهد بالخلافة من بعده لـعلي الرضا (إمام الشيعة الثامن)، وزوجه بنته تكريماً وتعظيماً له، ولكن علي الرضا توفي في حياة الخليفة، فحزن عليه واستمرت الخلافة في البيت العباسي.
10- وقد زوج الخليفة العباسي أيضاً ابنته لـمحمد بن علي الجواد تكريماً له، وإعجاباً بعلمه وفضله ودينه.
 * ولكن الذي عكر على هذا كله، ما كان ينشره مؤسسو المذهب الشيعي، من أن لهؤلاء الأئمة دعوة سرية.. وعقيدة دينية مخالفة لـأهل السنة.. ويزورون الأقوال عنهم.. ويزعمون أنهم يجمعون حولهم الأتباع والمؤيدين للانقضاض على السلطة الحاكمة.. فكان ذلك دائماً يوغر صدور الحكام وولاتهم عليهم.. ويجعلهم يتربصون بهم.. ويتوجسون منهم.. بل وربما أغرى هؤلاء الدعاة وأعوانهم بعض أئمة أهل البيت، بإظهار الخروج العلني على حكام بني أمية تارة، وحكام العباسيين تارة.. فيتعرضون للقتل والتنكيل.. وبالتالي اضطهاد أهل البيت عامة لهذه الأسباب السياسية.. والتضييق عليهم وربما تحديد إقامتهم.
أما مكانتهم الدينية والعلمية فلم تتأثر بذلك.. إذ كانوا مكرمين معظمين مبجلين، مقدمين على غيرهم عند جماهير المسلمين، ولولا الاضطهاد لصاروا أصحاب مذاهب مشهورة.
إذا عرفت ذلك تبين لك أن ادعاء الشيعة أن المسلمين تنكروا لأهل البيت وناصبوهم العداء، وأضمروا لهم الكره، وأظهروا لهم البغض، هو محض افتراء عظيم.. وأن ادعاء أن أشد الناس عداوة لـعلي وبنيه هم الصحابة، خاصة الصديق وعمر رضي الله عنهما هو بهتان عظيم.. وأبلغ تكذيب له يكمن في فعل علي رضي الله عنه وبنيه مع صحابة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده:
1- فقد بايع علي أبا بكر وبايع عمر وبايع عثمان، وهذا أمر معلوم لا سبيل إلى إنكاره.. وادعاء أن ذلك تقية وللمصلحة باطل، إذ لا مصلحة في ترك العمل بأمر رباني ووصية نبوية بالإمامة لـعلي، خاصة وأن ذلك من أصول الدين وأركان الإيمان كما يزعمون، فكيف تكون مصلحة الدين والأئمة في سكوت علي رضي الله عنه، وبنيه، ومن وافقه من الصحابة على ذلك.. وأين أمانة التبليغ.. وأين الامتثال للأوامر الربانية؟
ولقد انتشرت الفتوحات الإسلامية بعد ذلك، وصارت دولة الإسلام، قوية مهابة، متسعة الأرجاء، مرهوبة الجانب في خلافة عمر وخلافة عثمان، فلم يعد يخشى عليها.. فلم لم يُظهر علي رضي الله عنه دعوته وإمامته أيام خلافة عمر أو خلافة عثمان.. ولماذا ترك الناس يختارون أبا بكر وهو ساكت، ثم يختارون عمر وهو صامت، ثم يختارون عثمان وهو مظهر للرضى، ولا يتقدم للإمامة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه حتى يلح عليه الناس ليتولاها.. وكيف يتولاها بتنصيب المسلمين له، ولم يقل وقتها إنه الإمام الأحق بها نصاً من الشرع لا اختياراً من المسلمين؟
وإن قيل: ترك الدعوة لنفسه تقية وخوفاً على نفسه من الهلاك، فهذا باطل أيضاً، فليس علي بالذي يخشى في الحق لومة لائم، أو يرهب القتل، خاصة وهو يعلم أن هذا أمر من الله، وأن الله ناصره كما نصر نبيه لما بلغ ما أرسل به.. وتشهد لشجاعة علي وجرأته في الحق، ومخالفة الجميع من أجله من الأقارب وأهل البأس والشدة، سيرته العطرة قبل الهجرة وبعدها، ومواقفه الخالدة من صغر سنه دفاعاً عن الإسلام، وعن نبي الإسلام، وحسن بلائه في الدين، وعظم دوره في الجهاد في سبيل الله، فكيف ينسب الجبن والخوف لـعلي بن أبي طالب بعد ذلك، ليكتم أمر الله ووصية نبيه صلى الله عليه وسلم؟ إن هذا جبن لا يرضى به من هو أقل إيماناً وشجاعة وإقداماً من علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
والعجب كل العجب أن الإمام عندهم يعلم الغيب، ويعلم متى يموت، فلماذا التقية إذن وخشية الموت؟!! وماذا عاد على الدين من كتمان الأئمة لاعتقادهم إماماً بعد إمام.. وهل تجوز تقية من أئمة الدين، تمتد جيلاً بعد جيل وإماماً بعد إمام؟!!
2- كيف قبل علي بن أبي طالب اختلاف معاوية معه.. ولم لم يعلن تكفيره له، وتكفيره لمن معه؟ فـعلي إمام بالنص، وعلي معصوم، فمخالفه ضال، وإنكاره إمامته كفر، فأين تكفير علي لـمعاوية ومن معه؟
والثابت من سيرة علي مع معاوية ومن معه أنه قال فيهم: (إخواننا بغوا علينا)، ويوم صفين وقبله يوم الجمل صلى علي رضي الله عنه على قتلى الطائفتين، ولم يسبِ أموالهم وذراريهم، ولم يجهز على جريحهم، ولم يتبع من فر منهم، بعكس قتاله مع الخوارج استأصل شأفتهم، وأظهر فرحه بذلك، أما قتاله مع معاوية وأصحابه فكان يحزنه كثيراً. ومعلوم أن الصحابة الذين قاتلوا معاوية مع علي رضي الله عنه، كانوا يرون خطأ معاوية المطالب بدم عثمان لكونه ولي دمه؛ لأنه خرج عن طاعة إمام المسلمين.. ولم يكن عندهم كافراً.. وما كان يدينون بعصمة علي ولا النص عليه بالإمامة، ولنا أن نسأل: كان علي رضي الله عنه يعرف كل ذلك عن أتباعه، فهل أظهر خلافه.. وكيف رضي بنصرتهم له مع أنهم ليسوا على عقيدته ومذهبه؟
3- كيف جاهد علي مع أبي بكر.. ثم مع عمر.. وكان معهما بالرأي والنصيحة.. وقضى لهما([569]). وأظهر الطاعة، ثم زوج ابنته أم كلثوم لـعمر بن الخطاب.. بل وسمى أبناءه بأسماء أبي بكر وعمر وعثمان، وأرسل الحسن والحسين إلى دار عثمان لذب الثوار عنه، أكل ذلك تقية.. أم إكراماً؟!!
4- كيف تنازل الحسن بن علي رضي الله عنه، وهو الإمام المنتخب من قبل المسلمين.. والمنصوص على إمامته من قبل الشيعة.. كيف يتنازل عن الإمامة لـمعاوية بن أبي سفيان؟. إن هذا التنازل من الحسن بن علي رضي الله عنه من أعظم الباطل لو قسناه بمقياس الشيعة، من وجوه؛ منها:
(أ) الإمامة للحسن بالنص الإلهي، فليس لأحد أن يعزله عنها، والإمام الموصى إليه لا يعزل، فعزله باطل شرعاً.
(ب) أن مصلحة المسلمين الكبرى في موافقة النص الإلهي بإمامة الحسن، لا في نقل الإمامة إلى معاوية.
(جـ) أن الحسن عند تنازله كان له أتباع وشوكة، وخلفه جمهور أهل الحل والعقد الذين بايعوه.. ومن وراء ذلك كله قلوب غالبية المسلمين وسيوفهم، مع شيعته في الكوفة.. فكيف يخذلها ويعزل نفسه وهو الإمام المنصوص عليه.. هل للتقية؟ كيف ومعه الأعوان؟. أإكراهاً؟ كيف وحوله الرجال؟. وسبب العزل الحقيقي معروف؛ لذا مدحه الجميع عليه، ألا وهو حفظ دماء المسلمين.
 (د) إن الحسن معصوم.. فكيف يرضى بـمعاوية إماماً حقاً للمسلمين، مع أن الإمامة وقتها لا تجوز لغير الحسن؟
ولنا أن نسأل: أكان الحسن مصيباً في كل ذلك أم لا؟. وهل باع الإمامة الموصى له بها بنص إلهي لينجو بنفسه ويسلم من قتال أهل الشام؟. أم أنها التقية بلا سبب يوجبها، لتعلق عليها الأخطاء.. ويهرب من المسئوليات.. وتبرر بها الضلالات؟
(هـ) كيف لم يجهر الحسين بن علي رضي الله عنه بحقه في الإمامة وقت خروجه على يزيد بن معاوية؟. فمعلوم أن الحسين رضي الله عنه خرج على يزيد لما ظهر من فساد يزيد وتقصيره في نظر معارضيه.. بينما نادى أهل الكوفة بأحقية الحسين بالخلافة فطلبوه لذلك.. فخرج إليهم ملبياً دعوتهم قابلاً مبايعتهم.. فلم يكن خروجاً لحق إلهي ووصية شرعية.. وإلا لجهر بذلك.. وبينه أعظم بيان.. فهل تنفع التقية هنا.. أو الخوف من القتل والإكراه.. أم هو الكتمان لحين الوصول إلى الغاية وهي الإمامة.. وأين بيانه إن كان قد بين؟
(و) ومثل ذلك مع أئمة عديدة من أهل البيت العلوي لم يجهروا بدعوتهم ولم يطلبوا الإمامة.. وإنما كان الشيعة هم الذين يجعلون لهم الإمامة ويزعمون النص عليهم والوصية لهم.. فلم يؤثر عن أحد منهم القول بذلك.. فكيف يجتمع أئمة أهل البيت العلوي ابتداء من علي بن أبي طالب، وحتى الحسن العسكري، على عدم الجهر بهذا الاعتقاد الشيعي والمناداة به؟
* إن الفارق كبير بين حب أهل البيت، والود لهم وتعظيمهم، وبين الغلو فيهم وإعطائهم خصائص الألوهية، وتصريف العبادات لهم.
والناس في محبة أهل الصلاح عامة وأهل البيت خاصة على ثلاثة أقسام:
1- أهل غلو: يرفعونهم فوق منزلة البشر إلى مقام الألوهية، بتصريف العبادات لهم، كالنذر والطواف والذبح والدعاء والاستغاثة.. إلخ. وجعل خصائص الألوهية لهم: كعلم الغيب، والتصرف في الكون، وتصريف المقادير، والإحاطة بعلم كل شيء من الحاضر والغائب. وهؤلاء هم أهل الغلو والإفراط وفي مقدمتهم الشيعة.
 2- أهل جفاء وغلظة: وهم الذين لا يوقرونهم ولا يحبونهم المحبة الخاصة اللائقة بهم، ولحب الله لهم، ولا يتعاملون معهم ومع ذكراهم بمقتضى ذلك، ولا يتخذون منهم قدوة يقتدى بها في الخير والصلاح، بل ربما أظهر البعض منهم معاداتهم والجفاء لهم والبعد عنهم، وهؤلاء هم أهل الجفاء، وفي مقدمتهم الناصبة الذين كانوا يوالون الدولة الأموية، ويتعصبون لها على حساب أهل البيت، ومن أشهر أمثلتهم: الحجاج بن يوسف الثقفي.
3- أهل وسط واعتدال: وهم الذين يحبونهم المحبة اللائقة بهم، ويرفعونهم فوق آحاد الناس من المسلمين، وتمتلئ قلوبهم تعظيماً واحتراماً لهم، ويتخذون منهم أئمة يقتدون بهم، ويحتفظون في قلوبهم بذكراهم، وهم مع ذلك لا يرفعونهم فوق مرتبة البشرية، ولا يجعلون لهم ما لا يكون إلا لله رب العالمين، ولا يصرفون لهم عبادة من العبادات مهما كانت.
فهؤلاء هم أهل الاعتدال، وهم أهل السنة والجماعة، من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضي الله عنهم أجمعين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
نتائج الغلو في أهل البيت:
إن اعتقاد الشيعة الإثني عشرية في الإمامة، هو الأصل الأول الذي تترتب عليه سائر المخالفات العقائدية الأخرى([570]) للشيعة الإمامية، ومن مستلزمات هذه العقيدة في الأئمة الآتي:
الطعن في عامة الصحابة:
([571]).
فالصحابة في زعم الشيعة علموا من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن القرآن الكريم تلميحاً وتصريحاً، أن علياً هو إمام الأمة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لم ينفذوا ذلك وعملوا بخلافه، فاغتصبوا الإمامة من علي.. وكتموا ما جاء في إمامته.. وأجمعوا على ذلك إلا القليل القليل منهم، وهذا يقتضي الطعن فيهم والحط من منزلتهم:
* فإجماعهم على مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم طعن فيهم.
* ونقض بيعتهم لـعلي أمام النبي صلى الله عليه وسلم طعن فيهم.
* ومعاداة علي بلا جريرة طعن فيهم.
* وكتمان ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في إمامته طعن فيهم.
* وإخفاء ما أشار به القرآن في إمامة علي طعن فيهم.
* وتأييدهم لـأبي بكر وعمر في اغتصاب الإمامة طعن فيهم.
وهم بذلك أسوأ هذه الأمة وأقلها إيماناً، والشيعة لا تخفي ذلك، بل تصرح به، وتسبهم، وتلعنهم، وتفسقهم، بل وتعدهم كفاراً مرتدين.. تمسكاً بمعتقدهم في الإمامة.
رد الأحاديث النبوية التي نقلها الصحابة:
لقد طعن الشيعة الإمامية في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.. وسلبوهم الإيمان.. ووسموهم بالنفاق والكفر.. وجعلوهم مرتدين إلا القليل القليل منهم.. ومن كان هذا حالهم كيف يستأمنون على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.. وكيف يؤخذ عنهم ما نقلوه من أحكام الدين؟ إن الطعن فيهم، وعدهم ممن يؤثرون الدنيا على الآخرة، ويتطلعون إليها، ولا يتحرون عن فعل أي شيء يحققون به مأربهم، ولو على حساب الدين وتعاليمه.. هذا كله يجعل أحاديثهم مردودة ورواياتهم مطعوناً فيها.. ونقلهم لأحكام الدين غير مقبول منهم.
والشيعة يصرحون بذلك.. ولا يقبلون إلا روايات رجالهم الشيعة دون غيرهم.. ففي كتاب أصل الشيعة وأصولها (ص:149): (أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب ومروان بن الحكم وعمران بن حطان الخارجي وعمرو بن العاص ونظائرهم، فليس لهم عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة، وأمرهم أشهر من أن يذكر) اهـ.
ويقول الخميني في الحكومة الإسلامية (ص:60): (الفقيه يميز بين الرجال الذين يصح الأخذ عنهم وبين من لا يصح الأخذ عنهم، ففي الرواة من يفتري على لسان النبي أحاديث لم يقلها، ولعل راوياً كـسمرة بن جندب يفتري أحاديث تمس من كرامة أمير المؤمنين علي (ع)) اهـ.
ويقول الخميني أيضاً في شأن أبي هريرة يعرض به: (ولعل راوياً لا يمتنع أن يروي آلاف الأحاديث في فضل الحكام الجائرين، وحسن سلوكهم، عن طريق أعوان الظلمة وعلماء البلاط، تمجيداً بالسلاطين وتزكية لأعمالهم) اهـ.
عدم الثقة في صحة القرآن وعدم اطمئنان النفس له:
يجمع المسلمون على أن القرآن الكريم قد جمعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه الجمع الأول خشية ضياعه.. ثم لما اشتد القتل بالقراء كتبه عثمان بن عفان رضي الله عنه في مصحف بعد التثبت منه، ووزعه على الأمصار بمشورة الصحابة رضي الله عنهم وموافقتهم، بما فيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.. والقرآن منقول إلينا محفوظاً في الصدور ومكتوباً من هذا المصحف العثماني، وما من آية منه -بل حرف- إلا وتواترت الأدلة على ثبوته بما يقطع الشك فيه.. كيف لا وقد قال تعالى: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9] ولكن بمقتضى عقيدة الإمامة عند الشيعة، فهناك مؤاخذات على ذلك كثيرة:
* فالصحابة الناقلون للقرآن مطعون فيهم، منافقون خائنون للعهد، مارقون من الدين، فكيف يستأمنون على كتاب الله تعالى؟!
* وردت في القرآن إشارات وتلميحات -بل وتصريحات- بإمامة علي، تكالب الصحابة على إخفائها وطمسها ومحوها، ومنع انتشارها، يشهد لذلك المئات من الروايات عن أئمة الشيعة في تأكيد ذلك.
 * أبو بكر الذي جمع القرآن الجمع الأول مطعون فيه، فكيف يستأمن على جمعه لكتاب الله؟
* عثمان بن عفان أحد الذين اغتصبوا الإمامة من علي بن أبي طالب مطعون فيه، فكيف يستأمن على جمع القرآن؟
* القرآن كما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمعه إلا علي بن أبي طالب، ولكن الصحابة لم يقبلوه منه.. وقد توارث الأئمة القرآن من علي بن أبي طالب، فهو مع آخرهم في السرداب يظهره في آخر الزمان.
* لا يقر الشيعة جمع أبي بكر وجمع عثمان للقرآن، ويزعمون أن علياً جمعه كما أنزل واحتفظ به عنده، فقرآننا -وإن كان يظهرون لـأهل السنة عدم إنكاره- ليس هو القرآن الكامل كما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وكما أخذه منه علي بن أبي طالب.
* وكما أنهم لا يرضون إلا بأحاديث رجالهم، فإنهم لا يرضون بتفسير للقرآن إلا بما ورد عن أئمتهم-برواياتهم-، وبما ورد عن علمائهم ومجتهديهم، والمخلصين من شيعتهم، ولهم في ذلك تأويلات بعيدة، وأقوال غريبة، وتفسيرات شاذة لا توافق عقلاً ولا نقلاً، ولا يقبلها إلا متعصب لهم لا عقل له، ولا حياء يمنعه عن القول في كلام الله بغير ما أراده عز وجل.
[ادعاء الشيعة] فشل النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته وذهاب جهوده سدى:
لقد بذل النبي صلى الله عليه وسلم جهده في تربية الصحابة رضي الله عنهم على عينه، وشهد معهم ألواناً من المعاناة في مكة تحت التعذيب والاضطهاد والتهديد، ثم تعهدهم في سنين طويلة بـالمدينة المنورة، وكون بهم مجتمعاً إسلامياً نموذجياً لم يعرف تاريخ البشرية مثله.
كانوا معه في كل أمر جامع لا يتأخرون عنه، ولا يخالفونه، ولا يبخلون في نصرته ونصرة دعوته بمال أو نفس أو جهد.. ثم يزعم الشيعة الإمامية أنه ما إن توفي النبي صلى الله عليه وسلم وقبضت روحه الشريفة، إلا وانقلبت الصورة تماماً.. فظهر أنهم كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون النفاق والكفر.. ويزعمون إرادة الآخرة، وحقيقتهم التكالب على الدنيا.
 ويتجلى هذا النفاق، ويبرز هذا التكالب على الدنيا، في منع علي من الخلافة وتنصيب أبي بكر لها. ومتابعة مغتصبي الخلافة على ظلمهم، بل ويجتمعون على ذلك ويأخذون به جميعاً، إلا قلة تعد على أصابع اليد الواحدة.
كيف وقع ذلك.. وكيف حدث.. وهل هذا متصور؟!
إن هذا يعني بالطبع أن جهود النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من عشرين عاماً متصلة قد ضاعت سدى.. وأنه قد فشل فشلاً ذريعاً لا يعرف مثله.. وهل يوجد في التاريخ داعية فشل في دعوته كمثل هذا الفشل الذي ينسبه الشيعة لرسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.
يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في مقدمته لكتاب الثورة الإيرانية في ميزان الإسلام لـمنظور نعماني (ص:8)([572]): (فالصورة التي تعرضها هذه الفرقة -يعني: الشيعة الإمامية - والتي تتراءى للناظر -من أول وهلة- عن المسلمين الأوائل، تجعل الشخص المثقف الفطن يتساءل- وهو على حق في تساؤله- إذا كانت الدعوة الإسلامية لم تتمكن من ترك آثارها الواضحة، أو تثبيت أقدامها في دور نهضتها على يد داعيها الأول، وإذا كان المؤمنون بهذه الدعوة لم يتمكنوا من البقاء أوفياء أمناء للإسلام بعد وفاة نبيهم، وإذا كان لم يبق من بين من تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على صراطه المستقيم إلا بضعة رجال -وهذه كلها آراء الشيعة - فكيف إذن نسلم بأن في هذا الدين وفي هذه الدعوة، صلاحية تزكية النفوس الإنسانية وتطهيرها، وصلاحية تهذيب الأخلاق ورفعتها؟ وكيف نسلم بأن هذا الدين يمكن أن يرفع الإنسان من حضيض الحيوانية إلى سمو الإنسانية؟) اهـ. كلام الندوي.
أليس لنا أن نتساءل مدهوشين عن هؤلاء العشرات -أو المئات- من ألوف الصحابة الذين كانوا حول النبي صلى الله عليه وسلم حتى رحيله، والذين كانوا على نفاق له في حياته، ثم ارتدوا بعد وفاته بترك تعاليمه ومعاداة وصيه؟. هؤلاء الصحابة:
 * ألم يكن النبي صلى الله عليه وسلم عالماً بنفاقهم.. أم كان مخدوعاً فيهم؟. ولم لم يفضحهم القرآن صراحة ويحذرنا منهم ويحدد أسماءهم حتى لا يحدثوا في تاريخ الإسلام ما أحدثوه؟!
* هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يداهنهم ويجاملهم.. ولم سكت عنهم؟
* كيف جاء القرآن بمدحهم والثناء عليهم في كثير من آياته؟. وكيف أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الكثيرة.. بل بشرهم بالجنة؟!
* كيف دانت لهم الدنيا وخضعت لهم الشعوب.. وأذل الله على أيديهم جبابرة الفرس والروم، وأجرى الخير للأمم على أيديهم. مع أنهم بنفاقهم وردتهم أشد كفراً وأسوأ حالاً من كفار الفرس والروم؟!
ونحن لا ننتظر إجابة ممن عميت بصيرته وضلت نفسه، وذهب عقله ونكله -وقد أعيانا أمره وأدهشنا- إلى ربه، يحاسبه على اعتقاده وسوء ظنه، وضلال قوله وفعله.
[ادعاء الشيعة أن] النبوة لم تنته وسوف تستمر:
(من النتائج البديهية والطبيعية لعقيدة الإمامة لدى الشيعة، أن من يؤمن بها يؤمن بالتالي بأن النبوة لم تنته، وأن عقيدة ختم النبوة لم يعد لها معنى)([573])، بل إن الوحي الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقطع، ولم يكتمل ولم تكتمل الحجة به صلى الله عليه وسلم.
فـ (الاعتراف بعقيدة الإمامة عند أصحاب المذهب الإثني عشري، والتي وضحناها للقراء قبلاً، فإن هناك اثنتي عشرة شخصية لها مكانة الأنبياء والرسل، حجة لله على عباده، وهي شخصيات معصومة واجبة الطاعة، ومعرفتهم والإيمان بهم شرط للنجاة، تأتيهم الأحكام والإرشادات من عند الله عن طريق الوحي، نالوا جميع الفضائل والكمالات التي نالها الأنبياء عليهم السلام من الله، درجتهم كدرجة رسول الله، وأعلى وأرفع من درجات بقية الأنبياء عليهم السلام، حتى أولئك الأنبياء (أولو العزم)، هذا بالإضافة إلى أنهم يمتلكون السلطات الإلهية، وهم مطلعون على عالم ما كان وما يكون! لا يخفى عليهم شيء، ومن سلطتهم التحليل والتحريم، يملكون الدنيا والآخرة، يهبون ما شاءوا ويحرمون ما شاءوا، يملكون حياتهم ومماتهم أيضاً.
ومن الواضح أنه بعد الإيمان بكل هذا في حق الأئمة، فإن الإيمان بختم النبوة لا يعتبر له أي معنى، بل يؤمن من يعترف بالإمامة بأن درجة النبوة لا تزال تحتاج إلى مرحلة أخرى من مراحل الرقي، وأنها سترقى وتتطور تحت عنوان الإمامة، لتصل إلى درجة عالية من النبوة حتى يوم القيامة، وخاتم هذه المرحلة من التطور هو الإمام المهدي الغائب، الذي سيظهر كمالاته التي لم يظهرها حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم([574]).
(فالنتيجة الحتمية للاعتراف بعقيدة الإمامة، إنما هي نتيجة جمع اثنين واثنين، وهي أن النبوة لم تنته بل ستمضي دائماً وترقى تحت اسم الإمامة)([575])، ولا يخفى ما وراء ذلك من الطعن في عقيدة النبوة كما يعتقدها أهل الإسلام، والطعن كذلك في جهود دعوته صلى الله عليه وسلم، ونتائج كفاحه عبر سنين عمره الطويلة.
عدم كمال تبليغ الرسالة: [اتهام الشيعة للنبي بالتقصير في تبليغ الرسالة]:
حتى شخص النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم من تهجم الشيعة الإمامية عليه، بما يفيد عدم تقديرهم لأدائه صلى الله عليه وسلم لواجب التبليغ، ولجهوده العظيمة في إظهار هذا الدين ونشره بين الناس، وتربية أتباعه على تعاليم الإسلام واستجابتهم له، بل لم تسلم زوجات النبي صلى الله عليه وسلم من التعرض لإيذاء هؤلاء الإمامية.
وترى في كتاباتهم ومعتقداتهم ما يشير إلى مساواة أئمة أهل البيت العلوي بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل ربما اكتفوا بحرف (ص:) بدلاً من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقليلاً ما يقرنون هذه الصلاة بالتسليم عليه صلى الله عليه وسلم، أما عند ذكر الأئمة العلويين فالغالب ربط ذكرهم بالسلام عليهم كتابة لا إشارة.
وهم في ذلك كله لا يصرحون بوضوح، بالانتقاص من تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم والطعن في جهوده، ولكن كتاباتهم تشير إلى ذلك:
يقول الخميني في كتابه كشف الأسرار، محملاً النبي صلى الله عليه وسلم جزءاً من مسئولية ما حدث، من منع الأئمة العلويين من الإمامة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بتقصيره في تبليغ الدعوة إلى الناس؛ يقول الخميني: (وواضح أن النبي لو كان قد بلغ بأمر الإمامة طبقاً لما أمر به الله، وبذل المساعي في هذا المجال، لما نشبت في البلدان الإسلامية كل هذه الاختلافات والمشاحنات والمعارك، ولما ظهر ثمة خلافات في أصول الدين وفروعه) اهـ. كشف الأسرار (ص:155) (ط. دار عمان- الأردن).
ويضيف أيضاً إلى هذا التقصير في التبليغ، فشل النبي صلى الله عليه وسلم في إرساء قواعد العدل في العالم وإصلاح البشرية، فيقول الخميني: (لقد جاء الأنبياء جميعاً من أجل إرساء قواعد العدالة في العالم؛ لكنهم لم ينجحوا، حتى النبي محمد خاتم الأنبياء الذي جاء لإصلاح البشرية وتنفيذ العدالة، لم ينجح في ذلك) اهـ. انظر كتاب نهج خميني (ص:46).
ويقول الخميني في الحكومة الإسلامية: (نحن نعتقد بالولاية، ونعتقد أن يعين النبي خليفة من بعده وقد فعل.. ولو لم يفعل لم يبلغ رسالته).
ويقول أيضاً: (يعتبر الرسول لولا تعيينه الخليفة من بعده غير مبلغ رسالته).
وقال أيضاً: (قد كلمه الله وحياً أن يبلغ ما أنزل إليه، فيمن يخلفه في الناس ويحكم هذا الأمر، فقد اتبع ما أمر به، وعين أمير المؤمنين علياً للخلافة) (انظر وجاء دور المجوس: (ص:189-190) نقلاً عن الخميني).
 (والرسول -كما يزعمون- لم يبلغ جميع ما أنزل إليه، وإنما أخرج في حياته قدراً معيناً حسب حاجة الناس، وأودع الباقي عند أوصيائه، وأهل السنة حينما تلقوا عن الصحابة لم يتلقوا الإسلام كاملاً؛ لأنهم تلقوا ذلك القدر المعين، وتركوا الباقي المودع عند أئمة الشيعة، يقول محمد حسين آل كاشف الغطاء والذي كان مرجعاً للشيعة بين سنة (1965م-1973م) كـالخميني والخوئي يقول: (إن حكمة التدرج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة، ولكنه سلام الله عليه أودعها عند أوصيائه، كل وصي يعهد بها إلى الآخر ينشره في الوقت المناسب([576]))([577]).
الحط من شأن علي رضي الله عنه وأولاده من بعده:
(إن الخلافة عندما تكون بنص إلهي، وبأمر من الله، لا يستطيع أحد مهما كان مقامه أو منزلته في الإسلام أن يقف ضدها أو يخالفها، للمبررات التي يتصورها أو يعتقد بها، فلم يكن باستطاعة علي أو غير علي من الصحابة أن يوقف نصاً إلهياً صدر بالوحي)([578]).
(فإذا كانت الخلافة بنص سماوي وكان هذا النص في علي، هل كان بإمكان الإمام أن يغض النظر عن هذا النص، ويبايع الخلفاء، ويرضخ لأمر لم يكن من حقهم؟([579]).
(لقد علل علماء الشيعة -في الكتب العديدة التي ألفوها- بيعة الإمام علي مع الخلفاء بأمرين: فهناك من ذهب إلى أن الإمام علياً بايع الخلفاء، خشية منه على ضياع الإسلام، وإيجاد الفرقة التي كانت تؤدي إلى هدم الإسلام، فلذلك ترك حقه ورضخ لخلافة خلفاء غصبوا حقه.
 والتعليل الثاني: أنه بايع الإمام الخلفاء خشية منه على نفسه، وعملاً بالتقية التي سنتطرق إلى ذكرها في مواطن عديدة.
أما الذين عللوا بيعة الإمام بالخوف على الإسلام من الضياع؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام، ولم يكن الإسلام بعد صلب العود، فيدحضه بيعة علي مع عثمان التي كانت في عصر امتدت فيه الخلافة الإسلامية من الشرق حتى بخارى، ومن الغرب حتى شمال إفريقيا، وكانت الخلافة الإسلامية تحكم أكبر رقعة من الأرض المسكونة في ذلك العصر)([580]).
أما (تأويل بيعة الإمام بالتقية أو الخوف، أو أنه أرغم على أمر لا يعتقد به، وخلاف إرادته)([581])، فإنهم بذلك أرادوا تحطيم الإمام علي وشخصيته، والطعن فيه بصورة غير مباشرة، وهكذا تحطيم كل ما يتعلق بعصر الرسالة وصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الطريق الوحيد في إظهار عصر الرسالة -بما فيه كبار صحابة رسول الله- بالمظهر القاتم، هو إعطاء صورة عن خروج ذلك المجتمع الإسلامي عن أوامر الله الصريحة، وهذا الأمر يتوقف على تصوير الخلافة في علي بنص إلهي، ومخالفة الصحابة كلهم لهذا النص مع علمهم بذلك، وإبلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم، ثم إعطاء صورة عن الإمام علي وهو صاحب الحق في صورة رجل مخادع مداهن مجامل، كان مع الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه طيلة خمسة وعشرين عاماً، في ظاهر الأمر كمستشار أمين وكصديق حميم، مطنباً في مدحهم، وقائلاً خير الكلام بحقهم، ولكنه في واقع الأمر غير معتقد بما يقول، وغير مؤمن بما يفعل، حتى إنه زوج ابنته أم كلثوم لـعمر بن الخطاب وهو مرغم عليه، وسمى أولاده أبا بكر وعمر وعثمان وهو غير راض عن تسميتهم، وهكذا دواليك.
هذه خلاصة ما كتبه بعض علماء الشيعة، ورواه بعض رواة أحاديث الشيعة -سامحهم الله- عن الإمام علي نصاً وتلويحاً، ولست أدري ماذا يكون موقف هؤلاء يوم القيامة إذا احتكم الإمام إلى ربه فيهم.
كما أني أعتقد جازماً أن بين هؤلاء الأكثرية توجد فئة غير قليلة ساهمت في تغيير مسار الفكر الإسلامي الموحد، إلى طريق الشقاق والنفاق، ولضرب الإسلام والمسلمين بما فيهم علي وعمر، مع أنهم في ظاهر الأمر كانوا يظهرون بمظهر حماة الشيعة، إلا أن الغرض كان هدم المذاهب كلها، وإن شئت فقل: الطعن في الإسلام.
فحتى في أوائل القرن الرابع الهجري -وهو عصر الغيبة الكبرى- لا نجد أي أثر لفكرة اغتصاب الخلافة من الإمام علي، أو أنها حق إلهي اغتصب منه، أو أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتركوا وساهموا في ذلك الأمر، وهكذا -وكما قلنا- تغيرت فكرة الأولوية بخلافة علي إلى فكرة الخلافة الإلهية ومخالفة النص الإلهي، ولاشك أن دخول الفلسفات اليونانية إلى الفكر العربي، والأفكار الفلسفية الأخرى التي لعبت دوراً كبيراً في تأسيس المدرستين الاعتزالية والأشعرية، كانت وراء الصراع بين الشيعة والتشيع، وإظهار الشيعة بالمظهر الذي نحن عليه الآن)([582]).
جاء في روايات الشيعة في كتاب احتجاج طبرسي، في بيان اضطرار علي رضي الله عنه إلى مبايعة أبي بكر رضي الله عنه، أن علياً أحضر من بيته وسيق إلى أبي بكر بحبل في رقبته، حيث وقف عمر وخالد بن الوليد وغيرهم والسيوف في أيديهم -معاذ الله-، وهدده عمر أن يبايع أبا بكر وإلا فصل رأسه عن جسده، وهكذا أجبر علي واضطر في النهاية إلى مبايعة أبي بكر. هذا ملخص ما ورد في احتجاج طبرسي (ص:47-48)([583])
لقد افتروا ذلك بدعوى تبرئة إمام يزعمون تعظيمه، وفاتهم أن القول به ما هو إلا تنقيص لـعلي بن أبي طالب وتحقير له.. إذ يجعله بمنزلة يترفع عنها من هو أقل منه إيماناً وشأناً.. فكم من مؤمن تقي ومجاهد عظيم في تاريخ المسلمين -أقل قطعاً من علي رضي الله عنه- قتل في سبيل الله طواعية في مواطن للدفاع عن الإسلام، أقل من هذا الموطن المتعلق بالإمامة -التي هي عندهم من أركان الدين- عرض على السيف وهدد بالقتل فارتضاه، وكم من علماء المسلمين ودعاتهم، تحملوا الضرب والسجن والتعذيب والتهديد، فما منعهم ذلك من الجهر بالحق والتمسك به.
وأين هذا الموقف الذي ينسبونه لـعلي رضي الله عنه، من شجاعة علي وبطولاته وجرأته، وتفانيه في خدمة الدين، وما عرف عنه من الاستهانة بالموت وإيثار الحق على الخلق؟ وهل علي رضي الله عنه الذي يصبر على كتم الحق والرضا، بالخنوع لمدة سنتين في خلافة أبي بكر، وعشر سنين مع عمر، وأكثر منها مع عثمان رضي الله عنهم أجمعين!! سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم، وإفك كبير، على من تولى كبره من عقاب الله ما يستحقه!
إن ادعاء وجود نص إلهي بإمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأولاده من بعده، مردود من وجوه عديدة([584]) منها:
1- إجماع الصحابة على خلاف ذلك([585]).
2- عدم صدور مثل هذا الادعاء من علي بن أبي طالب نفسه([586]).
3- مبايعة علي رضي الله عنه لمن سبقه من الخلفاء، وطاعته لهم([587]) ونصحهم.
4- ثناء الإمام علي رضي الله عنه على من سبقه من الخلفاء، وحسن نظرته لهم([588]).
5- أقوال أئمة أهل البيت في مدح الخلفاء الراشدين([589]).
 
إظهار الإسلام على أنه صراع على الحكم والسلطة بين طائفتين متنازعتين:
فبمقتضى عقيدة الشيعة الإمامية، فتاريخ المسلمين، وجهود دعاتهم، وجهاد رجالهم، إنما يدور حول نزاع بين طائفتين:
الأولى: أهل البيت: علي بن أبي طالب وأبناؤه الأئمة وشيعتهم، وهؤلاء قلة صبرت على الأذى، والاضطهاد، والطغيان، والظلم الواقع عليهم.
الثانية: جمهور المسلمين الذين تابعوا الصحابة، ووافقوهم على اغتصاب الإمامة من علي رضي الله عنه وأولاده.
وهذا الصراع بدأ منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بتغلب الطائفة الثانية وتسلطها على الطائفة الأولى، ويستمر إلى آخر الزمان، حيث ينتهي بظهور الإمام الغائب المنتظر، لينصر الطائفة الأولى وينتقم لها من الطائفة الثانية.
وما بين البداية والنهاية صراع مرير، واضطهاد دائم، وتكالب على الحكم والخلافة، وإيثار للدنيا على الآخرة، وعمل دؤوب من أجل الدنيا من الطائفة الثانية([590]) الظالمة، وصبر وتحمل وتقية وإخفاء، وكتمان العقيدة من أجل البقاء، من الطائفة الأولى المظلومة المضطهدة، ولا يخفى أن هذا الصراع يعطي مادة غنية لأعداء الإسلام، لتشويه صورة هذا الدين وجهود رجاله والطعن فيه.
حكم اعتقاد الشيعة في أئمتهم:
1- غلو الشيعة في أئمتهم يدخل في إطار بدع الاعتقاد، وكلما زاد الغلو فيهم كلما زاد إثم فاعله المعتقد فيه.
2- أما إضفاء خصائص الألوهية على هؤلاء الأئمة، أو صرف العبادات التي لا تكون إلا لله إليهم، أو طلب ما لا يقدر عليه إلا الله منهم، أو زعم أنهم يعلمون الغيب، أو أن لهم حق التحليل والتحريم؛ فهذا كله من الكفر والشرك -والعياذ بالله- وهو من جنس شرك جهال الصوفية، المعتقدين في مشايخهم وأوليائهم، وإن كان وقع ذلك عند الشيعي أشد وأصرح.
3- أما القول بأن منزلة الأئمة أعلى وأفضل من منزلة الأنبياء والرسل، فهذا اعتقاد كفري.
نقل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الإجماع، على أن من اعتقد في غير الأنبياء كونه أفضل منهم، أو مساوياً لهم فقد كفر، وقد نقل ذلك الإجماع غير واحد من العلماء([591])،([592]).
أما من اعتقد ما في كتبهم المعروفة من الشركيات التي أشرنا إلى بعض منها فيما سبق، فقد وقع في الكفر.
أما تكفير المعين منهم فيحتاج إلى إقامة الحجة التي يكفر مخالفها، وتزيل الشبهات التي سقط فيها.
 
 النظرة الخاطئة للقرآن:
وتتضمن:
1- ادعاء وقوع التحريف والتغيير في القرآن الكريم.
2- نصرة مذهبهم بالتفسير الخاطئ لآيات القرآن.
3- موافقة المعتزلة في صفة الكلام.
 
ادعاء وقوع التحريف في القرآن:
(عامة علماء الشيعة في زماننا([593]) ينكرون القول بالتحريف والزيادة والحذف في القرآن)([594])، (رغم وجود روايات لا حصر لها للأئمة المعصومين، تثبت بدون أدنى شك([595]) أن القرآن حدث فيه تحريف وزيادة وحذف([596])، مما يجعل علماء الشيعة يصمتون تجاه هذه القضية)([597])، (إلا أن أي عالم شيعي لا يجرؤ على أن ينكر أمام أي إنسان يعرف الحقيقة، أنه في الماضي وخاصة في زمان خاتم المحدثين، وممثل الشيعة الأعظم العلامة باقر مجلسي أي: القرن العاشر والحادي عشر الهجري (بل وبعد ذلك أيضاً) -لا يمكن أن ينكر- أن علماء الشيعة ومؤلفيها القدامى (الذين يفوقون بلا شك العلماء الحاليين في علمهم وفي معرفتهم للمذهب الشيعي) كانوا يقولون ويكتبون([598]) -بكل وضوح- أن القرآن الحالي حدث فيه تحريف، وتعرض للحذف والإضافة، وأوردوا كل هذا في مؤلفاتهم، قائلين بأن روايات أئمتهم تخبرهم بذلك)([599]).
 (بل إن أحد كبار علماء النجف وهو الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي -الذي بلغ من إجلالهم له عند وفاته سنة (1320هـ)، أنهم دفنوه في بناء المشهد المرتضوي بـالنجف، في إيوان حجرة بانو العظمى بنت السلطان الناصر لدين الله، وهو ديوان الحجرة القبلية عن يمين الداخل إلى الصحن المرتضوي من باب القبلة، في النجف الأشرف بأقدس البقاع عندهم([600]).
هذا العالم النجفي ألف في سنة (1292هـ) وهو في النجف عند القبر المنسوب إلى الإمام علي كتاباً سماه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، جمع فيه مئات النصوص عن علماء الشيعة ومجتهديهم في مختلف العصور، بأن القرآن قد زيد فيه ونقص منه.
وقد طبع كتاب الطبرسي هذا في إيران سنة (1289هـ) وعند طبعه قامت حوله ضجة؛ لأنهم كانوا يريدون أن يبقى التشكيك في صحة القرآن محصوراً بين خاصتهم، ومتفرقاً في مئات الكتب المعتبرة عندهم، وأن لا يجمع ذلك كله في كتاب واحد تطبع منه ألوف النسخ، ويطلع عليه خصومهم، فيكون حجة عليهم ماثلة أمام أنظار الجميع، ولما أبدى عقلاؤهم هذه الملاحظات، خالفهم فيها مؤلفه، وألفَّ كتاباً آخر سماه رد بعض الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، وقد كتب هذا الدفاع في أواخر حياته قبل موته بنحو سنتين، وقد كافئوه على هذا المجهود في إثبات أن القرآن محرف؛ بأن دفنوه في ذلك المكان الممتاز من بناء المشهد العلوي في النجف)([601]).
(وعند ظهور كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، وانتشاره في الأوساط الشيعية وغيرها، في إيران والنجف والبلاد الأخرى قبل بضع وثمانين سنة([602])، وهو مشحون بالعشرات والمئات من أمثال هذه الأكاذيب([603]) على الله وصفوة خلقه، استبشر به المبشرون من أعداء الإسلام وترجموه بلغاتهم، ذكر ذلك محمد مهدي الأصفهاني الكاظمي في الجزء الثاني (ص:90) من كتابه أحسن الوديعة، وهو ذيل على كتابهم روضات الجنات)([604]).
(وقد اطلع الثقة المأمون الأستاذ محمد علي سعودي، الذي كان كبير خبراء وزارة العدل بـمصر([605]) ومن خواص تلاميذ الشيخ محمد عبده، على مصحف إيراني مخطوط عند المستشرق براين([606])، فنقل منه السورة المنشورة بالفوتوغراف([607])، وفوق سطورها العربية ترجمتها الإيرانية، وكما أثبتها الطبرسي في كتابه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، فإنها ثابتة أيضاً في كتابهم دبستان مذاهب باللغة الإيرانية([608]) لمؤلفه محسن فاني الكشميري، وهو مطبوع في إيران طبعات متعددة، ونقل عنه هذه السورة المكذوبة على الله، العلامة المستشرق نولدكه في كتابه تاريخ المصاحف([609]) (جـ2 ص:102) ونشرتها الجريدة الآسيوية الفرنسية([610]) سنة (1842) (ص:431-439)([611]).
 وهذه السورة التي يزعم علماء الشيعة أنها حذفت من القرآن وأسقطت منه، يسمونها: (سورة الولاية) مذكور فيها ولاية علي رضي الله عنه، وفيها: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنبي والولي اللذين بعثناهما يهديانكم إلى صراط مستقيم، نبي وولي بعضهما من بعض وأنا العليم الخبير، إن الذين يوفون بعهد الله لهم جنات النعيم، والذين إذا تليت عليهم آياتنا كانوا بآياتنا مكذبين إن لهم في جهنم مقاماً عظيماً، فإذا نودي لهم يوم القيامة أين الظالمون المكذبون للمرسلين، ما خلفهم المرسلين بالحق وما كان الله ليظهرهم إلى أجل قريب وسبح بحمد ربك وعلي من الشاهدين)([612]).
وهذا الادعاء بتحريف القرآن عند الشيعة قديم معروف، فـ(يوم كانت أسبانيا([613]) تحت سلطان العروبة والإسلام، كان الإمام أبو محمد بن حزم يتناظر مع قسسها في نصوص كتبهم، ويقيم لهم الحجج على تحريفها، بل ضياع أصولها، فكان أولئك القسس يحتجون عليه بأن الشيعة قرروا أن القرآن أيضاً محرف، فأجابهم ابن حزم بأن دعوى الشيعة ليست حجة على القرآن ولا على المسلمين؛ لأن الشيعة غير مسلمين، انظر كتاب الفصل في الملل والنحل لـابن حزم: (جـ2 ص:78) و(جـ4 ص:182) الطبعة الأولى بـالقاهرة([614]).
ونص ابن حزم هو: (وأما قولهم في دعوى الروافض بتبديل القرآن، فإن الروافض ليسوا من المسلمين).
(ومهما تظاهر الشيعة بالبراءة من كتاب النوري الطبرسي عملاً بعقيدة التقية، فإن الكتاب ينطوي على مئات النصوص عن علمائهم في كتبهم المعتبرة، يثبت بها أنهم جازمون بالتحريف ويؤمنون به، ولكن لا يحبون أن تثور الضجة حول عقيدتهم هذه في القرآن، ويبقى بعد ذلك أن هناك قرآنين، أحدهما عام معلوم والآخر خاص مكتوم، ومنه سورة الولاية)([615]).
(وهناك نصان صريحان في بخاريهم الذي يسمى الكافي للكليني، الأول منهما في الصفحة (54) منه طبعة سنة (1278) بـإيران وهو: عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده) وكل شيعي يقرأ كتاب الكافي هذا الذي هو عندهم بمنزلة صحيح البخاري عندنا، يؤمن بهذا النص، أما نحن أهل السنة فنقول: إن الشيعة كذبوا ذلك على الباقر أبي جعفر رحمه الله، بدليل أن سيدنا علياً رضي الله عنه لم يكن يعمل في مدة خلافته وهو بـالكوفة إلا بالمصحف الذي أنعم الله على أخيه سيدنا عثمان رضي الله عنه بجمعه وإذاعته في الأمصار، وتعميم العمل به في جميع الأعصار إلى الآن وإلى يوم القيامة([616])، ولو كان عند علي مصحف غيره -وهو خليفة حاكم لا ينازعه أحد في نطاق حكمه- لعمل به، ولأمر المسلمين بتعميمه والعمل به، ولو أنه كان عنده غيره وكتمه عن المسلمين؛ لكان خائناً لله ورسوله والدين الإسلامي، وجابر الجعفي الذي يزعم أنه سمع تلك الكلمة الآثمة من الإمام أبي جعفر محمد الباقر، وإن كان موثوقاً عندهم، فهو معروف عند أئمة المسلمين بالكذب، قال أبو يحيى الحماني: سمعت أبا حنيفة يقول: (ما رأيت فيمن رأيت أفضل من عطاء ولا أكذب من جابر الجعفي)([617]). (وأكذب من هذا النص الأول في كتاب الكافي عن أبي جعفر، النص الثاني المكذوب على ابنه جعفر الصادق وهو في بخاريهم الكافي أيضاً صفحة (57) طبعة سنة (1278) بـإيران وهو:
عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله.. إلى أن قال أبو عبد الله -أي جعفر الصادق -: (وإن عندنا لـمصحف فاطمة عليها السلام.. قال: قلت وما مصحف فاطمة؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد)([618]).
 
قصة الطبرسي وكتابه (فصل الخطاب):
الحاج حسين النوري الطبرسي من علماء الشيعة المشهورين، مجتهد عظيم عندهم ومن أكبر المحدثين، له كتاب في الحديث باسم مستدرك الوسائل([619])، وقد نقل الخميني في حديثه عن ولاية الفقيه في كتابه الحكومة الإسلامية من كلام الطبرسي في مستدرك الوسائل، وأظهر الاحترام الشديد له([620]) -مع معرفته بالطبع أنه مؤلف كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب -.
وقصة هذا الكتاب للطبرسي: أنه حين اتخذ علماء الشيعة سياسة إنكار فكرة التحريف بصفة عامة([621])، وشعر العلامة الكبير نوري الطبرسي أن هناك انحرافاً ليس فقط في أمر واحد، بل في مئات الأمور عن تعاليم الأئمة المعصومين، يقود الشيعة إلى البعد عن أصل مذهبهم- (ولم تكن هناك ضرورة تجبر العالم الشيعي على التقية في هذا الأمر)- كتب كتاباً ضخماً، وكتبه وكمله في مدينة النجف، حيث المشهد الخاص لأمير المؤمنين، وأسماه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب وتصل صفحات الكتاب إلى ألف صفحة تقريباً)([622]).
وقد ساق فيه مئات الروايات عن الأئمة المعصومين، وعلماء الشيعة ومجتهديهم في مختلف العصور، لإثبات دعواه وبيان عقيدة علماء الشيعة المتقدمين، في أن القرآن قد زيد فيه ونقص منه([623])، (وكتب أنه فرغ من كتابه في جمادى الآخرة سنة 1292هـ)([624])، (وقد طبع هذا الكتاب في إيران سنة 1289هـ)([625])([626]).
 والنقل عن المتقدمين من علماء الشيعة أمر صعب للغاية، إذ أنه (ليس من السهل على أمثالنا، بل ليس من الممكن أن نحصل على مؤلفات علماء الشيعة المتقدمين)([627])، (وعلى كل حال فهذا الكتاب من الوثائق التي لا تسمح لأي منصف -بعد أن يطلع عليها- أن يساوره شك في أن القرآن الحالي، هو من وجهة نظر الأئمة المعصومين قد حرف، كما حرف غيره من الكتب السماوية أي التوراة والإنجيل وغيرها)([628]).
كتب نوري طبرسي أن القول بتحريف القرآن هو مذهب جماهير علماء الشيعة المتقدمين، يقول في (ص:25) من فصل الخطاب([629]):
(وهو مذهب الشيخ الجليل علي بن إبراهيم شيخ الكليني([630]) في تفسيره، صرح بذلك في أوله، وملأ كتابه من أخباره، مع التزامه في أوله أن لا يذكر فيه إلا ما رواه مشايخه وثقاته، ومذهب تلميذه ثقة الإسلام الكليني([631]) رحمه الله على ما نسبه إليه جماعة؛ لنقله الأخبار الكثيرة الصريحة في هذا المعنى في كتاب الحجة، خصوصاً في باب النكت والنتف من التنزيل والروضة، من غير تعرض لردها أو تأويلها([632]))([633]).
(وذكر طبرسي في خمس صفحات كاملة أكابر علماء الشيعة المتقدمين الآخرين ممن كتبوا في مؤلفاتهم، وأثبتوا التحريف والتغيير والتبديل، ولا يقل عددهم عن ثلاثين بل يزيدون)([634]).
وذكر الطبرسي أنه لم يخالف المتقدمين في القول بذلك إلا أربعة هم: الشريف المرتضى([635]) والصدوق([636]) والشيخ الطبرسي([637]) وأبو جعفر الطوسي([638]).
وقال: (لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هذه المشايخ الأربعة) فصل الخطاب (ص:34)([639]).
وقال: (ولم يعرف من القدماء خامس لهم) فصل الخطاب (ص:32)([640]).
ويقول نوري الطبرسي في كتابه فصل الخطاب (ص:227) وهو يسوق أدلته على إثبات تحريف القرآن:
 (الدليل الثاني عشر: الأخبار الواردة في الموارد المخصوصة من القرآن، الدالة على تغيير بعض الكلمات والآيات والسور بإحدى السور المتقدمة وهي كثيرة جداً، حتى قال السيد نعمت الله الجزائري في بعض مؤلفاته([641]) -كما حكى عنه- أن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث وادعى استفاضتها جماعة كـالمفيد والمحقق الداماد والعلامة المجلسي وغيرهم، بل إن الشيخ أيضاً صرح في التبيان بكثرتها، بل ادعى تواترها جماعة يأتي ذكرهم)([642])اهـ.
وقد ذكر في آخر الكتاب بعضاً من عظماء الشيعة الذين قالوا بتواتر التحريف، فقال: (وقد ادعى تواتره -أي: تواتر وقوع التحريف والتغيير والنقص- جماعة، منهم: المولى محمد صالح في شرح الكافي.
ومنهم الفاضل قاضي القضاة علي عبد العال، على ما حكى عنه السيد في شرح الوافية.
ومنهم: الشيخ المحدث الجليل أبو الحسن الشريف في مقدمات التفسير.
ومنهم: العلامة المجلسي، فقد قال في مرآة العقول ما لفظه([643]): والأخبار من طرق الخاصة والعامة في النقص والتغيير متواترة، وبخطه على نسخة صحيحة من الكافي، كان يقرؤها على والده وعليها خطهما في آخر كتاب فضل القرآن، عند قول الصادق (القرآن الذي جاء به جبريل على محمد سبعة عشر ألف آية) ما لفظه: لا يخفى أن هذا الخبر وكثيراً من الأخبار الصحيحة، صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد على الأخبار رأساً.). اهـ. بتصرف واختصار عن فصل الخطاب (ص:328-329)([644]).
وقد قوبل كتاب فصل الخطاب باعتراضات وردود عديدة من علماء الشيعة في إيران والعراق، لخطورة الجهر بتحريف القرآن بين المسلمين، ولكن الطبرسي تمسك بآرائه، لما معه من الأدلة وأقوال الأئمة المعصومين، وعبارات المتقدمين، وألف كتابه المستقل: رد الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب([645]).
(والآن هل يمكن لأي عالم من علماء الشيعة أن ينكر مسألة التحريف هذه، الواردة في الفكر الشيعي)([646]).، (إلا أن الشيعة يقولون: نعم يمكن ذلك على أساس التقية)([647]).. ولا غرابة أن يتهم الشيعة الإمامية بذلك في مثل هذه المسألة الخطيرة (كما تذكر روايات الشيعة، فالأئمة قد أنكروا أيضاً إمامتهم من باب التقية)([648]).
 
من أقوال متقدمي الشيعة في ادعاء تحريف القرآن:
يقول محمد بن نعمان العكبري الملقب بـالمفيد في كتابه العقائدي المشهور: أوائل المقالات في المذاهب والمختارات (ص:52) في ذكر عقائد الشيعة الإمامية: (واتفقوا على أن أئمة الضلال([649]) خالفوا في كثير من تأليف القرآن)([650])اهـ.
ويقول في (ص:93) وما بعدها: (أقول: إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وسلم، باختلاف القرآن، وما أحدثه بعض الظالمين([651]) فيه من الحذف والنقصان).
ويقول: (من ادعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة إليه أميل.. وأما الزيادة فيه فمقطوع على فسادها من وجه، ويجوز صحتها من وجه.. ولست أقطع على كون ذلك، بل أميل إلى عدمه وسلامة القرآن عنه)([652])اهـ.
قال السيد هاشم البحراني المفسر الشيعي الكبير في مقدمة تفسيره البرهان: (وعندي في وضوح هذا القول (بتحريف القرآن وتغييره) بعد تتبع الأخبار، وتفحص الآثار، بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع)([653]).
 وقال الملا باقر المجلسي في كتابه حياة القلوب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلن يوم الغدير: أن علي بن أبي طالب وليس ووصيي وخليفتي من بعدي، ولكن أصحابه عملوا عمل قوم موسى فاتبعوا عجل هذه الأمة وسامريها أعني أبا بكر وعمر.. فغصب المنافقون خلافته، خلافة رسول الله من خليفته، وتجاوزوا إلى خليفة الله أي: كتاب الله، فحرفوه وغيروه وعمل به ما أرادوه([654]).
وقال علامة الشيعة في الهند السيد محمد اللكنوي رداً على من قال بعدم تحريف القرآن: (أما ادعاء عدم التحريف في القرآن الموجود بأيدي الناس، فهو محل النظر، بل هو ظاهر الفساد؛ لأن الروايات التي بلغت حد التواتر تدل على أن علي بن أبي طالب هو الذي اشتغل بالقرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فتبقى هذه الروايات لغواً محضاً، لا قيمة لها، وهذا مع أن الروايات قد كثرت عن المعصومين، أن القرآن الحقيقي مخزون مودع عند صاحب العصر عليه السلام)([655]).
وقال محسن الكاشاني صاحب التفسير الصافي: (لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص، ما خفي حقنا على ذي حجي، ولو قد قام قائمنا صدقه القرآن)([656]).
وقال السيد المحسن الملقب بـالفيض الكاشاني في تفسيره: (إن الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين، كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين المبدلين للوصية، المغيرين للخلافة، لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم، والتغيير فيه إن وقع فإنما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الآن، والضبط الشديد إنما كان بعد ذلك، فلا تنافي بينهما، بل لقائل أن يقول: إنه ما تغير بنفسه، وإنما التغيير في كتابتهم إياه، وتلفظهم به، فإنهم ما حرفوا إلا عند نسخهم من الأصل، وبقي الأصل على ما هو عليه عند أهله وهم العلماء به، فما هو عند العلماء به ليس بمحرف، وإنما المحرف ما أظهروه لأتباعهم.
وأما كونه مجموعاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه الآن فلم يثبت، وكيف كان مجموعاً وإنما كان ينزل نجوماً؟ وكيف لا يتم إلا بتمام عمره؟ وأما درسه وختمه، فإنما كانوا يدرسون ويختمون ما كان عندهم منه لإتمامه)([657]).
 
من أقوال الأئمة في تحريف القرآن في زعم الإثني عشرية:
وينسب علماء الشيعة للأئمة نصوصاً –كثيراً- تفيد أن القرآن الحالي تعرض لحذف الكثير من آياته. فمن ذلك:
عن الإمام جعفر الصادق في آية الأحزاب رقم (71) ((وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)) [الأحزاب:71] قال: (كانت هذه الآية قد نزلت هكذا: (ومن يطع الله ورسوله في ولاية علي والأئمة من بعده فقد فاز فوزاً عظيماً)) والمراد أن الآية تعرضت لحذف منها. (في ولاية علي والأئمة من بعده- أصول الكافي ص:262)([658]).
وعن الإمام الباقر: (نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الآية هكذا: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا في علي نوراً مبينا)) أصول الكافي (ص:264)([659]).
وعن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين بولاية علي ليس له دافع)، ثم قال: (هكذا والله نزل بها جبريل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم) أصول الكافي (ص:266)([660])أي أن عبارة (بولاية علي) قد حذفت من الآية.
عن الإمام الباقر قال: (نزل جبريل بهذه الآية هكذا.. (يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم في ولاية علي فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا بولاية علي فإن لله ما في السموات وما في الأرض)) أصول الكافي (ص:267)([661]).
 أي أن عبارة (في ولاية علي) حذفت في القرآن الحالي.
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: (هكذا أنزلت هذه الآية: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به في علي لكان خيراً لهم)) أصول الكافي (ص:267)([662])، أي أنه حذفت (في علي) من القرآن الحالي.
عن أبي عبد الله عليه السلام: ((ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم (وسلموا للإمام تسليماً)، أو أخرجوا من دياركم (رضي له) ما فعلوه إلا قليل منهم ولو (أن أهل الخلاف) فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً) وفي هذه الآية (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت) (من أمر الولي) ويسلموا (لله الطاعة) تسليماً))([663]). (الكافي جـ8/ ص:159 روضة الكافي).
عن أبي بصير قال: «بينما رسول الله (ص:) ذات يوم جالساً إذ أقبل أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له رسول الله (ص): إن فيك شبهاً من عيسى بن مريم ولولا تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم؛ لقلت فيك قولاً لا تمر بملأ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك يلتمسون بذلك البركة، قال: فغضب الأعرابيان والمغيرة بن شعبة وعدة من قريش معهم، فقالوا: ما رضى أن يضرب لابن عمه مثلاً إلا عيسى بن مريم فأنزل الله على نبيه (ص:) فقال: ((وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ)) [الزخرف:57]* ((وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)) [الزخرف:58]* ((إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ)) [الزخرف:59]* ((وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ -يعني: من بني هاشم- مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ)) [الزخرف:60].
قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهري فقال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك أن بني هاشم يتوارثون هرقلاً بعد هرقل، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فأنزل الله عليه مقالة الحارث ونزلت هذه الآية: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)) [الأنفال:33] ثم قال له: يا حارث بن عمرو إما تبت وإما رحلت؟ فقال: يا محمد! بل تجعل لسائر قريش شيئاً مما في يديك، فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب والعجم فقال له النبي (ص:): ليس ذلك إلي، ذلك إلى الله تبارك وتعالى، فقال: يا محمد! قلبي ما يتابعني على التوبة، ولكن أرحل عنك، فدعا براحلته فركبها، فلما صار بظهر المدينة أتته جندلة فرضخت هامته، ثم أتى الوحي إلى النبي (ص:) فقال: (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين (بولاية علي) ليس له دافع من الله ذي المعارج)» (الكافي جـ8/ ص:48 روضة الكافي)([664]).
عن محمد بن مروان قال: تلا أبو عبد الله عليه السلام: ((وتمت كلمت ربك الحسنى صدقاً وعدلاً) فقلت: جعلت فداك إنما نقرؤها ((وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً)) [الأنعام:115] فقال: إن فيها الحسنى) (الكافي جـ8 /ص:174 روضة الكافي)([665]).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل بظلمه وسوء سيرته والله لا يحب الفساد) (الكافي جـ8 / ص:241 روضة الكافي)([666]).
وعن أبي الحسن عليه السلام: (له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) الكافي (جـ8/ ص:241)([667]).
وعن أبي عبد الله عليه السلام: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين بولاية الشياطين على ملك سليمان) وقرأ أيضاً: (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة فمنهم من آمن ومنهم من جحد ومنهم من أقر ومنهم من بدل ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب) (الكافي جـ8/ ص:242 روضة الكافي)([668])
عن أبي جعفر عليه السلام قال: (نزل جبريل بهذه الآية هكذا: (فأبى أكثر الناس بولاية علي إلا كفورا)) (باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية - أصول الكافي)([669])
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن القرآن الذي جاء به جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبعة عشر ألف آية)([670]).
ومعلوم أن القرآن الذي بين أيدينا والمنقول إلينا بالتواتر آياته (6236) آية (أكثر من ستة آلاف آية بقليل)، فطبقاً لرواية الشيعة هذه أن ثلثي القرآن قد ضاع وفقد وأسقط من القرآن.
يقول علامتهم القزويني في شرح هذه الرواية الشيعية: (إن القصد من قول الإمام جعفر، هو أن جزءاً كبيراً من القرآن الذي نزل على جبريل قد حذف وأخفي، ولم يعد له وجود في نسخ المصحف الموجود حالياً) اهـ. من (صافي شرح أصول الكافي) المجلد الأخير (باب فضل القرآن)([671]).
لم يجمع القرآن إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده: [ادعاء الشيعة أن القرآن لم يجمعه إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده]:
(من المسلمات المعروفة في المذهب الشيعي وفي دنيا الشيعة، أن علياً كان قد رتب القرآن، وكان ينطبق تماماً مع القرآن الذي نزل على رسول الله، وهو يختلف عن القرآن الحالي، وقد ظل القرآن الذي رتبه معه، وظل مع أولاده من بعده، وهو الآن مع الإمام الغائب، وحين يظهر سيظهر معه هذا القرآن، ولا يمكن لأحد أن يراه قبل ذلك)([672]).
في أصول الكافي (باب فضل القرآن) عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: (فإذا قام القائم قرأ كتاب الله عز وجل على حده، وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام) وقال: (أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، جمعته من اللوحين، فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا) أصول الكافي (ص:671)([673]).
وفي أصول الكافي (كتاب الحجة) (ص:139) (باب: أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام) عن الإمام الباقر: (ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وما حفظه كما أنزله الله إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده)([674]).
وعند الأئمة ما ليس عند غيرهم من العلوم الإلهية فمنها: مصحف فاطمة، وفيه علم ما يكون، ومنه الجفر الأبيض، به علم الأنبياء السابقين، والجفر الأحمر والصحيفة الجامعة لكل ما يحتاج الناس إليه، بالإضافة إلى القرآن الصحيح كاملاً.
عن أبي عبد الله أنه قال: (وإن عندنا لـمصحف فاطمة عليها السلام وما يدريهم ما مصحف فاطمة عليها السلام، قال الراوي أبو بصير: وما مصحف فاطمة عليها السلام؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم ثلاث مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد)([675]).
 عن أبي جعفر عليه السلام قال: (ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء) (الكافي جـ1/ ص 228 كتاب الحجة)([676]).
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن الله تعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم دخل على فاطمة عليها السلام من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، فأرسل إليها ملكاً يسلي غمها ويحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين عليه السلام يكتب كلما سمع، حتى أثبت من ذلك مصحفاً، قال: ثم قال: أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون) (الكافي جـ1/ (ص:240 كتاب الحجة)([677]).
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن عندي الجفر الأبيض، فلما سئل عنه قال: زبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى وصحف إبراهيم عليهم السلام والحلال والحرام ومصحف فاطمة، ما أزعم أن فيه قرآناً، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد، حتى فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش، وقال: وعندي الجفر الأحمر، فلما سئل وأي شيء فيه؟ قال: السلاح، وذلك إنما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل، قيل له: أصلحك الله أيعرف هذا بنو الحسن؟([678])؟ فقال: إي والله كما يعرفون الليل أنه ليل، والنهار أنه نهار، ولكنهم يحملهم الحسد وطلب الدنيا على الجحود والإنكار، ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيراً لهم) (الكافي جـ1 ص:240 كتاب الحجة)([679]).
 وعن أبي عبد الله عليه السلام: (إن في الجفر الذي يذكرونه([680]) لما يسوؤهم؛ لأنهم لا يقولون الحق والحق فيه، فليخرجوا قضايا علي وفرائضه إن كانوا صادقين، وسلوهم عن الخالات والعمات، وليخرجوا مصحف فاطمة عليها السلام، فإن فيه وصية فاطمة عليها السلام، ومعه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله عز وجل يقول: ((اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) [الأحقاف:4)] (الكافي جـ1/ (ص:241 كتاب الحجة)([681]).
وسئل عن الجفر من بعض أصحابه فقال: (هو جلد ثور مملوء علماً، فسئل عن الجامع فقال: تلك صحيفة طولها سبعون ذراعاً في عرض الأديم مثل فخذ الفالج، فيها كل ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلا وهي فيها حتى أرش الخدش).
فسئل عن مصحف فاطمة عليها السلام فسكت طويلاً ثم قال: (إنكم لتبحثون عما تريدون وعما لا تريدون، إن فاطمة مكثت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرائيل عليه السلام يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون عندها في ذريتها، وكان علي عليه السلام يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة عليها السلام) الكافي (جـ1/ 241)([682]).
وعن أبي عبد الله قال: (إن عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس، وإن الناس ليحتاجون إلينا، وإن عندنا كتاباً إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخط علي عليه السلام صحيفة فيها كل حلال وحرام، وإنكم لتأتونا بالأمر فنعرف إذا أخذتم به ونعرف إذا تركتموه)([683])(الكافي جـ1/ ص:241 كتاب الحجة).
 وعن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (والله إن عندي لكتابين فيهما تسمية كل نبي، وكل ملك يملك الأرض) (الكافي جـ1/ (ص:242 كتاب الحجة).
وعن أبي عبد الله أنه قال للفضيل بن سكرة: (كنت أنظر في كتاب فاطمة عليها السلام؛ ليس من ملك يملك الأرض إلا وهو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه، وما وجدت لولد الحسن فيه شيئاً)([684])(الكافي جـ1/ ص:242 كتاب الحجة).
عن سالم بن سلمة قال: (قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أستمع، حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله عليه السلام: كف عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم عليه السلام قرأ كتاب الله عز وجل على حده، وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام وقال: أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جمعته من اللوحين، فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً، إنما كان علي أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه) (الكافي جـ2 ص 633 كتاب فضل القرآن)([685]).
فإن قيل: (إن الشيعة لا يقرؤون إلا هذا القرآن، ولا يتناقلون بينهم إلا هذا نفسه، وإن كان لهم قرآن غير هذا فأين هو؟ فإن لم يكونوا يؤمنون به ويعتقدون فيه التحريف والحذف والنقصان، فلماذا يقرءونه؟)([686]).
والجواب: إن الشيعة الإمامية يقرؤون قرآننا لأنهم (أمروا بقراءة هذا القرآن إلى أن يخرج القائم، كما يروي الكليني في كافيه عن سالم بن سلمة أنه قال: (قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أسمع، حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله عليه السلام: كف عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله عز وجل على حده، وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام، وقال: أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قد جمعته من اللوحين، فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبداً، إنما كان علي أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه)([687]).
وروى أيضاً بسنده: عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن عليه السلام قال: (قلت له: جعلت فداك! إنا نسمع الآيات في القرآن ليست هي عندنا كما نسمعها، ولا تحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم؟ فقال: لا. اقرؤوها كما تعلمتم فيجيئكم من يعلمكم).
وأيضاً ما رواه الطبرسي في الاحتجاج كذباً على أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع علي عليه السلام القرآن، وجاء به إلى المهاجرين والأنصار، وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر فقال: يا علي! اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه علي عليه السلام وانصرف، ثم أحضر زيد بن ثابت وكان قارئاً للقرآن، فقال له عمر: إن علياً -عليه السلام- جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد أردنا أن تؤلف لنا القرآن، وتسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه، أليس قد بطل كل ما قد عملتم؟ ثم قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما الحيلة دون أن نقتله ونستريح منه؟ فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد؛ فلم يقدر على ذلك، وقد مضى شرح ذلك.
فلما استخلف عمر سأل علياً أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال: يا أبا الحسن! إن كنت جئت به إلى أبي بكر فأت به إلينا حتى نجتمع عليه، فقال علي عليه السلام: هيهات! ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم، ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، فقال عمر: فهل وقت لإظهاره معلوم؟ قال علي عليه السلام: نعم! إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه فتجري السنة به)([688]). وعلى ذلك جعلوا من عقائدهم: (وواجب علينا أن نعتقد أن القرآن الأصلي لم يغير ولم يبدل، وهو الموجود عند إمام العصر الغائب عجل الله فرجه، لاعند غيره)([689]).
وقال الكرماني: وقع التحريف والتصحيف والنقص في القرآن.. وإن القرآن المحفوظ ليس إلا عند القائم.. وإن الشيعة لمجبورون على أن يقرؤوا هذا القرآن تقية بأمر آل محمد عليهم السلام([690]).
وقال المفسر الفيض الكاشاني في تفسيره رداً على من يقول بعدم التحريف في القرآن: أقول: يكفي في وجوده في كل عصر وجوده جميعاً كما أنزله الله محفوظاً عند أهله([691])، ووجود ما احتجنا إليه منه عندنا وإن لم نقدر على الباقي([692]).
 وقال السيد نعمت الله الجزائري مجيباً على نفس الشبهة: (فإن قلت: كيف جازت القراءة في هذا القرآن مع ما لحقه من التغيير؟ قلت: قد روى في الأخبار، أنهم عليهم السلام قد أمروا شيعتهم بقراءتهم هذا القرآن الموجود بأيدي الناس، في الصلاة وغيرها، والعمل بأحكامه، حتى يظهر مولانا صاحب الزمان، فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء، ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين عليه السلام، فيقرأ ويعمل بأحكامه.. والأخبار الواردة بهذا المضمون كثيرة جداً) اهـ([693]).
وأخيراً ننقل ما ذكره المفسر الشيعي المشهور السيد هاشم البحراني المتوفى عام (1108هـ): اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها، أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء من التغييرات، وأسقط الذين جمعوه كثيراً من الكلمات والآيات، وإن القرآن المحفوظ عما ذكر، الموافق لما أنزله الله تعالى؛ ما جمعه علي عليه السلام وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن عليه السلام، وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم عليه السلام، وهو اليوم عنده صلوات الله عليه([694]) اهـ. وقد رد الأستاذ إحسان إلهي ظهير على هذه الشبهة في كتابه بين الشيعة وأهل السنة (ص:98-102).
بعد أن ذكرنا كل ذلك حول مسألة التحريف في القرآن فلا غرابة أن يقال: (إن عقيدة تحريف القرآن الكريم هي من لوازم عقيدة الإمامة التي تعد أساس المذهب الشيعي)([695])، و(من النتائج المترتبة على الإيمان بعقيدة الإمامة)([696]). وذلك بغرض (إثبات جرم آخر ضد الشيخين وذي النورين)([697])، (وهذا الجرم هو تحريفهم للقرآن، وهو جرم كبير وكفر شديد)([698]). ليقال عندئذ: إن الناس الذين تولوا السلطة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: الخلفاء الثلاثة- قد حذفوا من القرآن وزادوا عليه وغيروه بما يتلاءم مع مصالحهم السياسية، ومع أطماعهم وأهوائهم النفسية)([699]).
خلاصة الكلام في مذهب الإمامية في صحة القرآن:
دأب المتأخرون من علماء الشيعة المعاصرين، على عدم القول بوقوع التحريف والنقص أو الزيادة في القرآن صراحة في مؤلفاتهم الدعائية الموجهة إلى أهل السنة.
أما الثابت في كتب علماء الشيعة المتقدمين ومجتهديهم -وهم عمدة المذهب وقدوتهم ومبلغو الأخبار وحفظة الأحاديث والعلم- فهو التصريح بوقوع التحريف والتغيير والنقص في القرآن، وعلى هذا جمهورهم، بل صنف فيه بعضهم كتباً مستقلة، وكتبه الآخرون في أجزاء من مؤلفاتهم في بيان عقيدة الشيعة([700]).
لم يخالف من المتقدمين إلا (أربعة فقط) لا خامس لهم، لم يصرحوا بوقوع التحريف والتغيير في القرآن، وقد رد عليهم جمهور المتقدمين من علماء الشيعة، بثبوت المئات من الروايات عن أئمتهم المعصومين من أهل البيت في ثبوت تحريف القرآن من قبل أهل السنة، وزعم العديد من مجتهدي الشيعة بأن ذلك ثابت عن الأئمة، بالتواتر الذي يفيد القطع واليقين، وأن هذا الاعتقاد -بتحريف القرآن- من ضروريات مذهب الإمامية، وحكموا بخطأ قول الأربعة المخالفين، يقول السيد محمد دلدار علي الملقب بسلطان علماء الشيعة بعد ذكر كلام المرتضى في عدم التحريف في القرآن: (فإن الحق أحق بالاتباع، ولم يكن السيد علم الهدى معصوماً حتى يكون من الواجب أن يطاع، ولو ثبت أنه يقول بعدم النقصية مطلقاً لم يلزمنا اتباعه، ولا ضير فيه)([701]).
* اتفق المتقدمون من علماء الشيعة -مع قولهم بالتحريف والتغيير- على العمل بالقرآن الحالي، بتلاوته ودراسته، والتعبد به في الصلوات والأحكام الشرعية، حتى يظهر المهدي المنتظر، ويخرج من السرداب في آخر الزمان ومعه القرآن الصحيح الكامل الذي جمعه علي بن أبي طالب وورثه للأئمة من أولاده بعده، وآخرهم المختفي بالسرداب، وذلك لوجوه منها:
1- أن القرآن الحالي وقع فيه النقص والحذف -كحذف ما فيه إمامة علي وأولاده، وما فيه فضائح الصحابة وبيان نفاقهم- وما بقي فهو من القرآن الأصلي المتعبد، والذي يكفي حاجة الناس إلى ظهور المهدي.
2- أن التغيير الذي وقع في القرآن الحالي كان بتقديم فيه وتأخير من موضوع إلى آخر لا يمنع التعبد به.
3- أن الأئمة أمروا بالالتزام بهذا القرآن على ما هو عليه حتى ظهور الإمام القائم وخروجه.
* اتفق المتقدمون من علماء الشيعة -كما ذكرنا- إلا أربعة منهم على وقوع الحذف والنقص والتحريف والتغيير والتبديل في القرآن، واختلفوا هل وقعت الزيادة في القرآن- أي: إضافة ما ليس بقرآن إلى القرآن بفعل الصحابة ومن وافقهم- على قولين([702]):
 * فذهب جمهور المتقدمين إلى فساد القول بوقوع الزيادة في القرآن، وسلامة القرآن من ذلك، ووقوع النقص والحذف والتغيير فيه دون الزيادة عليه.
* وذهب بنو نوبخت (من قادة الشيعة وزعمائهم في عصرهم) وجماعة من متكلمي الإمامية وأهل الفقه منهم، إلى وقوع الزيادة في القرآن كما وقع فيه النقص والحذف.
* وأما ما عليه عامة المتأخرين من علماء الشيعة ومجتهديهم المعاصرين، من عدم التصريح والقول بوقوع التحريف والتغيير في القرآن الحالي -وهو الحق الذي لاشك فيه ويكفر مخالفه- فإن الكثير من الشكوك تثير حوله الظنون، والتي يجب أن يبين هؤلاء بحزم ووضوح موقفهم منها، تبرأة لساحتهم، وموافقة لما عليه كافة المسلمين قديماً وحديثاً، ومن هذه الأمور المثيرة للشكوك:
1- موقفهم من مؤلفات علمائهم ومجتهديهم القدامى، المصرحة بوقوع التحريف والتغيير في القرآن، وهم عمدة المذهب وأئمتهم، ورواة الأخبار والأحاديث، وعلى أكتافهم وجهودهم كان المذهب وبقائه واستمراره، وهم لا يذكرون أسماءهم إلا بالتوقير والاحترام والإجلال والتعظيم.
2- موقفهم من الطبرسي وكتابه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب وكتابه رد الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، خاصة وأن متأخريهم لا يذكرون الطبرسي إلا بالاحترام والتعظيم([703])، وعده من علماء الشيعة المعتبرين، ويعملون بكتبه الأخرى وينقلون منها.
3- موقفهم من مئات الروايات المنسوبة إلى أئمة أهل البيت بواسطة رواة الشيعة، فيها الطعن في صحة القرآن، ونسبة الحذف والنقص، والتحريف والتغيير والتبديل من قبل الصحابة فيه، وهي روايات ممتلئة بها كتب أحاديثهم-خاصة الكافي - وكتب مؤلفات علمائهم.
 وهنا سؤال هام: هل ترد هذه الروايات؟ وبالتالي يكون الطعن في رواتها، وهم النقلة لسائر روايات الأئمة الأخرى عند الشيعة، والتي عليها يبنون أحكام مذهبهم وسائر عقائدهم، وإن لم ترد؛ فكيف يكون الحال منها.. كيف تؤول على كثرتها.. وبم تؤول.. وما هو التأويل المقبول؟
4- ضرورة التصريح بأن هذه المسألة مما لا يدخل فيها العمل بالتقية -التي يعتقدونها ويعملون بها- فينبغي الجزم والتصريح بأن الطعن في صحة القرآن الحالي خطأ وكفر من صاحبه، سواء أكان على سبيل التقية أم لا.
5- ضرورة الكتابة والتصريح في مؤلفاتهم لأبناء الشيعة أنفسهم، بفساد القول بتحريف القرآن، وإثبات أن معتقد الشيعة الإمامية هو إثبات صحة القرآن الحالي، وأنه هو المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وحفظته الأمة كما أمر الله تبارك وتعالى، مع الرد الواضح على القائلين بتحريف القرآن قديماً، وبيان بطلان ما ذهبوا إليه، والرد الواضح على ما نسب إلى الأئمة من روايات بصدد ذلك. قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ)) [البقرة:159]* ((إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [البقرة:160].
وإنا نسعد ونرحب بفعل ذلك والقول به وإعلانه؛ إذ به يرتفع الخلاف، ويحسم النزاع، ونكون عباد الله إخواناً، نؤمن بما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، وحفظه وصانه من التحريف. قال تعالى: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9]، وقال تعالى: ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)) [فصلت:42].
 
قصة جمع القرآن:
القرآن الكريم معجزة النبي صلى الله عليه وسلم، التي تحدى بها الناس جميعاً عربيهم وأعجميهم، على أن يأتوا بمثله، وللقرآن خصائصه ومميزاته الفذة في تلاوته وقراءته.. في ترتيبه ونسقه.. في قصصه وأخباره.. في أمثاله وحكمه.. في أحكامه وتشريعاته، وهو فوق ذلك بحر زاخر، قصده الناس على اختلاف حاجاتهم ومشاربهم، فينهل كل منهم منه ما يريد وزيادة، ولا يبلغ قراره، ولا يشبع منه أبداً.
وقد رتب الله تعالى الأجر العظيم والثواب الجزيل لكل من قرأه وتلاه، وتدبره ووعاه، ودرسه وتفهم معناه، فالحرف منه بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها، ومن تتعتع في حفظه فله على مجاهدة نفسه فيه أجران، ومن أتقن قراءته فهو مع السفرة الكرام البررة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يقرؤونه ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، وخير الناس من تعلم القرآن وعلمه.
لهذه المعاني الجليلة وغيرها دأب المسلمون من عهد النبي صلى الله عليه وسلم على حفظ القرآن، وفهم معناه، والعمل بمقتضاه، فكانوا لا ينتقلون من آية إلى أخرى، حتى يعلموا معناها، ويعملوا بها، ثم ينتقلون إلى غيرها، فجمعوا العلم بالقرآن والعمل به في وقت واحد.
ولم يلق كتاب ولا علم مثل ما لقي القرآن عند المسلمين، لذا تجدهم لا يختلفون على حرف منه، ولا يرتابون في صدق آية مذكورة فيه، فضلاً عن سوره وترتيبه وتشكيله، لذا تجد القرآن معلوماً مشهوراً، مجموعاً في الصدور والقلوب والعقول، معلوماً عدد سوره، وعدد آياته، بل وعدد حروفه.
 وقد حفظ الله عز وجل كتابه، وأبعد عنه التحريف والتبديل، وجعل لذلك أسباباً، وجعل للمسلمين في حفظه وسائل قويمة، وأساليب متينة، لم تعرف البشرية مثلها من قبل، وقصة (جمع القرآن وحفظه) تبين بوضوح ظاهر لكل ذي عينين، رعاية الله لكتابه، وحفظه، ومنته على هذه الأمة، في أعز وأغلى ما تملك.. كتاب ربها، الذي أوحاه الله عز وجل على نبيها صلى الله عليه وسلم.
ونوجز قصة جمع المسلمين للقرآن وحفظ الله له فنقول:
منذ ظهور دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وتبليغه للقرآن الموحى إليه به إلى الناس، ودخول الأوائل من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام، حتى رددت الألسن آيات القرآن وتوفرت الدواعي والهمم على حفظه وإتقانه، وكلما زاد عدد المسلمين زاد حفظ القرآن بين الرجال، حتى بلغ الحفظ والعمل به درجة كبيرة في العهد المدني، ولم يقبض النبي صلى الله عليه وسلم بعد كمال الوحي إلا وقد انتشر حفظ القرآن، وامتلأت صدور الآلاف من الرجال والنساء بآياته وسوره، وتنافس الجميع في تلاوته ودراسته والعمل به ليل نهار، بل لم يكن هناك مسلم -وقد قبض النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون مئات الألوف- إلا وله نصيب من حفظ هذا القرآن ودراسته للعمل به.
وقد ساعد على انتشار هذا الحفظ بهذه الصورة الكبيرة العظيمة عوامل كثيرة منها:
1- جمال القرآن، وشدة بلاغته، وبديع أساليبه، وحسن عباراته، وحلاوة منطقه، وبراعة لهجته، وإتقان صفته، وعذوبة كلماته.
2- أسلوبه المميز في التلاوة والتجويد الذي يأخذ بشغاف القلب، وتميل الأذن إلى سماعه، والعقول إلى تدبره، فلا هو بالنثر، ولا هو بالشعر، ولكنها تلاوة مجودة أروع من النثر البليغ، وأجمل وأرق من الشعر الفصيح.
3- ما فيه من القصص والأخبار، والحكم والأمثال، والمواعظ والدروس.
 4- حرص الصحابة على سماع القرآن وحفظه من فم النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، فكان يجالسهم يعلمهم القرآن، ويتلوه عليهم كما سمعه من جبريل عليه السلام، فيتنافسون جميعاً على أخذه منه صلى الله عليه وسلم غضاً طرياً كما أنزل.
5- ما في قراءته وتلاوته وتدبره والعمل به من الأجر والثواب العظيم، فهذه من أجل العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى، فما يتقرب إليه بأفضل مما خرج منه، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه.
6- أنه لا تتم الصلوات المكتوبة والمندوبة في اليوم والليلة، إلا بقراءة القرآن فيها بسورة الفاتحة فما زاد، استجابة لقوله تعالى: ((فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ)) [المزمل:20].
7- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحثهم على حفظ القرآن، ويحب سماعه منهم، فربما جلس مع بعضهم يستمع القرآن الكريم منه، وهو الذي عليه أنزل، فمن ذلك أنه أمر ابن مسعود أن يقرأ عليه القرآن وقال له: «إني أحب أن أسمعه من غيري» متفق عليه. وقال لـأبي موسى الأشعري: «يا أبا موسى! لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة فقال: أما والله لو أعلم أنك تستمع لقراءتي لحبرتها لك تحبيراً» رواه مسلم.
8- إن الله تعالى قد يسر على العباد حفظه وتلاوته، فلا يجد أحد مشقة في حفظه وتلاوته، فيأخذه الصغير من الكبير، والعامي الجاهل من الشيخ المتقن، فلا يجد صعوبة كبيرة في ترديده وراءه وحفظه منه، فكم من صغير قد أتم حفظه، وكم من عامي أمي أتقن تلاوته، بل كم من أعجمي لا يعرف العربية قد أجاد تجويده، فكيف بأهل الإيمان والصلاح، والعقل الوافر، واللغة الفصيحة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهذا كله مصداق قوله تعالى: ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) [القمر:17].
 ومما ساهم أيضاً في حفظ القرآن للأمة:
* اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم كتبة يكتبون الوحي عنده، فيقرأه عليهم فيكتبونه بأيديهم أمامه على العسب([704]) واللخاف([705]) والرقاع والأضلاع والجلود وغيرها مما يمكنهم الكتابة عليه، ويراجعونه صلى الله عليه وسلم فيما كتبوا، والمسلمون حولهم يشهدون ذلك، ثم يحفظونه عنهم.
وهذه الطريقة وسيلة من وسائل حفظ القرآن، فتحفظه الصدور بالتلاوة، وتحفظه الرقاع واللخاف بالكتابة، فيكون الحفظ بذلك أكمل وأتم، وقد عرف المسلمون كتابة القرآن من العهد المكي، يشهد لذلك قصة إسلام عمر لما قرأ آيات من سورة طه مكتوبة، تحملها أخته في بيتها.
* أن القرآن أنزل على سبعة أحرف تيسيراً على الأمة، وتخفيفاً عليها، فكانت رخصة وقت نزول الوحي ليزداد الناس على اختلاف لهجاتهم وقبائلهم إقبالاً عليه وحفظاً له، عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أقرأني جبريل عليه السلام -يعني: القرآن- على حرف، فراجعته فزادني، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» (رواه البخاري، ورواه مسلم بنحوه).
وعند أحمد بسند صحيح عن أم أيوب الأنصارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنزل القرآن على سبعة أحرف، أيها قرأت أجزأك»([706]).
فهذه القراءة بالأحرف السبعة للقرآن علمها جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم، بأمر من الله، وبعد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إنما جعلت للتخفيف على الناس في حفظه، فإنه صلى الله عليه وسلم بعث في أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، وفيهم الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة والغلام الصغير، والدعوة في أوائلها، والوحي يتنزل كل يوم، والناس كلهم يحتاجون للقرآن للصلاة والعبادة، فيُسر عليهم بهذه الرخصة، حتى انتشر حفظه، وأتقنه طلابه، ولله الحمد والمنة.
وقد اتفق العلماء على نزول القرآن على سبعة أحرف، للتخفيف على الأمة، ولتيسير حفظها للقرآن في الصدور، واختلفوا في المراد بهذه الأحرف السبعة، وقد ذكر القرطبي في مقدمات تفسيره خمسة وثلاثين قولاً. وأشهرها([707]):
1- أن المراد: سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو: أقبل -هلم- تعال، ونحو: اذهب -أسرع- عجل، ونحو: أنظرونا -أمهلونا- أخرونا، ونحو: مشوا فيه -مروا فيه- سعوا فيه، وهذا قول أكثر أهل العلم منهم سفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب وابن جرير والطحاوي.
2- أن المراد أن بعضه على حرف وبعضه على حرف آخر، فليس المراد أن جميعه يقرأ على سبعة أحرف، وقد يقرأ بعضه بالسبع لغات، فمعظمه كان بلغة قريش، وليس كله، كما أنه حوى مما ليس من لغة قريش في حروفه وكلماته الكثير، ويؤيده أن الله تعالى قال: ((قُرْآناً عَرَبِيّاً)) [يوسف:2] ولم يقل قرشياً، واسم العرب يتناول جميع القبائل حجازها ويمنها، وفي القراءات الصحيحة تحقيق الهمزات وقريش لا تهمز.
ففي القرآن لغة قريش وغير قريش، ومعظمه بلغة قريش، فبعض اللغات أسعد به من بعض، وبهذا القول قال أبو عبيدة وابن عطية.
3- أن المراد بالأحرف السبعة نزوله بلغات مضر -على اختلاف قبائلها- خاصة دون غيرها؛ لأن عثمان رضي الله عنه قال عن القرآن أنه نزل بلغة قريش، وقريش هم بنو النضر بن الحارث على الصحيح من أقوال أهل النسب.
 4- أن القراءات ترجع إلى سبعة أشياء: فقد تبقى صورة الحرف ويختلف المعنى في القراءة: مثل: (فقلنا ربنا باعد بين أسفارنا) و((فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)) [سبأ:19] وقد تختلف الصورة ويختلف المعنى، مثل: ننشرها- ننشزها.
وقد تختلف صورة الحروف ويبقى المعنى واحداً مثل: (العهن المنفوش- الصوف المنفوش).
وقد تختلف الكلمة ويختلف المعنى: مثل: (طلح منضود- طلع منضود).
وقد يكون التقديم والتأخير، مثل: (وجاءت سكرة الموت بالحق) و(وجاءت سكرت الحق بالموت).
وقد تكون الزيادة: مثل: (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين) و(وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين)، وهذا القول حكاه الباقلاني عن بعض العلماء.
وقد لا تتغير صورته ولا معناه: مثل: (هن أطهر لكم) و(هن أطهر لكم). و(يضيق صدري) و(يضيق صدري).
5- المراد بالأحرف السبعة: معاني القرآن، وهي أمر ونهي، وعد ووعيد، وقصص وأمثال، وقد ضعف ابن عطية هذا القول؛ لأن هذه لا تسمى حروفاً.
والحاصل: أنه لم يقبض النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد انتشر القرآن بين مئات الآلاف من المسلمين رجالاً ونساء، محفوظاً في الصدور عند من يثق بحفظه ولا يحسن الكتابة، ومحفوظاً في الصدور وفي الرقاع ونحوها عند من يحسن الكتابة أو لا يثق تماماً في حفظه، وما كان لأحد أن يزيد في كتاب الله أو ينقص منه؛ إلا ورده الألوف من حفاظه.
*وتتابعت على ذلك السنون والأعوام، ومعها جاءت ظاهرتان خطيرتان:
الأولى: مقتل الكثير من حفظة القرآن ومتقنيه في الحروب الكثيرة، خاصة حروب المرتدين، بما يخشى منه إن استمر ضياع بعض من القرآن لا يحفظه ولا يتقنه سواهم، فكان لابد من جمع القرآن من صدور الرجال؛ ليكون مكتوباً محفوظاً بين دفتين للأجيال القادمة، وقد تصدى لتلك المهمة العظيمة والخطيرة أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
 الثانية: اختلاف القراءات عند الناس، خاصة مع الفتوحات الكثيرة، وانتشار حفظة القرآن على اختلاف قراءاتهم في البلدان الجديدة المفتوحة وأخذ الناس عنهم، وتمسك كل منهم بما أخذ عن بعض صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد غاب عنهم أن القرآن على سبعة أحرف، بما يخشى عليه تفرق الأمة في كتابها، فكان لابد من جمع الناس على حرف واحد لئلا يختلفوا، وقد تصدى لتلك المهمة العظيمة والخطيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
جمع أبي بكر للقرآن:
وهو الجمع الأول للقرآن: روى البخاري في صحيحه في فضائل القرآن، باب جمع القرآن، بسنده عن زيد بن ثابت قال: (أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة([708]) فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتاني فقال: إن القتل قد استحر([709]) بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن([710])، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن([711])، فقلت لـعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم([712])؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه([713])، والله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان علي أثقل مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله خير([714])، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره ((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ)) [التوبة:128] حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهما).
حديث زيد بن ثابت في فقد آية من الأحزاب حين نسخ المصحف فكانت عند خزيمة بن ثابت الأنصاري، في صحيح البخاري كتاب المغازي، باب غزوة أحد.
ولقد أبقاه أبو بكر عنده لكونه الخليفة، ثم كان عند عمر من بعده لما تولى الخلافة، ثم جعل عند أم المؤمنين حفصة بنت عمر بعد وفاة عمر؛ لكونها كانت الوصية على أوقافه وتركته، فحفظت القرآن المجموع عندها، وقد أخذه منها عثمان رضي الله عنه لما هَمَّ بكتابة المصحف العثماني، ثم رده إليها لما تمت كتابته، ولم يحرقه في جملة ما حرقه مما سواه؛ لأن مصحفه موافق لما عندها، ولكونه وعدها برده إليها، فلما ماتت أخذه مروان بن الحكم فحرقه كما حرق عثمان المصاحف الأخرى.
 وقد أمر أبو بكر زيد بن ثابت ومن معه عند جمع القرآن؛ أن من جاء معه بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه([715]) رواه أبو بكر بن أبي داود([716]).
وروي غير واحد من الأئمة منهم وكيع وابن زيد وقبيصة عن سفيان الثوري عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن عبد خير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: (أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين)([717]).
كتابة عثمان رضي الله عنه للمصاحف:
روى البخاري رحمه الله في صحيحه في فضائل القرآن باب جمع القرآن بسنده عن أنس بن مالك: (أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان رضي الله عنهما، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة([718])، فقال حذيفة لـعثمان: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى([719]). فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف([720]) فننسخها([721])، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة([722]): إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن؛ فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق)
وقد عكف هؤلاء النفر الأربعة على كتابة القرآن ونسخه، فإذا اختلفوا في موضع على أي لغة يكتب رجعوا إلى عثمان رضي الله عنه، كما اختلفوا في التابوت أيكتبونه بالتاء أو الهاء؟ فقال زيد بن ثابت: (إنما هو التابوه وقال: القرشيون الثلاثة: إنما هو التابوت، فتراجعوا إلى عثمان، فقال: اكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم)([723]).
فكان الأمر عند النزاع الكتابة بلغة قريش، وسبب الاختلاف بينهم أن القرآن أنزل بسبعة أحرف كما ذكرنا، وكتابتهم لمصحف واحد يجمعون الناس عليه يستلزم كتابة حرف واحد فقط من السبعة عند الاختلاف، فأمر عثمان رضي الله عنه بتقديم لغة قريش، فبها نزلت معظم آيات القرآن الكريم([724]).
 أما ترتيب الآيات في السور، فهذا توقيفي متلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة في العرض الأخير لـجبريل عليه السلام، ويرجع اختيار زيد بن ثابت لكتابة المصحف لما ذكرناه من الاعتبارات التي لأجلها اختاره أبو بكر الصديق.
وقد ظلت الصحف التي جمعها أبو بكر عند حفصة، وقد أرسل إليها مروان بن الحكم مراراً ليأخذها، فلم تعطها له حتى ماتت، فأخذها من عبد الله بن عمر فحرقها؛ لئلا يكون فيها شيء يخالف مصاحف الأئمة التي أنفذها عثمان إلى الآفاق([725]) فيقع الاختلاف في الأمة من جديد.
وأنفذ عثمان مصحفاً إلى مكة، ومصحفاً إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وترك عند أهل المدينة مصحفاً، وأمر بما عدا ذلك من مصاحف الناس فأحرقت؛ لئلا تختلف قراءات الناس في الآفاق.
وقد وافق عثمان على ذلك من كان موجوداً من الصحابة في عصره، ولم ينكر عليه أحد منهم([726])، وكذلك سادات التابعين كلهم وافقوه، وقد عده أئمة الأمة من مآثر عثمان وأعماله الجليلة، ولم ينقم عليه إلا الثوار الذين خرجوا عليه، فأنكروا عليه ذلك في جملة ما أنكروا، وقالوا عنه: حراق المصاحف.
روى أبو داود والطيالسي وابن مهدي وغندر عن شعبة عن علقمة بن مرثد عن رجل عن سويد بن غفلة: قال علي حيث حرق عثمان المصاحف: (لو لم يصنعه هو لصنعته)([727])، وروى أبو بكر بن أبي داود بسنده عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: (أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد)([728]).
وعن ابن مهدي قال: (خصلتان لـعثمان بن عفان ليستا لـأبي بكر ولا لـعمر: صبره نفسه حتى قتل مظلوماً، وجمعه الناس على المصحف)([729]).
وقد شهد لصحة هذا الكتاب أعداء الإسلام قبل أبنائه فـ(أكد لو بلو: أن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير يذكر)([730])، وأعلن قبله (و.موير): إن المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يد ليد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف، ولقد حفظ بعناية شديدة لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر([731])، بل نستطيع أن نقول: إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها، والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة)([732]).
وقد سمي المصحف بالمصحف العثماني نسبة إلى عثمان رضي الله عنه، وإن كان قد كتبه زيد بن ثابت، فإنما كتبه بأمر من عثمان رضي الله عنهما.
 
موقف عبد الله بن مسعود من كتابة المصحف:
كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من أحفظ الناس لكتاب الله، وأعلمهم به، فلما اختير زيد بن ثابت لكتابة المصحف ساءه ذلك، إذ رأى أنه أولى بذلك منه، فلما أمر عثمان بحرق ما سوى المصحف العثماني أظهر ابن مسعود المخالفة، وجهر بذلك، وأبى أن يحرق مصحفه واحتفظ به.
وكان مما قاله: (من يغلل يأت بما غل يوم القيامة، غلوا مصاحفكم، وكيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت وقد قرأت القرآن من فيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعاً وسبعين سورة، وإن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان، والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، وما أنا بخيركم، ولو أعلم مكاناً تبلغه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته) وأصل الحديث في الصحيحين وفيه: (ولقد علم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أني أعلمهم بكتاب الله).
وهذا من ابن مسعود رضي الله عنه إنما كان في أول الأمر، ولكنه ما لبث أن وافق الجميع، وأقر ما كان من عثمان وسائر الصحابة رضي الله عنهم، وإنما ساءه في أول الأمر تقديم زيد بن ثابت عليه، وقد ذكرنا من قبل أسباب هذا التقديم من أبي بكر ثم من عثمان رضي الله عنهما، ولا يقلل ذلك أبداً من منزلة ابن مسعود وجلالة قدره، وقد أنكر عليه أمره بغل المصاحف وكتمانها غير واحد؛ منهم أبو الدرداء رضي الله عنه([733]).
وفي الحديث المتفق([734]) عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب رضي الله عنهم»، فبدأ بـابن مسعود لجلالة قدره وعظم منزلته، ثم سالم مولى أبي حذيفة وهو كـابن مسعود من المهاجرين الأوائل، وكان يؤم الناس بـالمدينة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، أما معاذ وأُبي فهما سيدان كبيران من الأنصار، رضي الله عن الجميع.
وفي الحديث: «من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» أي ابن مسعود، وكان يعرف بذلك، والحديث رواه أحمد والترمذي والنسائي، وقد صححه الدارقطني([735]).
لذا كان ابن مسعود يقول: (والذي لا إله غيره! ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين أنزلت، ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه).
تنبيهات هامة:
1- قال القرطبي ما مختصره: (قال كثير من علمائنا: هذه القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف)([736]). (وقد سوغ كل واحد من القراء السبعة قراءة الآخر وأجازها، وإنما اختار كل منهم ما رآه أحسن وأولى عنده، وقد أجمع المسلمون في الأمصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة فيما ورد، ورأوه من القراءات، وكتبوا في ذلك المصنفات)([737]).
فالقراءات المتداولة اليوم كـحفص وورش وغيرهما إنما هي قراءات متواترة مسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكلها لا تخرج عن الحرف الواحد المكتوب في المصحف العثماني، ولا علاقة لهذه القراءات بالأحرف السبعة، إذ لا يعمل بها الآن([738])
 وهذه القراءات ليست محصورة في القراءات السبع المشهورة، فكل رواية متواترة في قراءة المصحف العثماني يؤخذ بها.
2- شروط الأخذ بقراءة واعتبارها قراءة صحيحة من القرآن ثلاثة، وهي:
1- أن تكون متواترة.
2- أن تكون موافقة للرسم العثماني.
3- أن تكون موافقة للغة العربية.
فإن لم تتوافر فيها هذه الشروط، فلا تعد قراءة صحيحة معتبرة، ولهذا لا يعتد بكثير من القراءات الشاذة التي لم تصلنا بطريق التواتر.
قال القرطبي أيضاً ما ملخصه([739]): (قال ابن عطية: ومضت الأعصار والأمصار على قراءة السبعة([740]) وبها يصلي؛ لأنها ثبتت بالإجماع، وأما شاذ القراءات فلا يصلى به؛ لأنه لم يجمع الناس عليه)، (قال غيره: أما شاذ القراءة عن المصاحف المتواترة فليست بقرآن، ولا يعمل بها على أنها منه، وأحسن محاملها أن تكون بيان تأويل مذهب من نسبت إليه، كقراءة ابن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) فأما لو صرح الراوي بسماعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختلف العلماء في العمل بذلك على قولين: النفي والإثبات، ووجه النفي أن الراوي لم يروه في معرض الخبر([741])، بل في معرض القرآن([742]) ولم يثبت([743]) فلا يثبت، ووجه الإثبات أنه وإن لم يثبت كونه قرآناً فقد ثبت كونه سنة([744])، وذلك يوجب العمل كسائر أخبار الآحاد) اهـ.
موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه من جمع القرآن:
ذكرنا من قبل ثناء علي بن أبي طالب على عثمان رضي الله عنه في جمعه للقرآن، وفيه إقراره على ذلك، وموافقته له في جملة من وافقه من سادات الصحابة والتابعين في عهد عثمان رضي الله عنه.
وقد روي (أن علياً رضي الله عنه أقسم لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم؛ على أن لا يرتدي برداء إلا الجمعة حتى يجمع القرآن- وفي رواية لـأشعث قال: (حتى يجمع القرآن في مصحف) وأشعث لين الحديث- ففعل، فأرسل إليه أبو بكر رضي الله عنه بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ -أي لعدم الخروج للبيعة له وللصلاة خلفه، والمشاركة برأيه عند المشورة- فقال علي: لا والله! إلا إني أقسمت أن لا أرتدي برداء إلا الجمعة.. فبايعه ثم رجع) والحديث فيه انقطاع([745]).
وذكر المصحف فيه من رواية أشعث وهو لين الحديث، والمروي (حتى أجمع القرآن)، فيحمل على (أتم حفظه) فإنه يقال للذي يحفظ القرآن: قد جمع القرآن، ولم يثبت أنه كان لـعلي بن أبي طالب مصحف خاص به، أما ما يدعيه الشيعة من أن لـعلي وأولاده مصحفاً وقرآناً، غير قرآننا؛ فباطل قطعاً، لم يقل به علي ولا أحد من أبنائه، سئل ابن عباس: (أترك النبي صلى الله عليه وسلم من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين) يعني القرآن الذي يتلوه المسلمون.
 وسئل محمد ابن الحنفية مثل ذلك فقال نفس الجواب([746]). والاستدلال بهذا الحديث ونحوه على أن لـعلي مصحفاً باطل من وجوه منها:
1- ضعف الحديث من جهة السند، ففيه انقطاع ولين.
2- لم يثبت ذلك بسند معتبر عن علي أو أحد من أبنائه.
3- أن في الحديث رضى علي بإمامة أبي بكر ومبايعته له مختاراً، والاعتذار عن التأخير ببيان سببه وعذره، والشيعة لا يقرون بذلك.
4- تخلف علي رضي الله عنه عن صلوات الجماعة إلا الجمعة، وهذا لا يكون منه رضي الله عنه أبداً.
5- إن ثبت ذلك فرضاً فلم لم يخرجه للناس خاصة عند جمع أبي بكر له.
6- يعارضه إقرار علي رضي الله عنه لمصحف عثمان.
ولا يخفى أنه لو جاءنا قائل اليوم يقول إن هناك قرآناً غير قرآننا مأخوذاً عن علي بن أبي طالب، أو غيره من أهل بيته، أو غيره من الناس؛ ما كان يلتفت إلى كلامه، ولا يقبل شرعاً ولا يتصور عقلاً أن يرضى المسلمون اليوم قبول ادعاء شخص كائناً من كان، أن معه القرآن الموحى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ليحل محل ما أخذه المسلمون متواتراً جيلاً بعد جيل، من القرآن الكريم المتداول بيننا الآن، والذي حفظه الله تعالى للأمة في صدور الآلاف، وحفظه كذلك مكتوباً مشهوداً عليه.
وهل يشك عاقل اليوم -فضلاً عن المسلم الموحد- أن الذي بين يديه هو كتاب الله تعالى الذي أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، لذا اتفق العلماء على أن من جحد شيئا وأنكره من كتاب الله تعالى الذي بين أيدينا، فهو كافر مرتد، وأن من ادعى أن القرآن الذي بين أيدينا فيه زيادة أو نقص عما بلغه النبي صلى الله عليه وسلم للأمة، فهو كذلك كافر مرتد، ولا خلاف بين العلماء قديماً وحديثاً في ذلك.
 قال القرطبي رحمه الله في مقدمة تفسيره: (فمن ادعى زيادة عليه أو نقصاناً منه، فقد أبطل الإجماع)([747]).
وقال أيضاً: (فالقائل بأن القرآن فيه زيادة ونقصان، راد لكتاب الله، ولما جاء به الرسول، وكان كمن قال: الصلوات المفروضات خمسون صلاة، وتزوج تسع من النساء حلال، وفرض الله أياماً مع شهر رمضان، إلى غير ذلك مما لم يثبت في الدين، فإذا رد هذا بالإجماع، كان الإجماع على القرآن أثبت وآكد وألزم وأوجب)([748]).
وقال أيضاً: (ومن كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كله)([749]).
التحريف في تفسير القرآن وتأويله:
للشيعة الإمامية تعسفات خطيرة في تفسير آيات القرآن، يحرفون بها القرآن بما لا تتحمله آياته ولا وجوه اللغة العربية، ويخالف الأخبار الصحيحة الواردة المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه رضي الله عنهم؛ في تفسيرها أو أسباب نزولها، وذلك لتأييد مذهبهم الشيعي ونصرته، وادعاء الإشارة إلى تولية أئمتهم، أو الوعيد لمن يخالفهم، وإنزال الآيات القرآنية في شأن الكفار على من لم يرض بمعتقداتهم.
فمن أمثلة ذلك:
* في تفسير قوله تعالى: ((وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)) [الأحزاب:72] قالوا: هي ولاية أمير المؤمنين. الأصول من الكافي (جـ1/ 413).
* في تفسير قوله تعالى: ((فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)) [التغابن:2] عن أبي عبد الله قال: (عرف الله إيمانهم بولايتنا وكفرهم بها يوم أخذ عليهم الميثاق في صلب آدم وهم ذر). (الأصول من الكافي جـ1/ 413).
* في تفسير قوله تعالى: ((لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ)) [البلد:1]* ((وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ)) [البلد:2] قال أحمد بن محمد بن عبد الله: (أمير المؤمنين وما ولد من الأئمة).
 * في تفسير قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً)) [النساء:137].
عن أبي عبد الله قال: (نزلت في فلان وفلان وفلان، آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر، وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين، ثم كفروا حين مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفراً بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء) الأصول من الكافي (جـ1/ 420).
* عن زيد الشحام عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل: ((فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ)) [عبس:24]. قال: (قلت: ما طعامه؟ قال: علمه الذي يأخذه عمن يأخذه) الكافي (جـ1/ ص:49)([750]).
* وفي تفسير قوله تعالى: ((فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [البقرة:37] قالوا: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم عليه السلام من ربه فتاب عليه، قال: قد سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت عليّ فتاب عليه)([751]).
* وفي تفسير قوله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) [الفتح:18] قالوا: وإن قالوا -أي: أهل السنة - أن أبا بكر وعمر من أهل بيعة الرضوان الذين نص على الرضا عنهم القرآن في هذه الآية من سورة الفتح، قلنا: لو أنه قال: (لقد رضي الله عن الذين يبايعونك تحت الشجرة) أو (عن الذين بايعوك)؛ لكان في الآية دلالة على الرضا عن كل من بايع، ولكن لما قال: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ)) فلا دلالة فيها إلا على الرضا عمن محض الإيمان)([752]).
* وفي تفسير قول الله تبارك وتعالى: ((أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)) [الأنعام:122] قال أبو جعفر عليه السلام: (ميتاً لا يعرف شيئاً، ونوراً: إماماً يؤتم به ((كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)) [الأنعام:122] الذي لا يعرف الإمام)([753]). الكافي (جـ1/ ص:185).
وفي قوله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) [النور:55] قال أبو عبد الله عليه السلام: (هم الأئمة)([754])الكافي (جـ1/ ص:193).
* وفي تفسير قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ)) [الحديد:28] قال أبو جعفر عليه السلام (يعني إماماً تأتمون به) الكافي (جـ1/ ص:194)([755]).
*وفي تفسير سورة النور عن أبي عبد الله عليه السلام: ((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ)) [النور:35] فاطمة عليها السلام ((فِيهَا مِصْبَاحٌ)) [النور:35] الحسن ((الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ)) [النور:35] الحسين ((الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)) [النور:35] فاطمة كوكب دري بين نساء أهل الدنيا ((يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ)) [النور:35] هو إبراهيم عليه السلام ((زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ)) [النور:35] لا يهودية ولا نصرانية ((يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ)) [النور:35] يكاد العلم ينفجر بها ((وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ)) [النور:35] إمام منها بعد إمام ((يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ)) [النور:35] يهدي الله للأئمة من يشاء ((وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ)) [النور:35].
وفي قوله تعالى: ((أَوْ كَظُلُمَاتٍ)) الأول وصاحبه ((يَغْشَاهُ مَوْجٌ)) الثالث ((مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ)) [النور:40] الثاني ((بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ)) [النور:40] معاوية لعنه الله وفتن بني أمية ((إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ)) المؤمن في ظلمة فتنتهم ((وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)) [النور:40] إماماً من ولد فاطمة عليها السلام ((فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)) إمام يوم القيامة([756]) الكافي (جـ1/ ص:195).
* وفي تفسير قوله تعالى: ((يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ)) [الصف:8].
عن أبي الحسن عليه السلام قال: (يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بأفواههم).
وفي قوله تعالى: ((وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ)) [الصف:8] قال: (والله متم الإمامة، والإمامة هي النور) وذلك قوله تعالى: ((فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا)) [التغابن:8] قال: (النور هو الإمام)([757])الكافي (جـ1/ ص:95).
* وفي قوله تعالى: ((وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)) [النحل:16] قال أبو عبد الله: (النجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والعلامات هم الأئمة عليهم السلام) الكافي (جـ1/ ص:206)([758]).
* وفي قوله تعالى: ((وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ)) [يونس:101] قال أبو عبد الله: (الآيات هم الأئمة، والنذر هم الأنبياء عليهم السلام) الكافي (جـ1/ ص:207)([759]).
 * وفي تفسير قوله تعالى: ((عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)) [النبأ:1]* ((عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)) [النبأ:2] عن أبي جعفر قال: (هي في أمير المؤمنين صلوات الله عليه، كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: ما لله عز وجل آية هي أكبر مني، ولا لله من نبأ أعظم مني) (الكافي جـ1/ (ص:207)([760]).
* وفي تفسير قوله تعالى: ((فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) [الأنبياء:7] عن أبي جعفر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الذكر أنا، والأئمة أهل الذكر» وفي قوله تعالى: ((وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ)) [الزخرف:44] قال أبو جعفر: (نحن قومه ونحن المسئولون) (الكافي جـ1/ (ص:210)([761]).
* وفي تفسير قوله تعالى: ((بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)) [العنكبوت:49] قال أبو عبد الله: (هم الأئمة عليهم السلام خاصة) الكافي (جـ1/ ص:214)([762]).
* عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لما نزلت هذه الآية: ((يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)) [الإسراء:71] قال المسلمون: يا رسول الله! ألست إمام الناس كلهم أجمعين قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا. أنا رسول الله إلى الناس أجمعين، ولكن سيكون من بعدي أئمة على الناس من الله من أهل بيتي، يقومون في الناس، فيكذبون، ويظلمهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم، فمن والاهم واتبعهم وصدقهم فهو مني ومعي وسيلقاني، ألا ومن ظلمهم وكذبهم فليس مني ولا معي، وأنا منه بريء» الكافي (جـ1/ ص:215)([763]).
وعن أبي عبد الله في قوله تعالى: ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)) [الإسراء:9] قال: (يهدي إلى الإمام) (الكافي جـ1/ (ص:216)([764]).
 * وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (ما بال أقوام غيروا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعدلوا عن وصيه؟ لا يتخوفون أن ينزل بهم العذاب، ثم تلا هذه الآية: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ)) [إبراهيم:28] ثم قال: نحن النعمة التي أنعم الله بها على عباده، وبنا يفوز من فاز يوم القيامة) (الكافي جـ1/ (ص:217)([765]).
عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: ((وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً)) [الجن:16] قال: (يعني لو استقاموا على ولاية علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، والأوصياء من ولده عليهم السلام، وقبلوا طاعتهم في أمرهم ونهيهم ((لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً)) يقول: لأشربنا قلوبهم الإيمان، والطريقة هي الإيمان بولاية علي والأوصياء) الكافي (جـ1/ ص:220)([766]).
* وعن أبي عبد الله في قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)) قال: (استقاموا على الأئمة واحداً بعد واحد) ((تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)) [فصلت:30] الكافي (جـ1/ ص:220).
* وعن أبي عبد الله في قوله تعالى: (((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ)) [الغاشية:1] قال: يغشاهم القائم بالسيف ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ)) [الغاشية:2] قال: خاضعة لا تطيق الامتناع (عَامِلَةٌ) عملت بغير ما أنزل الله ((نَاصِبَةٌ)) [الغاشية:3] نصبت غير ولاة الأمر ((تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً)) [الغاشية:4] تصلى نار الحرب في الدنيا على عهد القائم، وفي الآخرة نار جهنم) الكافي (جـ1/ ص:43)([767]).
ورد في أصول الكافي (كتاب الحجة) باب بعنوان: (باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية): وهو باب طويل ذكر فيه المؤلف ما يقرب من مائة رواية تتعلق بالموضوع)([768])، وسنذكر هنا أمثلة منها: (ونحن على يقين من أن كل ذي علم وفكر سيشعر كيف تهزأ هذه الروايات بالقرآن الكريم، وهي أمثلة سقيمة تسيء إلى روح القرآن ذاته)([769]). منها:
 * قوله تعالى: ((نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ)) [الشعراء:193]* ((عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ)) [الشعراء:194]* ((بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)) [الشعراء:195] عن الإمام الباقر قال: (هي الولاية لأمير المؤمنين عليه السلام) أصول الكافي (ص:261)([770]).
وفي قوله تعالى: ((وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)) [طه:115] أقسم الإمام جعفر الصادق أن الآية حذفت منها أسماء الأئمة وأن كمالها كالآتي: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم فنسى) أصول الكافي (ص:263)([771])والمراد أن الصحابة حذفوا ذلك من القرآن.
وفي قوله تعالى: ((وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)) [البقرة:23] عن الإمام الباقر أن جبريل نزل بهذه الآية هكذا: (إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا في علي فأتوا بسورة من مثله). أصول الكافي (ص:264)([772]).
وفي قوله تعالى: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ)) [الحجرات:7] عن الإمام جعفر الصادق قوله: (((حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)) يعني أمير المؤمنين عليه السلام ((وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)) الأول والثاني والثالث، أي: أبو بكر هو (الكفر)، وعمر هو (الفسوق)، وعثمان هو (العصيان))([773])أصول الكافي (ص:269).
(ولاشك أن من وهبهم الله نعمة العقل ونور الإيمان، يدركون تماماً طهارة الإمام جعفر الصادق والإمام الباقر، وغيرهم من آل البيت، ولسوف يدرك هؤلاء أن هذه الروايات إنما هي حلقة في سلسلة المؤامرات ضد([774]) أعداء الأمة الإسلامية، تلك الروايات التي تعد أساس المذهب الشيعي)([775]).
(والحقيقة أن من ينسبون هذه الروايات إلى هؤلاء الأئمة، إنما هم يسيئون من حيث لا يعلمون إلى المكانة العلمية والدينية لهؤلاء الأئمة)([776]).
 
التفسير بالمأثور والتفسير بالإشارة:
علم التفسير من أرفع العلوم الإسلامية قدراً، وأعلاها شأناً، ودونه كل علم من العلوم الأخرى على اختلاف أنواعها، إذ أن موضوعه كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وكل العلوم تشرف بخدمته، وما من علم منها إلا والتفسير من وسائل توضيح معانيه، وتجلية مقاصده ومراميه، ويدخل في ذلك علوم البلاغة، والفقه، وأصول الفقه، والنحو والصرف.. الخ.
وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته -رضوان الله عليهم- ما يحتاجون إليه من تفسير هذا القرآن الكريم، فهي من وظائف الرسالة: قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)) [إبراهيم:4]، وقال تعالى: ((نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ)) [الشعراء:193]* ((عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ)) [الشعراء:194]* ((بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)) [الشعراء:195] وقال تعالى: ((فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)) [القيامة:18]* ((ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)) [القيامة:19].
ويشهد لذلك ما رواه الصحابة رضوان الله عليهم؛ مأخوذاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير القرآن، وما ورد عنهم من ذم التكلم في كتاب الله بالرأي، لذا تباينت قدراتهم في فهم القرآن وتفسيره، رغم نزوله بلغتهم.
وهناك مناهج واتجاهات متعددة في تفسير القرآن، والتفسير المعتبر منها هو التفسير بالمأثور، ويقصد بالتفسير المأثور: تفسير القرآن بما ورد ونقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم في تفسير القرآن، وما نقل عن صحابته رضوان الله عليهم، وما نقل عن التابعين في ذلك.
وقد اختلف في الاعتداد بأقوال التابعين في التفسير، هل هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرأي، ولكن دأب أصحاب التفسير بالمأثور على نقل أقوال التابعين، بجوار ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته، بل والاعتماد عليها عند فقد نقولات عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته([777]).
 وقد تطور هذا المنهج وقوي بظهور عصر التدوين، حيث دونت أحاديث كثيرة تتعلق بتفسير القرآن، مما دعا إلى إفراد مصنفات وأجزاء من المصنفات الحديثية تتعلق بالتفسير وحده، وذلك لتحري الدقة والصحة فيما جمع ونقل، وأتبع ذلك جمع أقوال مشاهير الصحابة والتابعين في موسوعات خاصة بالتفسير.
ولكن مع ظهور تفاسير لم يتحر أصحابها الصحة فيما يروون، ولم يذكروا الأسانيد، تطرق الضعف إلى الكثير من كتب التفسير بالمأثور، بل دخلتها الإسرائيليات المأخوذة عن أهل الكتاب، عن طريق من تعلم أو نقل من كتبهم([778])، ولذا عمد الكثير من السائرين على التفسير المأثور من المتأخرين، على تحري الصحة في النقل، وحذف ما ثبت ضعفه، وما أخذ عن أهل الكتاب من الإسرائيليات، فأعيد بذلك لمنهج التفسير بالمأثور قوته وتأثيره، ومن أشهر وأفضل وأدق كتب التفسير بالمأثور: تفسير الطبري، تفسير ابن كثير، تفسير الدر المنثور للسيوطي، ومعالم التنزيل للبغوي، ويليها تفسير القرطبي، وأضواء البيان للشنقيطي، والعمدة لـأحمد شاكر.
* أما التفسير بالإشارة والتأويل: فهذا منهج في التفسير فتح الباب لأهل البدع والضلالة، في التلاعب بآيات كتاب الله تعالى، والمقصود به تأويل آيات الكتاب على خلاف ما يظهر منها، بمقتضى إشارات خفية، أو لنصرة آراء ومذاهب مخالفة للكتاب والسنة.
فمن ذلك تفسيرات الصوفية للقرآن، فيدعي المفسر الصوفي أنه قد بلغ بالرياضة الروحية، درجة تتكشف له فيها معانٍ قدسية من المعارف الإلهية يحمل عليها الآيات، فلا يحمل الآية على معناها الظاهر منها فقط، بل يُحمِّلها معنى آخر لا ينساق الذهن إليه، ولا يدرك بالاجتهاد في العلم، ولكن بالاجتهاد في مجاهدة النفس، إذ أن هذه الإشارات فتوحات ربانية، والغالب في هذه التفاسير أنها شطحات مرفوضة.
مثاله: قول سهل التستري في تفسير قوله تعالى: ((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ)) [آل عمران:96] أول بيت وضع للناس بيت الله عز وجل بـمكة، هذا هو الظاهر، وباطنها: الرسول، يؤمن به من أثبت الله في قلبه التوحيد من الناس.
ومن ذلك تأويل الرافضة والباطنية لكتاب الله على غير مراده، فيترك المعنى الظاهر، ويذكر معنى موافقاً لعقيدته المخالفة للكتاب والسنة، مدعياً أن هذا هو تأويلها وباطنها، وقد ينسب ذلك إلى إمام الطائفة أو زعيمها ليقبلها الأتباع.
مثال: قول الشيعة -قبحهم الله- في تفسير قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً)) [البقرة:67] قالوا: عائشة!!! وتأويل الباطنية الصيام على أن المراد به حفظ أسرار المذهب وكتمانه.
يتبين من ذلك بوضوح أن الشيعة الإمامية -حتى مع القول بسلامة آيات القرآن من التحريف- فإنهم قد (احتفظوا بحق فهمه وتفسيره، فكذبوا على الله ورسوله الأمين، وجاءوا بأقوال تخالف أصول الإسلام وإجماع المسلمين)([779]).
 
موافقة المعتزلة في نظرتهم للقرآن:
قال الدكتور عبد الله الغريب في كتابه وجاء دور المجوس (جـ1/ ص:120): (وعقيدتهم من جانب آخر في القرآن، لا تختلف عن عقيدة المعتزلة، فهم يرون أن القرآن محدث لم يكن ثم كان) اهـ.
وقال محمد جواد مغنية في كتابه الشيعة في الميزان: (قال السنة: القرآن كلام الله، وشأن من شؤونه، والله قديم، فالقرآن قديم([780]). وقال الإمامية: إنه محدث وليس بقديم، وأن الله سبحانه خلق الكلام كما خلق سائر الأشياء، أي أوجد حروفاً وأصواتاً في أجسام دالة على المراد) اهـ([781]).
موافقتهم المعتزلة في القول بخلق العباد لأفعالهم:
إن الشيعة الإثني عشرية يقولون: إن أفعال العباد غير مخلوقة لله([782]). فـ (مذهب الإمامية هو عين مذهب المعتزلة في أفعال العباد)([783])، يقول شيخهم الحر العاملي صاحب الموسوعة الشيعية الكبرى وسائل الشيعة في كتابه الفصول المهمة في معرفة أصول الأئمة، تحت الباب السابع والأربعين: باب إن الله سبحانه خالق كل شيء إلا أفعال العباد قال: (أقول: مذهب الإمامية والمعتزلة أن أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها)([784]).
 وقد أقر بذلك شيخ الشيعة المفيد في كتابه أوائل المقالات، وإن كره إطلاق لفظ خالق على أحد من العباد، وقال في كتابه هذا تحت باب القول في العدل والخلق، وعلى هذا القول جمهور أهل الإمامة، وبه تواترت الآثار عن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإليه يذهب المعتزلة بأسرها إلا ضراراً منها وأتباعه، وخالف فيه جمهور العامة -أي: أهل السنة -.([785])
وهم يروون القول بذلك عن الأئمة: فعن أبي الحسن الثالث عليه السلام أنه سئل عن أفعال العباد: هل هي مخلوقة؟ فقال عليه السلام: (لو كان خا