آخر تحديث للموقع :

السبت 13 رجب 1444هـ الموافق:4 فبراير 2023م 09:02:11 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الفرقة الناجية ومصطلح أهل السنة والجماعة ..

قال الرافضي :  (( الوجه الثاني : في الدلالة على وجوب اتّباع مذهب الإمامية : ما قاله شيخنا الإمام الأعظم خواجه نصير الملة والحق والدين محمد بن الحسن الطوسي ، قدّس الله روحه ، وقد سألته عن المذاهب فقال : بحثنا عنها وعن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقه ،منها فرقة ناجية ، والباقي فى النار))([1])  ، وقد عين الفرقة الناجية والهالكة في حديث أخر صحيح متفق عليه ، وهو قوله : (( مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح : من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق )) ، فوجدنا الفرقه الناجية هي فرقة الإمامية، لأنهم باينوا جميع المذاهب، وجميع المذاهب قد اشتركت في أصول العقائد )).

فيقال : الجواب من وجوه:

أحدها : أن هذا الإمامي قد كَّفر من قال : ان الله موجب بالذات ، كما تقدم من قوله : يلزم أن يكون الله موجباً بذاته لا مختارا فيلزم الكفر .

وهذا الذي جعله شيخه الأعظم واحتج بقوله، هو ممن يقول بأن الله موجب بالذات ، ويقول بقدم العالم،كما ذكرذلك فى كتاب ((شرح الإشارات)) له. فيلزم على قوله أن يكون شيخه هذا الذي احتج به كافراً، والكافر لا يُقبل قوله في دين المسلمين .

الثاني: أن هذا الرجل قد اشتهر عند الخاص والعام أنه كان وزير الملاحدة الباطنية الإسماعيلية بالألموت([2]، ثم لما قدم الترك المشركون الى بلاد المسلمين ، وجاءوا الى بغداد ،دار الخلافة ، كان هذا منجما مشيرا لملك الترك المشركين هولاكو أشار عليه بقتل الخليفة ، وقتل أهل العلم والدين، واستبقاء أهل الصناعات والتجارات الذين ينفعونه في الدنيا ، وأنه استولى على الوقف الذي للمسلمين ، وكان يعطي منه ما شاء الله لعلماء المشركين وشيوخهم من البخشية السحرة وأمثالهم وأنه لما بنى الرَّصد الذي بمراغة على طريق الصابئة المشركين ، كان أبخس الناس نصيبا منه من كان إلى أهلِ الملل أقرب ، وأوفرهم نصيبا من كان أبعدهم عن الملل ، مثل الصابئة المشركين ومثل المعطّلة وسائر المشركون ، وإن ارتزقوا بالنجوم والطب ونحو ذلك .

ومن المشهور عنه وعن أتباعه الاستهتار بواجبات الإسلام ومحرَّماته، لا يحافظون على الفرائض كالصلوات ، ولا ينزعون من محارم الله من الفواحش والخمر وغير ذلك من المنكرات ، حتى أنهم في شهر رمضان يُذكر عنهم من إضاعة الصلوات ، وارتكاب الفواحش ، وشرب الخمر ما يعرفه أهل الخبرة بهم ، ولم يكن لهم قوة وظهور إلا مع المشركين ، الذين دينهم شر من دين اليهود والنصارى .

ولهذا كان كلما قوى الإسلام في المغل  وغيرهم من ترك ، ضعف أمر هؤلاء لفرط معاداتهم للإسلام وأهله . ولهذا كانوا من أنقص الناس منزلة عند الأمير نوروز المجاهد في سبيل الله الشهيد ، الذي دعا ملك المغل غازان إلى الإسلام ، والتزم له أن ينصره إذا أسلم ، وقتل المشركين الذين لم يسلموا من البخشية السحرة وغيرهم ، وهدم البذخانات ، وكسر الأصنام ومزق سدنتها كل ممزق ، وألزم اليهود والنصارى بالجزية والصغار ، وبسببه ظهر الإسلام في المغل وأتباعهم .

وبالجملة فأمر هذا الطوسى وأتباعه عند المسلمين أشهر وأعرف من أن يعرف ويوصف . ومع هذا فقد قيل : إنه كان آخر عمره يحافظ على الصلوات الخمس ويشتغل بتفسير البغوى والفقه ونحو ذلك . فإن كان قد تاب من الإلحاد فالله يقبل التوبة عن عباده ، ويعفو عن السيئات . والله تعالى يقول: ]َيا عباِديَ  الَّذِينَ أَسْرَفوا عَلَى أنفسِهِمْ لا تَقْنَطوا مِن رَّحْمَة الله إنَّ اللهَ يَغْفِر الذُنوبَ جميعا [([3].

لكن ما ذكره عن هذا ، إن كان قبل التوبة لم يُقبل قوله ، وإن كان بعد التوبة لم يكن قد تاب من الرفض ، بل من الإلحاد وحده . وعلى التقديرين فلا يُقبل قوله . والأظهر أنه إنما كان يجتمع به وبأمثاله لما كان منجما للمغل المشركين ، والإلحاد معروف من حاله إذ ذلك .

 فمن يقدح في مثل أبي بكر وعمر وعثمان ، وغيرهم من السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار ، ويطعن على مثل مالك والشافعي وأي حنيفة وأحمد بن حنبل وأتباعهم ، ويعيرهم بغلطات بعضهم في مثل إباحة الشطرنج والغناء ، كيف يليق به أن يحتج لمذهبه بقول مثل هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرِّمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق ، ويستحلون المحرَّمات المجمع على تحريمها ، كالفواحش والخمر ، في مثل شهر رمضان ، الذين أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات ، وخرقوا سياج الشرائع ، واستخفّوا بحرمات الدين ، وسلكوا غير طريق المؤمنين ، فهم كما قيل فيهم :

الدين يشكو بليــة         من فرقة فلسفـية

لا يشهدون صـلاة         إلا لأجـل التقيـة

ولا ترى الشرع إلا         سياسـة مـدنـية

          ويؤثـرون عليـه          مناهجـافلسـفيـة

ولكن هذا حال الرافضة : دائما يعادون أولياء الله المتقين ـ من السابقين الأولين ،من المهاجرين والأنصار ، والذين اتّبعوا بإحسان ، ويوالون الكفّار والمنافقين . فإن أعظم الناس نفاقا في المنتسبين إلى الإسلام هم الملاحدة الباطنية الإسماعيلية ، فمن احتج بأقوالهم في نصرة قوله ، مع ما تقدم من طعنه على أقوال أئمة المسلمين  كان من أعظم الناس موالاة لأهل النفاق ، ومعاداة لأهل الإيمان .

ومن العجب أن هذا المصنف الرافضي الخبيث الكذّاب المفتري ، يذكر  أبا بكر وعمر وعثمان ، وسائر السابقين والأوَّلين والتابعين ، وسائر أئمة المسلمين ، من أهل العلم والدين بالعظائم التي يفتريها عليهم هو وإخوانه، ويجيء إلى من قد اشتُهر عند المسلمين بمحادته لله ورسوله ، فيقول : ((قال شيخنا الأعظم )) ، ويقول ((قدس الله روحه )) مع شهادته بالكفر عليه وعلى أمثاله ،ومع لعنة طائفته لخيار المؤمنين من الأولين والآخرين .

وهؤلاء داخلون في معنى قوله تعالى : ] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً . أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ  نَصِيرًا [([4]).

فإن هؤلاء الإمامية أوتوا نصيبا من الكتاب ، إذ كانوا مقرِّين ببعض ما في الكتاب المنزَّل ، وفيهم شعبة من الإيمان بالجبت وهو السحر ، والطاغوت وهو كل ما يعبد من دون الله ، فإنهم يعظِّمون الفلسفة المتضمنة لذلك ، ويرون الدعاء والعبادة للموتى ، واتخاذ المساجد على القبور ، ويجعلون السفر إليها حجا له مناسك ، ويقولون : (( مناسك حج المشاهد )).

وحدثني الثقات أن فيهم من يرون الحج إليها أعظم من الحج إلى  البيت العتيق، فيرون الإشراك بالله أعظم من عبادة الله ، وهذا من أعظم الإيمان بالطاغوت .

وهم يقولون لمن يقرُّون بكفره من القائلين بقدم العالم ودعوة الكواكب، والمسوِّغين للشرك : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ، فإنهم فضّلوا هؤلاء الملاحدة المشركين على السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. وليس هذا ببدع من الرافضة ، فقد عُرف من موالاتهم لليهود والنصارى والمشركين ،ومعاونتهم على قتال المسلمين ، ما يعرفه الخاص والعام ، حتى قيل : أنه ما اقتتل يهودي ومسلم ، ولا مشرك ومسلم  إلا كان الرافضي مع اليهودي والنصراني والمشرك.

الوجه الثالث : أنه قد عرف كل أحد أن الإسماعيلية والنصيرية  هم من الطوائف الذين يظهرون التشيع ، وإن كانوا في الباطن كفّاراً منسلخين عن كل ملة ، والنصيرية هم من غلاة الرافضة الذين يدّعون إلهية عليّ وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى باتفاق المسلمين .

والإسماعيلية الباطنية أكفر منهم ، فإن حقيقة قولهم التعطيل . أما أصحاب الناموس الأكبر والبلاغ الأعظم ، الذي هو آخر المراتب عندهم ، فهم من الدهرية القائلين بأن العالم لا فاعل له : لا علة ولا خالق . ويقولون : ليس بيننا وبين الفلاسفة خلاف إلا في واجب الوجود ، ، فإنهم يثبتونه ، وهو شيء لا حقيقة له ، ويستهزئون بأسماء الله عز وجل ، ولا سيما هذا الاسم الذي هو الله ، فإن منهم من يكتبه على أسفل قدميه ويطؤه .

وأما من هو دون هؤلاء فيقول بالسابق وبالتالي ، الذين عبّروا بهما عن العقل والنفس عند الفلاسفة ، وعن النور والظلمة عند المجوس ، وركَّبوا لهم مذهبا من مذاهب الصابئة والمجوس ظاهره التشيع .

ولا ريب أن المجوس والصابئة شر من اليهود والنصارى ، ولكن تظاهروا بالتشيع .

قالوا :لأن الشيعة أسرع الطوائف استجابة لنا ، لما فيهم من الخروج عن الشريعة ، ولما فيهم من الجهل وتصديق المجهولات .

ولهذا كان أئمتهم في الباطن فلاسفة ، كالنصير الطوسي هذا ، وكسنان البصري الذي كان بحصونهم بالشام ، وكان يقول : قد رَفَعت عنهم الصوم والصلاة والحج والزكاة .

فإذا كانت الإسماعيلية إنما يتظاهرون في الإسلام بالتشيع ، ومنه دخلوا وبه ظهروا ، وأهله هم المهاجرين إليهم ، لا إلى الله ورسوله ، وهم أنصارهم لا أنصار الله ورسوله  عُلم أن شهادة الإسماعيلية للشيعة بأنهم على حق شهادة مردودة باتفاق العقلاء .

فإن هذا الشاهد : إن كان يعرف أن ما هو عليه مخالف لدين الإسلام في الباطن ، وإنما أظهر التشيع لينفق به عند المسلمين ، فهو محتاج إلى تعظيم التشيع ، وشهادته له شهادة المرء نفسه ، فهو كشهادة الآدمي لنفسه ، لكنه في هذه الشهادة يعلم أنه يكذب ، وإنما كذب فيها كما كذب في سائر أحواله ، وإن كان يعتقد دين الإسلام في الباطن ، ويظن أن هؤلاء على دين الإسلام ، كان أيضا شاهداً لنفسه ، لكن مع جهله وضلاله .

وعلى التقديرين فشهادة المرء لنفسه لا تُقبل ، سواء علم كذب نفسه أو اعتقد صدق نفسه . كما في السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : (( لا تُقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي غمر على أخيه ))([5]. وهؤلاء خصمان أظِنّاء متهمون ذو غمر على أهل السنة والجماعة ، فشهادتهم مردودة بكل طريق .

الوجه الرابع : أن يُقال : أولا أنتم قوم لا تحتجون بمثل هذه الأحاديث، فإن هذا الحديث إنما  يرويه أهل السنة بأسانيد أهل السنة ، والحديث نفسه ليس في الصحيحين ، بل قد طعن فيه بعض أهل الحديث كابن حزم وغيره ، ولكن قد رواه أهل السنن ، كأبي داود والترمذي وابن ماجة ، ورواه أهل المسانيد ، كالإمام أحمد وغيره([6])  .

فمن أين لكم على أصولكم ثبوته حتى تحتجوا به ؟ وبتقدير ثبوته فهو من أخبار الآحاد ، فكيف يجوز أن تحتجوا في أصل من أصول الدين وإضلال جميع المسلمين  إلا فرقة واحدة  بأخبار الآحاد التي لا يحتجون هم بها في الفروع العملية ؟!.

وهل هذا إلا من أعظم التناقض والجهل ؟!

الوجه الخامس :  أن الحديث روى تفسيره فيه من وجهين : أحدهما : أنه صلى الله تعالى عليه وسلم سأل عن الفرقة الناجية ، فقال : (( من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي )) وفي الرواية الأخرى قال : (( هم الجماعة )). وكل من التفسيرين يناقض قول الإمامية ، ويقتضي أنهم خارجون عن الفرقة الناجية ، فإنهم خارجون عن جماعة المسلمين : يكفرون أو يفسِّقون أئمة الجماعة ، كأبي بكر وعمر وعثمان ، دع معاوية وملوك بني أمية وبني العباس ، وكذلك يكفِّرون أو يفسِّقون علماء الجماعة وعبّادهم ، كمالك والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وأمثال هؤلاء ، وهم أبعد الناس عن معرفة سير الصحابة والإقتداء بهم ، لا في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا بعده ، فإن هذا إنما يعرفه أهل العلم بالحديث والمنقولات ، والمعرفة بالرجال الضعفاء والثقات ، وهم من أعظم الناس جهلا بالحديث وبغضا له ، ومعاداة  لأهله ، فإذا كان وصف الفرقة الناجية : أتباع الصحابة على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وذلك شعار السنة والجماعة  كانت الفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة ، فالسنة ما كان صلى الله تعالى عليه وسلم هو وأصحابه عليه في عهده ، مما أمرهم به وأقرَّهم عليه أو فعله هو ، والجماعة هم المجتمعون الذين ما فرَّقوا دينهم وكانوا شيعا ، فالذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعا خارجون عن الجماعة قد برَّأ الله نبيه منهم ، فعُلم بذلك أن هذا وصف أهل السنة و الجماعة ، لا وصف الرافضة، وأن هذا الحديث وصف الفرقة الناجية باتّباع سنته التي كان عليها هو وأصحابه ، وبلزوم جماعة المسلمين .

فإن قيل : فقد قال في الحديث : (( من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي )) ، فمن خرج عن تلك الطريقة بعده لم يكن على طريقة الفرقة الناجية ، وقد ارتد ناس بعده فليسوا من الفرقة الناجية .

قلنا : نعم وأشهر الناس بالردة خصوم أبي بكر الصديقرضي الله عنه وأتباعه كمسيلمة الكذَّاب وأتباعه وغيرهم . وهؤلاء تتولاهم الرافضة كما ذكر ذلك غير واحد من شيوخهم ، مثل هذا الإمامي وغيره ، ويقولون : إنهم كانوا على حق ، وأن الصديق قاتلهم بغير حق . ثم مِن  أظهر الناس ردة الغالية الذين حرَّقهم علي ّرضي الله عنه بالنار لما ادّعوا فيه الإلهية وهم السبائية أتباع عبد الله بن سبأ الذين أظهروا سب أبي بكر وعمر .

وأول من ظهر عنه دعوى النبوة من المنتسبين إلى الإسلام المختار بن أبي عبيد وكان من الشيعة ، فعُلم أن أعظم الناس ردة هم في الشيعة أكثر منهم في سائر الطوائف ، ولهذا لا يُعرف ردة أسوأ حالا من ردة الغالية كالنصيرية ، ومن ردة الإسماعيلية الباطنية ونحوهم ، وأشهر الناس بقتال المرتدين هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، فلا يكون المرتدون في طائفة أكثر منها في خصوم أبي بكر الصديق ، فدل ذلك على أن المرتدين الذين لم يزالوا مرتدين على أعقابهم ، هم بالرافضة أوْلى منهم بأهل السنة والجماعة .

وهذا بيِّن يعرفه كل عاقل يعرف الإسلام وأهله ، ولا يستريب أحد أن جنس المرتدين في المنتسبين إلى التشيع أعظم وأفحش كفرا من جنس المرتدين المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة ، إن كان فيهم مرتد.

الوجه السادس : أن يقال : هذه الحجة التي احتج بها الطوسي على أن الإمامية هم الفرقة الناجية كذب في وصفها ، كما هي باطلة في دلالتها  . وذلك أن قوله : (( باينوا جميع المذاهب ، وجميع المذاهب قد اشتركت في أصول العقائد )) إن أراد بذلك أنهم باينو جميع  المذاهب فيما اختصوا به ، فهذا شأن جميع المذاهب ، فإن الخوارج أيضا باينوا جميع المذاهب فيما اختصوا به من التكفير بالذنوب ، ومن تكفير علي رضي الله عنه ، ومن إسقاط طاعة الرسول فيما لم يخبر به عن الله ، وتجويز الظلم عليه في قسْمهِ والجور في حكمه ، وإسقاط اتّباع السنة المتواترة التي تخالف ما يُظن  أنه ظاهر القرآن ، كقطع السارق من المنكب وأمثال ذلك .

الوجه السابع : أن يُقال : مباينتهم لجميع المذاهب هو على فساد قولهم أدل منه على صحة قولهم ؛ فإن مجرد انفراد طائفة عن جميع الطوائف لا يدل على أنه هو الصواب ، واشتراك أولئك في قول لا يدل على أنه باطل.

فإن قيل : إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جعل أمته ثلاثا وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، فدل على أنها لا بد أن تفارق هذه الواحدة سائر الاثنتين وسبعين فرقة .

قلنا : نعم . وكذلك يدل الحديث على مفارقة الثنتين وسبعين بعضها بعضا ، كما فارقت هذه الواحدة . فليس في الحديث ما يدل على اشتراك الثنتين والسبعين في أصول العقائد ، بل ليس في ظاهر الحديث إلا مباينة الثلاث والسبعين كل طائفة للأخرى . وحينئذ فمعلوم  أن جهة الافتراق جهة ذم لا جهة مدح ، فإن الله تعالى أمر بالجماعة والائتلاف ، وذم التفريق والاختلاف،  فقال تعالى : ]واْعتَصِموا بِحَبْلِ اللهِ جميعًا وَلا تَفَرَّقوا [([7] وقال : ]وَلاَ تَكُونوا كالَّذينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّنَاتْ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظيمٌ . يَوْمَ تَبْيَضْ وُجوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجوهٌ فَأَمّا الَّذينَ اسْوَدَّتْ وُجوهُهُم[ ([8].

قال ابن عباس وغيره : تبيض وجوه أهل السنة وتسودُّ وجوه أهل البدعة والفرقة . وقال تعالى : ]إنَّ الَّذينَ فَرَّقوا دِينَهُمْ وَكانوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْءٍ [([9]وقال : ]وَما اخْتَلَفَ فيهِ إِلاّ الَّذينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَينَهُم [([10] وقال: ] وَما تَفَرَّقَ الَّذينَ اُوتوا الكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ [([11]) .

وإذا كان كذلك فأعظم الطوائف مفارقة للجماعة و افتراقا في نفسها أولى الطوائف الذم ، و أقلها افتراقا ومفارقة للجماعة أقربها إلى الحق . وإذا كانت الإمامية أوْلى بمفارقة  سائر طوائف الأمة فهم أبعد عن الحق ، لا سيما وهم في أنفسهم أكثر اختلافا من جميع فرق الأمة ، حتى يقال : إنهم ثنتان وسبعون فرقة . وهذا القدر فيما نقله عن هذا الطوسي بعضُ أصحابه، وقال : كان يقول : الشيعة تبلغ فرقهم ثنتين وسبعين فرقة ، أو كما قال . وقد صنَّف الحسن بن موسى النوبختي وغيره في تعديد فرق الشيعة .

وأما أهل الجماعة فهم أقل اختلافا في أصول دينهم من سائر الطوائف، وهم أقرب إلى كل طائفة من كل طائفة إلى  ضدّها ، فهم الوسط في أهل الإسلام كما أن أهل الإسلام هم الوسط في أهل الملل : هم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل وأهل التمثيل .

وقال صلى الله تعالى عليه وسلم : (( خير الأمور أوسطها )) وحينئذ أهل السنة والجماعة خير الفرق.

وفي باب القدر بين أهل التكذيب به وأهل الاحتجاج به ، وفي باب الأسماء والأحكام بين الوعيدية والمرجئة ، وفي باب الصحابة بين الغلاة والجفاة ، فلا يغلون في عليّ غلو الرافضة ، ولا يكفِّرونه تكفير الخوارج ، ولا يكفِّرون أبا بكر وعثمان كما تكفِّرهم الروافض ، ولا يكفِّرون عثمان وعليا كما يُكفرهما الخوارج .

الوجه الثامن : أن يقال : إن الشيعة ليس لهم قول واحد اتفقوا عليه ، فإن القول الذي ذكره هذا قول من أقوال الإمامية ، ومن الإمامية طوائف تخالف هؤلاء في التوحيد والعدل ، كما تقدم حكايته . وجمهور الشيعة تخالف الإمامية في الاثنى عشر ، فالزيدية والإسماعيلية وغيرهم متفقون على إنكار إمامة الاثنى عشر.

وهؤلاء الإمامية الاثنا عشرية يقولون : إن أصول الدين أربعة : التوحيد ، والعدل ، والنبوة ، والإمامة. وهم مختلفون في التوحيد والعدل والإمامة . وأما النبوة فغايتهم أن يكونوا مقرِّين بها كإقرار سائر الأمة. واختلافهم في الإمامة أعظم من اختلاف سائر الأمة ، فإن قالت الاثنا عشرية : نحن أكثر من هذه الطوائف ، فيكون الحق معنا دونهم . قيل لهم : وأهل السنة أكثر منكم ، فيكون الحق معهم دونكم ، فغايتكم أن تكون سائر فرق الإمامية معكم بمنزلتكم مع سائر المسلمين ، والإسلام هو دين الله الذي يجمع أهل الحق .

 (فصـــل )

قال الرافضي : ((الوجه الثالث:أن الإمامية جازمون بحصول النجاة لهم ولأئمتهم ، قاطعون بذلك ، وبحصول ضدها لغيرهم . وأهل السنة لا يجيزون ولا يجزمون بذلك لا لهم ولا لغيرهم . فيكون اتّباع أولئك أوْلى ، لأنَّا لو فرضنا مثلا خروج شخصين من بغداد يريدان الكوفة ، فوجدا طريقين سلك كل منهما طريقا ، فخرج ثالث يطلب الكوفة : فسأل أحدهما : إلى أين تذهب؟ فقال إلى الكوفة . فقال له : هل طريقك توصلك إليها ؟ وهل طريقك آمن أم مخوف ؟ وهل طريق صاحبك تؤديه إلى الكوفة ؟ وهل هو آمن أم مخوف ؟ فقال : لا أعلم شيئا من ذلك . ثم سأل صاحبه فقال أعلم أن طريقي يوصِّلني إلى الكوفة ، وأنه آمن ، وأعلم أن طريق صاحبي لا يؤديه إلى الكوفة ، وأنه ليس بآمن ، فإن الثالث إن تابع الأول عدَّه العقلاء سفيها ، وإن تابع الثاني نُسب إلى الأخذ بالحزم )) .

هكذا ذكره في كتابه ، والصواب أن يُقال : وسأل الثاني فقال له الثاني: لا أعلم أن طريقي تؤديني إلى الكوفة ولا أعلم أنه آمن أم مخوف .

والجواب على هذا من وجوه :

أحدها :أن يُقال : إن كان اتّباع الأئمة الذين تُدَّعى لهم الطاعة المطلقة، وأن ذلك يوجب لهم النجاة واجبا ، كان اتّباع خلفاء بني أمية الذين كانوا يوجبون طاعة أئمتهم طاعة مطلقة ويقولون : إن ذلك يوجب النجاة مصيبين على الحق ، وكانوا في سبِّهم عليا وغيره وقتالهم لمن قاتلوه من شيعة عليّ مصيبين ، لأنهم كانوا يعتقدون أن طاعة الأئمة واجبة في كل شيء ، وأن الإمام لا يؤاخذه الله بذنب ، وأنه لا ذنب لهم فيما أطاعوا فيه الإمام ، بل أولئك أوْلى بالحجة من الشيعة ، لأنهم كانوا مطيعين أئمة أقامهم الله ونصيهم وأيّدهم وملّكهم ، فإذا كان مذهب القدرية أن الله لا يفعل إلا ما هو الأصلح لعباده ،كان تولية أولئك الأئمة مصلحة لعباده .

ومعلوم ان اللطف والمصلحة التي حصلت بهم أعظم من اللطف والمصلحة التي حصلت بإمام معدوم أو عاجز . ولهذا حصل لاتّباع خلفاء بني أمية من المصلحة في دينهم ودنياهم ، أعظم مما حصل لاتّباع المنتظر ؛ فإن هؤلاء لم يحصل لهم إمام يأمرهم بشيء من المعروف ، ولا ينهاهم عن شيء من المنكر ، ولا يعينهم على شيء من مصلحة دينهم ولا دنياهم ، بخلاف أولئك ؛ فإنهم انتفعوا بأئمتهم منافع كثيرة في دينهم ودنياهم ، أعظم مما انتفع هؤلاء بأئمتهم .

فتبين أنه إن كانت حجة هؤلاء المنتسبين إلى مشايعة علي ّرضي الله عنه صحيحة ، فحجة أولئك المنتسبين إلى مشايعة عثمانرضي الله عنه أوْلى بالصحة ، وإن كانت باطلة فهذه أبطل منها . فإذا كان هؤلاء الشيعة متفقين مع سائر أهل السنة على أن جزم أولئك بنجاتهم إذا أطاعوا  أولئك الأئمة طاعة مطلقة خطأ وضلال ، فخطأ هؤلاء وضلالهم إذا جزموا بنجاتهم لطاعتهم لمن يدّعي أنه نائب المعصوم  والمعصوم لا عين له ولا أثر  أعظم وأعظم ؛ فإن الشيعة ليس لهم أئمة يباشرونهم بالخطاب ، إلا شيوخهم الذين يأكلون أموالهم بالباطل، ويصدّونهم عن سبيل الله.

الوجه الثاني : أن هذا المثل إنما كان يكون مطابقاً لو ثبت مقدمتان : إحداهما : أن لنا إماما معصوماً.  والثانية : أنه أمر بكذا وكذا . وكلتا المقدمتين غير معلومة ، بل باطلة . دع المقدمة الأولى ، بل الثانية ، فإن الأئمة الذين يدّعى فيهم العصمة قد ماتوا منذ سنين كثيرة ، والمنتظر له غائب أكثر من أربعمائة وخمسين سنة ، وعند آخرين هو معدوم لم يوجد . والذين يُطاعون شيوخ من شيوخ الرافضة ، أو كتب صنّفها بعض شيوخ الرافضة ، وذكروا أن ما فيها منقول عن أولئك المعصومين . وهؤلاء الشيوخ المصنِّفون ليسوا معصومين بالاتفاق ، ولا مقطوعاً لهم بالنجاة .

فإذاً الرافضة لا يتّبعون   إلا أئمة لا يقطعون بنجاتهم ولا سعادتهم ، فلم يكونوا قاطعين لا بنجاتهم ، ولا بنجاة أئمتهم الذين يباشرونهم بالأمر والنهي ، وهم أئمتهم ، وإنما هم في انتسابهم إلى أولئك الأئمة ، بمنزلة كثير من أتباع شيوخهم الذين ينتسبون إلى شيخ قد مات من مدة ،ولا يدرون بماذا أمر ، ولا عماذا نهى ، بل له اتباع يأكلون أموالهم بالباطل ويصدون عن سبيل الله ، يأمرونهم بالغلو في ذلك الشيخ وفي خلفائه ، وأن يتخذوهم أربابا ، وكما تأمر شيوخ الشيعة أتباعهم ، وكما تأمر شيوخ النصارى أتباعهم ، فهم يأمرونهم بالإشراك بالله وعبادة غير الله ،  ويصدونهم  عن سبيل الله ، فيخرجون عن حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله ، فإن التوحيد أن نعبد الله وحده ، فلا يُدعى إلا هو ، ولا يُخشى إلا هو ، ولا يتقى إلا هو ، ولا يتوكل إلا عليه ، ولا يكون الدين إلا له ، لا لأحد من الخلق ، وأن لا نتخذ الملائكة والنبيين أرباباً ، فكيف بالأئمة والشيوخ والعلماء والملوك وغيرهم !؟

والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم هو المبلِّغ عن الله أمره ونهيه ، فلا يُطاع مخلوق طاعة مطلقة إلا هو ، فإذا جُعل الغمام والشيخ كأنه إله يُدعى مع مغيبه وبعد موته ، ويُستغاث به ، ويُطلب منه الحوائج ، والطاعة إنما هي لشخص حاضر يأمر بما يريد ، وينهى عمّا يريد كان الميت مشبَّها بالله تعالى، والحي مشبهاً برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فيخرجون عن حقيقة الإسلام الذي أصله شهادة أن لا إله إلا الله ، وشهادة أن محمداً رسول الله .

ثم إن كثيراً منهم يتعلّقون بحكايات تُنقل عن ذلك الشيخ ، وكثير منها كذب عليه ، وبعضها خطأ منه ، فيَعدِلون عن النقل الصدق عن القائل المعصوم إلى نقل غير مصدَّق عن قائل غير معصوم . فإذا كان هؤلاء مخطئين في هذا ، فالشيعة أكثر وأعظم خطأ ، لأنهم أعظم كذبا فيما ينقلونه عن الأئمة ، وأعظم غلوا في دعوى عصمة الأئمة .

الوجه الثالث : منع الحكم في هذا المثال الذي ضربه وجعله أصلا قاس عليه،فان الرجل إذا قال له أحد الرجلين:طريقى آمن يوصلني،وقال له الآخر:لا علم لي بأن طريقي آمن يوصلني،أو قال ذلك الأول ، لم يحسن في العقل تصديق الأول بمجرد قوله ، بل يجوز عند العقلاء أن يكون هذا محتالا عليه ، يكذب حتى يصحبه في الطريق فيقتله ويأخذ ماله ، ويجوز أن يكون جاهلا لا يعرف ما في الطريق من الخوف ، وأما ذاك الرجل فلم يضمن للسائل شيئا ، بل رده إلى نظره ، فالحزم في مثل هذا أن ينظر الرجل أيّ الطريقين أولى بالسلوك : أحد ذينك الطريقين أو غيرهما .

فتبين أن مجرد الإقدام على الحزم لا يدل على علم صاحبه ولا على صدقه، وأن التوقف والإمساك حتى يتبين الدليل هو عادة العقلاء .

الوجه الرابع : أن يقال : قوله : (( إنهم جازمون بحصول النجاة لهم دون أهل السنة )) كذب ، فإنه إن أراد بذلك أن كل واحد ممن اعتقد اعتقادهم يدخل الجنة ، وإن تَرَك الواجبات وفَعَل المحرمات ، فليس هذا قول الإمامية ، ولا يقوله عاقل .

وإن كان حب عليّ حسنة لا يضر معها سيئة ، فلا يضره ترك الصلوات ، ولا الفجور بالعلويّات ، ولا نيل أغراضه بسفك دماء بني هاشم إذا كان يحب عليًّا .

فإن قالوا : المحبة الصادقة تستلزم الموافقة ، عاد الأمر إلى أنه لا بد من أداء الواجبات وترك المحرمات . وإن أراد بذلك أنهم يعتقدون أن كل من اعتقد الاعتقاد الصحيح ، وأدى الواجبات ، وترك المحرّمات يدخل الجنة  فهذا اعتقاد أهل السنة ؛ فإنهم يجزمون بالنجاة لكل من اتّقى الله ، كما نطق به القرآن.

وإنما يتوقفون في الشخص المعين لعدم العلم بدخوله في المتيقن ، فإنه إذا علم أنه مات على التقوى عُلم أنه من أهل الجنة . ولهذا يشهدون بالجنة لمن شهد له الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولهم فيمن استفاض في الناس حسن الثناء عليه قولان .

فتبين أنه ليس في الإمامية جزم محمود اختُصوا به عن أهل السنة والجماعة . وإن قالوا : إنّا نجزم لكل شخص رأيناه ملتزماً للواجبات عندنا تاركاً للمحرمات ، بأنه من أهل الجنة ، من غير أن يخبرنا بباطنه معصوم . قيل : هذه المسألة لا تتعلق بالإمامية ، بل إن كان إلى هذا طريق صحيح فهو لأهل السنة ،  وهم بسلوكه أحذق ، وإن لم يكن هنا طريق صحيح إلى ذلك ، كان ذلك قولا بلا علم ، فلا فضيلة فيه ، بل في عدمه .

ففي الجملة لا يدّعون علما صحيحا إلا وأهل السنة أحق به ، وما ادّعوه من الجهل فهو نقص وأهل السنة أبعد عنه .

الوجه الخامس : أن أهل السنة يجزمون بحصول النجاة لأئمتهم أعظم من جزم الرافضة . وذلك أن أئمتهم بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هم السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار ، وهم جازمون بحصول النجاة لهؤلاء ، فإنهم يشهدون ان العشرة في الجنة ، ويشهدون أن الله قال لأهل بدر: (( اعملوا ما شئتم  فقد غفرت لكم )) ، بل يقولون : إنه ((لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة )) كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم([12] . فهؤلاء أكثر من ألف وأربعمائة إمام لأهل السنة ، يشهدون أنه لا يدخل النار منهم أحد ، وهي شهادة بعلم ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة.

الوجه السادس : أن يقال : أهل السنة يشهدون بالنجاة : إما مطلقا ، وإما معينا ، شهادة مستندة إلى علم . وأما الرافضة فإنهم إن شهدوا شهدوا بما لا يعلمون ، أو شهدوا بالزور الذي يعلمون أنه كذب ، فهم كما قال الشافعي رحمه الله : ما رأيت قوما أشهد بالزور من الرافضة .

الوجه السابع : أن الإمام الذي شهد له بالنجاة : إما أن يكون هو المطاع في كل شيء وإن نازعه غيره من المؤمنين ، أو هو مطاع فيما يأمر به من طاعة الله ورسوله ، وفيما يقوله باجتهاده إذا لم يعلم أن غيره أوْلى منه، ونحو ذلك . فإن كان الإمام هو الأول ، فلا إمام لأهل السنة بهذا الاعتبار إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهم يقولون  كما قال مجاهد والحاكم ومالك وغيرهم : كل أحد يُؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله عليه السلام . وهم يشهدون لإمامهم أنه خير الخلائق ، ويشهدون ان كل من ائتم به ، ففعل ما أُمر به وترك ما نُهى عنه ، دخل الجنة . وهذه الشهادة بهذا وهذا هم فيها أتم من الرافضة من شهادتهم للعسكريِيْن وأمثالهما بأنه من أطاعهم دخل الجنة .

فثبت أن إمام  أهل السنة أكمل ، وشهادتهم له ولهم إذا أطاعوه أكمل ، ولا سواء .

ولكن قال الله تعالى : ]ءآلله خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكون [([13])   ،فعند المقابلة يُذكر الخير المحض  على الشر المحض ، وإن كان الشر المحض لا خير فيه .

وإن أرادوا بالإمام الإمام المقيَّد ، فذاك لا يُوجب  أهل السنة طاعته ، إن لم يكن ما أمر به موافقا لأمر الإمام المطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهم إذا أطاعوه فيما أمر الله بطاعته فيه ، فإنما هم مطيعون لله ورسوله ، فلا يضرهم توقفهم في الإمام المقيَّد : هل هو في الجنة أم لا ؟ .

الوجه الثامن : أن يُقال : إن الله قد ضمن السعادة لمن أطاعه وأطاع رسوله ، وتوعّد بالشقاء لمن لم يفعل ذلك ، فمناط السعادة طاعة الله ورسوله . كما قال تعالى : ] وَمَن يُطِعْ اللهَ وَالرَّسُولَ  فَأُوْلئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقينَ والشُّهَداءْ وَالصَّالِحينَ وَحَسَنَ أولَئِكَ رَفيقًا [([14] وأمثال ذلك .

وإذا كان كذلك والله تعالى يقول : ] فاتَّقوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ [([15]فمن اجتهد في طاعة الله ورسوله بحسب استطاعته كان من أهل الجنة .

فقول الرافضة : لن يدخل الجنّة إلا من كان إماميا ، كقول اليهود والنصارى : ]َلنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ، تِلْكَ أَمَانِّيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين ، بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ ِللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون [([16].

ومن المعلوم أن المنتظر الذي يدّعيه الرافضي لا يجب على أحد طاعته ، فإنه لا يُعلم له قول منقول عنه ، فإذاً من أطاع الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم دخل الجنة وإن لم يؤمن بهذا الإمام ، ومن آمن بهذا الإمام لم يدخل الجنة إلا إذا أطاع الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ، فطاعة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم هي مدار السعادة وجودا وعدما ، وهي الفارقة بين أهل الجنة والنار ، ومحمد صلى لله تعالى عليه وسلم فرّق بين الناس ، والله سبحانه وتعالى قد دل الخلق على طاعته بما بينه لهم ، فتبين أن أهل السنة جازمون بالسعادة والنجاة لمن كان من أهل السنّة .

 (فصـــل)

قال الرافضي: الوجه الرابع : أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن الأئمة المعصومين المشهورين بالفضل والعلم ولزهد والورع ، والاشتغال في كل وقت بالعبادة والدعاء وتلاوة  القرآن ،والمداومة على ذلك من زمن الطفولة إلى آخر العمر ، ومنهم من يعلم الناس العلوم ، ونزل في حقهم : ]هلْ أَتَى [وآية الطهارة ، وإيجاب المودة لهم ، وآية الابتهال وغير ذلك . وكان علي ّرضي الله عنه يصلّي في كل يوم وليلة ألف ركعة ، ويتلو القرآن مع شدّة ابتلائه بالحروب والجهاد .

فأولهم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كان أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلموجعله الله نفس رسول الله حيث قال: ]وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ [([17] وواخاه رسول الله وزوّجه ابنته ، وفَضْلُهُ لا يخفى وظهرت منه معجزات كثيرة ، حتى ادَّعى قوم فيه الربوبية وقتلهم ، وصار إلى مقالتهم آخرون إلى هذه الغاية كالغلاة والنصيرية . وكان ولداه سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيدا شباب أهل الجنة ، إمامين بنص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وكانا أزهد الناس وأعلمهم في زمانهما ، وجاهدا في الله حق جهاده حتى قتلا ، ولبس الحسن الصوف تحت ثيابه الفاخرة من غير أن يشعر أحد بذلك ، وأخذ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يوما الحسين على فخذه الأيمن ، وإبراهيم على فخذه الأيسر ، فنزل جبرائيل عليه السلام وقال: إن الله تعالى لم يكن ليجمع لك بينهما ، فاختر من شئت منهما ، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : إذا مات الحسين بكيت أنا وعليّ وفاطمة ، وإذا مات إبراهيم بكيت أنا عليه ، فاختار موت إبراهيم فمات بعد ثلاثة أيام ، وكان إذا جاء الحسين بعد ذلك يقبله ويقول : أهلا ومرحبا بمن فديته بابني إبراهيم .

 وكان علي بن الحسين زين العابدين يصوم نهاره ويصوم ليله ، ويتلو الكتاب العزيز ، ويصلّي كل يوم وليلة ألف ركعة ، ويدعو كل ركعتين بالأدعية المنقولة عنه وعن آبائه ثم يرمي الصحيفة كالمتضجر ، ويقول : أنّى لي بعبادة عليّ ، وكان يبكي كثيراً حتى أخذت الدموع من لحم خديه ، وسجد حتى سمى ذا الثَفِنات ، وسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد العابدين .

وكان قد حج هشام بن عبد الملك فاجتهد أن يستلم الحجر فلم يمكنه من الزحام ، فجاء زين العابدين فوقف الناس له وتَنَحَّوْا عن الحجر حتى استلمه ، ولم يبق عند الحجر سواه ، فقال هشام بن عبد الملك : من هذا فقال الفرزدق وذكر أبيات الشعر المشهورة فبعث إليه الإمام زين العابدين بألف دينار ، فردها ، وقال: إنما قلت هذا غضباً لله ولرسوله ، فما آخذ عليه أجرا ، فقال عي بن الحسين : نحن أهل بيت لا يعود إلينا ما خرج منا فقبلها الفرزدق .

وكان بالمدينة قوم يأتيهم رزقهم ليلا ولا يعرفون ممن هو ، فلما مات زين العابدين ، انقطع ذلك عنهم وعرفوا أنه كان منه .

وكان ابنه محمد الباقر أعظم الناس زهداً وعبادة ، بَقَرَ السجودُ جبهتَه، وكان أعلم أهل وقته ، سمَّاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الباقر ، وجاء جابر بن عبد الله الأنصاري إليه وهو صغير في الكُتَّاب ، فقال له : جدّك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسلّم عليك . فقال : وعلى جدّي السلام . فقيل لجابر  كيف هو ؟ قال كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحسين في حجره وهو يلاعبه ، فقال : يا جابر يولد له ولد اسمه عليٌّ إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ : ليقم سيد العابدين ، فيقوم ولده ،ثم يولد له مولود اسمه محمد الباقر ، يبقر العلم بقرا ، فإذا رأيته فاقرئه مني السلام . وروى عنه أبي حنيفة وغيره .

وكان ابنه الصادق عليه السلام أفضل أهل زمانه وأعبدهم ، قال علماء السيرة : إنه اشتغل بالعبادة عن طلب الرياسة ، وقال عمر بن أبي المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد الصادق علمت أنه من سلالة النبيين ،وهو الذي نشر فقه الإمامية ، والمعارف الحقيقية ، والعقائد اليقينية ، وكان لا يخبر بأمر إلا وقع ، وبه سمُّوه الصادق الأمين .

وكان عبد الله بن الحسن جمع أكابر العلويين للبيعة لولديه ، فقال الصادق : هذا الأمر لا يتم ، فاغتاظ من ذلك ، فقال : إنه لصاحب القباء الأصفر ، وأشار بذلك إلى المنصور ، فلما سمع المنصور بذلك فرح لعلمه بوقوع ما يُخبر به ، وعلم أن الأمر يصل إليه ، ولما هرب كان يقول : أين قول صادقهم ؟ وبعد ذلك انتهى الأمر إليه .

وكان ابنه موسى الكاظم يُدْعى بالعبد الصالح ، وكان أعبد أهل زمانه، يقوم الليل ويصوم النهار ، وسمِّي الكاظم لأنه كان إذ بلغه عن أحد شيء بعث إليه بمال . ونقل فضله الموافق والمخالف . قال ابن الجوزي من الحنابلة:  روي عن شقيق البلخي قال : خرجت حاجّا سنة تسع وأربعين ومائة ، فنزلت القادسية  فإذا  شاب حسن  الوجه شديد السمرة ، عليه ثياب صـوف  مشتمل

بشملة ،  في رجليه نعلان ، وقد جلس منفرداً عن الناس ، فقلت في نفسي : هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كَلاًّ على الناس ، والله لأمضين إليه أوبِّخه ، فدنوت منه فلما رآني مقبلا قال: يا شقيق اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم .

فقلت في نفسي : هذا عبد صالح قد نطق على ما في خاطري ، لألحقنه ولأسألنَّه أن يحاللني ، فغاب على عيني ، فلما نزلنا واقصة إذا به يصلي ، وأعضاؤه تضطرب ، ودموعه تتحادر ، فقلت : أمضي إليه وأعتذر، فأوجز في صلاته ، ثم قال : يا شقيق : ] وَإِنِّي غَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [([18] فقلت : هذا من الإبدال ، قد تكلم على سرِّي مرتين . فلما نزلنا زبالة إذا به قائم على البئر وبيده ركوة يريد ان يسقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر فرفع طرفه إلى السماء وقال :

        أنت ربي إذا ظمئت إلى الما       ء وقوتي إذا أردت الطعاما

يا سيدي مالي سواها قال شقيق : فوالله لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها فاخذ الركوة وملأها وتوضأ وصلى أربع ركعات ، ثم مال إلى كثيب رمل هناك ، فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويشرب فقلت : أطعمني من فضل ما رزقك الله أو ما أنعم الله عليك ، فقال : يا شقيق لم تزل نعم الله علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك ، ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو سويق وسكر ، ما شربت والله ألذ منه ولا أطيب منه ريحا فشبعت ورويت . وأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا ، ثم لم أره حتى دخلت مكة ، فرأيته ليلة إلى جانب قبة الميزاب نصف الليل يصلِّي بخشوع وأنين وبكاء ، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل ، فلما طلع الفجر جلس في مصلاه يسبح ، ثم قام إلى صلاة الفجر ، وطاف بالبيت أسبوعا ، وخرج فتبعته ، فإذا له حاشية وأموال وغلمان، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق ، ودار به الناس يسلِّمون عليه ويتبركون به ، فقلت لهم : من هذا ؟ قالوا موسى بن جعفر ، فقلت : قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلا لمثل هذا السيد . هذا رواه الحنبلي .

وعلى يده تاب بشر الحافي لأنه عليه السلام اجتاز على داره ببغداد ، فسمع الملاهي وأصوات الغناء والقصب يخرج من تلك الدار ، فخرجت جارية وبيدها قمامة البقل ، فرمت بها في الدرب ، فقال لها : يا جارية ، صاحب هذا الدار حرٌّ أم عبد ؟ فقالت : بل حر ، فقال : صدقت لو كان عبدا لخاف من مولاه . فلما دخلت الجارية قال مولاها وهو على مائدة السكر : ما أبطأك علينا ؟ قالت : حدثني رجل بكذا وكذا ، فخرج حافيا حتى لقى مولانا موسى بن جعفر فتاب على يده .

والجواب عنه من وجوه : أحدها : أن يقال : لا نسلم أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن أهل البيت : لا  الاثنا عشرية ولا غيرهم ، بل هم مخالفون لعليّرضي الله عنه وأئمة أهل البيت في جميع  أصولهم التي فارقوا فيها أهل السنة والجماعة : توحيدهم ، وعدلهم ، وإمامتهم ، فإن الثابت عن عليرضي الله عنه و أئمة أهل البيت  من إثبات الصفات لله ، وإثبات القدر ، وإثبات خلافة الخلفاء الثلاثة ، وإثبات فضيلة أبي بكر وعمررضي الله عنهما ، وغير ذلك من المسائل  كله يناقض مذهب الرافضة.

والنقل بذلك ثابت مستفيض في كتب أهل العلم ، بحيث إن معرفة المنقول في هذا الباب عن أئمة أهل البيت يوجب علما ضروريا بأن الرافضة مخالفون لهم لا موافقون لهم .

الثاني : أن يقال : قد عُلم أن الشيعة مختلفون اختلافا كثيرا في مسائل الإمامة والصفات والقدر ، وغير ذلك من مسائل أصول دينهم . فأي قول لهم والمأخوذ عن الأئمة المعصومين ، حتى مسائل الإمامة ، قد عُرف اضطرابهم فيها .

وقد تقدم بعض اختلافهم في النص وفي المنتظر فهم في الباقي المنتظر على أقوال : منهم من يقول ببقاء جعفر بن محمد ، ومنهم من يقول ببقاء ابنه موسى بن جعفر ، ومنهم من يقول ببقاء محمد بن عبد الله بن حسن، ومنهم من يقول ببقاء محمد بن الحنفية ، وهؤلاء يقولون : نص عليٌّ على الحسن والحسين ، وهؤلاء يقولون على محمد بن الحنفية ، وهؤلاء يقولون : أوصى عليٌّ بن الحسين إلى ابنه أبي جعفر ، وهؤلاء يقولون : إلى ابنه عبد الله ، وهؤلاء يقولون : أوصى إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين ، وهؤلاء يقولون : إن جعفر أوصى إلى ابنه إسماعيل ، وهؤلاء يقولون : إلى ابنه محمد بن إسماعيل ، وهؤلاء يقولون : إلى ابنه محمد ، وهؤلاء يقولون : إلى ابنه عبد الله ، وهؤلاء يقولون : إلى ابنه موسى ، وهؤلاء يسوقون النص إلى محمد بن الحسن ، وهؤلاء يسوقون النص إلى بني عبيد الله بن ميمون القدّاح الحاكم وشيعته ، وهؤلاء يسوقون النص من بني هاشم إلى بني العباس، ويمتنع ان تكون هذه الأقوال المتناقضة مأخوذة عن معصوم ، فبطل قولهم : إن أقوالهم مأخوذة عن معصوم .

الوجه الثالث : أن يُقال : هب أن عليّاً كان معصوما ، فإذا كان الاختلاف بين الشيعة هذا الاختلاف ، وهم متنازعون هذا التنازع ، فمن أين يُعلم صحة بعض هذه الأقوال عن عليّ دون الآخر ، وكل منهم يدَّعي أن ما يقوله إنما أخذه عن المعصومين ؟ وليس للشيعة أسانيد أهل السنة حتى يُنظر في الإسناد وعدالة الرجال . بل إنما هي منقولات منقطعة عن طائفة عُرف فيها كثرة الكذب وكثرة التناقض في النقل فهل يثق عاقل بذلك ؟

وإن ادعوا تواتر نصّ هذا على هذا ، ونصّ هذا على هذا كان هذا معارضاً بدعوى غيرهم مثل هذا التواتر ، فإن سائر القائلين بالنص إذا ادعوا مثل هذه الدعوى لم يكن بين الدعويين فرق .

فهذه الوجوه وغيرها تبين أن بتقدير ثبوت عصمة عليّرضي الله عنه فمذهبهم ليس مأخوذا عنه ، فنفس دعواهم العصمة في عليّ مثل دعوى النصارى الإلهية في المسيح . مع أن ما هم عليه ليس مأخوذا عن المسيح .

الوجه الرابع : أنهم في مذهبهم محتاجون إلى مقدمتين : إحداهما : عصمة من يضيفون المذهب إليه من الأئمة ، والثانية ثبوت ذلك النقل عن الإمام . وكلتا المقدمتين باطلة ، فإن المسيح ليس بإله ، بل هو رسول كريم ، وبتقدير ان يكون إلها أو رسولا كريما فقوله حق ، لكن ما تقوله النصارى ليس من قوله ، ولهذا كان في علي ِّرضي الله عنه شبه من المسيح : قوم غلوا فيه فوق قدره ، وقوم نقصوه دون قدره فهم كاليهود ، هؤلاء يقولون عن المسيح : إنه إله . وهؤلاء يقولون : كافر ولد بغيِّة  . وكذلك عليّ : هؤلاء يقولون : إنه إله، وهؤلاء يقولون : إنه كافر ظالم .

الوجه الخامس : أن يقال: قد ثبت لعليّ بن أبي طالبرضي الله عنه، والحسن ، والحسين ، وعلي بن الحسين ، وابنه محمد ، وجعفر بن محمد من المناقب والفضائل ما لم يذكره هذا المصنف الرافضي.وذكر أشياء من الكذب تدل على جهل ناقلها ، مثل قوله : نزل في حقهم : ]هلْ أَتَى[ فإن سورة ]هَل أَتىَ [ مكّية باتفاق العلماء ، وعليّ إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد الهجرة ، ولم يدخل بها إلا بعد غزوة بدر ، ووُلد له الحسن في السنة الثالثة من الهجرة ، والحسين في السنة الرابعة من الهجرة بعد نزول : ]هل أتى [بسنين كثيرة .

فقول القائل : إنها نزلت فيهم ، من الكذب الذي لا يخفى على من له علم بنزول القرآن وعلم بأحوال هؤلاء السادة الأخيار .

وأما آية الطهارة فليس فيها إخبار بطهارة  أهل البيت وذهاب الرجس عنهم ، وإنما فيها الأمر لهم بما يوجب طهارتهم وذهاب الرجس عنهم . فإن قوله ]إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[([19]كقوله تعالى : ]َما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُم[([20]وقوله: ]ُيرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُم وَيَهْدِيَكُم سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُم وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيم . وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا . يُريدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُم وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا [([21].

فالإرادة هنا متضمنة للأمر والمحبة والرضا ، وليست هي المشيئة المستلزمة لوقوع المراد ؛ فإنه لو كان كذلك لكان قد طهَّر كل من أراد الله طهارته . وهذا على قول هؤلاء القدرية الشيعة أوجه ، فإن عندهم أن الله يريد ما لا يكون ، ويكون ما لا يريد .

فقوله : ]إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجزَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[ إذا كان هذا بفعل المأمور وترك المحظور ، كان ذلك متعلقا بإرادتهم وأفعالهم ، فإن فعلوا ما أُمروا به طُهِّروا وإلا فلا .

وهم يقولون :إن الله لا يخلق أفعالهم ، ولا يقدر على تطهيرهم وإذهاب الرجز عنهم . وأما المثبتون للقدر فيقولون : إن الله قادر على ذلك ، فإذا ألهمهم فعل ما أَمَرَ وترك ما حَظَر حصلت الطهارة وذهاب الرجس .

ومما يبين أن هذا مما أُمروا  به لا مما أُخبروا بوقوعه ، ما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أدار الكساء على عليّ وفاطمة وحسن وحسين ، ثم قال : (( اللهم هؤلاء أهل بيتي ،فأذهب عنهم الجس وطهِّرهم تطهيرا )). وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ، ورواه أهل السنن عن أم سلمة ([22].

وهو يدل على ضد قول الرافضة من وجهين : أحدهما : أنه دعا لهم بذلك ،وهذا دليل على أن الآية لم تخبر بوقوع ذلك ، فإنه لو كان قد وقع لكان يثنى على الله بوقوعه ويشطره على ذلك ، لا يقتصر على مجرد الدعاء به .

الثاني : أن هذا يدل على أن الله قادر على إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم ، وذلك يدل على أنه خالق أفعال العباد . ومما يبين ان الآية متضمنة للأمر والنهي قوله في سياق الكلام : ] َيا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْن وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا . وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ ِللهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا . يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا .وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا . وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [([23].

وهذا السياق يدل على ان ذلك أمر ونهي ، ويدل على أن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل بيته ، فإن السياق إنما هو في مخاطبتهن ، و يدل على أن  قوله :

] لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [عمّ غير أزواجه ، كعلي وفاطمة وحسن وحسين رضى الله عنهم لانه ذكره بصيغة التذكير لما اجتمع المذكر والمؤنث، وهؤلاء خُصُّوا بكونهم من أهل البيت بالأولى من أزواجه ، فلهذا خصَّهم بالدعاء لما أدخلهم في الكساء ، كما أن مسجد قُباء أسس على التقوى ، ومسجده صلى الله عليه وآله وسلمأيضا أسس على التقوى وهو أكمل في ذلك ، فلما نزل قوله تعالى: ]َلمسجدٌ أُسّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ  أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيه رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِين [([24] بسبب مسجد قباء ، تناول اللفظ لمسجد قباء ولمسجده صلى الله عليه وآله وسلمبطريق الأولى .

وكذلك قوله في إيجاب المودة لهم غلط . فقد ثبت في الصحيح عن سعيد بن جبير أن ابن عباس رضى الله عنهما سئل عن قوله تعالى :]ُقلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [ ([25]قال: فقلت : إلا أن تودّوا ذوى قربى محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فقال ابن عباس : عَجلتَ ، إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم قرابة . فقال : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في القرابة التي بيني وبينكم .

فابن عباس كان من كبار أهل البيت وأعلمهم بتفسير القرآن ، وهذا تفسيره الثابت عنه . ويدل على ذلك أنه لم يقل : إلا المودة  لذوى القربى . و لكن  قال : إلا المودة في القربى . ألا ترى أنه  لما أراد  ذوى  قرباه  قال :

 ]وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى[([26] ، ولا يُقال : المودة في ذوى القربى . وإنما يقال : المودة لذوى القربى . فكيف وقد قال قل لا أسألكم عليه  أجراً إلا المودة في القربى ؟!

ويبين ذلك ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يسال أجراً أصلاً إنما أجره على الله ، وعلى المسلمين موالاة أهل البيت لكن بأدلة أخرى غير هذه الآية ، وليست موالاتنا أهل البيت من أجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شيء.

وأيضاً فإن هذه الآية مكية ، ولم يكن عليٌّ قد تزوج بفاطمة ولا وُلد له أولاد .

وأما آية الابتهال ففي الصحيح أنها لما نزلت أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيد عليٍّ وفاطمة وحسن وحسين ليباهل بهم([27])، لكن خصّهم  بذلك  لأنهم كانوا أقرب إليه من غيرهم ، فإنه لم يكن له ولد ذكر إذ ذاك يمشي معه .ولكن كان يقول عن الحسن:(( إن ابني هذا سيد )) فهما ابناه ونساؤه إذ لم يكن قد بقي له بنت إلا فاطمةرضي الله عنها، فإن المباهلة كانت لما قدم وفد نجران ،وهم نصارى ، وذلك كان بعد فتح مكة ، بل كان سنة تسع ، فهذه الآية تدل  على كمال اتّصالهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما دل على ذلك حديث الكساء ، ولكن هذا لا يقتضي أن يكون الواحد منهم أفضل من سائر المؤمنين ولا أعلم منهم ، لأن الفضيلة بكمال الإيمان والتقوى لا بقرب النسب .

كما قال تعالى: ] إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُم [([28]وقد ثبت ان الصديق كان أتقى الأمة بالكتاب والسنة ، وتواترعن النبي صلى الله عليه وآله وسلمأنه قال:(( لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ))([29]، وهذا بسوط في موضعه .

وأما ما نقله عن عليّ أنه كان يصلّي كل يوم وليلة ألف ركعة ، فهذا يدل على جهله بالفضيلة وجهله بالواقع . أما أوّلا فلأن هذا ليس بفضيلة ، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان لا يزيد في الليل على ثلاث عشرة ركعة([30]). وثبت عنه في الصحيح أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم : (( أفضل القيام قيام داود ، كان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه))([31]).

وأيضا فقوله : إن علي بن أي طالب كان أفضل الخلق بعد رسول الله    صلى الله عليه وآله وسلم دعوى مجردة ، ينازعه فيها جمهور المسلمين من الأوّلين والآخرين .

وقوله: جعله الله نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال : ]وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ [ وواخاه .

فيقال : أما حديث المؤاخاه فباطل موضوع ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يؤاخ أحدا ، ولا آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض ،ولا بين الأنصار بعضهم مع بعض ، ولكن آخى بين المهاجرين والأنصار ، كما آخى بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف ، وآخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء ، كما ثبت ذلك في الصحيح . وأما قوله: ]وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ [  فهذا مثل قوله : ]َ لوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِم  خَيْرًا [([32])

نزلت في قصة عائشةرضي الله عنها في الإفك ، فإن  الواحد من المؤمنين من أنفس المؤمنين والمؤمنات .

وأما تزويجه فاطمة ففضيلة لعليّ ، كما أن تزويجه عثمان بابنتيه فضيلة لعثمان أيضا ، ولذلك سُمِّي ذو النورين . وكذلك تزوجه بنت أبي بكر وبنت عمر فضيلة لهما ، فالخلفاء الأربعة أصهاره صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عنهم .

وأما قوله : (( وظهرت منه معجزات كثيرة )) فكأنه يسمّى كرامات الأولياء معجزات ، وهذا إصلاح لكثير من الناس . فيقال : عليّ أفضل من كثير ممن له كرامات ، والكرامات متواترة عن كثير من عوام أهل السنة الذين يفضلون أبا بكر وعمر على عليّ ، فكيف لا تكون الكرامات ثابتة لعليّرضي الله عنه ؟ وليس في مجرد الكرامات ما يدل على أنه أفضل من غيره .

وأما قوله : ((حتى ادّعى قوم فيه الربوبية و قتلهم )) .

فهذه مقالة جاهل في غاية الجهل لوجوه : أحدها : أن معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعظم بكثير وما ادّعى فيه أحد من الصحابة الإلهية .

الثاني : أن معجزات الخليل وموسى أعظم بكثير وما ادّعى أحد فيهما الإلهية .

الثالث : إن معجزات نبينا ومعجزات موسى أعظم من معجزات المسيح ، وما ادُّعيت فيهما الإلهية كما ادعيت في المسيح .

الرابع : أن المسيح ادعيت فيه الإلهية أعظم مما ادعيت في محمد وإبراهيم وموسى ، ولم يدل ذلك لا على أنه أفضل منهم ولا على أن معجزاته أبهر .

الخامس : أن دعوى الإلهية فيهما دعوى باطلة تقابلها دعوى باطلة ، وهي دعوى اليهود في المسيح ، ودعوى الخوارج في عليّ ؛ فإن الخوارج كفَّروا عليّاً ، فإن جاز أن يُقال : إنما ادّعيت فيه الإلهية لقوة الشبهة . وجاز أن يقال ، إنما ادّعى فيه الكفر لقوة الشبهة ، وجاز أن يقال ، صدرت منه ذنوب اقتضت أن يكفّره بها الخوارج .

والخوارج أكثر وأعقل وأدين من الذين ادّعوا فيه الإلهية ، فإن جاز الاحتجاج بمثل هذا ، وجُعلت هذه الدعوى منقبة ، كان دعوى المبغضين له ودعوى الخوارج مثلبة أقوى وأقوى ، وأين الخوارج من الرافضة الغالية ؟!

فالخوارج من أعظم الناس صلاة وصياما وقراءة للقرآن ، ولهم جيوش وعساكر ، وهم متدينون بدين الإسلام باطناً و ظاهراً . والغالية المدّعون للإلهية إما أن يكونوا من أجهل الناس ، وإما أن يكونوا من أكفر الناس ، والغالية كفّار بإجماع العلماء ، وأما الخوارج فلا يكفّرهم إلا من يكفّر الإمامية ، وعلي رضي الله عنه لم يكن يكفّرهم ، ولا أمر بقتل الواحد المقدور عليه منهم، كما أمر بتحريق الغالية ، بل لم يقاتلهم حتى قتلوا عبد الله بن خبّاب وأغاروا على سرح الناس .

فثبت بالإجماع من عليّ ومن سائر الصحابة والعلماء أن الخوارج خير من الغالية ، فإن جاز لشيعته أن تجعل دعوى الغالية الإلهية فيه حجة على فضيلته كان لشيعة عثمان ان يجعلوا دعوى الخوارج لكفره حجة على نقيضه بطريق الأوْلى ، فعلم أن هذه الحجة إنما يحتج بها جاهل ، ثم أنها تعود عليه لا له ، ولهذا كان الناس يعلمون أن الرافضة أجهل وأكذب من الناصبة .

وأما قوله : (( وكان ولده سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيدا شباب أهل الجنة إمامين بنص النبي صلى الله عليه وآله وسلم)) .

فيقال : الذي ثبت بلا شك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيح  أنه قال عن الحسن : (( إن ابني هذا سيد ، وإن الله سيصلح به بين  فئتين عظيمتين من المسلمين ))([33]. وثبت عنه في الصحيح أنه كان يقعده وأسامة بن زيد على فخذه ويقول : (( اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما ))([34]

وهذا يدل على أن ما فعله الحسن من ترك القتال على الإمامة ، وقصد الإصلاح بين المسلمين كان محبوبا يحبه الله ورسوله ولم يكن ذلك معصية ، بل كان ذلك أحب إلى الله ورسوله من اقتتال المسلمين ، ولهذا أحبه وأحب أسامة بن زيد ودعا لهما ، فإن كلاهما كان يكره القتال في الفتنة ،فأما أسامة فلم يقاتل لا مع علي ولا  مع معاوية ، والحسن كان دائماً يشير على عليّ بترك القتال، وهذا نقيض ما عليه الرافضة من أن ذلك الصلح كان مصيبة وكان ذلا ، ولو كان هناك إمام معصوم يجب على كل أحد طاعته ، ومن تولّى غيره كانت ولايته باطلة لا يجوز أن يجاهد معه ولا يصلي خلفه ، لكان ذلك الصلح من أعظم المصائب على أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه فساد دينها ، فأي فضيلة كانت تكون للحسن بذلك حتى يُثنى عليه به ؟ وإنما غايته أن يُعذر لضعفه عن القتال الواجب والنبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل الحسن في الصلح سيدا محمودا ، ولم يجعله عاجزا معذوراً ، ولم يكن الحسن أعجز عن القتال من الحسين بل كان أقدر على القتال من الحسين ، والحسين قاتل حتى قُتل ، فإن كان ما فعله الحسين هو الأفضل  الواجب ، كان ما فعله الحسن تركا للواجب أو عجزا عنه ، وإن كان ما فعله الحسن هو الأفضل الأصلح ، دل على أن ترك القتال هو الأفضل الأصلح ، وأن الذي فعله الحسن أحب إلى الله ورسوله مما فعله غيره ، والله يرفع درجات المؤمنين المتقين بعضهم على بعض ، وكلهم في الجنة ، رضى الله عنهم أجمعين .

ثم إن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعلهما إمامين لم يكونا قد استفادا الإمامة بنصّ عليّ ، ولاستفادها الحسين بنص الحسن عليه ، ولا ريب أن الحسن والحسين ريحانتا النبي صلى الله عليه وآله وسلمفي الدنيا . وقد ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم أدخلهما مع أبويهما تحت الكساء ، وقال: (( اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيرا )) وأنه دعالهما في المباهلة ، وفضائلهما كثيرة ، وهما من أجلاء سادات المؤمنين . وأما كونهما أزهد الناس وأعلمهم في زمانهم فهذا قول بلا دليل .

 وأما قوله : (( وجاهدا في الله حق جهاده حتى قتلا )).

فهذا كذب عليهما ، فإن الحسن تخلّى عن الأمر وسلَّمه إلى معاوية ومعه جيوش العراق ، وما كان يختار قتال المسلمين قط ، وهذا متواتر من سيرته .

وأما موته ، فقد قيل : إنه مات مسموما ، وهذه شهادة له وكرامة في حقّه ، لكن لم يمت مقاتلا .

والحسين رضي الله عنه ما خرج يريد القتال ، ولكن ظن أن الناس يطيعونه ، فلما رأى انصرافهم عنه ، طلب الرجوع إلى وطنه أو الذهاب إلى الثغر ، أو إتيان يزيد ، فلم يمكّنه أولئك الظلمة لا من هذا ولا من هذا ، وطلبوا أن يأخذوه أسيرا إلى يزيد ، فامتنع من ذلك وقاتل حتى قُتل مظلومًا شهيداً ، لم يكن قصده ابتداءً أن يُقاتل .

وأما قوله عن الحسن : إنه لبس الصوف تحت ثيابه الفاخرة .

فهذا من جنس قوله في علي : إنه كان يصلي ألف ركعة ، فإن هذا لا فضيلة فيه ، وهو كذب . وذلك أن لبس الصوف تحت ثياب القطن وغيره لو كان فاضلا لكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرعه لأمته ، إما بقوله أو بفعله ، أو كان يفعله أصحابه على عهده ، فلما لم يفعله هو ولا أحد من أصحابه على عهده ، ولا رغب فيه ، دل على أنه لا فضيلة فيه ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبس في السفر جبة صوف فوق ثيابه .

وأما الحديث الذي رواه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ يوماً الحسين على فخذه الأيمن وولده إبراهيم على فخذه الأيسر ، فنزل جبريل وقال: إن الله تعالى لم يكن ليجمع لك بينهما فاختر من شئت منهما . فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( إذا مات الحسن بكيت أنا وعلي وفاطمة ، وإذا مات إبراهيم بكيت أنا عليه )) فاختار موت إبراهيم ، فمات بعد ثلاثة أيام . وكان إذا جاء الحسين بعد ذلك يقبّله ويقول : أهلاً ومرحباً بمن فديته بابني إبراهيم )) .

فيقال : هذا الحديث لم يروه أحد من أهل العلم ، ولا يُعرف له إسنادا ولا يُعرف في شيء من كتب الحديث . وهذا الناقل لم يذكر له إسنادا ، ولا عزاه إلى كتاب حديث ، ولكن ذكره على عادته في روايته أحاديث مسيَّبة بلا زمام ولا خطام .

ومن المعلوم أن المنقولات لا يُميّز بين صدقها وكذبها إلا بالطرق الدالة على ذلك ، وإلا فدعوى النقل المجرد بمنزلة سائر الدعاوى .

ثم يقال: هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث ، وهو من أحاديث الجهَّال ، فإن الله تعالى ليس في جمعه بين إبراهيم والحسين أعظم مما في جمعه بين الحسن والحسين على مقتضى الحديث ، فإن موت الحسن أو الحسين إذا كان أعظم من موت إبراهيم ، فبقاء الحسن أعظم من بقاء إبراهيم،  وقد بقى الحسن مع الحسين .

(فصــــل)

أما عليّ بن الحسين فمن كبار التابعين وساداتهم علما ودينا .

قال يحيى بن سعيد : (( هو أفضل هاشمي رأيته في المدينة )) . وقال محمد بن سعد في (( الطبقات ))(( كان ثقة مأمونا كثير الحديث عاليا رفيعا)). وروى عن حمَّاد بن زيد عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال : (( سمعت عليًّ بن الحسين ، وكان أفضل هاشمي أدركته ، يقول : يا أيها الناس أحبونا حب الإسلام ، فما برح بنا حبكم حتى صار عاراً علينا )) .

وأما ما ذكره من قيام ألف ركعة ، فقد تقدّم أن هذا لا يمكن إلا على وجه يكره في الشريعة ، أو لا يمكن بحال ، فلا يصلح ذكر مثل هذا في المناقب . وكذلك ما ذَكَرَه  من تسمية رسول الله صلى لله عليه وسلم له سيد العابدين هو شيء لا أصل له ، ولم يروه أحد من أهل العلم والدين .

وكذلك أبو جعفر محمد بن عليّ من خيار أهل العلم والدين . وقيل إنما سمى الباقر لأنه بَقَرَ العلم ، لا لأجل بقر السجود جبهته . وأما كونه أعلم أهل زمانه فهذا يحتاج إلى دليل ، والزهري من أقرانه ، وهو عند الناس أعلم منه، ونَقْلُ تسميته بالباقر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا أصل له عند أهل العلم ، بل هو من الأحاديث الموضوعة . وكذلك حديث تبليغ جابر له السلام هو من الموضوعات عند أهل العلم بالحديث .

 وجعفر الصادق رضي الله عنه من خيار أهل العلم والدين .وقال عمرو بن أبي المقدام :(( كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين)).

وأما قوله (( اشتغل بالعبادة عن الرياسة )) .

وهذا تناقض من الإمامية ، لأن الإمامة عندهم واجب عليه أن يقوم بها وبأعبائها ، فإنه لا إمام في وقته إلا هو ، فالقيام بهذا الأمر العظيم لو كان واجبا لكان أوْلى من الاشتغال بنوافل العبادات .

وأما قوله : إنه : (( هو الذي نشر فقه الإمامية ، والمعارف الحقيقية، والعقائد اليقينية )).

فهذا الكلام يستلزم أحد أمرين : إما أنه ابتدع في العلم ما لم يكن يعلمه من قبله .وإما أن يكون الذين قبله قصّروا فيما يجب عليهم من نشر العلم . وهل يشك عاقل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيَّن لأمته المعارف الحقيقية والعقائد اليقينية أكمل بيان ؟ وأن أصحابه تلقّوا ذلك عنه وبلَّغوه إلى المسلمين؟

وهذا يقتضي القدح : إما فيه ، وإما فيهم . بل كُذِب على جعفر الصادق أكثر مما كُذِب على من قبله ، فالآفة وقعت من الكذَّابين عليه لا منه . ولهذا نُسب إليه أنواع من الأكاذيب ، مثل كتاب ((البطاقة )) و((الجَفْر)) و ((الهَفْت )) والكلام في النجوم .

(فصـــل)

وأما من بعد جعفر  فموسى بن  جعفر ،  قال فيه أبو حاتم  الرازي :

 (( ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين )). قلت : موسى ولد بالمدينة سنة بضع وعشرين ومائة ،وأقدمه المهدي إلى بغداد ثم رده إلى المدينة ، وأقام بها إلى أيام الرشيد ، فقدم هارون منصرفا من عُمْرةٍ ، فحمل موسى معه إلى بغداد ، وحبسه بها إلى أن تُوفي في محبسه .

وأما من بعد موسى فلم يؤخذ عنهم من العلم ما يذكر به أخبارهم في كتب المشهورين بالعلم وتواريخهم ، ولا هم في التفسير وغيره أقوال معروفة، ولكن لهم من الفضائل والمحاسن ما هم له أهل ،رضي الله عنهم أجمعين ، وموسى بن جعفر مشهور بالعبادة والنسك .

وأما الحكاية المذكورة عن شقسق البلخى فكذب ، فإن هذه الحكاية تخالف المعروف من حال موسى بن جعفر .

أما قوله : (( تاب على يديه بشر الحافي )) فمن أكاذيب من لا يعرف حاله ولا حال بشر ، فإن موسى بن جعفر لما قدم  به الرشيد إلى العراق حبسه ، فلم يكن ممن يجتاز على دار بشر وأمثاله من العامة .

(فصـــل)

قال الرافضي: (( وكان ولده عليّ الرضا أزهد  أهل زمانه وكان أعلمهم وأخذ عنه فقهاء الجمهور كثيرا ، وولاّه المأمون لعلمه بما هو عليه من الكمال والفضل . ووعظ يوما أخاه زيداً ، فقال : يا زيد ما أنت قائل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سَفَكْتَ الدماء ، وأخذت الأموال من غير حلها وأخفت السبل ، وغرّك حمقى أهل الكوفة؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن فاطمة أحصنت فرجها ، فحرم الله ذريتها على النار وفي رواية : إن عليا قال : يا رسول الله لم سميت فاطمة ؟ قال : لأن الله فطمها وذريتها من النار ، فلا يكون الإحصان سببا لتحريم ذريتها على النار وأنت تظلم . والله ما نالوا ذلك إلا بطاعة لله ، فإن أردت أن تنال بمعصية الله ما نالوا بطاعته ، إنك إذاً لأكرم على الله منهم .

وضرب المأمون اسمه على الدراهم والدنانير ، وكتب إلى أهل الآفاق ببيعته ، وطرح السواد ولبس الخضرة )) .

فيقال : من المصائب التي ابتُلي بها ولد الحسين انتساب الرافضة إليهم و تعظيمهم ومدحهم لهم ، فإنهم يُمدحون بما ليس بمدح ، ويدّعون لهم دعاوى لا حجة لها ، ويذكرون من الكلام ما لو لم يُعرف فضلهم من غير كلام الرافضة ، لكان ما تذكره الرافضة بالقدح أشبه منه في المدح ، فإن علي بن موسى له من المحاسن والمكارم المعروفة، والممادح المناسبة لحاله اللائقة به ، ما يعرفه بها أهل المعرفة . وأما هذا الرافضي فلم يذكر له فضيلة واحدة بحجة .

وأما قوله : (( إن كان أزهد الناس وأعلمهم )) فدعوى مجردة بلا دليل ، فكل من غلا في شخص أمكنه أن يدّعى له هذه الدعوى . كيف والناس يعلمون أنه كان في زمانه من هو أعلم منه ، ومن هو أزهد منه ، كالشافعي وإسحاق بن راهوية وأحمد بن حنبل وأشهب بن عبد العزيز ، وأبي سليمان الداراني ، ومعروف الكرخي ،وأمثال هؤلاء .

وأما قوله : (( إنه أخذ عن فقهاء الجمهور كثيراً )) فهذا من أظهر الكذب . هؤلاء فقهاء الجمهور المشهورين لم يأخذوا عنه ما هو معروف ، وإن أخذ عنه بعض من لا يُعرف من فقهاء الجمهور  فهذا لا يُنكر ، فإن طلبة الفقهاء قد يأخذون من المتوسطين في العلم ، ومن هم دون المتوسطين .

وما ذكره بعض الناس من أن معروفا الكرخي كان خادماًله ، وأنه أسلم على يديه ، أو أن الخرقة  متصلة منه إليه ، فكله كذب باتفاق من يعرف هذا الشأن .

والحديث الذي ذكره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلمعن فاطمة هو كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث ، ويظهر كذبه لغير أهل الحديث أيضا ؛ فإن قوله : (( إن فاطمة أحصنت فرجها فحرَّم الله ذريتها على النار )) يقتضي أن إحصان فرجها هو السبب لتحريم ذريتها على النار وهذا باطل قطعا ، فإن سارَّة أحصنت  فرجها ، ولم يحرِّم الله جميع ذريتها على النار .

وأيضا فتسمية جبريل رسول الله إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلمخادماً له عبارة من لا يعرف قدر الملائكة ، وقدر إرسال الله لهم إلى الأنبياء .و لكن الرافضة غالب حججهم أشعار تليق بجهلهم وظلمهم ، وحكايات مكذوبة تليق بجهلهم وكذبهم ، وما يُثْبِت أصول الدين بمثل هذه الأشعار ، إلا ليس معدوداً من أولي الأبصار.

(فصـــل)

قال الرافضي : (( وكان ولده محمد بن علي الجواد على منهاج أبيه في العلم والتقى  والجود ، ولما مات أبوه الرضا شغف بحبه المأمون لكثرة علمه ودينه ووفور عقله مع صغر سنه ،وأراد أن يزوِّجه ابنته أم الفضل ، وكان قد زوَّج أباه الرضا عليه السلام بابنته أم حبيب ، فغلظ ذلك على العباسيين واستنكروه وخافوا أن يخرج الأمر منهم ، وأن يبايعه كما بايع أباه ، فاجتمع الأدنون منهم وسألوه ترك ذلك ، وقالوا : إنه صغير السن لا علم عنده، فقال : أنا أعرف منكم به ، فإن شئتم فامتحنوه ، فرضوا بذلك ، وجعلوا للقاضي يحيى بن أكثم مالاً كثيرا على امتحانه في مسألة يعجزه فيها ، فتواعدوا إلى يوم ، وأحضره المأمون وحضر القاضي وجماعة العباسيين ، فقال القاضي : أسألك عن شيء ؟ فقال عليه السلام سل فقال: ما تقول في مُحْرِم قتل صيدا؟ فقال له عليه السلام قتله في حل أو حرم ، عالما كان أو جاهلا ، مبتدئا بقتله أو عائذا ، من صغار الصيد كان أم من كبارها ، عبدا كان المُحرم أو حرًّا ، صغيرا كان أو كبيرا ، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها ؟ فتحير يحيى بن أكثم ، وبان العجز في وجهه ، حتى عرف جماعة أهل المجلس أمره ، فقال المأمون لأهل بيته : عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه ، ثم أقبل الإمام فقال : أتخطب ؟ قال : نعم فقال : أخطب لنفسك خطبة النكاح ، فخطب وعقد على خمسمائة درهم جياداً كمهر جدته فاطمة عليها السلام ، ثم تزوج بها .

والجواب أن يقال : إن محمد بن عليّ الجواد كان من أعيان بني هاشم، وهو معروف بالسخاء والسؤدد . ولهذا سُمِّيَ الجواد  ، ومات وهو شاب ابن خمس وعشرين سنة ، ولد سنة خمس وتسعين ومات سنة  عشرين أو سنة تسع عشرة ، وكان المأمون زوَّجه بابنته ، وكان يرسل إليه في السنة ألف ألف درهم ، واستقدمه المعتصم إلى بغداد  ، ومات بها .

وأما ما ذكره فإنه من نمط ما قبله ، فإن الرافضة ليس لهم عقل صريح ولا  نقل صحيح ، ولا يقيمون حقا ،ولا يهدمون باطلا ، لا بحجة وبيان ، ولا بيد وسنان ، فإنه ليس فيما ذكره ما يثبت فضيلة محمد بن عليّ ، فضلا عن ثبوت إمامته ، فإن هذه الحكاية التي حكاها عن يحيى بن أكثم من الأكاذيب التي لا يفرح بها إلا الجهال ، ويحيى بن أكثم كان أفقه وأعلم وأفضل من أن يطلب تعجيز شخص بأن يسأله عن مُحْرِم  قتل صيدا ، فإن صغار الفقهاء يعلمون حكم هذه المسألة ، فليست من دقائق العلم ولا غرائبه ،ولا مما يختص به المبرِّزون في العلم .

( فصـــل )

قال الرافضي :(( وكان ولده عليّ الهادي ، ويُقال له: العسكري ، لأن المتوكل أشخصه من المدينة إلى بغداد ، ثم منها إلى سُرَّ من رأى ، فأقام بموضع عندها يقال له العسكر، ثم انتقل إلى سُرَّ من رأى فأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر ، وإنما أشخصه المتوكل لأنه كان يبغض عليًّارضي الله عنه ، فبلّغه مقام عليّ بالمدينة ، وميل الناس إليه ، فخاف منه ، فدعا يحيى بن هبيرة وأمره بإحضاره ، فضج أهل المدينة لذلك خوفا عليه ، لأنه كان محسنا إليهم ، ملازماً للعبادة في المسجد ، فحلف يحيى أنه لا مكروه عليه ، ثم فتَّش منزله فلم يجد فيه سوى مصاحف وأدعية وكتب العلم ، فعظم في عينه ، وتولى خدمته بنفسه ، فلما قدم بغداد بدأ بإسحاق بن إبراهيم الطائي وإلى بغداد.  فقال له : يا يحيى هذا الرجل قد ولده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمتوكل من تَعْلَم ، فإن حرضته عليه قتله ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمخصمك يوم القيامة ، فقال له يحيى : والله ما وقعت منه إلا على خير . قال : فلما دخلت على المتوكل أخبرته بحسن سيرته وورعه وزهده فأكرمه المتوكل ، ثم مرض المتوكل فنذر إن عوفيَ تصدّق بدراهم كثيرة ، فسأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم جوابا فبعث إلى عليّ الهادي ، فسأله فقال : تصدّق بثلاثة وثمانين درهما ، فسأله المتوكل عن السبب، فقال: لقوله تعالى:]َلقدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةً [([35] وكانت لمواطن هذه الجملة ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غزا سبعاً وعشرين غزاة ، وبعث ستا وخمسين سرية . قال المسعودي : نُمى إلى المتوكل بعليّ بن محمد أن في منزله سلاحا من شيعته من أهل قُم وأنه عازم على الملك ، فبعث إليه جماعة من الأتراك ، فهجموا داره ليلا فلم يجدوا فيها شيئا ، ووجدوه في بيت مغلق عليه وهو يقرأ وعليه مُدرعة من  صوف ، وهو جالس على الرمل والحصى متوجها إلى الله تعالى يتلو القرآن ، فحُمل على حالته تلك إلى المتوكل ، وأُدخل عليه وهو في مجلس الشراب ، والكأس في يد المتوكل ، فعظَّمه وأجلسه إلى جانبه ، وناوله الكأس ، فقال : والله ما خامر لحمي ودمي قط فأعفني، فأعفاه وقال له: أسمعني صوتا، فقال:]َكمْ تَرَكوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُوُن[. الآيات([36] فقال: أنشدنى شعراً، فقال: إني قليل الرواية للشعر ، فقال لا بد من ذلك ، فأنشده :

باتوا على قلـل الأجبال تحرسهم        غُلْبُ الرجــال فما أغنتهـم القُلَـلُ

واستُنزلوا بعد عـزٍمـن معاقلهم         وأسكنوا حفـراً يا بئس ما نـزلـوا

ناداهُمُ صـارخ من  بـعد دفنهم        أيـن الأسـرَّة والتيـجان والحـلـل

أيـن الوجـوه التي كانت منعَّمة         من دونـها تُضرب الأستار والكِلـلُ

فـأفصح القبر عنهُمْ حين ساءَلُهُمْ        تلك الوجـوهُ عليهـا الـدود يقتتـل

قد طال ما أكلوا دهرا وما شربوا        فأصبحوا بعد طول الأكـل قد أُكلـوا  

فبكى المتوكل حتى بلت دموعه لحيته )) .

فيقال : هذا الكلام من جنس ما قبله ، لم يذكر منقبة بحجة صحيحة ، بل ذكر ما يعلم العلماء أنه من الباطل ، فإنه ذكر في الحكاية أن والي بغداد كان إسحاق بن إبراهيم الطائي ، وهذا من جهله، فإن إسحاق بن إبراهيم هذا خزاعي معروف هو وأهل بيته،كانوا من خزاعة،فإنه إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب ، ، وابن عمه عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب أمير خراسان المشهورالمعلومة سيرته ، وابن هذا محمد بن عبد الله بن طاهر كان نائبا على بغداد في خلافة المتوكل وغيره ، وهو الذي صلَّى على أحمد بن حنبل لما مات ، وإسحاق بن إبراهيم هذا كان نائبا لهم في إمارة المعتصم والواثق وبعض أيام المتوكل ،وهؤلاء كلهم من خزاعة ليسوا من طيئ وهم أهل بيت مشهورون .

وأما الفُتيا التي ذكرها من أن المتوكل نذر إن عُوفِيَ يتصدّق بدراهم كثيرة ، وأنه سأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم جوابا ، وأن عليّ بن محمد أمره أن يتصدق بثلاثة وثمانين درهما ، لقوله تعالى : ]لقدْ نَصَرَكُمْ الله في مَواطِنَ كَثيرَةً [([37]، وأن المواطن كانت هذه الجملة ، فإن النبي صلى الله تعالى  عليه وسلم غزا سبعاً وعشرين غزاة ، وبعث ستاً وخمسين سرية ، فهذه الحكاية أيضا تحكى عن عليّ بن موسى مع المأمون ، وهي دائرة بين أمرين: إما أن تكون كذبا ، وإما أن تكون جهلا ممن أفتى بذلك .

فإن قول القائل: له عليَّ دراهم كثيرة ، أو والله لأعطين فلانا دراهم كثيرة ، أو لأتصدقن بدراهم كثيرة ، لا يُحمل على ثلاث وثمانين عند أحد من علماء المسلمين .

والحجة المذكورة باطلة لوجــوه :

أحدها : أن قول القائل : إن المواطن كانت سبعا وعشرين غزاة وستا وخمسين سرية ، ليس بصحيح ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز سبعا وعشرين غزاة باتفاق أهل العلم بالسير، بل أقل من ذلك.

الثاني : أن هذه الآية نزلت يوم حنين ، والله قد أخبر بما كان قبل ذلك، فيجب أن يكون ما تقدَّم  قبل ذلك مواطن كثيرة ، وكان بعد يوم حنين غزوة الطائف وغزوة تبوك ، وكثير من السرايا كانت بعد يوم حنين كالسرايا التي كانت بعد فتح مكة مثل إرسال جرير بن عبد الله  إلى ذي الخلصة وأمثال ذلك.

وجرير إنما أسلم قبل موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنحو سنة ، وإذا كان كثير من الغزوات والسرايا كانت بعد نزول هذه الآية ، امتنع أن تكون هذه الآية المخبرة عن الماضي  إخبارا بجميع المغازي والسرايا .

الثالث : أن الله لم ينصرهم في جميع المغازي ، بل يوم أحد تولوا ، وكان يوم بلاء وتمحيص . وكذلك يوم مؤتة وغيرها من السرايا لم يكونوا منصورين فيها ، فلو كان مجموع المغازي والسرايا ثلاثا وثمانين فإنهم لم ينصروا فيها كلها ، حتى يكون مجموع ما نصروا فيه ثلاثا وثمانين .

الرابع : أنه بتقدير أن يكون  المراد بالكثير في الآية ثلاثا وثمانين ، فهذا لا يقتضي اختصاص هذا القدر بذلك ؛ فإن لفظ ((الكثير)) لفظ عام يتناول الألف والألفين والآلاف ، وإذا عمَّ أنواعا من المقادير ، فتخصيص بعض المقادير دون بعض تحكّم .

الخامس : أن الله تعالى قال: ]َمنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَة [([38])  ، والله يضاعف الحسنة إلى سبعمائة ضعف بنص القرآن ، وقد ورد أنه يضاعفها ألفى ألف حسنة ، فقد سمَّى هذه الأضعاف كثيرة ، وهذه المواطن كثيرة .

وقد قال تعالى : ] َكمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِين [([39]والكثرة ههنا تتناول أنواعا من المقادير ، لأن الفئات المعلومة مع الكثرة لا تحصر في عدد معين ، وقد تكون الفئة القليلة ألفا والفئة الكثيرة ثلاثة آلاف ، فهي قليلة بالنسبة إلى كثرة عدد الأخرى .

( فصــــل)

قال الرافضي : (( وولده مولانا المهدي محمد عليه السلام .روى ابن الجوزى بإسناده إلى ابن عمر قال : قال رسول  الله  صلى الله  عليه  وسلم :

(( يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي ، اسمه كاسمي وكنيته كنيتي ، يملأ الأرض عدلا ، كما ملئت جورا ، فذلك هو المهدي )).

فيقال : قد ذكر محمد بن جرير الطبري وعبد الباقي بن قانع وغيرهما من أهل العلم بالأنساب والتواريخ : أن الحسن بن عليّ العسكري لم يكن له نسل ولا عقب . والإمامية الذين يزعمون أنه كان له ولد يدّعون أنه دخل السرداب بسامرّا وهو صغير ، منهم من قال : عمره سنتان ، ومنهم من قال: عمره ثلاث ، ومنهم من قال: خمس سنين وهذا لو كان موجودا معلوما ، لكن الواجب في حكم الله الثابت بنص القرآن والسنة والإجماع أن يكون محضونا عند من يحضنه في بدنه ، كأمه ،وأم أمه ، ونحوهما من أهل الحضانة ، وأن يكون ماله عند من يحفظه : أما وصى أبيه إن كان له وصى ، وإما غير الوصى : إما قريب ، وإما نائب لدى السلطان ، فإنه يتيم لموت أبيه .

والله تعالى يقول : ] وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُم رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِم أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا [([40] . فهذا لا يجوز تسليم ماله إليه حتى يبلغ النكاح ويؤنس منه الرشد ، كما ذكر الله تعالى ذلك في كتابه ، فكيف يكون من يستحق الحجر عليه في بدنه وماله إماما لجميع المسلمين معصوما ، لا يكون أحدا مؤمنا إلا بالإيمان به ؟!

ثم إن هذا باتفاق منهم : سواء قُدِّر وجوده أو عدمه ، لا ينتفعون به لا في دين ولا في دنيا ، ولا علَّمَ أَحداً شيئا ، ولا يعرف له صفة من صفات الخير ولا الشر ، فلم يحصل به شيء من مقاصد الإمامة ولا مصالحها ، لا الخاصة ولا العامة ، بل إن قدِّر وجوده فهو ضرر على أهل الأرض بلا نفع أصلا ، فإن المؤمنين به لم ينتفعوا به  ، ولا حصل لهم به لطف ولا مصلحة، والمكذِّبون به يعذَّبون عندهم على تكذيبهم به ، فهو شر محض لا خير فيه ، وخلق مثل هذا ليس من فعل الحكيم العادل .

وإذا قالوا : إن الناس بسبب ظلمهم احتجب عنهم .

قيل: أولا : كان الظلم موجودا في زمن آبائه ولم يحتجبوا .

وقيل : ثانيا : فالمؤمنون به طبَّقوا الأرض فهلاَّ اجتمع بهم في بعض الأوقات أو أرسل إليهم رسولا يعلِّمهم شيئا من العلم والدين ؟!

وقيل : ثالثا : قد كان يمكنه أن يأوي إلى كثير من المواضع التي فيها شيعته ،  كجبال الشام التي كان فيها الرافضة عاصية  ، وغير ذلك من المواضع العاصية .

وقيل : رابعا : فإذا كان هو  لا يمكنه أن يذكر شيئا من العلم والدين لأحد ، لأجل هذا الخوف ، لم يكن في وجوده لطف ولا مصلحة ، فكان هذا مناقضا لما أثبتوه  .بخلاف من أرسل من الأنبياء وكُذِّب، فإنه بلَّغ الرسالة ، وحصل لمن آمن به من اللطف والمصلحة ما هو من نعم الله عليه . وهذا المنتَظَر لم يحصل به لطائفته إلا الانتظار لمن لا يأتي ، ودوام الحسرة والألم، ومعاداة العالم ، والدعاء الذي لا يستجيبه الله ، لأنهم يدعون له بالخروج والظهور من مدة أكثر من أربعمائة وخمسين سنة لم يحصل شيء من هذا . ثم إن عمر واحد من المسلمين هذه المدة أمر يعرف كذبه بالعادة المطَّردة في أمة محمد ، فلا يُعرف أحد وُلد في دين الإسلام وعاش مائة وعشرين سنة ، فضلا عن هذا العمر . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في آخر عمره : (( أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإنه على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن  هو اليوم عليها أحد ))([41].

فمن كان في ذلك الوقت له سنة ونحوها لم يعش ؟أكثر من مائه سنة قطعا . وإذا كانت الأعمار في ذلك العصر لا تتجاوز هذا الحد ، فما بعده من الأعصار أوْلى بذلك في العادة الغالبة العامة ، فإن أعمار بني آدم في الغالب كلما تأخر الزمان قصرت ولم تطل ، فإن نوحا عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ، وآدم عليه السلام عاش ألف سنة ، كما ثبت ذلك في حديث صحيح رواه الترمذي وصحَّحَه([42]، فكان العمر في ذلك الزمان طويلا ، ثم أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين ، وأقلهم من يَجوز ذلك ، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح([43] .

واحتجاجهم بحياة الخضر احتجاج باطل ، فمن الذي يسلِّم لهم بقاء الخضر . والذي عليه سائر العلماء المحققون أنه مات ، وبتقدير بقائه فليس هو من هذه الأمة .

ولهذا يوجد كثير من الكذَّابين من الجن والإنس ممن يدَّعي أنه الخضر ويظن من رآه أنه الخضر ، وفي ذلك من الحكايات الصحيحة التي نعرفها ما يطول وصفها هنا .

وكذلك المنتظر محمد بن الحسن ، فإن عددا كثيرا من الناس يدَّعي كل واحد منهم أنه محمد بن الحسن ،منهم من يظهر ذلك لطائفة من الناس ، ومنهم من يكتم ذلك ولا يظهره إلا للواحد أو الاثنين ، وما  من هؤلاء إلا  من يَظْهَرُ كذبه كما يظهر كذب من يدَّعي أنه الخضر .

( فصـــــل )

وقوله : روى ابن الجوزي بإسناده إلى ابن عمر : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي ، اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي ، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا،فذلك هو المهدي))

فيقال : الجواب من وجوه :

أحدها : إنكم لا تحتجون بأحاديث أهل السنة ، فمثل هذا  الحديث لا يفيدكم فائدة . وإن قلتم : هو حجة على أهل السنة ، فنذكر كلامهم فيه .

الثاني :إن هذا  من أخبار الآحاد ، فكيف يثبت به أصل الدين الذي لا يصح الإيمان إلا به ؟

الثالث :أن لفظ الحديث حجة عليكم لا لكم ، فإن  لفظه : ((يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي )) فالمهدي الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلماسمه محمد بن عبد الله لا محمد بن الحسن . وقد رُوي عن عليّرضي الله عنه أنه قال : هو من ولد الحسن بن عليّ ، لا من ولد الحسين بن عليّ .

وأحاديث المهدي معروفة ، رواها الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم ، كحديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : (( لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي ، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ))([44].

الرابع : أن الحديث الذي ذكره ، وقوله : (( اسمه كاسمي ، وكنيته كنيتي )) ولم يقل : (( يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي )) فلم يروه أحد من أهل العلم بالحديث في كتب الحديث المعروفة، بهذا اللفظ . فهذا الرافضي لم يذكر الحديث بلفظه المعروف  في كتب الحديث ، مثل مسند أحمد ، وسنن أبي داود والترمذي ، وغير ذلك من الكتب . وإنما ذكره بلفظ مكذوب لم يروه أحد منهم .

وقوله : إن ابن الجوزي رواه بإسناده : إن أراد العالم المشهور صاحب المصنَّفات الكثيرة أبا الفرج ، فهو كذب عليه . وإن أراد سبطه يوسف بن قز أوغلى صاحب التاريخ المسمى (( بمرآة الزمان )) وصاحب الكتاب المصنَّف في ((الإثنى عشر ))الذي سمَّاه (( إعلام الخواص )) فهذا الرجل يذكر في مصنفاته أنواعا من الغثّ والسمين ، ويحتجّ في أغراضه بأحاديث كثيرة ضعيفة وموضوعة ، وكان يصنِّف بحسب مقاصد الناس : يصنِّف للشيعة ما يناسبهم ليعوِّضوه بذلك ، ويصنِّف على مذهب أبي حنيفة لبعض الملوك لينال بذلك أغراضه ، فكانت طريقته طريقة الواعظ الذي قيل له : ما مذهبك ؟ قال : في أي مدينة ؟

ولهذا يوجد في بعض كتبه ثلب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم لأجل مداهنة من قصد بذلك من الشيعة ، ويوجد في بعضها تعظيم الخلفاء الراشدين وغيرهم .

( فصــــل)

قال الرافضي : (( فهؤلاء الأئمة الفضلاء المعصومون ، الذين بلغوا الغاية في الكمال ، ولم يتخذوا ما اتخذ غيرهم من الأئمة المشتغلين بالملك وأنواع المعاصي والملاهي ، وشرب الخمور والفجور ، حتى فعلوا بأقاربهم على ما هو المتواتر بين الناس . قالت الإمامية : فالله يحكم بيننا وبين هؤلاء ، وهو خير الحاكمين )).

قال : (( وما أحسن قول الشاعر:

إذا شئت أن ترضي لنفسك مذهبا         وتعلم أن الناس في  نقل أخــبار

فدع عنك قول الشافعي ومالــك        وأحمد والمروىّ عن كـعب أحبار

ووال أناسـا قولهـم  وحديثهـم        روى جدنا عن جبرئيل عن الباري))

والجواب من وجوه :

أحدها : أن يقال : أما دعوى العصمة في هؤلاء فلم تذكر عليها حجة إلا ما ادّعيته من أنه يجب على الله أن يجعل للناس إماما معصوما ، ليكون لطفا ومصلحة في التكليف ، وقد تبين فساد هذه الحجة من وجوه : أدناها أن هذا مفقود  لا موجود ، فإنه لم يوجد إمام معصوم حصل به لطف ولا مصلحة، ولو لم يكن في الدليل على انتفاء ذلك إلا المنتظر الذي قد عُلم بصريح العقل أنه لم ينتفع به أحد ، لا في دين ولا في دنيا ، ولا حصل لأحد من المكلَّفين به مصلحة ولا لطف ، لكان هذا دليلا على بطلان قولهم ، فكيف مع كثرة الدلائل على ذلك ؟

الوجه الثاني : أن قوله : (( كل واحد من هؤلاء قد بلغ الغاية في الكمال )) هو قول مجرد عن الدليل ،والقول بلا علم يمكن كل أحد أن يقابله بمثله . وإذا ادّعى المدّعي هذا الكمال فيمن هو أشهر في العلم والدين من العسكريين وأمثالهما من الصحابة والتابعين ، وسائر أئمة المسلمين ، لكان ذلك أوْلى بالقبول .  ومن طالع أخبار الناس علم أن الفضائل العلمية والدينية المتواترة عن غير واحد من الأئمة أكثر مما ينقل عن العسكريين وأمثالهما من الكذب، دع الصدق .

الثالث : أن قوله : (( هؤلاء الأئمة )) إن أراد بذلك أنهم كانوا ذوى سلطان وقدرة معهم السيف ، فهذا كذب ظاهر ، وهم لا يدَّعون ذلك ، بل يقولون : إنهم عاجزون ممنوعون مغلوبون مع الظالمين ، لم يتمكن أحد منهم من الإمامة ، إلاّ عليّ بن أبي طالب ، مع أن الأمور استصعبت عليه ، ونصف الأمة  أو أقل أو أكثر  لم يبايعوه ، بل كثير منهم قاتلوه وقاتلهم ، وكثير منهم لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه ، وفي هؤلاء من هو أفضل من الذين قاتلوه وقاتلوا معه ، وكان فيهم من فضلاء المسلمين من لم يكن مع عليّ مثلهم، بل الذين تخلَّفوا عن القتال معه وله كانوا أفضل ممن قاتله وقاتل معه .

وإن أراد أنه كان لهم علم ودين يستحقون به أو كانوا أئمة ، فهذه الدعوى إذا صحت  لا تُوجب كونهم أئمة  يجب على الناس طاعتهم ، كما أن استحقاق الرجل أن يكون إمام مسجد لا يجعله إماما ، واستحقاقه أن يكون قاضيا لا يصيِّره قاضيا ، واستحقاقه أن يكون أمير الحرب لا يجعله أمير الحرب . والصلاة لا تصح إلا خلف من يكون إماما . وكذلك الحكم بين الناس إنما يفصله ذو سلطان وقدرة لا من يستحق أن يولَّى القضاء ، وكذلك الجند  إنما يقاتلون مع أمير عليهم لا مع من لم يؤمَّر وإن كان يستحق أن يؤمَّر .

الوجه الرابع :أن يقال ما تعنون بالاستحقاق ؟ أتعنون أن الواحد من هؤلاء كان يجب أن يولى الإمامة دون سائر قريش ؟ أم تريدون أن الواحد منهم من جملة من يصلح للخلافة ؟ فإن أردتم الأول فهو ممنوع مردود ، وإن أردتم الثاني فذلك قدر مشترك بينهم و بين خلق كثير من قريش .

الوجه الخامس : أن يقال الإمام هو الذى يؤتم به وذلك على وجهين : أحدها : أن يرجع إليه في العلم و الدين بحيث يطاع باختيار المطيع ، لكونه عالما بأمر الله عزوجل آمرا به ، فيطيعه المطيع لذلك ، وإن كان عاجزا عن إلزامه الطاعة .

والثاني : أن يكون صاحب يد وسيف ، بحيث يطاع طوعا وكرها لكونه قادرا على إلزام المطيع بالطاعة .

الوجه السادس : أن يقال : قوله : (( لم يتخذوا ما اتخذه غيرهم من الأئمة المشتغلين بالملك والمعاصي )) كلام باطل . وذلك أنه إن أراد أهل السنة يقولون : إنه يؤتم بهؤلاء الملوك فيما يفعلونه من معصية الله ، فهذا كذب عليهم . فإن علماء أهل السنة المعروفين بالعلم عند أهل السنة متفقون على أنه لا يُقتدى بأحد في معصية الله ، ولا يُتخذ إماما في ذلك .

وإن أراد ان أهل السنة يستعينون بهؤلاء الملوك فيما يُحتاج إليهم فيه من طاعة الله ، ويعاونونهم على ما يفعلونه من طاعة الله ، فيقال لهم : إن كان اتخاذهم أئمة بهذا الاعتبار محذوراً ، فالرافضة أدخل منهم في ذلك ، فإنهم دائما يستعينون بالكفّار والفجّار على مطالبهم ، ويعاونون الكفّار والفجّار على كثير من مآربهم ، وهذا أمر مشهود في كل زمان ومكان ، ولو لم يكن إلا صاحب هذا الكتاب (( منهاج الندامة )) وإخوانه ، فإنهم يتخذون المغل والكفار أو الفسَّاق أو الجهال أئمة بهذا الاعتبار .

الوجه السابع : أن يقال الأئمة الذين هم مثل هؤلاء الذين ذكرهم في كتابه وادّعى عصمتهم ، ليس لهم سلطان تحصل به مقاصد الإمامة ، ولا يكفي الائتمام بهم في طاعة الله ، ولا في تحصيل ما لا بد منه مما يعين على طاعة الله ، فإن لم يكن لهم ملك ولا سلطان لم يمكن أن تصلّي خلفهم جمعة ولا جماعة ، ولا يكونون أئمة في الجهاد ولا في الحج ، ولا تُقام بهم الحدود ، ولا تُفصل بهم الخصومات ، ولا يستوفي الرجل بهم حقوقه التي عند الناس والتي في بيت المال ، ولا يؤمَّن بهم السبل ، فإن هذه الأمور كلها تحتاج إلى قادر يقوم بها ، ولا يكون قادراً إلاّ من له أعوان على ذلك ، بل القادر على ذلك كان غيرهم ، فمن طلب هذه الأمور من إمام عاجز عنها كان جاهلا ظالما ، ومن استعان عليها بمن هو قادر عليها كان عالما مهتديا مسدَّدا ، فهذا يحصِّل مصلحة دينه ودنياه ، والأول تفوته مصلحة دينه ودنياه .

الوجه الثامن : أن يقال:  دعوى كون جميع الخلفاء كانوا مشتغلين بما ذكره من الخمور والفجور كذب عليهم ، والحكايات المنقولة في ذلك فيها ما هو كذب ، وقد عُلم أن فيهم العدْل الزاهد كعمر بن عبد العزيز والمهدى بالله ، وأكثرهم لم يكن مظهراً لهذه المنكرات من خلفاء بني أمية وبني العباس ، وإن كان أحدهم قد يُبتلى ببعض الذنوب ،وقد يكون تاب منها ، وقد يكون له حسنات كثيرة تمحو تلك السيئات ، وقد يُبتلى بمصائب تكفِّر عنه خطاياه . ففي الجملة الملوك حسناتهم كبار وسيئاتهم كبار ، والواحد من هؤلاء وإن كان له ذنوب ومعاص لا تكون لآحاد المؤمنين ، فلهم من الحسنات ما ليس لآحاد المسلمين : من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإقامة الحدود ، وجهاد العدو ، وإيصال كثير من الحقوق  إلى مستحقيها ، ومنع كثير من الظلم ، وإقامة كثير من العدل .

ونحن لا نقول : إنهم كانوا سالمين من المظالم والذنوب ، كما لا نقول: إن أكثر المسلمين كانوا سالمين من ذلك ، لكن نقول : وجود الظلم والمعاصي من بعض المسلمين وولاة أمورهم وعامتهم  لا يمنع أن يشارك فيما يعمله من طاعة الله .

وإن قال : مرادى بهؤلاء الأئمة الاثنا عشر . قيل له : ما رواه عليّ بن الحسين وأبو جعفر وأمثالهما من حديث جدهم ، فمقبول منهم كما يرويه أمثاله . ولولا أن الناس وجدوا عند مالك والشافعي وأحمد أكثر مما وجدوه عند موسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمد بن علي ، لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء . وإلا فأي غرض لأهل العلم والدين أن يعدلوا عن موسى بن جعفر إلى مالك بن أنس ، وكلاهما من بلد واحد ، في عصر واحد ؟

فإن زعم زاعم أنه كان عندهم من العلم المخزون ما ليس عند أولئك لكن كانوا يكتمونه  ، فأي فائدة للناس في علم يكتمونه ؟ فعلم لا يَقال به ككنز لا يُنفق منه ،وكيف يأتم الناس بمن لا يبين لهم العلم المكتوم ، كالإمام المعدوم ، وكلاهما لا يُنتفع به ، ولا يحصل به لطف ولا مصلحة . وإن قالوا : بل كانوا يبينون ذلك لخواصّهم دون هؤلاء الأئمة . قيل : أولا : هذا كذب عليهم، فإن جعفر بن محمد لم يجيء بعده مثله . وقد أخذ العلم عنه هؤلاء الأئمة ، كمالك ، وابن عيينة ، والثوري ، وابن جريج ، ويحيى بن سعيد ، وأمثالهم من العلماء المشاهير الأعيان .

ثم من ظن بهؤلاء السادة أنهم يكتمون علمهم ويخصّون به قوما مجهولين ليس لهم في الأمة لسان صدق ، فقد أساء الظن بهم ؛ فإن في هؤلاء من المحبة لله ولرسوله ، والطاعة له ، والرغبة في حفظ دينه وتبليغه ، وموالاة من والاه ، ومعاداة من عاداه ، وصيانته عن الزيادة والنقصان ، ما لا يوجد قريب منه لأحد من شيوخ الشيعة .وهذا أمر معلوم بالضرورة لمن عرف هؤلاء وهؤلاء . واعتبر هذا مما تجده في كل زمان من شيوخ السنة وشيوخ الرافضة ، كمصنِّف هذا الكتاب ، فإنه عند الإمامية أفضلهم في زمانه،  بل يقول بعض الناس : ليس في بلاد المشرق أفضل منه  في جنس العلوم مطلقا .ومع هذا فكلامه يدل على أنه من أجهل خلق الله بحال النبي صلى الله عليه وآله وسلموأقواله وأعماله  ، فيروى الكذب الذي يظهر أنه  كذب من وجوه كثيرة ، فإن كان عالما بأنه كذب ، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلمأنه قال : (( من حدَّث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين )) وإن كان جاهلا بذلك دلّ على أنه من أجهل الناس بأحوال النبي صلى الله عليه وآله وسلمكما قيل :

فإن كنت لا تدري فتلـك مصيبـة       وإن كنت تـدري فالمصيبة أعظـم

 (فصـــل)

قال الرافضي : (( وما أظن أحدا من المحصِّلين وقف على هذه المذاهب واختار غير مذهب الإمامية باطنا ، وإن كان في الظاهر يصير إلى غيره طلبا لدنيا ، حيث وُضعت لهم المدارس والربط والأوقاف حتى تستمر لبني العباس الدعوة ويُشيدوا للعامة اعتقاد إمامتهم )).

فيقال : هذا الكلام لا يقوله إلا من هو من أجهل الناس بأحوال أهل السنة ، أو من هو من أعظم الناس كذبا وعنادا ، وبطلانه ظاهر من وجوه كثيرة ؛ فإنه من المعلوم أن السنة كانت قبل أن تُبنى المدارس أقوى وأظهر ، فإن المدارس إنما بُنيت في بغداد في أثناء المائة الخامسة : بنيت النظامية في حدود الستين والأربعمائة ، وبنيتا على مذهب واحد من الأئمة الأربعة . والمذاهب الأربعة طبقت المشرق والمغرب ، وليس لأحد منهم مدرسة ، والمالكية في المغرب لا يُذكر عندهم ولد العباس.

ثم السنة كانت قبل دولة بني العباس أظهر منها وأقوى في دولة بني العباس ،  فإن بني العباس دخل في دولتهم كثير من الشيعة وغيرهم من أهل أبدع . ثم أن أهل السنة متفقون على أن الخلافة لا تختص ببني العباس ، وإنه لو تولاهما بعض العلويين أو الأموييين أو غيرهم من بطون قريش جاز ، ثم من المعلوم أن علماء السنة ، كمالك وأحمد وغيرهما ، من أبعد الناس عن مداهنة الملوك أو مقاربتهم ، ثم إن أهل السنة إنما يعظِّمون الخلفاء الراشدين ، وليس فيهم أحد من بني العباس .

ثم من المعلوم لكل عاقل أنه ليس في علماء المسلمين المشهورين أحد رافضي ، بل كلهم متفقون على تجهيل الرافضة وتضليلهم  ، وكتبهم كلها شاهدة بذلك ، وهذه كتب الطوائف كلها تنطق بذلك ، مع أنه لا أحد يلجئهم إلى ذكر الرافضة ، وذكر جهلهم وضلالهم .

وهم دائما يذكون من جهل الرافضة وضلالهم ما يُعلم معه بالاضطرار أنهم يعتقدون أن الرافضة من أجهل الناس وأضلهم ، وأبعد طوائف الأمة عن الهدى . كيف ومذهب هؤلاء الإمامية قد جمع عظائم البدع المنكرة ، فإنهم جهمية قدرية رافضة ،وكلام السلف والعلماء في ذم كل صنف من هذه الأصناف لا يحصيه إلا الله ، والكتب مشحونة بذلك ، ككتب الحديث والآثار والفقه والتفسير والأصول والفروع وغير ذلك ، وهؤلاء الثلاثة شر من غيرهم من أهل البدع كالمرجئة والحرورية .

والله يعلم أني مع كثرة بحثي وتطلعي إلى معرفة أقوال الناس ومذاهبهم ما علمت رجلا له في الأمة لسان صدق يُتهم بمذهب الإمامية ، فضلا عن أن يُقال : إنه يعتقده في الباطن .

وقد اتُّهم بمذهب الزيدية الحسن بن الصالح بن حيّ ، وكان فقيها صالحا زاهدا، وقيل : إن ذلك كذب عليه ، ولم ينقل أحد عنه : إنه طعن في أبي بكر وعمر ، فضلا عن أن يشك في إمامتهما  ، واتُّهم طائفة من الشيعة الأولى بتفضيل عليّ على عثمان ، ولم يُتهم أحد من الشيعة الأولى بتفضيل عليّ على أبي بكر وعمر ، بل كانت عامة الشيعة الأولى الذين يحبون عليًّا يفضِّلون عليه أبا بكر وعمر ، لكن كان فيهم طائفة ترجِّحه على عثمان ، وكان الناس في الفتنة صاروا شيعتين : شيعة عثمانية ، وشيعة علوية . وليس كل من قاتل مع عليّ كان يفضله على عثمان ، بل كان كثير منهم يفضّل عثمان على عليّ ، كما هو قول سائر أهل السنة .

( فصــــل)

قال الرافضي : (( وكثيرا ما رأينا من يتدين في الباطن بمذهب الإمامية ، ويمنعه عن إظهار حبّ الدنيا وطلب الرياسة ، وقد رأيت بعض أئمة الحنابلة يقول : إني على مذهب الإمامية فقلت : لم تدرس على مذهب الحنابلة ؟ فقال : ليس في مذهبكم البغلات والمشاهرات . وكان أكبر مدرسي الشافعية في زماننا حيث توفي  أوصى أن يتولى أمره في غُسله وتجهيزه بعض المؤمنين ، وأن يُدفن في مشهد مولانا الكاظم ، وأشهد عليه أنه كان على مذهب الإمامية )).

والجواب : أن قوله : (( وكثيرا ما رأينا )) هذا كذب ، بل قد يوجد في بعض المنتسبين إلى مذهب الأئمة الأربعة من هو في الباطن رافضي ، كما يوجد في المظهرين للإسلام من هو في الباطن منافق ، فإن الرافضة لما كانوا من جنس المنافقين يخفون أمرهم احتاجوا أن يتظاهروا بغير ذلك ، كما احتاج المنافقون أن يتظاهروا بغير الكفر ، ولا يوجد هذا إلا فيمن هو جاهل بأحوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمور المسلمين كيف كانت في أول الإسلام. وأما من عرف الإسلام كيف كان ، وهو مقرٌّ بأن محمداً رسول الله باطنا وظاهرا ، فإنه يمتنع أن يكون في الباطن رافضيا ، ولا يُتصور أن يكون في الباطن رافضيا إلا زنديق منافق ، أو جاهل بالإسلام كيف كان مُفرط في الجهل .

والحكاية التي ذكرها عن  بعض الأئمة  المدرسين ذكر لي بعض البغداديين أنها كذب مفترى ، فإن كان صادقا فيما نقله عن بعض المدرسين من هؤلاء وهؤلاء ، فلا يُنكر أن يكون في المنتسبين إلى الأئمة الأربعة من هو زنديق ملحد مارق من الإسلام ،فضلا عن أن يكون رافضيا  . ومن استدل بزندقة بعض الناس في الباطن على أن علماء المسلمين كلهم زنادقة ، كان من أجهل الناس، كذلك من استدل برفض بعض الناس في الباطن .


(2 )  سنن أبي داود ج4 ص 276 والترمذي ج4ص134 .

(1 )  اسم قلعه في جبال الديلم بناها أحد ملوك الديلم .

(1 )  الآية 53 من سورة الزمر .

(1 )  الآيتان 51-52 من سورة النساء .

(1)  انظر المسند ج10 ص224 وج11 ص138 ، 163 تحقيق أحمد شاكر .

(2)  يعني حديث الافتراق رواه أبو داود ج5 ص4 ، 5 والترمذي رقم 3991 في الفتن ، وقال : إنه حسن صحيح وغيرهما وله طرق كثيرة .

(1)  الآية 103 من سورة آل عمران .

(2) الآيتان 105 ، 106 من سورة آل عمران .

(3) الآية 159 من سورة الأنعام .

(4)  الآية 213 من سورة البقرة .

(5) الآية 4 من سورة البينة .

(1)  انظر البخاري ج3 ص46 ومسلم  ج2 ص 822.

(1) الآية 59 من سورة النمل .

(2) الآية 69 من سورة النساء .

(3) الآية 69 من سورة النساء .

(1) الآيتان 111 ، 112 من سورة البقرة .

(2) الآية 61 من سورة آل عمران .

(1 )  الآية 82 من سورة طه .

(1) الآية 33 من سورة الأحزاب .

(2) الآية 6 من سورة المائدة .

(1) الآيات من 26  28 من سورة النساء .

(1) انظر مسلم : ج4 ص1883 والترمذي : ج5 ص30 وج5 ص328 والمسند : ج6 ص292 ،298.

(1) الآيات 30-34 من سورة الأحزاب .

(2) الآية 108 من سورة التوبة .

(3)  الآية 23 من سورة الشورى .

(1) الآية 41 من سورة الأنفال .

(2) انظر صحيح مسلم ج4 ، ص1871 والترمذي ج4 ص 293.

(1) الآية 13 من سورة الحجرات .

(2) انظر البخاري ج1 ص96 ومسلم ج4 ص 1854.

(3) انظر البخاري ج2 ص51 ومسلم ج1 ص 508 .

(4) انظر البخاري ج4 ص161 وج2 ص50 ومسلم ج2 ص816 وغيرهما .

(5) الآية 12 من سورة النور.

(1) البخاري ج3 ص186 ومواضع أخر منه وسنن أبي داود ج4 ص 299.

(2) انظر المسند ج5 ص 205 ، 210 .

(1) الآية 25 من سورة التوبة .

(2) الآية 25 من سورة الدخان .

(1) الآية 25 من سورة الدخان .

(1) الآية 245 من سورة البقرة .

(2) الآية 249 من سورة البقرة . 

(1) الآية 6 من سورة النساء .

(1) انظر البخاري ج1 ص119 ومسلم ج4 ص 1965 .

(1) انظر سنن الترمذي ج5 ص 123 124 وقال : حسن غريب من هذا الوجه .

(2) انظر سنن الترمذي ج3 ص 387 وابن ماجة ج2 ص 1415 .

(1)  انظر سنن أبي داود ج4 ص151 والترمذي ج3 ص 343 والمسند ج2 ص117 .


بيان معنى حديث افتراق الأمة

يقول التيجاني (قرأت الحديث الشريف الذي قال فيه رسول الله (ص) (افترقت بنو إسرائيل إلى إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى إلى إثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمّتي إلى ثلاثةٍ وسبعين فرقة كلها في النار إلاّ فرقة واحدة ..... والغريب أن كل فرقة تدّعي أنها هي وحدها الناجية وقد جاء في ذيل الحديث: (قالوا من هم يا رسول الله؟ قال من هم على ما أنا عليه وأصحابي) فهل هناك فرقة إلاّ وهي متمسّكة بالكتاب والسنة، وهل هناك فرقة إسلامية تدّعي غير هذا؟ فلو سئل الإمام مالك أو أبوحنيفة أو الإمام الشافعي أو أحمد بن حنبل فهل يدّعي أي واحد منهم إلا التمسك بالقرآن والسنّة الصحيحة؟ فهذه المذاهب السنية وإذا أضفنا إليها الفرق الشيعية التي كنت اعتقد بفاسدها وانحرافها، فها هي الاخرى تدّعي أيضاً أنها متمسّكة بالقرآن والسنّة الصحيحة المنقولة عن أهل البيت الطاهرين، وأهل البيت أدرى بما فيه كما يقولون. فهل يمكن أن يكون كلهم على حق كما يدّعون؟ وهذا غير ممكن لأنّ الحديث الشريف يفيد العكس، اللهمّ إلاّ إذا كان الحديث موضوع، مكذوب، وهذا لا سبيل إليه لأن الحديث متواتر عند السنّة والشيعة، أم أنّ الحديث لا معنى له ولا مدلول؟ وحاشى لرسول الله (ص) أن يقول شيئاً لا معنى له ولا مدلول وهو الذي لا ينطق عن الهوى وكل أحاديثه حكمة وعبر. إذا لم يبق أمامنا إلاّ الإعتراف بأن هناك فرقة واحدة على الحق وما بقي فهو باطل)، أقول:

1 بالنسبة لاختلاف الأئمة الأربعة فهو ليس أختلافاً في أصول الدين فهم متفقون على ذلك ولكن اختلافهم هو في فروع الدين وذلك راجع لأسباب منها تفاوت فهمهم للنصوص الحديثية إضافة إلى وجودهم في أزمان متفرقة فأبو حنيفة توفي سنة (150) ه ومالك توفي سنة (179) ه والشافعي توفي سنة (204) ه وأحمد توفي سنة (241) ه وكل منهم كان يفتي بحسب ما يصله من نصوص، لذلك كان أبو حنيفة من أكثر الأئمة فتوى لقربه من عهد الصحابة وقلة توفر الأحاديث، أما أحمد فكان غالب فتواه من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتقادم زمانه ووصول الأحاديث إليه بعكس الباقين، ومن هنا كان اختلاف الفتوى بينهم، لذلك كان كل واحد منهم يشدد على الرجوع للحديث ويدعو اتباعه لذلك، والافتراق الذي يشير إليه الحديث هو في الأصول وليس في الفروع.
2 الفرقة الوحيد المتمسكة بالكتاب والسنة هي فرقة أهل السنة والجماعة، لان الحديث يقول (ما أنا عليه وأصحابي) ولا توجد فرقة متمسكة بما كان عليه، إلا أهل السنة ولهذا السبب بالذات يفتح الرافضة النار على أهل السنة، وكتاب التيجاني نفسه من أوله إلى آخره طعن في الصحابة، وهجوم على أهل السنة بسبب توليهم للصحابة، فبالطبع والحال كذلك أن يكون الرافضة من أبعد الناس عن الفرقة الناجية!؟

مصطلح أهل السنة والجماعة

تعريف التيجاني لمصطلح أهل السنة والجماعة بـ (معاوية) والرد عليه في ذلك:
يقول التيجاني (( ... من أطلق مصطلح أهل السنة والجماعة؟! لقد بحثت في التاريخ فلم أجد إلا أنهم اتفقوا على تسمية العام الذي استولى فيه معاوية على الحكم بعام الجماعة وذلك أن الأمة انقسمت بعد مقتل عثمان إلى قسمين شيعة علي وأتباع معاوية ولما استشهد الإمام علي واستولى معاوية على الحكم بعد الصلح الذي أبرمه مع الإمام الحسن وأصبح معاوية هوأمير المؤمنين سُمِّيَ ذلك العام بعام الجماعة، إذاً فالتسمية بأهل السنة والجماعة دالّة على اتباع سنة معاوية والإجتماع عليه وليست تعني اتباع سنة رسول الله)) (1)، فأقول:
__________
(1) ثم اهتديت ص (17، 171).
السنة تعرّف باللغة: بأنها الطريقة والسيرة، وأما الجماعة فتعرّف: بأنها ضد التفرقة، فهذا هوالتعريف اللغوي لمصطلح السنة والجماعة، وأما التعريف الاصطلاحي، فالسنة: هي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه اعتقاداً واقتصاداً، وقولاً وعملاً (1)، ويعرفها ابن حزم فيقول ((وأهل السنة أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة، فإنهم الصحابة رضي الله عنه، ومن سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليهم، ثم أصحاب الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء جيلاً فجيلاً إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها رحمة الله عليهم)) (2)،إذن فأهل السنة هم المتبعون لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأما معنى الجماعة الاصطلاحي: هي الجماعة المتابعة للحق والمقصود بها جماعة الصحابة، كما بيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الحقيقة حينما سئل عن الفرقة الناجية فقال ((ما أنا عليه وأصحابي)) (3) وجاءت صريحة في الرواية الأخرى بقوله صلى الله عليه وآله وسلم ((هي الجماعة)) (4)، لذلك قال أبوشامة رحمه الله ((وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلاً والمخالف كثيراً، لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رضي الله عنه ولا ينظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم)) (5)
__________
(1) منهج الإستدلال على مسائل الإعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان بن علي جـ1 ص (28).
(2) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم جـ2 ص (271).
(3) سنن الترمذي كتاب الإيمان ـ باب ـ ما جاء في افتراق هذه الأمة برقم (2641) جـ5، وراجع صحيح الترمذي برقم (2129).
(4) سنن ابن ماجة كتاب الفتن ـ باب ـ باب افتراق الأمم برقم (3992) و(3993) جـ2، وراجع صحيح ابن ماجة رقم (3226) (3227).
(5) الباعث على انكار البدع والحوادث لأبي شامة ص (91) وانظر منهج الأستدلال جـ1 ص (39).
، فالجماعة هواتباع ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من الحق فمن اتبعها فهوعلى الحق ولوكان وحده لذلك قال ابن مسعود (( ... إن الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك)) (1)، إذن فالسنة: هي اتباع الكتاب والسنة والجماعة: هي ماأجمع عليه الصحابة ((فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة)) (2) فهذا هوتعريف أهل السنة لمصطلح أهل السنة والجماعة، فادعاء التيجاني أن السنة المتبعة هي سنة معاوية التي سنّها لسب عليّ يدل على كذبه الفاضح وجهله الناضح!
__________
(1) المصدر السابق ص (92).
(2) مجموع الفتاوى جـ3 ص (346).
عدد مرات القراءة:
6464
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :