جديد الموقع

آية الغار - شبهات وردود (وشبهة أن الصديق لم يكن هو صاحب الغار وإنما رجل آخر) ..
الكاتب : فيصل نور ..

آية الغار - شبهات وردود
(وشبهة أن الصديق رضي الله عنه لم يكن صاحب الغار وإنما رجل آخر)


   قولهم أن قوله تعالى: إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: 40].

     لا يدل على إيمان أبي بكر، فإن الصحبة قد تكون من المؤمن والكافر كما قال تعالى: قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً [الكهف: 37]
 
من ردود العلماء
1- معلوم أن لفظ الصاحب في اللغة يتناول من صحب غيره كالرفيق في السفر والزوجة، وليس فيه دلالة بمجرد هذا اللفظ على أنه وليه أو عدوه أو مؤمن أو كافر إلا لما يقترن به. وهذا بخلاف إضافة الصحبة إليه كقوله تعالى: (لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) [التوبة: 40] وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) وقوله: (هل أنتم تاركو لي صاحبي) وأمثال ذلك.

فإن إضافة الصحبة إليه في خطابه وخطاب المسلمين تتضمن صحبة موالاة له، وذلك لا يكون إلا بالإيمان به فلا يطلق لفظ صاحبه على من صحبه في سفره وهو كافر به. والقرآن يقول فيه: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) [التوبة: 40] فأخبر الرسول أن الله معه ومع صاحبه، وهذا المعية تتضمن النصر والتأييد وهو إنما ينصره على عدوه وكل كافر عدوه، فيمتنع أن يكون الله مؤيداً له ولعدوه معاً ولو كان مع عدوه لكان ذلك مما يوجب الحزن ويزيل السكينة فعلم أن لفظ صاحبه تضمن صحبة ولاية ومحبة وتستلزم الإيمان له وبه.

وأيضاً فقوله: (لاَ تَحْزَنْ) دليل على أنه وليه وإنه حزن خوفاً من عدوهما فقال له: (لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) ولو كان عدوه لكان لم يحزن إلا حيث يتمكن من قهره فلا يقال له: لا تحزن إن الله معنا لأن كون الله مع نبيه مما يسر النبي، وكونه مع عدوه مما يسوءه فيمتنع أن يجمع بينهما لا سيما مع قوله: (لاَ تَحْزَنْ)، ثم قوله: (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ) [التوبة: 40]، ونصره لا يكون بأن يقترن به عدوه وحده وإنما يكون باقتران وليه ونجاته من عدوه.

فالآية في غاية المدح لأبي بكر رضي الله عنه، ولهذا قال سفيان بن عيينة وغيره: إن الله عاتب الخلق جميعهم في نبيه إلا أبا بكر. وقال: من أنكر صحبته أبي بكر فهوكافر لأنه كذب القرآن، وقالت طائفة من أهل العلم كأبي القاسم السهيلي وغيره أن هذه المعية لم تثبت لغير أبي بكر.

والمقصود هنا بيان اختصاصه في الصحبة الإيمانية بما لم يشركه مخلوق، لا في قدرها ولا في صفتها ولا في نفعها، فإنه لوأحصى الزمان الذي كان يجتمع فيه أبوبكر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والزمان الذي كان يجتمع به فيه عثمان أو عليّ أوغيرهما من الصحابة، لوُجد ما يختص به أبوبكر أضعاف ما اختص به واحد منهم، لا أقول ضعفه. وأما المشترك بينهم فلا يختص به واحد.
 
2- قوله: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ) حال من الضمير في أخرجه، أي: أخرجوه في حال كونه نبيا ثاني اثنين فهو موصوف بأنه أحد الاثنين فيكون الاثنان مخرجين جميعا، فإنه يمتنع أن يخرج ثاني اثنين إلا مع الآخر فإنه لو أخرج دونه لم يكن قد أخرج ثاني اثنين فدل على أن الكفار أخرجوه ثاني اثنين، فأخرجوه مصاحبا لقرينه في حال كونه معه فلزم أن يكونوا أخرجوهما وذلك هو الواقع فإن الكفار أخرجوا المهاجرين كلهم كما قال تعالى: (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)[الحشر: 8] وقال تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) [الحج: 40] وقال: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ)[الممتحنة: 9].

وذلك أنهم منعوهم أن يقيموا بمكة مع الإيمان وهم لا يمكنهم ترك الإيمان فقد أخرجوهم إذا كانوا مؤمنين، وهذا يدل على أن الكفار أخرجوا صاحبه كما أخرجوه، والكفار إنما أخرجوا أعداءهم لا من كان كافراً منهم. فهذا يدل على أن صحبته صحبة موالاة وموافقة على الإيمان لا صحبة مع الكفر.
 
3- وإذا قيل: هذا يدل على أنه كان مظهراً للموافقة وقد كان يظهر الموافقة له من كان في الباطن منافقاً وقد يدخلون في لفظ الأصحاب في مثل قوله لما استؤذن في قتل بعض المنافقين قال: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)دل على أن هذا اللفظ قد كان الناس يدخلون فيه من هو منافق.

قيل: إن المهاجرين لم يكن فيهم منافق، وينبغي أن يعرف أن المنافقين كانوا قليلين بالنسبة إلى المؤمنين وأكثرهم انكشف حاله لما نزل فيهم القرآن وغير ذلك وإن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعرف كلاً منهم بعينه فالذين باشروا ذلك كانوا يعرفونه، والعلم يكون الرجل مؤمناً في الباطن أو يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً أمر لا يخفى مع طول المباشرة، فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه. وقال تعالى: (وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) [محمد: 30].

فالمضمر للكفر لا بد أن يعرف في لحن القول، وأما بالسيما فقد يعرف وقد لا يعرف، وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) [الممتحنة: 10]. والصحابة المذكورون في الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذين يعظمهم المسلمون على الدين كلهم كانوا مؤمنين به، ولم يعظم المسلمون ولله الحمد على الدين منافقاً، والإيمان يعلم من الرجل كما يعلم سائر أحوال قلبه من موالاته ومعاداته وفرحه وغضبه وجوعه وعطشه وغير ذلك فإن هذه الأمور لها لوازم ظاهرة، والأمور الظاهرة تستلزم أموراً باطنة، وهذا أمر يعرفه الناس فيمن جربوه وامتحنوه، ونحن نعلم بالاضطرار أن ابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وأبا سعيد الخدري وجابراً أو نحوهم كانوا مؤمنين بالرسول محبين له معظمين له ليسوا منافقين، فكيف لا يعلم ذلك في مثل الخلفاء الراشدين الذين أخبارهم وإيمانهم ومحبتهم ونصرهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد طبقت البلاد مشارقها ومغاربها؟.

فهذا مما ينبغي أن يعرف، ولا يجعل وجود قوم منافقين موجباً للشك في إيمان هؤلاء الذين لهم في الأمة لسان صدق.

قال أحمد رحمه الله: أن المهاجرين لم يكن فيهم منافق أصلاً؛ وذلك لأن المهاجرين إنما هاجروا باختيارهم لما آذاهم الكفار على الإيمان وهم بمكة لم يكن يؤمن أحدهم إلا باختياره بل مع احتمال الأذى فلم يكن أحد يحتاج أن يظهر الإيمان ويبطن الكفر لا سيما إذا هاجر إلى دار يكون فيها سلطان الرسول عليه، ولكن لما ظهر الإسلام في قبائل الأنصار صار بعض من لم يؤمن بقلبه يحتاج إلى أن يظهر موافقة قومه؛ لأن المؤمنين صار لهم سلطان وعز ومنعة وصار معهم السيف يقتلون من كفر.

وثانياً: عامة عقلاء بني آدم إذا عاشر أحدهم الآخر مدة يتبين له صداقته من عداوته، فالرسول يصحب أبا بكر بمكة بضع عشرة سنة ولا يتبين له هل هو صديقه أو عدوه وهو يجتمع معه في دار الخوف وهل هذا إلا قدح في الرسول.
 
4- القول بأن القرآن ذكر إنزال السكينة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شرك معه المؤمنين إلا في هذا الموضع، ولا نقص أعظم منه.

فالجواب:

أولا: أن هذا يوهم أنه ذَكَر ذلك في مواضع متعددة، وليس كذلك، بل لم يذكر ذلك إلا في قصة حُنين. كما قال تعالى: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضَ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا)، فذكر إنزال السكينة على الرسول والمؤمنين، بعد أن ذكر توليتهم مدبرين.

وقد ذكر إنزال السكينة على المؤمنين وليس معهم الرسول في قوله: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) إلى قوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) الآية، وقوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ).

ثانيا : اختلف المفسرون في ضمير الغائب في كلمة (عليه) في قوله تعالى : (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) على من يعود، وذلك على قولين :
القول الأول :
يعود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو " أشهر القولين " كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله حيث جرى عليه كثير من المفسرين، كالطبري والزمخشري وابن جزي والشنقيطي.[1]

والدليل عليه أن الضمير في قوله تعالى : (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) يعود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولا واحدا، فهو الذي أيده ربه بالملائكة، فيبعد أن يراد بالضمير الذي قبله في كلمة (عليه) غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كي لا يحصل الانتقال في الضمائر.

يقول ابن كثير رحمه الله : (عليه) أي : على الرسول في أشهر القولين، وقيل : على أبي بكر، وروي عن ابن عباس وغيره، قالوا : لأن الرسول لم تزل معه سكينة، وهذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال ؛ ولهذا قال : (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) أي : الملائكة.[2]

القول الثاني :
أنه يعود على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهذا القول مروي عن الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهما ولكن بإسناد ضعيف، ومروي عن عن حبيب بن أبي ثابت من التابعين.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (سكينته عليه) على أبي بكر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تزل السكينة معه.[3]

جميعهم من طريق علي بن مجاهد، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.

إلا أن الرواية عند الآجري من كلام سعيد بن جبير، وليست من كلام ابن عباس.

وهذا إسناد ضعيف بسبب علي بن مجاهد، قال فيه ابن معين : كان يضع الحديث. رغم أن أحمد بن حنبل قال فيه : كتبت عنه، ما أرى به بأسا.[4]

كما ورد في " التهذيب " عن يحيى بن الضريس قال : علي بن مجاهد لم يسمع من ابن إسحاق.

وعن حبيب ابن أبي ثابت قال : " نزلت على أبي بكر، فأما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكانت سكينته عليه قبل ذلك ".

وفي تفسير ابن أبي حاتم قال : حدثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس وإبراهيم بن مهدي المصيصي والسياق لإبراهيم، قالا : أخبرنا أبو معاوية، ثنا عبد العزيز بن سياه، عن حبيب ابن أبي ثابت.[5]

واختار هذا القول جماعة من محققي المفسرين، بل نسبه السهيلي إلى أكثر أهل التفسير.[6]

قال أبو جعفر النحاس رحمه الله : " الأشبه على قول أهل النظر أن تكون تعود على أبي بكر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد كانت عليه السكينة، وهي السكون والطمأنينة ؛ لأنه جل وعز أخبر عنه أنه قال : (لا تحزن إن الله معنا).[7]

وقال ابن العربي المالكي رحمه الله : " قال علماؤنا : وهو الأقوى ؛ لأن الصِّدِّيق خاف على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القوم، فأنزل الله سكينته ليأمن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فسكن جأشه، وذهب روعه، وحصل له الأمن.[8]

وجاء في " مفاتيح الغيب " للفخر الرازي ما نصه : " ومن قال الضمير في قوله : (عَلَيْهِ) عائد إلى الرسول، فهذا باطل لوجوه :
الوجه الأول : أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات المتقدمة في هذه الآية هو أبو بكر ؛ لأنه تعالى قال : (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ) والتقدير : إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر لا تحزن. وعلى هذا التقدير : فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر، فوجب عَوْدُ الضمير إليه.

والوجه الثاني : أن الحزن والخوف كان حاصلاً لأبي بكر لا للرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه عليه السلام كان آمناً، ساكن القلب بما وعده الله أن ينصره على قريش، فلما قال لأبي بكر : لا تحزن : صار آمناً، فصَرْفُ السكينة إلى أبي بكر ليصير ذلك سبباً لزوال خوفه أولى من صرفها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب، قوي النفس.

والوجه الثالث : أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن يقال : إن الرسول كان قبل ذلك خائفاً، ولو كان الأمر كذلك لما أمكنه أن يقول لأبي بكر : (لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) فمن كان خائفاً كيف يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره، ولو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يقال : فأنزل الله سكينته عليه، فقال لصاحبه : لا تحزن.

ولمَّا لم يكن كذلك، بل ذكر أولاً أنه عليه الصلاة والسلام قال لصاحبه : لا تحزن، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول السكينة وهو قوله : (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) علمنا أن نزول هذه السكينة مسبوق بحصول السكينة في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن تكون هذه السكينة نازلة على قلب أبي بكر.[9]

وقد أجاب أصحاب هذا القول على استدلال الفريق الأول بعود الضمير في قوله تعالى (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما يلي :
فإن قيل : وجب أن يكون قوله : (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) المراد منه أنه أنزل سكينته على قلب الرسول، والدليل عليه : أنه عطف عليه قوله : (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا)، وهذا لا يليق إلا بالرسول، والمعطوف يجب كونه مشاركاً للمعطوف عليه، فلما كان هذا المعطوف عائداً إلى الرسول وجب في المعطوف عليه أن يكون عائداً إلى الرسول؟

قلنا : هذا ضعيف ؛ لأن قوله : (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا) إشارة إلى قصة بدر، وهو معطوف على قوله : (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) وتقدير الآية : إلا تنصروه فقد نصره الله في واقعة الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها في واقعة بدر.

وإذا كان الأمر كذلك فقد سقط هذا السؤال.[10]

لكن يقال: على هذا لما قال لصاحبه: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) والنبي صلى الله عليه وآله وسلم هوالمتبوع المطاع، وأبوبكر تابع مطيع، وهو صاحبه، والله معهما، فإذا حصل للمتبوع في هذه الحال سكينة وتأييد كان ذلك للتابع أيضا بحكم الحال، فإنه صاحب تابع لازم، ولم يحتج أن يذكر هنا أبو بكر لكمال الملازمة والمصاحبة التي توجب مشاركة النبي الصحبة الغار ليست فضيلة للصديق في التأييد، بخلاف حال المنهزمين يوم حنين، فإنه لو قال: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُوله) [الفتح: 26]، وسكت لم يكن في الكلام ما يدل على نزول السكينة عليهم لكونهم بانهزامهم فارقوا الرسول، ولكونهم لم يثبت لهم من الصحبة المطلقة التي تدل على كمال الملازمة ما ثبت لأبي بكر، وأبو بكر لما وصفه بالصحبة المطلقة الكاملة ووصفها في أحق الأحوال أن يفارق الصاحب فيها صاحبه - وهو حال شدة الخوف - كان هذا دليلا بطريق الفحوى على أنه صاحبه وقت النصر والتأييد، فإن من كان صاحبه في حال الخوف الشديد، فلأن يكون صاحبه في حال حصول النصر والتأييد أولى وأحرى، فلم يحتج أن يذكر صحبته له في هذه الحال لدلالة الكلام والحال عليها.

وإذا علم أنه صاحبه في هذه الحال، علم أن ما حصل للرسول من إنزال السكينة والتأييد بإنزال الجنود التي لم يرها الناس لصاحبه المذكور فيها أعظم مما لسائر الناس، وهذا من بلاغة القرآن وحسن بيانه، وهذا كما في قوله: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) [التوبة: 62] فإن الضمير في قوله: (أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) إن عاد إلى الله: فإرضاؤه لا يكون إلا بإرضاء الرسول، وإن عاد إلى الرسول: فإنه لا يكون إرضاؤه إلا بإرضاء الله، فلما كان إرضاؤهما لا يحصل أحدهما إلا مع الآخر - وهما يحصلان بشيء واحد، والمقصود بالقصد الأول إرضاء الله وإرضاء الرسول تابع - وحَّد الضمير في قوله: (أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)

وكذلك في قوله تعالى الله في ابينا ادم وزوجه حواء عليهما السلام: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى، إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى، فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى، فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) [طه: 117-123].

فهل من قائل أن حواء لم يشملها الله برحمته ومغفرته؟

وكذلك وحَّد الضمير في قوله: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) [التوبة: 40]؛ لأن نزول ذلك على أحدهما يستلزم مشاركة الآخر له، إذ محال أن ينزل ذلك على الصاحب دون المصحوب، أو على المصحوب دون الصاحب الملازم، فلما كان لا يحصل ذلك إلا مع الآخر وحَّد الضمير، وأعاده إلى الرسول، فإنه هو المقصود، والصاحب تابع له.

ولو قيل: (فأنزل السكينة عليهما وأيدهما) لأوهم أن أبا بكر شريك في النبوة، كهارون مع موسى حيث قال: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ)[القصص: 35]، وقال: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ. وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ. وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ. وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ. وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الصافات: 114-118]، فذكرهما أولا وقومهما فيما يشركونهما فيه، كما قال: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [الفتح: 26]

فلو قيل: (أنزل الله سكينته عليهما وأيدهما) لأوهم الشركة، بل عاد الضمير إلى الرسول المتبوع، وتأييدُه تأييدٌ لصاحبه التابع له الملازم بطريق الضرورة.
 
5- قالوا: أن الحزن هنا إما طاعة أو معصية، فإن كان طاعة لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يمنعه وإن كان معصية فتستحق النهي فلا فضيلة له فيها.

والجواب: لو كان حزن أبي بكر حزن معصية لنصحه الذي لا ينطق عن الهوى لأنه لا يقر المنكر ولما قال له: (إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) [التوبة: 40] ولقال: إن الله معي لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يقول بأن الله مع أعدائه أبدا قال تعالى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) [طه: 46] ولم يدخل فرعون في معية الله لأنه من أعدائه.

أما القول: أن الآية (لاَ تَحْزَنْ) تدل على خَوَرِهِ وقلة صبره، وعدم يقينه بالله، وعدم رضاه بمساواته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبقضاء الله وقدره.

فهذا كله: كذب منه ظاهر، ليس في الآية ما يدل على هذا. وذلك من وجهين:
أحدهما: أن النهي عن الشيء لا يدل على وقوعه، بل يدل على أنه ممنوع منه، لئلا يقع فيما بعد، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ)، فهذا لا يدل على أنه كان يطيعهم.

الثاني: أنه بتقدير أن يكون حزن، فكان حزنه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لئلا يُقتل فيذهب الإسلام، وكان يوّد أن يفدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولهذا لما كان معه في سفر الهجرة، كان يمشي أمامه تارة، وراءه تارة، فسأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال: أذكر الرصد فأكون أمامك وأذكر الطلب فأكون وراءك) رواه أحمد. فحزنه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدل على كمال موالاته ومحبته، ونصحه له، واحتراسه عليه، وذبّه عنه، ودفع الأذى عنه. وهذا من أعظم الإيمان.

ولا يدل هذا على انعدام شيء من الصبر المأمور به، فإن الصبر على المصائب واجب بالكتاب والسنّة، ومع هذا فحزن القلب لا ينافي ذلك.

كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله لا يؤاخذ على دمع العين، ولا على حزن القلب، ولكن يؤاخذ على هذا - يعني اللسان - أو يرحم) والأنبياء قد حزنوا، ولم يكن ذلك دليلا على عدم يقينهم بالله، كما ذكر الله عن يعقوب. وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما مات ابنه إبراهيم قال: (تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون).

واما الحزن فهو في مقام التسلية، وفي هذا دليل على قرب ابي بكر رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومحبته له، ولو كان الحزن مذموما والعياذ بالله للزم من ذلك ذم الانبياء صلوات الله عليهم الذين ذكرهم الله تعالى في القران بانهم حزنوا:

قال تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران: 139]

وقال: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ....) [آل عمران: 153]

وقال: (لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: 88]

وقال: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُون َ) [النحل: 127]

وقال: (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً) [مريم: 24]

وقال: (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ...) [طه: 40]

وقال: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ) [النمل: 70]

وقال: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ...) [القصص: 7]

وقال: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [القصص: 13]

وقال: (وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ.....) [العنكبوت: 33]

وقال: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ...) [فصلت: 30]

وقال: (وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً...) [آل عمران: 176]

وقال: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ...) [المائدة: 41]

وقال: (وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [يونس: 65]

وقال: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء: 103]

وقال: (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [لقمان: 23]

وقال: (فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) [يس: 76]

وقال تعالى مخبرا عن يعقوب عليه السلام: (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ)[يوسف: 13]، وقال تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)[يوسف: 86]، وقال تعالى عن موسى عليه السلام: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [القصص: 21].

فهذه الآيات دالة على حزن بعض الانبياء، بل فيها خوف بعضهم، ومن المستحيل ان تُحمل على الذم، او الجبن.
 
6- أما القول: يجوز أن يستصحبه لئلا يظهر أمره حذرا منه. فالجواب: أن هذا باطل من وجوه كثيرة لا يمكن استتقصاؤها.

أحدها: أنه قد علم بدلالة القرآن موالاته له ومحبته، لا عداوته، فبطل ادعاؤه.

الثاني: أنه قد علم بالتواتر المعنوي أن أبا بكر كان محبا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنا به، ومن أعظم الخلق اختصاصا به، أعظم مما تواتر من شجاعة عنترة، ومن سخاء حاتم ومن موالاة عليّ ومحبته به، ونحو ذلك من التواترات المعنوية التي اتفق فيها الأخبار الكثيرة على مقصود واحد، والشك في محبة أبي بكر كالشك في غيره وأشد.

الوجه الثالث: أن القول: (استصحبه حذراً من أن يظهر أمره). كلام من هو أجهل الناس بما وقع؛ فإن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خروجه من مكة ظاهر، عرفه أهل مكة، وأرسلوا الطلب، فإنه في الليلة التي خرج فيها عرفوا في صبيحتها أنه خرج، وانتشر ذلك، وأرسلوا إلى أهل الطرق يبذلون الدِّية لمن يأتي بأبي بكر، دليل على أنهم كانوا يعلمون موالاته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه كان عدوهم في الباطن، ولوكان معهم في الباطن لم يفعلوا ذلك.

الرابع: أنه إذا خرج ليلا، كان وقت الخروج لم يعلم به أحد، فما يصنع بأبي بكر واستصحابه معه؟
فإن قيل: فلعله علم خروجه دون غيره؟

قيل: أولا: قد كان يمكنه أن يخرج في وقت لا يشعر به، كما خرج في وقت لم يشعر به المشركون، وكان يمكنه أن لا يعينه، فكيف وقد ثبت في الصحيحين أن أبا بكر استأذنه في الهجرة فلم يأذن له حتى هاجر معه، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلمه بالهجرة في خلوة.

الوجه الخامس: أنه لما كان في الغار كان يأتيه بالأخبار عبد الله بن أبي بكر وكان معهما عامر بن أبي فهيرة، فكان يمكنه أن يعلمهم بخبره.

السادس: أنه إذا كان كذلك، والعدو قد جاء إلى الغار، ومشوا فوقه، كان يمكنه حينئذ أن يخرج من الغار، وينذر العدو به، وهو وحده ليس معه أحد يحميه منه ومن العدو، فمن يكون مبغضا لشخص، طالباً لإهلاكه، ينتهز الفرصة في مثل هذه الحال، التي لا يظفر فيها عدوٌ بعدوه إلا أخذه، فإنه وحده في الغار.

وأعلم أنه ليس في المهاجرين منافق، وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار، لأن أحداً لم يهاجر إلا باختياره، والكافر بمكة لم يكن يختار الهجرة، ومفارقة وطنه وأهله بنصر عدوه.

وإذا كان هذا الإيمان يستلزم إيمانه، فمعلوم أن الرسول لا يختار لمصاحبته في سفر هجرته، الذي هو أعظم الأسفار خوفاً، وه والسفر الذي جُعل مبدأ التاريخ لجلالة قدره في النفوس، ولظهور أمره؛ فإن التاريخ لا يكون إلا بأمر ظاهر معلوم لعامة الناس، لا يستصحب الرسول فيه من يختص بصحبته، إلا وهو من أعظم الناس طمأنينة إليه، ووثوقا به.


شبهة أن الصديق رضي الله عنه لم يكن هو صاحب الغار وإنما رجل آخر كما قال بعض المعاصرين من الشيعة

     لعل أفضل رد على هذا الزعم هو نقل بعض النصوص من كتب علماء الشيعة عبر التاريخ.
 
الصفار: عن أبي جعفر عليه السلام قال لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار و معه أبو الفصيل قال رسول الله صلى الله عليه وآله انى لأنظر الان إلى جعفر وأصحابه الساعة تغوم بينهم سفينتهم في البحر وانى لأنظر إلى رهط من الأنصار في مجالسهم مخبتين بأفنيتهم فقال له أبو الفصيل أتريهم يا رسول الله صلى الله عليه وآله الساعة قال نعم فأرينهم قال فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله على عينيه ثم قال انظر فنظر فرآهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أرأيتهم قال نعم واسر في نفسه انه ساحر.[11]

القمي: وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له أبو كرز يقفو الآثار، فقالوا له يا أبا كرز اليوم اليوم، فوقف بهم على باب حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال هذه قدم محمد والله انها لأخت القدم التي في المقام وكان أبو بكر استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله فرده معه، فقال أبو كرز وهذه قدم ابن أبي قحافة أو أبيه ثم قال وههنا عبر ابن أبي قحافة فما زال بهم حتى أوقفهم على باب الغار، ثم قال ما جاوزا هذا المكان اما ان يكونا صعدا إلى السماء أو دخلا تحت الأرض، وبعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار، وجاء فارس من الملائكة حتى وقف على باب الغار ثم قال ما في الغار واحد فتفرقوا في الشعاب وصرفهم الله عن رسوله صلى الله عليه وآله ثم اذن لنبيه في الهجرة [12]

الكليني: عن يوسف بن صهيب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول:إن رسول الله صلى الله عليه وآله أقبل يقول لأبي بكر في الغار: أسكن فإن الله معنا وقد أخذته الرعدة وهو لا يسكن فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله حاله قال له: تريد أن أريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدثون فأريك جعفرا وأصحابه في البحر يغوصون؟ قال: نعم، فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله: بيده على وجهه فنظر إلى الأنصار يتحدثون ونظر إلى جعفر عليه السلام وأصحابه في البحر يغوصون فأضمر تلك الساعة أنه ساحر [13].

العياشي: عن ابن عباس قال: شرى علي عليه السلام بنفسه، لبس ثوب النبي صلى الله عليه وآله ثم نام مكانه فكان المشركون يرمون رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فجاء أبو بكر وعلي عليه السلام نائم وأبو بكر يحسب أنه نبي الله، فقال: أين نبي الله؟ فقال على: ان نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون فأدرك قال: فانطلق أبو بكر دخل معه الغار وجعل عليه السلام يرمى بالحجارة كما كان يرمى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يتضور قد لف رأسه فقالوا انك لكنه كان صاحبك لا يتضور قد استنكرنا ذلك.[14]

المفيد: خروج أبي بكر مع النبي صلى الله عليه وآله فغير مدفوع، وكونه في الغار معه غير مجحود.[15]

المفيد: عن أبي جعفر عليه السلام قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي بكر وقد ذهب به إلى الغار فقال: مالك أليس الله معنا؟ تريد أن أريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدثون وأريك جعفر بن أبي طالب وأصحابه في سفينة يغوصون؟ فقال: نعم أرنيهم. فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله وجهه وعينيه فنظر إليهم فأضمر في نفسه أنه ساحر. [16]

المفيد: وفي صبيحة هذه الليلة صار المشركون إلى باب الغار عند ارتفاع النهار لطلب النبي صلى الله عليه وآله، فستره الله تعالى عنهم، وقلق أبو بكر بن أبي قحافة - وكان معه في الغار - بمصيرهم إلى بابه، وظن أنهم سيدركونه، فحزن لذلك وجزع، فسكنه النبي صلى الله عليه وآله، ورفق به، وقوى نفسه بما وعده من النجاة منهم، وتمام الهجرة له.[17]

الشريف الرضي: قال ابن الكواء لأمير المؤمنين: أين كنت حيث ذكر الله تعالى نبيه وأبا بكر فقال: (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ويلك يا ابن الكواء كنت على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.[18]

الشريف المرتضى: قوله تعالى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا إلى قوله تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم). وقد وردت الرواية بخروج النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم خائفا من قريش واستتارة في الغار وأبو بكر معه، ونهيه له عمّا ظهر منه من الجزع والخوف على ما يطابق من ظاهر القرآن.[19]

الطوسي: "فقد نصره الله" أي قد فعل الله به النصر حين اخرجه الكفار من مكة "ثاني اثنين". وهو نصب على الحال اي هو ومعه آخر، وهو أبو بكر في وقت كونهما في الغار من حيث " قال لصاحبه " يعني أبا بكر " لا تحزن " اي لا تخف. ولا تجزع " ان الله معنا " أي ينصرنا.[20]
الخصيبي: (إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا فأنزل الله سكينته عليه) ولو كان الذي حزن أبو بكر لكان أحق بالأمن من رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يحزن.[21]

أبو القاسم الكوفي: (ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ثم قال: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها) فأخبر أنه أنزل السكينة عليه دون أبي بكر، ولم يذكر أبا بكر في السكينة.[22]

الطبرسي: (ثاني اثنين) يعني أنه كان هو وأبو بكر (إذ هما في الغار) ليس معهما ثالث أي: وهو أحد اثنين، ومعناه فقد نصره الله منفردا من كل شئ، إلا من أبي بكر، والغار.[23]

الفيض الكاشاني: (إلا تنصروه فقد نصره الله): إن تركتم نصرته فسينصره الله كما نصره. إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين: لم يكن معه إلا رجل واحد. إذ هما في الغار: غار ثور، وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة. إذ يقول لصاحبه: وهو أبو بكر. لا تحزن: لا تخف.إن الله معنا: بالعصمة والمعونة [24].

فتح الله الكاشاني: (إِذْ أَخْرَجَه الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ) حال كونه أحد اثنين، أي: لم يكن معه إلَّا رجل واحد - وهو أبو بكر - فلن يخذله من بعد... (إِذْ يَقُولُ) بدل ثان أو ظرف ل‍ « ثاني » (لِصاحِبِه) وهو أبو بكر.[25]

المازندراني: فدخلوا الدار فوجدوا علياً على الفراش فلم يتعرضوا له ثم خرجوا في كل وجه يطلبونه ويقفون أثره بقايف معهم إلى أن وصلوا الغار فوجدوا العنكبوت قد نسجت عليه، وقال ثابت في الدلايل: ولما دخلاه يعني النبي عليه السلام وأبو بكر أنبت الله سبحانه على بابه شجرة مثل قامة الإنسان.[26]

ابن البطريق: "ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله " قال: قال ابن عباس: نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام حين هرب النبي صلى الله عليه وآله من المشركين إلى الغار مع أبي بكر ونام علي على فراش النبي صلى الله عليه وآله.[27]

القاضي النعمان:... وألبسه النبي صلى الله عليه وآله ثوبه في الليلة التي أمره جبرائيل بالخروج فيها إلى الغار. [وشرى على نفسه] ونام على فراشه فجعل المشركون يرمونه، وهم يحسبون أنه نبي الله عليه السلام، فجاء أبو بكر إليه، فقال: أين رسول الله؟ فقال: ذهب نحو بئر ميمونة، فاتبعه، فدخل معه الغار.[28] وفي موضوع آخر:.., قال: وشرى على نفسه: لبس ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم نام مكانه، قال: وكان المشركون يتوهمون أنه رسول الله صلى الله عليه وآله فجاء أبو بكر وعلي نائم، قال: وأبو بكر - يحسب أنه نبي الله: قال: فقال: يا نبي الله، فقال له على: ان نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون، فأدركه، قال: فانطلق أبو بكر، فدخل معه الغار، قال: وجعل على يرمى بالحجارة كما كان يرمى نبي الله صلى الله عليه وآله وهو يتضور، قد لف رأسه في الثوب، لا يخرجه حتى أصبح ثم كشف عن رأسه، فقالوا: انك للئيم، كان صاحبك نراميه، فلا يتضور وأنت تتضور، وقد استنكرنا ذلك.[29]

المجلسي: وقال في قوله تعالى: " إلا تنصروه فقد نصره الله ": أي إن لم تنصروا النبي صلى الله عليه وآله على قتال العدو فقد فعل الله به النصر " إذ أخرجه الذين كفروا "من مكة فخرج يريد المدينة" ثاني اثنين إذ هما في الغار " يعني أنه كان هو وأبو بكر في الغار ليس معهما ثالث، وأراد به هنا غار ثور، وهو جبل بمكة "إذ يقول لصاحبه" أي إذ يقول الرسول صلى الله عليه وآله لأبي بكر: "لا تحزن" أي لا تخف "إن الله معنا" يريد أنه مطلع علينا، عالم بحالنا، فهو يحفظنا وينصرنا.[30]

ابن شهر آشوب: واستتبع رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر وهند بن أبي هالة و عبد الله بن فهيرة ودليلهم أر بقطة الليثي فأمرهم بمكان ذكره ولبث هو مع علي يوصيه، ثم خرج في فحمة العشاء، والرصد من قريش قط أطافوا به ينتظرون انتصاف الليل وكان يقرأ: (وجعلنا من بين أيديهم سدا) الآية، وكانت بيده قبضة تراب فرمى بها في رؤسهم ومضى حتى انتهى إليهم فمضوا معه حتى وصلوا إلى الغار وانصرف هند وعبد الله، فهجم الكفار على علي القصة.[31]

الطبرسي: ثم اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة وجاؤا به إلى سقيفة بني ساعدة فلما سمع بذلك عمر أخبر بذلك أبا بكر فمضيا مسرعين إلى السقيفة ومعهما أبو عبيدة بن الجراح، وفي السقيفة خلق كثير من الأنصار وسعد بن عبادة بينهم مريض فتنازعوا الأمر بينهم فآل الأمر إلى أن قال أبو بكر في آخر كلامه للأنصار: إنما أدعوكم إلى أبي عبيدة بن الجراح أو عمر وكلاهما قد رضيت لهذا الأمر وكلاهما أراهما له أهلا. فقال عمر وأبو عبيدة: ما ينبغي لنا أن نتقدمك يا أبا بكر وأنت أقدمنا إسلاما وأنت صاحب الغار وثاني اثنين فأنت أحق بهذا الأمر وأولى به.[32]

حسن الحلي: عن خالد بن يحيي قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام سمى رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر صديقا فقال نعم انه حيث كان معه أبو بكر في الغار قال رسول الله صلى الله عليه وآله اني لأرى سفينة بني عبد المطلب تضطرب في البحر ضالة فقال له أبو بكر وانك لتراها قال نعم فقال يا رسول الله تقدر ان ترينيها فقال ادن مني فدنى منه فمسح يده على عينيه ثم قال له انظر فنظر أبو بكر فرأى السفينة تضطرب في البحر ثم نظر إلى قصور أهل المدينة فقال في نفسه الآن صدقت انك ساحر فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله صديق أنت.[33]

الغروي: كيفية هجرة النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة:... واستتبع رسول الله أبا بكر بن أبي قحافة وهند بن أبي هالة فأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره لهما من طريقه إلى الغار. ولبث رسول الله بمكانه مع علي (عليه السلام) يوصيه ويأمره في ذلك بالصبر حتى صلى العشاءين، ثم خرج في فحمة العشاء الآخرة، والرصد من قريش قد أطافوا بداره ينتظرون أن ينتصف الليل وتنام الأعين، فخرج وهو يقرأ هذه الآية: (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) وأخذ بيده قبضة من تراب فرمى بها على رؤوسهم، فما شعر القوم به حتى تجاوزهم ومضى حتى أتى إلى هند وأبي بكر فنهضا معهم حتى وصلوا إلى الغار، ثم رجع هند إلى مكة بما أمره به رسول الله، ودخل رسول الله وأبو بكر الغار.[34] وفي موضوع آخر: وأمهل علي عليه السلام حتى إذا أعتم في الليلة القابلة فانطلق هو وهند بن أبي هالة حتى دخلا على رسول الله في الغار، فأمر رسول الله هندا أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين، فقال أبو بكر: قد كنت أعددت لي ولك - يا نبي الله - راحلتين نرتحلهما إلى يثرب. فقال صلى الله عليه وآله: اني لا آخذها ولا إحداهما الا بالثمن. فقال: فهي لك بذلك. فأمر صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام فأقبضه الثمن ثم وصاه بحفظ ذمته وأداء أمانته.[35]

الطباطبائي: قوله تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار) ثاني اثنين أي أحدهما... والمراد بصاحبه هو أبو بكر للنقل القطعي.[36]

جعفر مرتضى العاملي: ونحن نرى في حديث الهجرة أن النبي صلى الله عليه وآله يختفي في الغار، حذراً من المشركين، كما أن أبا بكر يخاف ويبكي، رغم كونه مع النبي الأعظم، الذي يتولى الله رعايته وحمايته، وظهرت له آنئذٍ الكثير من المعجزات الدالة على ذلك.[37]

جعفر مرتضى العاملي: وقد سئل من الذي كان مع النبي صلى الله عليه وآله في الغار؟ فأجاب: إن الذي كان مع النبي صلى الله عليه وآله في الغار ، هو أبو بكر بن أبي قحافة.[38]

جعفر السبحاني: النبيّ في غار ثور: إن ما هو مسلّم به هو أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أمضى هو وأبو بكر ليلة الهجرة وليلتين أخريين بعدها في غار ثور الذي يقع في جنوب مكة في النقطة المحاذية للمدينة المنورة.[39]

مكارم الشيرازي: ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اطلع - بأمر الله - على هذه المكيدة ، فتهيأ للخروج من ( مكة ) والهجرة إلى ( المدينة ) إلا أنه توجه نحو ( غار ثور ) الذي يقع جنوب مكة وفي الجهة المخالفة لجادة المدينة واختبأ فيه ، وكان معه ( أبو بكر ) في هجرته هذه.[40]


[1] جامع البيان، للطبري، 14/261، الكشاف، للزمخشري، 2/260، التسهي، لابن جزي، 2/76، أضواء البيان، للشنقيطي، 7/397

[2] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 4/155

[3] رواه ابن أبي حاتم في التفسير، 6/1801، تاريخ دمشق، لابن عساكر، 30/87، فتح الباري، لابن حجر، 7/9، الشريعة، للآجري، 1807

[4] انظر تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، 7/378

[5] تفسير ابن أبي حاتم، 6/1801

[6] الروض الأنف، للسهيلي، 4/136

[7] معاني القرآن، 3/210

[8] أحكام القرآن، لابن العربي، 2/436

[9] مفاتيح الغيب، للفخر الرازي، 16/53

[10] مفاتيح الغيب، للفخر الرازي، 16/53

[11] بصائر الدرجات، لمحمد بن الحسن الصفار، 442، بحار الأنوار، للمجلسي، 19/ 71 وقال: أبو الفصيل: أبو بكر، وكان يكنى به في زمانه أيضا لان الفصيل ولد الناقة، والبكر: الفتى من الإبل.

[12] تفسير القمي، لعلي بن إبراهيم القمي، 1/276

[13] الكافي، للكليني، 8/262

[14] تفسير العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، 1/101

[15] الإفصاح، للمفيد، 185

[16] الاختصاص، للمفيد، 19

[17] مسار الشيعة في مختصر تواريخ الشريعة، للمفيد، 48

[18] خصائص الأئمة، للشريف الرضي، 58

[19] تفسير الشريف المرتضى (نفائس التأويل)، 1/341

[20] التبيان في تفسير القرآن، للطوسي، 5/221

[21] الهداية الكبرى، للحسين بن حمدان الخصيبي، 84

[22] الاستغاثة في بدع الثلاثة، لأبي القاسم الكوفي، 160

[23] تفسير مجمع البيان، للطبرسي، 5/57

[24] التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، 2/344

[25] زبدة التفاسير، للملا فتح الله الكاشاني، 3/113

[26] شرح أصول الكافي، للمولي محمد صالح المازندراني، 12/363

[27] عمدة عيون صحاح الاخبار في مناقب إمام الأبرار، لابن البطريق، 240

[28] شرح الأخبار، للقاضي النعمان المغربي، 2/300

[29] عمدة عيون صحاح الاخبار في مناقب إمام الأبرار، لابن البطريق، 86

[30] بحار الأنوار، للمجلسي، 19/33

[31] مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب، 1/158

[32] الاحتجاج، للطبرسي، 1/91

[33] مختصر بصائر الدرجات، لحسن بن سليمان الحلي، 29

[34] موسوعة التاريخ الإسلامي، لمحمد هادي اليوسفي الغروي، 1/733

[35] موسوعة التاريخ الإسلامي، لمحمد هادي اليوسفي الغروي، 1/739

[36] تفسير الميزان، للطباطبائي، 9/279

[37] الصحيح من سيرة النبي الأعظم، لجعفر مرتضى العاملي، 4/171

[38] مختصر مفيد، لجعفر مرتضى العاملي، 5/140

[39] سيد المرسلين، لجعفر السبحاني، 1/591

[40] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، لناصر مكارم الشيرازي، 6/57


عدد مرات القراءة:
13609
إرسال لصديق طباعة
الجمعة 15 رجب 1445هـ الموافق:26 يناير 2024م 09:01:47 بتوقيت مكة
ابوعيسى 
ببحار الأنوار للعلامه المجلسي 19 صفحه 82 :

 




تفسير الإمام (ع) : إن الله تعالى أوحى إلى النبي يا محمد إن العلي الاعلى يقرأ عليك السلام ، ويقول لك : إن أبا جهل والملا من قريش قد دبروا يريدون قتلك ، وآمرك أن تبيت عليا في موضعك ، وقال لك : إن منزلته منزلة إسماعيل الذبيح من إبراهيم الخليل ، يجعل نفسه لنفسك فداء ، وروحه لروحك وقاء ، وأمرك أن تستصحب أبابكر ، فإنه إن آنسك وساعدك ووازرك وثبت على ما يعاهدك و يعاقدك كان في الجنة من رفقائك ، 


2
النص :

تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج 9 - ص 279
قوله تعالى : ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار ) ثاني اثنين أي أحدهما ، والغار الثقبة العظيمة في الجبل ، والمراد به غار جبل ثور قرب منى وهو غير غار حراء الذي ربما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأوى إليه قبل البعثة للأخبار المستفيضة ، والمراد بصاحبه هو أبو بكر للنقل القطعي . . . أ.هـ



 

+


الإفصاح - الشيخ المفيد - ص 185
قيل لهم : أما خروج أبي بكر مع النبي صلى الله عليه وآله فغير مدفوع ، وكونه في الغار معه غير مجحود .
الجمعة 15 رجب 1445هـ الموافق:26 يناير 2024م 09:01:01 بتوقيت مكة
ابوعيسى 
المرجع  الشيعي بشير النجفي يقول المشهور في كتب المسلمين أنه كان معه صلى الله عليه وآله وسلم في الغار وثيقة

 


السؤال :

السلام عليكم مولانا المرجع الكبير بشير النجفي دام ظلكم الشريف وعظم الله لكم الأجر بمصاب سيدنا الحسين بن علي عليهم السلام .
ما قولكم دام ظلكم الشريف في وجود أبي بكر في الغار مع الرسول خصوصاً وأن البعض ذهب إلى عدم وجوده وعدم هجرته مع النبي الأعظم مثل سيرة ابن هشام ؟
والسلام عليكم




الجواب :

بسمه سبحانه

ما نقلت عن سيرة ابن هشام هو أحد الأقوال في موضوع أبي بكر ، إلا أن المشهور في كتب المسلمين أنه كان معه صلى الله عليه وآله وسلم في الغار، ولكن ينبغي أن نعلم أن وجوده مع النبي سعياً منه في......................
................

المرجع  الشيعي بشير النجفي

الأربعاء 10 جمادى الأولى 1435هـ الموافق:12 مارس 2014م 12:03:16 بتوقيت مكة
ابن تيمية الثاني 
إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه
 
اسمك :  
نص التعليق :