آخر تحديث للموقع :

الأربعاء 10 رجب 1444هـ الموافق:1 فبراير 2023م 09:02:55 بتوقيت مكة

جديد الموقع

علاء الموسوي ..
الكاتب : علاء الموسوي ..

مختصر كتاب الخمس بين الفريضة الشرعية والضريبة المالية
علاء عباس الموسوي


المقدمة

    الحمد لله على توفيقه

    والحمد له على أن هيأ للحق قلوبا تقبله ، وتؤثره على ما سواه رغم الشبهات وكثرة المغريات !

    فلله الحمد مرة أخرى ... وأخرى ...

    ولكي تعم الفائدة ، وتنتشر الحقيقة والكلمة الرائدة ارتأيت -  كما أشار علي  - بعض الفضلاء – أن أختصره ، وأحذف منه بعض المباحث – على أهميتها – تيسيرا لقراءته وتسهيلا لنشره ومداولته .

    على أن هذا المختصر لا يغني عن الكتاب الأم لما فيه من فوائد جمة ومباحث قيمة كالمبحث اللغوي فإنه مبحث أصيل مبتكر إلا أنني حذفته – كما حذفت غيره – تحقيقا لتلك المقاصد .

    أسأل الله تعالى أن يوفق لما فيه خير البلاد والعباد في المعاش والمعاد .  آمين .

المؤلف

الباب الأول

خمس المكاسب

بين أقوال ( الأئمة ) وفتاوى الفقهاء

الفصل الأول

حقائق خطيرة ومثيرة

    من خلال دراستي لموضوع خمس المكاسب اكتشفت حقائق مهمة – في غاية الأهمية- ومع ذلك فهي – حسب علمي – مجهولة تماما لدى جميع الذين يقومون بدفعه وأدائه إلى المجتهدين أو (السادة) المنتسبين إلى بيت أمير المؤمنين علي (ع) وتأتي أهمية هذه الحقائق من كونها تحدث انقلابا كاملا في نظرة من يطلع عليها ومفهومه القديم (للخمس) وسيكتشف لأول مرة الفرق الهائل بين التقاليد الموروثة ، والحقائق المجهولة ! ولا يحتاج بعدها إلا إلى شيء من الجرأة والاستقلالية في الرأي للتمرد على الموروث الخاطئ من أجل الحقيقة الصحيحة . من هذه الحقائق :

الحقيقة الأولى :

    إن هذا الأمر لا يستند ولو إلى نص واحد أو دليل منقول عن ( الأئمة المعصومين ) الذي ينبغي أن يكون اعتماد ( المذهب ) عليهم ومرجع فتاوى علمائه  - لا سيما في الأمور العظيمة – إليهم يدل أو يشير – حتى مجرد إشارة – إلى ما يفعله الكثير اليوم طبقا إلى الفتاوى التي توجب على المقلد إعطاء خمس أرباحه وأمواله وكسبه إلى الفقيه ، إذ لا وجود لهذا النص في أي مصدر من المصادر المعتمدة  – كما أسلفت – فهل تصدق ؟!!

الحقيقة الثانية :

    وهي أعظم وأعجب ! وبقدر ما هي كذلك فهي مجهولة أو مستورة بحيث لا يعرفها أحد من الجماهير التي تعتقد بوجوب دفع ( الخمس ) .. هذه الحقيقة هي :

    إن كثيرا من النصوص الواردة عن ( الأئمة ) تسقط ( الخمس ) عن الشيعة وتبيحه لهم  - خصوصا – في زمن ( الغيبة ) إلى حين ظهور ( المهدي المنتظر ) .

(1) هي الكتب الأربعة : الكافي للكليني ، وفقيه من لا يحضره الفقيه لابن بابويه القمي ، وتهذيب الأحكام والاستبصار لشيخ الطائفة الطوسي .

    إن هذه النصوص تجعل حكم أداء ( الخمس ) ل ( الإمام ) نفسه وفي حال حضوره الاستحباب أو التخيير بين الأداء وتركه وليس الوجوب .

الحقيقة الرابعة : وهي غريبة حقا وملفتة للنظر بشكل مثير !!

    إن أحدا من علماء ( المذهب ) الأقدمين الذين عليهم قام المذهب وتكون كالشيخ المفيد ( ت 413هـ ) أو السيد المرتضى علم الهدى ( ت 436 هـ ) أو شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي ( ت 460هـ ) وغيرهم لم يذكر قط مسألة إعطاء ( الخمس ) إلى الفقهاء ، بل ربما لم تخطر لهم على بال .

    تظهر هذه الحقيقة جلية بمجرد إجراء مقارنة سريعة بين حكم أداء ( الخمس ) للفقيه وأدائه ( للإمام ) ، إذ يلاحظ التناقض التام بين الحكمين :

فمع ان ( الخمس )  - حسب النظرية الإمامية – هو حق ( الإمام ) إلا ان حكم أدائه إليه في كثير من الروايات المعتبرة الاستحباب وليس الوجوب  - كما سيأتي من خلال عرض الروايات لاحقا – فكيف ارتقت درجة أدائه إلى الفقيه فصار حكما واجبا !! في حين أن الفتوى التي أدخلت الفقيه في الموضوع إنما أدخلته بقياسات واجتهادات غايتها أن تجعل منه نائبا أو وكيلا عن صاحب الحق ( الإمام ) لا أكثر .

    فكيف تغير الحكم وارتفع من درجة الاستحباب إلى الوجوب مع ان المنطق يقضي بأن يكون  - في أحسن أحواله – مشتركا بينهما أي مستحبا مع الالتفات إلى الفارق الكبير بين الفقيه وبين ( الإمام المعصوم ) في الدرجة والمنزلة فكان المفترض أن ينزل الحكم من الاستحباب إلى الإباحة وهذا هو الذي جاءت به كثير من النصوص عن ( الأئمة ) وقال به كثير من الفقهاء . والمقصود بالإباحة هنا ان صاحب المال يباح له التصرف بماله دون أن يطالب بأداء ( خمسه ) إلى أي جهة كانت .

الحقيقة السادسة :

    إلا أن الواقع المشاهد ان الفقيه يأخذ ( الخمس ) كله دون مراعاة هذه القسمة . فكيف ؟! هل يباح للفقيه من الحقوق ما لا يباح ل ( الإمام ) نفسه ؟! أم ماذا ؟!

الحقيقة السابعة :

    ان نظرية ( الخمس ) في شكلها الأخير تقسم ( الخمس ) نصفين  - كما أسلفت في الحقيقة السادسة – نصف للفقيه باعتباره نائبا عن ( الإمام ) ، ونصف لفقراء بني هاشم (يتاماهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم ) وليس للغني ذكر فيها .

    وإذن فليس للأغنياء الذين ينتسبون إلى أهل البيت نصيب فيه لأنهم ليسوا من صنف الفقهاء ولا من صنف الفقراء . فما يفعله هؤلاء من أخذ الأموال باسم ( الخمس ) بحجة النسب باطل لا يسنده دليل .

    وهذه الحقيقة مجهولة من قبل عامة من يقوم بدفع ( الخمس ) إليهم إذ يدفعون تلك الأموال لكل من يدعي النسبة دون النظر إلى كونه غنيا أو فقيرا .

الحقيقة الثامنة :

    وهكذا نصل إلى القول بأن إخراج ( الخمس ) وإعطاءه إلى الفقهاء لا يستند إلى أي نص عن أي ( إمام معصوم ) ، وإنما هو فتوى مختلف فيها لبعض  - وليس جميع – الفقهاء المتأخرين – وليس المتقدمين - .

    وقد اختلف الفقهاء فيها وفي تفصيلاتها كثيرا ، من فقيه إلى فقيه ، ومن زمان إلى زمان ، وظلت هذه الفتوى تعاني من النقص ومن إجراءات التحوير والتطوير جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن دون أن تستقر على صورة نهائية وإلى اليوم ! مما يجعل كل عارف

بهذه الحقائق على يقين من عدم استناد هذه الفتوى إلى دليل .

 (1) انظر ( النهاية في مجرد الفقه والفتاوى ) للطوسي ص 265 .

الفصل الثاني

الأدلة التفصيلية على الحقائق السابقة

1- النصوص الواردة عن ( الأئمة المعصومين ) في إسقاط ( الخمس )

- عن أبي عبد الله (ع) – وقد سئل - : من أين دخل على الناس الزنا ؟ قال : من قبل خمسنا أهل البيت . إلا شيعتنا الأطيبين فإنه محلل لهم لميلادهم . (1)

    في هذا النص يظهر واضحا أن الإمام الصادق أباح ( الخمس )  لشيعته ، وهذا مع وجوده وحضوره ، وان الشيعة غير ملزمين بدفعه من أجل أن يطيب ميلادهم ولا يكونوا أبناء زنا إذا امتنعوا عن أدائه كبقية الناس من غير الشيعة الذين دخل عليهم الزنا بذلك !

- عن أحدهما (ع) قال : إن أشد ما فيه الناس يوم القيامة صاحب الخمس ، فيقول : يا رب خمسي .

    وقد طيبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم ولتزكو أولادهم . (2)

     وقد رواه الطوسي في الاستبصار هكذا : إن أشد ما فيه الناس يوم القيامة ان يقوم صاحب ( الخمس ) فيقول : يا رب خمسي وقد طيبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم وليزكو أولادهم . (3)

    وهذا النص كسابقه في إباحة ( الخمس ) للشيعة وعدم إلزامهم به حتى في زمن حضور ( الإمام ) .

- عن أبي عبد الله (ع) – في قوله تعالى : (( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ))  - قال : هي – والله – الإفادة يوما بيوم إلا أن أبي جعل شيعته في حل ليزكوا . (4)

(1) أصول الكافي للكليني 1/546 .

(2) أصول الكافي للكليني 1/547 وفقيه من لا يحضره الفقيه للقمي 2/22 .

(3) الاستبصار 2/57

(4) أصول الكافي للكليني 1/544

- عن أبي عبد الله (ع) قال : ان الناس كلهم يعيشون في فضل مظلمتنا ، إلا أنا أحللنا شيعتنا من ذلك . (1)

    والنصان الأخيران واضحا الدلالة على ان ( الأئمة ) قد أحلوا ( الخمس ) لشيعتهم وأسقطوه عنهم .

- عن أبي عبد الله (ع) قال :- وهو يتحدث عن أنهار الدنيا الخمسة – فما سقت او استقت فهو لنا ، وما كان لنا فهو لشيعتنا وليس لعدونا منه شيء إلا ما غصب عليه وان ولينا لفي أوسع مما بين ذه وذه ، يعني ما بين السماء والأرض . (2)

    تأمل قول ( الإمام) : ( ما كان لنا فهو لشيعتنا ) أي ان حق ( الإمام ) ملك لشيعته أباحه لهم . والمالك حر في تصرفه بملكه . فإذا كان ( الإمام ) نفسه قد ملك شيعته ما كان له من نصيب في ( الخمس ) فبأي حق يأتي من وضع نفسه وكيلا عنه دو ن توكيل منه ليطالب بحقه الذي تنازل عنه بل يشدد في المطالبة ؟!

    إذا كان لرجل على آخر دين تنازل عنه والتنازل مكتوب في وثيقة مصدقة ومعتبرة ثم مات الرجل فهل من حق ورثته المطالبة بالدين ؟

    أليست هذه الروايات وغيرها من أمثالها وثائق معتبرة يمكن إبرازها من قبل أي مسلم عند من يطالبه بشيء اسمه ( الخمس ) ؟!

    وإذا لم تكن هذه وثائق معتبرة فبأي رواية يمكن أن يكون الاعتبار ؟ ولماذا يضرب بهذه الروايات عرض الحائط حتى كأنها لم توجد ، ويؤخذ بغيرها من أمثالها ؟! وتأمل – أيضا – قوله (ع) : ( وإن ولينا لفي أوسع مما بين ذه وذه ) أي لا يجب عليه شيء إذ هو في سعة من أمره أكبر مما بين السماء والأرض !

- عن أبي عبد الله (ع) وقد جاءه أحد أتباعه بمال فرده عليه وقال – قد طيبناه لك وأحللناك فيه فضم إليك مالك وكل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون حتى يقوم قائمنا (3) .

 (1) فقيه من لا يحضره الفقيه للقمي 2/24

(2) أصول الكافي 1/409

(3) أصول الكافي 1/408

    وهذا تطبيق عملي للروايات السابقة في إباحة ( الخمس ) وإذا جمعنا الروايات إلى غيرها يتبين لنا أن ( الخمس ) مباح من قبل الإمام الصادق ومن بعده حتى يقــوم القائم ( أي المهدي المنتظر ) ، فمن أوجبه إذن إذا كان ( الإمام ) نفسه قد أباحه ؟!

- عن يونس بن يعقوب قال : كنت عند أبي عبد الله (ع) فدخل عليه رجل من القماطين فقال : جعلت فداك في أيدينا الأرباح والأموال وتجارات نعرف حقك فيها ثابت وأنا عن ذلك مقصرون . فقال (ع) ما أنصفناكم ان كلفناكم ذلك اليوم . (1)

    وهذا فيه ان التكليف بدفع ( الخمس ) ينافي الإنصاف !! هذا و ( الإمام ) حاضر فكيف وقد غاب ؟!

- عن علي بن مهزيار أنه قال : قرأت في كتاب لأبي جعفر (ع) إلى رجل يسأله أن يجعله في حل من مأكله ومشربه من الخمس فكتب (ع) بخطه : من أعوز شيء من حقي فهو في حل . (2)

- جاء رجل إلى أمير المؤمنين (ع) قال : يا أمير المؤمنين أصبت مالا أغمضت فيه أفلي توبة ؟ قال : أئتني بخمسه ، فأتاه بخمسه فقال : هو لك ، ان الرجل إذا تاب تاب ماله معه . (3)

    وقد بوب الطوسي في الاستبصار : ( باب ما أباحوه لشيعتهم عليهم السلام من الخمس حال الغيبة ) (4) أورد تحته عدة روايات منها ما سبق ذكرها ومنها :

- عن أبي عبد الله (ع) قال : هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم والغائب ، والميت منهم والحي ومن تولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال (5) .

(1) فقيه من لا يحضره الفقيه للقمي 2/23

(2) فقيه من لا يحضره الفقيه 2/23

(3) المصدر السابق 2/22

(4) الاستبصار 2/57

(5) المصدر السابق 2/58

- عن أبي جعفر (ع) قال : أمير المؤمنين (ع) هلك الناس في بطونهم وفروجهم لأنهم لم يؤدوا إلينا حقنا ، ألا وإن شيعتنا من ذلك وآباءهم في حل . (1)

 - وروى في موضع آخر الرواية التالية : عن أبي عبد الله (ع) قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له ثم يقسم ما بقي خمسة أخماس ثم يأخذ خمسه ثم يقسم أربعة أخماس بين الناس . (2)

    وهذا يعني أن المغنم هو غنيمة الحرب خاصة لأن أموال الناس ومكاسبهم وعقاراتهم لا ينطبق عليها هذا القول إذ هي لا يمكن – ولم يحدث – أن يؤتى بها ويأخذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غيره ما يعجبه ثم بعد ذلك يقسمها خمسة أقسام يأخذ واحدا منها ثم يقسم الأربعة أقسام الأخرى بين الناس . وهذا ما جاء في رواية أخرى :                                                                                                                                                                                              

- عــن عبد الله بن سنان قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : ليس إلا في الغنائم خاصة . (3)

- عن العبد الصالح (ع) : ( وله – أي الإمام – نصف الخمس كاملا ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته فسهم ليتاماهم وسهم لمساكينهم وسهم لأبناء سبيلهم ... ) وفي آخر الرواية يعود ليقول : ( وجعل للفقراء في قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم نصف الخمس) (4) .

ف ( الخمس ) إذن نصفه ل ( الإمام ) – حسب هذه الرواية – ونصفه للفقراء ( اليتامى والمساكين وابن السبيل ) فليس للأغنياء فيه نصيب وإن كانوا من ذرية أهل البيت ، وعلى هذا نص الفقهاء قديما وحديثا – كما سيأتي – وبعد ..

    فهـذه أقــوال ( الأئمة ) وتوجيهاتهم في الروايات الواردة عنهم فإن كان موضوع ( الخمس ) وأحكامه قد أسست على أقوال ( الأئمة ) ، فهذه أقوالهم .. وإن كانت أسست على شيء آخر فذلك شأن من أسسها و ( الأئمة ) منه برءاء ، فهو وشأنه لا

(1) الاستبصار 2/59

(2) أيضا 2/57

(3) أيضا 2/56

(4) أصول الكافي 1/540،542

علاقة لنا به ولا حجة له علينا . وهنا يحق لنا أن نتساءل ونقول : فمن أين نشأ القول بوجوب ( الخمس ) وأدائه إلى الفقيه ؟! ومتى ؟!

    هذا ما سأحاول الإجابة عنه من خلال استقراء أقوال فقهاء المذهب .

2- كبار الفقهاء يسقطون ( الخمس ) أيضا

    لم يكـن الحكــم بإباحة ( الخمس ) وإسقاطه عن الشيعة ، وعدم إلزامهم به قولا ( للأئمة ) فقط  - وان كان هذا يكفي لأن قول ( الإمام ) حجة – حسب قواعد المذاهب ولا اجتهاد مع النص أو قول ( الإمام ) – وإنما على هذا الحكم أيضا كبار فقهاء المذهب ومشاهيره على مر التاريخ محتجين بهذه الروايات التي أسلفنا ذكرها مما يدل صراحة على اعتبارها عندهم .

من هؤلاء الفقهاء : (1)

1-            العلامة أحمد الأردبيلي ( ت 993 هـ ) :

     الذي كان أبرز فقهاء عصره على الإطلاق حتى لقب بالفقيه المقدس !!

    يقول الأردبيلي : ( اعلم أن عموم الأخبار .. يدل على السقوط بالكلية في زمان الغيبة والحضور ، بمعنى عدم الوجوب الحتمي .. وهذه الأخبار هي التي دلت على السقوط حال الغيبة ، وكون الإيصال مستحبا ( أي زمن الحضور ) كما هو مذهب البعض مع ما مر من عدم تحقق الوجوب إلا قليلا لعدم دليل قوي على الأرباح والمكاسب وعدم الغنيمة ) (2) .

    تأمل التشابه بين هذه الفتوى ونصوص ( الأئمة ) السابقة ، وكيف يستدل على سقوط ( الخمس ) بالأخبار الواردة عن ( الأئمة ) .

2-            محمد الباقر السبزواري ( 1018هـ – 1090 هـ ) :

    قال في ( ذخيرة المعاد ) : ( المستفاد من الأخبار الكثيرة في بحث الأرباح كصحيحة

 (1) هذه الاستشهادات في –عمومها-  ملخصة عن كتاب ( تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه ) لأحمد الكاتب في مباحثه الخاصة ب ( الخمس ) من ص 305 – ص 313 و ص 352 – ص 358 .

(2) مجمع الفائدة والبرهان 4/355-358

الحارث بن المغيرة النضري ، وصحيحة الفضلاء وصحيحة زرارة  وصحيحة علي بن مهيار ، وصحيحة ضريس وحسنة الفضيل ، ورواية محمد بن مسلم ورواية داود بن كثير ورواية الحرث بن المغيرة ورواية معاذ بن كثير ، ورواية اسحق بن يعقوب ، ورواية عبد الله بن سنان ، ورواية حكم مؤذن بني عبس ، إباحة الخمس للشيعة ) (1)

وقد خير بين الإباحة وبين حفظ حصة ( الإمام ) إلى حين ظهوره أو قيام الفقيه بصرفه احتياطا على سبيل الاستحباب لا الوجوب في موضع آخر (2) مع ميله الشديد إلى الإباحة عملا بالأخبار الواردة .

3-            الشيخ محمد حسن النجفي ( ت 1266 هـ ) (3) .

4-            السيد محمد علي الطباطبائي ( ت 1009 هـ ) .

5-            الشهيد الثاني (  911هـ –966 هـ ) .

6-            العلامة سلار .

7-            الشيخ يحيى بن سعيد الحلي ( 601هـ – 690 هـ ) .

وقد قال جماعة من الفقهاء بإباحة ( خمس ) المناكح والمساكن والمتاجر حال الغيبة منهم :

8-            شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي ( ت 460 هـ ) . (4)

9-            المحقق الحلي نجم الدين جعفر بن الحسن ( 602هـ – 676 هـ ) (5) .

10-      العلامة الحسن بن المطهر الحلي ( ت 709 هـ ) . (6) .

11-      القاضي ابن براج ( المتوفي في منتصف القرن الخامس الهجري ) (7) .

12-      الشهيد الأول ( ت 786هـ ) (8) .

 (1) ذخيرة المعاد ص 292

(2) ذخيرة المعاد ص 291

(3) لا حظ تاريخ الوفاة المتأخر : منتصف القرن الثالث عشر الهجري !

(4) النهاية في مجرد الفقه والفتاوى ص 200 .

(5) شرائع الإسلام / كتاب الخمس 1/182 –183

(6) تحرير الأحكام ص 75

(7) المهذب 1/180

(8) الدروس الشرعية ص 70

الفصل الثالث

اضطراب نظرية ( الخمس )

واختلافها بين المتقدمين من الفقهاء والمتأخرين

قول الشيخ أبي جعفر الطوسي المتوفى سنة ( 460 هـ ) :

    وهو صاحب كتابي ( الاستبصار ) و ( تهذيب الأحكام ) وهما اثنان من كتب أربعة عليها مدار المذهب في الرواية ، وكذلك هو صاحب كتابين من كتب أربعة عليها مدار المذهب في ( الرجال ) جاء في التعريف به في بداية كتاب ( النهاية ) ( إمام الفرقة بعد الأئمة المعصومين ، وعماد الشيعة في كل ما يتعلق بالمذهب والدين شيخ الطائفة على الإطلاق ) .

    يقول الطوسي : ( أما في حال الغيبة فقد رخصوا لشيعتهم التصرف في حقوقهم من المناكح والمتاجر والمساكن فأما ما عدا ذلك فلا يجوز لهم التصرف فيه على حال . وما يستحقونه من الأخماس في الكنوز وغيرها فقد اختلف قول أصحابنا فيه ، وليس فيه نص معين ، إلا ان كل واحد منهم قال قولا يقتضيه الاحتياط :

- فقال بعضهم : انه جار في حال الاستتار مجرى ما أبيح لنا من المناكح والمتاجر .

- وقال قوم : انه يجب حفظه ما دام الإنسان حيا فإذا حضرته الوفاة وصى به إلى من يثق به من إخوانه ليسلمه إلى صاحب الأمر إذا ظهر ، أو يوصي به حسب ما وصى به إلى أن يصل إلى صاحب الأمر .

- وقال قوم : يجب دفنه لأن الأرضين تخرج كنوزها عند قيام القائم

- وقال قوم : يجب أن يقسم الخمس ستة أقسام ، فثلاثة أقسام للإمام يدفن أو يودع عند من يثق به ، والثلاثة الاقسام الأخر يفرق على مستحقيه من أيتام آل محمد (ص) ومساكينهم وأبناء سبيلهم .

    وهذا مما ينبغي أن يكون العمل عليه ، لأن هذه الثلاثة الأقسام مستحقها ظاهر ، وان كان المتولي لقبضها وتفريقها ليس بظاهر ، كما ان مستحق الزكاة ظاهر وان كان المتولي لقبضبها وتفريقها ليس بظاهر ، ولا أحد يقول في الزكاة انه لا يجوز تسليمها إلى مستحقيها .

    ولو أن إنسانا استعمل الاحتياط وعمل على أحد الأقوال المقدم ذكرها من الدفن أو الوصاة لم يكن مأثوما ) (1) .

ملاحظات مهمة :

    يلاحظ على هذه الفتوى ان الشيخ الطوسـي لم يذكر الفقهـاء قــط لا في قبض ( الخمس ) ، ولا تفريقه ولا عند الوصية إلى موثوق ، ولا عند الدفن ، بل صرح ان المتولي لتفريق ( الخمس ) ليس بظاهر ( أي غائب ) ، ولو كان يرى ان الفقهاء يتولون ذلك لما قال ( ان المتولي لقبضها وتفريقها ليس بظاهر ) .

    بل ذكر صراحة – عند ذكر الوصية – ان الذي يوصى إليه ب ( الخمس ) هو من يثق به صاحب ( الخمس ) من ( إخوانه المؤمنين ) ولم يقل ( من الفقهاء ) !

    ويلاحظ أيضا : أن الشيخ لم يذكر من بين جميع الأقوال التي ذكرها قولا واحدا يشير إلى دفــع ( الخمس ) إلى الفقيه أو ( السيد ) ! وكذلك جميع الفقهاء الذين تكلموا عن ( الخمس ) في تلك الأزمنة وهذا يعني إجماع فقهاء المذاهب الأقدمين على إغفال ذكرهما وأنهما واردين في حساب أولئك الفقهاء .

    وكذلك يلاحظ ان جميع الأقوال لا تستند إلى أي نص عن ( الأئمة ) سوى القول الأول القاضي بإباحة ( الخمس ) وسقوط فرضيته .

    وأنا لا أدري على أي فتوى كانت جماهير الشيعة تعمل طيلة القرون التي سبقت الفتوى بوجوب دفع ( الخمس ) إلى الفقيه !! لا بد ان بعضهم عمل بالفتوى القائلة بالوصية ، فهل وجد المتأخرون أموالا متكدسة تراكمت بفعل تحولها من يد ( ثقة مأمون) إلى ( ثقة مأمون ) جيلا بعد جيل ؟ وان لم يجد أحد شيئا من ذلك فأين كان مصير تلك الأموال التي أوصى بها أصحابها ؟!

    وحتى تتكون صورة واضحة المعالم يظهر فيها الفرق الشاسع بين أقوال الفقهاء المتقدمين والمتأخرين – ليعلم القارئ علما يقينيا ان المسألة برمتها رأي واجتهاد اضطربت فيه الأقوال واحتارت به العقول وزلت في مخاضته الأقدام دون استناد إلى دليل – انقل  

(1) النهاية في مجرد الفقه والفتاوى ص 200-201 .

فتوى زعيم الحوزة السيد أبي القاسم الخوئي :

    يقول السيد الخوئي : ( يقسم الخمس في زماننا – زمان الغيبة – نصفين :  

    نصف لإمام العصر الحجة المنتظر ، ونصف لبني هاشم : أيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم ...

    وقال : يجوز استقلال المالك في توزيع النصف المذكور ، والأحوط استحبابا الدفع إلى الحاكم الشرعي أو استئذانه في الدفع إلى المستحق .

    والنصف الراجع إلى الإمام (ع) يرجع فيه في زمان الغيبة إلى نائبه وهو الفقيه المأمون العارف بمصارفه ، إما بالدفع إليه أو الاستئذان منه .

 (1) منهاج الصالحين / العبادات ص 347-349 مطبعة الديواني  – بغداد – ط التاسعة والعشرون .

  

بين الطوسي والخوئي :

الطوسي الخوئي

1- يذكر الطوسي إباحة ( الخمس ) وسقوطه مطلقا كقول من بين الأقوال الأربعة التي كان عليها فقهاء المذاهب .

2- يقسم الطوسي ( الخمس ) قسمين :

- قسم مصدره مكاسب وأرباح التجارات والمساكن والمناكح يختار هو إباحته وإسقاطه .

- والقسم الآخر هو الذي يرد مما تبقى من أنواع المال ( الكنوز وغيرها كما يعبر الطوسي ) وهذا يرجح قسمته أيضا نصفين :

3- النصف الذي هو حق ( الإمام الغائب ) لا يجيز التصرف به لأي كان ، بل إما يدفن أو يوصى به .. ونصف آخر هو لبني هاشم ، أيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم مرجعه إلى المالك مع ترجيح قسمته عليهم من قبله .

4- لم يذكر الطوسي المتولي لتوزيع النصف الآخر ، ولم يرد ذكر الفقيه في كل تفاصيل الفتوى أبدا بل صرح ان المتولي لذلك ليس بظاهر ، أي انه حصر الولاية في (الإمام الغائب ) وليس الفقيه . 1- لم يتطرق الخوئي إلى حكم الإباحة بل المفهوم من كلامه إطلاق الوجوب .

2- لا وجـود لهذا التقسيم عند الخوئي ، وإنما يقسم ( الخمس ) كله -  دون استثناء – أرباح التجارات والمساكن والمناكح – إلى نصفين أي انه يوجب تخميس المتاجر والمساكن والمناكح خلافا لشيخ الطائفة .

3- الخوئي لا يذكر مسألة الدفن أو الوصية فيما يخص حق الإمام إطلاقا وإنما يذكر تسليمه إلى الفقيه المأمون ليصرفه في الوجوه التي يعلم رضا الإمام الغائب عنها أو استئذانه من قبل المالك لصرفه في مصارفه .

4- بينمـا هنا يظهر دور الفقيه بوضوح ليتولى استلام ( الخمس ) بنصفيه مع التفريق في الحكم بين نصف ( الإمام ) ونصف الأصناف الثلاثة . إذ أجاز استقلال المالك في توزيع نصيب الأصناف الثلاثة وجعل على سبيل الأحوط استحبابا تسليمه إلى الفقيه ( الحاكم الشرعي كما يعبر عنه الخوئي ) أو استئذانه في التوزيع على المستحقين ، بينما جعل حكم نصيب (الإمام الغائب ) ان يدفع إلى الفقيه على سبيل الأحوط لزوما ( أي وجوبا ) أو استئذانه فهناك الحكم هو الاستحباب وهنا الوجوب وكلاهما على سبيل الاحتياط .

    لاحظ كيف ان فتوى الخوئي مخالفة جملة وتفصيلا لفتوى الطوسي ( شيخ الطائفة على الإطلاق ) .

حق ( السادة ) :

    ومما يلاحظ – وهو مما يستغرب جدا – ان الشيخ الطوسي والسيد الخوئي كليهما لم يجعلا لأغنياء ( السادة ) نصيبا في ( الخمس ) !! فالطوسي لا يذكر   - آل محمد (ص) – إلا عند اليتامى والمساكين وابن السبيل . وهؤلاء كلهم ذوو حاجة والخوئي يجعل من مصاريف ( الخمس ) ( دفع ضرورات المؤمنين من السادة وغيرهم ) .

    والضرورة شيء أشد من الحاجة ، وهذا معناه ان ( السيد ) لا حق له في ( الخمس ) إلا عند الضرورة والحاجة الماسة . وان هذه الضرورة لا تخص ( السادة ) وحدهم وإنما تعم ( المؤمنين من السادات وغيرهم ) على حد تعبير الخوئي .

وضاعت الحقيقة !!

    وعلى أية حال فما قرأته وعاينته هو كلام زعيم الحوزة ومرجع الطائفة في العصر الحديث ، وفتوى ومؤسس الحوزة وشيخ الطائفة على الإطلاق ، وبينهما من الفرق والاختلاف ما قد علمته وزيادة ! فأين الحق ؟! وعند من نعثر على الحقيقة ؟! وأي منهما مذهبه وفتواه وكلامه يمثل قول ( المعصوم ) أو ( الإمام ) جعفر الصادق (ع) وكلاهما إمامي اثنا عشري عقيدة ، وجعفري فقها .. والمذهب – كما أعلمونا – مؤسس  جملة وتفصيلا على أقوال الإمام جعفر الصادق (ع) .

    فهل يصح في الأذهان ان الإمام جعفر (ع) متناقض إلى هذه الدرجة ؟!أم أن المنطق يقضي بأن قوله في المسألة واحد لا سيما إذا استحضرنا القول ب ( عصمته ) (ع) . فأي القولين هو قوله ؟ مع الانتباه إلى أن كل قول منهما هو نفسه عبارة عن مجموعة أقوال وترجيحات متناقضة !!  ولا شك في ان الملايين وعلى مر مئات السنين عملوا بفتوى الشيخ الطوسي وأمثاله من الفقهاء ، فلم يدفعوا ( أخماس ) أموالهم إلى أي فقيه أو (سيد) وماتوا علـى ذلك ! فهـــل هؤلاء الذين يعيشون في زماننا ثم يموتون دون أن يدفعوا ( الخمس) إلى أحد بريئو الذمة كأولئك ؟! فعلام إذن يكلف الآخرون أنفسهم ويلزمونها به ؟! أم إن أولئك الذين عملوا بفتوى الطوسي وأمثالهم هم وحدهم مسامحون وغيرهم آثمون مع ان كلا الفريقين مشترك في أمر واحد هو عدم الدفع ؟! أم ان كليهما آثم محاسب ؟ فما ذنب الفريق الأول ؟! أم ماذا ؟!

    وهل الطوسي كـان على الحق والخوئي على الباطل ؟ أم العكس ؟ أم كلاهما على حق ؟ أم على باطل ؟ أم ماذا أفتونا مأجورين !!

من أين جاءت الفكرة ؟

    ان السبب الوحيد الذي أدى إلى ميلاد فكرة إعطاء خمس المكاسب إلى الفقيه هو الحاجة المادية التي فرضتها طموحات الفقهاء للوصول إلى غايات لا يمكن تحقيقها عن طريق الموارد الشرعية المعتادة كالاكتساب الشخصي وأموال الزكاة والصدقات والتبرعات أو الهبات والأوقاف وما شابه .

    فلا بد من إيجاد مورد آخر كبير . ولا بد لهذا المورد من غطاء شرعي يضمن وجوده واستمراره ( فكان تفسير الغنيمة بالأرباح خير ضمان لمعالجة العجز المالي الذي كان يقلق حياة أولئك الفقهاء وطلاب العلوم الدينية ) (1) . إلا ان فرض مثل هذه الضريبة لم يكن في أول أمره سهلا تقبله لدى الناس ، لذلك احتار الفقهاء في الأزمنة المتقدمة في كيفية وضع صيـغة مقبولة باسم الشرع للخلاص من النظرية الأولى التي تقول بأن التصرف في ( الخمس ) من حق ( الإمام ) وحده والتي على أساسها كان كبار فقهاء المذهب كالشيخ المفيد والشيخ الطوسي يفتون بسقوطه عن التكاليف في زمن ( الغيبة ) أو دفنه أو الوصية به إلى موثوق لحين قيام ( المهدي ) … الخ ، فجاءت أقوالهم وفتاواهم مختلفة ومضطربة ومترددة تعبر عن هذه الحيرة ولكنها كانت تتطور شيئا فشيئا حسب التسلسل الزمني وخطوة خطوة إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم بعد أن مرت بسلسلة طويلة من إجراءات التحوير والتطوير استغرقت عدة قرون من الزمان !

لمحة عن تضارب أقوال الفقهاء وتطورها عبر الزمن :

1- فبعد قول الشيخ المفيد ( ت 413هـ ) والشيخ الطوسي ( ت 460هـ ) ان المتولي لقبض ( الخمس ) وتفريقه – أي استلامه وتوزيعه – ليس بظاهر لعدم وجود نص

 (1) الشيعة والتصحيح ص 63 للدكتور موسى الموسوي .

شرعي يعينه ولذلك لم يذكر أحدا بعينه لا فقيها ولا غيره يتولى استلام ( الخمس ) أو صرفه .

2- جاء القاضي ابن براج في أواسط القرن الخامس الهجري ليقول بضرورة إيداع (الخمس) كأمانة عند الفقهاء تحفظ لحين ظهور ( المهدي ) الذي سيتولى قبضها .

    بمعنى انه ليس من حق الفقهاء التصرف في ( الخمس ) لا لحاجتها الشخصية ولا في أي وجه آخر من وجوه الصرف .

    ولا شــك ان أحدا من الخلق لم يجد بعد موت أولئك الفقهاء أموالا محفوظة باسم ( المهدي ) لا سيما بعد تغير الفتوى مما   يدل أو يرجح أنهم تصرفوا فيها وجعلوا من استلامها باسم الوديعة أو الأمانة غطاء شرعيا للاستيلاء عليها !

3- ثم جاء ابن حمزة في القرن السادس لتتقدم النظرية إلى الإمام خطوة فيها شيء من الجرأة وشيء من الحياء إذ قال ابن حمزة ب ( تفضيل ) دفع ( الخمس ) إلى الفقيه ليتولى قسمته و ( أوجب ) ذلك إذا لم يكن المالك يحسن القسمة .

تأمل كيف تم نقل الخطوات إلى الإمام خطوة خطوة !

    فبعد أن قالوا بأن الفقيه يستلم ( الخمس ) ليحتفظ به كأمانة لحين خروج ( المهدي ) انتقلوا خطوة أخرى فأجازوا للفقيه استلامه وقسمته على سبيل الاستحباب والتفضيل ! ولا شك ان الفرق هائل بين الاحتفاظ به كأمانة لحين مجيء صاحبه ( المهدي ) وبين قسمته وتوزيعه .

    أما إذا لم يكن المالك يحسن القسمة فيجب عليه في هذه الحال أن يدفعه إلى الفقيه الذي ( يحسن ) القسمة ( والضرب أيضا ) . وهذه خطوة ونصف لا خطوة واحدة .

4- ثم جاء المحقق الحلي في القرن السابع فخطى الخطوة المهمة ألا وهي ( إيجاب ) تسليم حصة ( الإمام ) – وهي نصف الخمس – إلى ( من له الحكم بحق النيابة ) لكي يتولى صرف حصة ( الإمام ) في الأصناف الموجودين .

5- وأشار الشهيد الأول في القرن الثامن إلى ضرورة استئذان نائب الغيبة العدل الإمامي الجامع لصفات الفتوى إن اختار المكلف توزيع نصيب ( الإمام ) على الأصناف .

6- وأوكل المحقق الكركي في القرن العاشر مهمة صرف حصة ( الإمام ) إلى الحاكم الشرعي أي الفقيه .

7- وأفتى محمد باقر السبزواري في القرن الحادي عشر بتولية الفقيه العدل في عملية صرف ( الخمس ) في الأصناف الموجودين احتياطا وتحدث عن نيابة الفقيه عن ( الإمام المهدي ) .

8- وأفتى الشيخ محمد حسن النجفي في القرن الثالث عشر بقوة بوجوب تولي الفقيه العادل صرف سهم ( الإمام ) .

9- وفي القرن الرابع عشر الهجري قال السيد كاظم اليزدي بضرورة إيصال سهم (الإمام) في زمان الغيبة إلى (نائبه ) وهو المجتهد الجامع للشرائط أو الدفع إلى المستحقين بإذنه . والعجيب انـه لا يؤمن بنظرية ( ولاية الفقيه ) في سائر أبواب الفقه لكن طبقها في مجال ( الخمس )  دون بقية الأبواب !!

10- وتراجع السيد محسن الحكيم في أواخر القرن الرابع عشر الهجري إذ لم ير حاجة إلى مراجعة الفقيه أو استئذانه في صرف المالك حصة ( الإمام ) في جهة معينة إذا رأى أنه أحرز رضا ( الإمام ) إلا برأي ضعيف .

11- وفي مطلع هذا القرن ( الخامس عشر الهجري ) جاء الشيخ حسن الفريد برأي جديد وقام في باب ( الخمس ) بثورة عندما سلب حق ( الخمس ) من ( الإمام المهدي ) بسبب غيبته وعدم قيامه بواجبه في أداء مهام ( الإمامة ) ، وقال بضرورة قيام واحد من الناس باستلامه وتوزيعه من باب الحسبة والاستقلال التام لا من باب النيابة . (1)

    يلاحظ أن هذه الفتاوى والأقوال الفقهية تمتاز بالاضطراب والتضارب والتطور وأحيانا الارتداد ، والأهم من ذلك عدم استنادها في إدخال الفقيه في موضوع ( الخمس ) إلى أي مستند شرعي من الكتاب أو السنة أو أقوال ( الأئمة ) !

    وهذا هو السر في اضطرابها واختلافها لأنها بشرية المصدر مخترعة أملتها الحاجة فهي تتغير وجودا وعدما وإيجابا واستحبابا واحتياطا وجوازا ... الخ حسب الظروف !

 (1) تطور الفكر السياسي الشيعي ، ص 356-358 لأحمد الكاتب .

إسدال الستار على الروايات المبيحة ل ( الخمس )

    في الوقت نفسه قاموا بإسدال الستار والتكتم على جميع الروايات التي تسقط أداء ( الخمس ) عن المكلف -  والتي سبق ذكرها في أول الكتاب – أو تحريفها وبترها مع اختراع روايات جديدة مغايرة لم يكن لها ذكر في المصادر المتقدمة مستغلين جهل الناس وثقتهم المطلقة !

    والرواية لها نهاية تقول : ( وقد طيبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم ولتزكو أولادهم ) (2) إلا ان الفقيه اكتفى بشرطها الأول لأن الرواية بتمامها تؤدي إلى إسقاط ( الخمس ) عن الشيعة وهو لا يريده ! ثم قال : وقال أبو عبد الله (ع) : ( أتدري من أين دخل على الناس الزنا ؟ فقلت : لا أدري فقال : من قبل خمسنا أهل البيت ) (3) وصنع في هذه الرواية كما صنع بالرواية الأولى إذ بترها عن شطرها الثاني الذي يستثني الشيعة من هذا الحكم وهذا نصه : ( إلا شيعتنا الأطيبين فإنه محلل لهم لميلادهم ) (4) .

    وهذا أعلى أنواع التحريف إذ يؤدي إلى عكس المقصود مما يدل على فقدان الأمانة العلمية وعدم الشعور بالمسؤولية الدينية التي ينص عليها قوله سبحانه وتعالى : (( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا يه ثمنا قليلا فبئس ما يشترون )) آل عمران /187 .

(1) الخمس بين السائل والمجيب ، ص3 للسيد محمد محمد صادق الصدر .

(2) أصول الكافي للكليني 1/547 وفقيه من لا يحضره الفقيه للقمي 2/22 والاستبصار للطوسي 2/57 .

(3) الخمس بين السائل والمجيب ص3.

(4)  أصول الكافي 1/546 .

ثم جاء بهاتين الروايتين المخترعتين وأقول : ( مخترعتين ) لأني نقبت عنهما فلم أجد لهما ذكــرا في المصادر الروائية القديمة الأربعة !! قال إمام العصر عجل الله فرجه الشريف : ( من أكل من مالنا شيئا – إنما يأكل – في بطنه نارا وسيصلى سعيرا ) وقال عجل الله فرجه : ( لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من أكل من مالنا درهما حراما ) (1) .

دون إسناد ولا نسبة لمصدر ولا تحقيق ! ان كتاب الكافي للكليني هو المصدر الوحيد الذي ألف في الفترة التي يمكن ل ( المهدي ) ان يتصل فيها بالناس عن طريق نوابه والتي سميت ب ( الغيبة الصغرى ) فلو كان قد قال هذا القول فلا بد ان نجده في كتاب الكافي فإذا وجدناه في مصدر آخر متأخر فإنما الإسناد إليه والنقل منه !

    وهكذا تبين ان استلام الفقيه لخمس مكاسب الناس إنما تم بأقاويل وفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان !

شرعية المصرف لا تحلل حرمة المصدر

    ( ان بعض علماء الشيعة يدافع عن أخذهم الخمس من أموال الشيعة بأنها تصرف على المدارس الدينية والحوزات العلمية والشؤون المذهبية الأخرى .

    ولكن المناقشة ليست في : ان تلك الأموال تصرف كيف ؟ ولماذا ؟ بل المناقشة أصولية وواقعية ومذهبية وهي :

    إن تلك الأموال تؤخذ زورا وبطلانا من الناس وحتى إذا صرفت في سبيل الله فإنها غير شرعية لا يجوز التصرف فيها ) (2)

    إن السارق لا ينقلب ماله المسروق حلالا وان أنفقه في وجوه محللة شرعا لأن أصله ومصدره حرام ، فلا يصح ان نقول ما دام المال ينفق في وجوه شرعية فهو حلال ما لم نثبت حلية مصدره الذي اكتسب منه . وكذلك ( الخمس ) لا يصح ان نناقش شرعية استيلاء الفقهاء عليه بالمقلوب فنقول : انه شرعي لأنه يصرف على طلبة العلم وشؤون المذهب ... الخ  إنما علينا ان نثبت أولا شرعية مصدره أي مدى حلية أخذه من قبل

(1)  الخمس بين السائل والمجيب ص3 .

(2) الشيعة والتصحيح للدكتور موسى الموسوي ص 68 .

    وقد يدعي إنسان ما ان له حقا في مال إنسان آخر فإذا أخذه أنفقه على مسجد ، فإن لم يكن هذا الإدعاء صحيحا فإن ذلك لا يعفيه من تبعة إثم كسبه الباطل لأنه حصل بدعوى كاذبة باطلة وكذلك أخذ ( الخمس ) من قبل الفقيه سواء بسواء .

الخلاصة :

    إن أمرا لا وجود له في القرآن ولا السنة النبوية ولا ذكر له في أقوال ( الأئمة ) ولم يرد على ألسنة الفقهاء المتقدمين ولا إجماع عليه بين المتأخرين ما المسوغ الشرعي الذي يلجئ المسلم أو يحمله على الالتزام به ؟!!

التساؤل الأخير

قد يسأل أحدهم فيقول : أليس ( الخمس ) مذكور في القرآن ؟

ألم يقل الله (( واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل )) الأنفال /41

    ان الجواب على هذا السؤال هو موضوع الباب الثاني من هذا الكتاب ولكن قبل أن أدخل فيه أرى من المناسب أن أثبت الملاحظة المهمة الآتية وأسأل السؤال الآتي :

ما علاقة الفقيه بالآية ؟!

    ان الخمس المذكور في الآية الكريمة هو الخمس بمعناه العام ، وبغض النظر عن كونه محصورا في الغنائم خاصة أم يتعدى إلى المكاسب فإن الفقيه الذي يتولى أخذ ( الخمس ) وحيازته احتجاجا بالآية عليه ان يكشف لنا عن وجه علاقته هو بخمس مكاسب الناس وأموالهم من الآية نفسها وإلا فانه يفتقر إلى الدليل القرآني على ما يقول وهذا يكفي عن الموضوع كليا .

 (1) لذلك جاء في الحديث الصحيح عن النبي (ص) ان صاحب المال يسأل يوم القيامة عن ماله من أين اكتسبه ؟ و فيم أنفقه ؟  

    أو بمعنى آخر : عليه أن يجيب عن الأسئلة المحرجة الآتية :

    ما الذي أدخل حضرة الفقيه في الآية التالية ؟!

    وما الدليل القرآني الذي يجعلني ملزما شرعا بأداء خمس أموالي ومقتنياتي ومكاسبي إلى الفقيه بالذات ؟!

    وما مدى شرعية أخذه لهذه الأموال ؟! وبأي حق ؟!

    كل هذه الأسئلة عليه أن يجيب عنها من خلال الآية نفسها حتى يتسنى له الاحتجاج بها فإن ورود الخمس في الآية بمعناه العام شيء ودخول الفقيه في موضوعها شيء آخر مغاير تماما !

    انه معنى خاص زائد عن معنى كون الخمس المذكور هو خمس المكاسب أم خمس الغنائم خاصة .

    والآية لا تشير إليه حتى مجرد إشارة ولا يشم منها أدنى رائحة وقد ورد فيها ذكر ستة أصناف ليس من بينها حضرة الفقيه !

    فما علاقته بها ؟!!

    وأخيرا نقول للفقيه ان أعيتك الحيل في أن تجد لك جوابا من الآية نفسها فأمامك القرآن كله وفيه أكثر من ستة آلاف وستمائة آية فإن استطعت أن تثبت نفسك من خلالها فافعل !!

الباب الثاني

الخمس

بين المكاسب والغنائم

الفصل الأول

دلالة آية الخمس

تمهيد :

قاعدة مهمة في شروط أدلة مهمات الشرع وضرورياته :

    أقصد بمهمات الشرع وضرورياته كل أمر تتوقف عليه سعادة الإنسان في معاشه ومعاده ، دينيا كان أم دنيويا ، كأصول الإيمان والعقيدة أو الأصول الشرعية العملية كالصلاة والزكاة والصيام والحج ، أو بر الوالدين والإحسان إلى الخلق عموما ، أو الانتهاء عن الفواحش والمنكرات عموما ، كقتل النفس والزنا والربا وأمثالها .

    ان هذه الأمور المهمة جميعا ، أقام القرآن على كل واحدة منها أدلة واضحة قطعية الدلالة ، غير قابلة للرد أو التأويل بحيث لا يمكن لأحد بعدها ان يتشكك فيه أو ينفلت من سلطان الحجة الذي يحاصره من كل جهة . ولا يمكن أيضا ان يتطرق الظن إلى المقصود بها هل هو كذا أم كذا ؟ بل هي نصوص لا تحتمل غير دلالة واحدة لا أكثر ، اقرأ مثلا في وجوب الصلاة والزكاة : (( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة )) البقرة /43 ((فويل للمصلين . الذين هم عن صلاتهم ساهون )) الماعون /3-4 ، (( وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة )) فصلت /6-7 .

    وفي وجوب بر الوالدين : (( وبالوالدين إحسانا )) الإسراء /23 وأمثالها كثير ..

    وعن حرمة الربا : (( وأحل الله البيع وحرم الربا )) البقرة / 275 وأمثالها كثير ..

    وحرمة الزنا : (( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا )) الإسراء /32 وأمثالها كثير .. وهكذا ..

    وبهذا يكون الطريق مسدودا أمام الراغبين في التفلت من التكاليف الشرعية والالتفاف عليها بالتأويل أو الإنكار ، لأن النصوص الدالة عليها واضحة بينة لا تحتمل إلا وجها واحدا فقط ! وهذا معنى قوله تعالى : (( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات )) الحديد /25 ، أي بالحجج الواضحات القاطعات . لا سيما الأمور المالية لتعلق النفوس بها فإذا لم تكن النصوص واضحة بينة والأدلة قطعية محكمة وإلا حصل النزاع ، وتفرق الناس وتقطعت الأرحام وفسد الدين والدنيا ..

    وهذا هو السر في ورود أحكام الإرث ومقاديره مفصلة وبالأرقام في القرآن كما في أوائل سورة النساء وآخرها .

    فالإرث ورد أصله وكذلك تفصيله في القرآن بالنصوص القطعية الدلالة التي لا تحتمل إلا معنى واحدا محددا .

    فالمسائل المهمة التي يتوقف عليها صلاح الإنسان في دنياه وأخراه لا بد من أن تثبت بالنصوص القرآنية الواضحة القاطعة الدلالة أي التي لا تقبل تطرق الاحتمال إلى دلالتها على المعنى المراد خصوصا ما تعلق منها بالمسائل المالية الضرورية . وهكذا ثبت أصل الصلاة والزكاة والصيام والحج ، وقبل ذلك أصول العقيدة في الشريعة الإسلامية .

    فهل ( خمس المكاسب ) ثبت بمثل هذه الأدلة أي النصوص القرآنية أولا القاطعة الدلالة ثانيا ؟ كما ثبتت الزكاة والإرث وأمثالها ؟!

آية الخمس :

(( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، ان كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير )) الأنفال /41 .

الموضع الوحيد :

    هذا هو الموضع الوحيد الذي ورد فيه لفظ ( الخمس ) في القرآن الكريم .

    ولما كان المال الذي تعلق به الخمس في الآية هو الغنيمة ولا خلاف في إطلاق هذا اللفظ على المال الذي يغنم ويؤخذ من الكفار المحاربين ، لذلك لم يختلف أحد في وجوب تخميس هذا النوع من المال لوضوح وقطعية اللفظ عليه ، أما ( خمس المكاسب ) فأقل ما يقال في دلالة اللفظ عليه أنها – في أحسن أحوالها – ظنية .. وإذا أردنا الدقة فليس من دلالة إلا التشابه اللفظي ولو كان اللفظ قطعي الدلالة على ( خمس المكاسب ) لما حصل الاختلاف كما لم يختلف المسلمون جميعا في دلالة قوله تعالى (( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون . والذين هم عن اللغو معرضون . والذين هم للزكاة فاعلون )) المؤمنون /1-4 على شرعية الصلاة والزكاة .

ولا دلالة قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )) البقرة /183 على شرعية الصيام ولا دلالة قوله تعالى ((  واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ... )) الآية ، على شرعية تخميس مال الغنيمة المأخوذة من الكفار المحاربين . ولا دلالة أمثالها من الآيات القرآنية على الأمور العظيمة والمهمة في الشريعة .

    ان هذه الأمور لا يتركها الله عز وجل لاجتهاد المجتهدين ولا أمزجة المتفقهين لأن الاجتهاد يؤدي إلى الاختلاف حتما . ومثل هذه الأمور لا تحتمل الاختلاف كالأمور الفرعية من الدين ، ان الاختلاف في الأمور المهمة يؤدي – ولا بد – إلى الفرقة والفساد في الدنيا والدين ، فكيف نصدق أن ضريبة مالية باهضة هائلة يفرضها الله على عباده ويعاقب على تركها أشد العقوبات ، ثم لا يذكرها في كتابه أو يثبتها بدليل قطعي لا يقبل التأويل؟!

    لماذا يشذ ( خمس المكاسب ) عن هذه القاعدة ؟! مع ان الزكاة – وهي لا تعني كثيرا بالنسبة إليه – ثبتت بعشرات الآيات القرآنية ؟! كيف ؟!

مقارنة بين الزكاة وخمس المكاسب

    تكرر ذكر الزكاة في كتاب الله تعالى في عشرات الآيات ، بينما لم يرد لخمس المكاسب ذكر فيه مع أنه أضعاف الزكاة . وضريبة بهذه الضخامة لا بــد وأن تستند   – كما أسلفنا – إلى أدلة قطعية تمنع من التشكيك فيها أو التنصل منها . إذ كيف تريد مني تسليمك عشرين بالمائة من أموالي وأرباحي ، أو من كل ألف أملكه مئتين ؟ هكذا دون دليل واضح أو حجة بينة ؟!

    كيف يعقل في عالم الإنسان أو دين من الأديان ان الله عز وجل وعلا يفرض على أغنيائنا ربع العشر من أموالهم أي من كل أربعين واحدا (1/40) أو من كل مائة اثنين ونصفا (2.5%) فقط إذا بلغت النصاب ، وهو ما يعادل عشرين مثقالا من الذهب مرة واحدة في العام فريضة سماها الزكاة ، فيقيم عليها عشرات من الآيات البينات ، أدلة قاطعة في كتابه حتى لا يتقول متقول أو يشك متشكك ، ثم لا يفرض ( الخمس ) بمثل هذه الطريقة بل ولا يذكره ولو مرة واحدة مع انه أضخم منها وأكبر أضعافا مضاعفة ؟! ثم هو غير مرتبط بوقت أو نصاب – إلا ما ندر – أو صنف من المال ، إذ هو مفروض حتى على الدار التي تسكن وأثاثها وحاجات المطبخ ، والهدية التي تهدى ، بل السلعة التي خمست لكن زاد سعرها بعد التخميس فيخمس الزائد !

    من يصدق هذا من العقلاء ؟!!

مثال كي تتضح المقارنة :

    لو افترضنا أن رجلا يمتلك بيتا وبستانا وسيارة ومالا على شكل نقد . فما مقدار الزكاة الواجبة عليه ؟ وما مقدار ( الخمس ) ؟

الزكاة :

البيت : لا زكاة عليه .

السيارة : كذلك لا زكاة عليها .

البستان : لا زكاة إلا على ثماره عند جنيها إذا بلغت النصاب .

النقود : إن لم تكن بالغة النصاب فلا زكاة عليها والنصاب ما يعادل عشرين مثقال ذهب.

    فلو فرضنا ان مثقال الذهب بخمسين ألف دينار ، فينبغي أن يبلغ المال مليون دينار ويحول عليه ( العام ) حتى تجب فيه الزكاة ، ومقدارها خمسة وعشرون ألف دينار فقط . فإن لم تبلغ النقود هذا المقدار ، فإن هذا الرجل لا زكاة عليه رغم كونه يمتلك بيتا وسيارة وبستانا ومالا ! هذا بالنسبة للزكاة .. أما :

الخمس :

    إذا فرضنا أن قيمة كل من البيت والبستان والسيارة ثلاثة ملايين وعند هذا الرجل قيمة النصاب أي مليون دينار ، فيكون المجموع عشرة ملايين دينار . خمسها يساوي مليونين !! أي ما يعادل الزكاة الواجبة عليه ثمانين مرة ( فقط !! ) أي ان هذا الرجل لو ظل يزكي أمواله ثمانين سنة ، لما بلغ مقدار ( خمس ) واحد يدفعه مرة واحدة !! هذا في أقل الأحوال ! وإلا فلو كان ثمن البيت خمسين مليونا وكذا البستان والسيارة فإن الخمس يبلغ ثلاثين مليونا أي ما يعادل الزكاة أكثر من ألف مرة !! وإن زدتم زدنا ! فهل تصورت الأمر على حقيقته المروعة ؟! وقس على ذلك .

    كل هذا ولا آية واحدة في القرآن كله تنص على هذا المبلغ الهائل بصراحة تقطع الظن أو تبلغ قريبا منه !!

بعض الآيات الواردة في الزكاة :

    قال تعالى : (( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأركعوا مع الراكعين )) البقرة /43 ولم يقل ( وآتوا الخمس ) !

    وقال تعالى (( وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة واتوا الزكاة )) البقرة /83 ، ولم يقل : ( وآتوا الخمس ) !

    وقال تعالى (( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله )) البقرة /110 ، ولم يقل : ( وآتوا الخمس ) !

     وقال تعالى : (( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة )) البقرة /177 ، ولم يقل ( وآتى الخمس ) !

    وقال تعالى : (( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم )) البقرة /227 ، ولم يذكر ( الخمس ) !

    هذا كله في سورة واحدة جمعت كل شرائع الإسلام وأوامره ونواهيه ، فأين (الخمس) منها ؟!

    وقال تعالى : (( ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة )) الأعراف /156 ، ولم يقل : ( ويؤتون الخمس ) !

    وقال تعالى : (( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم )) التوبة /51

    وقال تعالى : (( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين )) التوبة /11 ، ولم يذكر ( الخمس ) .

    وقال عن نبيه عيسى عليه السلام : (( وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا )) مريم /31 ، ولم يوصه ب ( الخمس ) !

    وقال عن اسماعيل عليه السلام : (( وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا )) مريم /55 ، ولم يذكر أنه كان يوصي أهله ب ( الخمس ) .

    وقال عن أنبيائه عليهم السلام : (( وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة )) الأنبياء /73 ، ولم يذكر أنه أوحى إليهم إيتاء شيء اسمه ( الخمس ) .

    وقال تعالى عن صفة أمراء المسلمين : (( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر )) الحج /41 . ولم يقل ( وآتوا الخمس ).

    وعدم ورود ( الخمس ) هنا بالذات يستدعي النظر .. لأن الآية تخاطب ولاة الأمر ، فلو كان ( الخمس ) أمرا مشروعا لما أغفل الله ذكره في هذا الموضع مع ذكره الزكاة .

    وقال عن المؤمنين جميعا : (( قد أفلح المؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون . والذين هم عن اللغو معرضون . والذين هم للزكاة فاعلون ))9 المؤمنون / 1-4 ، وذكر أمورا أخرى ولم يكن من بينها ( الخمس ) .

    وقال عن عمارة المساجد : (( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة )) النور /37 ، ولم يذكر ( الخمس ) مع ذكره التجارة والبيع وإنما ذكر الزكاة !

    وقال عنهم أيضا : (( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله )) التوبة /18 .

    وقال عن أمهات المؤمنين ( رضي الله عنهن ) : (( وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله )) الأحزاب /33 ، ولم يق : ( وآتين الخمس ) !

    وقال : (( وويل للمشركين . الذين لا يؤتون الزكاة )) فصلت /6-7 ولم يقل (الذين لا يؤتون الخمس ) .

    وقال (( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة )) البينة /5 ، ولم يذكر ( الخمس ) .

    وهـكذا … وفي كل مرة في عشرات الآيات يتكرر ذكر الزكاة ولا يرد ذكر (الخمس )  ولو مرة واحدة لا مقرونا معها ولا مستقلا في غيرها من الآيات …  فما وجه الحكمة في هذا السكوت لو كان ( الخمس ) مشروعا ومرادا من الله ؟!

    كل الذي قاله تعالى ، وطالب به عباده على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ملخص في قوله تعالى :

(1) روى الكليني عن أبي عبد الله (ع) قال : لما نزلت آية الزكاة : (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) وأنزلت في شهر رمضان فأمر رسول الله (ص) مناديه فنادى في الناس : ( أن الله فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة ) فروع الكافي 3/497 .

  

مقارنة بين الزكاة و( الخمس )

الزكاة الخمس

1- نسبتها بالأرقام :

1/40 أو 2.5/100 أو 25/1000 1- نسبته بالأرقام :

1/5 أو 20/100 أو 200/1000

2- لا بد فيها من بلوغ المال النصاب .

3- يشترط لها حولان الحول.

4- في أصناف محدودة من المال .

5- على الأغنياء فقط .

6- يصرف لثمانية أصناف .

7- شرعت لسد حاجة الأمة جميعا .

8- لا حق فيها إلا لمحتاج .

9- ورد ذكرها في عشرات الآيات .

10- مهملة لا يهتم بها مع أن الله أكد عليها كل هذا التأكيد . 2- لا نصاب إلا في الكنز والمعدن .

3- لا يشترط له ذلك .

4- في جميع الأصناف حتى الهدايا والمسكن والأثاث .

5- على مكاسب الأغنياء والفقراء .

6- يعطى لصنف واحد ، هم الفقهاء أو السادة .

7- جعل لطبقة واحدة هي طبقة الفقهاء أو ( السادة).

8- يعطى للفقيه أو ( السيد )  بغض النظر عن كونه محتاجا أم لا .

9- لم يرد ذكره أبدا في القرآن الكريم ، اللهم إلا خمس الغنائم.

10- يؤكد عليه تأكيدا بالغا ، مع أن الله أهمله ولم يذكره .

    وحتى تكون صورة المقارنة واضحة لا بد من ملاحظة أن النسبة العائدة للزكاة تتعلق بمقدار من المال أصغر بكثير من مقدار المال الذي تتعلق به نسبة ( الخمس ) وذلك للأسباب المبينة في الفقرات (2-6) من الجدول السابق ، فلا يصح أن نقول إن قيمة (الخمس ) ثمانية أضعاف قيمة الزكاة على اعتبار ان نسبة 20% تعادل 2.5% ثماني مرات . بل ( الخمس ) أكبر من ذلك بكثير ، مع أن الفارق بين مقدارين أحدهما أكبر من الآخر ثماني مرات كبير جدا ، فكيف إذا كانت قيمة إحداهما تربو على الآخر عشرات المرات ؟!

    لقد تبين  لنا من المثال المضروب قـبل صفحات تحت عنوان ( مثال كي تتضح المقارنة ) أن قيمة ( الخمس ) في مال معين يمكن أن تكون أكبر من قيمة زكاته ثمانين مرة !!! بل ألف مرة !!!! …

سبب نزول الآية :

    إن سورة الأنفال – التي وردت فيها الآية – أنزلها الله جل وعلا جميعا تعليقا على معركة بدر الكبرى – هذه المعركة العظيمة الفاصلة التي سماها بيوم الفرقان ، وبيانا لما فيها من دروس وعبر ومبادئ ووصايا وحكم وأوامر وزواجر وأحكام ، منها كيفية تقسيم ( الأنفال ) أو ( الغنائم ) التي نفلهم الله إياها من المشركين ، فأنزل الله هذه السورة وسماها باسم هذه الأموال المغنومة (الأنفال) وبدأها بذكر سؤال المؤمنين عن حكمها وكيفية قسمتها فقال : (( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول )) الأنفال /1 .

    ثم ذكر أوصاف المؤمنين حقا ثم أخذ ببيان أحداث المعركة من أول خروج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته إلى دخوله ساحة القتال إلى ذكر صور من القتال نفسه ، وإنزال الملائكة ونصر المؤمنين وهزيمة الكافرين والوصية بإعداد القوة ، وحكم الأسرى وفدائهم ودعوتهم إلى الإسلام إلى أن عاد في نهاية السورة إلى ما بدأها به من ذكر المؤمنين حقا فأفصح عنهم وأعلن إنهم (( الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا )) الأنفال /74 .

    وفي منتصف السورة تقريبا ذكر حكم تقسيم الغنيمة والأصناف التي تقسم عليها ومقاديرها فقال : (( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ... )) الآية /41 . فما علاقة ( المكاسب ) والأرباح بالموضوع حتى يكون لها (خمس) تتحدث عنه الآية ؟!

سياق الآية :

    من المعلوم أن سياق الكلام له علاقة أساسية في تفسيره ومعرفة معناه ومقصود المتكلم به .

    فالكلمة الواحدة أو العبارة يكون لها معنى في موضع ومعنى آخر في موضع آخر بحسب موقعها من الكلام أو حسب تركيب الكلام وترتيبه وحسب الموضوع الذي من أجله سيق الكلام ، فإخراجهما عن سياقهما وموضعها وحملها على أحد معانيها المحتملة عند الإطلاق دون قرينة أو علاقة بينهما يقتضيها السياق لا يكون إلا في كلام المجانين وهذيانات المجاذيب !

    فكيف يجوز أن نعامل كلام أحكم الحاكمين معاملة هذيان المجانين؟! فنخرج الآية من سياقها وموضوعها الذي هو كله حديث عن الجهاد والقتال إلى موضوع مغاير تماما هو أموال المسالمين من المسلمين ؟! إن الآية موضوعها الأموال المغنومة من الكفار المحاربين في ساحة القتال ، لا أموال التجار والمتكسبين في أسواق المسالمين من المسلمين أو بيوتهم ومقتنياتهم !

القرآن فرق بين المكاسب والغنائم :

    لقد فرق الله تعالى في كتابه بين الكسب والغنيمة وبين أن في الأول الزكاة والصدقة فقـال : (( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ، ومما أخرجنا لكم من الأرض )) البقرة /267 .

    جاءت هذه الآية ضمن أربع عشرة آية تتحدث عن الإنفاق بدأت بقوله تعالى : ((مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ... )) البقرة /261 .

    وانتهت بقوله تعالى : (( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )) البقرة /274 ، ثم ذكر الله بعدها سبع آيات عن الربا وآيتين عن الدين ثم ختم السورة بثلاث آيات ، ولم يذكر قط ان في المكاسب شيئا اسمه ( الخمس ) .

    لكنه في سورة الأنفال لما ذكر القتال بين أن في غنائمه ( الخمس ) فقال : (( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه )) الآية /41 . فالخمس في الغنائم لا المكاسب ، والله تعالى قادر – لو أراد – على أن يقول : ( واعلموا أنما كسبتم من شيء فإن لله خمسه ) لكنه لم يقل ذلك ، وإنما قال : (( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه )) فتأمل وإياك واتباع ما تشابه منه .

الغنيمة في لغة القرآن:

    وردت الغنيمة في القرآن ست مرات فقط ، أربع مرات بصيغة الفعل ( غنم ) ومرتين بصيغة الجمع ( مغانم) . ولم ترد بصيغة اشتقاق أخرى غير هاتين الصيغتين .

    وفي المواضع الستة – دون استثناء – ترد الغنيمة في معرض الحديث عن المال المأخوذ من الكفار في الحرب وليس في واحد منها قط الإشارة إلى ما يمتلكه المسلم أو يكتسبه من مال.

    وهذه هي مواضع ورود الغنيمة في القرآن الكريم :

3- (( وعدكم الله ( مغانم ) كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ، ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما )) الفتح/15-20

 (1) هو فتح خيبر وقد كان بعد صلح الحديبية .

(2) هي مغانم خيبر .

  

4- (( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله (1) فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا (2) تبتغون عرض الحياة الدنيا (3) فعند الله ( مغانم ) كثيرة )) النساء /94 .

5- (( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا (4) والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم )) إلى قوله تعالى (( فكلوا مما غنمتم (5) حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم )) الأنفال /67-69 .

6- وقال الرب جل وعلا في الآية (41) من السورة نفسها ( الأنفال ) (( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ... )) الآية .

    وإذن فلفظ ( الغنيمة ) لم يرد في القرآن إلا في غنائم الحرب التي تؤخذ من الكفار في ساحة القتال أو فداء للأسرى . وفيها ذكر الخمس مرة واحدة في القرآن . فمن أدخل الخمس على مكاسب المسلمين وتجاراتهم وممتلكاتهم   - التي عظم الله حرمتها وحرم غنمها أو الاستيلاء عليها – فقد عامل أموالهم معاملة الغنيمة ، والغنيمة هي المال المأخوذ من أعداء الإسلام عن طريق الحرب والقتال ، ولم ترد في القرآن في غير هذا المعنى قط . أي فقد عامل المسلمين المسالمين معاملة الكفار المحاربين .

   فمن قال بغير هذا فعليه بالدليل النقلي القاطع من القرآن ، لا نرضى بغيره بدلا لأنه اشتمل على كل عظيم ومهم من شرائع الدين ولم يغادر منه شيئا .

    وهؤلاء المسلمون ليسوا خارجين عن الدين ، ولا هم في حرب مع أهله أو قتال ، فكيف تخمس أموالهم ؟!

(1) أي سافرتم وخرجتم للجهاد في سبيل الله .

(2) أي لا تقولوا لمن سلم عليكم : إنما ألقيت التحية وسلمت تقية .

(3) أي الغنيمة وهي ماله الذي يسلبونه إياه بعد قتله .

(4) أي الفداء الذي يؤخذ من الأسير .

(5)  سمي الفداء الذي يؤخذ  من الأسير غنيمة ، وبين انه حلال بعد أن كف الصحابة عن أخذه بعد نزول الآيتين 67و68 فنزلت الآية 69 بيانا لحلية أخذه إذ هو من الغنيمة .

الغنيمة مال خاص مستقل :

    إن ( الغنيمة ) وإن صح دخولها تحت مسمى ( المكاسب ) إلا انه ليس كل كسب غنيمة . لأن الغنيمة كسب خاص له شروطه التي إن عدمت لم يصح تسميته ب (الغنيمة).

    فإن ساغ لغة أن نقول : كل غنيمة كسب فلا يسوغ قولنا : كل كسب غنيمة .

    كما تقول : كل ثوب لباس ، ولكن ليس كل لباس ثوبا .

    فإذا فرضت ضريبة على كل ثوب مثلا ، فليس من حق جابي الضرائب أن يأخذ ضريبة على السروال أو غطاء الرأس على أساس أن الكل يدخل تحت مسمى اللباس فيقول بما أن الثوب لباس والسروال لباس فلابد أن تكون الضريبة على الكل ، فإننا سنقول له : صحيح إن كليهما لباس ولكن الضريبة على لباس خاص هو الثوب ، فلا ندفع إلا عن الثوب ، وينتهي الإشكال إذا لم يكن عند الجابي مقاصد مبيتة فيحاول التلاعب بالألفاظ والالتفاف عليها .

    وكذلك ( الغنيمة ) كسب خاص ، فإذا فرض الشارع الحكيم عليها ضريبة شرعية مقدارها ( الخمس ) فلا يصح أن نعمم هذه الضريبة ( الخمس ) لتشمل كل كسب غنيمة كان أم غيرها ( لأن الخمس ) لم يعلقه القرآن ولم يضفه إلا إلى الغنيمة التي هي كسب خاص ، فهو إذن على الغنائم خاصة وليس على جميع أنواع الكسب ، كما إن الضريبة في المثال السابق تعلقت بلباس خاص هو الثوب وليست في جميع أنواع اللباس .

    وهؤلاء الذين علقوا ( الخمس ) بالمكاسب والأرباح وعموم الممتلكات تلاعبوا بالألفاظ قائلين :

    بما أن كل غنيمة كسب ، فإذن كل كسب غنيمة .

    وهو ممتنع فانهار ( خمس المكاسب ) كذلك لانهيار سنده اللغوي . والله تعالى لا يعجز – لو كان في المكاسب خمس – أن يختار لهذه الفريضة لفظا واضحا محددا يناسبها فيقول مثلا : ( واعلموا أنما كسبتم من شيء فإن لله خمسه ) لكن الله تعالى لم يقل ذلك وإنما قال: (( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه )) .

الإمام الصادق ( عليه السلام ) يؤيد ما نقول :

    وتعريف الغنائم بما عرفناه به جاء في أكثر من رواية عن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) وقد مرت بنا :

    فقد روى الطوسي عن أبي عبد الله (ع) قال : كان رسول الله (ص) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له ثم يقسم ما بقي خمسة أخماس ثم يأخذ خمسه ثم يقسم أربعة أخماس بين الناس . (1)

    وروى عن أبي عبد الله (ع) أيضا قوله : ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة (2)

    وكذلك جاء في أكثر من مصدر من المصادر التي تكلمت عن ( الخمس ) فقد عرفها السيد الخوئي هكذا :

    الغنائم : المنقولة المأخوذة بالقتال من الكفار الذين يحل قتالهم . (3)

    وعرفها السيد محمد صادق الصدر فقال في تعريفها : ( الأموال والعيان المنقولة المأخوذة بالقتال من الكفار الذين يحل قتالهم ) (4) .

    والتعريفان متطابقان تماما .

الفيء والخمس .. وقفة مع سورة (الحشر) :

    الفيء : هو الغنائم التي يأخذها المسلمون من الكفار دون قتال ، كالحصار ونحوه . قال تعالى : (( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب )) الحشر /6 .

    والذي يهمنا من الفيء عدة أمور منها :

1- قسمته .. فقد قسم الله جل وعلا الفيء كما قسم الخمس بالضبط ، فقال : ((ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل )) الحشر /7 .

 (1) الاستبصار للطوسي 2/57.

(2) أيضا 2/56 .

(3) منهاج الصالحين ، للسيد الخوئي 1/325 .

(4) الخمس بين السائل والمجيب ص4.

وقال عن الخمس : (( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل )) الأنفال /41 .

وتتجلى أهمية معرفة القسمة بما يلي :

2- (( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم )) : ذكرت الآية السابقة من سورة (الحشر) أن تقسيم الفيء على المذكورين فيها ، إنما هو من أجل أن لا يجتمع عند طبقة واحدة من المجتمع وينحصر التداول به بين الأغنياء منهم فقط ، فلا يصل إلى الفقير منه شيء ، وذلك في قوله تعالى : (( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم )) الحشر /7 .

    فجعل الفيء عدة حصص في عدة جهات . فحصره في جهة واحدة فقط يؤدي إلى عكس مقصود الآية ومراد الرب من هذه القسمة ، وقد أكد جل وعلا مراده وحذر من مخالفته تحذيرا شديدا فقال في نهاية الآية نفسها : (( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب )) . فإذا حصر في جهة واحدة صارت هذه الجهة غنية – ولا بد – وصار المال مجتمعا لدى طبقة الأغنياء يتداولونه بينهم وكذلك شأن ( الخمس ) إذا خصصنا به جهة واحدة فإن ذلك يؤدي إلى النتيجة نفسها التي حذر الله منها ، إذ تبرز في المجتمع طبقة غنية مترفة هم طبقة ( رجال الدين ) تتداول المال فيما بينها ولا يخرج منه شيء إلى المحتاجين .

    ( وكل وضع ينتهي إلى أن يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم هو وضع يخالف النظرية الاقتصادية الإسلامية ) . ولا بد أن تتولد من هذا الوضع أمور سيئة منها فساد هذه الطبقة التي كان المعول عليها في إصلاح أحوال الناس .

3- أيهما أكبر .. الفيء أم الخمس ؟

    إن الفيء قليل الحدوث كما هو معروف من وقائع التاريخ .. وأما في العصر الحاضر فيكاد ينعدم .. بل هو معدوم ولا وجود له .

    أما خمس الأرباح والمكاسب فعلى العكس من ذلك إذ هو مورد هائل ودائم .

    فإذا كــان حصر الفيء في صنف واحد يؤدي إلى أن يكون المال (( دولة بين الأغنياء )) فماذا نقول في ( الخمس ) ؟!!!! الجواب ما ترى لا ما تسمع ! وانظر إلى الواقع ليغنيك عن مجلدات من الكلام!!

4- يتامى ومساكين وأبناء سبيل الأمة جميعا :

    بعد الآية السابعة من سورة ( الحشر ) جاءت الآية الثامنة تفسرها وتبين هؤلاء الذين يستحقون الفيء وأنه : (( للفقراء والمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا )) أي هو لهؤلاء الفقراء المهاجرين (( والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة )) الآية /9.

    وهؤلاء هم الأنصار . و ( الخصاصة ) هي الفقر والاحتياج الشديد . وفي السيرة النبوية : ان النبي أعطى الفيء  - الذي جاء من يهود بني النضير والذي بسببه نزلت الآية السابقة – المهاجرين لفقرهم وثلاثة من الأنصار كانوا شديدي الفقر .

    ثم ذكر الله صنفا ثالثا من مستحقي الفيء فقال : (( والذين جاءوا من بعدهم )) الآية/10 ، أي من بعد المهاجرين والأنصار وهم أجيال المسلمين إلى يوم القيامة متى وأينما وجد الفيء .

    وهكذا جعل الله – جل وعلا – الفيء لجميع فقراء الأمة في جميع أجيالها دون حصره بذوي قربى نبيه صلى الله عليه وسلم وحدهم . وهذا يعني أن قوله تعالى : (( واليتامى والمساكين وابن السبيل )) في سورة الحشر /7 . المطابق لقوله تعالى : (( واليتامى والمساكين وابن السبيل )) في سورة الأنفال /41 ، ليس خاصا بيتامى ومساكين وأبناء سبيل بني هاشم ، وإنما هو عام في يتامى ومساكين وأبناء سبيل الأمة جميعا . وليس من دليل على التخصيص إلا الظن والتحكم المحض ! وما نحتاجه هنا هو النص القطعي الدلالة الخالي من الاحتمال وهو معدوم تماما !!

    فتأمل هذا فإنه كاف شاف بإذن الله ..

    وهكذا يتبين أن لا وجود لذكر خمس المكاسب ولا إعطائه إلى الفقيه في القرآن الكريم، بل هو مناقض لنصوصه وقواعده العامة .

 الفصل الثاني

خمس المكاسب

في محكمة التاريخ

جباة الخمس :

    يقول د. موسى الموسوي : إن تفسير الغنيمة بالأرباح من الأمور التي لا نجدها إلا عند فقهاء الشيعة . فالآية صريحة وواضحة بأن الخمس شرع في غنائم الحرب وليس في أرباح المكاسب . وأظهر دليل قاطع على أن الخمس لم يشرع في أرباح المكاسب هو سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء من بعده بما فيهم الإمام علي عليه السلام وحتى سيرة أئمة الشيعة ، حيث لم يذكر أرباب السير الذين كتبوا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ودونوا كل صغيرة وكبيرة عن سيرته وأوامره ونواهيه ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرسل جباته إلى أسواق المدينة ليستخرج من أموالهم خمس الأرباح ، مع أن أرباب السير يذكرون حتى أسامي الجباة الذين كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرسلهم لاستخراج الزكاة من أموال المسلمين . وهكذا فإن الذين أرخوا حياة الخلفاء الراشدين ، بما فيهم الإمام علي لم يذكروا قط  أن أحدا منهم كان يطالب الناس بخمس الأرباح أو أنهم أرسلوا الجباة لأخذ الخمس .

    وحياة الإمام علي معروفة في الكوفة فلم يحدث قط أن الإمام بعث الجباة إلى أسواق الكوفة ليأخذوا الخمس من الناس أو أنه طلب من عماله في أرجاء البلاد الإسلامية الواسعة التي كانت تحت إمرته أن يأخذوا الخمس من الناس ويرسوها إلى بيت المال في الكوفة كما أن مؤرخي حياة الأئمة لم يذكروا قط إن الأئمة كانوا يطالبون الناس بالخمس أو أن أحدا قدم إليهم مالا بهذا الاسم ) (1) .

 (1) الشيعة والتصحيح ص 66-67 .

قتال الصديق لمانعي الزكاة :

     قاتل الخليفة أبو بكر الصديق المرتدين ومانعي الزكاة على السواء ، وقد ذكرت كتب الفقه والسير والتاريخ : ان هؤلاء امتنعوا عن دفع الزكاة ، ولم تذكر أنهم امتنعوا عن أداء شيء اسمه ( الخمس ) مع أنه لو كان مشروعا لكان يمتنعون عنه أيضا مع الزكاة ، فيكون من الأولى أن يقدم ذكره على ذكرها ، فيقال : قتال مانعي الخمس ، لأنه أكثر أو على الأقل أن يقال : قتال مانعي الخمس والزكاة إذ الامتناع عنه أولى فالمطالبة به أوكد ، والقتال عليه أوجب ، وذكره أحرى .

    أفيعقل أنهم امتنعوا عن الزكاة دون ( الخمس ) ؟ أم أنهم امتنعوا عنه أيضا ؟ لكن المؤرخين وكتاب السير والمغازي والفقهاء جميعا تواطئوا – سامحهم الله – على إغفاله وإسقاطه من الحساب ؟!

    أم ان المعقول ان أمرا كهذا لم يكن له وجود أصلا ، حتى يمتنعوا عن أدائه أو يطالب به أحد من خلق الله .

العباسيون و ( الخمس ) :

    وعباس أحد أبناء عبد المطلب العشرة ، فالنص القرآني يشمله وذريته بالاتفاق على أي وجه من وجوه التفسير وقد آلت إليهم الخلافة وصاروا ملوكا وحاكمين لدولة الإسلام قرونا عديدة ، فكانوا قادرين على حمل الناس على دفع ( حقهم ) من خمس المكاسب ، لكنهم لم يفعلوا ذلك أبدا ، ولم يذكر التاريخ شيئا عن ذلك قط . فلماذا ؟

هل جهلوا حقهم فلم يعرفوه ؟ أم لم يكونوا عربا فصعب عليهم تفسير القرآن واستشكلوه؟ أم عرفوا مالهم من حق لكنهم تركوه ؟ فلماذا أيضا ؟!!!

 (1) أصول الكافي 1/540.

  هل خوفا ؟ وبيدهم القوة ، وحجتهم الشريعة – على فرض شرعيته - .

    أم ورعا ؟ أو رحمة بالناس ؟ وهم متهمون بعدم الورع والرحمة من قبل القائلين (بالخمس) !

وهل أحدهم أرحم بأحد من شرع الله ؟ حاشا وكلا ؟!

    أم عفة وزهدا ، أم ماذا ؟!

    إن الجواب الوحيد هو ان خمس المكاسب لا مشروعية له في الإسلام .. ولذلك لم نجد دولة إسلامية عباسية أم علوية أم غيرها تنتمي إلى بني هاشم ، فرضته على رعاياها ، لا سيما وأن الظلمة في التاريخ مسلمين أم غيرهم لا يتورعون عن أكل أموال الناس بالباطل، تحت أية ذريعة أو اسم ، فكيف يتورعون عن ( الخمس ) لو كان مشروعا ومحللا ، مع أنهم لا يتورعون عن مثله أو ما هو دونه مع حرمته وإثارته الناس عليهم ؟!

أفيترك المشروع لو كان  مشروعا إلى غيره وهو غير مشروع ؟!

    أيعقل أن يعاف ظالم ماله الكثير عند غيره ليسلبه ما ليس له بحق وهو أقل ومقرون بالمخاطر والسمعة السيئة ؟!

الفراعنة وخمس المكاسب :

    لقد خلا القرآن الكريم وخلت سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وكذلك سيرة الخلفاء الراشدين وغيرهم من حكام المسلمين من ذكر ( الخمس )  ، ولم نجد في تاريخ الإسلام ولا غيره ضريبة كانت تفرض على أموال الناس وتجاراتهم بهذا القدر .

    إلا ان توراة اليهود تذكر أكثر من نص فيه أن ملك مصر زمن النبي يوسف  عليه السلام فرضه على شعب مصر بعد أن اشتد بهم الجوع ، فاشتراهم واشترى أراضيهم فصاروا عبيدا له ، ثم استعملهم في زراعتها على أن يكون له خمس الوارد ولهم أربعة أخماسه ، وكلف وزيره يوسف بجبايته . إلا الكهنة ( رجال الدين ) فقد كانوا مستثنين – كما هو الحال اليوم - .

وقفة تأمل مع هذا النص :

    في هذا النص  من التوراة : أن ( فرعون ) – على طاغوتيته واستكباره – لم يستحل أخذ الخمس من مكاسب شعبه إلا بعد أن اشتراهم واشترى أراضيهم فصاروا عبيدا له وصارت أراضيهم ملكا له كذلك ! أي أن فرعون حين أخذ الخمس منهم عاملهم معاملة ( السيد ) مع ( العامة ) من عبيده ، بمعنى أن ( الخمس ) – في حس فرعون وشريعته – لا يؤديه إلا العبد المملوك تجاه السيد المالك !!

    فهل شريعة فرعون أو إسرائيل أرحم وأرقى نظرة إلى الإنسان ، وفي تلك الأزمنة البعيدة التي كانت البشرية فيها تعاني من التخلف الاجتماعي والنظرة القاصرة إلى الإنسان !! ومع ذلك اعتبرت إعطاء ( الخمس ) معناه ان المعطي قد صار عبدا لمن يعطيه !! فلم تستحل أخذه من الأحرار وإنما جعلت ذلك أمرا لا يليق إلا بالعبيد ، فكيف تأتي – من بعد ذلك شريعة محمد صلى الله عليه وسلم السماوية التي حررت البشرية من الظلم والاستعباد لتجعل من قيود العبودية أوسمة للأحرار !!

فإن يصفع أحدهم آخر بحذائه شيء مشين لا يمكن السكوت عليه ، لكن الأدهى منه أن يجعل من ذلك فضيلة يشرفه بها !

    إلا ان الأدهى من ذلك كله أن يقوم الإنسان الذليل بأداء واجب الشكر ومراسيم

(1) الفصل السابع والأربعون من سفر التكوين / الآيات 20-27 وكذلك ورد ( الخمس ) في الفصل الحادي والأربعين / آية 25 .

الاحترام تجاه من قام بصفعه بحذائه !

    وفيه أيضا : ان فرعون كان يستكثر على نفسه – رغم علو منزلته وسعة سلطانه وعظمة ملكه وشدة سطوته وجبروته – أن يأخذ خمس مكاسب الناس دون مقابل ولهذا لم يفعل ذلك إلا بعد أن وجد نفسه قد اشتراهم واشترى أراضيهم بماله ، وما ذاك إلا لعظمة هذه الضريبة -  خمس ممتلكات الأمة وأرباحها – وضخامتها !!

    واليوم يأتي من لم يدفع دينارا ولا درهما ولم يبذل جهدا ولا عرقا ليقاسم الناس أموالهم فيأخذ خمسها مجانا دون تردد أو حياء ، بل هو المتفضل وصاحب المنة !!

    وأخيرا .. أقول : هل عبر إلينا (الخمس) من هناك وقمنا باستيراده من توراة اليهود وأحبارهم ؟!

الفصل الثالث

خمس المكاسب

بين النظرية والتطبيق

    بغض النظر عن بطلان نظرية ( الخمس ) وخطئها فإن الواقع يشهد تناقضا صارخا بين النظرية والتطبيق !

    إن المجتمع يعج بالكثير من الفقراء ، بل المسحوقين حتى من الذين ينتهي بهم النسب إلى عبد المطلب عموما أو إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام ، خصوصا بل إلى الحسن عليه السلام حصرا . ومع ذلك فلا ينالهم شيء من ( الخمس ) قليل ولا كثير !! إنما دولة بين طبقة معينة دون الفقراء والمحتاجين الذين يعيشون في عوز وعسر حال وسوء أوضاع تنفطر لها أكباد الغيارى وقلوب المؤمنين ، قد نسيهم تماما أولئك الذين يحوزون القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ويتبوءون القصور الفخمة والسرر المرفوعة والمراكب الفارهة ويديرون المؤسسات المالية الضخمة داخل البلد وخارجه ، لا يسألون عن أحوال إخوانهم في الدين وأتباعهم في المذهب ولا يرقبون الله فيهم !

فبأي حق يحرم هؤلاء المساكين وكثير منهم من ذوي قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! بل علاوة على ذلك يقوم كثير من هؤلاء المساكين رغم حاجتهم بإعطاء أموالهم إلى أولئك الأغنياء المترفين !

لو كانوا جادين :

    إن الاعتقاد بأن ( الخمس ) من حق ذرية أهل البيت وأقارب النبي صلى الله عليه وسلم يوجب على من يستلم هذه الأموال الهائلة أن يقوم بعمل إحصائية في كل حي من الأحياء لمن يسكنه ممن ينتسب  إلى أهل البيت لا سيما الفقراء منهم من أجل تقسيم (الخمس) عليهم ، أو على الأقل سد حاجة المحتاجين منهم . وليس ذلك بمستحيل ، أو عسير على من في حوزته تلك الأكداس المكدسة من الأموال  - لو كانوا جادين في اعتقادهم - .

    وإذا كان هذا القول لا يجد أذنا واحدة يمكن أن تصغي إليه عند من يقوم فعلا بحيازة هذه الأموال فأننا نتوجه بالقول إلى أولئك المحرومين من إخواننا وأبناء جلدتنا : لماذا لا يطالبون بحقوقهم التي تمنحهم إياها فتاوى المذهب ؟

    ألا يعلمون أن الفتوى التي تواطأ عليها متأخرو علماء المذهب تنص على :

    ومن مصارف النصف الذي يعطى للمجتهد عامة الفقراء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهل لهذه الفتوى تطبيق على أرض الواقع ؟ وهل حقا يوزع نصف ( الخمس ) على بني هاشم الذين منهم أبناء العباس ، وأبناء جعفر وعقيل ، أخوي أمير المؤمنين علي .. وغيرهم ؟ أم ان المجتهد يتصرف بالكل دون مراعاة هذه القسمة ودون سؤال أو رقابة أو مطالبة من أي أحد ؟!!

ما هي علاقة المجتهد ب ( الخمس ) :

    الواقع المشاهد ، ان كل مجتهد يحق له استلام ( الخمس ) دون النظر إلى كونه ينتمي إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم أم لا ؟ بل دون النظر – حتى – في كونه عربيا أم أعجميا ، مع أن نص الآية يذكر قيد ( ذي القربى ) لا (ذي الفتوى ) ! فبأي حق يكون له نصيب فيه ؟!  وما علاقة الاجتهاد بالموضوع ؟! إن الآية جعلت مناط الحكم وعلته (القربى) والنسب وليس العلم والاجتهاد ، فكيف يناط ( الخمس ) ويعلق بغير مناطه ؟!

     ولنا أن نسأل : إذا كان المجتهد يفعل ذلك باعتباره نائبا عن ( الإمام ) في مسائل القضاء والإفتاء ، أو نيابة مطلقة فهل كان الفقهاء في زمن الخليفة الراشد علي عليه السلام في المناطق البعيدة كالحجاز ومصر وخراسان يأخذون ( خمس ) مكاسب الناس في تلك الأمصار باعتبارهم نوابا عن ( الإمام ) ؟!

    والسؤال الذي يطرح نفسه من باب أولى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم : فهل كان الفقهاء أو الأمراء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو أي زمن يأخذون خمس مكاسب الناس وأموالهم وتجاراتهم بصفتهم المستقلة أو بصفتهم نوابا عن الإمام في الأماكن

  

(1) منهاج الصالحين ، للسيد الخوئي 1/347 .

التي يغيب عنها ولا يستطيع أن يقوم بمهام الإمامة فيها بنفسه ؟!

    والجواب الوحيد : النفي القطعي ! وإذن ما علاقة الاجتهاد ب ( الخمس ) وقد كانت العلاقة منتفية في زمن الأئمة مع أن الفقيه أو الأمير يقوم بالدور نفسه والإمام غير قادر على إدارة البلاد وأداء مهام منصب الإمامة المباشرة في البلدان الغائبة عنه ؟!

    ولنا سؤال آخر إذا كان المقلد يعطي ( خمسه ) إلى الفقيه ، فلمن يعطي الفقيه (خمسه)، إذا لم يكن من ذرية ( أهل البيت ) ؟ أو كان أعجميا ليس بعربي ؟!

    هل هناك نص يستثنيه أو يعفيه من أداء هذا ( الواجب ) ؟!

    ومن الأدلة الواضحة على أنه لا علاقة بين المجتهد و ( الخمس ) تأخر ظهور فكرة إعطائه إلى المجتهد عدة قرون حتى تفتقت عنها الأذهان بعد طول نظر وشدة عناء وتفكير، إذ لو كانت العلاقة ظاهرة لما تأخرت الفتوى طيلة تلك الأزمنة المتطاولة ، ولظهرت من أول يوم نزلت فيه الآية أو انتهى عنده عصر ( الأئمة ) ان هذه الفكرة إنما ولدتها الحاجة وأملتها الظروف وهي أوضح مثال على القول بأن ( الحاجة أم الاختراع ) .

المجتهد لا يخمس ماله ولا يزكيه ..!

    لا يوجد أمر شرعي كلف الله تعالى به الأمة لوحدها دون نبيها صلى الله عليه وسلم بل العكس هو الصحيح إذ كلف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأمور وأوجبها عليه مثل قيام الليل ، بينما جعلها نافلة مستحبة لبقية أفراد الأمة ، وهكذا الزكاة والجهاد والحج والصيام الذي كان يواصل فيه اليومين والثلاثة دون فطور أو سحور ، وهو أمر منهي عنه لغيره .

    ولقد فرض الله تعالى الزكاة على عباده ولم يسقطها عن أحد منهم حتى الأنبياء عليهم السلام !

    قال تعالى : (( وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة )) الأنبياء/73.

(1) الشيعة والتصحيح للدكتور موسى الموسوي ص 69 .

وقال عن المؤمنين جميعا ولم يستثن منهم لا عليا عليه السلام ولا أحدا من أهل بيته : ((إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون )) المائدة/55 .

    أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن يؤدي ما عليه من حقوق مالية تجاه الناس فحسب ، بل فوق ذلك حرم على نفسه وأقربائه أموال الصدقة والزكاة  - أوساخ الناس- فلم يحل لهم أخذها ، وكان أهل بيته الكرام يزكون ويتصدقون ولا يأخذون من أحد من العالمين شيئا !

    والآن نأتي إلى الواقع لنراه مقلوبا تماما ، إذ ان المجتهدين يأخذون كل ماحل بأيديهم من جميع أصناف المال من الزكاة إلى الصدقة إلى النذور إلى ( الخمس ) إلى ما يسمونه ب (الحقوق الشرعية) وأموال المظالم ... الخ وفي المقابل يزكون أموالهم ! وهل رأيت مجتهدا أو (سيدا) يزكي ماله ؟! أين ؟ ومتى ؟

    هذا هو الواقع المر ! فهل هذا الركن العظيم من أركان الإسلام مرفوع عنهم ، وهل هناك أحد فوق القانون الإلهي ؟!

    يقول تعالى : (( وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة )) فصلت /6-7

    وإذا قيل إن (الخمس) لا يجب على من كان من ذرية أهل البيت ، فما حكمه بالنسبة ل ( المجتهد ) من سواهم عربيا كان أم أعجميا كما هو الغالب ؟! هل رأيتم أحدا منهم يخمس أمواله ويضعها مع (الخمس) الذي يستلمه ليصرف الجميع في وجوهها ؟! بل هو مع هذا كله لا يؤدي الزكاة الواجبة عليه !! بل وفوق ذلك هو يأخذ الزكاة مع أنها لا تحل عليه لأنه غني ، بل قد يكون من (آل البيت) الذين حرمت عليهم أصلا ! فكيف؟!!!

نسيان الزكاة :

    لقد ألغى ( الخمس ) الاهتمام بالزكاة من الواقع فلا تذكر كما يذكر ( الخمس ) ولا يحرص عليها ولا يتحسس الناس لها وجودا أو تأثيرا قط في كل المناطق المأهولة بمن يعتقد شرعية (الخمس) ، وعامتهم لا يعرفون عن أحكامها البسيطة الواضحة شيئا ، قليلا ولا كثيرا مع ان الله تعالى ملأ كتابه الكريم من ذكرها على عكس ( الخمس ) !!

    ولعل السبب في ذلك – والله أعلم – ان مقدار الزكاة لا يعد شيئا في مقابل ( الخمس)، فإذا طولب صاحب المال بخمس ماله ، كيف يمكن معه أن يطالب بأداء زكاته ؟!

    فالجمع بين ( الخمس ) والزكاة صعب على النفوس ومحرج للمعطي والآخذ . وإذن فعلى المجتهد أن يخير نفسه بين هذا وهذا ، فإذا طالب بإحداهما فعليه أن ينسى الآخر أو يتناساه ولا شك في ان الاختيار يقع على ( الخمس ) ، ويتغافل عن الزكاة أو لا يذكرها بقوة فإن حصلت فبها ونعمت وإلا ف ( الخمس ) يكفي وزيادة !

    ولذلك فإن الواقع المشاهد ان المجتهد يصرح أحيانا بمسألة التخيير بين ( الخمس ) والزكاة دون تردد أو توقع ان أحدا يسأله : هل ان إسقاط الواجبات الشرعية من حقه مع أنها مفروضة من قبل الله ؟! وهل إذا حكم بأمر يحتاج حكمه ويفتقر إلى تعقيب معقب ، مع انه في كتابه يقول : (( والله يحكم لا معقب لحكمه )) ؟! وهل الفقيه مصدر تشريعي في مقابل مصادر الشرع الأخرى ؟!

وهكذا نسيت الزكاة وعمي أمرها على سواد الناس فتركوا أداءها ، بل لا يستشعرون وجوبها مع قيامهم بدفع ( الخمس ) (( وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا )) !!

ضريبة خيالية :

    إذا أضفنا ( الخمس ) إلى الزكاة والصدقة وغيرهما من الحقوق المالية المترتبة على المسلم يكون المجموع زهاء ربع المال !

    أي ان المسلم هو الوحيد – من دون بقية الخلق وأجناس الأرض  - الذي يلزم بأداء ربع ماله ومكسبه ومقتنياته إلى دولته كي يتحلل من ذمته أمام ربه !! وحتى لو لم يكن سوى ( الخمس ) ، فالخمس يعني خمس المال أو المكسب وهو قريب من الربع .

    فهل تصورت  - والحالة هذه – مدى العنت والإرهاق والظلم الذي يتحمله المواطن تجاه دولة كهذه ؟ بل هل يمكن لدولة مهما بلغت من الظلم والسطوة أن توقع بمواطنيها مثل هذا الجور ؟! وهل يرضى مواطنو أي دولة يستشعرون بالكرامة والحرية ان يرضخوا فيؤدوا (ضريبة الدخل) بهذه الضخامة تحت أي ظرف ؟ حتى لو كان ظرف حرب أو مجاعة شديدة أو حصار !

    ولذلك فلا يعرف في التاريخ ملكا أو حاكما عادلا ولا ظالما فرض مثل ذلك على شعبه ، إلا ما جاء في التوراة عن ملك مصر زمن نبي الله يوسف عليه السلام من انه فرض ( الخمس ) على المحاصيل الزراعية حين اجتاحت المجاعة شعب مصر ، ولكن بعد ان اشترى الأرض وأهلها فصاروا له ملكا وعبيدا – وقد سبق ذكر ذلك - .

    هذا إذا فرضنا ان الجهة التي يعطى لها ( الخمس ) دولة بحالها – كما يقول به بعض علماء المذهب – فكيف إذا كانت هذه الضريبة الخيالية تؤدى إلى أفراد معدودين لا دولة أو مؤسسة عامة ، فماذا ستكون النتيجة ؟! وإلى أي مدى يمكن أن يذهب بنا التصور والخيال ؟!

    فكيف إذا التفت إلى أن هؤلاء الأفراد المعدودين هم الذين يجب أن يكون الحاكم منهم ، فيكونوا هم أمراء المجتمع الإسلامي ! أي ان هذه الضريبة لا يستفيد منها إلا الحاكم وأفراد عشيرته الكبيرة ، أي (العائلة المالكة) فقط !!! التي تمارس اليوم دور الإمارة و (السيادة) بأجلى صورها قبل تسليم مقاليد الحكم !

    هل يمكن لحاكم في الكون أن يفرض على رعيته خمس مكاسبهم وأموالهم ومقتنياتهم له ولعشيرته فقط ؟! وهل حدث مثل هذا في التاريخ ؟!

    وهل تصورت الآن الأمر على حقيقته وأبعاده البشعة ؟! وإذن هل يمكن أن يكون ذلك دينا منزلا من عند الله ؟

    ان هذا يستحيل أن يفعله أي حاكم مهما بلغ من الظلم والاستبداد أو الاستهتار بمقدرات شعبه وإرادته ، فهل تعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ؟! فعل أمرا تعفف فرعون عنه ؟!

    أو هل تعتقد ان ذلك كان الواجب عليه أو على أي من خلفائه – وأهل بيته أن يفعلوه؟!

    حقا إنه لتشويه لا يليق بصورة هذا الدين العظيم ولا رسوله الكريم .

لا زال البعض يدفع ( الخمس ) ! لماذا ؟

    لا زال بعض المتدينين – بل الكثيرين منهم – وإلى اليوم يزاولون دفع ( الخمس ) ، فلماذا !

    والجواب : إما أن يكون ذلك جهلا منهم وحسن نية ويتصورون أن (الأئمة) أمروا به أو أن نصوص الشرع تفرضه عليهم ، دون أن يكلف أحد منهم نفسه يوما ما ليراجع بنفسه النصوص والأدلة ويحكم بعقله الذاتي المستقل وإرادته المنعتقة عن القيود ، بعيدا عن فتاوى الفقهاء في (رسائلهم العملية) المجردة عن الدليل ، لاسيما وان السواد الأعظم من المتدينينن  ذوي النوايا الطيبة ، يتصور أن تقليد الفقهاء في كل شيء واجب محتم عليه وإلا كان معرضا للعقاب الأخروي !

    هكذا خيلوا له ، وهكذا قيدوا عقله عن أن يفكر ، وكبلوا إرادته عن أن تنطلق ، وعصبوا عينيه حتى لا تبصر الطريق ! وكسروا الحاجز المقدس بين المعصوم الذي لا يخطيء، وبين الفقيه الذي يجوز عليه الخطأ والصواب ، ولم يعد بينهما فرق حقيقي سوى الاسم . فإذا اعتقدت أن الفقيه لا يجوز الاعتراض عليه أو مخالفته فقد جعلت منه معصوما! وهذا باطل !

    وقد يكون بعضهم يفعله بدافع التعصب المذهبي ، وان كانت الغالبية تفعله بحسن نية مبنية على الجهل بحقائق الأمور ولكن – مع ذلك – تشعر أنهم يحسون في دواخلهم بثقل الوطأة وضخامة الحساب فترى الكثيرين قد تفلتوا منه أو احتالوا عليه وأقنعوا أنفسهم بأنهم يؤدون هذا (الواجب) مع أنهم في الحقيقة لا يقومون إلا بدفع جزء يسير منه !  وهذا يتوضح بالفقرة التالية :

صعوبة التطبيق ومهازل الواقع :

    لما رأى القائمون على أمر ( الخمس) واستغلاله صعوبة دفع مثل هذا المبلغ الهائل على النفس وتحرج الكثيرين وتفلتهم من ربقته ، وهي حالة طبيعية جدا لا عيب فيها ولا شذوذ بل هي تعبير عن الفطرة الإنسانية السوية فكم من بني آدم تسخو نفسه فتسمح له بأن يعطي خمس أمواله وأرباحه التي أكتسبها بعرق جبينه وكد يمينه ليأخذها منه من لم يبذل فيها جهدا ولا فكرا ولا قلقا أو خوفا من خسارة أو سرقة أو عقاب قانون ولا علاقة له باكتسابها من قريب ولا بعيد ؟!!

    حقا انه لأمر ثقيل جدا ! يقول تعالى : (( وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم . ان يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم )) محمد /36-37 .

    فالله أعلم ان طاقة عبده في دفع أمواله محدودة لأنه مجبول على حب المال كما أخبر هو عنه بقوله : (( وانه لحب الخير لشديد )) العاديات /8 . فلابد أن يكون الطلب بحدود تتناسب وطاقته ، وإلا بخل وامتنع وخرج من فمه ما لا يحمد ولا تثريب عليه في كل ذلك لأنه تصرف بمقتضى الطبيعة البشرية التي خلقه الله عليها (( لا تبديل لخلق الله )) الروم /30 .

    لذلك لم يكلف الله عبده إلا ما يسع بل دون وسعه بكثير وهو الزكاة التي لا تجب إلا على من ملك مالا زائدا عن حاجته وبيته ومركبه يساوي قيمة عشرين مثقالا من الذهب بشرط أن تمر على ذلك المال سنة كاملة ، وكم نسبة الزكاة فيه ؟ اثنان ونصف في المئة (2.5%) فقط ، وهي نسبة قليلة جدا يستطيع أي إنسان أن دفعها . بل لو أن أي فقير كلف بها لما أرهقه ذلك !

    ولذلك – في المقابل – امتنع عن دفع (الخمس) الكثيرون وتناسوه أو احتالوا عليه !

    فلما رأى المستفيدون ذلك وواجهوا الصعوبة العملية في تطبيق نظرية (الخمس) على الواقع صاروا يخففون في القضية حتى لا يقضوا على البقية الباقية منهم فما لا يدرك كله لا يترك بعضه أو جله ، وعلى رأي المثل : إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع .

    وهذه بعض الصور التي عشناها في الواقع الهزيل :

    كأن يكون حساب (الخمس) على أحدهم مئة ألف دينار فيأتي إلى المجتهد أو (السيد) فيقول : على مئة ألف ولكني محتاج وليس معي إلا عشرون ألف فيجيبه : لا بأس هاتها ويعد قائلا : عشرون ثم يرجعها إليه باعتباره قد وهبه إياها ثم يأخذها ثانية قائلا : أربعون ... وهكذا ينتقل المبلغ بينهما عدة مرات إلى أن ينتهي العد إلى مئة ! أرأيت ؟!

    وبعض مستلمي (الخمس) يتنافسون فيما بينهم على التنقيص من المبلغ فهذا ينقص أكثر من ذاك وهكذا .. حتى صار من المتعارف عليه أن يقول القائل : أنا أدفع (خمسي) لفلان لأنه (ينقص) أكثر من (سيد) أو (شيخ) فلان .

    أو يدفع بعضهم (الخمس) مرة واحدة في حياته وعن بعض أمواله خصوصا إذا كان غنيا فاحش الغنى فيسقطون عنه الزكاة بعد أن يخيروه بين الزكاة التي تؤخذ منه سنويا طيلة حياته وبين (الخمس) مرة واحدة وقد نقصوا له منه وخففوا كثيرا فيختار الثاني . ولا شك ان من يقبض (الخمس) مستفيد أيضا فإن الدفع نقد خير من التقسيط . وهكذا يفسدون على المسلم ركنا عظيما من أركان الدين الخمسة متصورا ان ذلك يعفيه عند الله وينجيه من حسابه يوم القيامة وهكذا يتم التلاعب بشرع الله . فالله يقول ويأمر بشيء و(المفتي) يقول ويأمر بما يغايره ويلغيه فيجعل من نفسه ربا آخر تماما كما قال تعالى : ((أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)) الشورى /21 ، وقال : ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)) التوبة /31 وهذا في الأمر والنهي والتشريع في مقابل شرع الله .

    إن القصد من كل هذا جمع المال ولذلك قال تعالى بعد الآية السابقة بعدة آيات : ((يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله)) التوبة /34

الفصل الرابع

اتباع المتشابه

    بعد كل الذي قدمناه – والحمد لله – يتبين بوضوح تام ان فكرة (خمس المكاسب) من ناحية ثم إعطاء هذا (الخمس) إلى الفقيه من ناحية أخرى لا دليل عليها من الشرع ولا مستند لها إلا المتشابه والمتشابه المحض ! :

    فليس هناك إلا نص قرآني واحد ، ورد فيه لفظ (الخمس) اللفظ فقط ! أما موضوعه ومعناه أو مضمونه ومحتواه فشيء آخر لا علاقة له به ، وهو خمس الغنائم التي تؤخذ من محاربي الكفار في ساحة القتال .

    ثم ما هي علاقة الفقيه بالآية والذي لم يرد ذكره أبدا لا أولا ولا آخرا ولا ضمنا ولا إشارة ولا تصريحا ولا تلميحا ولا لفظا ولا معنى ؟! فان كان (الخمس) قد ورد لفظا فإن الفقيه لم يرد أصلا .

قضيتان منفصلتان

    ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن موضوع خمس المكاسب في صورته الحالية مركب من قضيتين :

الأولى : ان في المكاسب خمسا .

الثانية : ان هذا (الخمس) يجب تسليمه إلى الفقيه .

    وهما قضيتان منفصلتان تحتاج كل واحدة منهما إلى دليل منفصل فلا يصح دمجهما معا والاستدلال عليهما بدليل واحد وردت إحداهما فيه لفظا والأخرى لم ترد أصلا !!

علاقة لفظية بحتة !

    وهكذا يظهر ان دعوى القول بخمس المكاسب بدليل الآية هي بالضبط كدعوى رجل اسمه إبراهيم احتج بقوله تعالى : (( واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا )) مريم/41 . على انه نبي لأن لفظ إبراهيم ورد فيها وبما ان اسمه هو (إبراهيم) فإذن هو نبي اعتمادا على تشابه الإسمين وتطابق اللفظين !!

    صحيح إن الآية فيها لفظ (إبراهيم) ولكن أي إبراهيم هو المقصود ؟!

    صحيح ان آية (الأنفال) ورد فيها لفظ (الخمس) ولكن أي خمس هو المقصود ؟! خمس ( ما غنمتم ) أم خمس ( ما كسبتم ) ؟!

    ان الاحتجاج بالآية على خمس المكاسب يدخل تمام الدخول تحت قاعدة (ما تشابه منه) واستمع إلى الله جل وعلا ماذا يقول في ذلك :

    (( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله )) آل عمران /7.

خلاصة البحث :

    وبعد .... فهذه أهم الحقائق التي توصلت إليها من خلال هذا البحث :

1- لا من القرآن الكريم فإن الآية نفسها موضوعها غنائم الحرب التي تؤخذ من الكافرين لا مكاسب السلم التي يكسبها المسالمون من المسلمين .

2- ولا من السنة النبوية الطاهرة إذ لم يرد من قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا من فعله ولا تقريره .

3- ولم يرد عن أحد من الخلفاء الراشدين بما فيهم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) .

4- ولا يوجد فيه أي نص عن ( الأئمة المعصومين ) في أي مصدر معتمد كالكافي للكليني أو من لا يحضره الفقيه للقمي أو الاستبصار للطوسي وغيرها .

(1) صفوة البيان لمعاني القرآن للشيخ محمد مخلوف .

5- ولم يفت به أي فقيه من الفقهاء المعتبرين المتقدمين كالشيخ المفيد والشيخ الطوسي والسيد المرتضى علم الهدى وغيرهم .

6- سقوط السند اللغوي لهذه التسمية (الخمس) من حيث تعلقها بالمكاسب .

7- سقوط السند الشرعي لهذه التسمية أيضا .

ثانيا : وجود نصوص عديدة واردة عن (الأئمة) تنص على أن :

1- حكم (الخمس) وإعطاءه (للإمام المعصوم) نفسه هو الاستحباب وليس الوجوب .

2- جواز تصرف صاحب (الخمس) به دون شرط الرجوع إلى الإمام متى احتاج إلى ذلك ، ومراجعة (الإمام) إنما هي على سبيل الاستحباب غير الملزم .

3- بعض هذه النصوص تصرح أن (الأئمة) أباحوا (الخمس) لأتباعهم وأسقطوه عنهم مطلقا تكرما وتفضلا .

4- وبعضها تنص على إباحته لهم حتى يقوم (القائم الغائب) .

5- لا يوجد أي نص يتعلق بالفقهاء وإدخالهم في موضوع (الخمس) .

ثالثا : إن فتوى إعطاء (الخمس) للفقيه إنما قال بها بعض الفقهاء المتأخرين دون المتقدمين وان هذه الفتوى تمتاز بما يلي :

1- مختلف فيها ولا إجماع عليها .

2- عدم اعتمادها على أي نص عن (الأئمة المعصومين) أو القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة .

3- اضطراب أقوال الفقهاء الذين اعتمدوها وحيرتها وترددها وتناقضها فيما بينها في أقوال الفقيه نفسه ومن فقيه إلى فقيه ومن زمان إلى زمان .

4- والأهم من ذلك كله تناقضها التام مع الأقوال الواردة عن (الأئمة المعصومين) !

5- عدم إمكانية تطبيقها على الواقع فهي خير مثال يمكن أن يضرب على تناقض (النظرية مع التطبيق ) . 

وبعد .. فهذا أهم ما توصلت إليه من حقائق ونتائج أضعها بين يدي أخوتي وبني جلدتي ممن يحبون الحق ويبحثون عن الحقيقة ويتحلون بالإنصاف ممن لا زال – عن حسن نية وقصد وابتغاء للثواب والأجر – يرهق نفسه بدفع ( الخمس ) ، أداء للأمانة الدينية والبحث العلمي المنصف المجرد ، وبرا بالأخوة ونصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم . وتبصيرا للعقول النيرة المنعتقة من نير التقليد الأعمى اتباعا للحق الأسنى والطريقة المثلى . والحجة الواضحة الناصعة والأدلة البينة الساطعة ونشرا للوعي بين الجماهير العاقلة ذات النفوس الطيبة والعقلية المحايدة والإرادة الحرة المستقلة الفاعلة .

    ويا رب ! هذا الجهد وعليك التكلان ، وأنت المستغاث وبك المستعان ولا حول ولا قوة إلا بك .

مراجع البحث

1- القرآن الكريم .

2- أصول الكافي للكليني الرازي ط طهران 1381 هـ .

3- الإرشاد – للشيخ المفيد ط المطبعة الحيدرية – النجف    1392ه-1972 م.

4- الخمس بين السائل والمجيب – السيد محمد صادق الصدر ط 1418 .

5- الاستبصار فيما اختلف من الأخبار للطوسي .

6- الشيعة والتصحيح للدكتور موسى الموسوي .

7- صفوة البيان لمعاني القرآن للشيخ حسنين محمد مخلوف .

8- فقيه من لا يحضره الفقيه – القمي ، ط طهران .

9- منهاج الصالحين – للسيد أبي القاسم الخوئي مطبعة الديواني – بغداد الطبعة التاسعة والعشرون .

10- مختار الصحاح للرازي – المركز العربي للثقافة والعلوم .

11- مفردات ألفاظ القرآن للعلامة الراغب الأصفهاني – المكتبة المرتضوية – إيران .

12- النهاية في مجرد الفقه والفتاوي لشيخ الطائفة الطوسي .

13- نهج البلاغة بشرح محمد عبده ط دمشق .

المحتويات

الصفحة

الموضوع

2 المقدمة

3 الباب الأول : خمس المكاسب بين أقوال الأئمة وفتاوى الفقهاء .

4 الفصل الأول : حقائق خطيرة ومثيرة

7 الفصل الثاني : الأدلة التفصيلية على الحقائق السابقة

7 1- النصوص الواردة عن ( الأئمة المعصومين ) في إسقاط ( الخمس )

11 2- كبار الفقهاء يسقطون ( الخمس ) أيضا

13 الفصل الثالث : اضطراب نظرية ( الخمس ) واختلافها بين المتقدمين من الفقهاء والمتأخرين

13 قول الشيخ أبي جعفر الطوسي

15 فتوى زعيم الحوزة السيد أبي القاسم الخوئي

16 بين الطوسي والخوئي

17 حق ( السادة )

18 من أين جاءت الفكرة ؟

18 ملخص تضارب أقوال الفقهاء وتطورها عبر الزمن

21 إسدال الستار على الروايات المبيحة ل ( الخمس )

22 شرعية المصرف لا تحلل حرمة المصدر

23 الخلاصة

23 التساؤل الأخير

23 ما علاقة الفقيه بالآية؟

25 الباب الثاني : الخمس بين الغنائم والمكاسب

26 الفصل الأول : دلالة آية الخمس

26 تمهيد

27 آية الخمس

27 الموضع الوحيد

28 مقارنة بين الزكاة وخمس المكاسب

29 مثال كي تتضح المقارنة

30 بعض الآيات التي وردت في الزكاة

32 مقارنة أخرى بين الزكاة والخمس

33 سبب نزول ( الآية )

34 سياق ( الآية )

34 القرآن فرق بين المكاسب والغنائم

35 الغنيمة في لغة القرآن

37 الغنيمة مال خاص مستقل

38 الفيء والخمس – وقفة مع سورة ( الحشر )

41 الفصل الثاني : خمس المكاسب في محكمة التاريخ

41 جباة ( الخمس )

42 قتال الصديق لمانعي الزكاة

42 العباسيون و ( الخمس )

43 الفراعنة وخمس المكاسب

46 الفصل الثالث : خمس المكاسب بين النظرية والتطبيق

46 لو كانوا جادين

47 ما هي علاقة المجتهد ب ( الخمس )

48 المجتهد لا يخمس ماله ولا يزكيه

49 نسيان الزكاة

50 ضريبة خيالية

51 لا زال البعض يدفع ( الخمس ) ! لماذا ؟

52 صعوبة التطبيق ومهازل الواقع

55 الفصل الرابع : اتباع المتشابه

55 علاقة لفظية بحتة !

56 خلاصة البحث

59 مراجع البحث

60 المحتويات

عدد مرات القراءة:
6271
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :