آخر تحديث للموقع :

السبت 6 رجب 1444هـ الموافق:28 يناير 2023م 07:01:37 بتوقيت مكة

جديد الموقع

موقف الشيعة الإثني عشرية من الأئمة الأربعة - خالد الزهراني ..
الكاتب : خالد الزهراني ..

موقف الشيعة الإثني عشرية من الأئمة الأربعة
أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم
 
خالد بن أحمد الزهراني


مقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبعهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.. أما بعد:
فمن المعلوم أن البدع تنشأ في ظل الجهل والبعد عن الهدي النبوي، ومن البدع التي لها واقع كبير في حاضرنا المعاصر: بدعة الشيعة الإثني عشرية، وفي هذا البحث نتعرض لموقف الشيعة الإثني عشرية من أئمة المذاهب الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وهم: (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رحمهم الله)؛ لأن الطبقة التي يطعن فيها الإثنا عشرية بعد الصحابة الكرام رضي الله عنهم هم الأئمة الأربعة رحمهم الله؛ فقد طبقت شهرتهم الآفاق، وملأ علمهم الأرض، وخلفوا مذاهب فقهية مستنبطة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واتبعهم على مر العصور مدارس علمية عديدة، وتركوا لنا تراثاً عظيماً، بنوه على فهمهم للكتاب والسنة المطهرة، وفقه الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فهذا أبو حنيفة رحمه الله يرث فقه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في العراق، وهذا مالك رحمه الله يرث فقه أهل المدينة الذين هم معدن الإسلام وجيران خير الأنام صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا البحث نريد توضيح هذا الأمر، لكي لا يظن ظان أن الإثني عشرية مذهب فقهي خامس، بل نقول: إن الأئمة الأربعة متفقون في أصول الدين، متفقون على بدعية الرفض.
كما أنني -أيها القارئ الكريم- كنت ولا زلت جاهداً في بحثي عن موقف الشيعة الإثني عشرية من أئمة المذاهب الأربعة السنية (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رحمهم الله)، واطلعت خلال زيارتي لمكتبات عدة عامة وخاصة، بل وعند بعض الزملاء من الشيعة الإثني عشرية، على مراجع عدة وكتب جمة لهم تقف موقف العداء من هؤلاء الأئمة الأعلام، وبدون علم أو توثيق لما ينقله بعضهم عن بعض، وخلال محاورات ومساجلات مع بعضهم تبين لي أنَّ كثيراً منهم يقول بما في هذه الكتب من لمز واتهام ستراه في هذا الكتاب، مع تنصل بعضهم في أول الأمر من هذا بأن الذم والتثريب من علمائهم منصب على ما أسموه لي آخراً ب(الوهابية)، وأنهم يحترمون الأئمة الأربعة وأصحابهم عند أهل السنة!!
وبعدها أيقنت أن كثيراً من القوم لا يجدي معهم إلا الدليل العلمي والاستدلال المنطقي، ويعلم كل منصف أن هذه المذاهب السنية الأربعة كانت من القرن الثاني الهجري، وأن شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب([1]) ظهر في القرن الثالث عشر الهجري!!
وبعدها عزمت الأمر واستخرت الله متوكلاً عليه في كتابة هذه الرسالة التي هي وليدة بحث ونظر وتأنٍ.. سائلاً الله جل وعلا أن يهدي كل ضال إلى الحق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
 
وكتب/
خالد بن أحمد الزهراني
غرة المحرم 1427هـ
[email protected]
 
 
 
 

الفصل الأول: لمحة موجزة عن الأئمة الأربعة
الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله([2]) « 80 - 150هـ »
نسبه:
هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الفارسي، كان جده من أهل كابل، أسر عند فتح بلاده ثم مُنّ عليه، وأبو حنيفة - وإن كان مولى - لم يجر عليه الرق ولا على أبيه، بل كان حر النفس أصيلاً.
مولده ونشأته:
ولد أبو حنيفة رحمه الله في الكوفة سنة ثمانين للهجرة على رواية الأكثرين، ونشأ وتربى بها، وعاش أكثر حياته فيها متعلماً ومعلماً.
ولد أبوه (ثابت) على الإسلام، ويُروى أنه التقى بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه صغيراً، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته.
نشأ أبو حنيفة رحمه الله في بيت إسلامي خالص، وابتدأ حياته تاجراً، ثم لفته الشعبي فقيه الأثر -لما لمح فيه من مخايل الذكاء وقوة الفكر- إلى الاختلاف إلى العلماء مع التجارة، فانصرف إلى العلم دون أن يهمل التجارة.
طلبه للعلم:
أخذ أبو حنيفة رحمه الله يطلب العلوم الإسلامية التي كانت في عصره، فحفظ القرآن على قراءة عاصم، ودرس الحديث، وعرف قدراً من النحو والأدب والشعر، وجادل الفرق المختلفة في مسائل الاعتقاد وما يتصل به، ثم عدل إلى الفقه واستمر عليه واستغرق كل مجهوده الفكري فيه، وقد ذكر في اختياره للفقه قوله: «كلما قلبته وأدرته لم يزدد إلا جلالة... ورأيت أنه لا يستقيم أداء الفرائض وإقامة الدين والتعبد إلا بمعرفته، وطلب الدنيا والآخرة إلا به».
ثم اتجه أبو حنيفة رحمه الله إلى دراسة الفتيا على المشايخ الكبار الذين كانوا في عصره، فلزم شيخه حماد بن أبي سليمان مذ كان في الثانية والعشرين من عمره إلى أن مات شيخه وأبو حنيفة رحمه الله في الأربعين من عمره.
ومع ملازمة أبي حنيفة رحمه الله لشيخه حماد إلا أنه كان كثير الرحلة إلى بيت الله الحرام حاجاً، يلتقي في مكة والمدينة بالفقهاء والمحدثين والعلماء، يروي عنهم الأحاديث، ويذاكرهم الفقه، ويدارسهم ما عندهم من طرائق.
وكان يتتبع التابعين أينما وجدوا، وخصوصاً من اتصل منهم بصحابة امتازوا في الفقه والاجتهاد، وقال في ذلك: «تلقيت فقه عمر وفقه عبد الله بن مسعود وفقه ابن عباس عن أصحابهم».
وقد جلس الإمام أبو حنيفة في الأربعين من عمره في مجلس شيخه حماد بمسجد الكوفة، وأخذ يدارس تلاميذه ما يعرض له من فتاوى وما يبلغه من أقضية، ويقيس الأشباه بأشباهها والأمثال بأمثالها بعقل قوي مستقيم، ومنطق قويم، حتى وضع تلك الطريقة الفقهية التي اشتق منها المذهب الحنفي.
أخلاقه:
كان أبو حنيفة رحمه الله بالغ التدين، شديد التنسك، عظيم العبادة، صائماً بالنهار، قائماً بالليل، تالياً لكتاب الله، خاشعاً دائباً في طاعة الله، قام الليل ثلاثين سنة، وكان القرآن الكريم ديدنه وأنيسه.
ومن أخلاقه: السماحة والجود، فقد كانت تجارته تدر عليه المال الوفير رغم ورعه واكتفائه من الربح بالقدر اليسير، وكان ينفق أكثره على المشايخ والمحدثين، اعترافاً بفضل الله عليه فيهم.
قال فيه الفضيل بن عياض رحمه الله: «كان أبو حنيفة رجلاً فقيهاً معروفاً بالفقه، واسع المال، معروفاً بالإفضال على كل من يطيف به، صبوراً على تعلم العلم بالليل والنهار، حسن الليل، كثير الصمت، قليل الكلام، حتى ترد مسألة في حلال أو حرام فكان يحسن أن يدل على الحق، رهاباً من مال السلطان».
منزلته العلمية ومصادر علمه:
كان الإمام أبو حنيفة فقيهاً مستقلاً قد سلك في تفكيره مسلكاً استقل به وتعمق فيه، وقد بقيت أصوات الثناء تتجاوب في الأجيال تعطر سيرته، قال أحد العلماء: «أقمت على أبي حنيفة خمس سنين فما رأيت أطول منه صمتاً، فإذا سئل عن شيء من الفقه تفتح وسال كالوادي، وسمعت له دوياً وجهارة بالكلام». كما وصفه معاصره الورع التقي عبد الله بن المبارك بأنه مخ العلم، فهو قد أصاب من العلم اللباب، ووصل فيه إلى أقصى مداه.
صفاته:
اتصف أبو حنيفة رحمه الله بصفات جعلته في الذروة بين العلماء، صفات العالم الحق الثبت الثقة، البعيد المدى في تفكيره، المتطلع إلى الحقائق، الحاضر البديهة، الذي تسارع إليه الأفكار.
كان رحمه الله ضابطاً لنفسه، مستولياً على مشاعره، لا تعبث به الكلمات العارضة، ولا تبعده عن الحق العبارات النابية، كان يقول: «اللهم من ضاق بنا صدره فإن قلوبنا قد اتسعت له». وقد أوتي استقلالاً في تفكيره جعله لا يخضع في رأيه إلا لنص من كتاب أو سنة أو فتوى صحابي.
كان مخلصاً في طلب الحق مما نور قلبه وأضاء بصيرته، فكان لا يهمه إلا الحق سواء كان غالباً أو مغلوباً، وكان لإخلاصه لا يفرض في رأيه أنه الحق المطلق، بل يقول: «قولنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا».
هذه جملة الصفات التي جعلت من أبي حنيفة رحمه الله فقيهاً انتفع بكل غذاء روحي وصل إليه.
شيوخه والموجهون الذين التقى بهم وأثروا فيه:
التقى الإمام أبو حنيفة بعدد من الذين عمروا من الصحابة، منهم أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد رضوان الله عليهم، ولكنه لم يرو عنهم؛ إذ كان في سن لقائه بهم صغيراً، ولكن أجمع العلماء على أنه التقى بكبار التابعين وجالسهم ودارسهم وروى عنهم وتلقى فقههم.
وقد قال: «كنت في معدن العلم والفقه، فجالست أهله ولزمت فقيهاً من فقهائهم».
وهذا يدل على أنه عاش في وسط علمي، وجالس العلماء وعرف مناهج بحثهم، ثم اختار من بينهم فقيهاً وجد فيه ما يرضي نزوعه العلمي، وهو حماد بن أبي سليمان الذي انتهت إليه مشيخة الفقه العراقي في عصره، فلزمه ثماني عشرة سنة.
وكان حماد قد تلقى معظم فقهه على إبراهيم النخعي فقيه الرأي، كما تلقى عن الشعبي فقيه الأثر، وهما اللذان انتهى إليهما فقه الصحابيين الجليلين عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وكانا قد أقاما بالكوفة وأورثا أهلها تراثاً فقهياً عظيماً.
ومن شيوخه عطاء بن أبي رباح الذي أخذ خلاصة علم ابن عباس رضي الله عنهما عن مولاه عكرمة، وكان أبو حنيفة رحمه الله يلازمه ما دام مجاوراً لبيت الله الحرام.
ومنهم نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما، وقد أخذ عنه أبو حنيفة رحمه الله علم ابن عمر وعلم عمر رضي الله عنهما.
وهكذا اجتمع للإمام أبي حنيفة علم عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم عن طريق من تلقى عنهم من تابعيهم رحمهم الله أجمعين.
ولم يقتصر الإمام أبو حنيفة على الأخذ عن هؤلاء الفقهاء؛ بل تجاوز ذلك إلى أئمة آل البيت فأخذ عنهم ودارسهم، ومنهم الإمام زيد بن علي زين العابدين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وعبد الله بن الحسن بن الحسن.
محنته ووفاته:
عاش أبو حنيفة رحمه الله عصراً مليئاً بالمشاحنات والتيارات، فقد أدرك دولتي بني أمية وبني العباس، ولما طلب منه ابن والي الأمويين على الكوفة أن يعمل معه امتنع، فسجن وعذب، ثم هرب ولجأ إلى مكة، واتخذها مقاماً ومستقراً له من سنة (130-136) للهجرة، فعكف على الفقه والحديث يطلبهما بمكة التي ورثت علم ابن عباس رضي الله عنهما.
ولما استتب الأمر للعباسيين عاد إلى الكوفة وأعلن ولاءه لهم، وتابع حلقات درسه في مسجد الكوفة، واستمر على ولائه للدولة العباسية، إلا أنه على ما يظهر انتقد موقف الخليفة المنصور من بعض آل البيت من أبناء علي رضي الله عنه، وكان حول الخليفة كثيرون يحسدون أبا حنيفة رحمه الله ويوغرون صدر المنصور عليه، فكان أن عرض عليه الخليفة المنصور منصب القضاء امتحاناً لإخلاصه، فاعتذر الإمام عن قبول المنصب، تحرجاً من الوقوع في الإثم؛ لأنه يرى القضاء منصباً خطيراً لا تقوى نفسه على احتماله، فتعرض لمحنة قاسية بسبب رفضه؛ إذ وجد الخليفة المنصور الفرصة مواتية للنيل منه، فسجن وعذب، ثم أخرج من السجن على أن يفتي، فكان يُرْجِعُ المسائل ولا يفتي فيها بشيء، فسجن من جديد، ثم أخرج ومنع من الفتوى والناس والخروج من المنزل، فكانت تلك حاله إلى أن توفي رحمه الله سنة (150) للهجرة على أصح الأقوال، وقيل: إنه مات مقتولاً بالسم في سجنه رحمه الله.
وكان قد أوصى أن يدفن بأرض الخيزران فحمل إليها، وقدر عدد من شيع جنازته وصلى عليها بخمسين ألفاً، وقد صلى المنصور نفسه عليها، إقراراً منه بعظمة دينه وتقواه، وقال: "من يعذرني منك حياً وميتاً؟!" فرحم الله الإمام أبا حنيفة، ورضي عنه وأرضاه.
 

 
الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة([3])
« 93 - 179هـ »
نسبه:
هو إمام دار الهجرة، أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن جثيل بن عمرو بن الحارث الأصبحي.
نشأته:
نشأ الإمام مالك في بيت مجد من بيوت العلم، فجده مالك بن أبي عامر كان من كبار التابعين وعلمائهم، وشارك هذا الجد المبارك في مهمة دينية رسمية، وهي مهمة كتابة المصاحف في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، فكان مالك الجد ممن كتبوها، في حين لم يكن يندب في ذلك العهد لهذه المهمة إلا أشخاص بارزون.
وكان النضر -أخو الإمام مالك- ملازماً للعلماء، يتلقى عليهم، حتى إن مالكاً حين لازمهم كان يعرف بأخي النضر، فلما ذاع أمر مالك بين شيوخه، صار يُذكر بأن النضر أخو مالك.
ولقد كانت البيئة العامة للبلد الذي عاش فيه توعز بالعرفان وتنمي المواهب، إذ هي مدينة الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، موطن الشرع ومبعث النور ومعقد الحكم الإسلامي الأول، ومرجع العلماء في العصر الأموي الأول، حتى إن ابن مسعود كان يُسأل عن الأمر في العراق فيفتي، فإذا رجع إلى المدينة ووجد ما يخالفه لا يحط عن راحلته حتى يرجع فيخبر من أفتى.
في ظل هذه البيئة الخاصة والعامة نشأ مالك، فحفظ القرآن في صدر حياته، ثم اتجه بعد ذلك إلى حفظ الحديث، وجالس العلماء.
طلبه للعلم ومنزلته العلمية:
كان الإمام مالك رحمه الله دءوباً على طلب العلم وصرف نفسه إليه في جد ونشاط وصبر، يترقب أوقات خروج العلماء من منازلهم إلى المسجد، وقد حدث الإمام مالك عن نفسه فقال: «إنه انقطع إلى ابن هرمز سبع سنين لم يخلطه بغيره»، وإنه كان يلازمه من بكرة النهار إلى الليل، وقد رأى فيه ابن هرمز النجابة وتنبأ له بمستقبل زاهر، فقد قال لجاريته يوماً: من بالباب؟ فلم تر إلا مالكاً، فقالت: ما ثم إلا ذاك الأشقر، فقال: «ادعيه؛ فذلك عالم الناس».
كما كان مالك رحمه الله لا يستجم في وقت تحسن فيه الراحة إن وجد في ذلك الوقت فرصة للطلب لا يجدها في غيره، قال رحمه الله: «شهدت العيد، فقلت: هذا يوم يخلو فيه ابن شهاب، فانصرفت من المصلى حتى جلست على بابه، فسمعته يقول لجاريته: انظري من بالباب، فسمعتها تقول له: هو ذاك الأشقر مالك. قال: أدخليه. فدخلت، فقال: ما أراك انصرفت بعد إلى منزلك؟ قلت: لا، قال: هل أكلت شيئاً؟ قلت: لا، قال: أتريد طعاماً؟ قلت: لا حاجة لي فيه. قال: فما تريد؟ قلت: تحدثني، قال: هات، فأخرجت ألواحي، فحدثني بأربعين حديثاً، فقلت: زدني، قال: حسبك، إن كنت رويت هذه الأحاديث فأنت من الحفاظ، قلت: قد رويتها، فجذب الألواح من يدي، ثم قال: حدث، فحدثته بها، فردها إلي وقال: قم، أنت من أوعية العلم».
وأخذ الإمام أيضاً عن نافع مولى ابن عمر فانتفع بعلمه كثيراً، يقول الإمام مالك في ذلك: «كنت آتيه نصف النهار وما تظلني شجرة من شمس أتحين خروجهُ، فإذا خرج أدعه ساعة كأني لم أره، ثم أتعرض له فأسلم عليه، حتى إذا دخل، أقول له: كيف قال ابن عمر في كذا وكذا؟ فيجيبني».
وهكذا نجد أن مالكاً لم يدخر جهداً في طلب العلم كما أنه لم يدخر في سبيلهِ مالاً، حتى لقد قال تلميذه ابن القاسم: «أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه، ثم مالت عليه الدنيا من بعد».
ولما نضج فكر مالك رحمه الله واستوت رجولته جلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم للدرس والإفتاء، وذلك بعد أن استوثق من رأي شيوخه فيه وإقرارهم بأنه لذلك أهل، ولقد قال رحمه الله: «ما جلست للحديث والفتيا حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل العلم أني موضع لذلك - ومنهم الزُهري وربيعة -». وكان يردد كلمته الرائعة: «لا خير فيمن يرى نفسه في حال لا يراه الناس لها أهلاً».
وكان رحمه الله إذا سُئل عن مسألة لا يعلمها يقول: «لا أدري»، وقد أخذ هذه الكلمة عن شيخه ابن هرمز رحمه الله، فقد حدث عن شيخه فقال: «سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي أن يورِّث العالم جلساءه قول: لا أدري، حتى يكون ذلك أصلاً في أيديهم يفزعون إليه، فإذا سُئل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري».
وقد نال مالك رحمه الله من ثناء العلماء حظاً وافراً، فقال في حقه الإمام أبو حنيفة رحمه الله: «ما رأيت أسرع منه بجواب ونقد تام».
وشهد له بالفضل أبو يوسف فكان يقول فيه: «ما رأيت أعلم من ثلاثة: مالك وابن أبي ليلى وأبي حنيفة»، إذ كان الأخيران شيخيه فوضع مالك في مرتبتهما.
وقال في شأنه تلميذه الإِمام الشافعي رحمه الله: «مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين، ومالك أستاذي، وعنه أخذت العلم، ومالك معلمي، وما أحد أمنّ عليّ من مالك، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله».
وقال الإمام أحمد بن حنبل فيه: «مالك سيد من سادات أهل العلم، وهو إمام في الحديث والفقه، ومن مثل مالك؟ متبع لآثار من مضى، مع عقل وأدب».
وقد تأول التابعون وتابعو التابعين في الإمام مالك رحمه الله بأنه العالم الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإِبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة)([4]).
محنته:
نزلت بمالك رحمه الله المحنة في العصر العباسي، في عهد أبي جعفر المنصور، حين اعتدى عليه بالضرب والي المدينة المنورة، وكان ابن عم للخليفة المنصور، وكان الوشاة قد وشوا بالإمام مالك سنة (146هـ)، وقالوا له: إن مالكاً يفتي بأنه لا يمين على مستكره، وهذا معناه أن ما أبرمتموه من بيعة الناس بالاستكراه ينقضه الإمام مالك بفتواه. فأمر الوالي بإحضاره، وضربه سبعين سوطاً، أرهقته وأضجعته.
ولمكانة الإمام مالك في قلوب المسلمين اهتزت جنبات المدينة المنورة، وثار الناس وهاجوا، فخاف الخليفة ثورة أهل الحجاز، فأرسل للإمام مالك يستقدمه إلى العراق، فاعتذر الإمام مالك، فطلب إليه الخليفة أن يقابله في منى في موسم الحج، فلما دخل الإمام على الخليفة، نزل المنصور من مجلسه إلى البساط، ورحب بالإمام وقربه، وقال يعتذر إليه عن ضربه وإيذائه: «والله الذي لا إله إلا هو يا أبا عبد الله! ما أمرت بالذي كان، ولا علمته قبل أن يكون، ولا رضيته إذ بلغني. يا أبا عبد الله! لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، وإني إخالك أماناً لهم من عذاب الله وسطوته، ولقد رفع الله بك عنهم وقعة عظيمة، وقد أمرت أن يؤتى بجعفر - الوالي - عدو الله من المدينة على قتب، وأمرت بضيق محبسه، والمبالغة في امتهانه، ولا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه».
فرد الإمام مالك رحمه الله: «عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه، قد عفوت عنه؛ لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرابته منك».
كتبه:
كان المجتهدون في عصر الصحابة يمتنعون عن تدوين فتاويهم؛ ليبقى المدوَّن من أصول الدين كتابُ الله وحده، ثم اضطر العلماء لتدوين السنة وتدوين الفتوى والفقه، إلا أن هذه المجموعات لم تكن كتباً بل كانت أشبه بالمذكرات الخاصة، وكان أقدم مؤلف هو موطأ الإمام مالك رحمه الله.
وهو كتاب ألفه الإِمام مالك جمع فيه الصحاح من الأحاديث والأخبار والآثار، وفتاوى الصحابة والتابعين، وذكر الرأي الذي يراه. وقد ألفه في أربعين سنة، وذلك ما يدلنا على مدى مجهوده فيه، وبحسب كتاب الموطأ أن يقول فيه الإِمام الشافعي رحمه الله: «ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صواباً من موطأ مالك»، وقال الإِمام النسائي: «ما عندي بعد التابعين أنبل من مالك ولا أجل منه ولا أوثق، ولا آمن على الحديث، ولا أقل رواية عن الضعفاء».
مرضه ووفاته:
لقد شاء الله تعالى أن يمرض الإمام مالك بسلس البول، فنقل درسه من الحرم النبوي إلى منزله. وواصل العلم والحديث والدرس والإفتاء إلى نهاية أجله المبارك. والأكثرون على أنه مات في الليلة الرابعة عشرة من ربيع الآخر سنة (179هـ) بعد أن مرض اثنين وعشرين يوماً لزم فيها الفراش.
ولم يخبر رحمه الله أحداً بمرضه وسبب انقطاعه عن الحرم النبوي إلا يوم وفاته، فقد قال لزواره: «لولا أني في آخر يوم ما أخبرتكم بسلس بولي، كرهت أن آتي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير وضوء، وكرهت أن أذكر علّتي فأشكو ربّي».
رحم الله مالكاً، ورضي عنه، وأكرم مثواه. فقد كان كما قال عنه ابن عُيينة: «مالك سراج هذه الأمّة».
 

الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله ([5])
« 150 - 204 هـ »
نسبه:
هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، جدُّ جدِّ النبي صلى الله عليه وسلم، وشافع هذا صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبوه السائب الذي أسلم يوم بدر، وأمه يمانية من الأزد، كانت من أذكى الخلق فطرة.
مولده ونشأته:
ولد الإمام الشافعي في غزة من أرض فلسطين سنة خمسين ومائة للهجرة، وهي سنة وفاة الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وليست غزة موطن آبائه، وإنما خرج أبوه إدريس إليها في حاجة، فولد له محمد ابنه ومات هناك.
توفي والده وهو صغير لا يتجاوز العامين، فذهبت به أمه إلى مكة، وقد آثرت أن تهجر أهلها الأزد في اليمن وتحمل طفلها إلى مكة مخافة أن يضيع نسبه وحقه في بيت مال المسلمين من سهم ذوي القربى، وكانت هذه أول رحلة في حياة هذا الطفل التي كانت كلها رحلات.
نشأ الشافعي في مكة وعاش فيها مع علو وشرف نسبه عيشة اليتامى والفقراء، والنشأة الفقيرة مع النسب الرفيع تجعل الناشئ يشب على خلق قويم ومسلك كريم، فعلو النسب يجعله يتجه إلى معالي الأمور، والفقر يجعله يشعر بأحاسيس الناس ودخائل مجتمعهم، وهو أمر ضروري لكل من يتصدى لعمل يتعلق بالمجتمع.
طلبه للعلم ومنزلته العلمية:
حفظ الشافعي القرآن وهو ابن سبع سنين، وجوّده على مقرئ مكة الكبير إسماعيل بن قسطنطين، وأخذ تفسيره من علماء مكة الذين ورثوه عن ترجمان القرآن ومفسره عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ثم اتجه بعد حفظه القرآن لاستحفاظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أولع منذ حداثة سنه بالعربية، فرحل إلى البادية يطلب النحو والأدب والشعر واللغة، ولازم هُذيلاً عشر سنوات يتعلم كلامها وفنون أدبها، وكانت أفصح العرب، فبرز ونبغ في اللغة العربية وهو غلام.
قال الأصمعي -ومكانته في اللغة مكانته-: «صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له: محمد بن إدريس» وفي مكة كان يتردد على المسجد يسمع من العلماء بشغف شديد، وكان في ضيق العيش بحيث لا يجد ثمن الورق الذي يدون عليه، فكان يعمد إلى التقاط العظام والخزف والدفوف ونحوها ليكتب عليها، وكان يقول: «ما أفلح في العلم إلا من طلبه في القلة، ولقد كنت أطلب ثمن القراطيس فتعسر علي».
وكان العلماء والفقهاء في ذلك العصر يشدون الرحال إلى المدينة ليروا عالمها المشهور مالك بن أنس رحمه الله، وكان مالك صاحب مجلس في الحرم النبوي، لم يطرق الخلفاء بابه، ويحسبون حسابه، وطرقت أخبار الإمام مالك أسماع عالمنا الشافعي، فاشتاق لرؤيته، وتلهف لسماع علمه، فحفظ كتابه الموطأ ورحل إلى يثرب، وهناك لم يستطع أن يظفر بالوصول إلى باب مالك إلا بعد لأي وجهد، فنظر إليه مالك، وكانت له فراسة، فقال له: «يا محمد! اتق الله واجتنب المعاصي، فسيكون لك شأن من الشأن»، وفي رواية: «إن الله عز وجل ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعاصي»، ثم قال له: «إذا ما جاء الغد تجيء ويجيء من يقرأ لك» قال الشافعي: «فقلت: أنا قارئ، فقرأت عليه الموطأ حفظاً، والكتاب في يدي، فكلما تهيبت مالكاً وأردت أن أقطع، أعجبه حسن قراءتي وإعرابي، فيقول: يا فتى! زد، حتى قرأته عليه في أيام يسيرة. وقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام»، وبعد أن قرأ على مالك موطأه، لزمه يتفقه عليه ويدارسه المسائل التي يفتي بها الإمام الجليل، وتوطدت الصلة بينه وبين شيخه، فكان مالك يقول: «ما أتاني قرشي أفهم من هذا الفتى»، وكان الشافعي يقول: «إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمن علي من مالك».
عبادته وأخلاقه:
كان رحمه الله كثير العبادة، فكان يقسم الليل إلى ثلاثة أقسام: ثلث للعلم، وثلث للنوم، وثلث للعبادة. وكان يقف بين يدي ربه فيصلي ويقرأ، وعيناه تفيضان بدمع غزير خشية التقصير. وقد كان رحمه الله يرى نفسه -لشدة تواضعه- من أهل المعاصي، وفي ذلك يقول:

أحب الصالحين ولست منهم

 

لعلي أن أنال بهم شفاعة

وأكره من بضاعته المعاصي

 

وإن كنا سواء في البضاعة

يقول هذا وهو الذي يصفونه بأنه: «لم تعرف له صبوة».
وقد اختص الله تعالى عالمنا بالعناية، فكان له صوت عميق التأثير، يخرج من قلب منير، زادته العبادة المتواصلة والمحبة الشديدة نوراً وتأثيراً وسحراً، وكان مولعاً بالقرآن وصحبته، فكان يختم في كل نهار وليلة ختمة، وفي رمضان كان يختم كل نهار ختمة وكل ليلة ختمة. وكان إذا قرأ القرآن بكى وأبكى سامعيه، روى أحد معاصريه: «كنا إذا أردنا أن نبكي قال بعضنا لبعض: قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي نقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القرآن حتى تتساقط الناس بين يديه، ويكثر عجيجهم بالبكاء، فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة».
وكان رحمه الله مستقيماً على الشرع إلى أقصى الحدود، وكان كريماً ذا مروءة وخلق رفيع، شأنه شأن آل البيت، سخياً يقبل على الفقراء ويعطي عطاء من لا يخاف عيلة، وفي هذا تروى الأعاجيب عنه.
ومن أقواله: «للمروءة أربعة أركان: حسن الخلق، والسخاء، والتواضع، والنسك». ومما تميز به شدة حيائه وخجله، حتى نقل عنه أنه كان يحمر وجهه حياء إذا سئل ما ليس عنده.
محنته:
اتهم الشافعي رحمه الله بالتشيع، وحيكت له المؤامرات في قصر الخليفة هارون الرشيد، حتى بعث في طلبه، وسيق وهو في الرابعة والثلاثين من عمره في أقياده مع تسعة من العلويين إلى الرشيد، وهناك ضربت رقاب العلوية التسعة أمام الشافعي واحداً بعد آخر، حتى جاء دوره، وكان محمد بن الحسن القاضي عند هارون الرشيد حاضراً، واستطاع الشافعي بذكائه وسرعة خاطره أن يستميل إليه قلب الخليفة وعقله، وأن يقنعه ببراءته، وأسلمه الخليفة للقاضي محمد بن الحسن، وكان العلم رحماً بين أهله، ودافع عنه القاضي وساهم في خلاصه، وقال فيه: «وله من العلم محل كبير، وليس الذي رفع عليه من شأنه»
وبرئت ساحة المتهم، وأمر له الرشيد بعطاء قدره خمسون ألفاً، أخذها الشافعي وانثالث كلها من بين يديه عطايا على باب الرشيد.
مرضه ووفاته:
كان رحمه الله كثير الأوجاع والأسقام، وكان يشكو البواسير خاصة، ولقد بلغت منه في أواخر أيامه مبلغاً عظيماً، فكان ربما ركب فسال الدم من عقبيه، وكان يطرح الطست تحته وفيه لبدة محشوة يقطر فيه دمه، وما لقي أحد من السقم مثل ما لقي، ولكن هذا لم يكن ليصرفه عن الدروس والأبحاث والمطالعات، وليس هذا غريباً على مثله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال عندما سئل عن أشد الناس بلاء: (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)([6])، ولما كان في مرضه الأخير دخل عليه تلميذه المزني فقال له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولكأس المنية شارباً، وعلى الله عز وجل وارداً، ولا والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنئها، أم إلى النار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ يقول:

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي

 

جعلت رجائي نحو عفوك سلما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته

 

بعفوك ربي كان عفوك أعظما

فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل

 

تجود وتعفو منة وتكرما

وفي آخر ليلة من رجب سنة أربع ومائتين للهجرة انتقلت روحه الطاهرة إلى ربها، عن أربع وخمسين سنة.
وفي عصر اليوم التالي خرجت مئات الألوف تنقل الشافعي إلى مثواه الأخير في القرافة بمصر، وذهل الناس بوفاة الشافعي، وخيمت الكآبة على وجوه العلماء، وهيضت أجنحة تلاميذه، وطويت صفحة مشرقة من صفحات تاريخنا الرائع، وغاب نجم من النجوم التي سطعت في سماء البشرية، فأضاءت المشرق والمغرب.
رحم الله الشافعي ورضي عنه، وأكرم مثواه؛ فقد كان كما قال عنه الإمام أحمد رحمه الله: «كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فانظر هل لهذين من خلف، أو عنهما من عوض».
 

الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله([7]) « 164-241هـ »
نسبه:
هو الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني الذهلي، وهو شيباني في نسبه لأبيه وأمه، واسمها صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك الشيباني من بني عامر.
فقد انحدر الإِمام أحمد من قبيلة عربية أصيلة غير أعجمية ولا مهجنة، والتقى نسبه الشريف مع النبي صلى الله عليه وسلم في نزار بن معد بن عدنان.
وقد ورث أحمد رحمه الله عن أسرته الكريمة عزة النفس وقوة العزم والصبر واحتمال المكاره، والإيمان الراسخ القوي، وكان ذلك كله ينمو كلما شب وترعرع، ويتبين في سجاياه كلما عركته الحوادث، وأصابته نيران الفتن.
مولده ونشأته:
ولد أحمد رحمه الله في ربيع الأول سنة (164هـ)، جيء به حملاً من مرو، وولد في بغداد، توفي أبوه شاباً، فقامت أمه على تربيته في ظل الباقي من أسرة أبيه، وكان أبوه قد ترك له عقاراً ببغداد يسكنه، وآخر يغل له غلة قليلة لا تقوم بنفقات الأسرة، فنشأ على الصبر والقناعة والكفاف.
طلبه للعلم ومنزلته العلمية:
اتجه أحمد رحمه الله إلى طلب العلم الذي وجهته أسرته إليه، واستقام ذلك التوجيه مع نزوعه الخاص، وبذلك تلاقت ميوله مع الوجهة التي وجه إليها، وكانت بغداد آنذاك حاضرة العالم الإسلامي، فاختار الإِمام أحمد في صدر حياته رجال الحديث ومسلكهم، فاتجه إليهم أول اتجاهه، ويظهر أنه قبل أن يتجه إلى المحدثين راد طريق الفقهاء الذين جمعوا بين الرأي والحديث، فيروى أن أول تلقيه كان على القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، فقد قال: «أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف». ولكنه مال من بعد إلى المحدثين الذين انصرفوا بجملتهم للحديث، وبقي يتلقى الحديث بغداد من سنة (179هـ) إلى سنة (186هـ)، ولزم عالماً كبيراً من علماء الحديث والآثار ببغداد أربع سنوات، وهو هشيم بن بشير بن أبي حازم الواسطي (المتوفى سنة 183هـ)، وكانت سنه عند الملازمة حوالي ست عشرة سنة، وكتب الإِمام أحمد عنه كتاب الحج وبعضاً من التفسير وكتاب القضاء وكتباً صغاراً.
صفاته:
اتصف أحمد رحمه الله بصفات كانت هي السبب في هذه الشهرة التي اكتسبها، وفي ذلك العلم الغزير الذي خلفه من بعده.
أول هذه الصفات: الحافظة القوية الواعية، وهي صفة عامة المحدثين، وأهل الإمامة منهم بشكل خاص، ولقد شهد بقوة حفظه وضبطه معاصروه حتى عدَّ أحفظهم.
والصفة الثانية، وهي أبرز صفات أحمد رحمه الله، وهي التي أذاعت ذكره: صفة الصبر والجلد وقوة الاحتمال، وهي مجموعة من السجايا الكريمة، أساسها قوة الإرادة، وصدق العزيمة، وبعد الهمة، وهذه الصفة هي التي جعلته يحتمل ما يحتمل في طلب العلم، غير وانٍ ولا راضٍ بالقليل منه.
- أما الصفة الثالثة من صفات الإمام أحمد التي امتاز بها فهي: النزاهة بأدق معانيها، ولقد دفعته عفة النفس ونزاهتها أن يترك بعض الحلال، وأن يمتنع عن قبول عطاء الخلفاء، مع تصريحه لبعض أولاده بأنه حلال يصح الحج منه، وأنه يتركه تنزيهاً للنفس لا تحريماً.
وبهذا التضييق الذي سلكه في شأن نفسه، كان لا يأكل إلا من كسب يده، أو من غلة عقار ورثه، ويلقى في سبيل ذلك العناء الشديد، والحرمان من كثير من طيبات الحياة، ولهذا كان زاهداً، ولكنه زهد ليس أساسه الرغبة عن طيبات الحياة؛ بل أساسه طلب الحلال، ولكن لا يطلبه من مال فيه شبهة؛ بل من مال يناله من غير أن تصاب النفس في نزاهتها أو عزتها، ومن غير أن يلجأ في ذلك إلى أحد من العباد.
وقد كان يضطر في بعض الأحيان أن يؤجر نفسه للحمل في الطريق وهو إمام المسلمين يومئذ.
وقد ابتلي في أيام المتوكل بالإقبال والصلات والجوائز، كما ابتلي في أيام المعتصم بالتعذيب والصرم والقسوة، وكان في كليهما صابراً عفيفاً نزيهاً، وكانت الأولى أشد عليه من الأخرى، وقد ثبت على عفافه وزهده وعزوفه عن أموال السلطان، وله في ذلك أخبار غريبة.
ويروى أن وزير المتوكل كتب إليه: «إن أمير المؤمنين قد وجه إليك جائزة، ويأمرك بالخروج إليه، فالله الله أن تستعفي، أو ترد المال، فيتسع القول لمن يبغضك»، فيضطر أحمد رحمه الله ليبدد ظلمات السعاية إلى القبول، ولكنه لا يمسه، ويأمر ولده صالحاً أن يأخذه ثم يوزعه في اليوم التالي على أبناء المهاجرين والأنصار وغيرهم من أهل التحمل والحاجة، وكأنه يرى أنهم أولى بمال المسلمين منه، وقد حرموا عطاءهم.
-والصفة الرابعة من صفات الإمام أحمد هي: الإخلاص، والإخلاص في طلب الحقيقة ينقي النفس من أدران الغرض، فتستنير البصيرة، ويستقيم الإدراك، ويشرق القلب بنور المعرفة وهداية الحق، ولهذا كان أحمد رحمه الله يتجنب الرياء ويبالغ في الابتعاد عنه، وكان يؤثر أن لا يسمع به أحد، فكان يقول: «أريد النزول بمكة ألقي نفسي في شعب من تلك الشعاب حتى لا أعرف».
-أما الصفة الخامسة التي امتاز بها الإمام أحمد، وجعلت لدروسه وكلامه موقعاً من نفوس سامعيه لا تزول، فهي: الهيبة؛ فقد كان مهيباً وقوراً، وكان الناس مدفوعين إلى إجلاله وتهيبه، شأن (من تواضع للّه رفعه الله) يقول أحد معاصريه: «دخلت على إسحاق بن إبراهيم، وفلان وفلان من السلاطين، فما رأيت أهيب من أحمد بن حنبل، صرت إليه أكلمه في شيء، فوقعت علي الرعدة حين رأيته من هيبته».
محنته:
بدأت المحنة سنة (218هـ) بورود كتاب المأمون على عامله في بغداد أن يجمع العلماء من قضاة وخطباء، ويسألهم عن القرآن، فمن لم يقل إنه مخلوق عزله، وامتثل الوالي أمر الخليفة، فجمع العلماء، فأقروا جميعاً إلا أربعة منهم، فلجأ إلى الشدة، وأمر بوضعهم في الحبس وإثقالهم بقيود الحديد، فوافق اثنان، وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، فأمر المأمون بحملهما إليه، فشدهما الوالي في الحديد ووجههما إليه، وتوفي المأمون قبل أن يصلوا إليه، وهو بالرقة، كما توفي ابن نوح في الطريق، فبقي أحمد رحمه الله وحده.
وولي المعتصم، وكان رجلاً قوي الجسم، يستطيع أن يصارع أسداً، ولكنه كان ضعيف العلم لا يستطيع أن يناظر أحداً، وكان يجلّ أخاه المأمون ويراه مثله الأعلى، فسار على طريقته.
لبث الإمام أحمد في السجن، وبلغ به الضعف كل مبلغ، ومع ذلك فقد كان دائم العبادة، حاضراً مع الله، حدث ابنه بأن الإمام أحمد قرأ عليه كتاب الإرجاء وغيره في الحبس، وبأنه رآه يصلي بأهل الحبس وعليه القيد، فكان يخرج رجله من حلقة القيد وقت الصلاة والنوم.
وبعث المعتصم علماءه وقواده يناظرونه، فكان يرفض الدخول في المناظرة ويأبى الموافقة إلا بدليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمل إلى حضرة المعتصم، وجرت المناقشة أمامه، فكان يصر على هذا الرد ويقول: «أعطوني شيئاً من كتاب الله أو من سنة رسوله»، وجربوا أنواع الترغيب بالعطايا والمناصب، وأنواع الترهيب بالتعذيب الشديد، فلم يؤثر ذلك فيه أثراً.
وبعثوا إليه بالعلماء يأتونه من باب التقية، فكان يقول لهم: «إن من قبلنا كانوا ينشرون بالمنشار فلا يرجعون»، وأظهر مرة أنه لا يخاف السجن، ولكن يخاف الضرب، يخشى أن لا يحتمل فتهزم فكرته، فقال له أحد اللصوص وكان معه في السجن: «أنا ضربت عشرين مرة، يبلغ مجموعها آلاف الأسواط، فاحتملتها في سبيل الدنيا، وأنت تخاف أسواطاً في سبيل الله، إنما هما سوطان أو ثلاثة ثم لا تحس شيئاً»، فهوَّن ذلك عليه.
ولما عجز المعتصم نصب آلة التعذيب ومدوه عليها وضربوه، فانخلعت كتفه من الضربة الأولى، وانبثق من ظهره الدم، فقام إليه المعتصم يقول: يا أحمد! قل هذه الكلمة وأنا أفك عنك بيدي وأعطيك وأعطيك، وهو يقول: هاتوا آية أو حديثاً.
فقال المعتصم للجلاد: شد قطع الله يدك. فضربه أخرى فتناثر لحمه.
وقال له المعتصم: لماذا تقتل نفسك؟ مَن مِن أصحابك فعل هذا؟
وقال له أحد العلماء وهو المروزي: ألم يقل الله تعالى: ((وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)) [النساء:29] [النساء:29] فقال أحمد رحمه الله: يا مروزي! فانظر أي شيء وراء الباب، فخرج إلى صحن القصر فإذا جمع لا يحصيهم إلا الله معهم الدفاتر والأقلام، فقال: أي شيء تعملون؟ قالوا: ننظر ما يجيب به أحمد فنكتبه. فرجع، فقال: يا مروزي! أنا أضلّ هؤلاء كلهم؟ أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء كلهم!
ولمَّا عجز المعتصم قال لجلاديه: اضربوا وشدوا. فكان يجيء الواحد فيضربه سوطين، ثم يتنحى ويأتي الآخر، حتى خلعت كتفاه، وغطَّى الدم ظهره كله، حتى أشرف على الموت، وخاف المعتصم أن يثور الناس إن مات، فرفع عنه الضرب وسلمه لأهله.
مرضه ووفاته:
قال المروزي: «مرض أبو عبد الله ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول، ومرض تسعة أيام، وكان ربما أذن للناس فيدخلون عليه أفواجاً، يسلمون عليه ويرد عليهم بيده... وكان يصلي قاعداً، ويصلي وهو مضطجع، لا يكاد يفتر، ويرفع يديه في إيماء الركوع، وأدخلت الطست تحته فرأيت بوله دماً عبيطاً ليس فيه بول، فقلت للطبيب، فقال: هذا الرجل قد فتت الحزن والغم جوفه، واشتدت علته يوم الخميس، ووضأته فقال: خلل الأصابع، فلمَّا كانت ليلة الجمعة ثقل، وقبض صدر النهار، فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء، حتى كأن الدنيا قد ارتجت وامتلأت السكك والشوارع».
قال المروزي: «أخرجت الجنازة بعد منصرف الناس من الجمعة»، قال عبد الوهاب الوثاق: ما بلغنا أن جمعاً في الجاهلية والإسلام مثله، حتى بلغنا أن موضعاً مسح وحزر على الصحيح فإذا هو نحو من ألف ألف، وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع والدروب ينادون من أراد الوضوء.
رحم الله الإمام أحمد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجمعنا به في مستقر رحمته.

الفصل الثاني بيان موقف الشيعة الإثني عشرية من الأئمة الأربعة
بيان موقف الشيعة الإثني عشرية من الأئمة الأربعة إجمالاً
كان موقف أعلام الإثني عشرية وأقطابها قديماً وحديثاً من أئمة المذاهب السنية الأربعة وأتباعهم موقف عداءٍ.
ولا ينبغي أن يُستغرب هذا منهم بحال؛ فقد نصبوا العداء لمن هم أفضل من هؤلاء وأكمل؛ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه رضي الله عنهم.
ومما سوّد به الإثنا عشرية كتبهم من مواقف عدائية تجاه أئمة السنة الأربعة وغيرهم: ما أخرجه الكليني بسنده إلى أبي جعفر الباقر أنه قال -وهو مستقبل الكعبة-: (إنما أُمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ثم يأتونا فيعلمونا ولايتهم لنا، وهو قول الله: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى)) [طه:82] -ثم أومأ بيده إلى صدره- إلى ولايتنا.
ثم قال: يا سدير([8])! فأُريك الصّادين عن دين الله؟ ثمّ نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوريّ في ذلك الزمان وهم حِلَقٌ في المسجد، فقال: هؤلاء الصادّون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتابٍ مبين. إن هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم فجاء الناس فلم يجدوا أحداً يُخْبِرُهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم حتّى يأتونا فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم)([9]).
ويقول شيخهم الأوالي([10]): «ذكر نبذة من أحوال أئمتهم الأربعة وسائر علمائهم المبتدعة، وما أحدثوه في الدّين من البدع الفظيعة، لا سيما من بينهم أبو حنيفة صاحب البدع الكسيفة، ومَن ليس له من الله خيفة»!([11]).
وذكر القاضي عياض في الترتيب أن رجلاً من الإمامية سأل مالكاً رحمه الله: (من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟) فقال مالك: أبو بكر. قال: ثم من؟ قال: عمر. قال: ثم من؟ قال: الخليفة المقتول ظلماً عثمان. فكان جواب هذا السائل الرافضي أن قال للإمام: (والله لا أجالسك أبداً)([12]).

 
ومن صور عدائهم للأئمة الأربعة أيضاً ما جاء على لسان بعض شعرائهم:

إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهباً

 

 

ينجيك يوم البعث من ألم النار

فدع عنك قول الشافعي ومالكٍ

 

 

وأحمد والنعمان أو كعب أحبار([13])

ووال أناساً قَولُهُم وحَدِيثُهُم

 

 

روى جَدُّنا عن جبرائيل عن الباري([14])

وجاء في مقدمة كتاب مختلف الشيعة للحلي ما يبين نظرتهم التهكمية للأئمة الأربعة:
«قالوا: لأي شيء أخذت نعلك معك وهذا مما لا يليق بعاقل بل إنسان؟ قال: خفتُ أن يسرقه الحنفية كما سرق أبو حنيفة نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فصاحت الحنفية: حاشا وكلا! متى كان أبو حنيفة في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ بل كان تولد بعد المائة من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال: فنسيت، لعله كان الشافعي.
فصاحت الشافعية وقالوا: كان تولد الشافعي في يوم وفاة أبي حنيفة، وكان أربع سنين في بطن أمه ولا يخرج رعاية لحرمة أبي حنيفة، فلما مات خرج، وكان نشؤه في المائتين من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال: لعله كان مالكاً.
فقالت المالكية بمثل ما قالته الحنفية.
فقال: لعله أحمد بن حنبل.
فقالوا بمثل ما قالته الشافعية.
فتوجه العلامة إلى الملك، فقال: أيها الملك! علمت أن رؤساء المذاهب الأربعة لم يكن أحدهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في زمن الصحابة، فهذه أحد بدعهم أنهم اختاروا من مجتهديهم هذه الأربعة، ولو كان منهم من كان أفضل منهم بمراتب لا يجوزون أن يجتهد بخلاف ما أفتاه واحد منهم.
فقال الملك: ما كان واحد منهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة؟
فقال الجميع: لا.
فقال العلامة: ونحن معاشر الشيعة تابعون لأمير المؤمنين عليه السلام نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخيه وابن عمه ووصيه.
وعلى كل حال فالطلاق الذي أوقعه الملك باطل، لأنه لم تتحقق شروطه، ومنها العدلان، فهل قال الملك بمحضرهما؟ قال: لا. وشرع في البحث مع علماء العامة حتى ألزمهم جميعاً»([15]).
ويذكر نعمة الله الجزائري قصة غريبة فيقول:
«وعنه عليه السلام قال: (مر موسى بن عمران برجل رافع يديه إلى السماء يدعو، فانطلق موسى في حاجته، فغاب عنه سبعة أيام، ثم رجع إليه وهو رافع يديه يدعو ويتضرع ويسأل حاجته، فأوحى الله إليه: يا موسى! لو دعاني حتى يسقط لسانه ما استجبت له حتى يأتيني من الباب الذي أمرته به).
أقول: هذا يكشف لك عن أمور كثيرة: منها: بطلان عبادة المخالفين، وذلك أنهم وإن صاموا وصلوا وحجوا وزكوا وأتوا من العبادات والطاعات، وزادوا على غيرهم، إلا أنهم أتوا إلى الله تعالى من غير الأبواب التي أمر بالدخول منها، فإنه سبحانه وتعالى قال: ((وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)) [البقرة:189]، وقد صح عند المسلمين قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)([16]) وقد جعلوا المذاهب الأربعة وسائط وأبوابا بينهم وبين ربهم وأخذوا الأحكام عنهم»([17]).
ويقول علي العاملي البياضي صاحب كتاب (الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم) عاقداً باباً بعنوان: «باب في تخطئة كل واحد من الأربعة في كثير من أحكامه.
وفيه فصول:
الأول: فيما أجمعوا عليه.
الثاني: فيما اختلفوا فيه.
الثالث: فيما أضيف إليهم من المخازي.
الرابع: في البخاري.
الخامس: فيما أنكر مسلم والبخاري من الأحاديث.
فنقول: أولاً: إن هؤلاء الأربعة ليسوا من الصحابة بل من التابعين، وقد رضيت أهل السنة بنسبة جملة المذهب إليهم، وقد عدلت عن نسبته إلى نبيهم، التي هي أوكد لتعظيمه وحرمتهم، من نسبته إلى قوم يخطّئ بعضهم بعضاً، وربما يلعن بعضهم بعضاً، وقد اعترفوا بكمال دينهم في حياة نبيهم في قوله: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)) [المائدة:3].
فاختلاف الأربعة إن كان لاختلاف في المقال، فقد وثقوا بمن شهدوا عليهم بالفسق والضلال، وإن كان لا حاجة دعتهم إليه، فكيف يقتدى بمن يشهد على ربه بنقص دينه؟ وإن كان له حاجة فقد قبّحوا ذكر نبيهم حيث وضعوا ما لم يكن في زمانه، وإن كان لزعمهم أنهم أعرف وأهدى لشريعة نبيهم فأتوا بما لم يأت به، فهو بهت لعقولهم مع اختلافهم في أحكامه، ولقد كان أسلافهم ضلالاً قبل ظهورهم.
وما الدليل على وجوب الاقتصار على الأربعة دون الأقل منهم أو الزايد عليهم وقد وجد من أتباعهم من يضاهيهم، فلم لا يسري الاسم والتقليد إليهم، إذ كانوا يحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اختلاف أمتي رحمة) ([18])؛ فمن زاد فيه زاد في الرحمة، فكان اختلاف كل شخصين من الأمة أبلغ من تحصيل الرحمة، ولزم كون الائتلاف موجباً للتقية، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصدر الأول مبعّدين من هذه الرحمة»([19]).
ويقول محمد الرضي الرضوي:
«ولو أن أدعياء الإسلام والسنة أحبوا أهل البيت (ع) لاتبعوهم، ولما أخذوا أحكام دينهم عن المنحرفين عنهم كأبي حنيفة والشافعي ومالك وابن حنبل، الذين لم يكن واحد منهم شاهد رسول الله (ص) ولا نقل عنه شيئاً من حديثه وسنته، قال الله تعالى: (( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)) [آل عمران:31]، فآية المحبة لأهل البيت (ع) الذين جعل الله مودتهم أجر الرسالة في قوله: ((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)) [الشورى:23] الاتباع لهم في الأقوال، والاقتداء بسيرتهم في الأفعال، والرجوع إليهم لأخذ سنة جدهم منهم (ع)؛ لأن أهل البيت أدرى بما في البيت، وأئمة أصحاب المذاهب الأربعة كانوا في حياد عنهم (ع)، فأين علامة هذا الولاء الكاذب»([20]).
وأما هذه المواقف على التفصيل:
1- رمي الأئمة الأربعة بالجهل ودعوى اعتمادهم في الفقه والحديث على أئمة الإثني عشرية:
من مطاعن الإثني عشرية الكثيرة وافتراءاتهم الجسيمة على أئمة السنة الأربعة: رميهم بالجهل وقلة الفقه في دين الله، وأنهم عالة في ذلك على أئمتهم من أهل البيت وغيرهم، ولذلك نماذج كثيرة في كُتُبِهِم ومصنفاتهم القديمة منها والحديثة.
يقول محمّد بن عمر الكشّي([21]) عن الإمام أحمد رحمه الله: «جاهلٌ شديد النصب، يستعمل الحياكة([22])، لا يعدّ من الفقهاء»([23]).
كما أورد محمّد باقر المجلسي في البحار([24]) حكايات عدّة في تجهيل الأئمة لا سيما أبي حنيفة النعمان رحمة الله عليهم جميعاً.
وعقد باباً في بحاره أيضاً([25]) أسماه: «باب أنّ كل علم حقٍّ هو في أيدي الناس فمن أهل البيت وَصَلَهُم»([26]).
كما عقد علي البياضي([27]) في الصراط([28]) باباً كاملاً عنون له: «باب في تخطئة كلّ واحد من الأربعة في كثير من أحكامه».
ويقول أمير محمد القزويني الشيعي الإثنا عشري: «فمنهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، فإنه أخذ الفقه عن الإمام جعفر بن محمد الصادق، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل، كان شيخه في العلم والحديث محمد بن فضيل بن غزوان الضبي([29])، وكان معه من الشيعة»([30]).
والجواب عن ذلك أن يقال:
أولاً: إن مجرّد رواية حديث أو حديثين أو أكثر -كما في رواية الإمام أحمد وغيره عن محمد بن فضيل بن غزوان الضبّي- لا تعني بالضرورة تتلمذ الراوي على المروي عنه، فهناك ما يعرف عند أهل الفن ب(رواية الأكابر عن الأصاغر) و(رواية الشيوخ عن التلاميذ)([31]).
كما أن ذلك لا يعني كون المروي عنه أعلم من الراوي، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فرب حامل فِقْهٍ إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فِقْهٍ ليس بفقيه)([32]).
على أنني أشير هنا إلى مغالطة أخرى للإثني عشرية في هذا المجال؛ حيث يعمدون إلى اعتبار كل من قيل فيه إنه شيعي أنه من الروافض أو من الشيعة الغالية([33])، والحقيقة أن أغلب هؤلاء الذين نجد للأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة السنة المعروفين روايات عنهم إنما هم من الشيعة المفضّلة لا من الشيعة الإثني عشرية([34]).
ثانياً: أن ثمة فرقاً بين رواية أحاديث - لا سيما إن كانت قليلةً - عن شخصٍ، وبين التتلمذ عليه أو الاعتماد عليه في العلم، كما يوهم هؤلاء الشيعة الإثنا عشرية.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن رواية بعض الأئمة الأربعة أحاديث معدودة على الأصابع عن جعفر الصادق رحم الله الجميع: «فهؤلاء الأئمة الأربعة ليس فيهم من أخذ عن جعفر الصادق شيئاً من قواعد الفقه، لكن رووا عنه أحاديث كما رووا عن غيره، وأحاديث غيره أضعاف أحاديثه»([35]).
على أننا نقول: إن رواية بعض أئمة أهل السنّة عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق رحمه الله لا غرابة فيها؛ إذ هي رواية أهل السنّة بعضهم عن بعض، فكون الشيعة الإثني عشرية ادّعوه، ومن قَبْلِهِ الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه لا يجعلهما منهم؛ بل هما منهم بريئان كل البراءة.
وما سوّدوا به كتبهم كالكافي وغيره من روايات مكذوبة عليهما وعلى غيرهما من أئمة أهل البيت لا يغيّر من الحقيقة شيئاً.
ثالثاً: ومما يؤكّد بطلان هذه الدعوى أن أحداً من هؤلاء الأئمة الأربعة وتلاميذهم لم يدع قط مذهب الشيعة الإثنا عشرية، ولا ارتضاه لنفسه مذهباً، فكيف يتفق هذا مع زعم أنهم قد استمدوا كل علومهم من فقهٍ وحديثٍ وغيرهما من أئمة الاثني عشرية أو علمائهم؟ ومعلومٌ أن الإناء إنما ينضح بما فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «من المعلوم لكل عاقل أنه ليس من علماء المسلمين المشهورين أحدٌ رافضي؛ بل كلهم متّفقون على تجهيل الرافضة وتضليلهم... وهم دائماً يذكرون من جهل الرافضة وضلالهم ما يُعلم معه بالاضطرار أنهم يعتقدون أن الرافضة من أجهل الناس وأضلّهم، وأبعد طوائف الأمة عن الهدى» ([36]).
ويقول أيضاً رحمه الله: «والله يعلم أني مع كثرة بحثي وتطلّعي إلى معرفة أقوال الناس ومذاهبهم، ما علمتُ رجلاً له في الأمة لسان صدقٍ يُتّهم بمذهب الإمامية، فضلاً عن أن يقال: إنه يعتقده في الباطن»([37]).
وقال عبد القاهر البغدادي: «ولم يكن بحمد الله ومَنِّهِ في الخوارج ولا في الروافض... ولا في سائر أهل الأهواء الضّالة قط إمام في الفقه ولا إمام في رواية الحديث» ([38]).
فهذا سرّ ما نجده حتى وقتنا الحاضر من أن بعض أتباع الأئمة الأربعة ربما يُتهم بشيء من الاعتزال أو التصوّف أو الإرجاء، ولكننا لم نسمع قط برافضي حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي اشتهر بالتصنيف والتأليف على مذهبهم واتباع أصولهم؛ وما ذلك إلا لِبُعْدِ الرفض كل البعد عن طريقة أهل العلم، ولأنه نقيض للإسلام، والشيء مع نقيضه لا يجتمعان.
رابعاً: أنه كيف يُعقل أن يكون الأئمة الأربعة رحمهم الله قد اعتمدوا في العلم على الشيعة الإثني عشرية، وقد شهد القاصي والداني والعدو قبل الصديق بعلم هؤلاء الأئمة وفقههم وضبطهم وصدقهم، في حين أن الإمامية بشهادة أكثر الأمة جَهَلَة وكَذَبَة لا سيما في النقليات؟ قال ابن تيمية رحمه الله: «وقد اتفق عقلاء المسلمين على أنه ليس في طائفة من طوائف أهل القبلة أكثر جَهْلاً وضلالاً وكذباً وبدعاً، وأقرب إلى كل شرّ، وأبعد عن كل خير من طائفته» ([39])، يعني الإمامية([40]).
 

اتهام الأئمة الأربعة بإحداث مذاهب مخالفة للكتاب والسنة
ومن أقوال علماء الإثني عشرية في هذا قول البياضي عن أئمة المذاهب الأربعة وأتباعهم: «المخالف أخذ دينه عن القياس والاستحسان، ونحن أخذناه عن أئمة الأزمان الذين أخذوا التحريم والتحليل عن جدّهم النبيل عن جبرائيل عن الرب الجليل» ([41]).
كما عقد فصلاً عنون له بقوله: «كلام في القياس عدلوا به عن الكتاب والسنّة»، ثم أنشد في موضع آخر:

 إن كنت كاذباً في الذي حدثتني

 

فعليك وزر أبي حنيفة أو زفر

 المائلين إلى القياس تعمُّداً

 

العادلين عن الشريعة والأثر([42])

كما قال أيضاً متكبّراً متعالياً: «فهذه قطرة من بحار اختلافهم، خالفوا فيها كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم، ولهم أقوال أخر شنيعة في أحكام الشريعة»([43]).
وقال علاّمتهم ابن المطهر الحلي في منهاج الكرامة: «وذهب الجميع منهم إلى القول بالقياس، والأخذ بالرأي، فأدخلوا في دين الله ما ليس منه... وأهملوا أقاويل الصحابة»([44]).
وأما محمد باقر المجلسي فقد أورد بعض الأخبار عن علمائهم عتبوا فيها على الأئمة السنية مخالفتهم آراء الصحابة رضي الله عنهم - في زعمهم -، ولا سيما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ومن ذلك قول بعضهم: «لا أحد من الفقهاء إلا وقد خالف أمير المؤمنين في بعض أحكامه ورغب عنها إلى غيرها»([45]).
وقال أيضاً: «وليس في فقهاء الأمصار سوى الشافعي إلا وقد شارك الشافعي في الطعن على أمير المؤمنين، وتزييف كثير من قوله، والردّ عليه في أحكامه... وهذا ما لا يذهب إليه من وُجد في صدره جزءٌ من مودّته وحقّه الواجب له» ([46]).
والجواب عن هذه الاتهامات الخطيرة يأتي في نقاط:
أولاً: إن دعوى اتفاق الأئمة الأربعة أو تواطئهم على مخالفة الكتاب والسنة، لا بينة عليها ولا دليل، وقد تكلّمتُ عن ذلك في المطلب السابق، وسوف أنقل - بعد قليل إن شاء الله تعالى- شيئاً من أقوالهم الدالة على شدة تمسّكهم بالكتاب والسنة في جميع فتاويهم وأحكامهم.
وأما بالنسبة لأقوال الصحابة رضي الله عنهم، فكيف يأخذ الروافض على غيرهم مخالفة الصحابة رضي الله عنهم وهم يحكمون بكُفْرِ هؤلاء الصحابة وضلالهم؟!
إنه لأمرٌ عجيب وغريب، بل وخدعة ومكرٌ عظيم!! ((وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)) [الأنفال:30].
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «متى كان مخالفة الصحابة والعدول عن أقاويلهم منكراً عند الإمامية؟! هؤلاء متّفقون على محبة الصحابة وموالاتهم وتفضيلهم على سائر القرون، وعلى أن إجماعهم حجّة... فكيف يطعن عليهم بمخالفة الصحابة من يقول: إن إجماع الصحابة ليس بحجّة، وينسبهم إلى الكفر والظلم؟»([47]).
ثانياً: إن الإمامية الإثني عشرية في طعنهم هذا على الأئمة متناقضون في أنفسهم ؛ فتارةً يرمونهم بمخالفة الصحابة رضي الله عنهم، ويعتبرون ذلك جرماً عظيماً لا يُغفر، ثم لا يلبثون أن يقرّوا بأن علوم هؤلاء الأئمة ومعارفهم كلها راجعة إلى علوم الصحابة تارةً أخرى.
ولنسمع ما قاله في هذا المعنى علاّمة الإمامية الإثني عشرية، وأعلمهم في زمانه، ابن المطهر الحلي؛ فقد قال في كتابه منهاج الكرامة: «ومالك قرأ على ربيعة([48])، وربيعة على عكرمة([49])، وعكرمة على ابن عبّاس، وابن عباس تلميذ([50]) علي»([51]).
وقبل هذا بأسطر قال: «وأما الفقه: فالفقهاء كلهم يرجعون إليه»([52])، يعني عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
والحقيقة التي لا ريب فيها: أن علم هؤلاء الأئمة الفقهاء رحمهم الله وفقههم راجعان إلى علم وفقه الصحابة رضي الله عنهم ؛ فالإمام أبو حنيفة قد أخذ جل علمه وفقهه عن شيخه حمّاد بن أبي سليمان واختصّ به، وحمّاد تلميذ النخعي([53])، والنخعي تلميذ علقمة([54])، وعلقمة تلميذ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وأما الإمام مالك فمعروف أن علمه عن أهل المدينة الذين أخذوا عن الفقهاء السبعة([55])، وهم تلاميذ أعلام الصحابة، كزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر ونحوهما.
والإمام الشافعي تفقّه على المكيين الذين أخذوا عن أصحاب ابن عبّاس رضي الله عنهما، ثم أخذ بعد ذلك عن الإمام مالك.
وأما الإمام أحمد فكان على مذهب أهل الحديث ؛ أخذ عن أمثال سفيان بن عيينة، وعن عمرو بن دينار([56])، عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما([57]).
فهل يُعقل أن يُتهم مثل هؤلاء بمخالفة الصحابة أو معارضتهم؟!
ثالثاً: أما عن زعمهم مخالفة الأئمة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في بعض فتاويه وأحكامه، فنقول: إن مخالفة واحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم مع موافقة جمهورهم في حكم من الأحكام ليس بقادح، لا سيما إذا انبنت هذه المخالفة على أسس سليمة من كتاب الله وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم ؛ فقول الصحابي ليس بحجّة إذا خالفه غيره من الصحابة -على الصحيح- كما هو مقرر في علم الأصول([58]).

دعوى الإمامية أن المذاهب الأربعة تجري وفق هوى السلطات
وممن أطلقوا هذه الدعوى العارية من الإثني عشرية: هاشم معروف الحسيني([59])، حيث قال: «وقد بَيَّنَ من هذا العرض الموجز لتاريخ المذاهب الأربعة: أن من أقوى الأسباب التي ساعدت على انتشارها، ومكّنتها من البقاء الطويل: أن السلطات الحاكمة في جميع الأدوار كانت السند المتين للمذاهب الأربعة منذ أن ظهرت هذه المذاهب حتى العصور المتأخرة» ([60]).
وهذا الإثنا عشري مرتضى العسكري([61]) الذي قال: «ثم أصبح ما تبنّاه الحكّام قانوناً يُعمل به ومثّل الإسلام الرسمي، وأهمل ما خالفه ونبذ المخالف... وأخيراً ارتأت السلطات أن تَقْسِرَ الأمة على الأخذ بفتاوى أحد أئمة المذاهب الأربعة في الفقه... ولما كان الناس على دين ملوكهم رأوا الإسلام متمثلاً بحُكّامهم وما تَبَنَّوه من حكم وعقيدة وسنة منسوبة إلى النبي، وسمّوا من تابع الحكام بأهل السنة والجماعة» ([62]).
وعلى العموم فإن ما قاله هذان الإثنا عشريان المتعصبان ليس بغريب صدوره عن أي رأي شيعي آخر ؛ فهم يعتبرون أئمتهم أئمة الثورة، ودينهم ديناً ثوريّاً قائماً على منازعة من ولاّهم الله أمر المسلمين في كل زمان ومكان([63]).
ويقول حسين آل عصفور:
«لما انتهت النوبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام من رب العالمين فهدم بعض قواعدهم المبتدعة في الدين، وبقي كثير لم يقدر على إزالته لكثرة المخالفين، حتى ظهرت الدولة الأموية، فأججوا نيران البدع الشنيعة، وأظهروا الباطل والأحوال الفظيعة، فزادوا على تلك القواعد وهلم جرا، فشادوا ما أسس أولئك، وزادوا في الطنبور نغمة أخرى فارتبك الأمر على الناس، ولا برحوا مشتملين على هذا اللباس، حتى انتهت الرياسة إلى أرجاس بني العباس، أهل القيان والمزامر والكاس.
وأكثر الفقهاء من العامة في أيامهم، فرفعوا مكانهم، وأمروا الناس بالأخذ بفتياهم، كان أقرب الفقهاء إليهم أشدهم عداوة لآل الرسول، وأظهرهم لهم خلافاً في الفروع والأصول، كمالك وأبي حنيفة والشافعي وابن حنبل، ومن حذا حذوهم في تلك المذاهب السخيفة، وكان في زمانهم من الفقهاء من هو أعلم، ولكن اشتهر هؤلاء لأنهم لآل محمد أبغض وأظلم، ولما فيهم من التلبيس الذي حملهم عليه إبليس، أظهروا الزهد، والبعد عن الملوك، طلباً لدنيا لا تنال إلا بتركها ظاهراً، ومرآة لهم في السلوك، فمالت إليهم القلوب، ودانت لهم عقول من هم في الضلالة كالأنعام، روجت أسواقهم الكاسدة أقوام أي أقوام، فستروا ما أبدعوا في الدين بإصلاح مموه، وتأويل غير مبين»([64]).
ويقول شيخهم محمد التيجاني في كتابه (ثم اهتديت): «ربما أن المذاهب الأربعة فيها اختلاف كثير، فليست من عند الله ولا من عند رسوله»([65]).
ويقول في كتابه (الشيعة هم أهل السنة): «وبهذا نفهم كيف انتشرت المذاهب التي ابتدعتها السلطات وسمتها بمذاهب أهل السنة والجماعة... ثم يقول: والذي يهمنا في هذا البحث أن نبين بالأدلة الواضحة بأن المذاهب الأربعة لأهل السنة والجماعة هي مذاهب ابتدعتها السياسة)([66]).
أما الجواب عن هذا الافتراء باختصار فهو أن نقول:
إن الأئمة الأربعة وغيرهم من علماء أهل السنة لم يكونوا قط آلة بأيدي الحكّام حتى يقال: إن فتاويهم تجري وفق أهوائهم، وسيرهم تزخر بمواقفهم النبيلة؛ سواء من الحكّام العدول أو غيرهم، كلٌّ بما يستحقه حسب ما دَلَّت عليه النصوص الشرعية.
ولو كان الأمر كما يُوهمه الإثنا عشرية، فهل كان الإمام أبو حنيفة ليُضرب ويُحبس حتى الموت بسبب امتناعه عن تولّي القضاء([67])؟! أم كان الإمام مالك ليُضرب ويطاف به في أرجاء المدينة بسبب فتواه([68])؟! وهل كان الإمام أحمد بن حنبل ليُمتحن تلك المحنة العظيمة بسبب مذهبه الحق في القول بعدم خلق القرآن([69])؟! وليجب عن هذه التساؤلات العقلاء من القوم أنفسهم.
أما ما يرونه من مذهب هؤلاء الأئمة رحمهم الله من عدم التشهير بولاة الأمر، أو منازعتهم السلطة، أو تحريض الناس عليهم ونحو ذلك، حرصاً على جَمْعِ الكلمة، وعَدَمِ مفارقة الجماعة، فليس هذا بهوى منهم ولا لمصلحة شخصية لأحد منهم أو لمجموعتهم، وإنما ذلك هو مقتضى سنّة النبي صلى الله عليه وسلم التي أنتم يا معشر الشيعة الإثني عشرية من أجهل الناس بها، كما تقتضيه أصول مذهبكم!
ولنذكر هنا بعض الآثار الصحيحة الدالة على صحة منهج الأئمة الأربعة في هذا الباب:
ففي الصحيحين عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: (دعانا النبيّ صلى لله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة([70]) علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كُفْراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)([71]).
وفيهما عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث خصال ٍلا يُغلُّ عليهن قلبُ مسلمٍ أبداً: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة؛ فإن دعوتهم تُحيط بهم من ورائهم...) الحديث([72]).
وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة) ([73]).
وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: (عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك)([74])، وفي لفظٍ: (وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك)([75]).
أما من آثار الصحابة رضي الله عنهم، فقد جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تسبّوا أمراءكم، ولا تَغُشّوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا، فإن الأمر قريب)([76])
وبعد هذا الإجمال في معتقد الإمامية الإثني عشرية في الأئمة الأربعة رحمهم الله نأتي إلى تفصيل أقاويلهم في كل إمام.. والله المستعان.
 

طعن الشيعة الإمامية في الإمام أبي حنيفة رحمه الله
نقلوا عن أبي حنيفة أنه أجاز وضع الحديث([77]).
وعلم وورع الإمام وقبول العلماء له يكذب تلك الخزعبلات، والكلام في ضعف الرواية ليس هو الوضع في الحديث، فتنبه!!
فقد روى الكليني في الكافي عن سماعة بن مهران، عن إمامهم المعصوم السابع أبي الحسن موسى عليه السلام في حديث: (إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به، وإذا جاءكم ما لا تعلمون فها -وأهوى بيده إلى فيه- ثم قال: لعن الله أبا حنيفة، كان يقول: قال علي عليه السلام وقلت أنا وقالت الصحابة)([78]).
وروى محمد بن عمرو الكشي في كتابه (اختيار معرفة الرجال) المعروف برجال الكشي، عن هارون بن خارجة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)) [الأنعام:82] قال: (هذا ما استوجبه أبو حنيفة وزرارة)([79]).
وفي رواية عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)) [الأنعام:82] قال: (أعاذنا الله وإياك من ذلك الظلم، قلت: ما هو؟ قال: هو والله ما أحدث زرارة وأبو حنيفة)([80]).
ويقول التيجاني: «فهذا أبو حنيفة نجده قد ابتدع مذهباً يقوم على القياس والعمل بالرأي مقابل النصوص الصريحة»([81]).
وكل هذا مردود بما تواتر عن الإمام أبي حنيفة بأنه من أئمة السنة والحق والهدى، وبما خلفه من علم تعجز الرجال عن حمله.
ويكشف يوسف البحراني عن الحقد الدفين تجاه هذا الإمام الجليل فيقول:
«إن شاه عباس الأول لما فتح بغداد أمر أن يجعل قبر أبي حنيفة كنيفاً، وقد أوقف وقفاً شرعياً بغلتين وأمر بربطهما على رأس السوق، حتى إن كل من يريد الغايط يركبها ويمضي إلى قبر أبي حنيفة لأجل قضاء الحاجة، وقد طلب خادم قبره يوماً فقال له: ما تخدم في هذا القبر وأبو حنيفة الآن في درك الجحيم؟ فقال: إن في هذا القبر كلباً أسود دفنه جدك الشاه إسماعيل لما فتح بغداد، فأخرج عظام أبي حنيفة وجعل موضعها كلباً أسود، فأنا أخدم ذلك الكلب. وكان صادقاً في مقالته؛ لأن المرحوم الشاه إسماعيل فعل مثل هذا.
ومن كراماته: أن حاكم بغداد طلب علماء أهل السنة وعبادهم وقال لهم: كيف ذلك الرجل الأعمى إذا بات تحت قبة موسى بن جعفر (ع) يرتد إليه بصره وأبو حنيفة مع أنه الإمام الأعظم لم نسمع له بمثل هذه الكرامة؟
فأجابوه بأن هذا يصير أيضاً من بركات أبي حنيفة، فقال لهم: أحب أن أرى مثل هذا لأكون على بصيرة من ديني، فأتوا رجلاً فقيراً وقالوا له: إنا نعطيك كذا وكذا من الدراهم والدنانير وقل: إني أعمى، وامش متكئاً على العصا يومين أو ثلاثة، ثم تأتي ليلة الجمعة عند قبر أبي حنيفة، فإذا أصبحت فقل: الحمد لله ارتد بصري ببركات صاحب هذا القبر، فقبل كلامهم، ثم بات تلك الليلة تحت قبته، فلما أصبح بحمد الله وهو أعمى لا يبصر شيئاً، فصاح وقال: أيها الناس! حكايتي كذا وكذا، وأنا رجل صاحب عيال وحرفة، فاتصل خبره بصاحب البلد الحاكم، فأرسل إليه فقص قصته واحتيالهم عليه، فألزمهم بما يحتاج إليه من المعاش مدة حياته» ([82]).

طعن الشيعة الإمامية في الإمام مالك رحمه الله
جاء في الصراط المستقيم للبياضي أن جعفر بن أبي سليمان ضرب مالكاً وحلقه وحمله على بعير، وروي أنه كان على رأي الخوارج، فسئل عنهم فقال: ما أقول في قوم ولونا فعدلوا فينا؟([83]).
 ويقول التيجاني: «وهذا مالك قد ابتدع مذهباً في الإسلام»([84]).
وهذا من الظلم البين، فلقد اشتهر مالك بأنه إمام السنة وقامع البدعة.
وعلم مالك ومعرفته بالسنة الشريفة يكذب كل هذا.

طعن الشيعة الإمامية في الإمام الشافعي رحمه الله
الإمام محمد بن إدريس الشافعي عند هؤلاء القوم (ابن زنا)!
ففي الكشكول ليوسف البحراني ما نصه:
«ونقل السيد المشار إليه في الكتاب المذكور نقل بعض علمائهم أن أم محمد بن إدريس لما غاب عنها زوجها جاء إليها بعد أربع سنين فوجدها حاملاً بمحمد فوضعته، فلما بلغ هذا المبلغ من العلم والرئاسة وعرف ذلك الحال ذهب إلى هذا القول.
وبعض محققيهم جعل العلة فيه أن أبا حنيفة كان في الوجود ولا يجتمع إمامان ناطقان في عصر واحد، فاستتر الشافعي في بطن أمه أربع سنين، ولما علم بموت أبي حنيفة خرج إلى عالم الوجود.
فانظر رحمك إلى هذا المولود المبارك وما جرى من أحواله، وإلى تلك المرأة العفيفة وكيف ألصقت ذلك بزوجها وإلى العلة المذكورة وتلقي أسماعهم لها بالقبول في شأن هذا الرجل الذي صار إماماً في المذهب»([85]).
من المفارقات والغرائب عند الإمامية الإثني عشرية: رميهم الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله بالتشيع أو الرفض!
ومن ذلك قول ابن النديم([86]) صاحب الفهرست: «كان الشافعي شديداً في التشيّع؛ وذكر له رجلٌ يوماً مسألة فأجاب فيها، فقال له: خالفتَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: ثبّت لي هذا عن علي بن أبي طالب حتى أضع خدّي على التراب وأقول: قد أخطأتُ، وأرجع عن قولي إلى قوله» ([87]).
وألحق بعضهم أبياتاً من عنده بأبياتٍ شعرية للإمام الشافعي، يقول فيها الإمام:

يا راكباً قف بالمحصب من منى

 

واهتف بساكن خيفها والناهض

سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى

 

فيضاً كملتطم الفرات الفائض

إن كان رفضاً حب آل محمد

 

فليشهد الثقلان أني رافضي([88])

أما ما زادها الإثنا عشرية على هذه الأبيات فهي:

قف ثم ناد بأنني لمحمد

 

ووصيه وبنيه لست بباغض

أخبرهم أني من النفر الذي

 

لولاء أهل البيت لست بناقض

وقل ابن إدريس بتقديم الذي

 

قدمتموه على عليّ ما رضي([89])

ونسبوا إليه أيضاً أبياتاً أخرى زوراً وبهتاناً، منها:

شفيعي نبيي والبتول([90]) وحيدر([91])

 

 

وسبطاه والسجاد والباقر المجدي

وجعفر والثاوي([92]) ببغداد والرضا

 

 

وفذاته والعسكريان والمهدي([93])

أنا الشيعي في ديني وأهلي([94])

 

 

بمكة ثم داري عسقلية([95])

بأطيب مولد وأعز فخر

 

 

وأحسن مذهب يسمو البرية([96])

آل النبي ذريعتي

 

 

وهم إليك([97]) وسيلتي

أرجو بأن أعطى غداً

 

 

بيدي اليمين صفيحتي([98])

وتمسّك بعضهم بقصة محنة الإمام الشافعي مع الخليفة هارون الرشيد، حيثُ حُمل الشافعي ومعه مجموعة من العلويين إلى بغداد -مقر الخلافة- بتهمة الطعن في الخليفة ومنازعته أمر الخلافة.
فاحتجوا بالقصة على أنها دليل على تشيّع الإمام رحمه الله ([99]).
والجواب: أن رمي هذا الإمام الجليل بالرفض يتعارض مع ما عرف به وروي عنه بأسانيد صحيحة من أقواله المتواترة عنه رحمه الله.
كما أن هذا القول يتناقض ومواقف الشافعي من الرفض وأهله، فكيف يكون الشافعي رافضياً وهو القائل: (ما رأيت قوماً أشهد للزور من الرافضة)([100])؟!
ويقول يوسف البحراني كاشفاً عن حقده على الإمام العلم الشافعي راداً على ذلك:

«كذبت في دعواك يا شافعي

 

فلعنة الله على الكاذب

بل حب أشياخك في جانب

 

وبغض أهل البيت في جانب

عبدتم الجبت وطاغوته

 

دون الإله الواحد الواجب

فالشرع والتوحيد في معزل

 

عن معشر النصاب يا ناصبي

قدمتم العجل مع السامري

 

على الأمير ابن أبي طالب

محضتم بالود أعداءه

 

من جالب الحرب ومن غاصب

وتدعون الحب ما هكذا

 

فعل اللبيب الحازم الصايب

قد قرروا في الحب شرطاً له

 

أن تبغض المبغض للصاحب

وشاهدي القرآن في (لا تجد)

 

أكرم به من نير ثاقب

وكلمة التوحيد إن لم يكن

 

عن الطريق الحق بالناكب

وأنتم قررتم ضابطاً

 

لتدفعوا العيب من الغائب

بأننا نسكت عما جرى

 

من الخلاف السابق الذاهب

ونجعل الكل على محمل ال

 

خير لنحظى برضى الواهب

تباً لعقل عن طريق الهدى

 

أصبح في تيه الهوى عازب

والإشارة بقولنا: (( لا تَجِدُ)) [المجادلة:22]إلى قوله سبحانه: (( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) [المجادلة:22] فإنه غير مؤمن به، ودعواه الإيمان مع ذلك كذب بحت، فلذلك من ادعى في أحد حباً مع حبه لعدوه فهو كاذب»([101]).
 

 
طعن الشيعة الإمامية في الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله
ومن طعنهم في الإمام أحمد: نسبة القول بوجوب بغض علي رضي الله عنه إلى الإمام أحمد، وفي هذا يروي البياضي الشيعي الإثنا عشري عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: (لا يكون الرجل سنياً حتى يبغض علياً ولو قليلاً)([102])، وادعى أن ذلك في مسند أسماه: مسند جعفر.
والجواب عن ذلك أن يقال:
إن من أحالك إلى مجهول لم ينصفك، فكيف بمن أحالك إلى معدوم، فهذا المسند الذي أحال إليه البياضي في هذا الافتراء الشنيع على الإمام أحمد معدوم.
ثم إن الإمام أحمد قد خصص في كتاب فضائل الصحابة مائة وتسعاً وتسعين صفحة كلها في فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ويذهب نعمة الله الجزائري إلى أشد من ذلك فيقول:
«حماقة أحمد بن حنبل:
وروى أحمد بن حنبل أنه لو جاء رجل فقال: إني حلفت بالطلاق أن لا أكلم في هذا اليوم من هو أحمق، فكلم رافضياً لحنث؛ لأنه خالف الإمام علياً (ع)، فإنه قال عن النبي (ص): إنه قال في أبي بكر وعمر: (هذان سيدا كهول أهل الجنة)([103]) والرافضة يسبونهما.
أقول: الأحمق من يروي هذا الحديث ويصدقه، والصحيح ما روي أنه لا كهل في الجنة إلا إبراهيم الخليل؛ لأنهم أرادوا معارضة الحسن والحسين ( رضي الله عنه) سيدا شباب أهل الجنة، فوقعوا في المناقضة من حيث لا يشعرون»([104]).
ويقول صاحب كتاب: (علل الشرائع):
«وحدثنا أبو سعيد محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المذكر النيسابوري بنيسابور قال: سمعت عبد الرحمن بن محمد بن محمود يقول: سمعت إبراهيم بن محمد بن سفيان يقول: (إنما كانت عداوة أحمد بن حنبل مع علي بن أبي طالب (ع) أن جده ذا الثدية الذي قتله علي بن أبي طالب يوم النهروان كان رئيس الخوارج).
حدثنا أبو سعيد أنه سمع هذه الحكاية من إبراهيم بن محمد بن سفيان بعينها.
حدثنا أبو سعيد محمد بن الفضل قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن محمود قال: سمعت محمد بن أحمد بن يعقوب الجوزجاني قاضي هراة يقول: سمعت محمد بن فورك الهروي يقول: سمعت علي بن خشرم يقول: كنت في مجلس أحمد بن حنبل فجرى ذكر علي بن أبي طالب (ع) فقال: لا يكون الرجل مجرماً حتى يبغض علياً قليلاً، قال علي بن خشرم: فقلت: لا يكون الرجل مجرماً يحب كثيراً. وفي غير هذه الحكاية قال علي بن خشرم: فضربوني وطردوني من المجلس.
حدثنا الحسين بن يحيى البجلي قال: حدثنا أبي عن ابن عوانة عن عطاء بن السايب قال: حدثني ابن عبادة بن الصامت قال: حدثني أبي عن جدي قال: إذا رأيت رجلاً من الأنصار يبغض علي بن أبي طالب فاعلم أن أصله يهودي»([105]).

الخاتمة
وفي الختام نخلص من هذا البحث إلى أن هذا هو مذهب واعتقاد الإمامية الشيعة الإثني عشرية في أئمة المذاهب الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وهو المخفي في بطون الكتب، ولا يتحدث به أكابرهم مع أصاغرهم للتضليل عليهم وعلى عوام أهل السنة.
ونخلص أيضاً إلى أن الأئمة الأربعة أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد رحمهم الله كلهم من أئمة أهل السنة، وأن مذاهبهم مذاهب فقهية واجتهادية معتمدة على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، لا مذاهب عقدية، فالإسلام عقيدة واحدة.
وأن أهل السنة وخاصة الأئمة الأربعة أكثر اتباعاً لأئمة أهل البيت وموالاة لهم من الإثني عشرية، الذين يغالون في شخصهم ويخالفون أمرهم، ويضعون روايات فينسبونها إليهم زوراً وبهتاناً، وهؤلاء الأئمة منهم خليفة راشد رضي الله عنه، ومنهم أئمة في العلم والدين، فهم بريئون من أكاذيب الإثني عشرية.
وأن الإثني عشرية لم يطعنوا في أحد بعد الصحابة رضي الله عنهم أكثر من طعنهم في الأئمة الأربعة ومذاهبهم، وأن جميع طعونهم في الأئمة الأربعة لا تستند إلى دليل نقلي أو عقلي؛ بل هم في ذلك إما كاذبون أو مخطئون.
وأن تهمة تشيع الشافعي رحمه الله لا صحة لها، وأن للإمام أحمد رحمه الله كتاباً في فضائل الصحابة، خصص منه جزءاً كبيراً في فضائل علي رضي الله عنه، وهذا مما يدفع عن الإمام أحمد تهمة القول بوجوب بغض علي رضي الله عنه.
 
والحمد لله رب العالمين
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

فهرس المحتويات
مقدمة 2
الفصل الأول: لمحة موجزة عن الأئمة الأربعة 4
الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله. 4
نسبه: 4
مولده ونشأته: 4
طلبه للعلم: 4
أخلاقه: 5
منزلته العلمية ومصادر علمه: 6
صفاته: 6
شيوخه والموجهون الذين التقى بهم وأثروا فيه: 6
محنته ووفاته: 7
الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة 9
نسبه: 9
نشأته: 9
طلبه للعلم ومنزلته العلمية: 10
محنته: 12
كتبه: 12
مرضه ووفاته: 13
الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله 14
نسبه: 14
مولده ونشأته: 14
طلبه للعلم ومنزلته العلمية: 14
عبادته وأخلاقه: 16
محنته: 16
مرضه ووفاته: 17
الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. 19
نسبه: 19
مولده ونشأته: 19
طلبه للعلم ومنزلته العلمية: 19
صفاته: 20
محنته: 21
مرضه ووفاته: 23
الفصل الثاني: بيان موقف الشيعة الإثني عشرية من الأئمة الأربعة 24
بيان موقف الشيعة الإثني عشرية من الأئمة الأربعة إجمالاً. 24
اتهام الأئمة الأربعة بإحداث مذاهب مخالفة للكتاب والسنة 35
دعوى الإمامية أن المذاهب الأربعة تجري وفق هوى السلطات.. 39
طعن الشيعة الإمامية في الإمام أبي حنيفة رحمه الله. 44
طعن الشيعة الإمامية في الإمام مالك رحمه الله. 46
طعن الشيعة الإمامية في الإمام الشافعي رحمه الله. 47
طعن الشيعة الإمامية في الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. 52
الخاتمة 54
فهرس المحتويات.. 55
 
 


([1]) صدر لي كتاب بعنوان: (الإمام محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة النجدية وموقفهم من آل البيت عليهم السلام) بينت فيه أنهم من أكثر الناس احتراماً واتباعاً لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

([2]) مستفاد من كتاب: (أبو حنيفة حياته وعصره - آراؤه وفقهه) للإمام محمد أبو زهرة.

([3]) مستفاد من كتاب: (مالك حياته وعصره - آراؤه وفقهه) للإمام محمد أبو زهرة، وكتاب: (ملامح من حياة مالك بن أنس) د. أحمد طه ريان.

([4]) أخرجه الترمذي في الجامع (2680) من حديث أبي هريرة.

([5]) مستفاد من كتاب: (الشافعي) لمحمد أبو زهرة، وكتاب (حاشية البجيرمي).

([6]) أخرجه الترمذي في الجامع ( 2398) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

([7]) مستفاد من كتاب: (أحمد بن حنبل) للشيخ محمد أبو زهرة.

([8]) هو راوي هذا الخبر.

([9]) أصول الكافي (1/392-393).

([10]) هو يوسف بن أحمد بن إبراهيم الدرازي الأوالي البحراني، من علماء الإثني عشرية بالبحرين، من مؤلفاته: سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد، توفي بكربلاء عام (1186ه) ودفن بها. معجم المؤلفين (13/268-9).

([11]) انظر: الصارم الحديد في عنق صاحب سلاسل الحديد، لأبي الفوز محمد السويديّ (ق648/أ) (مخطوط)، وسلاسل الحديد للأوالي.

([12]) ترتيب المدارك في أسماء من روى عن الإمام مالك رحمه الله من شيوخه (1/174 - 175).

([13]) هو كعب الأحبار بن مانع، ويكنى أبا إسحاق؛ كان يهودياً فأسلم، وقدم المدينة، ثم خرج إلى الشام فسكن حمص. أسند عن عمر وعائشة وصهيب رضي الله عنهم، وتوفي عام (32ه). صفة الصفوة لابن الجوزي (4/203-205).

([14]) ذكرها بهذا اللفظ المجلسي في البحار (108/117)، والبياضي في الصراط المستقيم (3/207) مع بعض الاختلاف في الألفاظ. وانظر: منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام (4/103)، وما عارض به أهل السنة هذه الأبيات في (4/128).

([15]) انظر: مختلف الشيعة للحلي (ص:110) طبع مؤسسة النشر الإسلامي -قم- الطبعة الثالثة (1417ه).

([16]) أخرجه الحاكم في المستدرك: (4637، 4638، 4639)، والطبراني في الكبير: (11061)، والخطيب في تاريخ بغداد (4/ 348) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والترمذي في السنن (5/637)(3723) من حديث علي رضي الله عنه، وقد حكم الألباني بوضعه في الجامع الصغير وزيادته برقم (3247).

([17]) انظر: قصص الأنبياء لنعمة الله الجزائري، تحقيق الحاج محسن (ص:344) طبع دار البلاغة -بيروت- الطبعة الثالثة (1417ه).

([18]) قال ابن الجوزي في تذكرة الموضوعات(1/655): ( في المقاصد: اختلاف أمتي رحمة، للبيهقي عن الضحاك عن ابن عباس رفعه في حديث طويل: واختلاف أصحابي لكم رحمة، وكذا للطبراني والديلمي والضحاك عن ابن عباس منقطع، وقال العراقي: مرسل ضعيف).
وقال الألباني في الجامع الصغير وزيادته (1243): موضوع.

([19]) الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، لعلي العاملي البياضي (3/181) نشر المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، مطبعة الحيدري.

([20]) كتاب: كذبوا على الشيعة، لمحمد الرضي الرضوي (ص: 279).

([21]) هو محمد بن عمر بن عبد العزيز أبو عمرو الكشّي، قال النجاشي: (كان ثقة، عيناً، وروى عن الضعفاء كثيراً)، وقال الطوسي: (ثقة بصير بالأخبار وبالرجال، حسن الاعتقاد). (رجال النجاشي (ص:372) وفي النسخة المحقّقة (2/282)، وفهرست الطوسي (ص:141).

([22]) الحياكة: هي النسج، يقال: حاك الثوبَ يحيك حياكةً وحوكاً بمعنى: نسجه. القاموس (ص:1211).

([23]) نقله عنه البياضي في الصراط المستقيم (3/223).

([24]) انظر: ( في مناظرات بين أبي حنيفة وجعفر الصادق) (2/286 - 295) و (10/212 - 215)، وكذلك ( في مناظرة بين أبي حنيفة وشيطان الطاق) (10/230 - 232).

([25]) انظر: (2/179).

([26]) وقد زعم الشيعي الإثنا عشري المعاصر هاشم معروف الحسيني أنه ما من إمامٍ من أئمتنا الأربعة إلا وقد تتلمذ على واحدٍ على الأقل من أئمتهم. انظر كتابه: المبادئ العامة للفقه الجعفري (ص: 364، 365، 370، 376، 382).

([27]) هو علي بن يونس العاملي النباطي البياضي، زين العابدين، أبو محمد، رافضي جدلي، من تصانيفه: الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، واللمعة في المنطق. (ت877ه). أمل الآمل (1/135)، ومعجم المؤلفين (7/266).

([28]) انظر: الصراط المستقيم للبياضي (3/181) فما بعدها، واتهامات أخرى للإمام أبي حنيفة بالجهل وقلة العلم في (3/211، 213 - 214).

([29]) روى عنه الثوري والإمام أحمد وابن راهويه وغيرهم. قال الحافظ في اللسان (7/372): (شيعي غال).

([30]) الشيعة في عقائدهم (ص:15).

([31]) وانظر مثالاً لا حصراً: الانتقاء(ص:12)، وترتيب المدارك في أسماء من روى عن الإمام مالك رحمه الله من شيوخه (1/254- 256).

([32]) أخرجه الترمذي في الجامع (2656) وقال: (حديث حسن)، وأبو داود في سننه (3660)، وابن ماجه في سننه (230)، وابن حبان في صحيحه (67) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.

([33]) فقد عدّ محمد حسين آل كاشف الغطاء في أصل الشيعة (ص: 75-106) وأمير القزويني في الشيعة في عقائدهم (ص:17) عدداً كبيراً جداً من الصحابة والتابعين من جملة الشيعة الغالية، وأنهم أسلاف روافض اليوم!!.

([34]) الشيعة المفضلة هم الذين يفضلون علياً رضي الله عنه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولكن يعتقدون إمامتهما وعدالتهما ويتولونهما، أما الشيعة الإثنا عشرية فإنهم يعتقدون كفر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ؛ لأنهم يعتقدون وجود النص على إمامة علي رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن من تقدمه في الخلافة غاصب لها.

([35]) منهاج السنة النبوية (7/533).

([36]) المصدر السابق (4/130-131).

([37]) المصدر السابق (4/131).

([38]) الفرق بين الفرق (ص:308).

([39]) منهاج السنة النبوية (2/607)، وانظر أيضاً: (7/416).

([40]) راجع المنهاج نفسه (4/63، 65، 66) للوقوف على نماذج من جهل الإمامية بطرق الاحتجاج وأساليب الاستدلال.

([41]) الصراط المستقيم (3/207).

([42]) المصدر السابق (3/210).

([43]) المصدر السابق (3/205)، وانظر أيضاً (3/195).

([44]) منهاج الكرامة للحلّي (ص: 93) نقلاً عن منهاج السنة النبوية (3/400-401).

([45])بحار الأنوار (10/444-445).

([46]) بحار الأنوار (10/444-445)، وانظر أيضاً: (2/286، 288 - 289) فيما يتعلق بالطعن في الأئمة الأربعة وأتباعهم بسبب القول بالقياس، وكذلك (2/298) و (10/230) (باب الاحتجاج على المخالفين).

([47]) منهاج السنة النبوية (3/405-406).

([48]) هو ربيعة الرأي، وقد تقدّمت ترجمته (ص:57).

([49]) هو عكرمة مولى ابن عباس: أحد فقهاء مكّة، من التابعين الأعلام، أصله من البربر، وكان قد وُهب لابن عباس فاجتهد في تعليمه، وأذن له بالفتوى، (ت104 أو 105 أو 106ه) الشذرات (1/130).

([50]) وهذا من أكاذيب الرافضة، قال ابن تيمية في المنهاج (7/536): (ابن عباس تلميذ علي كلامٌ باطل ؛ فإن رواية ابن عباس عن عليّ قليلة، وغالب أخذه عن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة).

([51]) منهاج الكرامة (ص:179) نقلاً عن منهاج السنة النبوية (7/535).

([52]) منهاج الكرامة (ص:178) نقلاً عن منهاج السنة النبوية (7/529).

([53]) هو إبراهيم بن يزيد النخعي، أبو عمران، الإمام الجليل، وفقيه العراق بلا نزاع، أخذ عن مسروق والأسود وعلقمة، (ت95ه) الشذرات (1/111).

([54]) هو علقمة بن قيس النخعي الكوفي، الفقيه، صاحب ابن مسعود رضي الله عنه، وكان يشبّه به، واستفتاه غير واحد من الصحابة (ت62ه) الشذرات (1/70).

([55]) وهم: سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وقد نظمهم بعضهم في قوله:

إذا قيل من في العلم سبعة أبحر

 

روايتهم ليست عن العلم خارجة

فقل هم عبيد الله عروة قاسم

 

سعيد أبو بكر سليمان خارجة

انظر: إعلام الموقّعين للعلاّمة ابن القيم (1/23).

([56]) هو عمرو بن دينار، أبو محمد، الجمحي مولاهم، اليمني الصنعاني، سمع ابن عباس وجابراً رضي الله عنهما، قال شعبة: (ما رأيت في الحديث أثبت منه)، توفي بمكة سنة (126ه) الشذرات (1/171).

([57]) انظر: منهاج السنة (7/529 - 530)، وإعلام الموقعين (1/23).

([58]) وما يُحكى من الخلاف في ذلك إنما هو فيما إذا لم يظهر لقول الصحابي مخالفٌ، كما حقق ذلك فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في المذكرة (ص:164).
انظر: مراقي الصعود إلى مراقي السعود لمحمد الأمين بن أحمد الجنكي (ص:401)، تحقيق د. محمد المختار الشنقيطي، وراجع أيضاً: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (1/283-284).

([59]) مؤلف شيعي إثنا عشري معاصر، صاحب كتاب: المبادئ العامة في الفقه الجعفري.

([60]) المبادئ العامة للفقه الجعفري لهاشم الحسيني (ص:385).

([61]) إمامي اثنا عشري معاصر، كان حياً عام (1391ه)، وهو مؤلف كتاب: (خمسون ومائة صحابي مختلَق)، ومؤسس كليّة أصول الدّين (الرافضية) ببغداد. انظر مقدّمة كتابه: خمسون ومائة صحابي (ص:19) وأصل الشيعة وأصولها (ص:63).

([62]) أصل الشيعة وأصولها - المقدمة (ص:59-60).

([63]) واقرأ إن شئت من كتب القوم: ثورة الحسين لمحمد مهدي شمس الدين، والشيعة والحاكمون، لمحمد جواد مغنيّة، والثورة البائسة، للدكتور موسى الموسوي. وقال الموسوي نفسه في الشيعة والتصحيح (ص:52) نصّاً: (ولستُ أدري كيف تدّعي الشيعة أنها من أنصار الإمام الحسين سيّد الشهداء وإمام الثائرين وهي تعمل بالتقية؟!).

([64]) عن كتاب المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخراسانية، للشيخ حسين آل عصفور الدرازي البحراني (ص:12) منشورات المشرق العربي الكبير جمعية أهل البيت بالبحرين، الطبعة الأولى (1399ه) (ص: 12).

([65]) ثم اهتديت، د. محمد التيجاني (ص: 127).

([66]) الشيعة هم أهل السنة، د. التيجاني (ص:104-109).

([67]) انظر القصة في: تاريخ بغداد (13/324، 328)،والانتقاء (ص:171).

([68]) انظر القصة في: الانتقاء (ص43-44)، وشذرات الذهب (1/290).

([69]) انظر القصة في: حلية الأولياء لأبي نعيم (9/195 - 204)، والبداية والنهاية لابن كثير (14/393 - 405).

([70]) (أثرة): الاسمُ من آثر، يُؤثر، إيثاراً، إذا أعطى، والمراد: أنَّه يُستأثر عليكم فيُفضّل غيرُكم في نصيبه من الفيء، والاسْتِئثَار: الانفراد بالشيء. النهاية في غريب الحديث (1/22).

([71]) أخرجه البخاري (6647)، ومسلم (1709).

([72]) أخرجه الترمذي في الجامع (2658)، وابن ماجه في سننه (230)، وأحمد في المسند (13374،21630)، وابن أبي عاصم في السنّة (1/94)، وقال المحقّق: (إسناده صحيح)، وابن حبان في صحيحه (67،680).

([73]) أخرجه أحمد في المسند (24027)، ومسلم في صحيحه (1855)، وابن أبي عاصم في السنة (2/721-722).

([74]) أخرجه مسلم في صحيحه (1836) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأحمد في المسند (22787) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

([75]) أخرجه ابن حبان في صحيحه (4562، 4566) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

([76]) أخرجه ابن أبي عاصم في السنّة (2/693)، وقال المحقق: (إسناده حسن).

([77]) انظر: الصراط المستقيم (3/213).

([78]) انظر: الكافي للكليني (1/58).

([79]) رجال الكشي (ص: 149).

([80]) رجال الكشي (ص: 145).

([81]) الشيعة هم أهل السنة، للدكتور محمد التيجاني (ص:88).

([82]) كتاب (الكشكول) ليوسف البحراني - ط دار ومكتبة الهلال - بيروت - الطبعة الأولى (1/351).

([83]) انظر: الصراط المستقيم (3/220).

([84]) الشيعة هم أهل السنة، للدكتور محمد التيجاني (ص:88).

([85]) كتاب (الكشكول) ليوسف البحراني، ط دار ومكتبة الهلال - بيروت - الطبعة الأولى (1986م) (3/46).

([86]) هو محمد بن إسحاق بن محمد بن إسحاق النديم الورّاق، صاحب كتاب فهرست العلماء، قال ابن حجر: (وهو غير موثوق به، ومصنّفه المذكور ينادي على من صنّفه بالاعتزال والزيغ... ولما طالعتُ كتابه ظهر لي أنّه رافضي معتزلي ؛ فإنه يسمّي أهل السنّة الحشوية...). (ت:438) لسان الميزان (5/72)، معجم المؤلفين (9/41).

([87]) الفهرست لابن النديم(ص:295) طبعة عام (1398ه - 1978م).

([88]) ديوان الشافعي، للدكتور محمد زهدي يكن (ص:90-91)، وشعر الشافعي، للدكتور مجاهد مصطفى بهجت (ص:149).

([89]) انظر: التحفة الاثنا عشرية للدهلوي (ق61/ب) ومختصر التحفة للألوسي (ص:34-35).

([90]) انظر في تسميتهم فاطمة رضي الله عنها بالبتول: بحار الأنوار (43/110)، و(87/212).

([91]) يعني علياً رضي الله عنه، وقد ذكر في البيتين كل أئمتهم الاثني عشر.

([92]) ثوى المكان وثوى به وأثوى به، أي: أطال الإقامة به، القاموس (ص:1637).

([93]) انظر: التحفة الإثنا عشرية (ق61/ب)، ومختصر التحفة (ص:35)، وقد وقفت على بيتين آخرين شبيهين بهذين مبنى ومعنىً، وقد نسبا إلى شاعر رافضي كما في مناقب آل أبي طالب للمازندراني (1/326).

([94]) وفي شعر الشافعي للدكتور مجاهد مصطفى بهجت(ص:213): وأصلي.

([95]) لعل قائل هذا البيت يشير إلى ما ورد من أن الإمام الشافعي قد حمل إلى عسقلان بعد ولادته في غزة وقبل انتقاله إلى مكة المكرمة.

([96]) مناقب الشافعي للرازي (ص:140)، ونقل عنه د. مجاهد بهجت الأول فقط في شعر الشافعي (ص:213).

([97]) وفي ديوان الشافعي للدكتور محمد زهدي يكن (ص:54): (إليه).

([98]) مناقب الإمام الشافعي للرازي (ص:141)، وعنه د. محمد يكن في ديوان الشافعي (ص:54)، أما محمد بن شهر آشوب المازندراني (الرافضي) فقد نسب البيتين لمحمد بن السمرقندي. انظر: مناقب آل أبي طالب (2/152)، ووهم العلامة ابن حجر الهيتمي عفا الله عنا وعنه، إذ جزم بنسبة هذين البيتين إلى الإمام الشافعي في الصواعق (2/524).

([99]) انظر: مناقب الشافعي للرازي (ص:141)، وطبقات الشافعية لابن كثير (ق14) - نقلاً عن منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة (2/492).

([100]) انظر: آداب الشافعي لابن أبي حاتم (ص: 189).

([101]) كتاب (الكشكول) ليوسف البحراني، ط دار ومكتبة الهلال - بيروت - الطبعة الأولى (1986م) (2/117).

([102]) انظر: الصراط المستقيم (3/224).

([103]) أخرجه الترمذي في الجامع (3665) وابن ماجه في سننه (95)، وأحمد في المسند (602) كلهم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن حبان (6904) من حديث أبي جحيفة رضي الله عنه.

([104]) زهر الربيع لنعمة الله الجزائري، الطبعة الأولى (ص:525).

([105]) عن كتاب: علل الشرائع للصدوق، منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت - الطبعة الأولى (1048ه) (ص: 178).

عدد مرات القراءة:
15577
إرسال لصديق طباعة
الجمعة 22 جمادى الأولى 1444هـ الموافق:16 ديسمبر 2022م 09:12:15 بتوقيت مكة
علي حسين 
هو انتم كلكم كفار ويهود عندنا
مثل ما نحن كفار ومجوس عندكم
 
اسمك :  
نص التعليق :