آخر تحديث للموقع :

الخميس 11 رجب 1444هـ الموافق:2 فبراير 2023م 08:02:12 بتوقيت مكة

جديد الموقع

طريق الإتحاد - أو تمحيص روايات النص على الأئمة - حيدر قلمداران ..
الكاتب : حيدر علي قلمداران ..

طريق الإتحاد - أو تمحيص روايات النص على الأئمة
حيدر قلمداران

كتبه بالفارسية: الأستاذ 
حيدر علي قلمداران (القُمِّي)

 
قدم له و علق عليه
آية الله العظمى العلامة السيد أبو الفضل البرقعي
 
ترجمه إلى العربية و هذَّبه و علَّق حواشيه

ســعـد  رســتم

مقدمة المترجم

 
     بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله و كفى، و سلام على عباده الذين اصطفى، و بعد،
      فمما لا شك فيه أن كل مؤمن مهتم بأمور المسلمين،  يحزنه انقسام الأمة الإسلامية إلى فرق و مذاهب و طوائف مختلفة و أحيانا متنازعة قد يصل الأمر لحد أن يكفِّر بعضها البعض الآخر، و يتمنى أن يوجد سبيل لإنهاء هذه الخصومات المذهبية أو الحد منها، و ذلك عبر نشوء تفهُّم متبادل بين علماء طوائف المسلمين،  يتعرف به كل منهم على حقيقة مذهب الآخر، و يتفقون من خلاله على الأصول الأساسية للإسلام، مستقاةً من كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يعذر بعضهم البعض الآخر في الاجتهادات الفرعية، و في رؤاهم لحوادث التاريخ الإسلامي، و غير ذلك من الأمور التي لا تمت لجوهر الدين بصلة، و يكون نتيجة ذلك اعتراف كل فريق بإيمان و إسلام و نجاة الفريق الآخر و الكف نهائيا عن تلقين الأتباع بكفر المخالفين أو هلاكهم في النار، و بذلك تتوحد صفوف الأمة و تتآلف قلوب أبنائها تآلفا حقيقيا لا مصلحيا ظاهريا، و هو أمر يحتاجه المسلمون أكثر من أي وقت مضى في هذا الوقت الذي يواجه فيه المسلمون أعتى التحديات و أشرس العداوة و الحروب  من أعداء الإسلام و خصومه المعروفين في الشرق والغرب.
      و لقد شعر بهذه الحاجة للتقريب الصحيح بين مذاهب الأمة الإسلامية الكبرى ـ  باعتبار أنها نابعة جميعا في الأصل من الإسلام الحنيف تتحرك فيه و تتمسك بأصوله و أن انقسامها لم يكن في الواقع إلا نتيجة لاختلافات أو صراعات سياسية قديمة أكل عليها الدهر و شرب ـ رجالٌ عقلاء من أهل العلم و الفضل و أهل الخير و الحرص على الإسلام و المسلمين، فأدركوا ضرورة بذل الجهود لرأب الصدع و إزالة سوء التفاهم الناجم عن جهل أبناء الطوائف الإسلامية ببعضهم البعض، فقاموا بجهود طيبة في هذا المجال، تجَلَّت بتأليف الرسائل و الكتب و نشر المقالات حول ضرورة الوحدة الإسلامية، كما تجلت في دار التقريب التي نشأت في القاهرة ـ و التي لم تستمر لأسباب سياسية محضة ـ و ما كان يصدر عنها من مجلات و مقالات ممتازة يكتبها علماء الفريقين و تلك الموسوعة الفقهية التي جمعت بين دفتيها آراء المذاهب الفقهية الإسلامية الثمانية، و لا زالت تصدر، ثم تجلت بمراسلات و لقاءات بين بعض علماء الفريقين السنة و الشيعة في العراق و سوريا و لبنان، و في تجمع علماء المسلمين في لبنان، و في دار التقريب التي أنشئت مؤخرا في إيران و في لبنان و في نداوت التقريب بين المذاهب الإسلامية التي تتم في بعض الدول العربية و الإسلامية سواء في آسيا أو شمال أفريقيا، و في غير ذلك من الجهود الطيبة المشكورة.
      و هذا الكتاب، أخي المسلم، خطوة طيبة في هذا المجال، من أستاذ فاضل عصامي منصف، من إيران، رأى أن من الأسباب الرئيسية لتباعد و افتراق أبناء مذهبه عن سائر المسلمين، عقيدة الإمامة: التي ترى أن الأئمة الاثني عشر من آل البيت عليهم السلام، منصوبون و معينون من قِبَلِ الله تعالى لإمامة المسلمين،  مفترضو الطاعة على العالمين بأمر الله و رسوله صلى الله عليه وسلم ، و بالتالي فالإيمان بهم و معرفتهم أصل من أصول الدين يساوق أصل الإيمان بالله و باليوم الآخر و بنبوة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، مما يعني بالنتيجة الضرورية، و بدون لف و دوران،  أنه لن تكون هناك نجاة أخروية لأي مسلم أو لأي إنسان دون معرفة أولئك الأئمة و الإيمان بعصمتهم و إمامتهم![1][1]
      فأراد أن يمحص صحة هذه العقيدة و يرى سندها، فتبين له أن مستندها مجموعة من الأحاديث الواهية الموضوعة من قبل الغلاة التي لا تقوم بها أي حجة رغم كثرتها، ثم تبين له أن القرائن الخارجية من آيات القرآن و وقائع التاريخ و سير الأئمة أنفسهم تؤكد عدم صحة تلك الأحاديث و الرويات و بالتالي عدم صحة العقيدة التي انبنت عليها، فضمَّن نتيجة بحثه هذا الكتاب، مبتغيا بذلك إزالة السبب الرئيسي لتباعد الشيعة الإمامية عن سائر المسلمين، و سماه: "شـاهراهِ اتحاد": أي طريق الاتحاد الواسع، و لكنه لم يستطع طباعته بشكل رسمي و نشره لحساسية الموضوع البالغة بالنسبة للعلماء التقليديين، بل اكتفى بعض زملائه ومحبيه بأن يطبعوا الكتاب سنة 1978 م. على الآلة الكاتبة اليدوية ثم مرة ثانية على آلة كاتبة إلكترونية I.B.M. ـ (و كلا الطبعتين كانتا مليئتان بالأغلاط المطبعية بالإضافة لعدم التنسيق) ـ و يصوروا منه بضع مئات من النسخ سرعان ما نفدت.
      و قد تعرفت على مؤلف الكتاب (رحمة الله عليه)  أثناء إقامتي في إيران، سنة 1980، و زرته عدة مرات في بيته و أهداني عدة من كتبه من جملتها هذا الكتاب، و لما قرأته عزمت على ترجمته لما رأيت فيه من تحقيق فريد و جريء و جديد من نوعه، و بدأت فعلا بترجمته منذ ذلك الزمن و أخبرت المؤلف، فسُرَّ لذلك و شكرني، لكن الظروف و المشاغل الكثيرة فيما بعد، حالت بيني و بين إكمال ترجمته، و استمر الأمر كذلك إلى حين  أذن الله، بعد طول زمن، بتوفر فسحة كافية من الفراغ و الهدوء هذا العام، لإكمال ترجمته، و ها هو الكتاب بين يديك أيها القارئ الكريم.
      و أداءً للأمانة ينبغي أن أذكِّر في هذه المقدمة بأن مؤلف هذا الكتاب ـ حسبما عرفته شخصيا ـ كان و لم يزل شيعي المذهب، متيَّماً بعشق الأئمة من آل الرسول رضوان الله و سلامه عليهم أجمعين، و له كتاب يحكي فيه خواطره و لواعجه لدى زيارته قبر  سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام و ما زرفه من دموع و ما ألقاه من خطبة مؤثرة في الصحن الحسيني، و هو يفتخر بأنه جعفري من مقلدي أئمة العترة و أتباع مذهبهم، و يرى أن مذهب العترة هو، بنص حديث الثقلين، أحق المذاهب و أولاها بالاتباع، فلم يكن هدفه من هذا الكتاب الحط من أصل التشيع أو ترجيح مذهب آخر عليه، و هو و إن لم يكن يرى أن الإمام علي عليه السلام منصوص على خلافته السياسية من قبل الله ورسوله، إلا أن الحقيقة أنه كان يعتقد ـ كما هو واضح في كتابه هذا الذي ترجمناه ـ  بالنص على إمامته الروحية، و يرى بأنه أفضل الخلق بعد رسول الله عليه الصلاة و السلام  و أولاهم بخلافته و إمامة المسلمين من بعده، كل ما في الأمر أنه رأى أن القول بالنص عليه و على سائر الأئمة من أولاده، من قِـبَل الله تعالى و رسوله عليه الصلاة والسلام  فكرة غير حقيقية و لا سند علمي لها و لا فائدة من الإصرار عليها إلا إيجاد فجوة لا تُرْدَمُ بين الشيعة وبقية المسلمين، و يبدو أنه في هذه النقطة يلتقي مع قسم من الشيعة الزيدية.
       و لذلك أهيب بكل من يطالع هذا الكتاب، سواء اتفق مع مؤلفه أو اختلف،  أن يأخذ بعين الاعتبار قصد صاحبه، و أنه رجل مجتهد يحق له أن يبدي وجهة نظره التي انشرح صدره إليها مستندا إلى الأدلة و البراهين التي ساقها، و لمن أراد أن يردَّ عليه فله أيضا كل الحق بذلك، فلا كلام المؤلف و لا كلام غيره سيكون الكلمة النهائية في هذا الموضوع الشائك، و على أي حال فالكتاب بحث عقائدي روائي فقهي محض و ليس له أي غرض سياسي، و في رأيي أن مثل هذه الأبحاث العلمية، من أي طرف كانت، لا يصح اعتبارها مثيرة للفتنة، لأنها لا تتعارض أبدا مع الحفاظ على وحدة المسلمين و تماسكهم، ما دامت قد اعتمدت أسلوب البحث العلمي الرصين بعيدا عن الشتائم و التشنج و المهاترات، و كما يقال:  الاختلاف لا يفسد للودِّ قضية.
عملي في الكتاب:        
     أما عملي في هذا الكتاب فلم يقتصر على مجرد الترجمة فحسب، بل قمت بتوثيق اقتباساته، و رجعت لمصادره العربية لأنقل الاقتباسات من أصولها بعين حروفها،  و أحيانا لم يتوفر لدي نفس المصدر الذي رجع إليه فوثقت من مصدر مشابه فيه نفس الاقتباس و أحلت إليه، كما أعدت ترتيب بعض فقرات الكتاب التي رأيتها تحتاج لترتيب، و اختصرت قليلا في بعض المواضع القليلة التي رأيت فيها تكرارا أو خروجا عن الموضوع، و وضعت لفصل أو فصلين من الكتاب عناوين توضيحية من عندي أو غيرت عنوان أحد أو اثنين من فقراته لأن العنوان الذي ذكره المؤلف لم يكن واضح الدلالة على ما تحته، فاخترت له عنوانا أوضح، و أحيانا نادرة أضفت مثالا آخر أو وسَّعت الاقتباس حيث رأيت أن اقتباسه كان مختصرا و أن الأولى نقله بتمامه لأن ذلك يوضح أكثر فكرة المؤلف قيد العرض، و رغم أن مثل هذه التصرفات كانت قليلة و خفيفة جدا و في خدمة الكتاب و لم تكن هناك حاجة للإشارة إليها في كل موضع حتى لا تكثر حواشي الكتاب و يصبح مشوشا، إلا أنني مع ذلك حفاظا على أمانة الترجمة أشرت إليها في أغلب المواضع و ربما لم يفتني من ذلك إلا النذر  اليسير الذي لا أهمية لذكره.
      كما ترجمت في الحاشية لأغلب الأعلام المذكورين في المتن، و علقت أحيانا تعليقات قليلة من عندي، و طورا أوردت تعليقات كانت مكتوبة بخط اليد في حاشية نسختي من الكتاب، من تدوين اثنين من زملاء المؤلف الذين يشاطرونه أفكاره و هما آية الله أبو الفضل البرقعي (رحمه الله) ـ الذي قدم للكتاب أيضا ـ، و الأستاذ العلامة المجتهد                                  [و رجاني أن لا أذكر اسمه] (حفظه الله)، لذا يجدر بي هنا  أن أبين الرموز التي وضعتها للحواشي و ما  أعنيه بكل منها:
                            ¨ فالحواشي غير المذيَّلة بأي رمز هي لمؤلف الكتاب نفسه أعني المرحوم قلمداران.
                                        ¨ و الحواشي المذيَّلة برمز (مت) هي للمترجم أي راقم هذه السطور.
                                        ¨ و الحواشي المذيَّلة برمز (برقعي) هي للمرجع المرحوم آية الله السيد أبو الفضل بن الرضا البرقعي، الذي قدم للكتاب .
                                        ¨ و الحواشي المذيَّلة برمز (x) هي للأستاذ العلامة المجتهد  (طلب عدم ذكر اسمه تفاديا من وقوع أضرار بالغة عليه كالتي وقعت على المؤلِّف و المقدِّم!).
نبذة عن مؤلف الكتاب:
     و قبل اختتام المقدمة لا بد من نبذة مختصرة عن مؤلف هذا الكتاب،  فقد ولد المرحوم حيدر علي بن إسماعيل قلمداران في قرية " ديزيجان " من أعمال مدينة قـم في إيران سنة 1913 م. من أبوين قرويين فقيرين، و بدأ دراسته بتعلم القرآن الكريم في كتَّاب القرية، و كان شغوفا جدا بتعلم و إتقان الكتابة و القـراءة، حتى كان يصنع أقلام الكتابة بنفسه لعجزه عن شرائها لفقره، فسموه بـ " قلمداران "،  التي ترجمتها: صاحب القلم!   كما كان كثير الشغف بالقراءة و البحث و مطالعة الكتب الإسلامية منذ صغره، و ما لبث ـ  و هو لا يزال في ريعان الشباب ـ أن قرض الشعر و أصبح كاتبا في عدد من المجلات التي كانت تصدر في عصره في قم و طهران، و عمل في سلك التدريس في مدارس مدينة قم، و كان يسخِّر قلمه لكتابة المقالات الإسلامية التي يدافع فيها عن تعاليم الدين الحنيف، و يرد على مخالفي الإسلام، و يدعو لإصلاح الأوضاع و إيقاظ همم المسلمين، و قد جمع هذا الاتجاه الديني الإصلاحي بينه و بين مفكري إيران الإسلاميين التجديديين المنوَّرين في عصره لا سيما المرحوم المهندس مهدي بازركان[2][2] و المرحوم المعلم الشهيد الدكتور علي شريعتي، و لكن الشخص الذي تأثر به المؤلف أكثر من أي شخصية أخرى كان المرجع العراقي المجاهد، و المصلح الكبير آيـة اللـه الشيـخ محمد مهدي الخالصي (رحمه الله) الذي كان آنذاك منفيا إلى إيران من قبل السلطات الإنجليزية في العراق، و كان بدءُ تعرُّفِ المرحوم قلمداران على الشيـخ الخالصي ( رح ) عبر ترجمته لكتبه التي أعجب بها كثيرا مثل ترجمته لكتاب " الإسلام سبيل السعادة و السلام " و كتاب " إحياء الشريعة " و هو دورة فقهية عقائدية عصرية في المذهب الجعفري في ثلاثة مجلدات، ثم أعقب ذلك مراسلات بينه و بين الشيخ الخالصي، سعى بعدها الأستاذ قلمداران للقاء الشيخ الخالصي و حظي بذلك أكثر من مرة، و لكن المرحوم قلمداران قال لي، و هو يروي قصة تعرفه على الشيخ الخالصي و أفكاره الإصلاحية، أنه وجد الشيخ الخالصي رغم وافر علمه و جرأته في الحق و إصلاحاته العظيمة قد توقف عند حدود  الأصول المسلمة لمذهب الإمامية، أما هو فلم يجد داعيا ـ على حد قوله ـ لهذا التهيُّب، بل تجاوز شيخه و مقتداه الخالصي بخطوات للأمام و وصل لنتائج كالقول بعدم وجوب أداء خمس المكاسب و الأرباح، و بأن الأئمة الاثني عشر ليسوا منصوبين أو منصوصا عليهم من قبل الله تعالى و رسوله صلى الله عليه وسلم، بل هم علماء ربانيون و فقهاء مجتهدون، و أفضل أهل عصرهم و أولاهم بالاتباع و التقليد بنص حديث الثقلين و بالنظر لكفاءاتهم الذاتية و علو مقامهم و قربهم من جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علما و نسبا فحسب، و كذلك قال بأنه لا وجود لإمام غائب مستتر،  و لا لرجعة و لا لعصمة مطلقة لأحد إلا عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبليغ رسالات ربه، و رأى كذلك، من خلال دراسته لتاريخ زيارة القبور في الإسلام، عدم صحة نصب القباب و إقامة المساجد على أضرحة الصالحين سواء من أئمة آل البيت أو أولادهم و أحفادهم،  و خطأ زخرفتها و جعلها معابد لها سدنة و حجاج و طائفين يطوفون بها داعين مستغيثين بأصحابها،  و كان يرى ذلك مظهرا من مظاهر الإشراك في العبادة، و أذكر أنه قال لي و هو يشير إلى الضريح الكبير للسيدة فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى الكاظم في قم، و الواقع أمام بيته تماما، أن هذا المزار على الصورة التي آل إليها و ما يفعله العوام عنده صار أشبه شيء بـ "بتخانه" أي معبد أصنام! و قد ألف في هذا المضـمار كـتاب " راه نجات از شر غلاة " أي: طريق النجاة من شر الغلاة،  المؤلَّف من خمسة أجزاء: هي "علم غيب إمام"، "بحث در ولايت وحقيقت آن" (و لم تتيسر طباعتهما )،  "بحث در شفاعت" أي بحث حول الشفاعة، "بحث در غلو و غاليان" أي بحث حول الغلو و الغلاة (و طُبِعا مع بعضهما بكتاب واحد)، و "بحث در حقيقت  زيارت و تعمير مقابر" أي بحث حول حقيقة زيارة القبور وتشييد الأضرحة ( و لم يطبع أيضا ).
      و مما يجدر ذكره في هذا المقام أن هذا الكتاب الذي قمت بترجمته كان من أواخر ما ألفه الأستاذ المرحوم، و قد خرج في وسط السبعينات (حوالي سنة 1976 أو 1977 م.) و كاد أن يكلفه حياته،  فقد حكى لي المؤلف أنه بعد انتشار الكتاب،  استدعاه أحد علماء قم البارزين في عصره و يدعى آية  الله مرتضى الحائري، فلامه على تأليف هذا الكتاب و نصحه بأن يجمعه من السوق و يحرقه أو يدفنه في التراب و إلا فسيلقى ما لا تحمد عقباه!  فما كان من جواب المرحوم قلمداران إلا أن قال: لماذا أجمعه و أحرقه ؟! أثبت لي أين الخطأ فيما قلته و أنا مستعد للتراجع عنه، و لما لم يجد النقاش نافعا قال فاجمعوه أنتم و افعلوا به ما شئتم! و بعد مدة من الزمن، تعرض الأستاذ قلمداران فعلا لمحاولة اغتيال فاشلة، حيث داهم أحدهم، ليـلا،  بيته الصيفي في قرية ديزيجان، في صيف عام 1979 م. و أطلق عليه الرصاص عن قرب و هو نائم، لكن الرصاصة عبرت جلد رقبته فقط و استقرت في أرض الغرفة، و نجَّاه الله بإذنه رغم قرب المجرم من هدفه!
      هذا و علاوة على الكتب التي أشرنا إليها، أفاد المؤلف مسلمي عصره،  الذين كانوا يتطلعون للفكر الإسلامي العصريّ الناهض و المتنوِّر، كتباً قيمةً  إسلاميةً و إصلاحيةً أخرى نشير هنا لأهم ما طبع منها:
1) " آيين دين يا احكام اسلام " و هو ترجمة للفارسية لكتاب " الإسلام سبيل السعادة و السلام " للعلامة الخالصي (رح) و هو رسالة فقهية عقائدية مختصرة.
2) " أرمغان آسمان " أي: هدية السماء، و هو مجموع مقالاته التي كانت تنتشر في جريدة "وظيفة " في طهران.
3) " أرمغان إلهي " أي: الهدية الإلهية، و هو ترجمة للفارسية  لكتاب "الجمعة" للعلامة الخالصي (رح) الذي بين فيه الوجوب العيني لصلاة الجمعة في كل الأعصار خلافا لفتوى القائلين بوجوبها التخييري في عصر الغيبة.
4) " حج يا كنكره عظيم إسلام " أي: الحج أو مؤتمر الإسلام العظيم.
5) " حكومت إسلامي " أي: الحكومة الإسلامية، في مجلدين، و هو من أهم كتب المؤلف، و كان سبَّاقًا لهذا الموضوع في عصره، و قد ذَكَرَ لي أن الشيخ الفقيه  المجاهد حسين علي المنتظري كان يقوم بتدريس هذا الكتاب سرا لتلامذته في نجف آباد، و قد أوقع الكتابُ المؤلفَ تحت ملاحقة مخابرات الشاه الإيراني المقبور.
6) " بحثي در باره مسائل واجب بعد از نماز " أي: بحث حول أهم واجب بعد الصلاة أي فريضة الزكاة، أثبت فيه وجوب الزكاة في كل أنواع الأموال و الزروع و الممتلكات و عدم انحصارها في الأجناس التسعة، خلافا للمشهور من مذهب الإمامية.
7) " الخمس " و هو بحث روائي رجالي فقهي ضخم أثبت فيه عدم وجوب أداء خمس أرباح المكاسب، خلافا للمشهور من مذهب الإمامية الأصوليين.
      و توفي الأستاذ قلمداران عام 1989 م. عن عمر ناهز السادسة و السبعين، أفاد فيه المسلمين بدراساته و تحقيقاته القيَّمة فرحمه الله و غفر له و جزاه عن الإسلام و المسلمين خير الجزاء.
       هذا ما أردنا ذكره في هذه المقدمة و الحمد لله أولا و آخرا، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب.                             
المترجم: ســعد رســتم                                                                                            عجمان: ذي الحجة الحرام: 1416 هـ.ق. 
 
 
 
 
 
ملاحظة : بعد أن ترجمت الكتاب من النسخة القديمة التي أشرت إليها، أي النسخة غير المرتبة و المليئة بالأخطاء المطبعية المطبوعة على الآلة الكاتبة اليدوية، و رتبتها و هذبتها و طبعتها على حاسوبي ثم صورت عنها عددا من النسخ وزعتُها على بعض الزملاء و الأصدقاء، تقدمةً لطبعها، و أرسلت من ضمن ذلك نسخة منها لأصدقاء المؤلف في طهران، الذين يشاطرونه أفكاره و ينشرون مؤلفاته، ليعطوني رأيهم فيها؛ أبدوا سُرورهم و اغتباطهم و لِـلَّـه الحمد من ترجمتي وخدمتي للكتاب توثيقا و تنسيقا و تحشية،  إلا أنهم قاموا بإرسال نسخة (فارسية) جديدة لي من الكتاب كانوا قد أخرجوها مؤخرا مصححة و منقحة و محلاة بحواشي و إضافات قيمة جدا لأحد أصدقاء المؤلف من العلماء المجتهدين المحققين، (هو نفسه الذي رجا عدم ذكر اسمه)، و طلبوا مني أن أعدل ترجمتي الأولى على ضوء هذه النسخة الجديدة، فقمت بتعديل ترجمتي الأولى و إدراج أغلب الحواشي والإضافات و الترتيبات الجديدة في هذه الترجمة  الجديدة التي هي الآن بين يديك، و إنما قلت أغلب الحواشي و لم أقل كلها لأني رأيت أن بعضها طويل جدا و فيه خروج عن أصل موضوع الكتاب أو فيه توضيح للواضحات أو تكرار لما هو مذكور في نفس متن الكتاب في موضع آخر منه، فتجاوزتها أو اقتصرت على المفيد منها.  
                                  عجمان: 5 / شعبان / 1420 هـ. ق.

تقديم سماحة  المرجع آية الله العلامة الفـقيه السيد أبو الفضل بن الرضا البرقعي القمي رحمه الله

 
     بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، و صلَّى الله على النبي المكرَّم و آله و أصحابه و أتباعه المؤمنين بكتابه المعظَّم، و بعد، 
      لا يخفى أن الشيعة الإمامية درجت على اعتبار الإمامة من أصول الدين، و اعتقدت أن الأئمة الاثني عشر مفترضو الطاعة، منصوص عليهم و منصوبون من قبل الله تعالى و رسوله (صلىالله عليه وآله) للعالمين، واعتبرت منكر ذلك خارجا عن حقيقة الإيمان محروما من السعادة بل مخلدا في نار جهنم، مهما كان المنكر لذلك مسلما مؤمنا بالله تعالى و رسوله قائما بجميع فرائضه الدينية!
      و مستند الشيعة الإمامية في عقيدتهم هذه، ليس إلا الأحاديث و الأخبار التي جاءت في كتبهم و ادعوا تواتر مضمونها تواترا معنويا.   و إلا فليس في كتاب الله تعالى ذكرٌ صريحٌ و لا خبر عن إمامة الأئمة الاثني عشر، اللهم إلا بالتأويل و التقدير بالقوة لبعض الآيات، لحملها على مفاد الأخبار الواردة،  لكن مثل هذا التأويل، و طبقا لصريح آيات القرآن، لا يجوز أبدا، ذلك لأن الله سبحانه و تعالى جعل القرآن كتابا بيِّناً مفصلاً و نورا مُبِيْنَاً و هدىً للناس، و يسَّره للذكر و اعتبره قابلا للفهم و التدبر، و فرقانا يفرق بين الحق و الباطل، و معنى ذلك كله أن القرآن كتاب واضح بيِّن على المسلمين أن يرجعوا إلى بيانه  و يتدبروا معانيه الظاهرة و يفهموه لكي يميزوا به بين الحق و الباطل، فما وافقه من حديث أو خبر قبلوه، و ما خالفه تركوه، فيجب فهم معاني الأخبار على ضوء ما يقوله القرآن، لا أن تحمل آيات القرآن و يلوى عنقها لتنطبق على مفاد الأخبار!
      ولذلك، فيجب القيام بدراسة و تمحيص كاملين  للأحاديث و الأخبار المتعلقة بالإمامة و النص على الأئمة، إذ كيف يسوغ لأحد أن يقلد في أمر هو من أصول الدين و عليه (كما يُقال) مدار السعادة أو الشقاء الأبديين ؟  و لكننا نتساءل ابتداء: إذا كان القرآن الكريم، رغم كونه تبيانا لكل شيء و رغم ذكره لعديد من فروع المسائل العقائدية و الفقهية، ليس فيه أي ذكر للأئمة و لنصبهم من قبل الله عز وجل حكاما على العالمين، فكيف يمكن أن يعذب سبحانه أو يثيب على شيء لم يبينه ؟ و هو القائل سبحانه وتعالى: { و ما  كنا  معذبين  حتى  نبعث  رسولا } الإسراء/15، و القائل أيضا: { و ما كان  الله  ليضل  قوما  بعد  إذ  هداهم  حتى  يبين  لهم  ما  يتقون } التوبة/115 ؟!.
      و لذلك منذ مدة مديدة و أنا أفكر بالقيام بدراسة و بحث شامل حول الأحاديث و الأخبار المتعلقة بموضوع الإمامة و النص على الأئمة، لأقدم نتيجة بحثي للأخوة و الأصدقاء من أهل التحقيق، الطالبين للحق و الباحثين عن الحقيقة، إلا أن صعوبة مثل هذا البحث من جهة، و المشاغل الكثيرة من جهة أخرى، والتعصبات التي ليست في محلها، علاوة على الخوف من هجمات المقلدين، كل ذلك حال بيني و بين ذلك العمل، إلى أن قيض الله تعالى لهذا الأمر الأستاذ الفاضل و المحقق المتتبع حيدر علي قلمداران دامت بركاته، الذي يتمتع حقا بهمة عالية، رغم كونه مجهولا بين كثير من معاصريه، فتجشم عناء هذا البحث، و استطاع، بحمد الله، أن يوفيه حقه، و وضع أمام أنظار القراء، في هذا الكتاب، النتائج القيمة لبحثه و تحقيقه.
      و نحن نهيب بكل من يطالع هذا الكتاب أن يتذكر دائما الهدف العظيم لمؤلفه، ألا و هو إزالة سبب أساسي من أسباب الاختلاف و الشقاق بين المسلمين و إيجاد الوحدة و التفاهم بينهم، لذا سمى كتابه " طريق الاتحاد ".
      و ندعو القارئ لهذا الكتاب أن يطالعه بروح مشبعة بالتجرد و الإنصاف و الإخلاص في طلب الحقيقة، بعيدا عن التأثر بأفكار أو أحكام مسبقة، و عن التعصب و العناد، لأن التعصب و العناد يغشيان على البصيرة و يحولان دون رؤية الحقائق، و أحيانا يجر التعصبُ الإنسانَ إلى مواقف تخالف مبادئه دون أن يشعر، كما هو حاصل لكثير من عوام الشيعة الإمامية الذين جرهم تعصبهم لمخالفة حتى أئمتهم من عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم  في عديد من أعمالهم و عقائدهم! ومن جملة ذلك تفرقهم و ابتعادهم عن سائر فرق المسلمين و إساءة القول في حقهم، وهو أمر مخالف لسلوك و كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام ( الذي ورد في الخطبة 127 من نهج البلاغة ) حيث قال: [... و الزموا السواد الأعظم فإن يد الله مع الجماعة، و إياكم و الفرقة! فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب. ألا و من دعا إلى هذا الشعار ( أي شعار الخروج والتحزب والتفرقة في الدين ) فاقتلوه  و لو كان تحت عمامتي هذه (أي و لو كنت أنا)].
      و لقد كان عليه السلام في حياته تجسيدا حيا لهذا المبدأ، فلقد حافظ على علاقة طيبة مع الخلفاء الذين سبقوه و شارك في صلاة جمعتهم و جماعاتهم و قدم لهم معونته الفكرية في حل ما طرأ من المستجدات و الحوادث، و تعامل معهم التعامل الإسلامي الأخوي الذي تقتضيه الأخوَّة في الإيمان، وليس هذا فحسب، بل سمى ثلاثة من أولاده بأسمائهم، فأحد أولاده سماه عمر بن علي و الآخر عثمان بن علي و ثالث أبا بكر بن علي، كما هو مسطور في كتبنا ككتاب الإرشاد للشيخ المفيد (رح) و سائر كتب الحديث و التاريخ، و كذلك زوَّجَ ابنته أم كلثوم من الخليفة الثاني عمر (رض) [3] ، و كذلك أثناء محاصرة الثوار لعثمان، كان يحمل له الماء بيده و جعل ابنيه الحسن و الحسين يلزمان حراسته، كما أنه كان يذكر الخلفاء بكلماته بالخير و لم يكن أبدا فحاشا ولا سبابا، لا يمنع ذلك أنه كان يرى نفسه أولى وأعلم و أحق و أليق بخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم، إلا أنه مع ذلك لم يعتبر خلافتهم غصبا أو كفرا أو باطلا!.
      و نذكر هنا بعض ما جاء في كتبنا من كلماته عليه السلام عن الشيخين (رضي الله عنهما)، ففي رسالته التي بعث بها إلى أهالي مصر مع قيس بن سعد بن عبادة واليه على مصر، كما أوردها  إبـراهيم بن هلال الثقفي فـي كتـابـه: " الغارات " (ج1/ص210) و السيد علي خان الشوشتري في كتابه " الدرجات الرفيعة " (ص 336) و الطبري في تاريخ الأمم و الملوك ( ج3/ص550 ) قال : [.. فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله عز و جل صلى الله عليه ورحمته و بركاته ثم إن المسلمين استخلفوا به أميرين صالحين عملا بالكتاب والسنة و أحسنا السيرة ولم يعدُوَا لِسُنـَّتِهِ ثم توفّاهما الله عز و جل رضي الله عنهما ].
      و في الخطبة 228 من نهج البلاغة قال عليه السلام عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب: [.. فلقد قوَّم الأود و داوى العمد و أقام السنة و خلَّف الفتنة، ذهب نقيَّ الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها و سبق شرَّها، أدَّى إلى الله طاعته واتَّقاه بحقِّه.]. و جاء كذلك في الخطبة 164 من نهج البلاغة، أنه لما اجتمع الناس إليه و شكوا ما نقموه على عثمان و سألوه مخاطبته لهم و استعتابه لهم، فدخل عليه فقال: [ إن الناس ورائي و قد استسفروني بينك و بينهم، و والله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئا تجهله، و لا أدلك على أمر لا تعرفه. إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء  فنخبرك عنه، و لا خلونا بشيء فنبلغكه و قد رأيت كما رأينا، و سمعت كما سمعنا، و صحبت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ كما صحبنا. و ما ابن أبي قحافة و لا ابن الخطاب بأولى بعمل الحق منك... ]  فشهد لهما بأنهما عملا بالحق.
       بل أكثر من ذلك، فقد جاء في نهج البلاغة أيضا ( الخطبة 206) أنه لما سمع قوما له يسبون أهل الشام (من أتباع معاوية) أيام حربهم في صفين، نهاهم عن ذلك و قال: [ إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، و لكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، و أبلغ في العذر، و قلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا و دماءهم و أصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله و يرعوي عن الغي و العدوان من لهج به ].
       فما أبعد بعض مدعي التشيع، الذين لا يتحرجون في مجالسهم و منابرهم عن الطعن و إساءة القول بحق الخلفاء و أئمة سائر فرق المسلمين، و تكرار ما وضعته أيدي الغلاة المفرقين المثيرين للفتنة بين المسلمين من أحاديث و أخبار فيها إساءة القول و الطعن، عن سيرة و تعاليم الأئمة الهداة عليهم السلام!.
      و من جملة ما خالف به مدعو محبة آلِ بيتِ النبي (صلىالله عليه وآله وسلم) أئمتَهم عليهم السلام، نسبة عشرات الأحكام الفقهية المخالفة لسائر المسلمين إلى الأئمة عليهم السلام و رفض ما نقل عنهم في ذلك مما وافق سائر مذاهب المسلمين بحجة أنهم إنما أفتوا به من باب التقية، فحيثما وجدوا نقلين عن أئمة الآل أحدهما يوافق مذاهب السنة و آخر يخالفها أخذوا بالثاني عملا برواية كاذبة وقاعدة خاطئة تقول "خذ ما خالف العامة!"، هذا مع أنهم هم أنفسهم يعترفون بأنـه: (( ... إنما شرعت التقية لحفظ الدين و المذهب، حتى أن الإمام في حالة هتك الدين و نشر البدعة، يقوم بمحاربة ذلك مقدِّما روحه في هذا الطريق .. لأن الإمام إنما وجد أصلا لحفظ الدين، فأهمية بقاء الدين أهم من بقائه. فإذا جاز لعوام الناس ارتكاب بعض المعاصي أو ترك بعض الواجبات اضطرارا من باب التقية (أي تفاديا لأذى الأعداء الذي لا يحتمل)، لم يجز ذلك أبدا لمن هو في مقام الإفتاء و الإرشاد والمرجعية الدينية للناس لأن تقيته ستؤدي لضلال الناس و فساد عقيدتهم ... و قد جاءت روايات كثيرة في كتبنا تبين أن على العلماء و أئمة الدين أن يحاربوا البدع إذا ظهرت و يظهروا علمهم و إلا فعليهم لعنة الله... ))[4]،  لكنهم عند الإفتاء ينسون هذه القاعدة الذهبية و يحملون كثيرا من أقوال أئمة الآل عليهم السلام التي لا تعجبهم على أنها إنما كانت منهم من باب التقية ! فلا يأخذون بها، و لا يفكرون بأن كل عاقل ـ فضلا عن أئمة آل البيت العظام ـ إنما يكفيه، في موضع الخطر والخوف، السكوت، و لا أحد يضطره للإفتاء بعشرات الفتاوى المخالفة لحكم الله تعالى ورسوله و إيقاع أتباعه بالحيرة والضلال!!
      و من جملة ما خالف به كثير من المنتسبين للأئمةِ من آل الرسول (صلىالله عليه وآله وسلم) أئمتَهم عليهم السلام أيضا، ابتداع شعائر و أعمال لا أصل لها في تعاليم الشرع بحجة تعظيم أئمة أهل البيت، و اعتبارهم معرفة الأئمة ومحبتهم والاعتقاد بهم كافية للنجاة، في حين أن الأئمة من آل البيت عليهم السلام لم تكن دعوتهم لأنفسهم ولا لتمجيد أشخاصهم، بل كانت دعوتهم، إحياءً لدعوة نبي الإسلام عليه وآله الصلاة و السلام في الدعوة إلى الله تعالى وتعريف الناس بعقائد الإيمان  وتشريعات الدين، و أن طريق النجاة منحصر بالإيمان و التقوى و العمل الصالح لا غير. 
      و حاصل الكلام أننا نأمل أن يقوم طالبوا الهداية و الحق،  بمطالعة هذا الكتاب القيم ليستيقظوا من غفلتهم، و لا ينخدعوا بتهويلات بعض المتاجرين بالدين الذين يسارعون إلى تكذيب و تكفير كل من يكتب أو يقول كلمة حق، ونهيب بكل من يملك القدرة، أن يساعد على طبع هذا الكتاب و نشره، لينصر بذلك دين الله، و يساهم في إصلاح ذات بين المسلمين، و إزالة أهم سبب من أسباب سوء الظن و العداوة و البغضاء فيما بينهم، تلك العداوة التي لا يعلم إلا الله كم جرت من الويلات على المسلمين و كم أشعلت بينهم من حروب و كم شغلتهم في صراعات و كتابات و تعصبات لا طائل تحتها عبر تاريخهم الطويل.
      و في الختام نقول، بكلام موجز، إن كتاب الله المنزَّل المبارك، إنما نزل ليبين للإنسان طريق السعادة و الفلاح في الدنيا و الآخرة، و هو إن اكتفى في بعض فروع الدين بالإشارة، موكلا لسنة النبي العملية تفصيل ما أوجزه و بيانه، فإنه ـ و لا بد ـ بين و كرر بكل وضوح: أصول الدين و أركان الإيمان التي هي مناط الكفر أو الإيمان و عليها مدار النجاة أو الهلاك، فقال عز من قائل: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله..} البقرة / 285، و قال أيضا: {.. و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين..} البقرة / 177، و قال سبحانه: { و الذين آمنوا بالله و رسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم و نورهم } الحديد / 19 و قال جل شأنه: { يا أيها الذين آمنوا: آمنوا بالله و رسوله و الكتاب الذي نزَّل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل، و من يكفر بالله و ملائكته و كتبه و رسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا } النساء / 136. فهذه هي أركان الإيمان التي أمرنا الله عز و جل بالإيمان بها و جعل منكر أحدها كافرا من الضالين و هي أن نؤمن بالله تعالى الواحد الأحد و باليوم الآخر و بملائكته و كتبه و رسله لا نفرق بين أحد من رسله.
       و لم يأت الله عز و جل، في كتابه، الذي وصفه بأنه تبيانٌ لكل شيء، على الإمامة و لا على الإيمان بأئمَّةٍ معينين مخصوصين بأي ذكر، فلا يحق لأي أحد بعد ذلك أن يأتي و يزيد هذه الأمور على ما ذكره الله من أصول الدين وأركان اليقين، إذ من البديهي أن لو كان الإيمان بخلفاء أو أئمة معينين (سواء كانوا منصوصا عليهم ومنصوبين من قبل الله أم غير منصوص عليهم) أمر أساسي من أمور الدين و معرفتهم شرط لازم للإسلام و الإيمان، لذكر الله عز وجل ذلك بكل صـراحة و وضـوح في كتابه الحكيم ، فلما لم يفعل عـُلِمَ أن مـعـرفة ذلـك والإيمان به ليس من أصول الدين اللازمة. و السلام على من اتبع الهدى.
                                         
                                          خادم الشريعة أبو الفضل بن الرضا البرقعي
 

تمهيد

     بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على محمد و آله و أتباعه، و السلام علينا و على عباد الله الصالحين.
      عقل و تفكير جميع بني الإنسان و تجربة وخبرة البشر و ليس هذا فحسب بل كذلك وحي خالق العالم و تعاليم الأنبياء و المختارين تدل جميعها بأوضح بيان و أصرح لسان على وجوب الاتحاد و وحدة الكلمة و اتفاق الأمة و الجماعة واتفاق كل شعب و مجتمع يعيش أفراده بجوار بعضهم البعض، إذ أن بركات الاتحاد و محاسن الاتفاق أوضح من أن تحتاج لذكر أو بيان، فأدنى ذي شعور يحكم بعظيم فائدتها و حسن عاقبتها. و قد دعا خالق العالم، في آيات متعددة من كتابه المحكم، المسلمين، للوحدة و الاتحاد و الاجتماع و الاتفاق، فقال سبحانه في سورة الأنبياء / 92: { إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون } و في سورة المؤمنون/52: { و إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاتقون } فذكّرهم بكلمة التوحيد لتتوحد كلمتهم و تتحد جماعتهم قائلا: بما أنني أنا وحدي ربكم جميعا فكونوا أنتم أيضا أمة واحدة واعبدوني وحدي جميعا و لا تخافوا إلا إيّاي.
      و برغم أن هيئة و نظام الخليقة بحد ذاته دليل واضح على أن خالقها واحد، و هذه حقيقة واضحة و برهان متقن، لكن إذا لم تكن ثمرة هذه الحقيقة ونتيجتها توحيد الكلمة و الاتفاق، فإن ذلك يعتبر فقدانا كبيرا و خسارة عظيمة، تماثل أن نكون عميانا و نحن بجوار بحر النور، أو عطاشى و نحن بجوار شريعة الكوثر الزلال. لقد حذرنا الحق تعالى من الاختلاف و التشتت و دعا الناس للاعتصام بحبل الله الذي هو القرآن المجيد و دين الإسلام المبين فقال: { واعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا } آل عمران /103، و قال كذلك: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البيِّنات و أولئك لهم عذاب عظيم} آل عمران /105، و قال أيضا: { و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فَتَفَرَّقَ بكم عن سبيله ذلك وصَّاكم به لعلكم تتقون } الأنعام / 153. وقال سبحانه وتعالى :{ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنّما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون } الأنعام/159،وقال كذلك: {شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحا و الذي أوحينا إليك و ما وصَّيْنا به إبراهيم و موسى وعيسى أن أقيموا الدِّين و لا تتفرقوا فيه كَبُرَ على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء و يهدي إليه من ينيب. و ما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بَغْيَاً بينهم..} الشورى / الآيات 13ـ14.  وعلينا أن ننتبه أنه لما أخبرنا الله تعالى عن الكفار أنهم: { تحسبهم جميعا و قلوبهم شتى} سورة الحشر /14، فمعناه أن المؤمنين عليهم أن يعتبروا من ذلك ويكونوا على خلاف تلك الحال بأن يكونوا متحدي القلوب في وحدة حقيقية صادقة، عاملين بحكم قرآن رب العالمين الذي نهاهم عن التفرق و أمرهم بالاجتماع ووحدة الكلمة، لا أن يتحدوا مجرد اتحاد صوري فاقد للحقيقة والأصالة، بل أن تكون وحدتهم متجذرة في قلوبهم.
      إن التفرقة في الدين مذمومة لدرجة أن قوم موسى لما عبدوا العجل بتضليل السامري، و رجع سيدنا موسى عليه السلام غاضبا و أخذ بلحية أخيه ورأسه كان مما قاله سيدنا هارون عليه السلام معتذرا عن عدم تركهم: {...إني خَشِيْتُ أَنْ تقولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إسرائيل و لم تَرْقُبْ قَوْلِي...} طه / 94. وأخيرا فقد بين سبحانه وتعالى في كتابه أن التفرق و التنازع و الاختلاف في الآراء موجب لضعف شوكة المسلمين و ذهاب عزتهم و قوتهم فقال: { وأطيعوا الله و رسوله و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم و اصبروا إن الله مع الصابرين } الأنفال / 46.
      و يوجد في السنة النبوية ما لا يكاد يحصى من الأحاديث الصحيحة في وجوب الالتزام بالجماعة، من جملة ذلك الحديث المشهور الذي قال فيه رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم>): ((..من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع)) [5] و الحديث الآخر الذي قال فيه (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم): (( من خرج من الطاعة و فارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية))[6][2]. و مثل هذا ما جاء في الخطبة رقم 127 من نهـج البلاغة عن سيدنا مولى الموحدين و أمير المؤمنين حيث قال: " و الزموا السواد الأعظم فإن يد الله مع الجماعة، و إياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب، ألا من دعا إلى هذا الشعار (أي شعار التفرقة و الانشقاق) فاقتلوه و لو كان تحت عمامتي هذه " أي أنني أنا نفسي أمير المؤمنين لو دعوتكم للفرقة و التحزُّب فاقتلوني!  والحقيقة أن السيرة الشريفة لذلك الإمام، بنفسها، أوضح دليل على وجوب ملازمة الجماعة و اجتناب الفرقة، حيث أنه عليه السلام رغم كل الحوادث المؤلمة والآلام التي تحملها بقي دائما ملازما لجماعة المسلمين.
 

أسباب و بواعث تفرق الأمة الإسلامية

     أهم و أعظم علة لتفرق و انشقاق المسلمين و سبب وقوع العداوة والخصومة فيما بينهم مسألة خلافة النبي (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم). لقد نشأت بذور هذا الاختلاف في صدر الإسلام  في الأيام الأولى التي تلت رحلة رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)، و نمى و قوي بواسطة جهل  المسلمين و تعصبهم  وتحريك أعداء الإسلام، إلى أن اشتدَّ في القرون التالية قرنا بعد قرن حتى جعل المسلمين أعداء ألداء في مقابل بعضهم البعض و أدى إلى مشاهد مشينة من الحرب و الجدال و الخصام و الاقتتال سودت صحائف التاريخ بالعار إلى الحد الذي أصبحت فيه فرق المسلمين أقدر على الاختلاط و العشرة مع اليهود و النصارى منها على التعايش مع بعضها البعض مع أنهم بنص كتابهم السماوي إخوة متساوون.
      و رغم أن غبارا غليظا مغطيا للحقيقة أوجدته قرون من الجدال والاقتتال، أصبح مانعا كبيرا و صعبا يحول دون إظهار وجه الحقيقة كما ينبغي و تعرُّف كل فرقة على الأخرى و إعادة المياه إلى مجاريها فيما بينهم، لكننا بعون الله سنقوم بمحاولتنا و سعينا في هذا الطريق مستخدمين كل ما أتيح لنا من طاقة مادية ومعنوية، عسى أن ننير بفضل الله سراجا نيرا في هذا الطريق المظلم الضيق، ونطلع إخواننا المؤمنين، الذين يطلبون الحق ويبحثون عن الحقيقة إلى ما هدانا الله إليه بفضله و رحمته، عسى أن يعودوا لأنفسهم بعد هذا الزمن الطويل و بعد اطلاعهم على حيل و سياسة الأعداء وتذوقهم لمرارة كل تلك البلايا و المصائب التي حلت بهم نتيجة تلك الاختلافات، فيسيروا إلى الأمام نحو العزة و السعادة و الشوكة والسيادة ويستعيدوا وحدتهم فيكونوا مصداقا للآية الكريمة: {كنتم خير أمة أخرجت للناس}. أما لو لم تؤثر فيهم ـ لا سمح الله ـ صخب السيول الجرارة لكل حوادث التاريخ هذه و لا الأمواج المهلكة لكل أعاصير القرون و الأعصار   هذه،  و ما تحويه من صفير الإنذار و التحذيرات الصريحة، بل استمرت التعصبات الجاهلية و التفرقة القومية و العنصرية التي تغذيها الأهواء ووساوس الشيطان ودسائس الأعداء الماكرين تعمل عملها في إضلالهم، فإننا سنكون معذورين لدى ربنا سبحانه و تعالى بكتابة هذا الكتاب ومأجورين إن شاء الله على سعينا لهذا الهدف و ما سنلقاه من آلام نتيجة الاتهامات والسب و البهتان و الافتراء بحقنا  { و إذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا؟ قالوا: معذرة إلى ربكم و لعلهم يتقون} الأعراف / 164. 
 

علة الاختلاف الأصلية

     المادة الأصلية و الأساسية لاختلاف الأمة الإسلامية هو مسألة الخلافة والإمامة، و من هذه المسألة تشعَّبت سائر الاختلافات الأخرى، وقد أخذت مسألة الإمامة،  بمعنى الحكومة و زمام الأمور،  و التي محركها الأصلي لدى أغلب الأفراد ليس إلا حب المقام و حب الرئاسة، في هذه الأمة، شكلا وصورة قلما يوجد لها نظير في الشعوب و الأمم السابقة! 
      كمقدمة ينبغي القول بأن حب العلو و الرئاسة أمر فطري في كل نفس، وكل إنسان يطلب بغريزته التفوق على أقرانه، و إذا تمت هداية هذه الغريزة بشكل صحيح، أمكن أن نستخرج منها أفضل النتائج، و ذلك أنه من لوازم وجود و حياة المجتمع البشري أنه لا يمكن لأي شعب أو أمة أن تستمر في حياتها المدنية دون امتلاك حكومة و نظام اجتماعي، و ليس هذا لدى الإنسان فقط، بل إن كثيرا من الحيوانات شعرت بهذا الأمر و أوجدت في حياتها نظاما و تشكيلات اجتماعية، كما نجد ذلك واضحا في عالم النمل والنحل والحشرات الآكلة للخشب ( النمل الأبيض)  و عديد من الطيور والحيوانات الأخرى.  و لا شك أن دين الإسلام الذي يحتوي على أفضل القوانين الاجتماعية التي تضمن السعادة الدينية و الدنيوية لأتباعه، لم يبق هذه المسألة مسكوتا عنها و لا مجهولة، بل بين الوظائف و الأحكام والأوامر والقواعد في هذا الشأن بشكل إجمالي. و قد أوضحنا ذلك في كتابنا " الحكومة في الإسلام" الذي طبع في مجلدين فيمكن للراغبين الرجوع إليه لمعرفة هذه الحقيقة.
      أما الذي يمكن قوله هنا فهو أنه من المحتم و اليقيني أن سيدنا خاتم النبيين (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) أتى في شريعته الإسلامية المتقنة  بمقررات و أحكام وإرشادات تتعلق بمسألة الحكومة وزمام الأمور، ذلك أن دين الإسلام الذي زيَّنَهُ الله سبحانه بوسام و وشاح قوله المقدس: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا } لا يمكن أن يكون خاليا من مسائل وأحكام تتعلق بالحكومة والقيادة التي هي من ألزم لوازم الحياة البشرية، بل إن هذا الأمر، كما سيأتي بيانه في محله، هو من أهم أهداف وأقدس أحكام الإسلام. 
      أما الزوائد و الحواشي الناشئة، بلا شك، من أغراض و أمراض عدة من الأعداء المغرضين أو الأصدقاء الجاهلين فلا سبيل لها على الأحكام السماوية والقوانين الإلـهية الواضحة البينة. و سنبين، بمشيئة الله تعالى، كيف أن هذه الزوائد و الأهواء المبتدعة قد بدَّلت الصورة الناصعة للأحكام الإلـهية المتعلقة بالحكم و الحكومة و حوَّلتها لصورة بشعة مكروهة ينفر منها العقلاء و ينزجر منها الأحباء.
      إن الذي يعيننا على معرفة و درك حقيقة تعاليم الإسلام السامية حول هذه القضية هو دراسة قضية سقيفة بني ساعدة التي وقعت بعد ساعات من انتقال روح رسول الله المقدسة (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) إلى الملأ الأعلى، فإذا تتبعنا ودرسنا ملابسات هذه الواقعة، بدقة مشبعة بطلب الوصول للحقيقة، سندرك، لا محالة، كثيرا من القضايا المهمة،  و ستظهر الحقيقة لطالبها المخلص رغم كل ما أحاط بها من أغشية.
      و لهذا فسننقل للقارئ الكريم  في رسالتنا المختصرة هذه، باختصار، قصة سقيفة بني ساعدة التي حضرها و شارك فيها كبار صحابة الرسول المختار(صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) حتى تتضح حقيقة الأمر لطلاب الحق، إن شاء الله.
 

بحث عميق في قضية سقيفة بني ساعدة

      كانت سقيفة بني ساعدة مكانا يجتمع فيه أهل المدينة ليتخذوا قراراتهم في شؤونهم المهمة من خلال الشورى بين رؤسائهم.  و بعد وفاة رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) مباشرة اجتمع أهل المدينة، الذين كانوا قد أسلموا دون إكراه ولا إجبار و دعوا رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) قبل هجـرته أن يأتي إليهم وكثيرون منهم أعانوه و نصروه و عرفوا بالأنصار، في هذه السقيفة، ورشَّحوا " سعد بن عبادة "[7][3] زعيم قبيلة الخزرج ( إحدى أهم قبيلتين في المدينة)، و الذي كان مريضا، لمنصب الإمامة و الخلافة، و لفوه في حصير أو بساط و أتوا به إلى السقيفة لكي يأخذوا له البيعة من المسلمين. وسننقل هنا باختصار أحداث هذا الاجتماع من كتب التاريخ الموثقة دون أن نحذف باختصارنا النقاط التاريخية لهذه القصة. و نلفت أنظار القرَّاء في البداية، إلى أن الكتب التاريخية التي ذكرت هذه القصة هي مؤلفات خلفها علماء المسلمين الكبار للأمة الإسلامية. و قد دُوِّنت هذه المؤلفات بشكل عام بعد القرن الثاني الهجـري و غالبا في القرن الثالث و ما بعده، و نذكِّر أيضا أنه في ذلك الزمن لم تكن مسألة السنة و الشيعة أبدا بالصورة التي هي عليها اليوم، و لم يكن أحد يأخذ القلم ليكتب في تأييد عمر أو علي، و لا كان المؤلفون في مسألة الولاية و الإمامة قد تحولوا إلى صفين متقابلين تماما في مواجهة بعضهم البعض يقومون بالخصام و الجدال. و السبب في ذلك أن فرقة الشيعة، التي أصبحت اليوم تختص لنفسها عددا كبيرا من المسلمين وأصبح لها دولة ونظام و مؤلفات و تصانيف، إنما كانت في ذلك العهد فئة قليلة و طائفة ضئيلة تعيش في التكتُّم و السرِّيَّة، و بتعبير العصر بشكل غير قانوني، كحزب معارض للحكومة، فلم يكن لجماعتهم من الكثرة و الأهمية ما يثير اهتمام علماء ذلك الزمن و يدعوهم لتأليف كتب و مصنفات ضدها من باب العناد والخصومة و كتمان الحقيقة، و يختلقون مثل هذه القصة التي لم يوافَقُ فيها على حق لهم! و أيا كان الأمر فليس بين أيدينا اليوم لدرك الحقائق إلا الكتب و المؤلفات التي بقيت لنا منذ ذلك العهد، و لا يوجد لدينا أي شيء يجعلنا نتشكك أو نرتاب في صحة هذه الكتب و التواريخ، اللهم إلا الاكتفاء بالحدس و الظن و التخمين بالإضافة إلى أننا سنرجع إلى المؤلفات والآثار التي وثَّقها و صوَّبها علماء الشيعة الكبار، لننقل منها أحداث تلك الواقعة بأمانة تامة، واضعينها أمام طالبي الحقيقة.
      و أقدم الكتب في هذا الباب [ سـيرة ابن هشـام ] المعتمدة من قبل عامة المسلمين و التي ليس لقضية الشيعة و السنة فيها دخل، و مؤلفها "عبد الملك بن هشام المعافري و قد استخرج سيرته و رواها عن "محمد ابن اسـحق المطلبي" وهو من مؤرخي القرن الهجـري الأول و الثاني حيث كانت وفاته في أوائل القرن الهجـري الثاني، و ابن هشام نفسه كانت وفاته سنة 213 هـ. و رجعنا بعد ذلك لكتاب [تاريخ الإمامة و السياسة] لابن قـُتَيْبة وهو "عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري" المتوفى سنة 270 هـ.، ثم [تاريخ اليعقوبي] و مؤلفه "أحمد ابن يعقوب بن جعفر بن وهب الكاتب"، مؤرخ شيعي المذهب توفي سنة 292 هـ.، ثم  [مروج الذهب و معادن الجـوهر] و[التنبيه و الإشراف ] و هما "لعلي بن الحسين المسعودي"، المعروف بالتشيُّع و المتوفى سنة345 هـ. و ليس لأي ممن ذكر مصلحة خاصة في روايته لحديث سقيفة بني ساعدة. و لن نتجاوز في عرضنا لهذه القصة، إن شاء الله، ما اتفقت عليه تلك الكتب الخمسة المذكورة، و التي عرفنا أن ثلاثة منها هي من تأليف مؤلِّـفَيْن شيعيين.
 

قصـة سـقيفة بـني سـاعـدة

     جاء في سيرة ابن هشام: [ قال ابن اسحق: قال الزهري: و حدثني "عبد الله بن كعب بن مالك"  عن  "عبد الله بن عباس" قال: خرج يومئذ علي بن أبي طالب عليه السلام على الناس من عند رسول الله   فقال له الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا، قال: فأخذ العباس بيده ثم قال: يا علي، أنت والله عبد العصا بعد ثلاث، أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما كنتُ أعرفه في وجوه بني عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه، وإن كان في غيرنا، أمرناه فأوصى بنا الناس. قال: فقال له علي: إني والله لا أفعل، و الله لئن مُنِعْناه، لا يؤتيناه أحدٌ بعده ][8][4] هذه الرواية ذكرتها أيضا عدة مصادر تاريخية أخرى[9][5].
      ما اتفق عليه جميع المؤرخين و كتَّاب السيرة هو أنه لما ارتحل رسول الله صلىالله عليه وآله، شُغِل أهل بيته بأمر تجهيزه و تكفينه و كان في مقدمتهم حضرة علي بن أبي طالب و العباس عم الرسول صلىالله عليه وآله و أولاد العباس، كما كان حاضرا معهم في بيت رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) الزبير بن العوام و طلحة بن عبيد الله، و قد أغلق باب البيت أمام الآخرين. أما بقية المهاجرين و بعض الأنصار مثل أُسَيْد بن حُضَيْر فقد اجتمعوا حول أبي بكر في مسجد رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم)، إذ جاءهم رجل، على غير انتظار، يخبرهم أن طائفة من الأنصار على رأسهم "سعد بن عبادة" قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، و أنهم في صدد تعيين خليفة لإمامة و حكومة المسلمين فإن كان لكم بأمر الناس (أي بأمر الرئاسة و الحكم) حاجة فأدرِكوا الناس قبل أن يتفاقم أمر الأنصار[10] ، عند ذاك ترك عمر و أبو بكر (رضي الله عنهما) حضور مراسم الدفن و أوكلوه لمن له الكفاية لذلك من أهل بيته صلىالله عليه وآله ـ إذ لم يكن بعد قد فُرِغَ من تجهيزه و دفنه صلىالله عليه وآله و كان أهل بيته قد أغلقوا باب بيته صلىالله عليه وآله  دون الناس ـ و هرعا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة إثر وقوفهما على خبر اجتماع جماعة الأنصار فيها، و سرعان ما وصلا إلى السقيفة ليجدوا الأنصار قد عصَّبوا "سعد بن عبادة " رضي الله عنه بعصابة وأجلسوه في وسط السقيفة، و كان يخطب فيهم، إلا أن صوته كان ضعيفا لشدة مرضه، فكان ابنه قيس بن سعد، ينقل كلامه جملة جملة بصوت مرتفع للمجتمعين[11][7].
      و قبل أن ننقل خطبة سعد بن عبادة، لا بد أن نشير إلى أن بعض الروايات تذكر أن أبا بكر كان ـ غداة ارتحال رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) ـ في قرية من القرى المجاورة للمدينة تدعى "السنح" و لم يكن قد اطلع بعد على خبر وفاة النبي صلىالله عليه وآله، و أن عمر و أبوعبيدة (رضي الله عنهما) ذهبا أولا لوحدهما للسقيفة لإدراك ما يجري فيها و لكنهما لما وجدا نفسيهما وحيدين أمام جماعة الأنصار و احتجاجهم، و تحيرا ما يكون ردهما المناسب للحيلولة دون تمام البيعة بالخلافة لسعد بن عبادة رضي الله عنه، سأل عمر رضي الله عنه: ما الخطب ؟ و بمجرد أن أجابوه بأن رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) قد قُبِضَ و أن الأنصار في صدد تعيين خليفة له أمتشق سيفه وصاح: بل إن رسول الله لم يمت و كل من زعم ذلك أدبته بسيفي هذا بل قد ذهب إلى ربه كما ذهب موسى و ليرجعن ثانية ليكمل دينه!، ثم أرسل إلى أبي بكر رضي الله عنه من يطلعه على ما وقع فخرج أبو بكر رضي الله عنه فورا من "السنح" إلى المدينة قاصدا بيت رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) فلما رأى جسده و تأكد من وفاته، لحق بالسقيفة وسأل عمر رضي الله عنه لماذا هذا الاجتماع ؟ فما أن أجابه عمر رضي الله عنه بأن السبب إرادة الأنصار نصب خليفة لرسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) لشيوع نبأ وفاته و أنه أنكر ذلك النبأ الإنكار، إلا وصاح أبو بكر قائلا: [ أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ] ثم أخذ زمام الكلام في هذا الاجتماع و بدأ بكلمته.  ولكن هذه الرواية لا تخلو من الإشكال[12][8] و الرواية الأصح و التي نقلتها أكثر التواريخ هي ما ذكرناه أولا، من خروج أبي بكر و عمر مجتمعين من البداية من مسجد رسول الله إلى السقيفة، و يؤكد أرجحية هذه الرواية أن إمامة الصلاة في فترة مرضه (صلىالله عليه وآله وسلم) كانت موكولة لأبي بكر رضي الله عنه، وهذا ينفي كونه في "السنح".
       و الآن نعود إلى السقيفة لننقل نص خطبة سعد بن عبادة كما أوردها ابن قتيبة في كتابه "الإمامة و السياسة"، قال: (( فكان مما قاله رضي الله عنه، بعد أن حمد الله تعالى و أثنى عليه: يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين و فضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنة، يدعوهم إلى عبادة الرحمن، و خلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا [13][9] رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)، و لا يعرفوا دينه،  و لا يدفعوا عن أنفسهم، حتى أراد الله تعالى لكم الفضيلة، و ساق إليكم الكرام،  و خصَّكم بالنعمة، و رزقكم الإيمان به و برسوله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) و المنع له ولأصحابه و الإعزاز لدينه، و الجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم، و أثقله على عدوكم من غيركم، حتى استقاموا لأمر الله تعالى طوعا و كرها، و أعطى البعيد المقادة [14][10] صاغرا داحرا، حتى أثخن الله تعالى لنبيه بكم الأرض، و دانت بأسيافكم له العرب، و توفَّاه الله تعالى و هو راض عنكم قرير العين، فشدوا أيديكم بهذا الأمر، فإنكم أحق الناس وأولاكم به. قال: فأجابوه جميعا: أن قد وُفِّقْتَ في الرأي، و أصبت في القول، ولـن نعدو، ما رأيت، توليَتَكَ هذا الأمر،  فأنت مَـقْـنَع و لِصَالِح المؤمنين رضا )) [15][11].
      و بعد أن أكمل سعد كلمته و سكت، أراد عمر رضي الله عنه أن يتكلم، كما يروى ذلك عنه ابن هشام في سيرته، فقال عمر رضي الله عنه: ((...فلما سكت ( أي سعد) أردتُ أن أتكلم و قد زَوَّرْتُ في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر رضي الله عنه و كنت أداري منه بعض الحد[16][12]، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فكرهت أن أغضبه، فتكلَّمَ، وكان أعلم مني و أوقر، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته، أو مثلها أو أفضل، حتى سكتَ. قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، و لن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش، هو أوسط العرب نسبا [17][13] ودارا [18][14] قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، و أخذ بيدي و بيد أبي عبيدة الجراح، قال( عمر): و هو جالس بيننا، و لم أكره شيئا مما قاله ( أي أبو بكر ) غيرها، كان و الله أن أُقَدَّمَ فتُضْرَبَ عنقي، لا يُقَرِّبني ذلك إلى إثم، أحب إليَّ من أن أتأمَّرَ على قوم فيهم أبو بكر )) [19][15].
      و قد أورد اليعقوبي في تاريخه نص ما قاله أبو بكر في ثنائه وتزكيته لعمر ولأبي عبيدة رضي الله عنه فقال: [... و هذا عمر بن الخطاب الذي قال رسول الله: اللهم أعز الدين به! و هذا أبو عبيدة الجراح الذي قال رسول الله: أمين هذه الأمة، فبايعوا أيهما شئتم. فأبيا ( أي عمر و أبو عبيدة ) عليه و قالا: والله ما كنا لنتقدمك، و أنت صاحب رسول الله و ثاني اثنين. فضرب أبو عبيدة على يدي أبي بكر، و ثنَّى عمر، ثم بايع من كان معهم من قريش ] [20][16].
      أما ابن قتيبة فقد أورد ـ في الإمامة و السياسة" ـ خطبة أبي بكر رضي الله عنه بشكل أكثر تفصيلا  على النحو التالي [... فتشهد أبو بكر رضي الله عنه و انتصب له الناس، فقال: إن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى و دين الحق، فدعا إلى الإسلام، فأخذ الله تعالى بنواصينا و قلوبنا إلى ما دعا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما والناس لنا فيه تبع. و نحن عشيرة رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم ، و نحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة. وأنتم أيضا والله، الذين آوَوْا و نصروا. و أنتم وزراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنتم أيضا إخواننا في كتاب الله تعالى و شركاؤنا في دين الله سبحانه وتعالى و فيما كنا فيه من سرّاء و ضرّاء، و الله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه، فأنتم أحب الناس إلينا وأكرمهم علينا، و أحق الناس بالرِّضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمر الله عز وجل و لما ساق لكم و لإخوانكم المهاجرين رضي الله عنهم، و هم أحق الناس فلا تحسدوهم و أنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، والله ما زلتم مؤثرين إخوانكم من المهاجرين و أنتم أحق الناس أن لا يكون هذا الأمر و اختلافه على أيديكم و أبعد ألا تحسدوا إخوانكم على خير ساقه الله تعالى إليهم و إنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر و كلاهما قد رضيت لكم ولهذا الأمر وكلاهما له أهل. فقال عمر و أبو عبيدة رضي الله عنهما: ما ينبغي لأحد الناس أن يكون فوقك يا أبا بكر رضي الله عنه، أنت صاحب الغار و ثاني اثنين وأمَرَكَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الأمر ][21][17].
      و الآن لنر ماذا كان موقف الأنصار تجاه أبي بكر رضي الله عنه ؟ ذكرت جميع كتب التواريخ و السير أن جواب الأنصار كان ـ كما يروي ابن قتيبة ـ: [ فقال الأنصار: والله ما نحسدكم على خير ساقه إليكم و إنا لكَمَا وصفتَ يا أبا بكر والحمد لله، و لا أحد من خلق الله تعالى أحبَّ إلينا منكم، و لا أرضى عندنا ولا أيمن ولكنا نشفق مما بعد اليوم، و نحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا و لا منكم، فلو جعلتم اليوم رجلا منا و رجلا منكم بايعنا و رضينا على أنه إذا هلك اخترنا آخر من الأنصار فإذا هلك اخترنا آخر من  المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الأمــة، كان ذلك أجدر أن يُعْدَل في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، و أن يكون بعضنا يتبع بعضا فيشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري و يشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي.  عندئذ قام أبو بكر فحمد الله و أثنى عليه وقال: إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رسولا إلى خلقه و شهيدا على أمته ليعبدوا الله و يوحدوه و هم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى يزعمون أنها شافعة لهم وعليهم بالغة نافعة، و إنما كانت حجارة منحوتة، و خُشُبَاً منجورة، فاقرؤوا إن شئتم "إنكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون "، "ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم و لا ينفعهم و يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله "، وقالوا: " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"، فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله تعالى المهاجرين الأولين  بتصديقه، و الإيمان به، والمواساة له، و الصبر معه على الشدة من قومهم، و إذلالهم و تكذيبهم إياهم، و كل الناس مخالف عليهم، زارٍ[22][18] عليهم، فهم أول من عبد الله في الأرض، وأول من آمن بالله تعالى و رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، و هم أولياؤه و عشيرته، وأحق الناس بالأمر من بعده، لا ينازعهم فيها إلا ظالم، و أنتم يا معشر الأنصار، من لا ينكر فضلهم ولا النعمة العظيمة لهم في الإسلام، رضيكم الله تعالى أنصاراً لِدِينه ولرسوله وجعل إليكم مهاجرته، فليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء و أنتم الوزراء، لا نفتات[23][19] دونكم بمشورة و لا تنقضي دونكم الأمور.
      فقام الحباب بن المنذر بن زيد بن حرام رضي الله عنه فقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أيديكم، فإنما الناس في فيئكم و ظلالكم، و لن يجترئ مجترئ على خلافكم، و لن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز و الثروة، و أولو العدد والنجدة، و إنما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، و تقطع أموركم، أنتم أهل الإيواء و النصرة  و إليكم كانت الهجرة ولكم في السابقين الأولين مثل ما لهم، و أنتم أصحاب الدار و الإيمان من قبلهم، و اللهِ ما عبدوا الله علانيةَ إلا في بلادكم و لا جُمِعَت الصلاة إلا في مساجدكم و لا دانت العرب للإسلام إلا بأسيافكم، فأنتم أعظم الناس نصيبا في هذا الأمر، و إن أبى القوم فمنا أمير و منهم أمير.
      فقام عمر رضي الله عنه فقال: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد، إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم و نبيها من غيركم، و لكن العرب لا ينبغي لها أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم و أولو الأمر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة و السلطان المبين، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه و عشيرته إلا مُدْلٍ بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة.
      فقام الحباب بن المنذر رضي الله عنه فقال: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا و أصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم ما سألتم فأجْلوهم عن بلادكم و تولوا هذا الأمر عليهم فأنتم والله أولى بهذا الأمر منهم دان لهذا الأمر من لم يكن يدين له بأسيافنا أما والله إن شئتم لنعيدنها جزعة[24][20]، والله لا يرد علي أحد ما أقول إلا حطَّمتُ أنفه بالسيف. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فلما كان الحباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام لأنه كان بيني و بينه منازعة في حياة رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) فنهاني عنه، فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوءه أبداً. ثم قام أبوعبيدة ( الجراح ) فقال: يا معشر الأنصار أنتم أول من نصر فلا تكونوا أول من يبدل و يغير.  قال ( أي الراوي الذي يروي عنه ابن قتيبة هذا الحديث ): و إن بشيرا ( و هو بشير بن سعد من أقرباء سعد بن عبادة ) لما رأى ما اتفق عليه قومه من تأمير سعد بن عبادة قام حسدا لسعد، و كان بشير من سادات الخزرج، فقال: يا معشر الأنصار أما والله لئن كنا أولي الفضيلة في جهاد المشركين و السابقة في الدين، ما أردنا إن شاء الله غير رضا ربنا و طاعة نبينا و الكرم لأنفسنا، و ما ينبغي أن نستطيل بذلك على الناس، و لا نبتغي به عوضا من الدنيا، فإن الله تعالى ولي النعمة و المنة علينا بذلك، ثم إن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رجل من قريش، وقومه أحق بميراثه و تولي سلطانه و أيم الله لا  يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتقوا الله و لا تنازعوهم و لا تخالفوهم.
      قال ( الراوي ): ثم إن أبا بكر رضي الله عنه قام على الأنصار فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم دعاهم إلى الجماعة و نهاهم عن الفرقة و قال: إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين  أبي عُبيدة الجرَّاح و عُمر فبايعوا من شئتم منهما. فقال عُمر: معاذ الله أن يكون ذلك و أنت بين أظهرنا، أنت أفضل المهاجرين و ثاني اثنين وخليفته على الصلاة، و الصلاة أفضل أركان دين الإسلام، فمن ذا ينبغي أن يتقدمك و يتولى هذا الأمر عليك ؟ أبسط يدك أبايعك، فلما ذهبا ( أي عُمر و أبو عُبيدة ) يبايعانه، سبقهما إليه بشير بن سعد الأنصاري فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير بن سعد عقُّك عِقاقٌ [25][21]  ما اضطرك إلى ما صنعت ؟ حسدت ابن عمك على الإمارة؟ قال : لا و الله، لكني كرهت أن أنازع قوما حقا لهم، فما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، و هو من سادات الخزرج، و ما دعوا إليه المهاجرين من قريش، و ما تطلب الخزرجمن ـامير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض و فيهم أسيد بن حضير رضي الله عنه :لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة و لا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا، فقوموا فبايعوا أبا بكر رضي الله عنه، فقاموا إليه فبايعوه! فقام الحباب بن المنذر إلى سيفه فأخذه، فبادروا إليه فأخذوا سيفه منه، فجعل يضرب بثوبه وجوههم، حتى فرغوا من البيعة، فقال: فعلتموها يا معشر الأنصار، أما والله لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم قد وقفوا يسألونهم بأكفهم و لا يسقون الماء، قال أبو بكر: أمِنَّا تخاف يا حباب ؟ قال: ليس منك أخاف و لكن ممن يجيء بعدك، قال أبو بكر: فإذا كان ذلك كذلك فالأمر إليك و إلى أصحابك ليس لنا عليكم طاعة، قال الحباب: هيهات يا أبا بكر إذا ذهبت أنا و أنت جاءنا بعدك من يسومنا الضيم.  فقال (عندئذ) سعد بن عبادة: أما والله لو أن لي ما أقدر به على النهوض لسمعتم مني في أقطارها زئيرا يخرجك أنت وأصحابك، و لألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع، خاملا غير عزيز، فبايعه الناس جميعا حتى كادوا يطؤن سعدا. فقال سعد (بن عبادة) قتلتموني، فقيل: اقتلوه قتله الله، فقال سعد: احملوني من هذا المكان، فحملوه و أدخلوه داره و تُرِكَ أياما، ثم بعث إليه أبو بكر رضي الله عنه أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك، فقال: أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل وأخضب[26][22] منكم سناني و رمحي وأضربكم بسيفي ما مَلَكَتْهُ يدي و أقاتلكم بمن معي من أهلي و عشيرتي، و لا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم حسابـي، فلما أتى بذلك أبو بكر من قوله، قال عمر: لا تدعه حتى يبايعك، فقال لهم بشير بن سعد: إنه قد أبى و لجَّ و ليس يبايعك حتى يُقتل، وليس بمقتول حتى يُقتل ولده معه و أهل بيته و عشيرته، ولن تقتلوهم حتى تُقْتَلَ الخزرج، ولن تُقْتَل الخزرج حتى تُقْتَلَ الأوس،  فلا تفسدوا على أنفسكم أمرا قد استقام لكم، فاتركوه فليس تركه بضاركم و إنما هو رجل واحد. فتركوه و قبلوا مشورة بشير بن سعد و استنصحوه [27][23] لما بدا لهم منه، فكان سعد بن عبادة لا يصلي بصلاتهم و لا يجتمع بجماعتهم [28][24] ولا يفيض بإفاضتهم ولو يجد عليهم أعوانا لصال بهم، و لو يبايعه أحد على قتالهم لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتى تُوُفِّيَ أبو بكر رحمه الله و وَلِيَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فخرج (أي سعد) إلى الشام فمات بها و لم يبايع لأحد رحمه الله)) [29][25].
 

موقف بقية أصحاب رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)

     من المسلَّم به أن أمير المؤمنين علي عليه السلام كان في ذلك الحين مشغولا بتجهيز جثمان رسول الله صلىالله عليه وآله و قد أغلق أهل بيته باب البيت وجلسوا في عزائهم، قائمين  بأمر غسله و كفنه و دفنه صلوات الله و سلامه عليه وآله، في الوقت الذي كانت تدور فيه حوادث السقيفة التي انتهت كما رأينا بمبايعة الأنصار لأبي بكر t .

       و يواصل ابن قتيبة عرضه لما جرى فيقول: (( و إن بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار، إلى علي بن أبي طالب، و معهم الزبير بن العوام رضي الله عنه  ـ وكانت أمه صفية بنت عبد المطلب فكان  يعد نفسه من بني هاشم و كان علي كرم الله وجهه يقول: ما زال الزبير منا حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا ـ و اجتمعت بنو أمية إلى عثمان، و اجتمعت بنو زهرة إلى سعد (بن أبي وقاص) و عبد الرحمن بن عوف، فكانوا في المسجد الشريف مجتمعين، فلما أقبل عليهم أبو بكر و أبو عبيدة و قد بايع الناس أبا بكر، قال لهم عمر: ما لي أراكم مجتمعين حلقا شتى[30][26]، قوموا فبايعوا أبابكر، فقد بايعتُهُ و بايعه الأنصار، فقام عثمان بن عفان و من معه من بني أمية فبايعوه، و قام سعد (بن أبي وقاص) وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بني زهرة فبايعوا. و أما علي و العباس بن عبد المطلب و من معهما من بني هاشم فانصرفوا إلى رحالهم و معهم الزبير بن العوام، فذهب إليهم عمر في عصابة فيها أُسَيْد بن حُضَيْر، وسلمة بن أسلم، فقالوا: انطلقوا فبايعوا أبا بكر، فأبوا، فخرج الزبير بن العوام رضي الله عنه بالسيف فقال عمر: عليكم بالرجل فخذوه فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، وانطلقوا به فبايع، وذهب بنو هاشم أيضا فبايعوا ))[31][27].

 

كيفية مبايعة أمير المؤمنين علي عليه السلام لأبي بكر رضي الله عنه

 
     لقد اختلفت الروايات التاريخية في كيفية و زمن مبايعة علي عليه السلام لأبي بكر رضي الله . فبعض الروايات تحكي أن عليا بايع أبا بكر فورا و دون توقف، كما أخرج ذلك الطبري في تاريخه حيث قال: ((حدثنا عبد الله بن سعيد قال أخبرني عمي قال أخبرني سيف عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت: قال: كان علي في بيته إذ أُتِيَ فقيل له قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج في قميص ما عليه إزار و لا رداء عجِلا كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه ثم جلس إليه، وبعث إلى ثوبه فأتاه، فتجلله و لزم مجلسه )) [32][1].
      و لكن هذه الرواية منفردة لا يوجد ما يؤيدها، بل المسَلَّم به الذي اتفقت عليه أكثر التواريخ أن عليا كره البيعة و توقف في مبايعة أبي بكر رضي الله عنه ردحا من الزمن إلى أن بايعه في النهاية، حسبما سيأتي شرحه، و ذلك  ـ على ما يظهر ـ  بعد وفاة فاطمة عليها السلام. روى ذلك الطبري نفسه في تاريخه المذكور حيث قال: (( و كان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة، فلما توفيت فاطمة، انصرفت وجوه الناس. فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله (ص) ثم توفيت. قال معمَّر: فقال رجل للزُّهري: أفلم يبايعه علي ستة أشهر ؟ قال: لا، و لا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي، فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه، ضرع إلى مصالحة أبي بكر رضي الله عنه فأرسل إلى أبي بكر رضي الله عنه أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر، فقال عمر: لا تأتهم وحدك، قال أبو بكر: والله لآتينهم وحدي، و ما عسى أن يصنعوا بي ؟ قال: فانطلق أبو بكر فدخل على علي و قد جمع بني هاشم عنده، فقام علي فحمد الله و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك و لكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا، فاستبددتم به علينا، ثم ذكر قرابته من رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) وحقهم، فلم يزل علي يقول ذلك حتى بكى أبو بكر، فلما صمت عليٌّ، تشهد أبو بكر فحمد الله و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فوالله لَقَرَابة رسول الله أحب إلي أن أصل من قرابتي، وإني والله ما آلوت في هذه الأموال التي كانت بيني و بينكم غير الخير، ولكني سمعت رسول الله يقول " لا نُورَثُ، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال " و إني أعوذ بالله، لا أذكر أمرا صنعه محمد رسول الله إلا صنعته فيه إن شاء الله، ثم قال (علي): موعدك العشيّ للبيعة. فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليا ببعض ما اعتذر، ثم قام علي فعظَّم مِن حق أبي بكر رضي الله عنه و ذكر فضيلته وسابقته ثم مضى إلى أبي بكر رضي الله عنه فبايعه. قالت ( أي عائشة، وهي التي أخرج الطبري عنها هذه الرواية ): فأقبل الناس إلى علي فقالوا: أصبت وأحسنت، قالت: فكان الناس قريبا إلى علي حين قارب الحق و المعروف ))[33][2]. عند ذاك ذكر الطبري الرواية التي تبين مجيء أبي سفيان لحضرة علي عليه السلام يحرضه على أبي بكر رضي الله عنه و يقول له: [ ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ؟ و أيم الله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا و رجالا، قال: فقال عليٌّ: يا أبا سفيان طالما عاديت الإسلام و أهله فلم تضرّه بذاك شيئا، إنا وجدنا أبا بكر لها أهلاً ]. وجاء في كتاب "الأخبار الموفقيات" (ص 585) أن عليا عليه السلام قال في رفضه لعرض أبي سفيان هذا،"لي عهد مع رسول الله و نحن جميعا ملزمون به".
      و روى المسعودي الشيعي في تاريخه  "مروج الذهب"  قصة سقيفة بـني ساعـدة  ( في الجزء الأول، صفحة 412 من طبعة عام 1316 هـ)، كما أورد القصة مختصرا في تاريخه "التنبيه و الإشراف" في الصفحة 247 حيث قال: (( وبويع أبو بكر في اليوم الذي تُوُفِّيَ فيه رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) وهو يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة 11 من الهجرة وقد كانت الأنصار نصبت للبيعة سعد بن عبادة بن دُلَيْم الأنصاري ثم الخزرجي، فكانت بينه و بين من حضر من المهاجرين في السقيفة منازعة طويلة و خطوب عظيمة، و علي و العباس و غيرهم من المهاجرين مشتغلون بتجهيز النبي (ص) و دفنه، و كان ذلك أول خلاف حدث في الإسلام بعد مضي النبي (ص)، وارتدَّ أكثر العرب بعد وفاة النبي (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)، فمن كافر، و مانع للزكاة و الصدقة، و كان أعظمهم شوكة و أخوفهم أمرا مسيلمة الكذَّاب الحنفي باليمامة و طليحة بن خويلد الأسدي في أسد بني خزيمة، و قد عاضده عُيَيْنة بن حصن الفزاري في غطفان فوجَّه أبو بكر إليهم و إلى جميع من ارتد من ضاحية مضر، خالدَ بن الوليد...( إلى أن قال في آخر ذلك الفصل ) و لم يبايع علي عليه السلام أبا بكر رضي الله عنه إلى أن توفيت ( يعني فاطمة ) و تُنُوزِع في كيفية بيعته إيَّاه ][34][3].
      و بهذا النحو أورد "اليعقوبي المؤرخ الشيعي، في تاريخه، تفاصيل قصة سـقيفة بني ساعدة، فقال تحت عنوان: خبر سقيفة بني ساعدة و بيعة أبي بكر: (( و اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ، يوم توفي رسول الله..[35][4]    يُغْسلُ، فأجلست سعد بن عبادة  الخزرجي، و عصَّبَتْه بعصابة، و ثنت له وسادة. و بلغ أبا بكر و عمر بن الخطاب و أبا عبيدة الجراح فقالوا: يا معشر الأنصار! منا رسول الله، فنحن أحق بمقامه. وقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير! فقال أبو بكر : منا الأمراء و أنتم الوزراء. فقام ثابت بن قيس ابن شمَّاس، و هو خطيب الأنصار، فتكلم وذكر فضلهم. فقال أبو بكر : ما ندفعهم عن الفضل، و ما ذكرتم من الفضل فأنتم له أهل، و لكن قريشا أولى  بمحمد منكم و هذا عمر بن الخطَّاب  الذي قال رسول الله: اللهم أعز الدين به! و هذا أبو عبيدة الجراح الذي قال رسول الله: أمير هذه الأمة، فبايعوا أيهما شئتم! فأبيا عليه و قالا: والله ما كنا لنتقدمك، و أنت صاحب رسول الله و ثاني اثنين. فضرب أبو عبيدة على يدي أبي بكر، و ثنى عمر، ثم بايع من كان معه من قريش.
      ثم نادى أبو عبيدة: يا معشر الأنصار إنكم كنتم أول من نصر فلا تكونوا أول من غير و بدَّل. و قام عبد الرحمن بن عوف فتكلم فقال: يا معشر الأنصار، إنكم و إن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر و عمر وعلي، و إن فيهم رجلا لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد، يعني، علي بن أبي طالب. فوثب بشير بن سعد من الخزرج، فكان أول من بايعه من الأنصار، وأُسَيْد بن حُضَيْر الخزرجي، و بايع الناس حتى جعل الرجل يطفر وسادة سعد بن عبادة ، و حتى وطئوا سعدا. و قال عمر: اقتلوا سعدا، قتل الله سعداً!
      و جاء البراء بن عازب، فضرب الباب على بني هاشم و قال: يا معشر بني هاشم، بويع أبو بكر . فقال بعضهم: ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه، و نحن أولى بمحمد. فقال العباس: فعلوها و رب الكعبة.
      و كان المهاجرون و الأنصار لا يشُكُّون في عليٍّ، فلما خرجوا من الدار قام الفضل بن العباس، و كان لسان قريش، فقال: يا معشر قريش، إنه ما حقت لكم الخلافة بالتمويه، و نحن أهلها دونكم، و صاحبنا أولى بها منكم.
      و قام عتبة بن أبي لهب فقال [36][5] :
ما كنت أحسب أن الأمر منصرفٌ     عـن هاشم ثم منها عن أبي الحسـنِ
عن أوَّلِ الناس إيـمانـا و سابـقـةً[37][6]     و أعلم  الناس بالقرآن و السننِ
و آخر الناس عهدا بالنـبي، و مَـنْ     جبريل عون له في الغَسْل و الكفنِ
مَـنْ فيـه ما فـيهمُ لا يمترون بـه،      و ليس في القوم ما فيه من الحَسَنِ
ما ذا الذي  ردهم عنـه  فتـعلمه      ها إن ذا غبننـا مـن أعظم الغبن[38][7]
      فبعث إليه علي فنهاه [39][8]. و تخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار، و مالوا مع علي بن أبي طالب، منهم: العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، و الزبير بن العوام بن العاص، و خالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، و أبو ذر الغفاري، و عمار بن ياسر، و البراء بن عازب، و أبي بن كعب، فأرسل أبو بكر  إلى عمر بن الخطَّاب  وأبي عبيدة الجراح و المغيرة بن شعبة، فقال: ما الرأي ؟ قالوا: الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب، فتجعل له في هذا الأمر نصيبا يكون له و لعقبه من بعده، فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب  حجة لكم على علي، إذا مال معكم، فانطلق أبوبكر  و عمر و أبوعبيدة بن الجراح و المغيرة حتى دخلوا على العباس ليلا، فحمد أبو بكر اللهَ و أثنى عليه، ثم قال: إن الله بعث محمداً نبياُ و للمؤمنين ولياً، فمنَّ عليهم بكونه بين أظهرهم، حتى اختار له ما عنده، فخلى على الناس أموراً ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم مشفقين، فاختاروني عليهم والياً ولأمورهم راعياً، فوليت ذلك و ما أخاف بعون الله وتشديده وهناً، و لا حيرة و لا جبنا، و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، و ما انفكَّ يبلغني عن طاعن يقول الخلاف على عامَّة المسلمين، يتخذكم لجأً فتكون حصنه المنيع وخطبه البديع. فإما دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، وإما صرفتموهم عما مالوا إليه، و قد جئناك و نحن نريد أن لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك، ويكون لمن بعدك من عقبك إذ كنت عم رسول الله، و إن كان الناس قد رأوا مكانك و مكان صاحبك..[40][9] عنكم و على رسلكم بني هاشم فإن رسول الله منا و منكم.
      فقال عمر بن الخطَّاب : إي والله و أخرى، إنا لم نأتكم لحاجة إليكم، ولكن كرها أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتـفاقم الخطب بكم و بهم، فانظروا لأنفسكم.
      فحمد الله العباسُ و أثنى عليه و قال: إن الله بعث محمدا كما وصفت نبيا و للمؤمنين وليا، فمن على أمته به، حتى قبضه الله إليه و اختار له ما عنده، فخلَّى على المسلمين أمورهم ليختاروا لأنفسهم مضيبين الحق، لا مائلين بزيغ الهوى، فإن كنت برسول الله فحقا أخذت، و إن كنت بالمؤمنين فنحن منهم، فما تقدمنا في أمرك فرضا و لا حللنا وسطا و لا برحنا سخطا، و إن كان هذا الأمر أنما وجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنا كارهين. ما أبعد قولك من أنهم طعنوا عليك من قولك إنهم اختاروك و مالوا إليك، و ما أبعد تسميتك بخليفة رسول الله من قولك خلَّى على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك، فأما قلت إنك تجعله لي، فإن كان حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم فيه، و إن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض، و على رِسْلِكَ، فإن رسول الله من شجرة نحن أغصانها و أنتم جيرانها. فخرجوا من عنده.
      و كان فيمن تخلَّف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان بن حرب، و قال: أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم ؟ و قال لعلي بن أبي طالب: امدد يدك أبايعك، و علي معه قَصيّ، و قال:
بني هاشم لا تُطْمِعوا الناس فيكُمُ    و لا  سيما تَيْمَ  بن مـرَّةَ  أو عـديّ
ما  الأمـر  إلا  فيكم  و إليكُمُ و ليس  لهـا  إلا أبـو حسنٍ علـيّ
أبا حسن، فاشدد بها كف حازمٍ         فإنك  بالأمر الذي  يُرْتَجـى  مَلِـيّ
و إنَّ  أمرأً يرمي  قصـيٌّ  وراءه         عزيز الحمى، و الناس من غالب قصي
 
      و كان خالد بن سعيد غائبا، فقدم فأتى عليَّاً فقال: هلمَّ أبايعك، فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك. و اجتمع جماعة  إلى علي بن أبي طالب  يدعونه إلى البيعة له، فقال لهم  اغدوا على هذا مُحَلِّقين الرؤوس. فلم يغد عليه إلا ثلا ثة نفر.
      و بلغ أبا بكر و عمر أن جماعة من المهاجرين و الأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله، فأتوا في جماعة حتى هـموا على الدار، و خرج علي و معه السيف، فلقيه عمر، فصارعه عمر فصرعه وكسر سيفه، و دخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت: والله لتخرجنَّ أو لأكشفنَّ شعري و لأعجنَّ إلى الله! فخرجوا و خرج من كان في الدار و أقام القوم أياما. ثم جعل الواحد بعد الواحد يبايع، ولم يبايع علي إلا بعد ستة أشهر و قيل أربعين يومـاً))[41].
      ثم يذكر "اليعقوبي" بعد ذلك فصلا في خلافة أبي بكر يشير فيه إلى أن الأنصار  اعتزلوه أول الأمر، فغضبت لذلك قريش فتكلم خطباؤها، و قدِم عمرو بن العاص فقالت له قريش: قم فتكلم بكلام تنال فيه من الأنصار! ففعل ذلك، فقام الفضل بن العباس فرد عليهم، ثم صار إلى علي، فأخبره وأنشده شعرا قاله، فخرج عليٌّ مغضبا حتى دخل المسجد، فذكر الأنصار  بخير،و ردَّ على عمرو بن العاص قوله [42][11]، فلما علمت الأنصار  ذلك سرها و قالت: ما نبالي بقول من قال مع حُسْنِ قول عليٍّ. ثم اجتمعت الأنصار إلى حسان بن ثابت فقالوا: أجب قريشا وسألوه أن يذكر و يمدح في شعره عليا ففعل [43][12].
      أما الزبير بن بكار فيروي، في كتابه "الأخبار الموفقيات" (الصفحة 58)، ندَمَ كثيرٍ من الأنصار على بيعتهم لأبي بكر على النحو التالي: (( حدثنا محمد بن موسى الأنصاري المعروف بابن مخرمة قال: حدثني إبراهيم بن سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قال: لما بويع أبو بكر و استقر أمره ندم قوم كثيرٌ من الأنصار على بيعته و لامَ بعضهم بعضا و ذكروا علي بن أبي طالب و هتفوا باسمه و إنه في داره ، فلم يخرج إليهم. (أي لم يؤيدهم في ذلك واستمر على بيعته لأبي بكر))[44][13] .

 
 

بيعة أمير المؤمنين علي عليه السلام أبي بكر رضي الله عنه كما يرويها ابن قتيبة

     ينقل ابن قتيبة  في " الإمامة و السياسة" مبايعة الإمام علي لأبي بكر رضي الله عنه على النحو التالي: يقول: ((... ثم إن عليا كرَّم الله وجهه أتي به إلى أبي بكر رضي الله عنه و هو يقول: أنا عبد الله و أخو رسوله، فقيل له: بايع أبا بكر، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم و أنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، و تأخذونه منا أهل البيت غصبا ؟ ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الأمارة، و أنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى برسول الله حيا و ميتا، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون و إلا فبوءوا بالظلم و أنتم تعلمون. فقال له عمر: إنك لس متروكا حتى تبايع، فقال له علي: احلب حلبا لك شطره [45][14] و اشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا. ثم قال: و الله يا عمر لا أقبل قولك و لا أبايعه[46][15]. فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أكرهك، فقال أبو عبيدة الجراح لعلي كرم الله وجهه: يابن عم إنك حديث السن و هؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم و معرفتهم بالأمور و لا أرى أبا بكر  إلا أقدر على هذا الأمر منك، وأشد احتمالا و اضطلاعا به، فسلِّم لأبي بكر رضي الله عنه  هذا الأمر فإنك إن تعش ويطُلْ بك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق و به حقيق، في فضلك و دينك وعلمك و فهمك، و سابقتك و نسبك وصهرك. فقال علي كرم الله وجهه: الله الله يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره، وقعر بيته، إلى دوركم و قعور بيوتكم، و لا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين، لنحن أحق الناس به، لأنا أهل البيت و نحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه  لَفِينا فلا تتبعوا الهوى فيضلكم عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد الأنصاري: لو كان هذا الكلام سمعَتْهُ الأنصار  منك قبل بيعتها لأبي بكر رضي الله ، ما اختلف عليك اثنان[47][16]. وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله رضي الله عنه على دابة ليلا في مجالس الأنصار، تسألهم النصرة،  فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، و لو أن زوجكِ و ابن عمكِ سبق إلينا قبل أبي بكر رضي الله عنه  ما عدلنا عنه، فيقول علي كرم الله وجهه: أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  في بيته لم أدفنه، و أخرج أنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، و لقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم))[48][17].
      هذه هي قصة سقيفة بني ساعدة كما روتها كتب السيرة و التواريخ الإسلامية القديمة المعتمدة، و لا خلاف لها فيما روته كتب الشيعة القديمة اللهم إلا النذر اليسير، و ليس في أي منها أي ذكر لغدير خم و لا لاحتجاج الإمام علي به!، إلى أن ظهر ذلك في كتاب شيعي ( متأخر) هو كتاب "الاحتجاج على أهل اللجاج" للطبرسي[49][18] ضمن رواية، خاطئة تاريخيا، حيث يقول: [... فقال بشير بن سعد الأنصاري الذي وطَّأ الأرض لأبي بكر رضي الله عنه و قالت جماعة الأنصار: يا أبا الحسن لو كان هذا الأمر سمِعَتْهُ منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر رضي الله عنه ما اختلف فيك اثنان، فقال علي عليه السلام: يا هؤلاء! أكنت أدع رسول الله مسجى لا أواريه، و أخرج أنازع في سلطانه ؟ والله ما خفت أحدا يسمو له، و ينازعنا أهل البيت فيه، و يستحل ما استحللتموه، و لا علمتُ أن رسول الله (ص) ترك يوم غدير خُم لأحد حجة، و لا لقائل مقالا، فأُنشِدُ اللهَ رجلا سمع النبيَّ يوم غدير خم يقول " من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله " أن يشهد الآن بما سمع. قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر رجلا بدريا [50][19]بذلك و كنت ممن سمع القول من رسول الله (ص) فكتمتُ الشهادة يومئذ فدعا علِيٌّ علَيَّ فذهب بصري ][51][20].
      قلتُ: نسبة احتجاج أمير المؤمنين (ع) بقضية غدير خم، الذي رواه زيد بن أرقم، إلى عهد أبي بكر، أمر يخالف التواريخ المسلمة التي يبدو أن واضع هذه الرواية كان عديم الاطلاع عليها، فقد ذكرت المصادر التاريخية الموثقة ـ (كما جاء ذلك مفصلا في بحار الأنوار: ج22/ص32 ، و الجزء الأول من كتاب الغدير) ـ أن استشهاد علي بواقعة الغدير وكتمان أو عدم كتمان زيد بن أرقم[52][21]، إنما حدث في رحبة الكوفة بعد ثلاثين عاما (من قصة السقيفة) في زمن خلافة أمير المؤمنين أثناء نزاعه مع معاوية، بهدف إثبات أن الحق معه و ليس مع معاوية (لا بهدف إثبات النص الإلهي على خلافته!) و بهدف تشجيع المؤمنين على النهوض في قتال ابن أبي سفيان الذي نصب الحرب لعلي بغير حق، فذكَّرهم بواقعة الغدير كدليل وشاهد نبوي قاطع على أنه صلى الله عليه وسلم أمر بنصرته و موالاته و معاداة من عاداه وحاربه: ((اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و... )). و ليس لهذا أي علاقة بموضوع النص على علي بالخلافة من قِبَلِ الله تعالى.
      هذا بالإضافة إلى أن كتاب الاحتجاج الذي ذكر في تلك الرواية الضعيفة[53][22] أن اثني عشر بدريا قاموا و شهدوا بما استشهدهم عليه أمير المؤمنين، ذكر رواية أخرى تخالفها حيث تبين احتجاج أولئك الاثني عشر (على أبي بكر) دون أن يأت في كلام أي واحد منهم أي ذكر أو احتجاج بغدير خم بل كل ما جاء في كلامهم أنهم بعد استئذانهم من أمير المؤمنين بالكلام قالو له: " يا أمير المؤمنين! تركت حقا أنت أحق به و أولى منه لأنا سمعنا رسول الله يقول: علي مع الحق و الحق مع علي" و هذه الجملة بحد ذاتها لا تؤدي الغرض و لا تثبت النص على علي بالإمامة، بل أكثر ما يفيده ظاهرها أنه (ع) أكثر استحقاقا و لياقة بذلك المنصب من أي أحد آخر.
 

ما جاء في هذا الباب في كتب الشيعة

     1 ـ كما ذكرنا، يتفق ما رواه الطبرسي في كتابه الاحتجاج  ـ و هو من كتب الشيعة ـ عن قصة السقيفة و بيعة المهاجرين و الأنصار لأبي بكر رضي الله عنه، مع ما جاء في كتاب الإمامة و السياسة لابن قتيبة المقبول عند أهل السنة أيضا.
      2 ـ كما رُوِيَت قصة السقيفة و البيعة لأبي بكر رضي الله عنه في كتاب " إثبات الوصية " المنسوب للمسعودي، و الذي يعتبرونه من كتب الشيعة المعتمدة، كما نقل عنه ذلك العلامة المجلسي [54][23] ( محمد باقر بن محمد تقي ) في "بحار الأنوار" [55][24] فقال: (( و اتصل الخبر بأمير المؤمنين بعد فراغه من غسل رسول الله و و تحنيطه وتكفينه و تجهيزه و دفنه بعد الصلوة عليه مع من حضر من بني هاشم و قوم من صحابته مثل سلمان و أبوذر و مقداد و عمار و حذيفة وأُبيّ بن كعب و جماعة نحو أربعين رجلا. فقام (أي علي) فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: إن كانت الإمامة في قريش فأنا أحق بها من قريش و إن لم تكن في قريش فالأنصار على دعويهم، ثم اعتزلهم و دخل بيته )) [56][25].
      و إذا لاحظنا بدقة ما جاء في هذا الكتاب الذي عنونه صاحبه بـِ" إثبات الوصية "  أي الوصية بالخلافة لعلي، لا نجد فيه أي ادعاء من علي بأنه قد نصب لمقام الخلافة من قبل الله و الرسول، بل كان الاستناد في الدعوى لموضوع قبلي فحسب حيث قال: إن كانت الخلافة في قريش فأنا أحق بها من أي أحد من قريش، في حين يجب القول أن عليا أولى بها من جميع الناس على الإطلاق لا لكونه منصوبا من جانب الله و الرسول بل لكونه أليق و أعلم و أتقى و أسخى و أشجع من سائر الصحابة، و هي الصفات المطلوبة في كل خلفاء المسلمين.
      3 ـ و يروي الشيخ الطوسي[57][26] في الصفحة 394 من كتابه "تلخيص الشافي" [58][27] ـ كما نقل ذلك عنه المجلسي في الصفحة 63 من المجلد الثامن من "بحار الأنوار" [59][28]ـ قصة السقيفة و البيعة لأبي بكر رضي الله عنه فيقول: ((...عن أبي مخنف عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمر الأنصاري قال: أن النبي صلىالله عليه وآله لما قُبِضَ اجتمعت الأنصار  في سقيفة بني ساعدة فقالوا: نُوَلِّي هذا الأمر من بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم : سعدَ بن عبادة، و أخرجوا سعدا إليهم وهو مريض فلما اجتمعوا قال لابنه أو لبعض بني عمه: إني لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلامي و لكن تلقَّ مني قولي فأَسْمِعْهم، فكان يتكلم، و يحفظ الرجلُ قولَه فيرفع به صوته ويسمِع أصحابه، فقال بعد أن حمد الله و أثنى عليه، يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين و فضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب..(إلى آخر كلامه) ))، ثم لما شعر الأنصار باحتمال عدم قبول قريش لذلك قالوا: (( منا أمير ومنكم أمير و لن نرضى بدون هذا أبداً، فقال سعد بن عبادة لما سمعها: " هذا أول الوهن " و أتى عمرَ الخبرُ فأقبل إلى منزل النبي (ص) فأرسل إلى أبي بكر وأبو بكر في الدار و علي عليه السلام في جهاز النبي صلىالله عليه وآله... إلخ.))
      و يروي نفس قصة السقيفة التي انتهت بالبيعة لأبي بكر رضي الله عنه، دون أن نجد في القصة أي كلام عن نصب الإمام علي خليفة من قبل الله و رسوله أو عن قصة الغدير.
      و لقد جاءت في بعض كتب الشيعة الأخرى قصص و روايات مختلفة أخرى أيضا عن قضية السقيفة و موضوع الخلافة و البيعة لأبي بكر رضي الله عنه ومعارضة حضرة علي عليه السلام و رد فعل مؤيدي أبي بكر رضي الله عنه تجاه معارضة علي و سنتعرض لهذه الروايات في حينها إن شاء الله. أما ما يلزم التذكير به هنا، أنه خلال حادثة السقيفة و المحاججات التي جرت فيها و بعدها (طبقا لما روته كتب الشيعة والسنة)، لم يأت أي ذكر لقضية غدير خم أو لكون علي منصوب من قبل الله ورسوله للإمامة و خلافة الرسول، لا من قِبَل أصحاب الرسول (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) و لا من قِبَل المتحزِّبين لعليٍّ، مع أن المدة بين حادثة غدير خم و وفاة رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) لم تزد عن 70 يومٍ فقط! حيث أن قضية الغدير ـ طبقا لكل التواريخ و لإجماع الشيعة ـ وقعت في 18 من ذي الحجة سنة 10 للهجـرة أثناء عودة الرسول (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) من حجة الوداع، مع اتفاقهم على أن وفاة رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) وقعت في 28 من صفر سنة 11 للهجـرة [60]
      فلو أن حادثة الغدير كانت حقا على النحو الذي يدعيه المدعون من أن رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)  قام خطيبا في غدير خم، فيما يزيد على مائة ألف من أصحابه الذي جاؤوا معه لحجة الوداع، فخطب بهم خطبة طويلة مفصلة نصب فيها عليا خليفة له و إماما للمسلمين و أخذ له البيعة من الحاضرين جميعا، بل حتى في بعض الروايات أنه توقف في ذلك المكان ثلاثة أيام، ليأخذ البيعة له من جميع أفراد الأمة حتى من النساء ، و أن حسان بن ثابت أنشد أبيات من الشعر في هذه المناسبة[61][30] ، بالإضافة لقولهم أن رسول الله ذكَّرَ أكثر من مرَّةٍ بنصبه للإمام علي ـ بأمر الله تعالى ـ أميرا و خليفة له عليهم، و أكد ذلك الأمر حين وفاته (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)، ليزيده استحكاما، و رغم كل ذلك وبمجرد وفاته (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)  لم يأْبَهْ أصحابه ـ باستثناء قلة نادرة لا يزيد تعدادها على أحسن الأقوال عن أربعين رجل ـ لكل هذه التأكيدات و الأوامر الإلـهية و لم يُعِيْروها أي اهتمام و لا أشاروا إليها أدنى إشارة، بل سارعوا للعمل على اختيار خليفة من بينهم، ففي البداية رشّح الأنصار و أهل المدينة سعد بن عبادة رضي الله عنه لخلافة رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) و تحركوا لنصبه فتقدَّم المهاجرون بدورهم و قَلَبوا الأمر على الأنصار معتبرين أنفسهم أليق و أحق بمقام الخلافة منهم و حازوا فعلا منصب الخلافة بعد احتجاجاتهم التي تقدم ذكرها، و لم يأتوا في كل ذلك بأي ذكر على الإطلاق للإمام علي و خلافته المنصوص عليها ولا لقضية غدير خم و أخذ الرسول البيعة منهم لعليّ؟؟!  إنها قصة عجيبة حقا تفوق السحر و المعجزة لأنها من عالم المستحيلات التي يستحيل حدوثها في عالم البشر، و لم يقع لها نظير في تاريخ الدنيا! و لا يمكن لأي مجنون فضلا عن ذي العقل السليم أن يصدق مثل هذا الأمر.
      كيف، و لو اجتمع مسافران في طريق سفرٍ، فتناولا مع بعض قدحا من الشاي و تبادلا شيئا من الحديث، لاستحال أن ينسيا تماما ما حصل بينهما بعد 70 يوم و لا يذكرا هذا الاجتماع في أي مناسبة طوال حياتهم!!
      فكيف أمكن لمائة ألف أو يزيدون جمعهم في مكان واحد أمر على هذه الدرجة من الأهمية كالبيعة التي لها عند المسلمين و العرب بشكل خاص أهمية لا يضاهيها في أهميتها شيء، أن يتناسوها تماما أو يجحدوها بعد سبعين يوم فقط لدرجة أن أحدا منهم لا يذكر شيئا منها طوال عمره ؟ إن مثل هذا الاتفاق لم يحدث في أي ملة من الملل.
       و الأعجب من ذلك أنه حتى أولـئك الأربعين شخصا مورد الادعاء الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه، لم يتكلموا أبدا عن شيء اسمه نص على علي عليه السلام  أو تعيين له من قبل الله و رسوله و لا احتجوا أصلا بشيء من هذا القبيل، بل لم تكن حجتهم إلا أنهم اعتبروا عليا أحق و أولى بهذا المقام، و حتى أولـئك البدريين الاثني عشر الذين احتجوا على أبي بكر رضي الله عنه ـ طبقا لما ذكره الطبرسي في كتابه الاحتجاج ـ و اعترضوا على خلافته، لم يحتجُّوا بغدير خم. و كذلك لم ينقل عن أحد من الذي انفصلوا عن القافلة المتجهة للمدينة ـ بعد سماعهم خطبة الغدير ـ و انطلق كل منهم في طريقه إلى موطنه، و لم يكن لهم دوافع المهاجرين المقيمين في المدينة، لم يسمع عن أحد منهم اعتراضا عندما وصل إليهم نبأ اختيار أبي بكر للخلافة أو تعجبا من أنه كيف صار خليفة مع أن علياً هو الذي نصبه الرسول عليه الصلاة والسلام للخلافة؟ لماذا لا نرى في كتب التاريخ أي أثر لمثل هذا الاعتراض أو رد الفعل؟؟!
      مثل هذا الاتفاق على الكتمان و التوحد على النسيان الذي ادُّعي حصوله في أمة الإسلام بعد رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)  ليس له حقا نظير في أي أمة في التاريخ!!  و الأعجب من ذلك أن عليا عليه السلام نفسه أيضا لم يُشِر إلى شيء من هذا الباب و لا احتج به!  إذن هذا يدل على أنه في الغدير لم يكن هناك نص على الخلافة. و للأسف لُفِّقَتْ في كتب الشيعة مطالب حول هذه القضية وخُلِطت أمور بعيدة عن العقل و المنطق ينكرها الوجدان ويأباها الإنصاف.

نظرة إلى روايات ارتداد جل أصحاب الرسول (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)

        أخرج الشيخ المفيد[62][31] في كتابه الاختصاص بسنده: (( عن محمد بن الحسن الصفَّار عن محمد بن الحسين عن موسى بن سعدان عن عبد الله بن القاسم الحضرمي عن عمرو بن ثابت: قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن النبي صلى الله عليه وآله لما قُبِضَ ارتد الناس على أعقابهم كفارا إلا ثلاثا: سلمان والمقداد و أبوذر الغفاري، إنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، جاء أربعون رجلا إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقالوا: لا والله لا نعطي أحدا بعدك طاعة أبدا، قال: و لم ؟ قالوا: إنا سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وآله فيك يوم غدير [خم]، قال: وتفعلون ؟ قالوا: نعم، قال: فأتوني غدا مُحَلّـِقِين، فما أتاه إلا هؤلاء الثلاثة! قال: وجاءه عمار بن ياسر بعد الظهر،  فضرب يده على صدره ثم قال له: ما لك أن تستيقظ من نوم الغفلة، ارجعوا فلا حاجة لي فيكم، أنتم لم تطيعوني في حلق الرأس فكيف تطيعوني في قتال جبال الحديد؟ )) [63][32].
        قبل أن نتعرض لرواة هذا الحديث المفترى، من الضروري أن ننبه إلى أن متنه يتضمن إشكالا كبيرا جدا لا يتفق حتى مع الروايات التاريخية المسلمة عند الشيعة،  ذلك أنه لم يذكر في عداد الذي استثناهم من الارتداد، العباس بن عبد المطلب عم علي عليه السلام و لا أبناء العباس عبد الله و الفضل وقُثَـم، و لا خالد بن سعيد بن العاص و البراء بن العازب و حذيفة بن اليمان و أبو الهيثم التيهان و ... و الكثيرين الآخرين الذي تروي نفس كتب الشيعة أنهم كانوا ـ في موضوع الخلافة بعد رسول الله ـ من المؤيدين لخلافة علي و من المخالفين ـ في ابتداء الأمر ـ لخلافة أبي بكر، لدرجة أن بعضهم اعتصم في بيت فاطمة عليها السلام إظهارا لرفضه و عدم رضائه عما تم [64][33] !  فما ندري ما هو ملاك الارتداد و عدمه عند واضع هذا الحديث؟؟!   فإن قيل أن هؤلاء إنما اعتبروا مرتدين لأنهم إنما أيدوا عليا لسبب آخر غير الاعتقاد بأنه منصوص عليه؛ لوجب إذن في هذه الصورة اعتبار سلمان والمقداد أيضا من المرتدين لأنهم ـ كما سنرى فيما بعد [65][34] ـ  لم يكونوا يعتقدون بالنص على علي!  أما لو كان ملاك الإيمان و عدمه (أي الاتدراد) هو مساندة وتأييد خلافة علي و عدمه ، فإن عدد غير المرتدين لا يتناسب مع عدد الثلاثة أو السبعة المذكور في الحديث!!  حقا إن حبل الكذب لقصير كما يقولون.  و الآن لنأت لفحص السند المتهاوي لهذا الحديث و أضرابه:
        إن راوي هذا الحديث الموضوع المشحون بالكذب الموجد للشحناء بين المسلمين و المجتث لجذور الوحدة بينهم هو "عبد الله بن القاسم الحضرمي" الموصوف عموماً في كتب رجال الشيعة بأنه: [ كذاب غال يروي عن الغلاة لا خير فيه و لا يُعْتَدُّ بروايته ].
        1ـ أما رواة و رجال هذا الحديث من أوائل علماء الشيعة بعد الغيبة فلن نبحث فيهم الآن و سنبدأ من "موسى بن سعدان الذي عرَّفَتْه كتب الرجال الشيعية بما يلي:
 أ ـ  في كتاب الرجال للنجاشي[66][35]، في الصفحة 317: [ موسى بن سعدان الحناط، كوفي روى عن أبي الحسن في مذهبه غلوّ.]
ب ـ في كتاب "مجمع الرجال" للقهبائي[67][36] قال: [ (غض)[68][37] موسى بن سعدان الحناط:  كوفي روى عن أبي الحسن، ضعيف في مذهبه غلـوّ.]
 ج ـ في كتاب "خلاصة الأقوال في معرفة الرجال" للعلامة الحلي[69][38]: جاء ذكر موسى بن سعدان في الصفحة 375 من القسم الثاني من الكتاب المخصص للضعفاء و الغلاة و قال عنه الحلي: [ ضعيف في مذهبه غلو.]
د ـ في كتاب الرجال لابن داوود الحلي[70][39]: ذكر المؤلف اسمه في الصفحة 545 في عِداد الضعفاء و المجروحين و المجهولين.
هـ ـ و أخيراً ذكره الشيخ محمد طـه نجف[71][40] في الصفحة 376 من كتابه "إتـقان المقال في أحوال الرجال" في القسم الثالث المخصص للضعفاء.
        2 ـ أما عن الحال الوخيمة للمدعو "عبد الله بن القاسم الحضرمي" فجاء ما يلي:
1)  قال النجاشي عنه في الصفحة 167 من كتابه الرجال: [ عبد الله بن القاسم الحضرمي المعروف بالبطل، كذاب غال يروي عن الغلاة، لا خير فيه و لا يُعتَدُّ بروايته ]
2) و قال القهبائي في الصفحة 34 من الجزء الرابع من كتابه " مجمع الرجال ": [ (غض) عبد الله بن القاسم البطل الحارثي، كذاب، غال، ضعيف، متروك الحديث، معدولٌ عن ذكره. و أيضا عن ( الغضائري ): عبد الله بن القاسم الحضرمي: كوفي ضعيف أيضا غال متهافت لا ارتفاع به. ] 
3) و قال الشيخ الطوسي في الصفحة 357 من كتابه "الرجال": [ عبد الله بن القاسم الحضرمي، واقفي.]
 و يقول العلامة الحلي في "الخلاصة": [ عبد الله بن القاسم الحضرمي من أصحاب الكاظم واقفي، و هو معروف بالبطل و كان كذابا، روى عن الغلاة، لا خير فيه و لا يُعتَدُّ بروايته و ليس بشيء و لا يُرْتَفَع به.]
4) و قال ابن داود في "الرجال": [ عبد الله بن القاسم الحضرمي المعروف بالبطل، واقفي كذاب غال يروي عن الغلاة و لا خير فيه و لا يعتد بروايته، ليس يشيء.]
5) و قد وُصِفَ بعين هذه الأوصاف في  "إتقان المقال"  لطـه نجف (صفحة  36)  و "نقد الرجالللتفرشي[72][41] (الصفحة 204) و "منهج المقالللميرزا الإسترآبادي[73][42].
        3ـ أما عمرو بن ثابت الذي روى عبد الله هذا، عنه، هذا الحديث:
1) فقال عنه القهبائي في مجمع الرجال (ص 257): [ (غض) عمرو بن ثابت بن هرمز أبو المقدام مولى بني عجل، كوفي ضعيف جدا.]
2) و ذكره العلامة الحلي في الصفحة 241 من "خلاصة الرجال" في القسم الثاني المخصص للضعفاء و قال: [عمرو بن ثابت ضعيف جدا، قاله الغضائري أما باقي كتب الرجال فقد توقفت في شأنه، و على أي حال يكفي للحكم بوضع و كذب ذلك الحديث وجود عبد الله بن القاسم الكذاب في سنده.
        و هناك رواية ثانية في هذا الباب أخرجها أيضا المفيد في نفس كتابه المذكور فقال:
[ عن الحرث بن المغيرة قال: سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله عليه السلام فلم يزل يسأله حتى قال: فهلك الناس إذا ؟  فقال: إي والله يا ابن أعين، هلك الناس أجمعون، قلت: أهل الشرق والغرب ؟ قال: إنها فُتحت على الضلال، إي والله هلكوا إلا ثلاثة نفر: سلمان الفارسي و أبو ذر و المقداد، و لحقهم عمَّار، و أبو ساسان الأنصاري، و حُذَيفة، وأبو عمرة فصاروا سبعة ] [74][43].
        قلتُ: أصل هذه الرواية عند الكِشِّي[75][44] في كتابه "الرجال" [76][45] (ص 13) بالسند التالي: (( محمد بن مسعود قال: حدثني علي بن الحسن بن فضال قال: حدثني العباس بن عامر و جعفر بن محمد بن حكيم عن أبان بن عثمان عن الحرث بن المغيرة البصري قال: سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله ..إلخ الحديث بعينه))[77][46] فلنر حال رجال سندها:
1) أما علي بن الحسن بن فضال، فقد بينا في كتابنا الزكاة [78][47] سوء حاله وطعن علماء الرجال فيه و تضعيف فقهاء الشيعة له، إلى درجة أن صاحب "السرائر"[79][48] قال عنه في باب تقسيم الخمس من كتابه ( الصفحة 115): [واقفي[80][49] و كافر و ملعون!  هو و أبوه رأس كل ضلال].
2) أما جعفر بن محمد بن حكيم، فقد ذكر الشيخ الماماقاني [81][50] في الصفحة (223) من كتابه "تـنـقيح المقال" عن رجل من أهل الكوفة أنه قال: [ و أما جعفر بن محمد بن حكيم فليس بشيء ].
و أما أبَّان بن عثمان:
1) فقال عنه العلامة الحلي في الصفحة 21 من الخلاصة أنه [ فاسد المذهب لأنه من الناووسية [82][51] ].
2) و قال المحقق الحلي[83][52] في كتابه "المعتبر": [ في أبَّان بن عثمان ضعفا ].
3) كما اعتبره الكشي في كتابه "الرجال" (الصفحة 3) من الناووسية.
4) و نقل فخر المحققين[84][53] عن أبيه العلامة الحلي أنه كان يقول: [ الأقرب عدم قبول روايته لقوله: إن جاءكم فاســق بنبأ فـتبينوا، و لا فسـق أعظم من عدم الإيمان ].
        بمثل هذه الروايات و مثل أولـئك الرواة شوهوا و بدلوا دين الله حتى صارت مثل هذه الروايات المثيرة للفتنة الموجدة للعداوة، و يا للأسف الشديد، على لسان كل شيخ جاهل و كل خرافي متعصب خال من حقيقة الإيمان.
        كذلك أورد المجلسي في المجلد الثامن من بحار الأنوار (ص 47) نقلا عن رجال الكشـي: ((عن علي بن الحكم عن ابن عمـيرة عن أبي بكر الحضـرمي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: ارتد الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان و أبو ذر والمقداد. قال: قلت: فعمار ؟ قال ( أي أبو جعفر الباقر ) قد كان حاص حيصة ثم رجع!...))[85][54]
        سند هذا الحديث أيضا ليس بأحسن حالا من سند الحديثين السابقين، ومن المسلم به أن مثل هذه الأحاديث، من وضع أعداء الإسلام، ليس لإثارة العداوة و بث الاختلاف و الفرقة بين المسلمين فحسب بل لاجتثاث جذور الإيمان بالله تعالى و برسوله (صلىالله عليه وآله وسلم) و بالقرآن الكريم، كما سيأتي توضيح هذا المدعى عن قريب إن شاء الله.
        و أيا كان فمثل هذه الأحاديث لا تستحق السماع حتى لو كان راويها سلمان الفارسي بذاته و العياذ بالله، لأنها مخالفة لصريح آيات القرآن ولحكم الوجدان و لاتفاق أهل الإيمان، و لا يمكن لمن يؤمن بالله و رسوله و يعتقد أن القرآن منزَّل من عند الله أن يلتفت لمثل هذه الأحاديث حتى و لو كان راويها بصدق أبي ذر و سلمان، بل يجب عليه أن يكذِّب و يعارض و يعادي هذه الأحاديث بكل ما أوتي من قوة و استطاعة، و أن يعتبر واضعها والمعتقد بمضمونها كافرا و عدوا لله و رسوله؛ ذلك أن رب العالمين، مدح وأثنى على مسلمي الصدر الأول، أعني أصحاب النبي المختار الذين يشكل المهاجرون و الأنصار أعلامهم و زبدتهم، في أكثر من خمسين آية من آيات القرآن، كما أن سيرة و حياة أولـئك الكرام تدل على أن عامتهم إنما دخلوا في الإسلام عن إيمان قلبي ورغبة صادقة، و قدموا في سبيل نصرته أكبر التضحيات إلى حد بذل الروح و ترك الديار و العشيرة و الأقرباء و الهجـرة و البعد عن الوطن و اللجوء لبلدان مخالفة لدينهم كما لجأ المهاجرون إلى الحبشة التي كانت بلدا نصرانيا مخالفا للإسلام ظاهرا، و كم من المصاعب و المشقات تحملوا في سبيل إيمانهم و عقيدتهم وإسلامهم مما سيأتي  شرحه، بعون الله، على صفحات هذا الكتاب إن شاء الله.
          فأي مؤمن بالله و رسوله، بل أي عاقل وجداني منصف، حتى لو لم يكن مسلما، يمكنه أن يصدِّق أن مثل أولـئك الرجال المؤمنين الأبطال، لا يهتمُّون بعد رسول الله بنصوص الله و لا بتعيينات رسول الله، بل يغصبون حق عليٍّ القطعي و المعين المنصوص عليه، و يعطونه لأبي بكر، لا  لأجل شيء أبدا سوى لسواد عيني أبي بكر(!)، الذي لم يكن يملك آنذاك أي قوة مادية أو سلطان قبائلي أو قوة عشائرية أو ارتباط ( و دعم ) من دولة أجنبية!  ذلك أنه لو فرضنا أنه كان لأبي بكر رضي الله عنه مصلحة في القضية، فلم يكن لصحابة رسول الله الكرام من الأنصار  و المهاجرين أي فائدة أو مصلحة في الأمر.
          أما ما يدَّعيه بعض المغرضين و يصدِّقه بعض عديمي الاطلاع بأن عليا لما كان قد قتل عددا كبيرا من أعداء الإسلام حتى كانوا يسمُّونه ( قـتَّال العرب ) ولم يكن بيت من بيوت العرب لم يصب بأحد أفراده على يد ذلك الجناب، لهذا السبب عملت الأحقاد التي كانت في الصدور عملها و جعلتهم يغمضون أعينهم عن كل نصوص الله و نصوص رسول الله تلك، مما أدى لغصب حق عليٍّ!  فيجب القول بأن هذا الادعاء كاذب تماما و ينبئ عن إغراض صاحبه أو جهله، لأن عليا عليه السلام إذا كان قد قتل كثيرا من المشركين فإن أيا ممن قتلهم لم يكن من ذوي المهاجرين و الأنصار  الذين كانوا هم المؤسسسون لبيعة أبي بكر رضي الله عنه ، وحتى لو فرضنا أن بعض المهاجرين كان لهم أقرباء قَتَلَهم عليّ  ـ مع أننا لا نعلم أحدا كذلك ـ  فإنه من المحال أن يحقد المؤمنون المهاجرون ـ الذين كانوا هم أنفسهم يقتلون آباءهم و إخوانهم بأيديهم في سبيل رضى الله و لبقاء الإسلام ـ  على عليٍّ لقتله بعض قرابتهم من المشركين!  
          نعم كان علي قد قتل من كفار قريش بعضا ممن التحق أقرباؤهم بالنهاية  بالمسلمين، و مثل هؤلاء يحتمل أن يكون قد بقي في صدورهم حقد تجاه ذلك الجناب، و من أعلام هؤلاء أبو سفيان الذي قتل علي أبا زوجته وأخاها ؛ لكن مثل هؤلاء لم يكن لهم حق و لا دور في انتخاب الخليفة لأن ذلك الحق كان خاصا بالمهاجرين و الأنصار  و مجاهدي بدر و أحد و ما كان لأولـئك الطلقاء أن يدخلوا في صفوفهم، هذا بالإضافة إلى أن أبا سفيان كان على العكس، من الذين عارضوا بيعة أبي بكر و تحزبوا ـ حسب الظاهر ـ لعلي! 
         إذن، الادعاء بأن المهاجرين و الأنصار، الذين كانوا المؤسسين للبيعة لأبي بكر، قد أنكروا نصا إلـهيا على علي عليه السلام، و لم يذكروا اسمه في هذه القضية عمدا و ارتدوا بذلك بعد رسول الله إلا ثلاثة نفر ـ (مع أن اثنين من أولـئك الثلاثة ليسا لا من المهاجرين و لا من الأنصار) ـ ادعاء مناقض لصريح آيات القرآن، ولا أعتقد أن أي مؤمن يسمح لنفسه بمعاندة القرآن و مخالفته.

الآيات التي نزلت في مدح أصحاب الرسول (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)

      1 ـ قال الله I: { و مِنَ الأعـراب مـن يـؤمـن بالله و اليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله و صلوات الرسول ألا إنها قربة لهم، سيدخلهم الله في رحمته، إن الله غفور رحيم @ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار و الذين اتبعوهم بإحسـان رضـي الله عـنهم و رضوا عنه و أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } التوبة / 99 ـ 100.
      يقول الشيخ الطوسي عند تفسيره لهذه الآية في تفسيره "التبيان": [ أخبر الله تعالى أن الذين سبقوا أولا إلى الإيمان بالله و رسوله و الإقرار بهما من الذين هاجروا من مكة إلى المدينة و إلى الحبشة و من الأنصار الذين سبقوا أولا غيرهم إلى الإسـلام من نظرائهم من أهـل المدينة و الذين تبعوا هؤلاء بأفعال الخير والدخول في الإسلام بعدهم و سلوكهم منهاجهم...][86][1].           قلت: أيُّ مؤمنٍ بالـقـرآن يمكنه  ـ بعد أن يرى هذه الآيات الطافحة بالبشـارة بالرحمة والرضوان والوعد بالجنة و الفوز العظيم للمهاجرين و الأنصار، الذين هم أنفسهم المؤسسون الأصليون لبيعة أبي بكر t في السقيفة ـ أن يصدق مثل ذلك الحديث الكفر المثير للفتنة القائل:[ارتد الناس على أعقابهم كفارا إلا ثلاثة!
       الآن لنرَ بعض أولــئك المهاجـريــن الذين كانوا في بـيعـة الســقيفـة وبايعوا أبا بكر t و بقوا أوفياء لبيعتهم، ممن مدحهم الله تعالى في هذه الآيات: فأحدهم " عمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب " t من بني سعد، كان من المهاجرين الأوائل إلى الحبشة، و كانت هجـرتهم أول هجـرة في الإسلام، واستشهد في معركة القادسية في خلافة عمر t مجتهدا في سبيل الله تحت إمرة سعد بن أبي وقَّاص t[87][2]، و منهم "هبَّار بن أبي سفيان بن عبد الأسد بن مخزوم" t و قد استشهد (على أصح الأقوال) في معركة أجنادين في الشام في خلافة أبي بكر t[88][3]، و منهم أخو هبار الأخير "عبد الله بن سفيان"t الذي استشهد في الشام في معركة اليرموك في خلافة عمر t[89][4]، و غيرهم الكثير ممن لا يتسع المجال هنا لشرح حالهم.
      2 ـ و يقول سبحانه: { الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل الله بأموالهم و أنفسهم أعظم درجة عند الله و أولـئك هم الفائزون. يبشرهم ربهم برحمة منهم و رضوان و جنات لهم فيها نعيم مقيم. خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم } التوبة /20 ـ 22. أهؤلاء ارتدوا بعد رسول الله ؟! ولكي نعرف من هؤلاء الموعودون بهذا الثواب العظيم نأتي بآيات أخرى تضمنت نفس العبارات و الألفاظ:
      3 ـ يقول رب العالمين: { إن الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله و الذين آووا و نصروا أولئك بعضهم أولياء بعض } الأنفال / 72. فهؤلاء الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا، هل هم إلا المهاجرون إلى الحبشة ثم إلى المدينة ثم المجاهدون مع رسول الله ؟ و كذلك الذين آووا و نصروا، هل هم إلا أهل المدينة؟ أي أنهم نفس مؤسسي بيعة السقيفة. فهل هؤلاء ارتدوا على أعقابهم كفارا بعد رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) فعادوا للكفر و الشرك ؟!  لنسمع إجابة سورة الأنفال هذه نفسها على افتراء أولـئك المفترين و أعداء الإسلام و المسلمين، حيث يقول سبحانه: { و الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل الله و الذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقَّاً لهم مغفرة و رزق كريم } الأنفال / 74. الله الخالق، الذي يعلم الظاهر و الباطن، يقول" أولـئك هم المؤمنون حقاً "  و لكن كاتبي "الاحتجاج" و "البرهان" (أي الطبرسي والبحراني[90][5]) يملآن كتابيهما بروايات الغلاة عديمي الإيمان التي تقول: أولـئك ارتدوا بعد رسول الله إلا ثلاثة! و من القدر أن اثنين من أولـئك الثلاثة لا تشملهم الآية الكريمة من ناحية الهجـرة و الجهاد بالمال و إيواء المهاجرين!   لأن سـلـمـان وأبـا ذر لم يكونا لا من المهاجرين و لا من الأنصار، فلا هم من الذين أُخْرِجوا من ديارهم و أُجبِروا تحت ضغط العذاب و الفتنة في الدين على ترك أهلهم وديارهم و وطنهم، و لا هم من الذين أنفقوا أموالهم في سبيل الله، لأنهم كانوا فقراء، و لا هم من أهل المدينة الذين آووا و نصروا المهاجرين، و هذا أمر لا يخفى على من له معرفة بتاريخ الإسلام و سيرة أولـئك الكرام، إذ لكل منهم تاريخ معروف و سيرة واضحة يُعْلَم منها أنهم لم يكونوا من المهاجرين و لا من الأنصار[91][6]، و إليكم نبذة من سيرتهم:
      1 ـ أما سلمان الفارسي رضي الله عنه فكان من أهل أصفهان و ترك وطنه وابتعد عن أهله بحثا عن الدين الحق، و لم يكن عند ذاك متنعِّما و لا متشرِّفا بنعمة الإسلام، لذلك لا يصـح اعتباره مصـداقا لقوله تعالـى: "الذين آمنوا و هاجروا ثم سكن آخر الأمر في المدينة حيث صار عبدا لامرأة أو رجل يهودي، ثم اشتراه نبي الإسلام (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) في السنة الثالثة أو الرابعة للهجرة بعد غزوة أحد وأعتقه[92][7]. لذا فإنه t ليس فقط لم يكن مصداقا واضحا لـ  " الذين آمنوا وهاجروا " بل كذلك لم يكن مصداقا لـ " و جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم " [93][8] و لما لم يكن من الأنصار أيضا، لم يكن مصداقا لبقية الآية أي لـ "الذين آووا و نصروا".  و هذا لا يمنع أنه كان على أعلى درجات الإيمان بل كان في قمة الإيمان.
      2 ـ و أما أبو ذر رضي الله عنه فكان من قبيلة غفار، و بعد أن بُعِثَ النبي (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) و اشتهر نبؤه بين العرب و وصل خبره لأبي ذر، ذهب إلى مكة ليستطلع الأمر بنفسه، فلقي رسول الله(صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) فأسلم، و أمَرَه رسول الله بكتمان إيمانه و العودة إلى بلده إلى حين قوة الإسلام، فلما هاجر رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) إلى المدينة لحق به أبو ذر رضي الله عنه طائعا مختارا دون أن يضطره أحد إلى الهـجـرة من وطنه[94][9].
      3 ـ و أما المقداد رضي الله عنه، فمع أنه من السابقين الأولين الذين آمنوا برسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) في مكة، إلا أن هجـرته  تمَّـت بطريقة خاصة و هي أنه لما خرج كفار مكة لقتال رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) و من معه من المسلمين في المدينة، خرج المقداد متنكرا مع عتبة بن غزوان ضمن صفوف كفار قريش، و اتجه للمدينة و لحق بالمسلمين فيها. نعم كان المقداد من المهاجرين الأوائل إلى الحبشة، لذلك تشمله الآية الكريمة، و لكن سيرة المقداد t تدل على أنه لم يكن يعتقد بنص الله U على علي بالخلافة بعد رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)، يدل على ذلك ما نقله الطبري في تاريخه حين قال: [ و قال (أي عمر بن الخطاب t لما طُعِن) للمقداد بن الأسود: إذا وضعتمـوني في حفرتي فأجمع هـؤلاء الرهـط في بيـت حتـى يختاروا رجلا منهم،و قال لصهيب: صَلِِّ بالناس ثلاثة أيام، و أدخِل عليا وعثمان و الزبيـر و سـعدا و عبد الرحمن بن عوف، و طلحة إن قدم،  و قم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسة و رضوا رجلا و أبى واحد فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف، و إن اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم و أبى اثنان فاضرب رؤوسهما...(إلى قوله): فلما دُفِنَ عمر جمع المقداد أهل الشـورى في بيت المسـور بن مخرمة و يُقال في بيت المال..إلخ ] [95][10].  فقبول المقداد t لهذه المهمة دليل على عدم اعتقاده بالنص على علي بالخلافة. طبعا هذا لا يمنع أن مقدادا كان من مؤيدي و أنصار علي u و سعى لنقل الخلافة إليه بعد عمر رضي الله عنه.
      لا شك أن أولـئك الكرام الثلاثة كانوا من كبار أصحاب الرسول المختار و أجلتهم، و من المشمولين بثناء الله و رحمته و رضوانه، لكن اثنين منهم على الأقل ليسا مصاديق واضحة لتلك الآية المذكورة، و إنما ذكرنا ذلك لكي نبين فضـيحـة ذلـك الحديث المشـحـون بالكذب و الافتـراء و المـخالـف للـوجـدان والمباين لآيات الله، فالقول بارتداد كل الصحابة على أعقابهم  إلا ثلاثة ليس إلا هراء  و هذيان محض بل قريب من الكفر [96][11].
      4 ـ و قال تعالى: { لقد تاب الله على النبي و المهاجرين و الأنصار  الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم } التوبة / 117. يقول الطوسي في تفسيره: [ أقســم اللـه تعالى في هذه الآية، لأن لام لقد لام القسم، بأنه تعالى تاب على النبي و المهاجرين و الأنصار بمعنى أنه رجع إليهم و قبل توبتهم، الذين اتبعوه في ساعة العسرة، يعني في الخروج معه إلى تبوك، و العسرة صعوبة الأمر و كان ذلك في غزاة تبوك لأنـه لحقهم فيها مشـقّـة شديدة من قلة الماء حتى نحروا الإبـل و عصروا كروشها و مصوا النوى و قل زادهم و ظهرهم،..(إلى قوله): و قيل من شدة ما لحقهم هَمَّ كثير منهم بالرجوع فتاب الله عليهم...أي رجع عليهم بقبول توبتهم إنه بهم رؤوف رحيم ][97][12]  قلت: ففي هذه الآية يضع الله تعالى المهاجرين و الأنصار  في صف واحد مع النبي (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)  و يشملهم جميعا بالتوبة و الرأفة و الرحمة، إعلاما لنا أن مقام المهاجرين و الأنصار  في توبة الله عليهم مثل مقام النبي المختار (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم). فهل مثل هؤلاء صاروا مرتدين؟؟
      5 ـ { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله } آل عمران / 110. قال الشيخ الطوسي عليه الرحمة في تفسير التبيان: [ و اختلف المفسرون في المعـنـِيِّ بقوله كنتم خير أمة، فقال قوم: هم الذين هاجروا مع النبي صلىالله عليه وآله، ذكره ابن عباس و عمر بن الخطاب و السُدِّي، و قال عكرمة نزلت في ابن مسعود و سالم مولى أبي حذيفة و أُبَيّ بن كعب و معاذ بن جبل، و قال الضحاك: هم من أصحاب رسول الله خاصة... ][98][13]. و أيا كانوا فإنهم عند الله خير أمة، أما عند الغلاة المدعين لحب أهل البيت، كانوا أسوأ أمة! [99][14]. فأيهما نقبل: قول الرب سبحانه أم قول الغلاة المخالفين للقرآن؟؟
      6 ـ يقول تعالى بدأً من الآية الرابعة من سورة الفتح: { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا  إيمانا مع إيمانهم... لِيُدْخِل المؤمنين و المؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و يكَفِّرَ عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } إلى الآية 18 حيث يقول: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم و أثابهم فتحا قريبا } إلى الآية 26 حيث يقول: { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميَّة حميَّة الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى و كانوا أحق بها و أهلها و كان الله بكل شيء عليما } ثم يختتم السورة بقوله: { محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل..إلخ} الفتح /29. من كان هؤلاء المشار إليهم في هذه الآيات ؟ هل كان لهذه الآيات مصاديق في الخارج أم لا؟ هل مات جميعهم قبل وفاة رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) أم بعد وفاته؟ هل تدخلوا في اختيار الخليفة بعده (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) أم لم يتدخلوا ؟ هل جميع هذه الآيات نزلت في أولئك الثلاثة أم أنها تشمل آخرين ؟..إنها أسئلة تطرحها هذه الآيات، و الذي يحق له الإجابة عنها هو المؤمن، لا الغالي عديم الدين مثل "عبد الله بن القاسم الحضرمي"!  الذي يجب أن يجيب عن هذه الاسئلة هو المؤمن بالقرآن المعتقد أنه تنزيل رب العالمين العالم بالظواهر و البواطن، لا عبد الله بن القاسم الحضرمي (و أمثاله) الغالي الكذاب عدو الله و رسوله الذي يفتري على لسان إمام من الأئمة: ارتد الناس على أعقابهم كفارا إلا ثلاثة!.
      7 ـ و هناك آيات عديدة أخرى في مدح أصحاب رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) نشير لبعضها مثل قوله تعالى: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلهم آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله..} البقرة / 285. هل ارتد أولئـك المؤمنون بالله و ملائكته و كتبه و رسله ؟ هل كان لهذه الآية الكريمة عندما نزلت مصاديق أم لا ؟ إن كان لها مصاديق فمن كانوا ؟، أو قوله تعالى: { لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياته و يزكيهم و يعلِّمُهُمُ الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } آل عمران / 164. هل كان هناك مؤمنون منَّ الله تعالى عليهم بما ذكر ؟ و في حال وجودهم فهل ماتوا جميعا قبل رحلة رسول الله(صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)؟ هل يستطيع أحد أن يدعي مثل هذا الادعاء ؟
      8 ـ و تلك الآية الكريمة التي نزلت بحق المؤمنين المجاهدين في واقعة حمراء الأسد التي يقول الله تعالى فيها: {.. و أن الله لا يضيع أجر المؤمنين. الذين استجابوا لله و الرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم و اتقوا أجر عظيم. الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا و قالوا حسبنا الله و نعم الوكيل.  فانقلبوا بنعمة من الله و فضل لم يمسسهم سوء و اتبعوا رضوان الله و الله ذو فضل عظيم } آل عمران /171 ـ 174.
      هل مثل هؤلاء المؤمنين كان لهم وجود أم لا ؟ و إن كان لهم وجود فمن كانوا ؟ هل كانوا أولـئك الثلاثة فقط الذين لم يرتدوا بعد رسول الله، أي سلمان و المقداد و أبو ذر ؟!  هذا في حين أن سلمان لم يكن في ذلك الحين بين أولئك المؤمنين المشار إليهم في الآية أصلا لأنها نزلت في شأن مجاهدي غزوة أُحُد وسلمان لم يلتق برسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) و يُسْـلِم على يديه إلا بعد أُحُد، كما أن وجود أبي ذر رضي الله عنه  بينهم ليس مؤكداً، إذن من هم الذين يمدحهم الله في هذه الآيات كل هذا المديح؟ و هل ماتوا جميعا قبل وفاة النبي (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)؟ الحقيقة أن اسم مجاهدي بدر و أحد مسجل في التاريخ وأكثرهم كانوا أحياء في زمن الخلفاء بعد رسول الله (صلىاللّه عليه وآله وسلّم) وسيرتهم المليئة بالفخار و العظمة مدونة معروفة.
      9 ـ أو الآيات الكريمة: { إن في خلق السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياما و قعودا وعلى جنوبهم و يتفكرون في خلق السموات و الأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار..(إلى قوله تعالى): فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر و أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم و أوذوا في سبيلي و قاتلوا و قتلوا لأكفِّرَنَّ عنهم سيئاتهم و لأدخلنَّهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله و الله عنده حسن الثواب } آل عمران / 190 ـ 195. يقول الشيخ الطوسي في تفسيره الشريف "التبيان": [ و قال (الطبري): الآية مختصة بمن هاجر من أصحاب النبي (صلّىاللّه عليه وآله) من وطنه و أهله مفارقا لأهل الشرك بالله إلى رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله) و غيرهم من تُبَّاع رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله) من الذين رغبوا إليه تعالى في تعجيل نصرهم على أعدائهم و علموا أنه لا يخلف الميعاد بذلك، غير أنهم سألوا تعجيله و قالوا لا صبر لنا على أناتك و حلمك، وقوَّى (أي الطبري) ذلك بما بعد هذه الآية من قوله فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر و أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم و أوذوا في سبيلي و قاتلوا و قتلوا...الآيات  بعدها،(يقول الطوسي) و ذلك لا يليق إلا بما ذكره و لا يليق بالأقاويل الباقية و إلى هذا أومى البلخي لأنه قال في الآية الأخرى و التي قبلها (نزلت) في الذين هاجروا إلى النبي (صلّىاللّه عليه وآله)، ثم (نزلت) في جميع من سلك سبيلهم و اتبع آثارهم من المسلمين...][100][15].
      نسأل ثانية: من هم هؤلاء الذين قال الله تعالى عنهم أنهم هاجروا وأُخْرِجوا من ديارهم و أموالهم و أوذوا في سبيله و قاتلوا و قتلوا و أنه سيدخلهم جناته ؟ إنهم نفس أولئك الذين يقول ذلك الحديث الكفر عنهم: ارتد الناس على أعقابهم كفارا إلا ثلاثة. أي قلب يؤمن بالله و رسوله و اليوم الآخر يمكنه أن يقبل بمثل هذا الكفر الصريح ؟
      10 ـ و الآية الكريمة:{ ‍للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله و رضوانا و ينصرون الله و رسوله أولـئك هم الصادقون. و الذين تبوؤ الدار و الإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا و يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } الحشر / 8 ـ 10. من كان هؤلاء الذين أُخْرِجوا من ديارهم و اضطروا لترك أموالهم طلبا لرضا الله تعالى و فضله، الذين نصروا الله و رسوله و سماهم الله بالصادقين ؟ ألم يكونوا هم أنفسهم الذين حضروا السقيفة ؟ و هل كان هؤلاء الذين تبوؤا الدار و الإيمان، والذين أحبوا المهاجرين إليهم و آووهم في بيوتهم و آثروهم على أنفسهم، إلا الأنصار الذين أتوا بسعد بن عبادة t بعد وفاة رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) إلى السقيفة و أرادوا أن يجعلوه خليفة و يبايعوه ؟

أي القولين نختار ؟

      هذه الآيات و عشرات من الآيات الأخرى[101][16] التي نزلت في كتاب المسلمين السماوي في مدح و تمجيد أصحاب رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)، وأبرزهم المهاجرون و الأنصار، أمام عيني كل مسلم عالم بالقرآن و مؤمن بما فيه ؛ تعارض بشدة تلك الأحاديث التي تدعي ارتداد جميع المسلمين وعودتهم إلى الكفر، فور رحلة رسول الله و مفارقته للدنيا، إلا ثلاثة أفراد منهم فقط!! أي الثلاثة الذين بقوا على إيمانهم بالخلافة المنصوصة لعلي!
      إن المؤمن بالله و الرسول و القرآن و القيامة لا يمكن أن يصدق تلك الأحاديث و لا ما قيل عن مخالفة المهاجرين و الأنصار  للخلافة المنصوص عليها، لأنه إما أن تكون هذه الآيات من عند الله أو لا تكون، فإن لم تكن من عند الله فالقرآن ـ و العياذ بالله ـ من اختلاق و تلفيق غير الله، و إذا صار القرآن من اختلاق و تلفيق غير الله فمعنى هذا انهدام الإسلام، المبتني على القرآن، من أساسه، و إذا انهدم و انهار الإسلام، الذي هو الأصل، فما قيمة إثبات الخلافة المنصوص عليها أو غير المنصوص عليها و ما هي إلا فرع لذلك الأصل ؟ هل هذا إلا كما قال الشاعر:
خانه از باي بست ويران اسـت            خواجه در بند نقش ايوانست
أي:    البيت خَرِبٌ من قواعده            و الخواجه مشغول بزخرفة شرفته
      و أما إن كان القرآن من عند الله، و هو قطعا كذلك، و إن كان الله سبحانه و تعالى عالم بالغيب و الشهادة عليم بذات الصدور، و هو قطعا كذلك، إذن فهو يعلم بحقيقة من يمدحه في كتابه و يبشره بالفوز و الفلاح، عندئذ يجب أن يكون موقفنا واضحا من الآيات الكثيرة مثل قوله تعالى: {و الذين آمنوا وهاجروا و جاهدوا في سبيل الله، و الذين آووا و نصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة و رزق كريم} الأنفال/74، {و أولـئك هم الفائزون} {وأولـئك هم الصادقون} {وأولـئك لهم الخيرات و أولـئك هم المفلحون} {كنتم  خير أمـة} { و ألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها و أهلها } الفتح/26 { و السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار  و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا..} التوبة/100، وعشرات الآيات الأخرى..  و نعود فنسأل هل كان لتلك الآيات مصاديق في عالم الخارج أم لا؟ فإن كان يوجد لها مصاديق فمن هم؟ ألم يكونوا نفس الذين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لنصب الخليفة؟ فهل كان الله تعالى، الذي امتدحهم و أثنى عليهم، عالما بسرائرهم وضمائرهم خبيرا بماضيهم ومستقبلهم أم لا ؟  بديهي أن الشق الثاني من السؤال لا يمكن لمؤمن بالله أن يلتزم به "تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا "! و أما إن كان عليما خبيرا، و هو قطعا كذلك، فمن يستطيع أن يدعي أن الله العليم الخبير مدحهم وأثنى عليهم (و شهد لهم بصدق الإيمان ووعدهم بالجنات و الرضوان) لكنهم ارتدوا، فور وفاة نبيهم، على أعقابهم كفارا (خونة) و جحدوا أمر الله تعالى بتأمير علي (ع) عليهم؟! [102][17].   ذلك لأن الله تعالى، الذي يعلم الغيب و يعلم فيما إذا كان عبدا من عباده سيرتكب من الأعمال في المستقبل ما يحبط أجره ويبطل سوابقه الصالحة، إذا قال عن فلان أنه مفلح و فائز و أعددت له الجنات، كان ذلك دليلا قاطعا على أن ذلك العبد لن يرتكب عملا يمنعه من الدخول في الجنة وأن عثراته ستكون مغفورة.
      لأنه من الواضح أن الإنسان العادي إذا عاشر عن قرب شخصا ما لصار على معرفة به و اطلع على خصاله و حقيقة أفكاره، فكيف يمكن لِـلَّـه الخالق العليم بذات الصدور أن لا يعرف حقيقة عبد من عباده فيمدحه و يثني عليه كل الثناء؟!
      ألم يكن الله تعالى الحكيم العليم الخبير يعلم أن أصحاب نبيه لم يكونوا مهتمين بصدق بحقائق الدين بل قبلوه قبولا ظاهريا سطحيا و متزلزلا ـ كما تدعيه الرويات التي وضعها الغلاة من الشيعة ـ بل طبقا لبعض رواياتهم كان أولـئك الصحابة في نفس زمن حياة النبي (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) قد شكلوا زمرا ومجموعات سرية و عقدوا فيما بينهم عهودا و كتبوا صحيفة ملعونة أودعوها الكعبة!!، و أنه منذ أول يوم تظاهروا فيه بالدخول في الإسلام لم يكن لهم هدف سوى الوصول للإمارة والحكومة!! و أن قلبهم كان طافحا ببغض أهل البيت وبمجرد أن ارتحل النبي ارتدوا على أعقابهم و أنكروا أهم أصل من أصول الدين وهو الإمامة المنصوص عليها من الله ؟!!  فكيف إذن أنزل تعالى في شأنهم كل آيات الثناء و المديح والشهادة بالإيمان و الفوز و الفلاح تلك؟!!  آيات تبقى خالدة إلى يوم القيامة يتلوها المؤمنون آناء الليل و أطراف النهار يحبون بسببها المهاجرين  الأنصار و يغبطونهم على إيمانهم و فلاحهم.
      أجل إن تصديق رواية ((لما قبض النبي ارتد الناس إلا ثلاثة (أو سبعة)...)) و أمثالها يؤدي إلى تكذيب جميع الآيات القرآنية الكريمة السابقة، أو إلى اتباع البدعة التي وضعها بعض أعداء الإسلام لإسقاط الكتاب المجيد عن الحجية، بادعائهم أن كتاب الله غير قابل للفهم البشري و أننا لا نستطيع أن نفهم منه المراد الحقيقي!!  و عندئذ يفتح الباب للباطنية الذين فسروا القرآن على أهوائهم فأتوا بأباطيل لم ينزل الله بها من سلطان!
      أجل إن الإصرار على صحة أمثال تلك الروايات، يلزم منه اعتبار تلك الآيات القرآنية الكريمة إما خاطئة ـ و العياذ بالله ـ أو غير مفهومة، و بالتالي ففاعل ذلك يغفل ـ أو يتغافل ـ عن أنه بإصراره على إثبات الإمامة المنصوص عليها لعلي (ع) أثبت ـ و العياذ بالله ـ بطلان معجزة الرسالة الكبرى و بالتالي أثبت كذب الإسلامِ و نبوةِ خاتم الأنبياء (صلىالله عليه وآله وسلم)!! (و وقع في المثل القائل جاء ليكحلها فأعماها!).  لأنه إذا كان رد خلافة علي ارتدادا كما تصرِّح به تلك الروايات التي تقول: لما قُبِضَ النبيّ ارتـدّ الناس على أعقابهم كفَّارا إلا ثلاثة، ونعلم أن أكثر صحابة النبي بل كلهم بقوا علي بيعتهم لأبي بكر، أي بقوا على ذلك الكفر (!!) ـ و العياذ بالله ـ  و ماتوا عليه، فطبقا لقوله تعالى: { و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر فأولـئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولـئك أصحاب النار هم فيها خالدون } (البقرة / 217) سيكونون جميعا قد حبطت أعمالهم و سيصيرون إلى نار جهنم خالدين فيها أبداً، إلا ثلاثة نفر!! أولـئك الثلاثة الذين تدل سيرتهم، للأسف أو لحسن الحظ، على أن موقفهم ورأيهم في المسألة كان نفس رأي و موقف سائر أصحاب رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)!! و ذلك أن المقدادt الذي ذكر في بعض الروايات أنه كان أثبت قدما من سلمان و أبي ذر (رضي الله عنهما) في أمر خلافة علي بعد النبي (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)، هو نفس الشخص الذي ـ طبقا لوصية عمر t ـ كان عليه مهمة التعاون والإشراف على أبي طلحة (زيد بن سهل) الأنصاري في أمر تعيين الخليفة من بين الستة: علي و طلحة والزبير و سعد و عبد الرحمن و عثمان، حيث أمر عمر t أبا طلحة أن ينظرهم ثلاثة أيام فإن اتفقوا على رجل منهم و أبى واحد أن يضرب عنقه وإن اتفق أربعة و أبى اثنان أن يضرب عنقهما و إن اختلفوا جميعا بعد المدة المحددة أن يضرب أعناقهم جميعا[103][18].
       كما أن سلمان رضي الله عنه كان واليا على المدائن من قِبَلِ عمر رضي الله لعدة سنين و لم يُؤْثَر عنه من سيرته المعروفة الواضحة، أدنى اعتراض على خلافة أبي بكر رضي الله عنه و عمر رضي الله عنه.
      فبعد كل ذلك هل يمكن لأي مسلمٍ مؤمنٍ بالقرآن أن يعير مفاد تلك الروايات أدنى التفات ؟ ألا ينبغي على كل مؤمن بالقرآن، بينه و بين الله وأمام حكم وجدانه و دينه، ـ  و عملا بالأمر الصريح لأئمة آل البيت عليهم السلام الذين أكدوا مرارا أن ما خالف القرآن من الأخبار المنقولة فهو زخرف و ليس عنهم وينبغي أن يضرب به عرض الحائط [104][19] ـ  أن يحارب و يكذِّب بشدة و بكل ما أوتي من طاقة و وسع أمثال تلك الأكاذيب و الكفريات، فما بالك لو آمن بها وصدقها ؟!
      لو ألقيت نظرة، أيها القارئ الكريم، على التاريخ الدموي المخزي المليء بالعداوة و الخصومة والفرقة، الذي أوجدته تلك الروايات و أمثالها بين المسلمين، لأدركت أن واضعي أمثال تلك الروايات، و مختلقي مثل تلك الأحاديث، هم بلا شك و لا ريب من أشد أعداء الإسلام، أو أنهم أشخاص جهلة كان يحركهم ويحرضهم أعداء الإسلام ليوقعوا الفرقة بين المسلمين، حتى يأتي مثل هذا اليوم الذي نرى فيه المسلمين، على كثرة عددهم و كون معظمهم يسكن في أفضل نقاط المعمورة، و مع وجود كل الوصايا والتأكيدات الإلـهية الآمرة بالاتحاد والاتفاق  الناهية عن الفرقة و الخلاف، على هذه الدرجة من الذلة و المهانة والضعف والتأخُّر، التي يندر أن يكون لها نظير لدى أي شعب من شعوب الدنيا تملك ما يملكه المسلمون، و أصغر نموذج على ذلك سيطرة حفنة من اليهود عليهم...
       أجل، إن كل هذا من بركات أو بالأحرى من الآثار المدمِّرة لأمثال تلك الروايات التي جذورها تنبع من تربة الكفر المبين، لكنها للأسف تُسقى بماء مذاهب إسلامية! أي مذاهب (المتطرفين الغلاة) البعيدة عن الإسلام الحقيقي و روح الدين!  مذاهب أوجدتها وابتدعتها السياسات والأهواء المختلفة: أوجدها أعداء الإسـلام أو غـذّوها و روجوا لها.

سِـِيَرُ الصحابة رضي الله عنهم أيضا مصدِّقة للآيات و مكذِّبة للروايات

      نظرة إجمالية أو تفصيلية أيضا على سِيَر صحابة رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) تبين بوضوح أنهم كانوا أهلا حقا لمديح رب العالمين  و ثنائه، فحياتهم المليئة بالفخار تدل على أنهم كانوا زبدة بني آدم.  لقد كانوا رجالا دخلوا في الإسلام دون أي تطميع أو تهديد من قِبَلِ مبلغ الإسلام و الصادع به (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)، ثم لم يؤثر فيهم و يصرفهم عن عقيدتهم أي ترغيب أو تهديد، بل كانوا ثابتي الأقدام على عقيدتهم كالجبال الشوامخ، و بالرغم من جميع أنواع التعذيب و الآلام والاضطهاد الذي كانوا يتعرضون له من قِبَلِ مخالفيهم الذين كانوا أصحاب قدرة وثروة و سلطة، حيث كان أكثر أصحاب النبي (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) من طبقة الفقراء و العبيد الذين يعيشون تحت وطأة وسلطان أسيادهم المخالفين لهم في الدين، فكانوا يُهَدَّدون من قِبَلِ أسيادهم ومالكي رقابهم بالتعذيب إلى درجة الموت، وطبقا لبعض الروايات كانوا يصبون الماء الحار على أجسامهم العارية، و يجلدونهم بأسواط الحديد حتى يتفتَّت جلدهم، أو كانوا يُدخِلون رؤوسهم في الماء حتى ينقطع نفسهم، أو كانوا يخرجونهم إلى الفلوات في حر الشمس و يضعون فوق صدورهم الصخر الثقيل و يتركونه فوقهم ثم يأمرونهم بالرجوع عن الدين الذي قبلوه أو على الأقل البراءة من محمد و دينه، و لو تقية، لينقذوا أنفسهم من العذاب (فيأبون)، و كان يوقَـد لبعضهم النار ثم يُمَرُّون عليها فلا يطفئها إلا ودك (أي شحم) بدنهم.
      خبَّاب بن الأرتّ رضي الله عنه من المسلمين الذين تحملوا أنواعا من العذاب في سبيل عقيدتهم و إيمانهم بدين الإسلام، فهو من المُعَذَّبين في الله، و لعله من أكثر من تحمل العذاب، يقول عنه ابن الأثير: [ خبَّاب بن الأرتّ...مولاته أم أنمار، وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام و ممن كان يُعـَذَّب في الله تعالى كان سادس ستة في الإسلام...قال مجاهد: أول من أظهر إسلامه رسول الله r و أبو بكر و خبَّاب و صهيب و عمار و سمية أم عمار، فأما رسول الله r فمنعه الله بعمه أبي طالب، و أما أبو بكر فمنعه قومه، و أما الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد ثم صهروهم وهم في الشمس فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد والشمس... و قال الشعبي: إن خبابا صبر و لم يعط الكفار ما سألوا فجعلوا يلصقون ظهره بالرَّضَف (أي الحجارة التي حميت بالشمس أو النار) حتى ذهب لحم متنه،.. و قال أبو صالح: كان خبَّاب قيِّنا (أي حدَّادا) يطبع السيوف، و كان رسول الله r يألفه و يأتيه فأُخْبِرَت مولاته بذلك فكانت تأخذ الحديدة المحمَّاة فتضعها على رأسه... توفي سنة 37، قال زيد بن وهب: سرنا مع علي حين رجع من صِفِّين حتى إذاكان عند باب الكوفة إذا نحن بقبور سبعة عن أيماننا فقال: ما هذه القبور ؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين إن خبَّاب بن الأرتّ توفي مخرجك إلى صفين...فقال علي t: رحم الله خبِّابا، أسلم راغبا و هاجر طائعا و عاش مجاهدا و ابتُليَ في جسمه و لن يضيِّع الله أجر من أحسن عملا...] [105][20].
      صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه  صحابي آخر من المعذبين في الله والمهاجرين المجاهدين في سبيل الله و قد عاش إلى ما بعد وفاة رسول الله وبايع وأيد الخلفاء قبل الإمام علي عليه السلام يقول عنه ابن الأثير في كتابه " أسد الغابة في معرفة الصحابة ": [ و أسلم صهيب و رسول الله في دار الأرقم، بعد بضعة وثلاثين رجلا، و كان من المستضعفين بمكة المعذبين في الله سبحانه وتعالى.. و لما هاجر صهيب إلى المدينة تبعه نفر من المشركين، فنثل كنانته و قال يا معشر قريش، تعلمون أني من أرماكم، و والله لا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي بيدي منه شيء، فإن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه، قالوا: فدلنا على مالك و نخلي عنك، فتعاهدوا على ذلك فدلهم عليه و لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ربح البيع أبا يحيى!" فأنزل الله تعالى { و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله و الله رؤوف بالعباد } و شهد صهيب بدرا و أحدا و الخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه و سلم.
      و عن مجاهد قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: النبي صلى الله عليه وسلم و أبو بكر وبلال و صهيب و خباب و عمار بن ياسر و سمية أم عمار، ثم يقول فأما النبي صلى الله عليه وسلم فمنعه الله و أما أبو بكر فمنعه قومه، و أما الآخرون (و منهم صهيب) فأُخِذُوا وأُلْبِسوا أدراع الحديد ثم أُصْهِروا في الشمس.. و كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه محبا لصهيب حسن الظن فيه حتى إنه لما ضُرِبَ أوصى أن يصلي عليه صهيبٌ بجماعة المسلمين ثلاثاً حتى يتفق أهل الشورى على من سيخلف و توفي صهيب بالمدينة سنة ثمان و ثلاثين و قيل سنة تسع و ثلاثين و هو ابن 73 سنة ] [106][21].
      و جاء في سيرة ابن هشام أيضا: [ قال ابن اسحق: و حدَّثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير، قال قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله r من العذاب ما يُعذَرون في ترك دينهم ؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم و يجيعونه و يعطِّشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: أللات و العزَّى إلـهك من دون الله؟  فيقول: نعم، حتى إن الجُعَل (صرصار الصحراء) ليمر بهم، فيقولون له: أهذا الجعل إلـهك من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده ][107][22].  
      لكنهم كانوا بكل شجاعة و شهامة و رشد يرفضون الانصياع لما يريده منهم أرباب القدرة و السلطان عليهم و يصيحون تحت ضربات سياط الحديد الملهبة: أشهد أن لا إلـه إلا الله و أن محمدا و رسول الله، مسجلين بذلك أسمى آيات الفخار.   و بعضهم كان ذا مال و ثروة و نفوذ و اقتدار، لكن بسبب دخولهم في الإسلام اضطروا ليس للتخلي عن أموالهم ومكانتهم فحسب، بل لأن يغمضوا أعينهم عن الأهل و الديار و الوطن والأقرباء، و يهاجروا لبلاد غريبة، أيا كانت في هذه الأرض الواسعة حتى لو كانت بلادا لا تدين بدينهم كالحبشة، مسلمين أنفسهم لمصير مجهول، وذلك كجعفر بن أبي طالب و مصعب بن عمير وعبد الله بن مسعود و عتبة بن غزوان y و و و...، و مع ذلك كانوا يقبلون على الهجـرة مسرورين راضين و يصرفون نظرهم عن الوطن و القرابة والأصحاب، و لا ينحرفون ذرة عن دينهم.
      أجل هؤلاء هم الذين يذكر القرآن الكريم لنا بأفضل صورة كيفية إيمانهم و تحملهم للعذاب و تعرضهم للاضطهاد و الإيذاء و يثني على تحملهم الأذى وهجرتهم م في سبيله فيقول: { و الذين هاجروا في الله من بعد ما ظُلِـموا لنُبَوِّئنَّهم في الدنيا حسنة و لأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون. الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون } النحل / 41 ـ 42، و يقول: {.. فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم و أوذوا في سبيلي و قاتلوا و قُتِلوا لأكفرنَّ عنهم سيئاتهم و لأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار..} آل عمران / 195،  ويقول كذلك: { للفقراء المهاجرين الذين أُخرِجوا من ديارهم و أموالهم يبتغون فضلا من الله و رضوانا و ينصرون الله و رسوله أولـئك هم الصادقون } الحشر / 8 حيث يتفق جميع المفسرين بلا خلاف أن هذه الآيات نزلت في المهاجرين إلى الحبشة ثم إلى المدينة.
      و لاننسى ذلك الدعاء الجميل من أدعية حضرة الإمام زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين عليهم السلام المسطور في "الصحيفة السجادية" الذي ـ عوضا أن يعتبر الصحابة المهاجرين و الأنصار مرتدين! ـ يدعو فيه لأصحاب رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) من أنصار ومهاجرين فيقول: ((اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، و كانفوه و أسرعوا إلى وفادته، و سابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته. و فارقوا الأزواج و الأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء و الأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به. و من كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته. والذين هجرتهم العشائر أن تعلقوا بعروته، و انتفت منهم القرابات أن سكنوا في ظل قرابته. فلا تنس اللهم لهم ما تركوا لك و فيك...و اشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، و خروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه...))، ثم الأهم من ذلك أنه u يدعو عقب ذلك للتابعين الذين ساروا على هدي أولـئك الصحابة فيقول: ((اللهم و أوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك. الذين تحروا سمتهم و تحروا وجهتهم و مضوا على شاكلتهم. لم يثنهم ريب في بصيرتهم، و لم يختلجهم شك في قفو آثارهم، و الائتمام بهداية منارهم. مكانفين مؤازرين لهم، يدينون بدينهم،  ويهتدون بهديهم، و يتفقون عليهم، و لا يتهمونهم فيما أدوا إليهم..))[108][23].
      فأي إنسان، حتى ذلك الذي لا يؤمن و لا يعتقد بالإسلام، يمكنه أن يقول أن هؤلاء ارتدوا فور رحيل رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) ؟؟  إن لم يكن هناك دين و إيمان فعلى الأقل الحياء و الإنصاف يجب أن يمنعا من التفوُّه بمثل تلك الكفريَّات.
      لقد عرضنا في كتابنا هذا بتوفيق الله، بعضا من سيرة الذين تحملوا أنواع المشقات و استقبلوا بصدر رحب، في سبيل المحافظة على دينهم، صنوف المصائب و البليَّات، و بقوا ثابتين مستقيمين على التضحية و الوفاء إلى آخر رمق،   و مع ذلك ما كان موقفهم عقب وفاة نبيهم (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) في سقيفة بني ساعدة إلا اتباع سبيل سائر المؤمنين، و لم يتكلموا بكلمة اعتراض خلافا لما تم، و قد اكتفينا بما ذكرنا كأنموذج فقط، و إلا فإن كل أصحاب رسول الله [109][24] كانوا كذلك، وعانوا في صدر الإسلام المشقات وشهدوا الحروب و الغزوات.   هذا كان من ناحية النقل الذي يبين كذب الروايات، فلنأت الآن إلى العقل لنرى حكمه في هذه القضية ؟
 
 
 
 

العقل منكرٌ للنص

1 ـ القول بأن الله تعالى هو الذي نصب و عين الأئمة وفرض طاعتهم على العالمين وحرم الجنة على من لم يعرفهم أو لم يتبعهم، مع نسبة صفات الأنبياء لهم مثل أن الوحي يأتيهم و أن عند كل منهم صحيفة خاصة من الله تعالى يؤمر بالعمل بها، و أنهم شجرة النبوة و موضع الرسالة و مختلف الملائكة، يأتيهم الملاك و يسمعون صوته وإن كانوا لا يرونه، و أن روح القدس الذي يكون للنبي ينتقل بعده للإمام .. الخ  ـ كما نجد ذلك في عدد من الروايات في كتبنا الحديثية الأساسية خاصة أحاديث كتاب الحجة من كتاب أصول الكافي [110][1]، حيث نسبت إليهم  في بعض الروايات صفات تفوق حتى صفات الأنبياء  ، أي لا يوجد في القرآن مثلها حتى  للأنبياء أولي العزم، أي الرسل أصحاب التشريع، فضلا عن الأنبياء ذوي النبوة التبليغية فقط! [111][2] ـ أقول أن مثل هذا القول لا يتناسب مع قاعدة ختم النبوة التي هي موضع اتفاق جميع فرق المسلمين و إجماع الأمة قاطبة.
      إذ أن نصبَ الله تعالى و تعيينه أئمةً بمثل تلك الخصائص التي هي من خصائص الأنبياء و فرضَ طاعتهم على كل بني الإنسان ـ، سيكون بمثابة بعث أنبياء جدد بعد نبينا محمد (صلىالله عليه وآله وسلم)، بل إن تلك الخصائص المذكورة للأئمة عليهم السلام أعلى و أهم من خصائص الأنبياء المبلغين الذين كانوا يبعثون لتأييد و تبليغ رسالة النبي الذي ســبقهم [112][3] ،  أو على الأقل ليست دونهم مرتبة، وهذا لا يتفق أبدا مع مبدأ ختم النبوة، فإذا كانت العهود التي سبقت نبينا الخاتم (صلىالله عليه وآله وسلم) احتاجت لمثل أولئك الأنبياء المبلغين بعد أنبيائهم، فإن عهد الرشد الذي وصلت إليه البشرية بعد خاتم النبيين و سد باب النبوة و الرسالة نهائيا، برسالة سيدنا محمد (صلىالله عليه وآله وسلم) لم يبقِ مجالا لبعث أنبياء بعده. فإن قيل: لا أحد يعتبر أو يسمي الأئمةَ أنبياءَ ، بل رواياتنا تمنع و تكره تسميتهم بذلك بشدة، قلنا إن ذلك لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً، فالعبرة ليست بالاسم بل بالمعنى، فإذا نسبت لأولـئك الأئمة كل أوصاف الأنبياء و خصائصهم الإلـهية مثل التعيين من الله تعالى و فرض طاعتهم على العالمين ووحي الله تعالى إليهم بواسطة الملاك وروح القدس الخاص بالأنبياء و عصمتهم المطلقة و أن كل واحد منهم عنده كتاب خاص من الله تعالى يعمل به، و أن معرفتهم و الإيمان بهم شرط النجاة الأبدية يوم القيامة... الخ، فهم كالأنبياء بكل معنى الكلمة و إنكار ذلك مجرد تلاعب بالألفاظ.
 
 
 
 
 
      و أنا أعتقد أن الذين يصرون كل هذا الإصرار على الإمامة المنصوص عليها من الله ، لم يدركوا كما يجب معنى ختم النبوة.
      و قد ألف أحد الفضلاء المعاصرين و هو العلامة الشيخ الأستاذ "مرتضى مطهري" كتابا قيما باسم "ختم النبوة" شرح فيه بشكل ممتاز فلسفة ختم النبوة ـ هذا رغم أنه بقي على القول بالإمامة بالنص دون أن ينتبه إلى أنها تتناقض مع لوازم نظريته ـ ، و من المفيد هنا أن ننقل بعض العبارات من كتابه ذاك، قال: (( إن رسالة نبي الإسلام تختلف عن رسالات سائر الأنبياء الذين سبقوه بأنها من نوع القانون لا البرنامج المفصل، أي أنها دستور عام للبشرية  (ص 26). (( وحي هذا النبي هو في مستوى دستور كلي أبدي )) (ص 30). (( النبي الخاتم هو الذي طوى جميع المراحل و لم يبقِ ـ من ناحية الوحي الإلـهي ـ أي طريق لم يُـطرَق أو نقطة لم تُكـتَشـف )) (ص34). (( الوحي الإلـهي أعلى مظاهر الهداية و أرقى درجاتها. الوحي يتضمن إرشادات خارجة عن متناول الحس و الخيال و العقل و العلم، ولذلك لا يمكن لشيء من هذه الأمور أن يحل محل الوحي. و لكن الوحي الذي له تلك الخواص هو الوحي التشريعي لا التبليغي، أما الوحي التبليغي فعلى العكس. طالما لم تصل البشرية بعد إلى درجة النضوج الكامل في العقل و العلم و المدنية بحيث يمكنها أن تقوم بنفسها بحمل رسالة الله و القيام بمهمة الدعوة و التعليم والتبليغ و التفسير و الاجتهاد ، فإن الحاجة للوحي التبليغي تكون لا زالت باقية. ظهور العلم و العقل و بعبارة أخرى وصول الإنسانية لمرحلة الرشد و البلوغ، ينهي تلقائيا مرحلة الوحي التبليغي، حيث يصبح العلماء هم ورثة الأنبياء )) (ص 47). (( في الواقع ، أحد أركان الخاتمية هو البلوغ الاجتماعي للبشر إلى الحد الذي يصبحون معه قادرين على حفظ مواريثه العلمية و الدينية و القيام بنشرها وتعليمها و تفسيرها )) (ص 13).
      و إذا رأينا أن نبيا من أنبياء بني إسرائيل يقوم ـ بأمر الله تعالى ـ بتعيين "طالوت" ملكا عليهم (البقرة/ آية 246)، و هو ما يدعي مثله القائلون بالإمامة بالنص بالنسبة للأئمة عليهم السلام،  فإن هذا إنما تم (بالنسبة لطالوت) لأنه كان من الأمور التي ـ على حد قول الأستاذ مطهري ـ: (( لا بد أن تتم بالوحي في مرحلة طفولة البشرية )) (ص 87) أي المرحلة التي تكون البشرية فيها لا تزال بحاجة لكلا نوعي النبوة: التشريعي و التبليغي.  (( فقد كانت البشرية ، قبل عدة آلاف من السنين، غير متمكنة من الحفاظ على مواريثها الدينية و العلمية و لم يكن من الممكن توقع خلاف ذلك منها)) (ص 12) لأنها لم تبلغ في إمكانياتها ووسائلها و رشدها الاجتماعي و السياسي و الفكري إلى الحد الذي يمكنها من المحافظة على تراث الأنبياء نقيا بلا تغيير و لذا كانت (( التحريفات والتبديلات تظهر في تعاليم الأنبياء و كتبهم المقدسة  ... و بالتالي كانت تلك الكتب والتعاليم تفقد صلاحيتها لهداية الناس )) (ص 11).  و لكن بعد نزول قوله تعالى { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر/آية 9) (( انتفى الداعي الرئيس للرسالات الجديدة و لبعث أنبياء جدد )) (ص 12). و على حد قول المفكر الباكستاني محمد إقبال اللاهوري : (( لا يمكن للبشرية أن تبقى للأبد بمرحلة الطفولة و الحاجة للإرشاد من الخارج. إلغاء الكهانة و الملك الوراثي في الإسلام، و التأكيد الدائم في القرآن الكريم على العقل و التجربة، و الأهمية التي أولاها ذلك الكتاب المبين للطبيعة و التاريخ كمصادر للمعرفة البشرية، كل هذا مظاهر مختلفة لفكرة واحدة هي ختم الرسالة )) [113][4].
      لذلك نرى ـ في ضوء ما ذكر أعلاه ـ أن النص من جانب الله، على إمامة و حكم أفراد معينين، إن تم مثله قبل ختم النبوة، ـ مع أننا لم نجد مثل تلك الأوصاف الخارقة التي تنسَب للأئمة عليهم السلام حتى للأنبياء المبلغين السابقين! ـ  فإنه ليس معقولا و لا  يمكن أن يتم بعد ختم النبوة و الرسالة بنوعيها التشريعي والتبليغي.
      2 ـ إن تعيين و نصب عدد معين من الأشخاص سواء اثنا عشر أو إحدى عشر أو سبع ..الخ لحكم البشرية و سياستها لمدة مئات آلاف السنين إلى يوم القيامة أمر مخالف للعقل و للمنطق و لواقع الحياة، لأن المدة التي يمكن لهؤلاء  الاثني عشر شخصا أن يعيشوا فيها و يحكموا الناس فعلا، لن تتجاوز المائتين وسبعين إلى ثلاثمائة عام! في حين أن الإسلام دين أبدي خالد، والمسلمون يحتاجون لحاكم  فعلي يسوسهم و ينفذ فيهم أحكام الله تعالى في جميع الأزمنة و الأعصار، حيث لا يجوز تعطيل أحكام الشرع و لا للحظة واحدة.  فلا بد أن يكون الشارع المقدس قد بين الطريق و المنهج الكلي في قضية الحاكم واختياره عندئذ، لأنه لا يمكن أن يترك الشرع هذا الأمر الحياتي دون أن بيان إطاره أو خطوطه العريضة الكلية للناس و هو الدين الأبدي الكامل.  فإذا أقر القائلون بالنص على وجود مثل هذا التعليم لكن قيدوه بما بعد انتهاء عهد ظهور الأئمة المنصوبين المنصوص عليهم، أرجعنا نحن نفس هذا التعليم إلى كل الفترة الزمنية التي تتلو رحلة النبي (صلىالله عليه وآله وسلم) إلى يوم القيامة بلا استثناء، لأنه لا يمكن أن يكون هناك تفاوت في تعاليم الشرع بين فترة زمنية و فترة أخرى أي لا يمكن أن يكون لجزء من زمان ما بعد النبي (صلىالله عليه وآله وسلم) تعليم ما و لبقية هذا الزمان إلى يوم القيامة تعليم آخر ، إلا بدليل، و لا دليل لدينا أصلا إلا مجرد الادعاء.
      3 ـ النص من جانب الله تعالى على أشخاص معينين بأسمائهم ليكونوا حكاما على الناس، في العصر الذي بلغت فيه البشرية سن الرشد و ختمت به النبوات و حُفِظ فيه الكتاب السماوي الخالد بلا تغيير أو تبديل أ زيادة أو نقصان، أمر لا ينسجم مع فلسفة التشريع و هدف الخلق الذي هو ابتلاء الناس وامتحانهم. فقد صار على المسلمين الآن أن يديروا مجتمعاتهم بأنفسهم و يُمْـتَـحنوا في مدى التزامهم بالعمل بمشيئة الله و تعاليم كتابه. عليهم ـ بالرجوع إلى أوامر الشرع المقدس و نواهيه ـ أن ينتخبوا رئيسهم و أن يميزوا بين الصالح و الطالح و بين المتقي و الفاجر، ثم يكونوا رقباء عليه يطيعوه و يعينوه إذا أصاب و يسددوه و يقوموه إذا انحرف، أما إذا عين الله تعالى فردا أو أفرادا مخصوصين لحكم و سياسة المسلمين على الدوام، فإن كل فلسفة ابتلاء الناس وامتحانهم وفتنتهم هذه تبطل، وتصبح كل أوامر و نواهي الشرع التي تبين من تجب طاعته ومن يتوجب عصيانه، بلا معنى، حيث يخرج الاختيار من يد الفرد والجماعة عندما يتوجب عليهم الطاعة العمياء للقائد الحاكم الذي له القدرة، بسلطته،  على إجبار الناس على تنفيذ أقواله واتباع أوامره، خاصة أن القائلين بالنص يعتقدون أن المنصوص عليهم معصومون مطلقا فلا مجال للسؤال و النقاش عند إطاعة أوامرهم. هذا في حين أننا نرى أن القرآن الكريم آيات عديدة تحدد من تجب طاعته و من تجب معصيته:
فأولا: ليس في القرآن الكريم أمر بالطاعة المطلقة إلا لِـلَّـه و رسوله فقط و ما، وذلك في قوله تعالى: { قل أطيعوا الله و الرسول...} آل عمران/32، { و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله...} النساء/64، { من يطع الرسول فقد أطاع الله...} النساء/80 . أما ما عدا الله تعالى و رسوله فطاعته مشروطة بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول، و أولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول، إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا} النساء/ 59.
و ثانيا: حددت كثير من الآيات صفات من تجب طاعته كقوله تعالى: { والسابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه...} التوبة/ 100، { أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهِدِّي إلا أن يهدى ؟ فما لكم كيف تحكمون؟} يونس/35، { و اتبع سبيل من أناب إلي} لقمان/15، { و قال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} غافر/38. و نحوها من الآيات الكريمة.
      في حين بينت آيات عديدة أخرى صفات من تجب معصيتهم و تحرم طاعتهم، مثل: { و لا تتبع سبيل المفسدين } الأعراف/142، { و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان أمره فرطا} الكهف/28، { و لا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض و لا يصلحون} الشعراء/151 ـ 152، { و لا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} الجاثية/18، { فلا تطع المكذبين. ودوا لو تدهن فيدهنون. و لا تطع كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم. مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم} القلم/ 8 ـ 13،  { فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا } الإنسان/24، { و من .. و يتـبِّع غير سبيل المؤمنين نوَلِّه ما تولى و نصله جهنم... } النساء/ 115.
      فلو كان ثمة أئمة منصوص عليهم و معصومون، و بالتالي الوحيدون الذين تجب طاعتهم المطلقة على المؤمنين، لقال الشارع عليكم طاعة فلان و فلان فقط، و لما كان هناك حاجة لمثل تلك الأوامر و النواهي الكلية! في حين أن هذه التعاليم تعتبر دستورا تسترشد بها الأمة في تعيينها لحاكمها، و تميز به بين اللائق لهذا المقام ومن لا يليق به. أي أن زمن المسؤولية حل ابتداء من عهد ختم النبوة. في الواقع إن الإسلام أكثر حسن ظن بالبشرية من القائلين بالإمامة المنصوصة. [114][5]
      4 ـ لم يكن لأي نبي من الأنبياء السابقين و لا في أي شريعة من الشرائع الإلـهية الماضية أئمة منصوص عليهم و حكام معصومون يجب على الأمة طاعتهم تعبدا و ديانة، و لا كان لأي من الأنبياء السابقين وصيا معينا للحكومة. و الادعاء بأن لكل نبيٍّ وصيٌّ نصَّ عليه ليخلفه في شأن الحكم واستلام زمام الأمور ادعاء عار من الحقيقة و لا أساس له، و لا غرو فمثل هذا لو حصل يكون، كما أوضحنا سالفا، نقضا للغرض المراد من وراء تشريع الشرائع، أعني امتحان الناس واختبارهم، إذ يسلب من الناس (المحكومين) مجال الاختيار و التمييز بين الصواب و الخطأ  في كل فعل وأمر، و القرآن المجيد و العقل السليم لا يصدقان مثل هذا الادعاء، كما لا يوجد في التاريخ ما يؤيده.
      نعم يمكن للنبي أن يعين وصيا أو أوصياء للقيام بأمور شخصية خاصة مثل غسله و كفنه و دفن جثمانه و أداء ديونه أو القيام بشأن عياله وأولاده الصغار ونحو ذلك، أما تعيين وصي ليكون إماما و حاكما و رئيس سلطة بأمر الله فهذا ما لا يفعله لأنه مخالف و مناقض لحقيقة الدين والغرض منه. فليس إذن في دين الإسلام، الذي هو في الحقيقة الدين الأساس و النبع الذي نبعت منه جميع الرسالات السماوية، مثل هذا الأمر.
      5 ـ فور وفاة النبي (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) قام المهاجرون و الأنصار، دون إضاعة للوقت، بالاجتماع في سقيفة بني ساعدة لتعيين الرئيس الذي سيكون حاكما عليهم ، و أخذوا يتناقشون و يتشاورون لتحقيق هذا الغرض مما يفيد أن هذا الأمر سبيله، في نظرهم، هو البحث والتشاور، و أن إقامة الحاكم هو بلا شك واجب شرعي ضروري على المسلمين، و لم يأت خلال المناقشات، كما بينا، أي ذكر لكون الحاكم لا يُختار بل هو منصوص عليه من الله، و من البديهي أنه لو كان للحكومة أي ارتباط بالنص و التعيين الإلـهي، لوقعت الإشارة لذلك و لذكَّر به البعض على الأقل، مع أن أحدا لم يتكلم بمثل هذا أبدا، و لا أحد طلب من الرسول (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) أن ينصب لهم الحاكم بنفسه لأنهم كانوا يدركون أن هذا مناف لأصل التكليف.
      6 ـ لم يُسْمَع في تاريخ جميع حكومات الدنيا منذ أن وُجدت الدولة والحكومة على وجه الأرض، بحكَّام منصوص عليهم من الله ومعينين من قِـبَلِه إلا لدى القائلين بذلك من الشيعة! اللهم إلا لدى الملوك الجبابرة كفراعنة مصر وملوك فارس وأباطرة اليابان و الصين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أبناء الشمس و وارثي السلطان على الدنيا (و أن الملك حقهم الإلهي) تتوارثه ذريتهم جيلا بعد جيل. ومثل هذا الادعاء كان من الممكن أن يلقى قبولا في قرون الظلام وعصور الجهل القديمة، أما اليوم و بفضل نور الدين و العلم، لم يعد لمثل هذه الادعاءات رونق ولا قبول، سيما أن الناس رأت كيف أنه لما يصبح المُلْكُ وراثيا فسيأتي إليه لا محالة من لا يتصف بالصفات الضرورية للحاكم كالعلم و العدالة و السياسة والشجاعة .
7ـ في تاريخ الأديان الحقة، لم نجد إلا في بني أسرائيل، حادثة قيام أحد أنبيائهم بنصب ملك (طالوت) عليهم ـ بناء على طلب منهم ـ  ليجاهدوا في سبيل الله تحت لوائه، كما أخبرنا الله تعالى في سورة البقرة.  و لكن طالوت الملك على الرغم من أن الله تعالى اصطفاه لهم لما أوتي من بسطة في العلم و الجسم، إلا أنه لم يكن معصوما، بل عندما قَتـلَ داودُ جالوتَ، و كان طالوتُ قد وعد من قَتل جالوت أن ينكحه ابنته، لكن بعد أن صارت لداود شعبية و غدى محبوبا في بني إسرائيل خشي طالوت منه على ملكه فسعى في قتله فعلم داود ذلك ففر منه... إلى آخر ما جاء في التواريخ التي ذكرت هذه القصة. فتبين أنه لم يكن هناك شيء اسمه إمامٌ أي حاكمٌ معصومٌ ، حتى بالنسبة لذلك الحاكم المنصوب و المعين قطعا من قبل نبي من أنبياء الله!
 

إذن ما حقيقة قصة الغدير ؟

     أحد القضايا التي يغفلها الكثيرون و لا يميلون للبحث فيها في موضوع الإمامة بالنص هو دراسة خلفية حادثة الغدير أي الأمور التي حدثت في السنة العاشرة للهجرة و كانت الأرضية الأساسية التي أدت لواقعة الغدير، في حين أن الاطلاع على هذه الخلفية ضروري جداً للفهم الصحيح لخطبة غدير خم. 
      خلاصة قصة الغدير، طبقا لما روته كتب التاريخ الإسلامي مثل سيرة ابن هشام (الجزء الرابع، الصفحة 274) التي هي أقدم كتب السيرة المتوفرة، و تواريخ و تفاسير الفريقين الشيعة و السنة، كتفسير جمال الدين أبي الفتوح الرازي[115][6] وتفسير ابن كثير و تاريخ البداية و النهاية لابن كثير أيضا و كتاب مجالس المؤمنين (الجزء الأول،صفحة 43) للقاضي نور الله الشوشتري[116][7] وغيرها، ما يلي:
      في السنة العاشرة للهجـرة توجه رسول الله صلّىالله عليه وآله إلى مكة المكرمة ليؤدي مناسك الحج الإسلامي و يعلّمها الناس و لتكون فرصة يعطي فيها المسلمين الذين انضووا تحت رسالته آخر وصاياه، وأرسل صلّىالله عليه وآله رسائل إلى رؤساء القبائل العربية و عماله في نواحي الجزيرة العربية يدعوهم فيها إلى المجيء لمكة في أيام الحج ليؤدوا المناسك معه، و كان من جملة الرسائل كتابٌ بعث به إلى علي بن أبي طالب عليه السلام الذي كان في ذلك الحين في اليمن، حيث كان صلّىالله عليه وآله وسلّم بعثه لجمع أموال الزكاة فيها، دعاه فيه كذلك إلى الحضور لمكة  أيام الحج، فوصل الكتاب لعليٍّ و هو في اليمن أو في طريقه من اليمن إلى المدينة حاملا أموال الزكاة، فرأى عليه السلام أنه لو أراد أن يأتي مكة بما معه من أموال بيت المال ـ التي كان أغلبها في ذلك الوقت من المواشي كالإبل و البقر و الغنم ـ لما استطاع الوصول إلى الحج في الوقت المطلوب، لذا اضطر أن يوكل أمر حمل أموال الزكاة ‘إلى الذين كانوا برفقته، كأبي بريدة الأسلمي و خالد بن الوليد و غيرهما، و ينطلق بمفرده مسرعا إلى مكة، فوصل مكة و لقي رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) يوم السابع أو الثامن من ذي الحجة، و بعد أداء مناسك الحج، قـفل راجعا إلى طريق اليمن ليكمل مهمته في حمل أموال بيت المال، فلقي القافلة وهي في طريقها إلى المدينة، و وجد بريدة الأسلمي وخالد بن الوليد تصرّفا في بعض أموالها، سيما بعض الحلل اليمنية، فغضب ـ كما هي عادته تجاه أي تصرف شخصي ليس في محله في بيت مال المسلمين ـ فنهر بريدة و خالدا و وبخهم على صنيعهم، وفي بعض التواريخ أنه عليه السلام سبهم و ضربهم، فكبر ذلك عليهم، لا سيما أنهما كانا من الوجهاء والأكابر في قومهما، فحملا في قلبهما الحقد على علي و استعدا  للانتقام لأنفسهما فأرسلا شخصا إلى رسول الله(صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)، الذي كان في طريق عودته من مكة إلى المدينة، و في بعض التواريخ أنهم ذهبوا إليه بأنفسهم، و اشتكوا إلى رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) عنف وتشدد علي معهم، لدرجة أن بعض التواريخ تذكر أنهم سبوا عليا في محضر رسول الله  (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)، و لما رأوا علامات الغضب على وجهه و ظنوا أنه غضب لأجلهم من علي، واصلوا الشكوى بلهجة أكثر حدة، عند ذلك نهاهم رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) و منعهم من هذا الكلام و ذكر طرفا من فضائله، وكان مما قال: "ارفعوا ألسنتكم عن علي فإنه خشن في ذات الله غير مداهن في دينه" أو "ما لكم و لعلِيّ! علِيٌّ منّي و أنا منه و هو وليّ كلّ مؤمن بعدي " أو "من كنت مولاه فعلِيٌّ مولاه ".
       لكن خالدا و بريدة و الآخرين كانوا قد أساؤا القول من قبل بحق عليٍّ أمام الصحابة الآخرين بما فيه الكفاية، و لعلهم استمروا في ذلك حتى بعد نهي رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) لهم، مما شـوّه صورة علي في ذهن عديد من الصحابة، لا سيما أن عددا منهم لم يكن قد تعرّف على عليٍّ بعد، فلما رأى رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) ذلك، شعر أنه لا بد من الدفاع عن شخصية حضرة عليّ البارزة االمتميزة و يعرّف المسلمين بعلو مقامه و ذلك قبل أن يتفرق المسلمون هنا و هناك عائدين إلى بلدانهم [117][8]، ثم بالإضافة لكون الدفاع عن شخصية مؤمن مسلم ممتاز أمراً لازما و واجبا شرعا، فإنه مما لا شك فيه أيضا أن رسول الله  (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) كان يميل في قلبه إلى أن يرتضي المسلمون من بعده عليا لولاية أمرهم و إمامتهم و حكمهم ، لهذا كله قام  (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) ـ أثناء توقفه لصلاة الظهر بجوار غديرٍ يُدْعى خُـمَّا ـ بإلقاء كلمة عقب الصلاة أشار فيها لدنو رحيله  (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) و لمقام أهل بيته ثم عرَّف المسلمين بذلك الجناب (أي علي) وبيّن وجوبَ موالاته ومحبته على كل مسلم، لكن ما قاله و بينه لم يكن معناه أبدا النص عليه بالخلافة والإمارة بأمر الله تعالى و حكمه، و ذلك للدلائل العقلية والنقلية التي سبقت و التي ستأتي إن شاء الله.

هل أُريد بحديث الغدير النص على عليٍّ (ع‘) بالخلافة ؟

     للدلائل التالية نرى أن هذا الحديث ليس نصا على علي بالخلافة:
      1 ـ أقوى دليل على ذلك أن أحدا من الذين شهدوا ذلك الاجتماع وسمعوا تلك الخطبة لم يفهم منها هذا المعنى، و لهذا لم يأت أحد على حديث الغدير بذكر في سقيفة بني ساعدة و لا حتى أُشير إليه مجرّد إشارة، و لا استند إليه أحد بعد ذلك في تمام عهد الخلفاء الراشدين، إلى أن جاء المفرِّقون بعد عهد طويل فاستندوا إليه وقالوا ما قالوا.
      2 ـ لم يأت أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام نفسه و لا أنصاره من بني هاشم وغيرهم في السقيفة و بعد نصب أبي بكر رضي الله عنه للخلافة، على حديث الغدير بذكر ولا استندوا عليه لإثبات النص على علي، و حتى الاثني عشر نفراً من  أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم )  الذين ـ طبقا لادعاء بعض الروايات ـ احتجوا على أبي بكر رضي الله عنه مؤيدين لحق علي في الخلافة، لم يستندوا إلى هذا الحديث لإثبات أولويته عليه السلام  بأمر الخلافة ، وعندما جاء في كلمات بعضهم ذكر لهذا الحديث، كان على سبيل ذكر الفضائل و المناقب لا على أساس أنه نص إلهي قاطع من جانب الله، هذا بغض النظر عن أن حديث احتجاج النفر الاثني عشر يحتاج لتمحيص أكثر للتأكد من صحته أو سقمه لأن احتمال وضعه قوي جدا بل يقيني.
      3 ـ قوة إيمان أصحاب رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) و مدح القـرآن لهم يتناقض تماما مع ادعاء كتمانهم للإمامة و ردهم للخلافة المقررة من قبل الله عز وجل، خاصة أنه كما تبين معنا لم يكن لدى الكثير منهم أي مانع أو اعتراض على زعامته حيث صرحوا أنهم لو سمعوا كلام علي قبل تمام بيعتهم لأبي بكر لما تخلفوا عن بيعته، مما يؤكد عدم وجود أي دافع لهم لكتمان خطبة الغدير أو للإعراض عن العمل بها لو كانوا قد فهموا منها حقا النصب الإلـهي لعلي خليفة و إماما.
      4 ـ كون قصة الغدير ـ كما تبين ـ أوجبتها قضية تصرف خالد وبريدة  بأموال الزكاة بلا وجه حق و التي أدت لغضب علي عليه السلام و تعنيفه لهم مما أثار سخطهم عليه و شكايتهم إياه إلى رسول الله [118][9]، يبين أن مراده (صلىالله عليه وآله وسلم) من خطبته تلك أن يؤكد على المسلمين محبة و نصرة و تقدير علي عليه السلام.
      5 ـ الجملة المهمة و الحاسمة في حديث غدير خم و التي يتفق جميع المسلمين على صحة صدورها عن رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) هي قوله (صلى الله عليه و آله و سلم ) : [ من كنت مولاه فهذا علي مولاه ].  إن الانتباه الدقيق لمعنى هذه الجملة من شأنه أن يرفع كثير من المشكلات. فهذه الجملة لا تفيد أبدا معنى الخلافة والإمامة لعلي بعد الرسول (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) للدلائل التالية:
أ ـ ذكر العلامة عبد الحسن الأميني في كتابه "الغدير" ـ نقلا عن علماء اللغة ـ لكلمة "المولى" سبعة و عشرين معنى و هي:
1ـ الربّ    2ـ العمّ        3ـ ابن العمّ      4ـ الابن     5ـ ابن الأخت
6ـ المعتِـق  7ـ المعتَق      8ـ العبد         9ـ المالك    10ـ التابع
11ـ المنعَم عليه         12ـ الشريك         13ـ الحليف         14ـ الصاحب        15ـ الجار
16ـ النزيل     17ـ الصهر            18ـ القريب          19ـ المنعِم   20ـ الفقيد
21ـ الولي     22ـ الأولى بالشيء   23ـ السيد غير المالك و المعـتِق
24ـ المحب 25ـ الناصر    26ـ المتصرِّف في الأمر    27ـ المتولى في الأمر.
      و رغم كل ما بذله العلامة الأميني من جهد، لم يوَفَّق في استخراج معنى: الخليفة أو الحاكم أو الأمير... لكلمة "المولى و اعترف أن لفظ "المولى" من الألفاظ المشتركة و أنه أكثر ما يقصد به هو "الأولى بالشيء" (أي المعنى الثاني والعشرين). و عليه فلا يمكن فهم المعنى المراد من "المولى" بدون قرينة. فإذا انتبهنا لقرينة السبب الذي أوجب إلقاء هذه الكلمة، و إلى القرينة اللفظية المتجلية في تتمة الحديث: (( اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره...)) لم يعد من الصعب أن نعرف أن المعنى المراد من "المولى" هنا هو شيء يجمعه المعاني: الصاحب (الصديق) المحب الناصر (المعاني: 14 و24 و25)، لأن معنى التتمة هو: اللهم صادق وأحب كل من يصادق ويحب عليا و عاد كل من يبغض ويعادي علياً [119][10] .
ب ـ كان الرسول يريد من الناس محبة علي، حيث أن الباعث لكلمته تلك كان موقف خالد و أبي بريدة و بعض الصحابة من علي كما بينّا.
ج ـ لا يُفْهَم أبدا من كلمة المولى معنى الخليفة والإمام و لم تأت هذه الكلمة في لغة العرب بهذا المعنى.
      5 ـ في جملة "من كنت مولاه فعلي مولاه" نقطة ذات دلالة مهمة جدا، كثيرا ما حالت غوغاء الجدال و العصبية المذهبية من التنبه إليها رغم وضوحها الشديد، و هي أن كلمة "مولاه" أيا كان المعنى المراد منها، فإن معنى الجملة لن يكون إلا أنه: كل من أنا الآن مولاه فإن عليا الآن أيضا مولاه، و بعبارة أخرى أن النبي (صلىالله عليه وآله وسلم) بكلمة "فعلي مولاه" يريد تأكيد الثبوت المتزامن لعلي لنفس الأمر الذي هو ثابت للنبي (صلىالله عليه وآله وسلم) الآن.  فلو فرضنا جدلا أن المقصود من كلمة "مولاه": حاكمه وإمامه (رغم عدم مساعدة اللغة على ذلك)، للزم أن يقيّدها الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم )  بقيد: [ بعدي ]، لأنَّ علياً لا يمكنه أبداً أن يكون إمام المسلمين و حاكمهم مع وجود الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم )  !، مع أن مثل هذا القيد لا يوجد في أيٍّ من روايات الحديث.
      6 ـ طبقا للروايات و الأحاديث الواهية الكثيرة للقائلين بالنص، فإن خلافة و ولاية علي أهم غرض و مراد لرب العالمين! إذ يدَّعون أن جميع رسل الله تعالى و أنبيائه الكرام من لدن آدم إلى النبي الخاتم (صلى الله عليه و آله وسلم ) ، بينوا لأقوامهم مسألة إمامة علي و ولايته، كما بين رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم )  ذلك الأمر أكثر من ألف مرة منذ بداية بعثته و إلى رحلته (صلى الله عليه و آله وسلم )   وذكّر به في كل مناسبة، في مجالس فردية أو جماعية، كما نزلت أكثر آيات القرآن في هذا الأمر، و رغم كل ذلك لم يول أحد هذا الأمر عناية بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم ) ، و كأن الله تعالى ـ و العياذ بالله ـ عجز عن تحقيق إرادته، مع أنه القائل: { كتب الله لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز } المجادلة / 21.  فكيف تأتَّى أن يُهْجَرَ مثل ذلك الأمر و يُنْسَى نهائيا على ذلك النحو؟؟ ألا يدل ذلك على أنه لم يكن على الصورة التي ذكروها ؟.
      7 ـ تشير سنة الله تعالى إلى أنه عندما يريد أن يختار أحدا من عباده ويبعثه للدعوة و الإصلاح، فإنه يصطفيه من بين الضعفاء و الفقراء و يخلع عليه خلعة النبوة، ثم يؤيده و ينصره على جبابرة الدنيا و عتاتها، ليحقق بذلك إرادته. ومن هنا نرى أن الله سبحانه يجتبي إبراهيم عليه السلام من عائلة وثنية تنحت الأصنام، فيبعثه سبحانه ليشيد بنيان التوحيد على ذلك النحو، ورغم اضطهاده و إجباره على الهجرة و الخروج من بيته و موطنه، كانت إرادة الله تعالى هي الغالبة في نهاية المطاف، و وصل إبراهيم لذلك المقام العظيم الذي قال فيه سبحانه: { فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب و الحكمة وآتيناهم ملكا عظيما } النساء / 54. و أرسل موسى عليه السلام بلباس الراعي ونعله و عصاه، إلى فرعون، مدّعي الألوهية و مالك ملك مصر، فنصره عليه و منحه قوة و قدرة جعلت فرعون و آله يصيرون إلى قاع البحر، وغدا موسى بعصاه و يده البيضاء مؤسسا لسلطان ملوك كبار من بعده (من بني اسرائيل)، و يأتي بدين و كتاب بعث الله تعالى بعده أكثر من سبعين ألف نبي لتجديده و إحيائه.
       و كذلك اصطفى محمدا (صلى الله عليه و آله و سلم ) و هو يتيم أمي من أم أرملة فقيرة توفي زوجها قبل أن يولد و ما ترك لها إلا وليدها الصغير و أربع عنزات وبغلة، فأضفى عليه سبحانه عظمة و قدرة و أصبح دينه أبديا خالدا، و أخضع له رقاب كبار الطغاة في عصره، فإذا به يكتب ـ خلال المدة القصيرة لبعثته ـ رسائل لستةٍ من كبار سلاطين الدنيا في عصره الذين كانوا ملوك العصر الذين لا يُنازَعون، يدعوهم فيها للدخول في دينه، ثم لا تمضي مدة قصيرة إلا و تنضوي جميع تلك البلدان، التي كتب لملوكها الرسائل، تحت سلطان الدولة الإسلامية التي أسسها، ويبقى دينه خالدا ما بقي الدهر.
      فلو أن خلافة علي و ولايته كانت حقا غاية إلهية عظيمة و كان الله ورسوله يريدان ذلك عبر كل تلك الأحاديث و الروايات، فلماذا لم يستطع الله(!) ـ تعالى الله عن ذلك ـ حتى بيان ذلك المطلب بشكل قاطع و صريح في كتابه الكريم و بواسطة نبيه الكريم أو أي أحد آخر من عباده لتتحقق إرادته وينتصر هدفه و لا يضل الناس ذلك الضلال المبين؟، هذا إن كان عدم توليته ضلالا مبينا حقا، أوليس هو القائل: { و الله غالب على أمره } والقائل: { ألا إن حزب الله هم الغلبون } ؟ فكيف نفسر هذا الفشل في تحقيق ذلك المراد الخطير ؟  اللهم إلا أن نعترف بأنه لم يكن هناك مثل هذا الهدف والقصد و أن تلك الادعاءات العريضة ادعاءات باطلة لا أساس لها.   
      8 ـ و الأهم من ذلك هو تلك الطريقة العجيبة التي ليس لها سابقة والتي لا يمكن أبدا تبريرها التي يدعون أن الشارع تعالى بين بها أصل "الإمامة المنصوص عليها رغم أهميته العظيمة. و هذه قضية جديرة بأن تفتح الطريق أمام المنصفين وطلاب الحق لمعرفة حقيقة القضية.
      فإن في القرآن الكريم مئات الآيات البينة المحكمة التي تقرر أصل "التوحيد" وكذلك عشرات بل مئات الآيات التي تتكلم عن "اليوم الآخر"، وكذلك ليست قليلة الآيات الواضحة التي تقرر أصل "النبوة العامة" و تبين وتستدل على أصل "نبوة النبي (صلىالله عليه وآله وسلم) الخاصة و هكذا حول بقية أصول الدين وأركان الإيمان، بل لقد بين القرآن أيضا كثيرا من الفروع (حتى الجزئية الصغيرة منها كلزوم رد التحية بأحسن منها و التوسع في المجالس .. إلخ)، وقد بين القرآن كل تلك الأصول بعبارات واضحة جلية محكمة لا مجال للبس أو الاحتمال أو الغموض فيها، يفهم منها المراد مباشرة ـ بنحو الإجمال على أقل تقدير ـ  بدون الحاجة للاعتماد على الحديث.  و لكن لماذا ترك القرآن هذه الطريقة في بيانه أصل "الإمامة" الخطير الذي هو مناط السعادة و حفظ الدين كما يقولون؟؟!  و أما الآيات التي يذكرونها على أنها تنص على موضوع الإمامة فهي آيات يقتضي قبول ارتباطها بموضوع الإمامة أن نغمض النظر عما قبلها و ما بعدها من آيات أي عن سياقها، بل أحيانا يقتضي أن لا نكمل الآية إلى آخرها أي أن نقص العبارة من الآيات قصا!! علاوة على الإشكال الأكبر و هو أنها آيات لا تفيد المدعى إلا بمساعدة الحديث، و بدونه لا تدل على المطلوب أبدا؟!!  حقا إنه لعجيب جدا هذا الاستثناء في طريقة الشارع المقدس في بيانه لأصول الدين ، حيث عوضا عن الصراحة و الوضوح المعهودين دائما منه، يختار هنا ـ في هدايته الأمة لهذا الأصل العظيم ـ الإبهام و الغموض.  و حتى عندما نأتي للحديث الذي يدعون أنه نص على الإمامة نجده غير قاطع في المراد، و نجده يستخدم كلمة "مولى" التي يعترف المؤيدون للإمامة بالنص، أن لها على الأقل سبعة و عشرون معنى في اللغة العربية!!! و نجد سياق الحديث و ملابساته و قرائنه تدل على أن المراد بالمولى أمر غير الإمامة و الإمارة.  هذا في حين أن النبي الأكرم (صلىالله عليه وآله وسلم) كان شديد الحرص على هداية قومه[120][11] و كان "أفصح من نطق بالضاد"، فلا شك أنه لو أراد هداية أمته و إتمام الحجة عليها ببيان أصل أساسي وخطير من أصول الدين لبينه بعبارات واضحة جلية لا لبس فيها، لا بعبارات مشتبهة مشتركة يعسر فهم المراد منها!![121][12].
      هل أهمية أصل "الإمامة" أقل من قصة "زيد" الذي ذُكِر اسمه صريحا في القرآن؟! هل يمكن قبول هذا التفاوت لهذا الحد في طريقة بيان أصول الدين؟! ليت شعري هل فكر القائلون بالإمامة المنصوصة من الله تعالى بهذه القضية أنه لماذا لا يوجد في القرآن الكريم أي أثر لأصل هذه الإمامة رغم أنها عندهم أعلى من "النبوة و الرسالة" ؟!![122][13]  هل يمكن أن نتصور أن قائل: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } (الأنعام/38) و { نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء و هدى و رحمة وبشرى للمسلمين} النحل/89 يغفل ذكر موضوع على ذلك الجانب من الخطورة و الأهمية؟؟!  هل أهمية قصة أصحاب الكهف الذي لم يغفل الله تعالى حتى ذكر كلبهم أكثر من أهمية موضوع الإمامة؟؟  هل يترك القرآن الكريم ـ الذي أنزله الله تعالى لهداية الناس إلى يوم القيامة ـ البيان القاطع الشافي لموضوع وقع فيه الاختلاف بين الأمة لقرون بل أدى أحيانا لحروب و منازعات بينها في حين يذكر بالتفصيل قصص السابقين مثل ذي القرنين و لقمان و هارون و ...؟ هل يمتنع الله تعالى الذي لم يمتنع عن ذكر البعوضة في القرآن أن يذكر موضوع الإمامة ؟؟ هل هكذا كانت تكون طريقة هداية الناس؟ 
      في رأينا إن كل من له معرفة و أنس بالقرآن الكريم، لن يرتاب أبدا في أن هذا النحو المدعى من موقف القرآن و بيانه عن الإمامة لا يتناسب مع طريقة القرآن الكريم من قريب و لا بعيد.
 

علي إمام المسلمين بحق

     مما لا نحتاج لتنبيه القارئ إليه أن ما ذكرناه و دللنا عليه من عدم النص والفرض الإلـهي المباشر لعليٍّ حاكما و خليفةً، ليس معناه أبدا إنكار إمامة علي للمسلمين، بل هو أحق من استحق في كل التاريخ لقب خليفة رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) لا من جهة كونه خليفة للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم )  بنص خاص من جانب الله عز وجل، بل من جهة حقيقة و واقع الأمر أي من جهة ملكات علي عليه السلام الذاتية و مناقبه الشخصية و كونه خير من تجسَّـدت به شخصية الرسول (صلىالله عليه وآله وسلم) و تعاليم الإسلام، فهو إمام المسلمين و أولاهم بخلافة النبي انطلاقا من مقامه الروحي و العلمي و أفضليته الدينية التي لا يرقى إليها أحد من صحابة رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم)، فعلي عليه السلام كان بلا شك أليق و أحق من جميع المسلمين بإمامة الأمة بمعنييها الروحي والسياسي، فهو الخليفة بحق، لأن الإمام في أمة الإسلام يجب أن يكون أعلم وأشجع و أتقى و أليق الأمة و هذه الصفات كانت متوفرة في حضرته بشكلها الأتم والأكمل و لم يكن من بين الصحابة من يصل إلى درجته، حتى أنه يمكن القول بأنه لم يكن يوجد في الصحابة من ينكر ذلك الأمر، بقي أن نفسر إذا لماذا سبقه غيره من الصحابة إلى منصب الخلافة و تقدم عليه؟؟ بتأمل ملابسات الخلافة بعد رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) يتبين أن علل ذلك يمكن تلخيصها بالأسباب التالية:
      1ـ تمت بيعة السقيفة بشكل مفاجئ و سريع حتى أن عمر رضي الله عنه أقر منصفا أكثر من مرة أن: "بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرَّها!" و أن: "من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له و لا الذي بايعه" [123][14]، و علة ذلك عدة أمور:
أ‌)                                                         كانت مدة مرض رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم )  قصيرة لم تتجاوز الأسبوع، وقد وجدت آثار التحسن في حاله الشريفة أكثر من مرة خلال هذه المدة بحيث أنه ما كان يُظّنُّ أن الرسول سيفارق الدنيا على أثر هذا المرض، لذا لم يكن لدى الصحابة المجال الكافي للتفكير و التدبر في الأمر برويّة.
‌ب)وقـعت وفاة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم )  في وقت كان فيه أربعة من الدجَّالين قد ادعوا النبوَّة في أطراف المدينة المنوَّرة و هم مسيلمة و سجاح والأسود وأبو طليحة، فلو حصل أي تردد أو تأخير في تعيين الحاكم ورئيس الجماعة المسلمة لكان من الممكن أن يجد مدّعوا النبوَّة ـ الذين كانوا أعداء متربصين بالإسلام ـ الفرصة سانحة لمحاصرة المدينة والاستيلاء عليها و قد ينجر ذلك لوقوع مذبحة للمسلمين.
 ‌ج)  كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم )  قد كتب في أواخر حياته الشريفة رسائل إلى ملوك و رؤساء الدنيا حوله يدعوهم فيها إلى الإسلام، كرسائله التي كتبها لهرقل عظيم الروم في سوريا و المقوقس ملك الأقباط في مصر وخسرو برويز (كسرى) شاهنشاه إيران، و لذلك كان هؤلاء يتحسَّبون لخطر المسلمين، فإذا عرفوا أن نبي المسلمين قد فارق الدنيا و أن أصحابه انقسموا في شأن خلافته ولا زالوا بلا قائد يوحدهم، لربما سارعوا إلى الانقضاض علىالمدينة و إخضاع المسلمين، لذا كان (الصحابة يشعرون أنه) لا بد من الإسراع في نصب الخليفة دفعا لهذه الأخطار المحتملة.
  ‌د)   كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم )  في حال احتضاره قد جهز جيشا بقيادة أسامة بن زيد و أمره بالتحرُّك نحو اليرموك، و لكن طروء وفاته (صلى الله عليه و آله وسلم )  أوقع الجيش في ارتباك و حيرة و ما عاد يعرف ماذا يتوجب عليه فعله في هذا الظرف الجديد، لذا كان لا بد من تعيين سريع لإمام و حاكم على المسلمين ليعين تكليف هذا الجيش.
 ‌ه)   كان المسلمون يدركون أن تعيين الرئيس الحاكم عليهم، و صاحب السلطة التنفيذية لتنفيذ أحكام الإسلام، من أهم الواجبات، خاصة في تلك الظروف الحرجة و الأوضاع المضطربة المذكورة[124][15]. و هذا ما أشار إليه علي u في رسالة جوابية كتبها لمعاوية حيث قال: [ و الواجب في حكم الله و حكم الإسلام على المسلمين، بعدما يموت إمامهم أو يُقتَل، ضالا كان أو مهتديا، مظلوما كان أو ظالما، أن لا يعملوا عملا و لا يُحْدِثوا حدثا ولا يقدِّموا يدا أو رجلا و لا يبدؤا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماما ].
 ‌و)   وقوع اختلاف بين المهاجرين و الأنصار في إحدى الغزوات، و كذلك بين الأوس و الخزرج، كان دالا على أن العصبية القبائلية  لم تجف جذورها بل لا زالت ذات أثر فيهم، و هي عصبية قد تؤدي لمصائب إذا لم يتم كبحها بسرعة، لذا كان لا بد من عدم التواني لحظة في نصب الإمام و الحاكم لضبط الأمور ومنع حدوث أي صراع أو نزاع  قد يفلت معه الأمر من أيديهم، و لمواصلة تطبيق أحكام وأوامر الشريعة الإلـهية الخالدة التي لا يجوز تعطيلها حتى و لا دقيقة واحدة، من هذا المنطلق كان الصحابة في غاية العجلة لتحقيق هذا الأمر، يضاف إلى ذلك أن جماعة المهاجرين الذين كانوا قد سمعوه (صلىالله عليه وآله وسلم) يقول: ((الأئمة من قريش)) و سمعوه يوصي بالأنصار قائلا: ((اللهم اغفر للأنصار و لأبناء الأنصار و أبناء أبناء الأنصار))[125][16]، و ((إن الأنصار كَرِشي وعيبتي.. فاقبلوا من محسنهم و تجاوزوا عن مسيئهم..))[126][17]، فهموا من ذلك ـ كما فهم علي u ذلك أيضا [127][18]ـ موافقته (صلىالله عليه وآله وسلم) على أن ولاية الأمر ليست فيهم بل في قريش والمهاجرين شجرة الرسول (صلىالله عليه وآله وسلم)، لذلك اضطرهم ما رأوه من استعجال الأنصار في سعيهم لتنصيب خليفة من بينهم أن يتداركوا الأمر بسرعة و يمنعوهم من ذلك قبل أن يخرج الأمر عن أيديهم و ينقسم المسلمون على بعضهم، فجزاهم الله تعالى عن الإسلام و أهله كل خير.
 
      2 ـ كان علي عليه السلام مشغولا بتجهيز رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم )  فلم يشارك في المشورة في السقيفة و لم يطرح نفسه لانتخاب الناس، و لعله لم يسرع في هذا الأمر لأنه ما كان يتوقع أن يعدل عنه الناس، و لربما فهم بعض الناس من عدم حضوره السقيفة أو إرساله من ينوب عنه فيها، عدم رغبته في الأمر، و لذلك لم يتعرضوا لانتخابه، و من دون شك أنه لو كان قد طرح نفسه للخلافة من البداية و استدل على أولويته بما هو معهود من فصاحته و بلاغته المحيرة و قدرته على الإقناع لما عدل الصحابة عنه إلى غيره  ولما وُجِدَ له معارض، كما مر معنا أن عددا من الأنصار لما سمعوا كلامه بعد حادثة السقيفة اعترفوا قائلين: لوسمعنا كلامك هذا من قبل لبايعناك.
      3 ـ لم يكن يوجد في ذلك الحين كل هذا الكم الهائل من أحاديث فضائل و مناقب ذلك الجناب عليه السلام التي يرفعه بعضها إلى مقامات أسطورية فوق بشرية والتي نراها في كتبنا اليوم، و لا كل تلك التأويلات للآيات القرآنية في حقه، و لا كان أحد يعتبر عليا "عين الله الناظرة و يد الله الباسطة"! و لا كان أحد قد وقع بعد في تلك الحيرة (!) التي واجهت أحد شعراء العصور التالية فقال مخاطبا علياً عليه السلام :من اكر خداي ندانمت متحيرم كه جه خوانمت؟؟         
أي  :           إن لم أعتبرك الله  فأنا محتار ماذا أعتبرك؟؟
      بل كانوا يعتبرونه صحابيا من السابقين المهاجرين المجاهدين العالمين الفقهاء بالقرآن و أحكام الإسلام، و رغم أن تميزه و أفضليته لم تكن مجهولة لدى الصحابة إلا أنهم لم يكونوا متقيدين بأن يكون هو الإمام حتما، و لا كان هذا التميز لدرجة تمنع بالضرورة الآخرين من ذوي الفضل و السابقة في الإسلام أن يتقدموا لهذا المنصب، و لعلهم كانوا يرجحون الشيوخ ذوي التجربة على الشباب من  أصحاب الفضل و الجهاد، ولذا انتخبوا غيره، و مع ذلك كان في صحابة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم ) من يرى عليا أحق الناس بها لا من جهة أنه منصوص عليه من قـِبَل الله تعالى و رسوله، بل من جهة أعلميته بأحكام شرع الله في كل موضوع،  ونفس أمير المؤمنين كان يعتبر نفسه أحق و أولى بمقام الإمامة من الآخرين، كما يظهر ذلك في جميع احتجاجاته أو اعتراضاته (التي لا نجد فيها إشارة لموضوع نص إلـهي عليه)، كما نجد ذلك واضحا في:
1 ) خطبته الشقشقية المشهورة التي لا تفيد أكثر من كونه كان يرى نفسه أحق من غيره، من حيث الفضل و العلم، بإمامة المسلمين بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم)  حيث يقول: [ لقد تقمَّصها فلان و إنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل و لا يرقى إلى الطير.. ] [128][19] فالكلام فيها عن مقامه المعنوي وعلو كعبه، الذي لا يُرقى إليه، في الفقه و العلم، لا عن نصب إلهي.
2 ) ما جاء في كلام آخر له في نهج البلاغة ( قسم رسائله عليه السلام / الرسالة رقم 62) حين قال: [ فلما مضى تنازع المسلمون الأمر من بعده فوالله ما كان يُلقى في روعي و لا خطر على بالي أن العرب تزعج هذا الأمر مِن بعدِهِ مِن أهل بيته ] فهو يتعجب كيف أزيحت الخلافة عن أهل بيت النبي (صلى الله عليه و آله وسلم)  دون أن يحتج في ذلك  باختصاصه بنص خاص من الله و الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم)  على الخلافة.
3 ) ما رواه ابن طاوس[129][20]، في كتابه "الطرائف"، و العلامة المجلسي في "البحار" (ج6/ ص 310) عن أبي الطفيل، قال: [ فسمعت عليا يقول: بايع الناس أبا بكر وأنَا والله أولى بالأمر منه..].
4 ) في رسالته التي كتبها عليه السلام إلى شيعته بعد مقتل محمد بن أبي بكر و أمر بقراءتها على الناس بعد كل صلاة جمعة، كما رواها ابن طاوس في كتابه "كشف المحجَّة" و الثقفي[130][21] في كتابه "الغارات"، قال: [ فلما رأيت الناس قد انثالوا على بيعة أبي بكر أمسكت يدي و ظننت أني أولى و أحق بمقام رسول الله منه و من غيره..][131][22].
5 ) في خطبة له عليه السلام رواها الثقفي في "الغارات" (ج1/ص 202) و السيد ابن طاوس في "كشف المحجة" و المجلسي في البحار (ج 8/ ص 175 من طبعة تبريز) جاء: ((... أجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم)).
6 ) في نهج البلاغة أيضا (الخطبة 74) لما بايع الناس عثمان قال: (( لقد علمتم أني أحق بها من غيري والله لأسلمن ماسلمت أمور المسلمين)).
7 ) ما رواه سليم بن قيس الهلالي[132][23] في كتابه، ضمن حديثٍ طويلٍ،عن الإمام علي عليه السلام من قوله: [.. فـوَلّـَوْا أمرهم قبلي ثلاثة رهط ما بينهم رجل جمع القرآن ولا يدعي أن له علما بكتاب الله و سنة نبيه و قدعلموا أني أعلمهم بكتاب الله و سنة نبيه و أفقههم و أقرؤهم لكتاب الله و أقضاهم بحكم الله...]. ومثل هذا جاء أيضا في كثير في كلماته الأخرى عليه السلام.
      و لقد ذكرنا في كتابنا "حكومت در اسلام " ( أي الحكومة في الإسلام) من الصفحة 141 إلى 149 ما جاء من كلمات الإمام علي عليه السلام حول هذا الموضوع منقولة من كتب الشيعة (الإمامية) المعتمدة، حيث تبين فيها جميعا أن الإمام عليه السلام كان يعتبر نفسه الأولى و الأحق بهذا الأمر من الآخرين، فقط لا غير، و لم يحتجّ  أبداً بنص من جانب الله أو الرسول، فلم يقل أبدا أن الخلافة حقي الإلـهي الذي أمر الله تعالى به نبيه (صلىالله عليه وآله وسلم) أن ينصِّبني فيه في غدير خم!! مما يؤكد أنه لم يكن ثمة نص على الخلافة لا في الغدير و لا في غير الغدير.
      و لكن صانعي الفرق و مفرقي أمة الإسلام لفَّقوا أدلة باطلة في مواجهة هذه الحقائق الناصعة، فيما يلي بيانها ثم الرد عليها:
 

شبهات المخالفين على الأدلة التي ذكرناها و الإجابة عليها [133][1]:

     (قال بعضهم):السبب في عدم وجود آيات قرآنية صريحة في القرآن الكريم في النص على إمامة علي و خلافته بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم )، أن مخالفي إمامة الإمام حذفوا تلك الآيات لمَّا دونوا القرآن أو حرَّفوها!
      الجواب: و هل كان القرآن الكريم و آياته ملكا خاصا و منحصرا بيد رقباء الإمام علي حتى يتمكنوا من التصرف به كما يشاؤن فيَحْذِفون أو يحرِّفون على هواهم ؟؟   ألم يكن نبي الإسلام صلىالله عليه وآله يتلو كل ما يتنَزَّل عليه من آيات على مسامع المسلمين الحاضرين، سواء في مكة أو المدينة، ثم يبلِّغها لمن كان غائبا، تنفيذا لأمر الله تعالى له بإبلاغ ما أنزله إليه، ليس للعرب فقط بل للعالمين، كما قال سبحانه في سورة الأنعام /91: { و أوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به و من بلغ..} أو قال في سورة المائدة / 67: { يا أيها الرسول بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلَّغت رسالته } ؟؟
      و هكذا فإن آيات القرآن الكريم كانت تُتْلى على مسامع عشرات الآلاف من المسلمين، و ليس هذا فحسب، بل كان المسلمون أيضا مأمورين بأن يتلوا القرآن بأنفسهم في الليل و النهار، و في صلواتهم الخمس، كما قال سبحانه: { فاقرؤا ما تيسر من القرآن } و قال: { إن الذين يتلون كتاب الله و أقاموا الصلاة و أنفقوا مما رزقناهم سراً و علانية يرجون تجارة لن تبور..}، هذا و قد استجاب المؤمنون لهذا النداء الإلـهي فكانوا كما وصفهم الله: { الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولـئك يؤمنون به }، فهل من عاقل يمكنه أن يصدق أن آياتٍ من القرآن كانت تُسمَع و تُتْلَى من قبل الآلاف وعلى مدار 23 عاما، تتعرض للنسيان بحيث أن لا أحد يذكرها و بحيث يتمكن عدد من الأشـخاص من إسـقاطها و حذفـها دون أن يلتـفت إلى ذلك أحد ؟!   إن الذي يـدَّعي ذلك الادِّعاء إما جاهل أو كافر، أما المؤمن العارف بسيرة نبي الإسلام صلىالله عليه وآله و تاريخ صدر الإسلام فلا يمكنه أن يتفوَّه بمثل ذلك على الإطلاق . 
      و علاوة على ما سبق، ألم يضمن اللهُ تعالى ربُّ العالمين و مُنْزِلُ القرآن المبين حفظَ كتابه و صيانَتَه من الضياع أو التغيير و التبديل حين قال: { إنا نحن نزَّلنا الذكر و إنَّا له لحافظون } (الحجر/9) ؟؟  فهل نصدق قول الله تعالى الذي أنزل القرآن و أكَّد أنه سيحفظه أم قول ذلك الأحمق الجاهل الذي يدعي أن آيات من القرآن حُذِفَت أو حُرِّفَت ؟؟
      و أقر بعضهم بأنه لم تنزل في القرآن أية آية تتعلق بِـ "الإمامة المنصوص عليها" و أن الأئمة الاثني عشر ليس لهم ذكر في القرآن، و أن القرآن مصون من أي زيادة أو نقصان، و لكنه قال إن علة عدم وجود أي إشارة لهم في القرآن هي أنهم لو ذكروا في كتاب الله لقام أعداء الأئمة بحذف تلك الآيات من القرآن ولوقع التحريف في القرآن الكريم، و لذا لم تذكر أسماء الأئمة حفاظا على القرآن من أن تمسه يد التحريف!!؟
      و هذا لعمري قول عجيب و حجة باطلة من أساسها، فكيف نقرأ قوله تعالى {ما فرطنا في الكتاب من شيء} الأنعام/ 38، ثم نقبل أن القرآن ترك ذكر أصل من أصول الدين و بيان أئمة المسلمين الذين معرفتهم شرط للنجاة يوم الدين، مهما كانت أسباب ذلك؟! ثم هل ينطبق ذلك الادعاء، مع الإيمان بالله تعالى القادر على كل شيء؟! أليس في قدرة الله تعالى أن يذكر الإمامة و الأئمة في كتابه و بنفس الوقت يصون كتابه من تدخل الأعداء و يحفظه.  هل يعقل أن الله تعالى القادر المتعال الفعال لما يشاء يضطر لترك أمر يريده ويغير مشيئته خوفا من العمل المحتمل لحفنة من عباده الضعفاء؟!!  لعمري إنه قول لا ينبغي لمسلم و محبِّ لعلي أن يتفوه به.
 
 

شبهة آية يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك

     يستند القائلون بالنص إلى قوله تعالى: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين } المائدة / 67  كدليل على مدعاهم قائلين أن الذي أُمِرَ الرسول بتبليغه في هذه الآية هو النص الإلهي على خلافة علي و ولاية أمره.
      و الجواب: أنه ليس في مضمون الآية و لا في سياقها أي شيء يفيد ما يقولونه أبداً، فآيات سورة المائدة بدأً من الآية 13: { فبما نقضهم ميثاقهم لعنَّاهم و جعلنا قلوبهم قاسية...} ثم الآيات 41 إلى 45: يبين الله تعالى فيها عصيان اليهود و طغيانهم و تعدِّيهم حدود الله، و عدم حكمهم بما أنزل الله إليهم في التوراة، ثم من الآية 46 فما بعد يتوجه الله تعالى إلى النصارى و يدعوهم للعمل بالإنجيل، و يأمر رسوله (صلى الله عليه و آله و ;سلم )  بالحكم بما أنزله  إليه و عدم اتباع أهواء أهل الكتاب و الحذر من فتنتهم، و خلال ذلك ينهى المسلمين عن اتخاذ اليهود و النصارى أولياء، و يأمرهم بموالاة الله و رسوله و المؤمنين، ليعود ثانية (في الآية 58 فما بعد ) لمذمة أعمال أهل الكتاب و موقفهم في مواجهة دعوة الإسلام، و تقريع اليهود على أفعالهم السيئة من قول الإثم و أكل السحت و إيقاد نيران الحروب و السعي في الأرض بالفساد إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد فيقول: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين } أي بلغ ما أنزلناه إليك بشأن أهل الكتاب و لا تخف فالله سيحميك من شر اليهود والنصارى ويظهر أمرك و دينك لأن الله لا يهدي المعرضين عن الحق الكافرين به من أهل الكتاب، و يعقبها مباشرة بقوله: { قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة و الإنجيل و ما أنزل إليكم من ربكم...} فيأمر الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم )  أن يقول لأهل الكتاب أنهم ليسوا على شيءٍ من الدين و لا حتى الإنسانية إلا إذا  أقاموا التوراة و الإنجيل و ما أُنزل إليهم من ربهم، ثم يذكِّر اليهود كيف نقضوا ميثاقهم و قتلوا أنبياءهم و عَمُوا و صَمُّوا، ثم يعلن بكل صراحة ـ و هذا أخطر ما في القضية ـ كفر النصارى الذين قالوا أن الله هو المسيح بن مريم أو الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة، ثم يقول للرسول (صلى الله عليه وآله و سلم ): { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم نفعا و لا ضرا...  قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق و لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل و أضلوا كثيرا..لُعِنَ الذين كفروا من بني اسرائيل... } فهذه هي الأمور الحاسمة الخطيرة التي أُمِـر صلوات الله و سلامه عليه وآله بالصدع بها دون خوف و لا وجل و لو لم يفعل فما بلغ رسالة الله عز وجل.
     هذا ما يقتضيه سياق الآيات، فهل يمكن لعاقل ذي وجدان أن يجعل قوله تعالى { و الله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين }  موجها لأصحاب رسول الله  أولئك المسلمين المؤمنين الذين فرغوا لتوهم من أداء فريضة الحج مع رسول الله ؟؟  هل كان هذا هو الثواب و الجزاء الذي أثاب الله تعالى به الذين أتموا فريضة الحج اتباعا لأمر الله و رسوله صلّىاللّه عليه وآله، فاعتبرهم كافرين غير مستحقين للهداية ؟؟ هذا مع أنه تعالى هو نفسه كان قد مدح أولئك الأصحاب في عشرات الآيات قبل هذه الآية و بعدها ؟ ألا يوقع تفسير القائلين بالنص لهذه الآية، ألا يوقعهم في نسبة التناقض لكلام الله ـ و العياذ بالله تعالى ـ ؟؟ ثم إن الآية تأمر بإبلاغ  " ما أُنْزِلَ إليك " و هو تعبير يراد به الوحي القرآني بالذات، فأين الآيات التي ذُكِر فيها النص على علي بالخلافة والإمامة ؟ وكيف سيتم إبلاغ إمامة و خلافة علي ببلاغ ما أنزله الله تعالى إلى الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم ) من القرآن، مع أنه لا توجد فيه آية واحدة صريحة أو حتى غير صريحة حول هذا الموضوع ؟

شبهة الاستدلال بالآيات التي تتكلم عن المنافقين         

     ( قال بعضهم ): صحيح أن في القرآن آيات في مدح الصحابة، لكن فيه، في مقابل ذلك،  آيات عديدة أيضا تدل على أنه كان من بينهم كثير من المنافقين و ذلك كالآيات التالية: في سورة النساء/61: {... رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا } و في سورة المنافقون: { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله و الله يعلم إنك لرسوله و الله يشهد إن المنافقين لكاذبون } إلى آخر السورة، و في سورة الحشر/11 و ما بعدها: { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب..}، و في سورة الأحزاب /12: { وإذ يقول المنافقون و الذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله و رسوله إلا غرورا } ثم الآية 60: { لئن لم ينته المنافقون و الذين في قلوبهم مرض..} . و أوضح ذلك ما جاء في سورة التوبة التي من أسمائها الفاضحة لأنها فضحت المنافقين، ففي الآية 64 منها يقول الحق: { يحذر المنافقون أن تُنَزَّلَ عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم..} و في الآية 101: { و ممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم..} و نحوها كثير في السورة.
      الجواب: هذا الاعتراض منشؤه إما الجهل أو الغرض. نعم كان يوجد بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم ) منافقون، لكنهم كانوا متميِّزين بصفات خاصة يبرأ منها بقية أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم )، و يمكن من تتبع آيات القرآن الكريم أن نميِّز المنافقين عن غيرهم من عدّة وجوه:
                                         ‌أ)   قسم كبير من المنافقين الذين جاء ذمهم في القرآن الكريم، هم المنافقون الذين امتنعوا عن السفر و الخروج مع رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم )  إلى غزوة تبوك، وقد نزل قسم كبير من آيات سورة التوبة (من الآية 38 إلى آخر السورة) في ذمهم و كشف أحوالهم و أقوالهم وأعمالهم، و لكن جاء خلال ذلك أيضا، في نفس السورة، مدح صادقي الصحابة و ذكر أوصافهم العالية التي تميزهم عن المنافقين.
مثلا في قوله تعالى: { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما و يستبدل قوما غيركم.. ( إلى قوله ):  إلا تنصروه فقد نصره الله.. ( إلى قوله ): عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا و تعلم الكاذبين  } يذم تعالى المنافقين بعدم نصرتهم للرسول (صلى الله عليه و آله و سلم ) و عدم نفرهم معه للجهاد و اعتذارهم الكاذب بأنهم لو استطاعوا لخرجوا معه، و يعاتب الله تعالى ويعفو عن رسوله  (صلى الله عليه و آله و سلم ) لإذنه للمنافقين بعدم الخروج معه.    لكنه تعالى يقول بعد ذلك: { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله و اليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم و أنفسهم و الله عليم بالمتقين } التوبة/44، مما يبين أن الذين جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في تلك الغزوة هم غير أولـئك المنافقين القاعدين ولا تنطبق عليهم آيات الذم تلك. 
      و الآن للنظر من هم أولئك الذين اعتذروا عن الخروج للجهاد واستأذنوا للقعود؟ هل كانوا هم أصحاب القرار في بيعة السقيفة ؟    أبداً، إن أدنى من له معرفة بالسيرة و تاريخ صدر الإسلام و أسباب النزول، يعلم أن هؤلاء المنافقين  و المتخلفين و القاعدين و كذلك الذين ذمهم الله تعالى على لمزهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشأن الصدقات، كما قال عز شأنه: { و منهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا و إن لم يُعطَوْا منها إذا هم يسخطون } التوبة / 58، لم يكونوا أبدا في سقيفة بني ساعدة و لا كان لهم حلٌّ و لا عقـدٌ فيها أصلاً.
      و أما الآية الكريمة التي تذكر وجود منافقين في أهل المدينة و فيمن حولها: { و ممن حولكم من الأعراب منافقون و من أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم...} التوبة /101 فقد جاء قبلها تماما قوله تعالى: { والسابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه و أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } و جاء بعدها بعدة آيات أيضا: { لقد تاب الله على النبي و المهاجرين و الأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة..} التوبة /107،  و عليه فلا يمكن لأحد مهما كان مغرضا أو جاهلا أن يجعل المهاجرين و الأنصار في عداد المنافقين، لأن القرآن فرق بين الفريقين و قابل بينهما مقابلة النور والظلام و الإيمان و الكفر، فكيف يسوي بينهما إلا مجنون أو رجل أعمى التعصب بصيرته ؟!  إن الذين مدحهم القرآن لم يُبْتَلَوْا أبدا بالنفاق أو الردة و هذا أمر في غاية الوضوح و الظهور، علاوة على أن آيات القرآن لا يناقض بعضها بعضا، وأن العقل و الوجدان لا يمكنهما أن يصدِّقا أبدا اجتماع حالة (الإيمان الكامل ومدح القرآن مع الردة و النفاق) بحق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله[134][2]
                                       ‌ب)الطائفة الثانية من المنافقين المذمومين في القرآن: هم الذين آمنوا أو بالأحرى تظاهروا بالإسلام مكرهين مجبرين لما رأوا راية الإسلام ارتفعت فوق رؤوسهم، و هؤلاء عدة معروفة من أمثال عبد الله بن أُبَيِّ بن سَلُول و أبي سفيان صخر بن حرب و الحكم بن أبي العاص ونظائرهم. و قد وصف القرآن الكريم أفعالهم و أقوالهم كقوله عنهم: { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت و قد أُمِروا أن يكفروا به...} النساء/60، و قوله: { و إذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لَوَّوْا رؤوسهم و رأيتهم يصدُّون و هم مستكبرون...( ثم يقول ): هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا... } أي كانوا يحرضون الأنصار على عدم إيواء و مساعدة من هاجر إليهم من المهاجرين و فقراء الصحابة، ثم يقول عنهم: { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعز منها الأذل...} المنافقون / 5-7. و من الواضح أن أحدا من هؤلاء المنافقين لم يكن له حضور في سقيفة بني ساعدة و لا طلب أحد رأيه في مسألة تعيين الخليفة و الإمام، حيث أن بعضهم كان قد مات قبل ذلك و البعض الآخر كان خارج المدينة أو كان على درجة من افتضاح نفاقه لا يتمكن معها من حضور مثل تلك الاجتماعات.
                                        ‌ج)  و الطائفة الثالثة من المنافقين الذين ذمهم القرآن هم الذين كانوا يوالون أعداء الإسلام من اليهود و النصارى و يتحالفون معهم خفية أو يعدونهم بالنصرة والعون ضد المسلمين، و صفتهم هذه كانت تظهر للعيان كلما واجه المسلمون عداوة أهل الكتاب أو وقعوا في حرب معهم، و كان من الطائفتين السابقتين من يشارك هؤلاء في هذه الصفة الخبيثة، و قد جاء ذكر أمر هؤلاء النمط في عدة سور كقوله تعالى في سورة المائدة: { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة..} الآية 52، و في سورة النساء: { بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما . الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا } الآيتان 138-139، و في سورة الحشر: { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لنخرجنَّ معكم و لا نطيع فيكم أحدا أبدا ولئن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون } الآية 11، فإذا دققنا النظر في هذه الآيات (و أسباب نزولها) اتضح لنا مراد الله تعالى من المنافقين وتبين أنه لا يمكن أن نجد أحداً من الأنصار و المهاجرين و سائر الصحابة الكرام الممدوحين في القرآن كان مبتلى بتلك الصفات المذكورة، أو حضر، متلبسا بالنفاق، في السقيفة  ليعارض خلافة علي على الرغم من نص الله و وصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم!
      و علاوة على كل ما سبق، فإن المنافقين كانوا أشخاصا قد أمر الله نبيه  (صلى الله عليه و آله و سلم )  بمجاهدتهم و الغلظة عليهم، فأي واحد من الذين حضروا السقيفة كان ممن كان الرسول  (صلى الله عليه و آله و سلم )  يجاهده و يغلظ عليه ؟   هل عمل رسول الله  (صلى الله عليه و آله و سلم )  بأمر الله تعالى: { يا أيها النبي جاهد الكفار و المنافقين و اغلظ عليهم و مأواهم جهنم و بئس المصير} أم لا ؟  فإن عمل فأي واحد من المهاجرين أو الأنصار الحاضرين في السقيفة و الذين ساعدوا في البيعة لأبي بكر رضي الله عنه كان من الذين جاهدهم رسول الله  (صلى الله عليه و آله و سلم )  و غلظ عليهم ؟؟!
      4 ـ ( استدل بعضهم ) بأن هناك آيات قرآنية تدل على إمكان ارتداد أولـئك الأصحاب حتى في زمن حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) و ذلك كقوله تعالى: { و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ؟!..} آل عمران / 144، و قوله سبحانه: { و ما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.. } البقرة / 143، و قوله عز من قائل: { يا أيها الذين آمنوا مَنْ يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.. } المائدة / 54.
      و علاوة على ذلك، فقد حذَّرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم (صلى الله عليه وآله) من الوقوع في المعصية أو الجنوح لأهواء المضلين، و مثل هذه التحذيرات تدل على أن  وقوع الرسول (صلى الله عليه وآله) في تلك الأمور أمر ممكن و محتمل (إن لم يعصمه الله)، فإن كان هذا في حق الرسول (صلى الله عليه وآله) ممكنا، أفلا يكون في حق غيره محتملا بنسبة أكثر بكثير؟    و ذلك مثل قوله تعالى: { و إن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك و إذا لاتخذوك خليلا . و لولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا . إذا لأذقناك ضعف الحياة و ضعف المماة ثم لا تجد لك علينا نصيرا} الإسراء/73 ـ 75  أو قوله تعالى: {.. و لئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين} البقرة /145، أو قوله سبحانه: {.. و لا تكوننَّ من المشركين . ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك و لا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} يونس/105 ـ 106، أو قوله: {يا أيها النبي اتق الله و لا تطع الكافرين و المنافقين..} الأحزاب/1 و نحوها. 
       قالوا: ففي هذه الآيات حذَّر الله الرسولَ (صلى الله عليه وآله) من الوقوع في الشرك أو الخطأ أو العصيان أو اتباع أهواء الكفار، فلولا أن هذا الأمر ممكن الوقوع عقلا لما كان هناك معنى للتحذير منه، هذا مع أن العقل و النقل يشهدان أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) استحق مدح الله و الثناء عليه أكثر من أي أحد، وعليه فكما أنه لم يمنع كل المديح و الثناء الذي شرف الله تعالى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بقاء إمكان الانحراف و الوقوع بالعصيان منه، فمن باب أولى أن يبقى هذا الاحتمال ممكنا في حق أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) رغم كل ما جاء في حقهم من مدائح لا سيما أن الله لم يأخذ على نفسه عصمتهم و حفظهم. و هذا ما وقع فعلا منهم حسبما ندعيه من ردة أكثرهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) طبقا لحديث: ارتد الناس بعد رسول الله إلا ثلاثة!
      الجواب: هذا الاستنتاج من الآيات بأنه حتى الأنبياء ممكن (عقلا) أن يقعوا في الشرك و العصيان، لا يصح أبدا على مذهب القائلين بالنص لأنهم يقولون بعصمة أئمتهم المطلقة من الولادة و حتى الوفاة، فضلا عن عصمة الأنبياء المطلقة بل عن إيمان و توحيد جميع آباء الأنبياء حتى آدم عليه السلام، رغم أن العقل و النقل يدلان على أن آباء بعضهم كانوا كافرين وثنيين[135][3].  و لنفرض أنهم تنازلوا عن عقيدتهم و جعلوا إمكان وقوعهم في المعصية بل الكفر غير محال و قالوا من باب أولى أن يكون هذا الاحتمال واردا بحق الصحابة، سيما أنه تعالى حذرهم بأن من يرتد منهم عن دينه فسوف يحبط الله عمله و يستبدلهم بمؤمنين آخرين، فنقول: أجل إن احتمال الوقوع في المعصية و الشرك وارد في حق كل ابن آدم أيا كان و لكن هذا مجرد احتمال و إمكان، و الإمكان لِوَحْدِهِ لا يدل على الوقوع، بل لا بد من الإتيان بدليل على الوقوع الفعلي لتلك الردَّة المدَّعاة بحق الصحابة من المهاجرين و الأنصار، و دون ذلك خرط القتاد، لأن الردة إنما تحصل إما بإنكار وحدانية الله تعالى أو إنكار رسالة الرسول (صلى الله عليه وآله) أو إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة مما يكون من أحكام القرآن المسلمة القطعية، فمن الذي أنكر شيئا من هذا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيما المهاجرين و الأنصار منهم ؟؟ في أي سورة أو آية من آيات القرآن ورد موضوع الإمامة على النحو الذي يدعونه أو النص على علي فأنكروه ؟؟ و أصلا لو كان لمسألة الإمامة على النحو الذي تدعيه الإمامية أصل في القرآن لكان المقصر الأول في هذا الأمر علي بن أبي طالب نفسه الذي لم يأت على هذا النص أو الآيات بذكر و لم يدع النص على جنابه من قبل الله تعالى و رسوله في أي مقام و تخاذل في هذا الأمر إلى هذا الحد!!  لو كان حضرة علي قد عُيِّنَ من قِبَل الله تعالى و رسوله للخلافة لوجب عليه أن يخالف و ينازع أبا بكر حتى الموت و لا يسمح له بحال أن يرقى منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما قال هو نفسه عليه السلام ذلك حسبما رواه عنه قيس بن عباد: [ والذي فلق الحبة و برأ النسمة لو عهد إليَّ رسول الله عهدا لجالدت عليه و لم أترك ابن أبي قحافة يرقى في درجة واحدة من منبره و كما قال ذلك أيضا حفيده الحسن المثنى بن الحسن المجتبى عليه السلام فيما أخرجه عنه ابن عساكر في تاريخه قال: (( حدثنا الفضيل بن مرزوق قال : سمعت الحسن بن السحن أخا عبد الله بن الحسن و هو يقول لرجل ممن يغلو فيهم: ويحكم أحبونا لِـلَّـه فإن أطعنا الله فأحبونا، و إن عصينا الله فأبغضونا، قال: فقال له الرجل: إنكم ذوو قرابة رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) و أهل بيته، فقال: ويحكم لو كان الله نافعا بقرابة من رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) بغير عملٍ بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا أباه و أمه، و الله إني لأخاف أن يضاعف الله للعاصي منا العذاب ضعفين، و الله إني لأرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين. ثم قال: لقد أساء آباؤنا و أمهاتنا إن كان ما تقولون من دين الله حقا ثم لم يخبرونا به و لم يطلعونا عليه و لم يرغبونا فيه، فنحن والله كنا أقرب منهم قرابة منكم و أوجب عليهم حقا و أحق بأن يرغبوا فيه منكم، ولو كان الأمر كما تقولون: إن الله ورسوله اختارا عليا لهذا الأمر و للقيام على الناس بعده، كان علي لأعظم الناس في ذلك خطيئة و جرما إذ ترك أمر رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) أن يقوم فيه كما أمره و يعذر فيه إلى الناس. فقال له الرافضي: ألم يقل رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) لعلي : "من كنت مولاه فعلي مولاه؟؟". قال: أم و الله، أن لو يعني رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) بذلك الإمرة و السلطان و القيام على الناس، لأفصح لهم بذلك كما أفصح بالصلاة و الزكاة وصيام رمضان وحج البيت و لقال لهم:  أيها الناس إن هذا ولي أمركم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، فما كان من وراء هذا، فإن أفصح الناس كان للمسلمين رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) ))، ثم قال الحسن: ((أقسم بالله سبحانه أن الله تعالى  لو آثر عليا لأجل هذا الأمر و لم  يُقْدِم عليٌّ  كرم الله وجهه لكان أعظم الناس خطأً))[136][4]،  أجل إن سكوت ذلك الجناب و تسليمه لمن سبقه أفضل دليل على عدم النص عند أولي الألباب، و كما يقال: السكوت في موضع البيان، بيان.
 

عودة لكتاب الاحتجاج و نقد رواياته

     قلنا أن مشعلي نار الاختلاف و مهدمي بنيان الاتحاد و الوفاق ضخموا مسألة الإمامة كثيرا موقدين بذلك نار العداوة و الفرقة بين المسلمين مِمَّا أوقع المسلمين في بلاو لا يعلم عاقبتها إلا الله. 
      من جملة ذلك الأحاديث و الأخبار التي أوردها الطبرسي في كتابه "الاحتجاج على أهل اللجاج"، فبعد أن أورد قصة السقيفة على نحو ما ذكره ابن قتيبة في كتابه " الإمامة و السياسة " مما تقدم ذكره، أضاف في آخر الرواية: [.. فقال بشير بن سعد الأنصاري، الذي وطَّأ الأمر لأبي بكر، و قالت جماعة من الأنصار: يا أبا الحسن لو كان هذا الأمر سمعته منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف فيك اثنان ][137][1].
       قلتُ: هذا الاعتذار من بشير بن سعد و جماعة من الأنصار عذر صادق و صحيح، و هو أكبر شاهد على أنه لم يكن عند الأنصار نية مبيتة و سيئة ضد علي و إصرار من البداية على ألا يتولى منصب الخلافة!،  و لا غرو فلم يكن أحد من المهاجرين أو الأنصار بمنكر لفضائله و مناقبه و علمه و شجاعته و لياقته لذلك المنصب، فكيف يكون حالهم لو سمعوا النص على عليٍّ من رسول الله ؟ فبطريق أولى لن يختلف من الأصل على بيعته اثنان.
      و من ذلك نعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن قد نصب عليا أبدا بصراحة حاكما و خليفة له على المسلمين بأمر من الله تعالى في يوم الغدير، إذ لو حصل ذلك كما ادعوا و زعموا أنه أخذ البيعة له من جميع الصحابة، لاستحال أن يتكلم بعد ذلك أحد من الأنصار المحبين لعلي في موضوع نصب الخليفة أو يسعى لنيل هذا المقام! و لاستحال أن يرشح سعد بن عبادة رضي الله عنه ـ الذي كان من الأوفياء المخلصين و المجاهدين بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله ـ نفسه لهذا الأمر، ثم يأتي أبو بكر و عمر و أبو عبيدة (رضي الله عنهم) و يَجُرُّوا البساط من تحت الأنصار وينتزعوا الخلافة من غاصبيها الأولين ليصيروا غاصبيها الثانين!!  ثم لا ينبري أحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين حضروا بيعة غدير خم و كان عددهم (كما يقولون) يزيد على المائة ألف، ليصيح بأهل السقيفة: ويحكم! أيها الناس الذين لا دين لهم و لا حياء !! يا أراذل البشر و أجبنهم و أخونهم و ...  و ...!!  ألم تبايعوا عليا بالخلافة منذ سبعين يوم فقط و جعلتموه إماما عليكم وخاطبتموه بأمير المؤمنين؟؟ و أنشد شاعركم حسان بن ثابت في ذلك قصيدته ؟! فما هذه المهزلة و السخرية التي قمتم بها ؟؟!!
      إن مثل هذا لم يحصل في تاريخ البشر و لا يمكن أن يحصل أبدا، أي أن يبايع جمٌّ غفير يربو على المائة ألف، رجلا بالإمامة، و يعطوه على ذلك العهد والميثاق، سواء طائعين مختارين أم مكرهين مجبرين، ثم في خلال سبعين أو ثمانين يوما فقط ينسون جميعا تلك البيعة التي في أعناقهم أو يجتمعون بأجمعهم على كتمانها وكأنها شيئا لم يكن؟!! هذا مع كونهم يظهرون عبارات الغدير في سائر مواقفهم الأخرى بكل احترام و يلتزمون بها!!! [138][2]  إن مثل هذا الأمر يستحيل وقوعه ليس في عالم الدنيا فحسب بل حتى في عالم الرؤيا و الخيال، فضلا عن أن يقوم به أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين مدحهم القرآن و شهد لهم تاريخ الإسلام بالإخلاص و التضحية بالنفس و المال في سبيل إعلاء كلمة هذا الدين و نشره.
      و يتابع الطبرسي روايته فيقول: [ قال علي ( مجيبا الأنصار ): يا هؤلاء أكنت أدع رسول الله مسجى لا أواريه و أخرج أنازع في سلطانه ؟ والله ما خفت أحدا يسمو له و ينازعنا أهل البيت و يستحل ما استحللتموه، و لا علمت أن رسول الله ترك يوم غدير خم لأحد حجة و لا لقائل مقالا، فأنشد الله رجلا سمع النبي (صلى الله عليه و آله و سلم )  يوم غدير خم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره واخذل من خذله، أن يشهد بما سمع ][139][3].
      قلت: في مثل هذا المقام، لو كانت قصة الغدير نصا حقا على خلافة وإمامة علي، لكان كلام علي هنا ( وهو أمير الفصاحة و البيان ) ناقصا وغير مبين للمراد! لأن كل ما ذكره أنه أراد أن يقوم رجل واحد فقط  ـ من بين جماعة كان يربو عددهم على المائة ألف سمعوا و فهموا و سلَّموا وبايعوا ـ  ليشـهد بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قال من كان يحبني و يتولاني فليحب عليا و ليتولاه، اللهم أحب وكنْ نصير من أحبه و نصره و عاد و اخذل من عاداه و خذله!  حيث ذكرنا سابقا أن لكلمة " مولى " 27 معنى و أنه لا بد من قرينة لفهم المعنى المراد و أن  قوله (صلى الله عليه وآله) اللهم وال من والاه  وعادِ من عاداه، قرينة على أن المراد من المولى معنى النصير المحب، و أيا كان فليس في معاني المولى معنى الخليفة و الإمام! فإذا لم يفهم الناس من تلك الخطبة معنى الخلافة و الإمامة فعندهم كل الحق في ذلك! خصوصا مع وجود القرينة المذكورة.  و علاوة على ذلك فإن نسق الحديث يدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) يريد من كلمة المولى معنى هو حائز عليه الآن ويريد أن يجعل عليا حائزا عليه الآن أيضا ( لأنه قال  من كنت مولاه فعلي مولاه)، و الأمر الذي كان الرسول (صلى الله عليه وآله) متصفا به هو النبوة و الرسالة وبديهي أنه لا يريد أن يكون علي أيضا حائزا على هذه المرتبة لا ذلك الوقت و لا بعد وفاته، و إذا قصد بالمولى الخلافة فالرسول (صلى الله عليه وآله) لم يكن خليفة لأحد حتى يريد جعل الخلافة لعلي أيضا، و لو سلمنا جدلا أن المقصود من المولى الإمامة والرئاسة لوجب أن يقول النبي من كنت مولاه فإن عليا مولاه بعدي، لأنه لا يمكن أن يكون علي رئيسا حاكما على المسلمين في حال رئاسة النبي (صلى الله عليه وآله) وحكومته، لكن مثل هذه الإضافة لم يدع أحد صدورها عن النبي (صلى الله عليه وآله) في هذا الحديث.  لذلك قلنا أن مطالبة علي بمثل هذه الشهادة في ذلك المقام ـ إن صحت ـ  ليست في محلها و لا تؤدي المراد.   و نحن نقطع في الواقع أن هذه المطالبة ليست إلا من اختلاق و وضع الرواة الكذبة و لا ربط لعلي بها أصلا.
      و يتابع صاحب كتاب الاحتجاج روايته فيقول: [ قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر بدريا بذلك. و كنت ممن سمع القول من رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم فكتمت الشهادة يومئذ، فدعا عَلَيَّ فذهب بصري ][140][4].
       قلتُ: هذا الحديث كله رواه الطبرسي عن "أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني" عن رجال ثقة! و لا يعلم أحد من هؤلاء الرجال الثقة ؟! أما محمد بن عبد الله الشيباني فقد ذكره النجاشي في رجاله ( ص 309 ) وقال: [ أصله كوفي ورأيت جلّ أصحابنا يضعِّفونه ] و قال القهبائي في "مجمع الرجال "( ج 5 / ص 241): [ محمد بن عبد الله الشيباني أبو الفضل: وضاع كثير المناكير ] وقال عنه الشيخ الطوسي في كتابه " الفهرست ": [ ضعَّفه جماعة من أصحابنا و في كتاب الأخبار الدخيلة (ص 48) عن الغضائري: [ إنه كذاب وضاع للحديث ]، هذا من ناحية السند.
       ثم إن زيد بن أرقم لم يكن ممن تسمع شهادتهم في ذلك الوقت، و لا طلب أمير المؤمنين منه هذه الشهادة في ذلك الوقت بل طلبها في رحبة الكوفة زمن خلافته عليه السلام كما جاء ذكر ذلك في بحار الأنوار ( ج 22 / ص 23 ).
      اما الاثنا عشر بدريا الذين تقول رواية الطبرسي هذه أنهم شهدوا بما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) في غدير خم، فيبدو أنهم نفس الاثني عشرالذين ذكرهم الطبرسي في روايته، التالية مباشرة لهذه الرواية، و التي يرويها الطبرسـي من غير سـند (!) بل مرسلة عن أبان بن تغلب أنه سأل حضرة الإمام جعفر الصادق عليه السلام فقال: [ قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله صلىالله عليه وآله أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول الله صلىالله عليه وآله ؟ قال: نعم كان الذي أنكر على أبي بكر اثني عشر رجلا، من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص، و كان من بني أمية، و سلمان الفارسي و أبوذر الغفاري و المقداد بن الأسود وعمار بن ياسر و بريدة الأسلمي،  و من الأنصار: أبو الهيثم بن التيهان و سهل و عثمان ابنا حنيف وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأبي بن كعب و أبو أيوب الأنصاري.  قال (أي الإمام جعفر الصادق): فلما صعد أبو بكر  المنبر تشاوروا بينهم، فقال بعضهم لبعض والله لنأتينَّه و لننزلنَّه عن منبر رسول الله صلىالله عليه وآله [141][5] ، و قال آخرون منهم: والله لئن فعلتم ذلك إذن أعنتم على أنفسكم و قد قال الله عز وجل: " و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " فانطلِقوا بنا إلى أمير المؤمنين (أي علي) لنستشيره و نستطلع رأيه ].
      ثم يذكر الراوي أن عليا لم يوافقهم على ما أرادوا فعله لما فيه من تهديد حياته بالقتل و قال لهم في آخر كلامه: [ فانطلِقوا بأجمعكم إلى الرجل (أي أبو بكر) فعرِّفوه ما سمعتم من قول نبيكم ليكون ذلك أوكد للحجة و أبلغ للعذر وأبعد لهم من رسول الله (صلىالله عليه وآله) إذا وردوا عليه!  قال: فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسـول الله (صلىالله عليه وآله) و كان يوم الجمعة، فلما صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للأنصار تقدموا و تكلموا، فقال الأنصار بل تكلموا أنتم ] [142][6]
      و يستقر الاختيار على خالد بن سعيد بن العاص ( و الحال أن خالد بن سعيد هذا إنما كان قد أسلم بفضل دعوة و إرشاد أبي بكر رضي الله عنه فكانت هدايته للإسلام على يده، اشترك في زمان خلافة أبي بكر و بأمرٍ منه في معركة "أجنادين"  و استشهد فيها و كان ذلك قبل 24 يوما من وفاة أبي بكر) فيقوم خالد فيعظ أبا بكر رضي الله عنه و يذكّره، لكنه لا يذكر في كلامه شيئا عن غدير خم، بل يذكر حادثة و كلاما قاله الرسول (صلى الله عليه وآله) لعلي يوم بني قريظة ليس له ذكر في أي من التواريخ المتقدمة! و الأغرب من ذلك ما ذكره الراوي من أن عمر رض الله عنه قام فقال: [ اسكت يا خالد! فلست من أهل المشورة و لا ممَّن يُقْتَدى برأيه! هذا مع أن خالد بن سعيد لا ينقصه شيء عن عمر رضي الله عنه حتى يخاطبه عمر رضي الله عنه بهذه الصورة و يقول له لست من أهل المشورة، دون أن يعترض خالد و لا غيره على ذلك!! إذ لو كانت الأفضلية بالسبق إلى الإسلام فخالد بن سعيد خامس رجل أسلم فكان إسلامه قبل عمر رضي الله عنه بعدة سنوات، و كان من أصحاب الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، و شهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) جميع الغزوات، و أرسله رسول الله(صلى الله عليه وآله) قُبيل وفاته إلى اليمن و عيَّنه حاكما على قبيلة مذحج في قسمٍ من اليمن، و لا ندري كيف أتى به الراوي الكذّاب من اليمن إلى المدينة و جعله أول من تكلم معترضا على أبي بكر!!.. و على أي حال فلم يأت في كلام خالد أي ذكر لحديث الغدير مع كونه أهم مستند للخلافة المنصوص عليها، بل كل ما كان في احتجاجه هو سباب و شتائم لعمر رضي الله عنه حتى أنه قال له: [ و إنك في هذا الأمر بمنزلة الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها و ذلك جزاء الظالمين! ][143][7] .
       و كل مطلع على تاريخ صدر الإسلام يعلم يقينا كذب مثل هذه الأقاويل.  ثم كان سلمان الفارسي ثاني من تكلم من المهاجرين و لم يشر في كلامه أيضا لمسألة النص على عليٍّ يوم الغدير بل اقتصر كلامه على ذكر بعض فضائل علي و تذكير أبي بكر بأنه كان عليه النفوذ في جيش أسامة بن زيد [144][8] ... أما المحتج الثالث فكان أبا ذر الذي لم يشر كذلك لا من قريب و لا بعيد للغدير، وكذلك فعل الذي بعده أي المقداد بن الأسود [145][9] ثم بريدة الأسلمي و كان عمار بن ياسر آخر من تكلم من المهاجرين و اقتصر كلامه على تخويف أبي بكر عاقبة فعله وتذكيره بفضائل أهل البيت حيث قال: [ و إن أهل بيت نبيكم أولى و أحق بإرثه و... (إلى قوله ) فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم..] ثم ذكر عددا من فضائل علي.
        ثم جاء دور الأنصار فكان أول من تكلم منهم أبي بن كعب الذي أنَّب أبا بكر دون أن يأتي في كلامه بأي إشارة لغدير خم، و تكلم بعده خزيمة بن ثابت فاقتصر كلامه على ذكر فضائل أهل البيت، و كان المتكلم الثالث أبو الهيثم بن التيهان و كان أول من أشار لمسألة الغدير، لكن الذي يُفهم من كلامه أن خطبة الغدير كانت غامضة فحصل خلاف بين الصحابة في فهم معناها، حيث يقول الراوي: [ فقالت الأنصار: ما أقامه للخلافة، و قال بعضهم: ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من كان رسول الله صلىالله عليه وآله مولاه، و كثر الخوض في ذلك فبعثنا رجالا منا إلى رسول الله فسألوه عن ذلك فقال: قولوا لهم عليٌّ ولي المؤمنين بعدي و أنصح الناس لأمتي..] . وهنا أيضا لا نرى كلاما صريحا في الخلافة و النص على علي بالحكومة والإمارة بأمر من الله عز وجل، بل إن دل كلام الراوي على شيء فإنه يدل على إثباته النقص و القصور في بيان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم )  (حاشاه من ذلك) [146][10] .
      أما الإشكال الأكبر من هذا، في هذه الرواية، فهو أن التواريخ تؤكد أن "أبا عمارة خزيمة بن ثابت الأوسي، ذي الشهادتين"  و " أبا الهيثم مالك بن التيهان الأوسي" رغم كونهما من أنصار و مؤيدي علي عليه السلام ، لم يكونا قطعا من المعتقدين بالنص النبوي الإلـهي على إمارته.  ينقل "أحمد بن يحيى البلاذري" في كتابه "أنساب الأشراف" الذي يعد من أقدم التواريخ الإسلامية، أن هذان الشخصان كانا مترددين حتى في القتال إلى جانب علي في حربه مع معاوية، مع وضوح عدم حقانية معاوية و بغيه فيها!، و بقوا مترددين في المشاركة مع علي في القتال إلى أن استشهد ـ في صف علي ـ عمار بن ياسر رضي الله عنه عند ذلك وضح الحق لهما، فخاضا الحرب بكل إخلاص إلى جانب علي عليه السلام و استشهدا في نصرته! قال البلاذري: ((عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، قال: شهد خزيمة الجمل فلم يسل سيفا و شهد صفين فقال لا أقاتل أبدا حتى يقتل عمار فأنظر من يقتله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية، قال: فلما قتل عمار، قال خزيمة: قد بانت الضلالة فقاتل حتى قتل))[147][11] .  و يروي الكشي في كتابه الرجال (ص 51) نقلا عن محمد بن عمار بن خزيمة أيضا: (( ما زال جدي بسلاحه يوم الجمل و صفين، حتى قتل عمار، (فعند ذلك) سـلَّ سيفه حتى قُـتِل)).  وكذلك ذكر "البلاذري" في "أنساب الأشراف" عن أبي الهيثم : (( حضر أبو الهيثم بن التيهان الصفين، لما رأى عمارا قد قتل، قاتل حتى قُـتِل، فصلى عليه علي و دفنه)) [148][12].
      و لذلك فقد كان اختيار واضع رواية الاحتجاج لهاتين الشخصيتين لأداء ذلك الدور الذي نسبه لهما اختيارا غير موفق و غير خبير!!
      ثم تذكر رواية الاحتجاج أن المعترض الرابع كان سهل بن حنيف الذي قام و شهد أنه رأى رسول الله صلىالله عليه وآله في هذا المكان ( يعني روضة المسجد النبوي) و قد أخذ بيد علي و قال:[ أيها الناس هذا علي إمامكم من بعدي و وصيي في حياتي وبعد وفاتي..]  و لكنه لم يشر لموضوع الغدير، و قام بعده أخوه عثمان بن حنيف فقال: [ سمعنا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم )  يقول: أهل بيتي نجوم الأرض فلا تتقدموهم و قدموهم فهم الولاة من بعدي]، و كان آخر المتكلمين أبو أيوب الأنصاري الذي بدأ كلامه قائلا: [ اتقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيكم  ارددوا إليهم حقهم...] ثم ذكر فضيلة لأهل البيت و لعلي دون أن يأت بأي ذكر لقضية غدير خم.[149][13]
      رغم أن متن هذا الحديث يكفي للحكم بوضعه، لكننا سنفرض جدلا أنه صحيح و أن هذا الاعتراض من أولئك الاثني عشر قد تم فعلا بالصورة المذكورة، فلنا أن نسأل: لو كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد نص صراحة على خلافة و إمارة علي في غدير خم و أخذ له البيعة من الناس، ألم يكن من المنطقي أن يذكر أولئك المعترضون هذا الأمر قبل أي شيء آخر باعتباره أوضح دليل و أقطع حجة على أن الخليفة الحق هو علي و لا يمكن أن يكون غيره ؟؟  أليس عدم ذكرهم لذلك يؤكد ما قلناه من أن قضية غدير خم لم تكن أبدا نصا على علي بالخلافة بل كل ما في الأمر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خشي من عداوة بعض المسلمين لعلي، فأراد أن يبين للمسلمين وجوب محبته؟  بل يمكن القول أن هذا الحديث من معجزات النبي (صلى الله عليه وآله) إذ يشير إلى أن النبي  نُبِّئ بما سيلقاه عليٌّ في عهد خلافته من عداء ومحاربة، لذا أوصى بمحبته و موالاته مرات عديدة، تلك المحبة و الموالاة الصادقة التي تنفع عليا و تعينه على نصرة الحق و لا تتركه لوحده، لا المحبة والولاء الادعائي الذي يكون وسيلة للتجرُّؤ على المعاصي و تعدي حدود الله تعالى، كما يفعل اليوم عديد من الأراذل قائلين (حبُّ عليٍّ حسنـةٌ  لا  تضرُّ معها  سيئـة!) فيغرّهم الشيطان بارتكاب المعاصي و الآثام،  لا والله.  
      و يتابع الطبرسي روايته الواضحة الاختلاق و المنسوبة زورا  و بهتانا للإمام الصادق فيقول: [ قال الصادق عليه السلام : فأُفْحِم أبو بكر على المنبر حتى لم يَحِرْ جوابا، ثم قال: وُليتكم و لست بخيركم أقيلوني أقيلوني! فقال له عمر بن الخطاب: انزل عنها يا لُكَع [150][14]، إذا كنت لا تقوم بحجج قريش، إذاً لم أقمت نفسك هذا  المقام ؟  و الله لقد هممت أن أخلعك و أجعلها في سالم مولى أبي حذيفة! [151][15]  قال: فنزل (ابو بكر) ثم أخذ ( عمر) بيده و انطلق إلى منزله و بقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد رسول الله صلىالله عليه وآله، فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد و معه ألف رجل فقال لهم: ما جلوسكم فقد طمع فيها و الله بنو هاشم ؟ و جاءهم سالم مولى أبي حذيفة ومعه ألف رجل، وجاءهم معاذ بن جبل و معه ألف رجل، فما زال يجتمع إليهم رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل، فخرجوا شاهرين بأسيافهم يقدمهم عمر بن الخطَّاب حتى وقفوا بمسجد رسول الله صلىالله عليه وآله، فقال عمر: والله يا أصحاب علي لئن ذهب منكم رجل يتكلم بالذي تكلم بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه.
      فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص و قال:  يا بن صهاك الحبشية أبأسيافكم تهددوننا أم بجمعكم تفزعوننا، و الله إن أسيافنا أحد من أسيافكم وإنا لأكثر منكم و إن كنا قليلين لأن حجة الله فينا، و الله لولا أني أعلم أن طاعة الله و رسوله و طاعة إمامي أولى بي لشهرت سيفي و جاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري.
      فقال أمير المؤمنين: اجلس يا خالد فقد عرف الله لك مقامك و شكر لك سعيك، فجلس و قام إليه سلمان الفارسي فقال: الله أكبر  الله أكبر سمعت رسول الله صلىالله عليه وآله بهاتين الأذنين و إلا صمتا يقول: " بينا أخي وابن عمي جالس في مسجدي مع نفر من أصحابه إذ تكبسه جماعة من كلاب أصحاب النار يريدون قتله و قتل من معه، فلست أشك إلا و أنكم هم"، فَهَمَّ به عمر بن الخطَّاب فوثب إليه أمير المؤمنين عليه السلام و أخذ بمجامع ثوبه ثم جلد به الأرض ثم قال: يابن صهاك الحبشية لولا كتابٌ من الله سبق و عهد من رسول الله تقدم لأريتك أيُّنا أضعف ناصرا و أقل عددا.  ثم التفت إلى أصحابه فقال:  انصرفوا رحمكم الله، فوالله لا دخلت المسجد إلا كما دخل أخواي موسى وهارون، إذ قال له أصحابه: " فاذهب أنت و ربك فقاتلا إنا هيهنا قاعدون " والله لا دخلته إلا لزيارة رسول الله صلىالله عليه وآله أو لقضية أقضيها فإنه لا يجوز بحجة أقامها رسول الله صلىالله عليه وآله أن يترك الناس في حيرة ][152][16]
      قلت: إن هذه القصة المختلقة أشبه ما تكون بحكايات القصاصين الخرافية في القهاوي الشعبية التي يثيرون بها السذَّج الرعاع تلقاء أجر من المال.  و للأسف فإن كتاب الاحتجاج مليء بأمثال هذه القصص الخرافية، من جملتها تلك الرواية التي ذكرها عقب روايته السابقة، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: [ ثم إن عمر احتزم بإزاره و جعل يطوف بالمدينة و ينادي: ألا إن أبا بكر قد بويع له فهلموا إلى البيعة، فينثال الناس يبايعون، فعرف أن جماعة في بيوتٍ مستترون [153][17]، فكان يقصدهم في جمع كثير و يكبسهم ويحضرهم المسجد فيبايعون حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي عليه السلام فطالبه بالخروج فأبى، فدعا عمر بحطب و نار و قال: و الذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه. فقيل له: إن فاطمة بنت رسول الله و ولد رسول الله و آثار رسول الله صلىالله عليه وآله فيه، و أنكر الناس ذلك من قوله، فلما عرف إنكارهم قال: ما بالكم أتروني فعلت ذلك إنما أردت التهويل، فراسلهم علي أن ليس إلى خروجي حيلة لأني في جمع كتاب الله الذي قد نبذتموه و ألهتكم الدنيا عنه، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي و لا أدع ردائي على عاتقي حتى أجمع القرآن.
      قال:  و خرجت فاطمة بنت رسول الله صلىالله عليه وآله إليهم فوقفت خلف الباب ثم قالت: لا عهد لي بقوم أسوء محضرا منكم، تركتم رسول الله صلىالله عليه وآله جنازة بين أيدينا و قطعتم أمركم فيما بينكم و لم تؤمرونا ولم تروا لنا حقا، كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك الرجاء، و لكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيكم، و الله حسيب بيننا و بينكم في الدنيا و الآخرة ] [154][18].
      قلت: إن الراوي عبد الله بن عبد الرحمن هذا، لا يُعْرَفُ من هو، و يظهر أنه نفس " عبد الله بن عبد الرحمن الأصم المسمعي البصري " الذي اعتبرته كتب الرجال ضعيفا و ليس بشيء، و ذكر عنه الغضائري " أنه وضع زيارات تدل على خبث عظيم و مذهب متهافت و كان من كذَّابة أهل البصرة " [155][19].
      أجل لا يروي مثل تلك الأكاذيب و ينسبها للآخرين إلا أمثال هؤلاء  الغلاة الدواب الذين لا يعقلون!
      ثم يذكر صاحب الاحتجاج رواية يرويها عن "سليم بن قيس الهلالي" عن سلمان الفارسي أنه قال: [ أتيت عليا عليه السلام و هو يغسّل رسول الله صلىالله عليه وآله، و قد كان أوصى أن لا يغسّله غير علي عليه السلام، و أُخْبِرَ أنه لا يريد أن يقلب منه عضوا إلا قُلِبَ له، و قد قال أمير المؤمنين عليه السلام لرسول الله صلىالله عليه وآله: من يعينني على غسلك يا رسول الله؟ قال جبرئيل.  فلما غسّله و كفّنه أدخلني و أدخل أبا ذر و المقداد و فاطمة و حسنا و حسينا عليهم السلام فتقدم و صففنا خلفه فصلى عليه و عائشةُ في الحجرة لا تعلم قد أخذ جبرئيل ببصرها، ثم أدخل عشرة من المهاجرين و عشرة من الأنصار فيصلون و يخرجون، حتى لم يبق من المهاجرين و الأنصار إلا صلى عليه، و قلت لعلي عليه السلام حين غسّل رسول الله صلىالله عليه وآله: إن القوم فعلوا كذا وكذا و إن أبا بكر الساعة لعلَى منبر رسول الله صلىالله عليه وآله و ما يرضى الناس أن يبايعوا له بيد واحدة إنهم ليبايعون بيديه جميعا يمينا وشمالا. فقال علي عليه السلام: يا سلمان فهل تدري من أول من يبايعه على منبر رسول الله صلىالله عليه وآله ؟ فقلت: لا إلا أني قد رأيته في ظلة بني ساعدة حين خُصِمَتِ الأنصار، و كان أول من بايعه بشير بن سعد ثم أبو عبيدة بن الجراح ثم عمر بن الخطَّاب ثم سالم مولى أبي حذيفة و [ معاذ بن جبل ].  قال:  لست أسألك عن هذا، و لكن تدري من أول من بايعه حين صعد منبر رسول الله صلىالله عليه وآله ؟ قلت: لا و لكني رأيت شيخا كبيرا متوكئا على عصاه بين عينيه سجادة، شديد التشمير و هو يبكي و يقول: الحمد لله الذي لم يمتني و لم يخرجني من الدنيا حتى رأيتك في هذا المكان ابسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعه ثم نزل فخرج من المسجد.  فقال لي علي عليه السلام: يا سلمان و هل تدري من هو ؟ قلت: لا و لكني ساءتني مقالته كأنه شامت بموت رسول الله صلىالله عليه وآله. قال عليٌّ: إن ذلك إبليس لعنه الله! ] [156][20].
      و يتابع "سليم بن قيس" هذا الهراء و السخافات المضحكة، فيذكر كيف حمل عليٌّ فاطمة على حمار و أخذ ابنيه الحسن و الحسين يستنصر الناس على أبي بكر، فلم يستجب له في النهاية إلا أربعة هم سلمان و أبو ذر والمقداد و الزبير! ثم يحكي كيفية مطالبة أبي بكر و عمر علياً بالبيعة وإجباره بالعنف على ذلك، و تآمر مؤيدي أبي بكر على قتل عليٍّ و سبّ الزبير لعمر و قصة الستة أهل تابوت جهنم  و أصحاب الصحيفة الملعونة!...إلخ.
      و إذا وصل الأمر لسليم بن قيس فلا بد من كلمة عنه، فقد أكثر صاحب " الاحتجاج " من نقل أمثال هذه الروايات  ـ التي لا ريب أنها من وضع أعداء الإسلام  ـ  عنه، و لا نستغرب من سليم بن قيس أمثال هذه الأكاذيب، فعدد من العلماء  يتفقون معنا في تكذيبه و الحكم بالوضع و الكذب على كتابه الذي يروج له الوعاظ الجهلة عندنا و يسمونه بـ " أبجد الشيعة " أو " أسرار آل محمد "! و يجعلون قراءته فرضا على كل شيعي! ـ  فلنر موقف المحققين من رجاليينا منه و من كتابه:
 

قول محققي العلماء في سليم بن قيس الهلالي و كتابه

     زبدة القول بشأن سليم بن قيس و كتابه ما قاله ابن الغضائري: [.. وكان أصحابنا يقولون أن سليما لا يُعْرَف و لا ذُكِرَ في حديثٍ، و قد وجدتُ ذكره في مواضع من غير جهة كتابه و لا من رواية أبان بن عياش عنه، و قد ذَكَرَ ابن عقدة في رجال أمير المؤمنين أحاديث عنه، و الكتاب موضوع لا مرية فيه، و على ذلك علامات منها ما ذكر أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت و منها أن الأئمة ثلاثة عشر و غير ذلك ][157][21]، وذلك لأن سن محمد بن أبي بكر عند وفاة أبيه، لم تكن تتجاوز السنتين و عدة أشهر، فكيف وعظ أباه وهو بهذه السن؟! [158][22] و أمثال تلك الأخطاء الفاضحة في هذا الكتاب كثيرة، منها أنه أورد في أحد أحاديثه التي رواها ـ بغرض إثبات إمامة الأئمة الاثني عشر ـ  حديثا مطولا يروي فيه عن علي عليه السلام أن رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) قال له: ((لست أتخوف عليك النسيان و الجهل و لكن اكـتُـبُ لشركائك الذين من بعدك...)) فيسأله عليٌّ عليه السلام : و من شركائي يا رسول الله؟ فيعرِّفه الرسول على الأئمة من ولده. 
      هذا الحديث، ـ حسبما جاء في كتاب "إثبات الهداة" للحر العاملي (ج2/ص 455) ـ رواه "الفضل بن شاذان" في كتابه "إثبات الرجعة" و نقله عنه الشيخ الصدوق فقال: ((عن سليم بن قيس أنه حدث الحسن و الحسين بهذا الحديث بعد موت معاوية، فقالا: صدقت يا سليم! حدثك أمير المؤمنين و نحن جلوس... )).  هذا في حين أن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كان قد توفي قبل وفاة معاوية بعشر سنوات، إذ توفي الحسن سنة خمسين للهجرة و توفي معاوية سنة ستين باتفاق المؤرخين، فكيف تـأتَّـى لسليم أن يعرض هذا الحديث على الحسن وأخيه بعد وفاة معاوية؟!! فهذا كاف لبيان مدى الجهل الفاضح، لواضع هذا الحديث، بالتاريخ.
      من هنا فقد أورد العلامة الشوشتري في كتابه "قاموس الرجال" (ج4/ص44) نقولا عن عدد من العلماء في ذم هذا الكتاب و اعتباره موضوعا (مختلقا) من أساسه.
      و قال الشيخ المفيد في شرحه لعقائد الصدوق (الصفحة 72): [ إن هذا الكتاب غير موثوق به و قد حصل فيه تخليط و تدليس و لا يجوز العمل على أكثره فينبغي للمتديِّن أن يجتنب العمل بكل ما فيه ].
      و قال ابن أبي داود الحلي في رجاله: [ سليم بن قيس الهلالي ينسب إليه الكتاب المشهور و هو موضوع بدليل أنه قال إن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند موته و قال فيه إن الأئمة ثلاثة عشر مع زيد و أسانيده مختلفة. لم يرو عنه إلا ابن أبي عياش، و في الكتاب مناكير  مشتهرة و ما أظنه إلا موضوعا] [159][23] .
      أما العلامة الحلي فقد حاول في كتابه " خلاصة الأقوال في معرفة الرجال" تعديل سليم بن قيس حيث قال: [ و الوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه والتوقف في المفاسد من كتابه لكن "الشهيد الثاني" انتقد ذلك قائلا فيما علقه بخطه  على الخلاصة: [ و أما حكمه بتعديله فلا يظهر له وجه أصلا، و لا وافقه عليه غيره ] كما قال بشأن كتابه: [ في الطريق ابراهيم بن عمر الصنعاني و أبان بن أبي عياش طعن فيهما ابن الغضائري و ضعَّفهما، و لا وجه للتوقُّف في الفاسد (من كتابه) بل في الكتاب (كله) لضعف سنده على ما رأيت، و على التنزّل كان ينبغي أن يُقال: و رد الفاسد منه و التوقف في غيره ] [160][24].
      و النتيجة أن الكتاب ساقط و موضوع من أصله، و علاوة على ذلك فقد صرح علماء الرجال بأن كتاب "سليم بن قيس" لم يُرْو إلا من طريق رجل واحد هو " أبان بن أبي عياش "، و هو مجروح مضعَّف في كتب الرجال:
‌أ)   ففي كتاب "مجمع الرجال" للقهبائي (ص 16) قال: [ غض: أبان بن أبي عياش ضعيف لا يُلْتَفَتُ إليه و ينسِب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه ].
                 ‌ب)و ضعَّفه ابن داود في كتابه "الرجال" (ص 414) بنفس تلك العبارات.
                  ‌ج)  و أورده الشيخ طه نجف أيضا في (ص 254) من كتابه " إتقان الرجال " في عداد الضعفاء.
                  ‌د)   و قال التفرشي في "نقد الرجال" (ص 4) [ أبان بن عياش تابعي ضعيف لا يُلتفت إليه و نُسِبَ     وضع كتاب سليم بن قيس إليه ].
       فإن قيل: إذا كان الكتاب ضعيفاَّ ومتهافتاً لهذه الدرجة [161][25] فما السر في  توقف بعض أكابر العلماء فيه، كما فعل العلامة الحلي و غيره، فلم يردوه مطلقا ؟ فالجواب واضح: لو تخلوا عن كتاب سليم بن قيس و كتاب "الاحتجاج" للطبرسي و أمثالهما من الكتب ككتاب " إرشاد القلوب " للديلمي، و كتاب "غاية المرام" للبحراني، و المئات من أمثال هذه الكتب المليئة بالأكاذيب بحكم العقل و الوجدان و التي علامات الوضع فيها ظاهرة، لما بقي في أيديهم شيء يثبتون به النص الصريح أو بقية الأمور التي يدعونها.   أجل هذه الكتب هي الحجج القاطعة (!) لهؤلاء المفرِّقين لأمة الإسلام.
      و ما دمنا قد ذكرنا كتاب "إرشاد القلوب" للديلمي، فلا بأس أن نشير إلى طرف مما رواه حول موضوع السقيفة و بيعة أبي بكر رضي الله عنه، لنرى إلى أي حد حُشِيَتْ به هذه القصة بالأكاذيب و الخرافات، في أمثال هذه الكتب، فقد روى الديلمي احتجاجا طويلا لعليٍّ على أبي بكر لتوليه الخلافة وصل لغاية أن قال علي لأبي بكر: [ الله و رسوله عليك من الشاهدين يا أبا بكر إن رأيت رسول الله صلى ا لله عليه وآله حيا يقول لك إنك ظالم في أخذ حقي الذي جعله الله ورسوله لي دونك و دون المسلمين أن تسلم هذا الأمر إلي وتخلع نفسك ؟ فقال أبو بكر: يا أبا الحسن! و هذا يكون أن أرى رسول الله حيا بعد موته فيقول لي ذلك ؟ فقال له أمير المؤمنين نعم يا أبا بكر، قال: فأرني إن كان ذلك حقا...قال: تسعى إلى مسجد قبا، فلما ورداه... فإذا هما برسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم )  جالس في قبلة المسجد، فلما رآه أبو بكر سقط لوجهه كالمغشي عليه فناداه رسول الله: ارفع رأسك أيها الضليل المفتون... ويلك يا أبا بكر أنسيت ما عاهدت الله و رسوله عليه في المواطن الأربعة لعلي عليه السلام...قال: هل من توبة يا رسول الله ؟...إلخ ] [162][26].  ثم يروي أن أبا بكر رضي الله عنه ندم على تولِّيه الخلافة و قرَّر أن يذهب لمسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ليعلن انسحابه منها وتسليمها لعلي فلما علم عمر بذلك أخذ يثنيه عن ذلك فقال له أبو بكر:  إنك شيطاني يا عمر.. ثم أقنعه عمر أن يذهب إلى بيته بحجة الوضوء فيشرب خمرا ـ و هم في شهر رمضان! ـ و يقول شعراً ينضح بالكفر[163][27].. بعدها يروي قصة محاربة أشجع بن مزاحم الثقفي ـ الذي كان من مؤيدي أبي بكر ـ لعلي بصورة لا يمكن حتى لمجنون أن يصدقها، إذ يروي أن أمير المؤمنين خرج من المدينة لحيازة ضيعة له فوقعت مواجهة بينه و بين أشجع تحولت لمعركة، و لما ظهرت علائم الهزيمة على أشجع، سارع أبو بكر بإمداد أشجع في حربه لعلي بفريق من المقاتلين، لكن هذا لم يحل دون انتصار علي على أشجع و أسره له ثم فعل علي كذا وكذا... وحقا إن الإنسان ليستحي  من قراءة مثل هذه الأباطيل و الخزعبلات. أجل بمثل هذه الأساطير و الأوهام أرادوا أن يثبتوا النص على علي، فأوهنوا بالأحرى أسس دين الإسلام، و هم لا يشعرون! 
 

خلاصـة ما سبق

1 ـ لو كانت مسألة الإمامة ـ التي اختلفت الأمة حولها كل هذا الاختلاف وألفت فيها مئات بل آلاف الكتب ـ هامة فعلا إلى هذا الحد في نظر الشارع، أعني لو كان الشارع تبارك و تعالى قد اختار لها أشخاصا معينين فرض طاعتهم المطلقة على العالمين، تماما كطاعة الأنبياء و المرسلين؛ لحكم العقل و الوجدان أن يبين الله عز وجلّ ذلك في تنزيله العزيز و ذكره الحميد بأوضح بيان و أن يحفظ هذه الآيات، بقدرته، من عبث العابثين، حتى لا تختلف الأمة و لا تضل.
2 ـ يحكم العقل أيضا أن تعيين أئمة و حكام معينين لأجل شريعة أبدية ستبقى حتى يرث الله الأرض و من عليها، أمر غير مناسب و لا معقول، بل يعد نقضا لأبدية هذا الدين؛ إذ كيف يعيَّن له عدد محدود من الأئمة هم اثنا عشر فقط، مع أنه دين خاتم باقٍ ما دامت السموات و الأرض؟
3 ـ تعيين أشخاص معينين لحكم المسلمين بأمر الله تعالى إلى يوم الدين يضيق دائرة تكليف المؤمنين و ميدان عملهم و تكاملهم، و يضعف حريتهم و اختيارهم ويذهب بالتالي بهدف النبوة الخاتمة كما سبق توضيحه، كما أنه يناقض أساس الشرائع الإلـهية، و الهدف الذي لأجله خلق الله البرية و الذي يستلزم وجود الاختيار و الافتتان ليمتحن الله تعالى الناس و يرى أيهم أحسن عملا؟!
4 ـ تؤكد التواريخ المعتمدة أنه كان أحيانا لبعض الأئمة ـ من الأئمة الاثني عشر الذين ترى الإمامية عصمتهم المطلقة ـ وجهات نظر و مواقف و أعمال متخالفة، مثل مصالحة الإمام الحسن عليه السلام لمعاوية ومحاربة الإمام الحسين عليه السلام ليزيد، مما أوقع العلماء في تخبطات حين حاولوا التوفيق بين هذه المواقف المختلفة [164] و تمسك بعضهم بروايات واهية تقول بأنه كان لكل إمام صحيفة خاصة من الله تعالى يعمل بها‍‍‍‍!! و معنى ذلك أنه كانت لكل منهم واجبات وكتاب و سنة خاصة بهم غير القرآن الكريم والسنة النبوية التي يعرفها سائر المسلمون!!  و هذا ، لعمري، أصل خطير جدا يؤدي القول به إلى لزوم قبول كل ما ينسب لإمام من الأئمة من أعمال و أقوال و لو كانت مخالفة لظواهر القرآن الكريم، و الأمر بطاعته، و هذا بمثابة منشار يجتث تعاليم القرآن من أساسها!! هذا في حين أن الأئمة "عليهم السلام" أنفسهم جعلوا القرآن الكريم المعيار و المرجع الذي يوزن به كل ما ينسب إليهم و ينقل عنهم من أخبار فما وافق القرآن الكريم كان عنهم وما خالفه فليس عنهم بل مردود و زخرف من القول و يضرب به عرض الحائط.
5 ـ لو كانت مسألة النص على الإمام على ذلك المقدار من الخطورة و الأهمية لبلغها الرسول صلى الله عليه وآله بشكل واضح وصريح و لنادى بها في الملأ العام ولأعلن بها كل صباح و مساء، و لما اقتصر على حديث الغدير الذي لم يستطع حتى أقـرباء و أنصار علي عليه السلام أن يدركوا منه معنى التعيين لمنصب الخلافة والإمامة، كما مر معنا من مقالة أبي الهيثم بن التيهان لدى ذكر احتجاج الاثني عشر شخصا على أبي بكر، على الرغم من أن الحديث،في الغالب، موضوع من أساسه، لكنه على أي حال إقرار من واضعه بغموض دلالة الحديث على النصب للإمامة.
      و كذلك لا يمكن اعتبار أحاديث مثل حديث "الطير المشوي" و حديث "المؤاخاة" و حديث "إعطاء الراية" و أمثالها من الأحاديث الواردة في كتب الفريقين في مناقب و فضائل علي عليه السلام دليلا على النص عليه و تعيينه إماما مفترض الطاعة من قِبَلِ الله تعالى على المؤمنين طاعة مطلقة كطاعة الرسول صلى الله عليه وآله ؛ نعم هي أحاديث صحيحة في فضل علي عليه السلام و عظيم مقامه، لكنها ليست مستندا للقول بإمامته المنصوص عليها من الله بل أكثر ما تفيده أولويته وأفضليته لمنصب الإمامة فحسب.
6 ـ كان حديث الغدير ـ الذي هو أهم ما يستند إليه القوم في إثبات النص على علي بالإمامة ـ بعيدا جدا في نظر الصحابة عن إفادة هذا المعنى لدرجة أن أحدا منهم لم يستند إليه للاستدلال على النص على الإمام و لم يستفد منه موضوع الإمارة والخلافة!  هذا في حين أن الأنصار لما ذُكِّروا بحديث "الأئمة من قريش"، الذي ربما لم يسمعه من النبي (صلىالله عليه وآله وسلم) إلا القليل، تقاعدوا عن الإصرار على تولي منصب الإمامة و اقتنعوا بحجة المهاجرين عملا بقول نبيهم الكريم ، فكيف كان من الممكن أن يعرضوا عن نص صريح دال على إمامة علي عليه السلام ؟؟! هذا مع التذكير بما قلناه مرارا أن عليا عليه السلام كان دائما محبا و حاميا للأنصار (أي لم يكن عندهم أي داع لرفض إمامته عليهم). أجل لم يكن لحديث الغدير من الأهمية، حتى في أنظار شيعة علي و أنصاره،  ما كان لحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمّار بن ياسر رضي الله عنه: [ تقتلك الفئة الباغية ][165][2] والذي ربما لم يقله أكثر من مرة واحدة، لكنه كان في نظر الصحابة على درجة من الأهمية بحيث أنه لما قتل عمّار في وقعة صفين على أيدي جيش معاوية، وقعت ضجة و اضطراب وصخب في صفوف الطرفين، حتى كاد جيش معاوية ينقلب ضده أو على الأقل يتخلى عنه وعن القتال معه، هذا من جهة جيش معاوية، و من الجهة الأخرى أقدم عدد من المتردِّدين من أصحاب علي ـ بعد استشهاد عمار ـ على الحرب معه ضد معاوية و جنده بكل ميل و رغبة، حتى أن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، الذي جعله صاحب كتاب الاحتجاج أحد المحتجين الاثني عشر على أبي بكر، لم يكن مستعدا في البداية أن يشهر سيفه و يقاتل إلى جانب علي في صفين بيقين و اطمئنان! ـ كما يروي ذلك البلاذري صاحب أحد أقدم الكتب التاريخية أي كتاب "أنسـاب الأشـراف" ـ  لكنه لما علم باستشهاد عمار و قتله على يد فئة معاوية أيقن أن معاوية و جماعته هم البغاة بنص الحديث فأقدم بكل حماس وإيمان على القتال إلى جانب علي حتى نال شربة الشهادة رضي الله عنه [166][3] . إذاً في نظر خزيمة كان حديث " عمار مع الحق، تقتله الفئة الباغية " أهم من حديث: "عليّ مع الحق"  فضلا عن حديث: "من كنت مولاه فعليٌّ مولاه..الخ"، و كذلك أبو الهيثم بن التيهان ، الذي يذكر صاحب كتاب الاحتجاج عنه أيضا أنه كان من المحتجين الاثني عشر على أبي بكر رضي الله عنه، لم يكن مستعدا للقتال في صف علي عليه السلام في بداية صفين إلى أن استشهد عمار، عندها أقدم على القتال إلى جانب علي حتى نال الشهادة ، كما نقل عنه هذا الأمر "البلاذري" أيضا في كتابه المذكور (ج2/ص 319).
      إذاً لو كان حديث الغدير "من كنت مولاه فهذا علي مولاه.." يدل على الإمارة و الخلافة المنصوص عليها من الله تعالى لعليّ لما أعرض عنها أولـئك الأصحاب أبدا، و لذكرها و استند إليها الأنصار على الأقل.
       أما خطبة الغدير الطويلة جدا التي يُذكَر فيها النص على علي بكل صراحة و وضوح و التي توردها كتب الشيعة منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، كتلك التي يرويها الطبرسي في كتابه " الاحتجاج "، فهي خطبة موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وآله و فيما يلي بيان ذلك:

تمحيص سند خطبة الغـديـر الطويلة

      يروي الطبرسي في كتابه "الاحتجاج" بقوله: حدثني.. و يذكر سلسلة مشايخ إجازته إلى قوله:[ قال: حدثنا محمد بن موسى الهمداني قال حدثنا محمد بن خالد الطيالسي قال حدثني سيف بن عميره و صالح بن عقبة جميعا عن قيس بن سمعان عن علقمة بن محمد الحضرمي عن أبي جعـفر محمد بن علي عليه السلام .. و يسوق الحديث الطويل (الذي يقع في 29 صفحة مع الحواشي!) عن جابر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ] [167][4].
      فلنبدأ ببيان الحال التعيسة لمحمد بن موسى الهمداني:
                                        1)  قال التفرشي في "نقد الرجال" (ص336) : [ محمد بن موسى الهمداني ضعَّفه القميُّون بالغلو و كان ابن الوليد يقول إنه كان يضع الحديث. (غض) ضعيف يروي عن الضعفاء].
                                        2)  في "تنقيح المقال" للممقاني (ج3/ ص 194) ، ضمن بيانه لحال الرجل قال عنه أنه وضع كتابا باسم زيد النرسي وضع فيه أحاديث كثيرة!.
                                        3)  في قاموس الرجال للعلامة التستري (ج 8/ ص 409)، بعد أن بين حاله خلص إلى القول: [ فضعفه اتفاقي، قال به ابن الوليد و ابن بابويه و ابن نوح و فهرست الطوسي و النجاشي و ابن الغضائري ] .
                                        4)  و أورده ابن داود الحلي  في (ص 512 من) "رجاله" في القسم الثاني المخصص للمجروحين و المجهولين و ذمه بوضع الحديث و الغلو.
                                        5)  و قال النجاشي في  (ص 60 من كتابه) "الرجال": [ محمد بن موسى الهمداني ضعَّفه القميُّون بالغلو و كان ابن الوليد يقول إنه كان يضع الحديث.].
                                        6)  أورده الشيخ طه نجف أيضا في "إتقان المقال" (ص 260) ضمن قسم الضعفاء و الغلاة، و اعتبره الميرزا الاسترآبادي في "منهج المقال" (ص 327) غاليا وضاعا للحديث، و قال أن الشيخ الصدوق ضعفه. كما اعتبره الأردبيلي في "جامع الرواة" (ج2/ ص 205) من الضعفاء.
      أما عن سيف بن عميره:
                                        1)  فقد نقل الممقاني في تنقيح المقال (ج 2 / ص 79) عن الشهيد الثاني تضعيفه. وقال عنه أيضا: [ و من موضع من كشف الرموز أنه مظنون وعن موضع آخر أنه مطعون فيه و ملعون ]
                                        2)  و أورده الشيخ طه نجف في "اتقان المقال" (ص 299) مع الضعفاء.
و أما صالح بن عقبة:
                                        1)  فأورده العلامة الحلي في خلاصته (ص 230) في القسم الثاني الخاص بالضعفاء و قال: [ صالح بن عقبة بن قيس بن سمعان، روى عن أبي عبد الله  كذَّاب غال لا يُلْتَفَتُ إليه ].
                                        2)  و أورده ابن داود في الرجال (ص 462) في قسم المجروحين والمجهولين و قال عنه: [ ليس حديثه بشيء، كذاب غال كثير المناكير ]. و هكذا وصفوه في سائر كتب الرجال بأنه [ غال كذاب لا يُـلتَـفَت إليه..].
      إذن لا ريب في أن خطبة الغدير الطويلة المفصلة هذه كذب على الله ورسوله، و من اختلاق أمثال أولـئك الكذبة الغلاة الوضَّاعين.  هذا من ناحية السند أما من ناحية المتن فهناك قرائن قاطعة أخرى على وضعها نوجزها فيما يلي:
                                        1. كما قلنا إذا كان حديث [ عمار تقتله الفئة الباغية ] قد هز بشدة حتى أصحاب معاوية حتى كاد جيشه يتصدع، و حتى خشي معاوية أن ينقض عليه بعض جنده، فاستطاع بمكره و حيلته أن يقلب الحقائق و يزعم لهم أن عليا هو الذي قتل عمارا لأنه أخرجه معه إلى المعركة رغم كبر سنه الذي كان يتجاوز التسعين!! و استطاع بهذه الحيلة أن يخمد الشغب، فإنه من المحال أن يكون هناك نص صريح و واضح ـ مثل هذه الخطبة ـ على علي بالإمامة و ولاية الأمر ثم يهمله مثل أولئك الصحابة  و لا يعتنوا به أدنى اعتناء لا لشيء إلا لأجل أبي بكر الذي لم يكن يملك عدة و لا عددا لتحقيق مقصده بالقوة، بل كان عليٌّ أكثر منه عشيرة و لم يكن أدنى منه مالا و قوة، فيعدلوا عنادا عمن نصبه لهم ربهم تبارك و تعالى و يعهدوا بمنصبه لآخر،  قسما بالله إنها لتهمة كبيرة وجناية عظيمة و إثم لا يغتفر أن يُنسَب مثل هذا الأمر لأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله).
                                        2. لم يحصل أن استنبط و استنتج أي شخص من حديث الغدير و سائر الأحاديث ـ التي تستدل بها الإمامية ـ  خلال كل النصف الأول من القرن الهجري الأول على الأقل، النصَّ النبويَّ على علي إماما و حاكما بأمر الله، و لا يمكنك أن تجد أي حديث صحيح يبين استناد نفس أمير المؤمنين عليه السلام إلى قضية النص ولا استناد أي من أولاده خلال النصف الأول من القرن الأول، بل كان علي يرى، استنادا إلى مناقبه و علمه وعظيم بلائه في الإسلام وشدة قربه و التصاقه بالرسول (صلى الله عليه وآله) الذي لا يدانيه فيه أحد،و هذه أهم نقطة في الأمر،أنه أولى و أحق الناس بمقام خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإمامة المسلمين، و تلك بالضبط كانت عقيدة أنصاره و محبيه الميَّالين إليه من الصحابة، وعليه، فلو كان هناك نص صريح في نصب الله تعالى لعلي إماما لاستند إليه قطعا أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) و شيعة علي ومحبيه، و على الأقل لاستند إليه علي نفسه، في حين أن شيئا من هذا لم يحصل، و لا يوجد مثل هذا الادعاء أو المطالبة في تمام ما نقل إلينا من احتجاجات لعلي و أنصاره بعد بيعة أبي بكر.  نعم، لما أدت الصراعات السياسية فيما بعد إلى نشوء فرق عديدة كالكيسانية و المرجئة و الخطابية والراوندية ...إلخ  بدأنا نجد أمثال هذه الروايات الصريحة ـ التي أكثرها مكذوب و موضوع ـ  في النص على عليّ و الاستناد إليها لإثبات إمامته المنصوص عليها من قبل الله عز وجل.
                                        3. إن المطالعة الدقيقة و الخالية من التعصب للتواريخ الإسلامية تبين أنه في ذلك الزمن، كان أهم ما يستند إليه الذين يرون أنفسهم أحق و أليق وأولى بالخلافة، موضوع النسب و القبيلة أو مقدار الصلة و القرب العائلي أو القبلي من شخص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لذا نجد أبا بكر رضي الله عنه يستند، للرد على منافسه سعد بن عبادة، إلى الحديث المعروف "الأئمة من قريش"، و هو غير صحيح بنظري لأن فيه تأييدا للعصبية القبلية و القومية، و لذا فإن عمر رضي الله عنه و هو الصديق الوفي لأبي بكر، كذب صحة هذا الحديث (أو دلالته على أحقية قريش بالإمامة) عندما قال عند وفاته أنه لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لما عدل عنه، مع أن سالما هذا ليس بقرشي.   و نفس الأمر سار عليه الخلفاء الأمويون والعباسيون الذين حكموا المسلمين سنوات طويلة في ادعائهم أحقيتهم بالخلافة.  و الأعجب من ذلك أن الأحاديث الشيعية أيضا كانت تنظر للخلافة و من أحق بها، من زاوية القرابة أو الانتماء العائلي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله!  فمن ذلك ما ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام  أنه لما سمع احتجاج أبي بكر رضي الله عنه على الأنصار بحديث  " الأئمة من قريش "  قال: [ احتجوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة!] ، و كذلك ما ورد في النهج أيضا و غيره من كتب السيرة و التاريخ أن عليا قال معلقا على احتجاج أبي بكر رضي الله عنه على الأنصار:
      فـإن كنت بالشورى ملكت أمورهم
                                          فكيف بهذا و المُشيرون غُـيَّبُ؟
      وإن كنت بالقربى حججت خصمهم
                                          فغـيرك بالنبـي أولـى  و أقـربُ
      و ورد في كتاب إثبات الوصية للمؤرخ المسعودي، كما ذكره المجلسي في بحار الأنوار ( ج 8 / ص 58 )، ما يلي: [ و اتصل الخبر بأمير المؤمنين بعد فراغه من غسل رسول الله و تحنيطه و تكفينه و تجهيزه ودفنه بعد الصلوة عليه مع من حضر من بني هاشم و قوم من صحابته مثل سلمان وأبي ذر و المقداد وعمار و حذيفة و أبي بن كعب و جماعة نحو أربعين رجلا، فقام خطيبا: فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: إن كانت الإمامة في قريش فأنا أحق قريش بها و إن لا تكن في قريش فالأنصار على دعواهم! ثم اعتزل الناس و دخل بيته.]  و بناء عليه فإما أن تكون القرابة هي المعيار فعليٌّ أقرب القوم إلى النبي.  و إما ألا تكون، فإذن ادعاء الأنصار، في منطق أمير المؤمنين عليه السلام، ادعاء في محله لأن الوطن وطنهم و دين الإسلام إنما قوي و ارتفعت رايته بدارهم و بفضل إيوائهم و نصرتهم له بالأنفس و الأموال.
      و هذه الحجة أيضا نشاهدها في منطق شيعة أمير المؤمنين عليه السلام ـ حسبما تنقله كتب الشيعة ـ  كما مر معنا في احتجاج عمار على أبي بكر حيث قال: [ إن أهل بيت نبيكم أولى به و أحق بإرثه... و قد علمتم أن بني هاشم أحق بهذا الأمر فيكم! ].
       هذا و لكن لما كانت مسألة التعصب العشائري و القبائلي و القومية والعرقية من آثار الجاهلية التي أبطلها الإسلام كما سيأتي شرحه إن شاء الله، لذا لا مجال في الإسلام للحكم الوراثي و العائلي، فكل ادعاء من هذا النوع ادعاء في غير محله ولا يؤيده العقل و لا النقل بل هو مخالف بكل صراحة لتعاليم الإسلام. [168][5]

ادعاء النص لم يرد في كلمات أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ذريته

      لم يأت أبدا في أقوال أولئك الذين عرفوا بالتقوى و العلم و الفضل من بين أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أبناء أعمامه و أحفاده وذريته، مثل هذا الادعاء بأن عليا عليه السلام قد نُصِبَ إماما على الأمة من قِبَلِ الله تعالى ورسوله، فقد مر معنا  قول الحسن المثنى بن الحسن المجتبى عليه السلام: [ لو كان النبي أراد خلافته لقال: أيها الناس هذا ولي أمري والقائم عليكم بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، ( ثم أضاف): أقسم بالله سبحانه أن الله تعالى لو آثر عليا لأجل هذا الأمر و لم يُقْـدِم عليٌّ كرَّم الله وجهه لكان أعظم الناس خطأ ].
       و مر أيضا قول أمير المؤمنين نفسه، حسبما أورده المسعودي في كتابه "إثبات الوصية"، أنه ، لما سمع أن الناس بايعوا أبا بكر رضي الله عنه قال: [ إن تكن الإمامة في قريش فأنا أحق قريش و إن لم تكن في قريش فالأنصار على دعواهم و اعتزل الناس دون أن يذكر أي بيان أو احتجاج آخر!  فهل وظيفة المنصوص عليه من قبل الله تعالى و رسوله هي أن يذهب و يعتزل في بيته دون أن يقوم بأي دعوة أو مطالبة؟!  و كما ذكرنا في رواية قيس بن عباد أن حضرة علي قال: [ والذي فلق الحبة و برأ النسمة لو عهد إلي رسول الله عهدا لجاهدت عليه و لم أترك ابن أبي قحافة يرقى رجة واحدة من منبره! ].  
       و أورد الكشي في رجاله  ( ص 164 من طبعة النجف) قصة نقاشٍ وقع بين مؤمن الطاق و زيد بن علي يدل على أنه لم يكن في أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علم بشيء اسمه الإمامة المنصوص عليها من الله، قال: [ إن مؤمن الطاق قيل له: ما جرى بينك و بين زيد بن علي في محضر أبي عبد الله ؟ قال: قال زيد بن علي: يا محمد بن علي!  بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إماما مـفترض الطاعة!  قال: قلت نعم، و كان أبوك علي بن الحسين أحدهم. قال (أي زيد): و كيف و قد كان يؤتى بلقمة و هي حارة فيبرِّدها بيده ثم يلقمنيها، أفترى يشفق علي من حر اللقمة و لا يشفق علي من حر النار ؟؟ ][169][1] ، أي أن زيدا رضي الله عنه يؤكد أن والده لم يخبره بموضوع وجود إمام مفترض الطاعة من الله! مما يفيد أن زيدا كان يرى في علي إماما في الحلال و الحرام فحسب، أي أنه إذا قضى بشيء من أحكام الشرع كان ذلك حجة يجب على المؤمنين العمل بها باعتباره كان أعلم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأحكام الحلال و الحرام.
      و هذا المعنى جاء أيضا في رواية طويلة أوردها فرات بن ابراهيم الكوفي في تفسيره (ص 181 طبع النجف) فيما يلي نصها: [ قال: حدثنا أحمد بن القاسم معنعنا: عن أبي خالد الواسطي قال:  قال أبو هاشم الرماني ـ و هو قاسم بن كثير! [170] ـ لزيد بن علي: يا أبا الحسين بأبي أنت و أمي هل كان علي صلوات الله عليه مفترض الطاعة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: فضرب رأسه ورقَّ لذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ثم رفع رأسه فقال: يا أبا هاشم كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نبيا مرسلا فلم يكن أحد من الخلائق بمنزلته في شيء من الأشياء إلا أنه كان من الله للنبي قال: { ما أتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا } و قال: { من يطع الرسول فقد أطاع الله}  (النساء / 80)، وكان في علي أشياء من رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم كان علي صلوات الله عليه من بعده إمام المسلمين في حلالهم وحرامهم و في السنة عن نبي الله و في كتاب الله، فما جاء به عليٌّ من الحلال والحرام أو من سنة أو من كتاب فرد الراد على علي و زعم أنه ليس من الله ولا رسوله كان الراد على عليٍّ كافرا، فلم يزل كذلك حتى قبضه الله على ذلك شهيدا، ثم كان الحسن و الحسين فوالله ما ادعيا منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم و لا كان القول من رسول الله فيهما ما قال في علي غير أنه قال: " سيدي شباب أهل الجنة "  فهما كما سمى رسول الله كانا إمامي المسلمين أيهما أخذت منه حلالك و حرامك و بيعتك فلم يزالا كذلك حتى قُبِضا شهيدين، ثم كنا ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم من بعدهما ولدهما ولد الحسن والحسين، فوالله ما ادعى أحد منا منزلتهما من رسول الله و لا كان القول من رسول الله فينا ما قال في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن و الحسين عليهم السلام، غير أنا ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يحق مودتنا وموالاتنا و نصرتنا على كل مسلم، غير أنا أئمتكم في حلالكم و حرامكم يحق علينا أن نجتهد لكم و يحق عليكم أن لا تدعوا أمرنا من دوننا، فوالله ما ادعاها أحد منا لا من ولد الحسن و لا من ولد الحسين أن فينا إمام مفترض الطاعة علينا و على جميع المسلمين. فوالله ما ادعاها أبي علي بن الحسين في طول ما صحبته حتى قبضه الله إليه و ما ادعاها محمد بن علي فيما صحبته من الدنيا حتى قبضه الله إليه فما ادعاها ابن أخي من بعده لا والله ولكنكم قوم تكذبون.
      فالإمام يا أبا هاشم منا المفترض الطاعة علينا و على جميع المسلمين: الخارج بسيفه، الداعي إلى كتاب الله و سنة نبيه، الظاهر على ذلك، الجارية أحكامه، فأما أن يكون إمام مفترض الطاعة علينا و على جميع المسلمين متكئ فراشه مرجئ على حجته مغلق عنه أبوابه يجري عليه أحكام الظلمة فإنا لا نعرف هذا يا أبا هاشم.] [171][3] .
      هذا هو الكلام المتين و البرهان المبين الذي تفضل به جناب زيد بن علي بن الحسين عليه السلام الذي يرى أن عليا إنما هو إمام المسلمين في بيان أحكام الإسلام من الحلال و الحرام، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علمه ذلك كله (بالإضافة لما اختصه الله تعالى به من فهم متميز خاص للقرآن و فقهه) فما بينه من أحكام الشريعة وجب على المسلمين الأخذ به، و نجد هذا واضحا في تاريخ الخلفاء الراشدين سيما أبي بكر رضي الله عنه و عمر رضي الله عنه اللذان كانا يرجعان إليه ويستفسران رأيه في كل مسألة عويصة تعرض عليهما فلا يعدلان عن رأيه أبدا فكانا يعتبرانه إماما لهما في العلم و الدين إلى الحد الذي اشتهر عن عمر رضي الله عنه أنه قال في أكثر من سبعين موردا: [ لولا علي لهلك عمر ] و كان كثيرا ما يقول: [ لا أبـقانـي الله بعـدك يا أبا الحسن!] [172][4] ، و في نظر جناب زيد أن الحسن والحسين أيضا كانا إمامين طوال مدة حياتهما بمعنى كون كل منهما قدوة ومرجع للناس في بيان الحلال و الحرام، و كذلك كان كل واحد من علماء أهل البيت: سواء علي بن الحسين (زين العابدين) أم الحسن بن الحسن أم محمد بن علي (الباقر) أم عبد الله بن الحسن بن الحسن (الكامل) أم زيد بن علي أم محمد بن عبد الله (النفس الزكية)، إماما و مرجعا للناس في عصره في الإرشاد و بيان الأحكام، وهذا هو المعنى الصحيح لحديث الثقلين: [ إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ]، و بهذا المنطق فقط يمكن حل جميع الاختلافات الدينية بين المسلمين وإعادة المياه إلى مجاريها و تحويل العداوة و البغضاء إلى الأخوَّة و الاتفاق، لا بسبِّ أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله) وسلم لخلفاء أو سب و اتهام سائر الفرق الإسلامية!   لأنني لا أتصور أنه يوجد بين المسلمين أحد ممن يرجو النجاة لنفسه من عقبات يوم القيامة  مّنْ يرفض هذا المنطق ـ إلا من كان في قلبه مرض أو غرض ـ، فمَن مِن المسلمين يمكنه أن ينكر فضائل علي عليه السلام مع كل تلك الأحاديث النبوية التي صدرت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) طوال مدة حياته في حقه ؟ من الذي يمكنه أن ينكر جهاد ذلك الإمام الهمام و سيرته التي كلها تضحيات في سبيل نصرة الإسلام و اعلاء كلمته ؟ في حين أنه لا توجد مرحلة من مراحل الدعوة الإسلامية إلا و كان لعلي دور مؤثر في تقدمها و علو شأنها، و إن سيرته العطرة مليئة بالمواقف البطولية الخالدة و الأعمال العظيمة المحيرة، والقطرات التي بقيت من بحر علمه في عرضه لحقائق تعاليم الإسلام للناس، تعتبر لوحدها محيطات لا حد لها يمكن ليس لأمة الإسلام فحسب بل للمجتمع البشري أن يفخر بها و يتخذها نبراسا لحياته يسير على ضوئها لأجل تحقيق سعادة الدنيا و الآخرة، فإذا رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يثني عليه و يبين رفيع مقامه في كل مناسبة ومقام و يعرِّفه للمسلمين كرمز للعلم و التقوى والصلاح و الفلاح و الأخلاق الإسلامية، و يعتبره أهلا للإمامة و قيادة المسلمين، فإن هذا لا يعني أنه (صلى الله عليه وآله) نصبه بنص تعييني و أمر إلهي للخلافة و حكم المسلمين بعد رسول الله أو نَصَبَ أولاده حكاما على المسلمين إلى يوم القيامة، بحيث لو رجع المسلمون إلى غيره في أمر الحكومة و السياسـة و اعتبروه أهلا لقيادتهم السياسية و أطاعوه مادام ملتزما بتطبيق أحكام القرآن و السنة  كانوا من أهل النار أجمعين، إماما ومأمومين!! 
       نعم لو وجد من أهل بيت النبي و عترته من كان أفضل أهل زمانه في العلم و الفضل و التقوى و الشجاعة و الدراية فمن البديهي أنه يكون أولى و أحق من أي أحد سواه بإمامة المسلمين و سياستهم، و على الناس أن ينتخبوه، طواعية من أنفسهم، لهذا المقام، و في الغالب ما يحصل هذا فعلا لأن طبيعة و نفس و روح الناس تتجه لاحترام رسول دينها و نبي شريعتها وأهل بيته و ذريته، و إذا شاهدنا عدول الناس لحد ما عن عترة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في صدر الإسلام فلهذا علل سبقت الإشارة لبعضها يضاف إليها جهل كثير من الناس بحقائق تعاليم الدين و عداء مخالفي الإسلام الذين رأوا في هذا الدين الجديد تهديدا يزلزل أركان أديانهم و شرائعهم الموروثة كاليهودية و النصرانية و المجوسية فسعوا في إضعاف الإسلام وتخريبه بأنواع المكائد و الحيل التي منها الاندساس في هذا الدين و تخريبه من داخله بإحياء سنن الجاهلية و آداب و رسوم المجوسية أو اليهودية أو المسيحية تحت غطاء إسلامي، يريدون بهذا أن يجتثوا حقائق الإسلام من جذورها، لكن مع ذلك نجد في تاريخ الإسلام أنه كلما قام رجل من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و عترته يدعو لإقامة الحق و العدل والقضاء على الجور الظلم والحكم بالكتاب و السنة، التف معه المسلمون من كل حدب و صوب و جاهدوا معه حكام الوقت، كقيام العشرات من آل علي و آل جعفر ضد خلفاء بني أمية وبني العباس مما تكفل كتاب "مقاتل الطالبيين" ببيان قصة جهادهم و إمامتهم، وحتى هذا اليوم عندما يقوم رجل من المنتسبين للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من أحفاد علي و فاطمة عليهم السلام لعزل الظلمة و إقامة حكم القرآن و يكون أهلا للإمامة و الحكم والقيادة، فإن أكثر المسلمين يؤيدونه و يقومون معه وينصرونه رغم أن أكثرهم يجهل كثيرا من تعاليم الإسلام، حيث أصبح القليل من المسلمين في يومنا هذا مَنْ له معرفة صحيحة بأحكام الدين، حيث دخلت في هذا الدين ـ خلال السنين الطويلة التي مرَّت على الإسلام منذ ظهوره و حتى اليوم ـ  أغراض و أمراض من الصديق و العدو و تراكمت طبقات كثيفة من غبار الأوهام و الخرافات و البدع على الوجه النوراني للإسلام فغطته، فلم يعد يدرك حقائقه النقية الناصعة إلا القليل ممن هداهم الله: " ذلك هدى الله يهدي به من يشاء " "ومن يهدي الله فهو المهتدي".
      فإمامة علي بمعنى كونه خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بعد رحلته، في بيان أحكام الحلال و الحرام و في كونه مرجع الخاص و العام في الإرشاد و الهداية و معرفة أحكام الشرع، لا يمكن أن ينكرها أي مسلم منصف ومؤمن بالله و رسوله و مطلع على تاريخ الإسلام و سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و مثل هذا المقام و المنصب لا يمكن الاستيلاء عليه واغتصابه من صاحبه الأصلي بالقوة! لأن العلم و المعرفة و الفضل والتقوى أمور لا يمكن غصبها والاستيلاء عليها، فهذه الإمامة لم يغصبها أحد من علي و آله، و هكذا كان الذين فاقوا أقرانهم في العلم و الفضل و التقوى من أولاد و أحفاد علي، أئمةَ الناس في عصرهم و مرجع الخاص و العام في بيان أحكام الدين و معرفة حلال شرع الله وحرامه.
      و إذا رأينا رجالا من أمثال فقهاء المدينة السبعة في عهد حضرة الإمام السجاد عليه السلام، أو أمثال مالك بن أنس و أبي حنيفة النعمان بن ثابت و محمد ابن إدريس الشافعي و ابن أبي ليلى (رحمهم الله تعالى جميعا)، في زمن حضرات الباقر والصادق و الكاظم عليهم السلام، قد اشتهروا بالعلم و الفقه و صاروا مراجع جمهور المسلمين في أحكام الشرع و الدين، فإن علة ذلك أولاً: فضلهم و علمهم و تقواهم بلا شك، فكل واحد منهم كان حقيقة ذا علم و فضل و تقوى، و كل من كان كذلك لا بد أن يحوز توجه الناس و اقبالهم و محبتهم، فيشتهر و يـُقَلَّد.
       و علة ذلك ثانيا: سياسة خلفاء بني العباس الذين كانوا يشعرون بالخطر من شخصيات أولاد علي التي تشكل، في الواقع و في أنظار المسلمين، خير منافس لهم، أكثر من أي شخصية إسلامية أخرى، مثل حضرات الباقر و الصادق و عبد الله بن الحسن و محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) و الحسين بن علي شهيد الفخ و محمد بن جعفر، حيث كان كل واحد من أولئك الأعلام من أفضل أهل عصره في العلم و الفقه و التقوى مع الشجاعة و القوة في الحق واللياقة بمنصب إمامة المسلمين أكثر من أي أحد، مما كان يجعل قلوب الكثيرين تميل لإمارتهم و خلافتهم، بل بعضهم بويع فعلا بالإمامة من الخاص و العام، و قام ونهض (لإحياء حكم القرآن و إقامة عدل الإسلام)، لذا كان الخلفاء العباسيون يضيقون عليهم و يضطهدونهم و لا يسمحون لهم بالحرية التي تجعل الناس يلتفون حولهم، و يسعون بشتى الوسائل في إخمال ذكرهم و التعتيم عليهم، في حين أعطوا  الآخرين الحرية و مجال الشهرة بل روجوا لهم و عهدوا لهم أو لتلاميذهم بالمناصب، لأمنهم من عدم طمعهم في الحكم و الزعامة، و حتى لو طمح منهم طامح فإنه لن يجد من يلتف حوله وينصره في طلبه الإمامة، لأن شهرة حديث [الأئمة من قريش] لم تترك مجالا لأبي حنيفة  و مالك و أحمد بن حنبل و غيرهم من الأئمة الفقهاء ممن لم يكن بقرشي [173][5] .
       و من هذا المنطلق أيضا قرر الخلفاء العباسيون ( أو أيدوا ) مبدأ العول والتعصيب في فقه المواريث[174][6] ليثبتوا أن العباس كان وارث النبي فيثبتوا بهذا أنهم الخلفاء الشرعيون لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)!
      و لهذا نال فقه الآخرين و آراؤهم من الشهرة و الرواج بين المسلمين ما لم ينله فقه أئمة العترة عليهم السلام، و مع ذلك قيض الله تعالى لهم في كل عصر أتباعا محبين و تلاميذ أذكياء من الباحثين عن الحقيقة غير الآبهين في سبيلها بالأخطار، ممن كان يرجع في فهم دينه و أخذ أحكام شرعه إلى أولاد علي لا يعدل عنهم إلى غيرهم، فحفظوا من فقههم و بياناتهم آلاف الأحاديث و ملؤوا آلاف الدفاتر، التي لا تزال توجد إلى اليوم في متناول المسلمين و تحوز انتباه العام والخاص، مما جعل الغلاة و أعداء الإسلام يستغلون شهرة و مرجعية أولئك الأئمة و يروون عنهم كذبا آلاف الروايات مما شوه صورتهم في أنظار الناس، الأمر الذي حان الوقت للبدء بسرعة في إصلاحه.
      و الحاصل أن أئمة العترة كانوا أئمة الناس في الفقه و الدين و في بيان الحلال و الحرام (و في قيادة الأرواح إلى الله عز وجل)، و الرد عليهم، من هذه الزاوية، رد على الله و رسوله، و حتى الفقهاء الأربعة وغيرهم رجعوا إليهم وأخذوا عنهم العلم.
 

دراسة و تمحيص أحاديث النص على اثني عشر إمام

      توجد في كتب الشيعة، علاوة على الأحاديث التي تبين نص رسول الله (صلى الله عليه وآله) على إمامة و خلافة عليِّ عليه السلام  بشكل خاص، أحاديث فيها نصه (صلى الله عليه وآله)، بأمر ربه تعالى، على اثني عشر إماما واحدا واحدا ببيان أسمائهم و علاماتهم، بحيث لا يبقى عذر لأحد! و سنقوم فيما يلي بتمحيص هذه الأحاديث من حيث السند و المتن، إن شاء الله، لنرى ما هي الحقيقة في هذا الأمر؟
      الحديث الأول: أهم حديث جاء في كتب الشيعة في التعريف بالأئمة الاثني عشر الحديث المشهور بحديث لوح جابر، و قد ورد هذا الحديث بعدة طرق مختلفة سنعرضها جميعا على أنظار القراء:
      أخرج الصدوق الحديث في كتابه " إكمال الدين و إتمام النعمة " وكتابه " عيون أخبار الرضا " بالسند التالي: قال:
      [ حدثنا محمد بن ابراهيم بن اسحق الطالقاني قال: حدثنا الحسن بن اسماعيل قال حدثنا أبو عمرو سعيد بن محمد بن نصر القطان قال حدثنا عبيد الله بن محمد السلمي قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال حدثنا محمد بن سعيد قال حدثنا العباس أبي عمرو عن صدقة بن أبي موسى عن أبي نصرة قال: لما احتضر أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام عند الوفاة، دعا بابنه الصادق فعهد إليه عهدا، فقال له أخوه زيد بن علي: لو امتثلت فيَ بمثال الحسن والحسين عليهما السلام لرجوت أن لا تكون أتيت منكرا، فقال: يا أبا الحسين إن الأمانات ليست بالمثال و لا العهود بالرسوم، و إنما هي أمور سابقة عن حجج الله تبارك و تعالى، ثم دعا بجابر بن عبد الله فقال له: يا جابر حدثنا بما عاينت في الصحيفة، فقال له جابر: نعم يا أبا جعفر، دخلت على مولاتي فاطمة عليها السلام لأهنئها بمولود الحسن عليه السلام فإذا هي بصحيفة بيدها من درة بيضاء فقلت يا سيدة النسوان ما هذه الصحيفة التي أراها معك ؟ قالت: فيها أسماء الأئمة من ولدي. فقلت لها: ناوليني لأنظر فيها، قالت: يا جابر لولا النهي لكنت أفعل، لكنه نهى أن يمسها إلا نبي أو وصي أو أهل بيت نبي و لكنه مأذون لك أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها! [175]   قال جابر: فقرأت فإذا فيها: أبو القاسم محمد بن عبد الله المصطفى أمه آمنة بنت وهب، أبو الحسن علي بن أبي طالب المرتضى أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم من عبد مناف، أبو محمد الحسن بن علي البر، أبو عبد الله الحسين بن علي التقي أمهما فاطمة بنت محمد، أبو محمدعلي بن الحسين العدل، أمه شهربانويه بنت يزدجرد بن شاهنشاه، أبو جعفر بن محمد بن علي الباقر أمه عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، أبو إبراهيم موسى بن جعفر الثقة أمه جارية اسمها حميدة، أبو الحسن علي بن موسى الرضا أمه جارية اسمها نجمة، أبو جعفر محمد بن على الزكي أمه جارية اسمها خيزران، أبو الحسن علي بن محمد الأمين أمه جارية اسمها سوسن، أبو محمد الحسن بن علي الرفيق أمه جارية اسمها سمانة وتكنى بأم الحسن، أبو القاسم محمد بن الحسن هو حجة الله تعالى على خلقه القائم أمه جارية اسمها نرجس صلوات الله عليهم أجمعين ] [176][2] .
      أقول: لا يوجد لرجال سند هذا الحديث بدءاً من "سعيد بن محمد بن نصر القطان" إلى "أبي نصرة"، ذكر في كتب الرجال! و لا ندري من أين جاء المرحوم الصدوق بهؤلاء الرواة و عمن أخذ و من أين روى هذه الرواية ؟! و لكن محقق كتاب إكمال النعمة للصدوق ذكر في الحاشية أن أبا بصرة: إذا كان نفس أبا بصرة محمد بن قيس الأسدي فقد ضعَّفه الشهيد الثاني في كتابه الدراية و قال عنه: [ كلما كان فيه محمد بن قيس عن أبي جعفر فهو مردود لكنه قطعا ليس محمد بن قيس هذا و لو كان هو فهذا الحديث منسوب إليه كذبا.  و في حاشية الكتاب نفسه قال إذا كان هو أبا بصرة فاسمه حُميل بضم الحاء، و أيا كان فهو مجهول.
      لكنني أقول أن متن الحديث مفتضح الكذب إلى درجة لا نحتاج معها للبحث في صحة أو سقم سنده، فالراوي المجهول الهوية أبو بصرة يبتأ حديثه بقوله: [ لما احتضر أبو جعفر محمد بن علي الباقر عند الوفاة هذا في حين أن وفاة الإمام محمد الباقر عليه السلام وقعت، طبقا لكل التواريخ، فيما بين السنة 114 إلى 118هـ. [177][3]
      أما وفاة "جابر بن عبد الله الأنصاري" فذكرتها التواريخ بين 73 إلى 77 هـ. [178][4]
       فهذا يعني أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه توفي قبل أربعين سنة من وفاة الإمام الباقر عليه السلام . أفلم يوجد من يقول لهذا الكذاب الوضاع: كيف أحييت جابرا وجئت به ـ بعد أن مات في قبره منذ أربعين سنة ـ لمحضر الإمام الباقر، حين أدركته الوفاة،  لتـنسب إليه إقناعه زيدَ بن علي أن لا يطلب من أخيه الباقر الإمامة، بشهادته برؤية اللوح الذي ذكرت فيه أسماء الأئمة الاثني عشر و أسماء أمهاتهم كذلك ؟!!
       لننظر الآن في تاريخ وفاة زيد أيضا: 1ـ يقول الشيخ الطوسي في رجاله (ص 195): [ قـُتِلَ سنة إحدى و عشرين و مائة و له اثنتان و أربعون سنة ] مما يعني أن جناب زيد ولد سنة 79 أو80 هـ. 2ـ بل في تهذيب تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر: (ج6/ص18) ذكرت ولادة زيد بن علي بن الحسين سنة 78 هـ.  فهذا يعني أن زيدا ولد بعد أربع سنوات أو على أقل تقدير بعد سنة من وفاة جابر بن عبد الله!! فكيف تسنَّى لجابر أن يأتي ويقنعه بالأئمة المنصوص عليهم ؟! والعجيب المحير أن هذا الحديث رغم افتضاح كذبه إلى هذه الدرجة  ـ و كما قال الشهيد الثاني: أكذب الحديث ما كذبه التاريخ ـ أورده أكثر علماء الشيعة الإمامية في إثبات إمامة الأئمة الاثني عشر و النص عليهم دون أن يتعرض أحدهم أو ينتبه لهذا العيب الكبير في متنه، أو انتبه لذلك و لكن التعصب الأعمى و تقليد الآباء حمله على السكوت.
      و الأعجب من ذلك أن العيب الوحيد الذي أخذه المرحوم الصدوق على هذا الحديث هو قوله بعد روايته: [ قال مصنف هذا الكتاب: جاء هذا الحديث هكذا بتسمية القائم و الذي اذهب إليه ما روي في النهي عن تسمية القائم!! حقا ينطبق عليه المثل بأنه يرى القذة في العين و لا يرى الخشبة فيها!
      هذا و لما كان كذب الحديث واضحا جدا بشهادة التاريخ لم نتعرض لنقد متنه المليء بالعيوب الأخرى: أ ـ كقوله أن جابر دخل على فاطمة ليهنئها بولادة الحسن مع أنه لم يكن من عادة المسلمين في ذلك العهد الدخول على أم الوليد لتهنئتها بالولادة، بالإضافة إلى أن جابرا لم يكن عمره، عند ولادة الحسن، يتجاوز ال 16 أو 17 سنة، و لما كانت ولادة الحسن في السنة الثالثة للهجرة فإن جابرا لم يكن قد تزوج بعد، لأنه إنما تزوج من أرملة ثيب بعد شهادة أبيه في معركة أحد في السنة الثالثة للهجرة، فكيف يمكن لشاب في ريعان الشباب أن يدخل على فاطمة الشابة مثله، لا سيما أن متن الحديث لا يشير إلى أنه كان هناك أحد معها في البيت، خاصة أن قراءة اللوح، و هو بيد الزهراء، يحتاج لاقتراب شديد منها، وهذا أمر بعيد جدا أن تسمح به الزهراء عليها السلام التي أُثِرَ عنها قولها: خير للرجال أن لا يروا النساء و خير للنساء أن لا يرين الرجال!
ب ـ عدد من أسماء أمهات الأئمة خطأ، مثلا في كتاب إثبات الوصية، عن جابر نفسه، أن أم حضرة علي بن الحسين زين العابدين جهان شاه، أما هنا فذكر أنها شهربانو، و هناك قال أن اسم أم حضرة الإمام الرضا تكتُّم، و هنا نجمة! هذا بالإضافة إلى عيب آخر و هو أن فاطمة قالت أن في هذا اللوح أسماء الأئمة من ولدي، في حين أن في اللوح اسم النبي و اسم علي و هما ليسا من أولادها!  والحاصل أن هذا الحديث من أكذب الأكاذيب و لا يسعنا إلا أن نقول فيه: " فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا " ألا لعنة الله على الكذَّابين الوضَّاعين الذين فرقوا أمة الإسلام و بلبلوها بهذه الأحاديث الكاذبة.
      الحديث الثاني: حديث اللوح هذا  أخرجه الصدوق من طريق آخر وبلفظ مختلف، في كتابيه: " إكمال الدين " و " عيون أخبار الرضا " أيضا،  كما أخرجه المحدث الكليني في كتابه " الكافي "، و فيما يلي نصه و سنده كما جاء في كتاب إكمال الدين:
      [ حدثنا أبي و محمد بن الحسن قالا حدثنا سعد بن عبد الله و عبد الله بن جعفر الحميري جميعا عن أبي الخير صالح بن أبي حماد و الحسن بن ظريف جميعا عن بكر بن صالح عن عبد الرحمن بن سالم عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبي عليه السلام لجابر بن عبد الله الأنصاري إن لي إليك حاجة فمتى يخف عليك أن أخلو بك و أسألك عنها ؟ قال جابر: في أي الأوقات شئت جئني، فخلى به أبو جعفر عليه السلام فقال له: يا جابر! أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و آله  و ما أخبرتك به أن في ذلك اللوح مكتوبا، قال جابر: أشهد بالله أني لما دخلت على أمك فاطمة في حيوة رسول الله صلى الله عليه و آله  أهنيها بولادة الحسن فرأيت في يدها لوحا أخضر ظننت أنه من الزمرد و رأيت فيه كتابا أبيضا شبيها بنور الشمس فقلت لها: بأبي أنتِ و أمي يا ابنة رسول الله ما هذا اللوح ؟ فقالت: هذا والله لوح أهداه الله جل جلاله إلى رسوله  صلى الله عليه و آله  فيه اسم أبي وبَعْلي و اسم ابنيَّ و اسم الأوصياء من ولدي فأعطانيه أبي ليسرني بذلك، قال جابر: فأعطَتْنيه أمكَ فاطمةُ عليها السلام فقرأتُهُ و انتسختُهُ [179][5]، فقال أبي: يا جابر هل لك أن تعرضه علي ؟ قال: نعم، فمشى معه أبي عليه السلام حتى انتهى إلى منزل جابر، فأخرج إلى أبي صحيفة من رق فقال يا جابر: انظر في كتابك لأقرأه أنا عليك فنظر جابر في نسخته فقرأه عليه أبي عليه السلام فوالله ما خالف حرف حرفا، قال جابر: أشهد بالله إني هكذا رأيته في اللوح مكتوبا:
      بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الكتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نوره و سفيره و حجابه و دليله، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين، عظِّم يا محمد أسمائي و اشكر نعمائي و لا تجحد آلائي، إني أنا الله لا إله إلا أنا قاصم الجبارين و مذل الظالمين و مبير المستكبرين و ديَّان يوم الدين، إني أنا الله لا إله إلا أنا فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين فإياي فاعبد و عليَّ فتوكل، إني لم أبعث نبيا و أكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصيا و إني فضلتك على العالمين و فضلت وصيك على الأوصياء و أكرمتك بشبليك الحسن و الحسين و جعلت حسنا معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه و جعلت حسينا خازن وحيي و أكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة فهو أفضل من استشهد و أرفع الشهداء درجة، جعلت كلمتي التامة معه و الحجة البالغة عنده بعترته أثيب و أعاقب أولهم سيد العابدين و زين الأولياء الماضين و ابنه سمِيُّ جده المحمود محمد الباقر لعلمي والمعدن لحكمتي سيهلك المرتابون في جعفر الراد عليه كالراد عليَّ حقَّ القول مني لأكرمنَّ مثوى جعفر و لأسرنَّه في أوليائه و أشياعه و أنصاره، و انتخبتُ بعده موسى وانتخبتُ بعده فتاه لأن حفظه فرض لا ينقطع و حجتي لا تخفى و إن أوليائي لا ينقطعوا أبدا ألا فمن جحد واحدا منهم فقد جحد نعمتي و من غيَّر آية من الكتابي (هكذا!) فقد افترى عليَّ و ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة عبدي موسى و حبيبي و خيرتي إن المكذب بالثامن مكذب بكل أوليائي و عليٌّ وليي وناصري و من أضع عليه أعباء النبوَّة و أمنحه بالاضطلاع يقتله عفريت مستكبر يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح ذو القرنين إلى جنب شر خلقي حقَّ القول مني لأقرنَّ عينه بمحمد ابنه و خليفته من بعده فهو وارث علمي ومعدن حكمتي و موضع سري و حجتي على خلقي وجعلت الجنة مثواه وشفَّعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استحقوا النار وأختم بالسعادة لابنه علي وليي و ناصري و الشاهد في خلقي و أميني على وحيي أخرج منه الداعي إلى سبيلي و الخازن لعلمي الحسن ثم أكمل ذلك بابنه رحمة للعالمين عليه كمال موسى و بهاء عيسى و صبر أيوب سيُذَلُّ أوليائي في زمانه و يتهادون رؤسهم كما تهادي رؤس الترك و الديلم فـيُقتلون و يُحرقون و يكونون خائفين مرعوبين وجلين تُصبغ الأرض من دمائهم و ينشأ الويل والرنين في نسائهم أولـئك حقا بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس و بهم أكشف الزلازل و أرفع القيود و الأغلال أولئك عليهم صلوات من ربهم و رحمة وأولئك هم المهتدون، قال عبد الرحمن بن سالم قال أبو بصير لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك فصُنْه إلا عن أهله ! ][180][6]
       قلت: هذا الحديث الطويل لا يقل بطلانا و تهافتا عن سابقه سواء من ناحية السند أو المتن. أما من ناحية السند: فـلن نبحث برجاله المعاصرين أو القريبين من المعصوم رغم أن أغلبهم ضعاف: فبكر بن صالح، قد ضعفه النجاشي في رجاله (ص 84) و ذكره ابن داود في القسم الثاني من كتابه المخصص للضعفاء (ص 432) و قال: [ بكر بن صالح ضعيف جدا ] وكذلك أورده العلامة الحلي في القسم الثاني من خلاصته المخصص للضعفاء ( ص207) و وافق قول ابن الغضائري فيه: [ بكر بن صالح ضعيف و كثير التفرد بغرائب!]. وكذلك قال عنه الممقامني في تنقيح المقال ( ج1/ص178): [ ضعفه جماعة و قال عنه ابن الغضائري ضعيف و كثير التفرد بغرائب ].
      و كذلك عبد الرحمن بن سالم قال عنه العلامة الحلي في خلاصته (ص 229): [ عبد الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن الأشل كوفي مولى روى عن أبي بصير ضعيف و اعتبره التفرشي في نقد الرجال (ص 185) ضعيفا واعتبر أباه ثقة، و خلص الممقاني في تنقيح المقال ( ج2/ص143) إلى القول عنه [ على كلٍّ ضعيف أو مجهول ].  
      و لكن رغم ضعف هذين الرجلين إلا أنهما لو كانا حقيقة راويا الحديث لقبلناه و اعتبرناه صحيحا بل من المعجزات و الخوارق لأنهما، مع كونهما معاصرين للإمام الصادق أو الإمام الكاظم، إذا رويا حديثا تُنُبِّئَ فيه بأن الإمام بعد حضرة الكاظم سيكون حضرة الرضا و بعده حضرة الجواد وهكذا حتى آخر إمام، فإن هذا الإخبار يكون إخبارا بأمر مغيب بالنسبة لهما و لما وقع بالضبط كما أخبرا فالحديث معجزة لا بد أن يكون صادرا حقا عن المعصوم!
      لذلك نحن نقطع أن الحديث ليس من وضعهما بل من وضع من بعدهما، و وجود أشخاص مثل صالح بن أبي حماد الذي كان يعيش في القرن الهجري الثالث، يكفي للقول بأنه إما هو الذي وضعه بتمامه أو أنه أخذ جزءا منه و أكمله من عنده على هذا النحو! فلنر ما قاله علماء الرجال بشأن صالح هذا:
1ـ نقل الممقاني في تنقيح المقال (ج 2/ ص 91) عن النجاشي أن:[ أمره كان ملتبسا يُعْرَف و يُنكَر و ضعَّفه ابن الغضائري و قال العلامة ( الحلي ) في الخلاصة: المعتمد عندي التوقف فيه لتردد النجاشي و تضعيف الغضائري ] وقوله يُعرَف ويُنْكَر أي أحيانا يروي روايات معروفة وأحيانا يتفرد برواية مناكير لا تُعْرَف.
 2ـ و نقل التفرشي في نقد الرجال (ص 296) نفس الكلام عنه.
 3ـ و اعتبره الأسترآبادي في منهج المقال (ص 180) أحمقاً!
       فمثل هذا الراوي الأحمق الذي ضعفه كبار علماء الرجال و اعتبروه مشكوكا به ملتبس الحال، لا يتورع عن وضع هكذا حديث يشهد متنه بكل وضوح بأنه موضوع مختلق.
      و فيما يلي بيان دلائل الوضع في متنه:
1) بتأمل ألفاظ الحديث و نسقه نلاحظ أنه يجعل الإمام الصادق عليه السلام يرويه رواية من حضر الواقعة بنفسه، حيث يقول: قال أبي لجابر و لا يقول سمعت أبي أو عن فلان..و في كل الحديث يتحدث الصادق حديث من هو حاضر في الواقعة كقوله في آخر الحديث: [ فمشى معه أبي عليه السلام حتى انتهى إلى منزل جابر فأخرج إلى أبي صحيفة ]’.. إلى قوله: [ فو الله ما خالف حرف حرفا ] فلهجة القسم تقتضي أن المقسِم كان حاضرا بنفسه و مشاهدا لما حدث.   لكن حضور الصادق عليه السلام في مثل هذه الواقعة أمر مستحيل تاريخيا إذ أن ولادته عليه السلام حدثت، حسب التواريخ المعتبرة، سنة 83 هـ، و تقدم أن وفاة جابر كانت، طبقا لكل التواريخ، تتراوح بين 73 و 77 هـ، مما يعني أن الصادق عليه السلام لم يدرك جابرا أبدا  فالحديث كاذب قطعا.
2) جاء في آخر الحديث أن الإمام الباقر عليه السلام قال لجابر: [ انظر في كتابك لأقرأه  قال: فنظر جابر في نسخته.. ]، هذا مع أنه بشهادة جميع المؤرخين وكتب تراجم الصحابة أن جابرا كف بصره في أواخر عمره و بالتحديد في السنة 60 أو 61 هـ[181][7] فكيف استطاع أن ينظر في الصحيفة و يقرأ منها ؟!
 3) في بداية المكتوب في اللوح جاء [ كتابٌ من الله لمحمدٍ نوره و سفيره وحجابه و دليله، نزل به الروح الأمين..] و الواقع أنه لا يوجد في أي آية أو حديث صحيح وصف للنبي بمثل هذه الأوصاف خاصة بأنه سفير الله أو حجاب الله بل هذه من الألفاظ المستحدثة التي أطلقت فيما بعد على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا سيما في أوساط الصوفية و أهل العرفان.
4) عبارة [ فمن رجا غير فضلي و خاف غير عدلي عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين! ] عبارة من البعيد جدا أن تكون من كلام الله عزَّ و جلَّ العدل الرحيم و الخبير بعباده المحيط بأحوالهم،  فمثل الوعيد بالتعذيب بعذاب لا يعذبه أحدا من العالمين إنما يكون لمرتكب كفر مبين و إثم فاحش فظيع فيه تحد لآيات الله الواضحة ( كالوعيد الذي هدد اللهُ تعالى به الذين طلبوا المائدة من أصحاب عيسى إذا كفروا بعد إنزالها)، و لا يكون على أمر هو من الضعف البشري الذي يعتري كل إنسان، فكم من راج غير فضل الله و كم من خائف غير عدله بل يجب القول أن العدل يجب ألا يُخاف منه سواء عدل العباد أم عدل رب العباد، بل الخوف من عدل الله كفر،  فجملة: أو خاف غير عدلي، جملة لا معنى لها و يبدو أن الذي لفق الحديث لم يكن ينتبه لما يقوله، ثم أي مؤمن أو حتى نبي لم يخف من غير عدل الله ؟! ألم يقل الله تعالى عن موسى عليه السلام:{ قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون } القصص /33، و في الآية 18 من نفس السورة قال عنه:{ فأصبح في المدينة خائفا يترقب! } و قال عن زكريا عليه السلام: { و إني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا } مريم /5 ، و قال عن إبراهيم عليه السلام لما جاءه الضيوف الملائكة: { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة } هود/70، و قال عن سيد الرسل و أكرم الخلق معاتبا: {و تخشى الناس و الله أحق أن تخشاه} الأحزاب / 37...إلخ  فما تلك العبارات الجوفاء إذن التي لفقها واضع الحديث على لسان الله عز وجل ؟؟
5) جملة [و مّنْ غيَّر آية من الكتابي] بالإضافة لخطئها النحوي إذ المضاف لا يُعَرَّف، فإنها جملة في غير محلها و لا معنى لها، ذلك أنه ما دام الكتاب أمرا سريا خاصا بين الله و الرسول و أهل بيته فعلام التحذير و التهديد حول تغيير آية منه وهل من الممكن أو المتوقع أن يغيره الرسول أو أهل بيته ؟؟؟
6) و العجيب أنه يقول عن الإمام التقي [و يشفِّعه في سبعين من أهل بيته] فقط! و هذا خلاف لعقائد الإمامية الذين يرون أن الأئمة يشفعون لشيعتهم، ولذلك يعتبر قلة لطف في حق الإمام لا امتنانا عليه!
7) أشار في آخر الحديث إلى شيء مما سيحصل من العلامات لدى عهد الإمام الثاني عشر فقال: [ ستذل أوليائي في زمانه و يتهادون كما تهادى رؤوس الترك و الديلم فيقتلون و يحرقون و يكونون خائفين مرعوبين وجلين تصبغ الأرض من دمائهم..]. فنقول: أولا: ما معنى هذا الكلام في زمن الذي من المفترض أنه سيملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا ؟ و ثانيا: أين و متى حدث هذا  و متى أهديت رؤوس أولياء الأئمة و لمن أهديت؟ وأين قتلوا و أحرقوا..؟ و ثالثا: من الطريف أن فاطمة الزهراء عليها السلام تقول عن اللوح: [ أعطانيه أبي ليسرني بذلك! ]  فكيف تسر فاطمة بمثل هذه الأخبار السوداء ؟؟
8) و في آخر الحديث أن أبا بصير قال لعبد الرحمن بن سالم: [ لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك فصنه إلا عن أهله!! ] فكيف يكون مثل هذاالحديث الذي ليس فيه إلا ذكر أسماء فقط مغنيا عن سماع أي حديث آخر؟ هذا من جهة و من جهة أخرى لماذا يأمر بإخفاء هذا الحديث و عدم البوح به إلا لأمثال عبد الرحمن بن سالم الضعيف المجروح لدى علماء الرجال و بكر بن صالح الذي قيل عنه ضعيف جدا و صالح بن حماد المتهم بالحمق!!
 
      الحديث الثالث: و أخرج الشيخ الصدوق هذا الحديث أيضا بألفاظ أخرى  في " عيون أخبار الرضا " و " إكمال الدين " فقال: [ حدثنا أبو محمد الحسن بن حمزة العلوي قال حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسين بن درست السروي عن جعفر بن محمد بن مالك قال حدثنامحمد بن عمران الكوفي عن عبد الرحمن بن نجران عن صفوان بن يحيى عن اسحق بن عمار عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: يا اسحق! ألا أبشرك ؟ قلت: بلى جعلت فداك، فقال: وجدنا صحيفة بإملاء رسول الله و بخط أمير المؤمنين فيها بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم، و ذكر الحديث مثله سواء إلا أنه قال في آخره: ثم قال الصادق عليه السلام : يا اسحق! هذا دين الملائكة والرسل فصنه عن غير أهله يصنك الله و يصلح بالك! ][182][8]
      قلت: في سند الحديث يواجهنا اسم "جعفر بن محمد بن مالك" وهو رجل كذاب فاسد المذهب متروك الرواية عند علماء الرجال، و إليك أقوالهم فيه:
1) قال النجاشي في رجاله (ص225) [183][9] :[ جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى.. كوفي..كان ضعيفا في الحديث.(قال) أحمد بن الحسين[184][10]: كان يضع الحديث وضعا ويروي عن المجاهيل و سمعت من قال: كان أيضا فاسد المذهب و الرواية، و لا أدري كيف روى عنه شيخنا النبيل الثقة أبو على بن همام و شيخنا الجليل الثقة أبو غالب الزَّراري ].
2) و أورده ابن داود في رجاله (ص 434) في عداد المجهولين والمجروحين و كرر عبارة ابن الغضائري و النجاشي بحقه.
3)  و قال عنه الأردبيلي في جامع الرواة (ج1/ص160) نقلا عن الخلاصة للعلامة الحلي:[ قال ابن الغضائري:إنه كان كذابا متروك الحديث جملة و كان في مذهبه ارتفاع و روى عن الضعفاء و المجاهيل و كل عيوب الضعفاء مجتمعة فيه]
4) و يوافق العلامة الحلي في الخلاصة (ص120) على ما قيل في الرجل ويعقب على أقوالهم بقوله: [ فعندي في حديثه توقف و لا أعمل بروايته! ]
      فهذا الحديث من تحف هذا الكذاب الوضاع التي قدمها للإمامية الاثني عشرية!   ثم إن هذا الرجل المفتضح الكذب ينطبق عليه المثل القائل أن حبل الكذب قصير، فعلى الرغم من أنه ذكر في سنده إلى المعصوم أسماء رواة جيدين مثل عبد الرحمن أبي نجران و صفوان بن يحيى إلا أنه أوصل السند بعدهما إلى اسحق بن عمار، و هو، كما نص عليه الشيخ الطوسي في الفهرست و ابن شهرآشوب في معالم العلماء و العلامة الحلي في الخلاصة، رجل فطحي المذهب، ناسيا أنه سيكون من الغريب جدا أن يكون اسحق بن عمار قد سمع فعلا هذا الحديث الطويل من الإمام الصادق عليه السلام الذي أكرمه به و أخبره فيه ليس فقط عن إمامة الإمام موسى الكاظم بل عرفه بكل الأئمة بعده، و مع ذلك بقي فطحي المذهب أي غير عارف لإمامة الإمام الكاظم بل معتقدا بإمامة عبد الله الأفطح [185][11]!! كيف يمكن لرجل سمع مثل هذا الحديث الطويل المليء بالوعيد و التهديد و كأنه صادر عن جبار متغطرس لا عن الله الرحمن الرحيم حيث وصل في تهديده إلى القول بأن من أنكر إمامة واحد من الأئمة فكأنه أنكر جميع نعم الله، سمعه و رواه للآخرين و مع كل ذلك يبقى فطحي المذهب ؟؟!! أجل إن الله تعالى يريد أن يفضح كذب الكاذبين الذين يريدون إضلال الناس فيضلهم الله و صدق سبحانه: { انظر كيف كذبوا على أنفسهم و ضل عنهم ما كانوا يفترون } الأنعام /29. و العجيب أيضا أن دعاء الإمام الصادق له فيآخر الحديث "يصنك الله ويصلح بالك" لم يستجب ، و مات الرجل فطحيا!!  كيف يمكن تصديق أن يروي أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام المقربين عنه مثل هذا الحديث ثم مع ذلك لا يعرف من هو الإمام بعد الإمام الصادق ؟؟!!
       
 
الحديث الرابع: أخرج الصدوق أيضا حديثا آخر عن جابر و رؤيته للوح بسند فيه نفس جعفر بن محمد بن مالك سيء الذكر الذي عرفت هويته آنفا فقال: [ حدثنا علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب و أحمد بن هرون القاضي رضي الله عنه قالا حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الكوفي عن مالك السلولي عن عبد الحمي دعن عبد الله بن القاسم بن عبد الله بن جبله عن أبي السفايح عن جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام: عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخلت على مولاتي فاطمة عليها السلام و قدامها لوح يكاد ضوؤه يغشى الأبصار فيه اثني عشر  اسما ثلاثة في ظاهره و ثلاثة في باطنه و ثلاثة أسماء في آخره و ثلاثة أسماء في طرفه فعددتها فإذا هي اثني عشر فقلت من أسماء هؤلاء ؟ قالت: هذه أسماء الأوصياء... ][186][1].
      قلت: وجود جعفر بن محمد بن مالك: الكذاب الوضاع المتروك الحديث الفاسد المذهب.. (كما مر) يغنينا عن البحث الزائد في الحديث،  يضاف إليه وجود عبد الله بن القاسم، و هو اسم لعدة رواة، فإذا كان الحضرمي منهم فقد تقدم أنه كذاب غال يروي عن الغلاة [187]، و أما الراويان قبلهما أي "مالك السلولي" و "عبد الحميد" فمجهولان لا ذكر لهما في كتب الرجال. و مع ذلك نقول أن متن الحديث يفيد أن أسماء الأئمة في اللوح ليست مرتبة، و هذا مخالف للروايات السابقة التي تذكرهم مرتبين مع شيء من صفاتهم، فأين الصواب؟! ألا يدل هذا الاضطراب الفاضح في القصة على أنها مختلقة من أساسها ؟ والحقيقة أن كل ما ورد في كتب الحديث من روايات حول موضوع اللوح ورؤية جابر بن عبد الله له، وضعها من حيث رجال السند و من حيث المتن كوضع هذه الرويات الأربعة التي ناقشناها إلى الآن.
      الحديث الخامس: من الأحاديث الأخرى التي أخرجها الشيخ الصدوق في كتابيه إكمال الدين و عيون أخبار الرضا و التي ذُكرت فيها أسماء الأئمة الاثني عشر بصراحة، الحديث التالي: [ حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحق قال حدثنا محمد بن همام قال حدثنا أحمد بن مابندار قال حدثنا أحمد بن هلال عن محمد بن أبي عمير عن المفضل بن عمر عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله: لما أسري بي إلى السماء أوحَى إليَّ ربِّي جلَّ جلاله فقال: يا محمد! إني اطلعت إلى الأرض اطلاعةً فاخترتك منها فجعلتك نبيا و شققت لك من اسمي اسما فأنا المحمود و أنت محمد، ثم اطلعت الثانية فاخترت منها عليا و جعلته وصيك وخليفتك و زوج ابنتك و أبا ذريتك شققت له اسما من أسمائي فأنا العلي الأعلى و هو علي، و خلقت فاطمة والحسن و الحسين من نوركما، ثم عرضت ولايتهم على الملائكة فمن قبلها كان عندي من المقربين. يا محمد لو أن عبدا عبدني حتى ينقطع و يصير كالشن البالي ثم أتاني جاحدا لولايتهم فما أسكنه جنتي و لا أظله تحت عرشي، يا محمد تحب أن تراهم ؟ قلت: بلى، فقال عز و جل: ارفع رأسك. فرفعت رأسي و إذا أنا بأنوار علي و فاطمة والحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر و علي بن موسى و محمد بن علي و علي بن محمد و الحسن بن علي ومحمد بن الحسن القائم في وسطهم كأنه كوكب دري. قلت: يا رب! و من هؤلاء ؟ قال: هؤلاء الأئمة و هذا القائم الذي يحلِّل حلالي و يحرِّم حرامي و به أنتقم من أعدائي و هو راحة أوليائي و هو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين و الجاحدين و الكافرين فيخرج اللات و العُزَّى طريين فيحرقهما ولفتنة الناس يومئذ بهما أشد من فتنة العجل و السامري ] [188][3]
      قلت:  هذا الحديث الواضح الاختلاق روي عن رجل مطعون به وملعون من قبل كبار علماء الشيعة و هو أحمد بن هلال المولود سنة 180 هـ و المتوفى سنة 267 هـ و فيما يلي قول علماء الرجال فيه:
1) قال الشيخ الطوسي في الفهرست: [ أحمد بن هلال مات سنة 276هـ كان غاليا  متهما ]
2) و قال عنه في كتابه التهذيب أيضا: [ أحمد بن هلال مشهور باللعنة و الغلوّ]
3) و قال عنه أيضا في رجاله: [ أحمد بن هلال بغدادي غال ]. و أحمد بن هلال هذا الذي روى الحديث لُعِنَ من قـِبَل الإمام الثاني عشر، كما رجع عن قوله بالإمامة، و هذا من العجيب الذي لا يعقل أن يروي شخص حديثا مثل هذا فيه النص على الأئمة الاثني عشر بأمر الله ثم هو نفسه لا يعتقد بإمامتهم ألا يدل هذا بحد ذاته على أنه كان يعرف نفسه أنه يكذب ؟؟ 
      قال الشيخ الطوسي  في كتابه "الغيبة" أنه لما ادعى "محمد بن عثمان" (أحد الوكلاء الأربعة) النيابة لإمام الزمان (في غيبته الصغرى) بعد وفاة أبيه عثمان بن سعيد، أنكر أحمد بن هلال ذلك و قال: [لم أسمعه ينص عليه بالوكالة] فقيل له إذا لم تسمع أنت فقد سمع غيرك، فقال: فأنتم و ما سمعتم! و توقف على الإمام محمد التقي و لم يقل بإمامة من بعده لذا لعنوه وتبرؤوا منه، ثم خرج توقيع من الناحية المقدسة بواسطة الحسين بن روح بأن الإمام لعنه!. يقول الشيخ الطوسي أن هذا دليل على أنه رجع عن القول بالأئمة الاثني عشر و وقف على حضرة الإمام التقي، و ليس هذا فقط، بل يدل ما أورده الصدوق في نفس كتابه إكمال الدين على نصبه حيث روى فقال: [ سمعت سعد بن عبد الله يقول: ما سمعنا و لا رأينا متشيعا يرجع من الشيعة إلى النصب إلا أحمد بن هلال! ]. 
      و الآن لنلق نظرة على متن الحديث:
      يذكر الحديث أنه لما أسري به (صلى الله عليه وآله) إلى السماء كان أول ما أوحى إليه ربه أن قال: إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة! هذا مع أن الله تعالى بكل شيء محيط و مثل هذا التعبير لا يمكن صدوره عنه تعالى، ثم يقول و شققت لك من اسمي اسما فأنا المحمود و أنت محمد، هذا مع أنه لا يوجد في القرآن و لا في أي حديث نبوي أن من أسماء الله تعالى: "محمود"! هذا ثم لا مجال للامتنان على الرسول بتسميته محمدا و أنه اشتق اسمه من اسمه، فتواريخ العرب قبل الإسلام تذكر العشرات ممن كان اسمهم محمدا قبل الرسول (صلى الله عليه وآله) و نفس الشيء بالنسبة لاسم علي عليه السلام.
      و أظهر علامات الوضع في الحديث ما جاء في آخره من أن من علامات القائم أنه سيخرج اللات و العزَّى طريين فيحرقهما! و هو إشارة لما ورد في حديث مكذوب موضوع آخر الذي يقول أن حضرة القائم سيخرج أبا بكر وعمر (رضي الله عنهما) من قبريهما و يحرقهما [189][4] !!   و يبدو أن الله عمل بالتقية هنا و استعار تعبير اللات و العزَّى ليوري بهما عن ذينك الخليفتين!! أجل بأحاديث فيها مثل هذه التُرَّهات و الهذيان يستمسك القائلون بالنص بالاسم على الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)!
      الحديث السادس: من الأحاديث الأخرى التي تذكر نص الرسول (صلى الله عليه وآله) الصريح على أسماء الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) ما أخرجه الصدوق أيضا في إكمال النعمة و نقله المجلسي كذلك في بحار الأنوار (ج2/ص158من طبعة تبريز) و الحر العاملي في كتابه إثبات الهداة (ج2/ص372) فقال: [ حدثنا غير واحد من أصحابنا قالوا حدثنا محمد بن همام عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري قال حدثنا الحسن بن محمد بن سماعة عن أحمد بن الحرث قال حدثني الفضل بن عمر عن يونس بن ظبيان عن جابر بن يزيد الجعفي قال سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: لما أنزل الله عز و جل على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله): يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم، قلت يا رسول الله! عرفنا الله و رسوله فمن أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: خلفائي يا جابر و أئمة المسلمين بعدي أولهم علي بن أبي طالب ثم الحسن و الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر و ستدركه يا جابر فإذا لقيته فأقرئه مني السلام ثم الصادق جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم سميي و كنيي حجة الله في أرضه و بقيته في عباده ابن الحسن بن علي ذلك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض و مغاربها ذلك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه له غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للإيمان، قال جابر: فقلت يا رسول الله! فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): أي و الذي بعثني بالنبوة إنهم ليستضيئون بنوره و ينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس و إن تجللها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سر الله و مخزون علم الله فاكتمه إلا عن أهله.]
      ثم يذكر عقب هذاالحديث قصة ملاقاة حضرة الباقر لجابر. و فيما يلي دراسة لسند الحديث و بعدها دراسة لمتنه: 
1) أول راو في سلسلة السند: "محمد بن همام جاء ذمه في قاموس الرجال (ج8/ص428) بأنه ((كان أحمد بن الحسين يضع الحديث، و محمد بن همام يروي عنه!)) أي أنه كان مروجا للموضوعات!
2) الراوي الثاني في سلسلة السند:  جعفر بن محمد بن مالك الذي مر معنا شدة طعن الرجاليين فيه حتى قالوا عنه أنه كان كذابا وضاعا متروك الحديث غاليا فاسد المذهب في مذهبه ارتفاع و كل عيوب الضعفاء فيه، و على قول الشاعر: ما تفرق من المحاسن في غيرك اجتمع فيك!! (راجع ترجمته ذيل الحديث رقم 3).
3) و الراوي الثالث: الحسن بن محمد بن سماعة: ذكره الشيخ الطوسي في الرجال و قال أنه كان واقفيا[190][5] و أنه توفي سنة 263 هـ أي بعد ثلاث سنوات من وفاة حضرة الحسن العسكري، كذلك نص في الفهرست على أنه كان واقفي المذهب، بل إن النجاشي قال عنه في رجاله أنه: [ من شيوخ الواقفة... و كان يعاند في الوقف و يتعصب! ثم يذكر النجاشي رواية تؤكد واقفية الحسن بن سماعة فيروي بسنده عن: [ أحمد بن يحيى الأودي قال: دخلت مسجد الجامع لأصلي الظهر فلما صليت رأيت حرب بن الحسن الطحان و جماعة من أصحابنا جلوسا فملت إليهم و سلمت عليهم و جلست و كان فيهم الحسن بن سماعة  فذكروا أمر الحسن بن علي عليه السلام و ما جرى عليه ثم من بعد زيد بن علي و ما جرى عليه، و مضى رجل غريب لا نعرفه فقال يا قوم: عندنا رجل علوي بسر من رأى من أهل المدينة ما هو إلا ساحر أو كاهن!، فقال له ابن سماعة: بمن يُعرَف ؟ قال: علي بن محمد بن الرضا.]، ثم يذكر الرجل الغريب كرامة باهرة صدرت عن الإمام المشار إليه ـ أي علي النقي ـ بسر من رأى ( أي سامراء الحالية ) فينكرها الحسن بن محمد بن سماعة لعناده ـ على حدقول الراوي ـ لإمامة علي النقي! [191][6]  فهل من الممكن لمثل هذا أن ينقل عن جابر مثل هذا الحديث ( الذي فيه النص على الأئمة الاثني عشر بأسمائهم و أنهم أولو الأمر الذين فرض الله طاعتهم )، مع أنه كان و بقي من المتعصبين في عقيدته بتوقف الإمامة عند موسى الكاظم عليه السلام ؟!
      و قد جاء سند الحديث مختلفا في نسخة إكمال الدين للصدوق حيث ذكر: الحسن بن محمد بن الحرث عن سماعة ؛ و على فرض أن هذا السند هو الأصح، فإن نفس الإشكال باق  لأن سماعة هذا، الذي هو سماعة بن مهران، كان واقفيا أيضا!  و يستحيل أن يكون الشخص، الذي عنده مثل هذه الرواية  عن الصادقين، واقفيا! و عليه فمن اليقيني أن جعفر بن محمد بن مالك الذي وضع الحديث ينطبق عليه المثل القائل: حبل الكذب قصير، حيث نسي فذكر في سند حديثه مثل هؤلاء الرواة.
      أما متن الحديث: فأولا: من المستبعـد أن يكون جابر بن يزيد الجعفي قد أدرك جابر بن عبد الله الأنصاري في سن التمييز، حيث، كما قلنا، كانت وفاة جابر بن عبد الله سنة 74 هـ، أي قبل ستين عاما من وفاة جابر بن يزيد.
      و ثانيا: في آخر الحديث نلاحظ أنه تم تحاشي ذكر الإمام القائم باسمه، لا ندري لعل ذكره باسمه كان حراما أيضا على رسول الله (صلى الله عليه وآله)!! ثم ذكر أن الله تعالى يفتح على يدي القائم مشارق الأرض و مغاربها وأنه يغيب غيبة..إلخ،  و إذا لم يكن القارئ للحديث مطلعا على عقيدة الشيعة الإمامية، فإنه  يتبادر لذهنه من ظاهر هذا الحديث أن الفتح  يكون أولا ثم الغيبة بعده! و لا ندري أنقول أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي هو أفصح من نطق بالضاد، لم يحسن بيان القضية!! (حاشاه من ذلك)،  أو أن جعفر بن محمد بن مالك واضع الحديث لم ينتبه جيدا أثناء تلفيقه ألفاظ الحديث!؟.
      وثالثا: جاء في آخر الحديث قول الرسول (صلى الله عليه وآله) لجابر: [ يا جابر! هذا من مكنون سر الله و مخزون علمه فاكتمه إلا عن أهله!! ]، والظاهر من هذا أن الحديث تم في خلوة خاصة بين الرسول(صلى الله عليه وآله) جابر! ونسأل: مثل هذا الحديث الذي هو بيان لآية كريمة هي خطاب إلهي لجميع المسلمين على وجه الأرض بأن: { أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم } فيعرفنا الرسول(صلى الله عليه وآله) بأولي الأمر حتى نطيعهم و لا نعصهم فنعص الله تعالى و نستحق عذاب النار خالدين فيها طبقا لقوله سبحانه: { ومن يعص الله و رسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا } الجن/ 23، وحتى لا نضل بطاعة غيرهم ممن قد يكونوا ممن نهانا الله عن طاعتهم، كما قال سبحانه: { و إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله..} الأنعام /116 ؛ هل يصح أن يكون سرا و يُبَلَّغَ في خلوة لفرد أو أفراد ؟؟ أهكذا يكون إبلاغ رسالات الله و دينه ؟ أم هكذا تقوم حجة الله تعالى على عباده ؟؟ أجل لا يمكن لكذبة مخرفين من أمثال جعفر بن محمد بن مالك أو أحمد بن الحسين إلا أن يلفقوا مثل هذا النوع من الأكاذيب و يخترعوا للناس حججا إلهية سرية مخفية!! [192][7]
      و رابعا: من جملة ما جاء في هذا الحديث الموضوع، و في أحاديث أخرى أيضا تخبر عن غيبة القائم، عبارة: [ أي و الذي بعثني بالنبوة إنهم ليستضيئون بنوره و ينتفعون في غيبته كانتفاع الناس بالشمس و إن جللها السحاب! ] والواقع أن هذا كلام لا يثبت إلا بتلفيقات فلسفية عرفانية و هو تشبيه غير صحيح من عدة وجوه:
1) الشمس رغم كونها خلف السحاب إلا أن وجودها محسوس لكل إنسان وأثرها ظاهر ملموس بعكس الإمام القائم.
2) الشمس لا تختفي وراء السحب إلا مدة ضئيلة ثم تظهر، لذلك يؤمن بوجودها الناس، أما لو غابت و استمر غيابها مئات السنين فلكثيرين أن يتصوروا فناءها، ومثل هذا لا يقول به المعتقدون بإمامة الإمام القائم، بشأنه.
3) الشمس إذا استترت وراء الحجب في بعض نقاط الأرض فإنها تكون ظاهرة للملايين في نقاط أخرى من المعمورة و هذا لا ينطبق على الإمام القائم.
4) كل شيء على الأرض ينتفع من حرارة الشمس و نورها، لا فرق بين أن تكون ظاهرة للعيان أم مستترة أحيانا وراء السحب، فالنباتات و الحيوانات و البشر و البحار و التربة كلها تنتفع من الشمس، على الدوام، بمنافع لا تحصى، و ليس هكذا أبدا بالنسبة للإمام القائم، فلا ينتفع الناس أثناء غيبته بأي من المنافع التي ترتجى من وجود الإمام كإحياء معالم الدين و إماتة البدع و إبطال الخرافات والشبهات و هداية الناس و بيان أحكام الشرع و تشكيل الحكومة الإسلامية وترويج الإسلام و إقامة الجهاد و تطبيق الحدود و إقامة الجمعة و الجماعات و دفع شر الأشرار و النهي عن المنكرات... فليست القضية أن الناس محرومون من رؤيته فقط أما منافعه فموجودة ( كالشمس أحيانا ) بل إنهم محرومون من رؤيته و من منافعه أيضا، و لا فائدة منه في حال غيبته إطلاقا! هذا ما يشهد به العقل والوجدان و يدل عليه المنطق والبرهان عند ذوي التجرد و الإنصاف.
 
      الحديث السابع: حديث آخر أخرجه الشيخ الصدوق أيضا في كتابيه إكمال الدين و عيون أخبار الرضا و ننقله فيما يلي مختصرا من كتاب " إثبات الهداة " للشيخ الحر العاملي: (ج2/ص328):
       [ حدثنا أبو الحسن علي بن ثابت الدواليبي بمدينة السلام سنة 325 قال: حدثنا محمد بن الفضل النحوي قال حدثنا محمد بن علي بن عبد الصمد الكوفي قال حدثنا علي بن عاصم عن محمد بن علي بن موسى عليه السلام عن أبيه علي بن موسى عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: دخلت على رسول الله و عنده أُبَيُّ بن كعب فقال رسول الله: مرحبا بك يا أبا عبد الله يا زين السموات و الأرض، فقال أُبَيٌّ: و كيف يكون يا رسول الله زين السموات و الأرض أحد غيرك ؟ فقال: يا أُبَيّ والذي بعثني بالحق نبيا إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض فإنه مكتوب عن يمين العرش: مصباح هدى و سفينة نجاة و إمام خير ويمن و عز و فخر وعلم وذخر، و إن الله ركب في صلبه نطفة طيبة مباركة زكية خلقت من قبل أن يكون مخلوق في الأرحام و يجري ماء في الأصلاب و يكون ليل و نهار..و قد لُقِّـنَ دعوات ما يدعو بهن مخلوق إلا حشره الله عز وجل معه، وكان شفيعه في آخرته، و فرج الله عنه كربه و قضى بها دينه و يسر أمره وأوضح سبيله وقواه على عدوه و لم يهتك ستره، فقال أبي بن كعب: و ما هذه الدعوات يا رسول الله ؟ قال: تدعو إذا فرغت من صلاتك و أنت قاعد:" اللهم إني أسألك بكلماتك و معاقد عرشك و سكان سمواتك و أنبيائك و رسلك أن تستجيب لي، فقد رهقني من أمري عسرا فأسألك أن تصلي على محمد و آل محمد و أن تجعل لي من أمري يسرا " فإن الله عز و جل يسهل أمرك و يشرح صدرك ويلقنك شهادة أن لا إله إلا الله عند خروج نفسك...، فقال له أُبَيّ: يا رسول الله ما هذه النطفة التي في صلب حبيبي الحسين ؟ قال: مثل هذه النطفة كمثل القمر و هي نطفة تبيين و بيان يكون من اتبعه رشيدا و من ضل عنه هويا، قال: وما اسمه ؟ قال: اسمه علي و دعاؤه: يا دائم يا ديموم..، فقال له يا رسول الله فهل له من ذرية و من خلف أو وصيٍّ؟ قال: نعم، له مواريث السموات والأرض قال: و ما معنى مواريث السموات و الأرض؟ قال: القضاء بالحق والحكم بالديانة و تأويل الأحلام وبيان ما يكون، قال: فما اسمه ؟ قال: اسمه محمد..، ركب الله في صلبه نطفة مباركة زكية و أخبرني جبرئيل إن الله طيبَ هذه النطفة و سماه جعفرا وجعله هاديا مهديا و راضيا مرضيا يدعو ربه فيقول في دعائه:..، يا أُبَـيّ إن الله ركب في هذه النطفة نطفة زكية مباركة طيبة أنزل عليها الرحمة سماها عنده موسى و إن الله ركب في صلبه نطفة مباركة طيبة زكية مرضية سماها عنده عليا يكون لله في خلقه رضيا في علمه و حكمه ويجعله حجة لشيعته يحتجون به يوم القيامة و له دعاء يدعو به..، و إن الله عز و جل ركب في صلبه نطفة طيبة مباركة زكية راضية مرضية و سماها محمد بن علي فهو شفيع لشيعته و وارث علم جده..و إن الله تبارك و تعالى ركب في صلبه نطفة مباركة طيبة زكية راضية مرضية لا باغية و لا طاغية بارة مباركة طيبة طاهرة سماها عنده علي بن محمد فألبسها السكينة و الوقار و أودعها العلوم و كل سر مكتوم..، و إن الله تبارك و تعالى ركب في صلبه نطفة طيبة وسماها عنده الحسن بن علي فجعله نورا في بلاده و خليفته في عباده و عزَّاً لأمة جده هاديا لشيعته و شفيعا لهم عند ربهم و نقمة على من خالفه و حجة لمن والاه وبرهانا لمن اتخذه إماما..، و إن الله ركب في صلب الحسن نطفة مباركة طيبة طاهرة مطهرة يرضى بها كل مؤمن قد أخذ الله ميثاقه في الولاية و يكفر بها كل جاحد، و هو إمام تقي نقي مرضي هاد و مهدي يحكم بالعدل و يأمر به يصدق الله عز و جل ويصدقه الله في قوله يخرج من تهامة حتى تظهر الدلائل والعلامات و له بالطالقان كنوز لا ذهب إلا خيول مطهمة و رجال مسوَّمة يجمع الله عز و جل له من أقاصي البلاد على عدد أهل بدر ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا، معه صحيفة مختومة فيها عدد أصحابه بأسمائهم و أنسابهم وبلدانهم و طبائعهم وحلاهم و كناهم كدَّادون مجدون في طاعته.  فقال له أُبَيّ: و ما دلائله وعلاماته يا رسول الله ؟ قال: له علم إذا حان وقت خروجه انتشر ذلك العلم من نفسه... ] و في آخر الحديث: [ قال أُبَيّ: يا رسول الله كيف بيان حال هذه الأئمة عن الله عز و جل ؟ قال: إن الله عز و جل أنزل عليَّ اثنا عشر صحيفة اسم كل إمام في خاتمه و صفته في صحيفته ].
       و قد تضمن الحديث ذكر دعاء خاص يدعو به كل إمام من الأئمة ويبين رسول الله ثوابه العظيم (!) لأُبَيّ، و لما كان الحديث طويلا جدا أعرضنا عن ذكر كل الأدعية طلبا للاختصار و اكـتـفـينا بما ذكرناه منه ومن رغب بالوقوف عليه بتمامه فيمكنه الرجوع لعيون أخبار الرضا: ج 1/ ص62ـ 65، أو إكمال الدين: ص 266 أو الجزء التاسع من بحار الأنوار ( طبعة تبريز القديمة). 
      و الآن لنبدأ بدراسة سند الحديث:
1) الراويان الثاني و الثالث في سلسلة السند و هما: محمد بن الفضل النحوي ومحمد بن علي بن عبد الصمد الكوفي، ليس لهما ذكر في كتب رجال الشيعة ولا ندري من كانا و ما حالهما؟
2) أما علي بن عاصم فله ذكر في كتب رجال الشيعة و كتب رجال العامة (أي السنة) و كلاهما نسبه للتشيع، فذكر الممقاني في تنقيح المقال ( ج2/ ص294) أنه كان من شيوخ الشيعة المتقدمين و أنه أُخِذَ في زمن المعتضد العباسي  مع جماعة من أصحابه مغلولا إلى بغداد بتهمة التشيع و سجن ومات في السجن.   و قال عنه الفاضل محمد الأردبيلي في جامع الرواة (ج1/ص588): [ علي بن عاصم بن صهيب الواسطي التميمي مولاهم صدوق يخطئ و يصر، و رمي بالتشيع من التاسعة، مات سنة إحدى و مائتين و قد جاوز التسعين. قاله ( ابن حجر ) في التقريب. و قال الذهبي... ضعَّفوه و مات سنة 201هـ ] اهـ. مختصرا.   ولكن هذا التعريف له لا ينطبق على علي بن عاصم الذي نحن في صدده و الذي قال الممقاني أنه أخذ في زمن المعتضد، ذلك أن المعتضد إنما ولي الخلافة سنة 279هـ[193][8] أي بعد 78 سنة من موته!  بالإضافة إلى أن الإمام محمد بن علي التقي ـ الذي يروي عنه محمد بن عاصم مباشرة هذا الحديث ـ ولد سنة 195هـ، و بالتالي فعند وفاة علي بن عاصم هذا كان عمر الإمام ست سنوات فقط! فعلي بن عاصم المتوفى سنة 201هـ كان معاصرا للإمام الرضا لا لابنه محمد، فمن غير المعقول أن يرجع في الرواية إلى ابنه الصغير الذي كان عمره، على أكثر تقدير،  ست سنوات! عوضا عن الرجوع للرضا الذي كان مرجع الشيعة في ذلك العصر!   فمن المقطوع به أن الذي قبض عليه زمن المعتضد غير علي بن عاصم المترجم له في كتب رجال العامَّة، و بالتالي لا ندري من هو و ما حاله بالضبط ؟
3) و أخيرا فالسند ينتهي إلى حضرة الإمام الحسين عليه السلام الذي سمعه من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مباشرة، عندما كان عنده أبي بن كعب فقط! و هذا الأمر فيه إشكال من عدة وجوه: 1ـ لماذا لم يُسمَع هذا الحديث من أحد من الأئمة قبل الإمام محمد التقي حتى أباح به لشخص واحد فقط هو علي بن عاصم المجهول الهوية بل ربما معدوم الوجود ؟!
      2ـ لماذا لم يرو أبي بن كعب هذا الحديث و لم يسمعه أحد منه مع أنه الوحيد الذي حظي بسماعه، خاصة أن الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يأمره بكتمانه و صيانته عن غير أهله! كما أمر جابرا في حديث تفسير أولي الأمر ؟! إن هذا كتمان لما أنزل الله من البينات و هذا لا يمكن أن يفعله أُبيّ الذي كان من خيار الصحابة و محبي أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله)!
      3ـ الحديث يتضمن أدعية اختص بها كل إمام، فلو فرضنا أن ذكر أسماء الأئمة كان ممنوعا لما فيه من خطر على حياتهم فهلا علم الرسول (صلى الله عليه وآله) و الأئمة من بعده الناس هذه الأدعية التي لها كل هذا الثواب العظيم، ليستفيدوا منها و ينالوا  ثوابها العميم؟ مع أنها لم تسمع منهم في غير هذا الحديث، و مثل هذا البخل في إفادة الناس بعيد جدا عن ساحة الهداة إلى الله، أفليست هذه الاشكالات كلها دليل على أن الحديث موضوع من أساسه ؟.
      أما من ناحية متن الحديث فقرائن الوضع فيه كثيرة نذكر منها ما يلي:
1) يروي عن حضرة الحسين قوله: دخلت على رسول الله و عنده أُبَيّ بن كعب فقال (صلى الله عليه وآله): مرحبا بك يا أبا عبد الله! في حين أن الحسين بن علي عليهماالسلام كانت سنه حين وفاته صلى الله عليه وآله وسلم ست سنوات، ومن غير المعلوم في أي سنة دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، و أيا كان فلا يمكن أن يخاطب الرسول طفلا صغيرا لم يتزوج بعد ولا و لد له: بأبي عبد الله! لأن الكنية إنما تطلق على الشخص بعد أن يصبح ذا ولد. و قطعا لم يكن للحسين هذه الكنية في ذلك السن. لكن واضع الحديث غفل عن هذه النقطة!
2) في الحديث يقول الرسول ((صلى الله عليه وآله) للحسين: يا زين السموات والأرض.. و يستشكل أُبَيّ هذا الوصف قائلا و هل أحد غيرك يا رسول الله زين السموات و الأرض ؟ هذا مع أنه لم يُسْمَع في أي حديث عن أي صحابي تلقيب الرسول أو وصفه بزين السموات و الأرض فضلا عن أن يُختَصّ الحسين بمثل هذا اللقب، بل الذي ورد في القرآن أن زينة السموات هي النجوم: {و لقد زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب}! و على فرض أن لها زينة غير ذلك فإذا كانت النبوة فهي غير منحصرة بسيدنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذ هناك الكثيرون غيره من الأنبياء و إذا كانت الصلاح و الولاية  فغير منحصرة بالحسين فقط.   ثم إن الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يجب على استشكال أُبَيّ إلا بقوله أن الحسين في السماء أكبر منه في الأرض، مع أن كثيرين هم في السموات أكبر منهم في الأرض و مع ذلك ليسوا زين السموات و الأرض! فالجواب لم يكن محكما في محله، (و حاشا رسول الله هذا الضعف في البيان ).
3)  اهتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذذا الحديث بتمجيد نطفة الحسين وبيان صفاتها و مقامها و كذلك نطفة من بعده حتى وصفت نطفة الإمام العاشر بإحدى عشر صفة! مما ينبغي لأجله أن يسمى هذا الحديث حقا بحديث النطفـة!! و قد جعل نطفة الحسين مخلوقة قبل أن يجري ماء في الأصلاب أو يكون ليل و نهار!! فلا ندري أين كانت النطفة مستقرة إن لم تكن في الأصلاب ؟؟
4) في الحديث يذكر الرسول (صلى الله عليه وآله) لأُبَيٍّ دعاءً لُقِّـنه الحسين و يبين له أن من دعا به حشره الله مع الحسين و كان الحسين شفيعه في آخرته وفرج الله كربه و قضى دينه و يسر أمره و أوضح سبيله و قواه على عدوه و.. و..إلخ! ثم يذكر دعاءً من عدة كلمات لا تزيد على السطرين و لا تخلو من ركاكة! فأي عقل و دين يقبل أن يكون لقراءة مثل هذين السطرين كل ذلك الأجر الكبير و الثواب العظيم!! و لماذا لم ينتفع الحسين نفسه بهذا الدعاء في تيسر أمره و فرج كربه و قوته على عدوه؟!  هذا لوحده يكفي في الدلالة على وضع هذا الحديث و أن ما فيه من أدعية و ثواب عظيم على كل واحد منها ليس إلا من اختلاق أولئك الكذبة المخرفين الذين يريدون أن يغروا السذج بهذه الخرافات و يشجعوهم على ترك السعي و العمل و يفتحوا لهم باب الفسق و الفجور ثم الاعتماد على كلمتي دعاء للنجاة و نيل شفاعة الحسين!
       و الأعجب من ذلك دعاء نطفة حضرة الباقر أي أن حضرة الصادق اختص بدعاء هو: يا ديَّان غير متوان... اجعل لشيعتي من النار وقاء ولهم عندك رضاء... و هب لهم الكبائر التي بينك و بينهم!! ثم قال: من دعا بهذا الدعاء حشره الله تعالى أبيض الوجه مع جعفر بن محمد إلى الجنة!   حسنا علمنا أن لجعفر بن محمد شيعة و هو يدعو ربه لأجل شيعته، لكن سائر الناس ليس لهم شيعة، فما معنى أن يدعو كل مسلم فيقول: اللهم اجعل لشيعتي من النار وقاء.. و هب لهم الكبائر ؟!ثم هل يغفر الله تعالى الكبائر بمجرد دعاء نطفة من سطرين ؟ و هل هذا إلا تجريء للناس على الخوض في الكبائر؟ انظر كيف سخر هذا الكذاب الوضاع للأحاديث من دين الله و من الناس و وضع على لسان الرسول (صلى ا لله عليه وآله و سلم) كل ما أوحاه له شيطانه.
      و من اللازم أن نذكر هنا بأن كثيرا من أعداء الإسلام الألداء من اليهود والنصارى و الإيرانيين الذين بقوا علىمجوسيتهم أو أديانهم الأخرى الموروثة، والذين رأوا في هذا الدين و استقراره الخطر الأكبر المزلزل لبنيان أديانهم، وأدركوا أنه لا يمكنهم القضاء عليه بالعداوة الظاهرية المباشرة، لجأوا إلى التنكر بلباس الصديق و التظاهر بالإسلام ليتمكنوا عبر رواياتهم و أحاديثهم الموضوعة أن يدسوا في الإسلام سننهم و عاداتهم المجوسية أو اليهودية أو النصرانية... مغلفة بلباس إسلامي، و من هنا فإن كثيرا من الخرافات الرائجة اليوم بين المسلمين مصدرها أمثال هؤلاء المندسين الذين لم يكن كثير منهم عربا. وهذا ما يظهر بشأن واضع هذه الرواية التي يكشف التأمل في ألفاظها أن واضعها كان فارسيا و ذلك لأنه عوضا عن استخدام عبارة : "اغفر لهم الكبائر.." قال : "و هَبْ لهم الكبائر ..." في حين أنه لا يعبر أبدا ـ في العربية ـ عن طلب غفران الذنوب بتعبير: هب لهم! بل اغفر لهم، لأن الهبة عطاء لما هو خير و رحمة كقوله تعالى: {و هب لنا من لدنك رحمة } آل عمران/8، أو { هب لي من لدنك ذرية طيبة} آل عمران/38، أو {رب اغفر لي و هب لي ملكا} ص/35، و لكن لا يأتي في العربية أبدا تعبير "رب هب لي الفواحش و كبائر الذنوب!!"‎.  ذلك أنه لا يوجد في اللغة العربية تجانس بين الألفاظ الدالة على معنى "العطاء و الهبة و الإهداء... " و بين الألفاظ الدالة على معنى "الغفران و الصفح و التجاوز" ، بعكس اللغة الفارسية التي يوجد فيها تجانس  و تقارب بين ألفاظ المعنيين، ففي الفارسية يعبر عن كلا معنى العطاء و معنى الغفران بنفس الفعل و هو "بخشيدن" و " بخشودن" فنقول في الفارسية: "كناه او را ببخش": أي: اغفر له ذنبه، و نقول: "اين لباس به او ببخش" أي: أعطه هذا اللباس.
      هذا التجانس في اللغة الفارسية هو الذي أوقع واضع الحديث ـ لعدم تمكنه من العربية ـ بهذا الخطأ الكبير في تعبيره "و هب لي الكبائر!!"، فالحديث من وضع رجل فارسي غير عربي أصلا فضلا عن أن يكون كلام إمام من الأئمة أو كلام نبي الإسلام (صلىالله عليه وآله وسلم) . [194][9]
 
الحديث الثامن: حديث آخر فيه التصريح بأسماء الأئمة الاثني عشر، أخرجه الشيخ الصدوق في كتابه إكمال الدين و نقله المجلسي في المجلد التاسع من البحار (ص158 من طبعة تبريز) و أورده الشيخ الحر العاملي أيضا في كتابه إثبات الهداة:
      [ حدثنا محمد بن موسى المتوكل قال حدثني محمد بن أبي عبد الله الكوفي الأسدي قال حدثنا موسى بن عمران النخعي عن عمه الحسين بن يزيد عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبيه عن الصادق جعفر بن محمد عن آبائهم عليهم السلام قال: قال رسول الله: حدثني جبرئيل عن رب العالمين جل جلاله أنه قال: من علم أنه لا إله إلا أنا وحدي و أن محمدا عبدي و رسولي وأن علي بن أبي طالب خليفتي و أن الأئمة من ولده حججي أدخلته الجنة برحمتي ونجيته من النار بعفوي و أبحت له جواريي و أوجبت له كرامتي و أتممت  عليه نعمتي و جعلته من خاصتي و خالصتي إن ناداني لبيته و إن دعاني أجبته و إن سألني أعطيته و إن سكتَ ابتدأته و إن أساء رحمته و إن فرَّ منِّي دعوته و إن رجع إليَّ قبلته و إن قرع بابي فتحته، و من لم يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي أو شهد و لم يشهد أن محمدا عبدي و رسولي أو شهد و لم يشهد أن علي بن أبي طالب خليفتي أو شهد بذلك و لم يشهد أن الأئمة من ولده حججي فقد جحد نعمتي و صغَّر عظمتي و كفر بآياتي و كتبي، إن قصدني حجبته و إن سألني حرمته وإن ناداني لم أسمع نداه و إن دعاني لم أسمع دعاه و إن رجاني خيبته وذلك جزاؤه مني و ما أنا بظلام للعبيد، فقام جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله ومَنِ الأئمة مِنْ ولد علي بن أبي طالب؟ قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ثم سيد العابدين في زمانه علي بن الحسين، ثم الباقر محمد بن علي و ستدركه يا جابر و إذا أدركته فأقرئه مني السلام ثم الصادق جعفر بن محمد ثم الكاظم موسى بن جعفر ثم الرضا علي بن موسى ثم التقي محمد بن علي ثم الهادي علي بن محمد ثم الزكي الحسن بن علي ثم ابنه القائم بالحق مهدي أمتي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا.  هؤلاء يا جابر خلفائي و أوصيائي و أولادي و عترتي من أطاعهم فقد أطاعني ومن عصاهم فقد عصاني و من أنكر واحدا منهم فقد أنكرني بهم يمسك السموات أن تقع على الأرض إلا بإذنه و بهم يحفظ الأرض أن تميد بأهلها.]
      أما سند هذا الحديث:
1) ثاني راوي في سلسلة السند محمد بن أبي عبد الله الكوفي الأسدي  هو محمد بن جعفر بن محمد بن عون الأسدي الذي يطلقون عليه محمد بن أبي عبد الله، نقل  الممقاني في تنقيح الرجال (ج2/ص95) و التفرشي في نقد الرجال (ص 298) قول النجاشي عنه: [ كان ثقة صحيح الحديث إلا أنه روى عن الضعفاء و كان يقول بالجبر و التشبيه  ثم قال العلامة الحلي في الخلاصة: [ أنا في حديثه من المتوقفين و كذلك ابن داود الحلي قال عنه في رجاله: [ فيه طعن أوجب ذكره في الضعفاء] ثم يبدي الممقاني رأيه فيعترف أولا قائلا: [ قوله بالجبر و التشبيه لو كان على حقيقته لأوجب فسقه بل كفره! ] لكنه يحاول عقب ذلك نفي هذه التهمة أو التخفيف منها ـ كما هو منهجه في التساهل بشأن الرواة  ـ و توثيق الرجل بحجة أن الأصحاب القدماء رووا عنه إلخ...
 2 ) و هذا الأحمق المشبِّه المُفسَّق في اعتقاده المُتوقَّف ـ عند المحققين ـ في روايته روى عن شيخه موسى بن عمران النخعي الذي يبدو أنه نفس موسى النخعي الذي تعاون مع ذلك الكوفي الأسدي في صياغة الزيارة الجامعة الكبيرة المشحونة بالغلو و الجبر و التشبيه، ليهديانها للشيعة، هذا على الرغم من أن اسم موسى النخعي لم يذكر صريحا في كتب الرجال بل ذكر في سند الزيارة الجامعة باسم موسى بن عبد الله، لكن في عيون أخبار الرضا ذكره في سند الزيارة بعين هذا الاسم فقال: حدثنا موسى بن عمران النخعي قال: قلت لعلي بن موسى بن جعفر: علمني يا ابن رسول الله قولا أقوله بليغا إذا زرت واحدا منكم...، و من مشرب محمد بن جعفر يظهر أن موسى النخعي الذي أتى بالزيارة الجامعة هو نفس موسى النخعي الذي في سند هذا الحديث[195][1]. و لعله وقع خطأ للنساخ في سند الزيارة الجامعة فصحفوا موسى بن عمران إلى موسى بن عبد الله نظرا لشدة التشابه بينهما ( خاصة في الخط الكوفي ) و على أي حال فقد روى موسى بن عمران أو موسى بن عبد الله حديث الباب عن عمه:
3 ) الحسين بن يزيد: و هو شخص متهم بالغلو، و معلوم أن الغلاة، طبقا للأحاديث الصحيحة الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، أشد ضررا على الإسلام من اليهود و النصارى و المشركين، قال الممقاني في تنقيح المقال (ج1/ص349): [ قال النجاشي: حسين بن يزيد بن محمد بن عبدالملك النوفلي،.. و قال قوم من القميين أنه غلا في آخر عمره و الله أعلم. و قد روى عن الحسن بن علي بن أبي حمزة ]
 4 ) أما الحسن بن علي بن أبي حمزة: فيجب الانتباه أولا إلى أن جده ليس أبا حمزة الثمالي، كما اشتبهت به بعض النسخ، بل هو أبو حمزة البطائني لأن أبا حمزة الثمالي ليس له ولد باسم علي و لا له حفيد باسم الحسن، كما صرح بذلك النجاشي في ترجمته في رجاله ( ص89) فقال: [ و أولاده ( أي أبو حمزة الثمالي ) نوح و منصور و حمزة قتلوا مع زيد ] [196][2].  أما صاحبنا الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني فقال عنه المرحوم الكشي في رجاله ـ كما ينقل ذلك الأردبيلي في جامع الرواة (ج1/ص208) و التفرشي في نقد الرجال (ص92): [ قال محمد بن مسعود: سألت علي بن الحسن بن فضال عن الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني فقال: كذاب ملعون!... و إني لا أستحل أن أروي عنه حديثا واحدا، حكى لي أبو الحسن محمدويه بن نصير عن بعض أشياخه أنه قال الحسن بن علي بن أبي حمزة رجل سوء! ] ثم يذكرانِ قول ابن الغضائري عنه: [ أبو محمد واقف بن واقفي ضعيف في نفسه و أبوه أوثق منه و قال الحسن بن علي بن فضال: إني لأستحي من الله أن أروي عن الحسن بن علي ]. وقد روى المترجم له حديث الباب عن أبيه:
 5 ) علي بن أبي حمزة البطائني الذي تقدم أنه واقفي، بل نقل النجاشي في رجاله و العلامة الحلي في خلاصته قول ابن الغضائري فيه: [ علي بن أبي حمزة لعنه الله أصل الوقف وأشد الخلق عداوة للولي من بعد أبي ابراهيم ] أي بعد الإمام موسى الكاظم. هذا و قد أورد الكشي في ذمه روايات كثيرة فمن شاء فليرجع إليه، منها ما روى الكشي في رجاله (ص393) من قصة حضور علي بن حمزة هذا إلى محضر الإمام الرضا عليه السلام الذي رغم أنه أثبت له بالدلائل الواضحة أنه الإمام بعد أبيه الكاظم و أن أباه قد توفي حقا، لم يقبل منه و لم يعترف بإمامته! فأي أحمق يمكنه أن يصدق أن مثل هذا الشخص الذي عاش و مات واقفيا بل كان من شيوخ الواقفة، كان يعرف و يروي هذا الحديث الذي يذكر فيه النبي (صلى ا لله عليه وآله و سلم) صراحة اسم الإمام الرضا واسم من بعده من الأئمة حتى القائم و يؤكد أن [ من أنكر واحدا من حججي فقد جحد نعمتي و صغَّـر عظمـتي وكفر بآياتي و كتبي، و من أنكر واحدا منهم فقد أنكرني!..] و هو باق رغم ذلك على وقفه؟! حقا إننا لنتعجب ممن يصدق مثل هذا الحديث بهذا السند ويستدل به على عقيدته و مذهبه!
      أما من ناحية متن الحديث:
1) فأول قرينة على وضعه أنه يجعل معرفة الأئمة فقط شرط النجاة و نيل رحمة الله و نعمه و رضوانه، في حين أن النجاة ـ كما أكد القرآن الكريم مرارا وكما ورد في السنة و أحاديث الأئمة كثيرا ـ لا يكفي لأجلها مجرد الاعتقاد بل لا بد من أن  يُشْفَعَ ذلك بالتقوى و العمل الصالح.
 2) واضح من الجملة الأخيرة للحديث: "من أنكر واحدا منهم فقد أنكرني، بهم يمسك السموات أن تقع على الأرض إلا بإذنه، و بهم يحفظ الأرض أن تميد بأهلها!!" أن "الحسين بن يزيد" المتهم بالغلو، يقوم بدس و تزريق عقيدته الغالية، فيجعل وجود الأئمة هو الحافظ للسموات من أن تسقط على الأرض، و لسائل أن يسأله: و لماذا لم تسقط السموات على الأرض قبل خلق الأئمة عليه السلام!! أما القرآن الكريم فيقول فيه عز وجل: { إن الله يمسك السماء أن تقع علىالأرض إلا بإذنه. إن الله بالناس لرؤوف رحيم} الحج/65، أي الرأفة و الرحمة الإلـهية هي التي تحفظ الأجرام السماوية من السقوط على الأرض قبل أن يخلق أحد من الأئمة و بعد خلقهم...
 3) و ثالثا: قوله فقام جابر بن عبد الله فسأله (صلى ا لله عليه وآله):...إلخ، و لرجل أن يتساءل: ما القصة في أن المهتم بهذا الأمر دائما هو جابر فقط؟!  إن سياق الحديث يظهر منه أن الرسول(صلى ا لله عليه وآله) ألقى الحديث في مجلس، أفلم يكن في المجلس غير جابر حتى يقوم و يسأل ؟! هذا مع أن جابرا ينبغي أن يكون في غنى عن مثل هذا السؤال لأنه ـ حسب رواية هؤلاء الوضاعين ـ قد شاهد اللوح الذي فيه أسماء جميع الأئمة عند فاطمة ؟!  ثم لماذا لم يُرْو لنا هذا الحديث من قبل أي صحابي آخر غير جابر ممن كان حاضرا في ذلك المجلس ؟  و من هنا قال سفيان الثوري أنهم وضعوا على لسان جابر بن عبد الله ثلاثين ألف حديثٍ لا يستحلُّ جابر أن يروي منها حديثا واحدا!! هذا مع أننا نوقن أن وضع هذا الحديث تم بعد عهد جابر، لكن يبدو أن الوضاع الملعون لم يكن يعرف صحابيا أشهر وأفضل من جابر فكان يذكره في آخر سلسلة سنده ليلقى حديثه القبول!
      الحديث التاسع:  حديث آخر ذكرت فيه أسماء الأئمة الاثني عشر بصراحة، أخرجه الشيخ الطوسي في كتابه "الغيبة" فقال:
       [ أخبرنا جماعة عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري عن علي بن سنان الموصلي العدل عن علي بن الحسين عن أحمد بن محمد بن الخليل عن جعفر بن أحمد المصري عن عمه الحسن بن علي عن أبيه عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عن أبيه الباقر عن أبيه ذي الثفنات عن أبيه الحسين الزكي الشهيد عن أبيه أمير المؤمنين قال: قال رسول الله في الليلة التي كانت فيها وفاته، لعلي: يا أبا الحسن أحضر صحيفة و دواة فأملى رسول الله و صيته حتى انتهى إلى هذا الموضع فقال يا علي: إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماما و من بعدهم اثنا عشر مهديا (!) فأنت يا علي أول الاثني عشر إمام، سماك الله في سمائه عليا و المرتضى و أمير المؤمنين و الصديق الأكبر و الفاروق الأعظم والمأمون و المهدي فلا تصلح هذه الأسماء لأحد غيرك، يا علي أنت وصيي على أهل بيتي حيهم و ميتهم و على نسائي فمن ثبتَّها لقتني غدا و من طلقتها فأنا بريء منها لم ترني و لم أرها في عرصة القيامة و أنت خليفتي على أمتي من بعدي فإذا حضرتك الوفاة فسلمها إلى ابني الحسن البر الوصل  فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابني الحسين الزكي الشهيد المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه زين العابدين ذي الثفنات علي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد الباقر العلم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه جعفر الصادق فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الرضا فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد الثقة التقي و إذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه حسن الفاضل فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد فذلك اثنا عشر إماما، ثم يكون من بعده اثني عشر مهديا، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى أول المقربين، له ثلاثة أسامي: اسمه كاسمي و اسم أبيه اسم أبي و هو عبد الله و أحمد و الاسم الثاني المهدي هو أول المؤمنين ] [197][3].
      و فيما يلي دراسة سند الحديث:
1) علي بن سنان الموصلي، قال عنه الممقاني في تنقيح المقال (ج2/ص291): [ليس له ذكر في كتب الرجال و قال عنه التستري في قاموس الرجال: [يستشم من وصفه بالعدل عاميته] يعني أنه يستشم من ذكر الطوسي له بعبارة: عن علي بن سنان الموصلي العدل، أنه من أهل السنة و ليس من الإمامية، و هذا أيضا من المستغرب و غير المعقول أن يروي عامي مخالف لعقيدة الإمامية مثل هذا الحديث و مع ذلك لا يقبله هو نفسه و لا يصير إلى القول بمفاده!!
2) علي بن الحسين الذي يروي عن أحمد بن محمد بن الخليل، أيضا لا ذكر له في كتب الرجال و بالتالي فهو مجهول.
3) أحمد بن محمد بن الخليل، قال عنه النجاشي: [ أبو عبد الله الآملي الطبري ضعيف جدا لا يُلتَفَت إليه ][198][4]، و قال عنه الغضائري: [ أحمد بن محمد الطبري أبو عبد الله الخليلي كذاب وضاع للحديث فاسد لا يُلتَفَت إليه ][199][5]، و روى حديثه عن جعفر بن محمد البصري و جعفر رواه عن عمه الحسن بن علي بن أبي حمزة (البطائني) الذي تقدم بيان حاله في الحديث السابق وأنه كذاب ملعون و أنه و أباه واقـفياَّن متعصبان في الوقف، فدرجة هذا الحديث و قيمته تظهر من رواته!  فلاحظ عزيزي القارئ أي نوع من الأحاديث تلك التي يسوقونها لإثبات النص على الأئمة، أحاديث يرويها عدة مجاهيل عن كذبة وضاعين عن واقفة!
      أما متن الحديث: فأغرب و أعجب ما فيه أنه أهدى للشيعة اثني عشر مهديا بعد الإمام الثاني عشر الذي يفترض أنه هو المهدي!!، بل قال عن الإمام الثاني عشر: [فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى أول المقربين..] فأثبت الوفاة للإمام الثاني عشر الذي ألف الطوسي كل كتابه هذا لإثبات حياته و غيبته!!
      أجل بمثل هذه الأحاديث المتهافتة المنقولة عن عدة من المجاهيل والوضاعين الكذبة و التي تُنسَب  زورا و بهتانا للإمام الصادق عليه السلام ، بتصور كل وضاع كذاب أن بإمكانه أن يروِّج أكاذيبه باسم الصادق عليه السلام، أوجدوا مثل هذه العقيدة و فرقوا الأمة و أوقعوها في الفتن و النـزاعات!
 
      الحديث العاشر: أورده العلامة المجلسي في بحار الأنوار (ج4/ص54 من طبعة تبريز الحجرية) والسيد هاشم بن سليمان البحراني في غاية المرام (الباب 62: ص 60) فقال:
      [ قال ابن بابويه: حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا هرون بن موسى قال أخبرنا محمد بن الحسن الصفار عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبي عمير عن هشام قال: كنت عند الصادق إذ دخل عليه معاوية بن وهب و عبد الملك بن أعين فقال معاوية بن وهب: يا ابن رسول الله! ما تقول في الخبر الذي روي أن رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) رأى ربه، على أي صورة رآه ؟ و عن الحديث الذي رووه أن المؤمنين يرون ربهم في الجنة، على أي صورة يرونه؟ فتبسم ثم قال: يا معاوية! ما أقبح الرجل الذي يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون.. (إلى أن قال) إن أفضل الفرائض و أوجبها على الإنسان معرفة الرب و الإقرار له بالعبودية... (إلى أن قال) وأدنى معرفة الرسول الإقرار بنبوته... وبعده، معرفة الإمام بعد رسول الله علي بن أبي طالب و بعده الحسن و الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي ثم أنا ثم بعدي موسى ابني ثم بعده علي وبعد علي محمد ابنه و بعد محمد علي ابنه و بعده الحسن ابنه و الحجة من وُلْـدِ الحسن. ثم قال: يا معاوية! جَعَلْتُ لك في هذا أصلا فاعمل عليه..]
      قلت: في سند هذا الحديث إشكال كبير، فمحمد بن الحسن الصفار الذي يرويه بسنده عن ابن عمير عن هشام الذي هو حتما هشام بن سالم وليس هشام بن الحكم، لأن ابن عمير، كما يقول علماء الرجال، كان على خلاف شديد مع هشام بن الحكم و كان معرضا عنه، فمثلا يقول الممقاني في تنقيح المقال (ج2/ص93): [و من المعلوم رواية ابن عمير عن هشام بن سالم] و مثله في (ج3/ص302)، محمد بن الحسن الصفار هذا يروي في كتابه بصائر الدرجات (ص 250) فيقول: [ الهيثم بن النهدي عن اسماعيل بن سهيل ابن أبي عمير عن هشام بن سالم قال دخلت على عبد الله بن جعفر و أبي الحسن (أي الإمام الكاظم عليه السلام) في المجلس قدامه أمراء متردين برداء موزر فأقبلت على عبد الله ( أي ابن جعفر الصادق و أخو الإمام الكاظم) أسأله حتى جرى ذكر الزكاة...].  وخلاصة الحديث أن هشام بن سالم مثله مثل الآلاف الذين كانوا يحتارون لمن صارت الإمامة بعد وفاة كل إمام ( حيث لم يكن عندهم خبر أصلا عن شيء اسمه أحاديث النص على الأئمة الاثني عشر بأسمائهم ) لم يدر إلى من صارت الإمامة بعد وفاة حضرة الصادق عليه السلام، و لذلك ورد على عبد الله بن جعفر الصادق ( الذي عرف بالأفطح ) و الذي تربع على مقام الإمامة بعد وفاة أبيه، في مجلس كان يضم أيضا أخاه: موسى الكاظم، و دار الحديث إلى أن وصل إلى مسألة تتعلق بالزكاة فلم يستطع عبد الله أن يجيب على تلك المسألة، عند ذاك خرج الناس من عنده، و من جملتهم هشام بن سالم، متحيرين، ثم يقول هشام: [ فأتيت القبر فقلت يا رسول الله! إلى القدرية ؟ إلى الحرورية ؟ إلى المرجئة ؟ إلى الزيدية؟، قال فإني كذلك إذ أتاني غلام صغير دون الخمس فجذب ثوبي فقال أجب! قلت: من؟ قال: سيدي موسى بن جعفر، ودخلت إلى صحن الدار فإذا هو في بيت و عليه حلة، فقال: يا هشام! قلت: لبيك! فقال: لا إلى المرجئة و لا إلى القدرية و لكن إلينا، ثم دخلت عليه..] [200][6]
      و هنا الإشكال: فلو أن هشام بن سالم كان قد سمع حقا من الصادق عليه السلام ذلك الحديث و الذي قال له الصادق فيه [ إن الإمام بعد رسول الله علي..ثم أنا ثم من بعدي موسى...إلخ ] فما الذي دعاه إذن إلى تجشم عناء السفر إلى المدينة بحثا عن الإمام الحق بعد الصادق و أن يعتقد في البداية بإمامة عبد الله ثم لما يراه قد عجز عن معرفة مسألة الزكاة يذهب لقبر النبي (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) و يسأله: إلى المرجئة ؟ إلى الزيدية ؟ إلخ.. ؟؟!!    إن محمد بن عمير نفسه الذي يروي عن هشام بن سالم حديث الباب الذي فيه ذكر أسماء الأئمة الاثني عشر كلهم، هو نفسه الذي ـ حسب رواية بصائر الدرجات ـ يروي عن هشام بن سالم هذا، حديث حيرته في معرفة الإمام بعد الصادق!! فأي الروايتين نصدق؟ أم أن كليهما كذب!
      و في آخر الحديث قال: [ و الحجة من وُلْـدِ الحسن ] و الولد بضم الواو: جمع الوَلَدِ، مما يعني أن أحد أولاد الحسن سيكون صاحب الزمان، هذا مع أن أكثر فرق الشيعة، و التي وصل عددها لخمس عشرة فرقة بعد وفاة الإمام الحسن العسكري، كانت تقول بأن العسكري لم يخلف ولدا أصلا، فضلا عن أن يكون له عدة أولاد ؟؟         
     
      كانت تلك عمدة أحاديث النص الصريح من قبل الرسول (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) على الأئمة الاثني عشر، التي هي أهم و أشهر ما جاء في هذا الباب في كتب الشيعة، عرفنا حالها سندا و متنا، و لم أقف على أحاديث مهمة أخرى في كتبنا فيها النص الصريح على الأئمة الاثني عشر بأسمائهم، و لو وُجِدَت فعلى اليقين حالها لن يكون أفضل من حال الأحاديث التي أوردناها (و إلا لاشتهرت).
      و هناك أحاديث أخرى ذكر فيها النص على عليٍّ و على الاثني عشر إمام بأسمائهم، وردت في كتاب سليم بن قيس الهلالي العامري، و قد سبق الكلام منا على الكتاب و مؤلفه و بينا آراء محققي الأصوليين من علماء الشيعة في الكتاب كقول ابن الغضائري أن الكتاب موضوع لا مرية فيه، وقول الشيخ المفيد أنه لا يجوز العمل بأكثر ما فيه و ينبغي للمتدين أن يجتنب العمل بكل ما فيه... فليراجع ثمة (ص 134 ـ 137 من كتابنا هذا)، و نضيف هنا قول ابن داود الحلي في رجاله: [ سليم بن قيس الهلالي، ينسب إليه الكتاب المشهور و في الكتاب مناكير مشتهرة و ما أظنه إلا موضوعا و قد ذكرنا ثمة طرفا من الأخطاء التاريخية الفاضحة في كتاب سليم بن قيس التي تؤكد كون الكتاب ملفقا  مكذوبا. لذا لما كان الكتاب باتفاق كبار علماء الشيعة مكذوبا موضوعا فلا حاجة بنا للتعرض لبعض ما جاء فيه من روايات النص على الأئمة الاثني عشر.
      كذلك جاءت في كتب الشيعة أحاديث أخرى فيها نص الرسول (صلى الله عليه وآله) على الأئمة الاثني عشر بأسمائهم لكن ليس من طرق الشيعة بل من طرق العامَّة، و على لسان رواة من العامة ( أي من أهل السنة )، مثل هذه الروايات أوردها السيد هاشم البحراني في كتابه " غاية المرام " و علي بن محمد القمي في كتابه " كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر " و سند تلك الروايات يتصل بالمعصوم بواسطة صحابة مثل أبي هريرة أو أنس بن مالك أو ابن عباس... و لكننا لما كنا نعلم أن مثل أولئك الصحابة لم يكونوا قطعا من القائلين بالإمامة بالنص على علي و أبنائه بل بعضهم كان من المنحرفين عن علي، فإنه من غير الممكن أبدا أن يرووا مثل هذه الأحاديث، و من الواضح جدا أنه قد تم نسبة مثل هذه الأحاديث إليهم حتى يُقال: الفضل ما شهدت به الأعداء! و ثانيا: مما يؤكد ما نقوله، سند مثل هذه الأحاديث الذي لا يخلو من وضاع أو غال أو ضعيف أو مجهول، و كمثال على ذلك نذكر الحديث التالي الذي رواه السيد هاشم البحراني في  " غاية المرام " (ص57) فقال:  [..ابن بابويه في كتاب النصوص، قالوا: حدثنا محمد بن عبد الله الشيباني و.. و.. و.. قالوا حدثنا أبو علي محمد بن همام بن سهل الكاتب قال حدثنا الحسن بن محمد بن جمهور العَمِيّ ( و في نسخةٍ:القُمِّيّ ) عن أبيه محمد بن جمهور قال حدثني عثمان بن عمرة قال حدثنا شعبة...عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال كنت عند النبي و أبو بكر و عمر و الفضل بن عباس و زيد بن حارثة و عبد الله بن مسعود إذ دخل الحسين بن علي فأخذه النبي و قبَّله...].
       ثم يذكر النبي حديثا يبين فيه أسماء الأئمة من ولد الحسين واحدا واحدا حتى يصل إلى جعفر الصادق فيقول: [ الطاعن عليه و الراد عليه كالراد علَيَّ، قال: ثم دخل حسان بن ثابت فأنشد شعرا في رسول الله وانقطع الحديث..] ثم يقول أبو هريرة أنه في اليوم التالي بعد أن صلى رسول الله (صلى ا لله عليه وآله) الفجر و دخل بيت عائشة دخلنا نحن كذلك أنا و علي بن أبي طالب و ابن عباس [ فقلت: يا رسول الله! ألا تخبرني بباقي الخلفاء من صلب الحسين ؟ قال: نعم يا أبا هريرة! [201][7] و يخرج من صلب جعفر مولود تقي طاهر... سَمِيُّ موسى بن عمران...(و كأن رسول الله يسكت بعد ذكره اسم موسى بن جعفر فيسأله ابن عباس): ثم من يا رسول الله ؟ فيقول الرسول (صلى ا لله عليه وآله) من صُلْبِ موسى: علـي...إلخ الحديث].  و العجيب أن أبا علي محمد بن همام راوي الحديث يقول بعد روايته للحديث: [ العجب كل العجب من أبي هريرة يروي هذه الأخبار ثم ينكر فضائل أهل البيت عليهم السلام!].     أجل إنه لأمر لعجيب حقا أن يروي أبو هريرة و زيد بن حارثة و ... و خاصة عبد الله بن عباس الذي كان يختلف مع علي في الرأي أحيانا، مثل هذه الأحاديث المثبتة للنص الإلـهي و العصمة لأئمة أهل البيت، و لكن ليس الذنب ذنبهم بل ذنب من وضع هذه الروايات الموضوعة على ألسنتهم.
      و الأعجب منه أيضا هو حال "محمد بن همام" هذا الذي كان يروي الحديث عن "أحمد بن الحسين" الذي كان يضع الحديث![202][8] و لا شك أن هذا الأمر يعد طعنا كبيرا بنزاهته أعني"محمد بن همام" لأن الرواية عن الكذابين والوضاعين تعد ـ كما يؤكد العلامة الرجالي "التستري" [203][9] ـ  مطعنا بالراوي يوجب ضعفه، و يفقد الثقة بمنقولاته.
      ثم إن "أحمد بن الحسين" روى حديثنا هذا عن " الحسن بن محمد بن جمهور العَمِيّ " (أو القُمِّيّ كما في بعض النسخ) الذي قال عنه الممقاني في تنقيح المقال (ج1/ص306):[ يروي عن الضعفاء و يعتمد على المراسيل ] و هو عن أبيه  محمد بن الحسن بن جمهور المجروح جدا في كتب الرجال، فالشيخ النجاشي قال عنه: [ محمد بن جمهور أبو عبد الله العَمِيّ ضعيف في الحديث فاسد المذهب، و قيل فيه أشياء الله أعلم بها من عظمها ][204][10] و نقل الأردبيلي في جامع الرواة (ج2/ص 87)  أقوال الرجاليين فيه كما يلي: [ محمد بن جمهور العمي عربي بصري غال [ضا]... أبو عبد الله العمي ضعيف في الحديث غال في المذهب فاسد في الرواية لا يلتفت إلى حديثه و لا يعتمد على ما يرويه [صه] ..] و قال ابن الغضائري عنه: [ محمد بن الحسن بن جمهور أبو عبد الله القمي غال فاسد المذهب لا يكتب حديثه رأيت له شعرا يحلل فيه المحرمات وذكره ابن داود في رجاله (ص442) في القسم الثاني المخصص للمجروحين و المجهولين و قال عنه: [ يروي عن الضعفاء و يعتمد على المراسيل ]، و هكذا في سائر كتب الرجال.   هذا و لما كان الرجل قد عمَّر كثيرا فبلغ عمره مائة و عشرة سنوات، وكان غاليا، فلا يستبعد أن يكون قد وضع هذا الحديث في أواخر القرن الهجري الثالث (أي بعد أن اتضح ما استقرت عليه الإمامية الاثني عشرية من أسماء و عدد للأئمة) و علمه لابنه الحسن!.   ثم جاء مثل "محمد بن همام" ليروي هذا الحديث و يتخذه حجة ويتعجب كيف رواه أبو هريرة و لم يعمل به!!.
 
      علاوة على الأحاديث التي ذكرت فيها أسماء الأئمة صراحة، توجد في كتب الشيعة أحاديث أخرى فيها النص على الأئمة بنحو الكناية والإشارة، و أهم هذا النوع من الأحاديث ما أورده المحدث الكليني في كتابه أصول الكافي: كتاب: الحجة، باب: ما جاء في الاثني عشر و النص عليهم عليهم السلام، حيث أورد الكليني في هذا الباب عشرين حديثا، اعتبر "العلامة المجلسي" (رحمة الله عليه) ـ في شرحه للكافي الذي سماه " مرآة العقول " ـ (ج1/ص433ـ439) تسعة منها ضعيفة، و ستة مجهولة، و حديثا واحدا مختلفا فيه، و حديثا مرفوعا و حديثا حسنا و حديثين منها فقط صحيحين، وأحد هذين الحديثين الصحيحين، بنظره، هو الحديث الذي رواه "أبو هشام الجعفري" عن حضرة الإمام محمد التقي عليه السلام، وهو حديث سيأتي عن قريب بيان ضعفه و بطلانه [205][11] .  و الثاني هو هذا الحديث نفسه لكن بسند آخر من رواته "أحمد بن محمد بن خالد البرقي" و هو راو ضعيف، لا ندري كيف اعتبره العلامة المجلسي صحيحا! [206][12] .
       لكن العجيب أنه علاوة على ضعف سند هذه الأحاديث ، فإن متنها واضح البطلان، لأن سبعة منها و هي الأحاديث: 6 و 7 و 8 و 9 و 14 و 17 و 18، يجعل عدد الأئمة ثلاثة عشر!، فالحديث السادس الذي يرويه أبو حمزة الثمالي عن الإمام زين العابدين يقول:[ إن الله خلق محمدا و عليا وأحد عشر من ولده من نور عظمته، فأقامهم أشباحا في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق، يسبحون الله و يقدسونه و هم الأئمة من وُلْدِ رسول الله (صلى ا لله عليه وآله)].   فكيف يكون الأئمة من وُلْدِ رسول الله، و عليٌّ ليس من وُلْدِه ؟
       و كذلك في الحديث السابع  يقول الإمام الباقر عليه السلام: [.. الاثني عشر إمام من آل محمد كلهم مُحَدَّث من وُلْدِ رسول الله... ].  و في الحديث الثامن يقول حضرة أمير المؤمنين عليه السلام: [ إن لهذه الأمة اثني عشر إمام هدى من ذرية نبيها...]، و في الحديث التاسع يقول حضرة الإمام محمد الباقر عليه السلام، ناقلا عن جابر بن عبد الله الأنصاري قوله: [ دخلت على فاطمة و بين يديها لوح لها فيه أسماء الأوصياء من ولدها فعددت اثنا عشر آخرهم القائم ثلاثة منهم محمد وثلاثة منهم علي [207][13]  و في الحديث السابع عشر يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين: [ إني و اثني عشر من ولدي و أنت يا علي زرُّ الأرض يعني أوتادها و جبالها...و في الحديث الثامن عشر يقول الإمام الباقر: [ قال رسول الله: من ولدي اثني عشر نقيبا نجباء محدثون...].
      فهذه الأحاديث تثبت أن من ذرية الرسول (صلى ا لله عليه وآله) سيكون اثنا عشر إماما، وبالتالي فمع الإمام علي ـ الذي هو أول الأئمة و ليس من ذريته (صلى ا لله عليه وآله) ـ  سيكون مجموع عدد الأئمة ثلاثة عشر إماما!!  و يبدو أن الراوي الوضاع الكاذب نسي أن عليا عليه السلام ليس من ذرية الرسول (صلى ا لله عليه وآله) ولم يتوقع أن يقع حديثه، فيما بعد، بيد من  يفرق بين عدد الاثني عشر و الثلاثة عشر!!
      و هكذا رأينا من خلال تمحيص أسانيد جميع أحاديث النص على الأئمة هذه و تحليل متونها، أنها جميعا أحاديث موضوعة مكذوبة لم تصدر قطعا عن النبي (صلىالله عليه وآله وسلم) أو آله الكرام. و نتجه الآن نحو تاريخ الأئمة أنفسهم لنر هل تتطابق سيرهم و أقوالهم مع وجود مثل أحاديث النص هذه أم لا ؟
 

سِيَرُ الأئمة بحد ذاتها تكذِّب وجود أحاديث النص

1 ـ تبين من الفصول الماضية و ثبت أن حضرة أمير المؤمنين عليه السلام لم يدع في أي مقام أو في أي ملأ من الناس، أن الله تعالى نصبه و عينه إماما مفترض الطاعة على المسلمين، و أن الأمر لم يكن يعدو اعتباره نفسه أولى الأمة و أليقها و أحقها بمنصب خلافة رسول الله، كما أن اعتراضه على بيعة سقيفة بني ساعدة كان مستنده أن هذه البيعة لم تتم بمشورة جميع الأنصار و المهاجرين أو على الأقل لم تتم بمشورته هو نفسه و لا مشورة عديد من فضلاء و أجلة المهاجرين والأنصار، ومن المسلم أنه لو حصل ذلك لما عُدِلَ عنه إلى غيره أبدا. [208][1]
      2 ـ كذلك خلافة الحسن بن علي المجتبى عليه السلام لم تتم بالاستناد إلى نص، سواء كان من الرسول  (صلى الله عليه وآله) أو من علي عليه السلام ، بل كما جاء في مروج الذهب للمسعودي و تاريخ الطبري والبداية و النهاية لابن كثير أن عليا لما ضربه ابن ملجم دخل عليه الناس يسألونه فقالوا: [ يا أمير المؤمنين، أرأيت إن فقدناك، و لا نفقدك، أنبايع الحسن ؟ فأجاب: لا آمركم و لا أنهاكم، أنتم أبصر ] [209][2]، و أنه لما أخبر أهل الكوفة ـ قبل أن يضربه ابن ملجم ـ بشهادته كانوا يقولون له: [ ألا تستخلف ؟ فيقول: لا و لكن أترككم كما ترككم رسول الله] [210][3]، و أنه لما أخبر الحسنُ الناسَ بوفاة أبيه الجليل قام ابن عباس و قال: [ إن أمير المؤمنين توفي و قد ترك لكم خلفا فإن أحببتم خرج إليكم و إن كرهتم فلا أحد على أحد، فبكى الناس و قالوا: بل يخرج إلينا ]. هذا في حين أنه لو كان لمسألة الإمامة المنصوص عليها، على النحو الذي يدعونه، حقيقة، للزم و وجب أن يقوم علي عليه السلام أثناء فترة حكمه التي دامت خمس سنوات، ببيان هذا الأصل الأصيل و التأكيد عليه قبل أي شيء آخر، و ذلك في كل مناسبة و خطبة من خطبه البليغة، و أن يقوم ابنه الحسن المجتبى بذلك أيضا ليعلم الناس أمر دينهم و تتم الحجة عليهم و يعرفوا أنه : أولا: الإمامة و حكومة المسلمين منحصرة باثني عشر إمام بنص من الله تعالى عليهم لا أكثر و لا أقل (حتى لا تضل عشرات الفرق التي قالت بإمامة أكثر أو أقل منهم كالاسماعيلية و الكيسانية و الزيدية و .. و ..) و ثانيا: أنه ـ باستثناء إمامة الحسين بعد أخيه الحسن ـ لا تنتقل الإمامة إلا من بنحو عامودي من الأب لابنه، و أنها ـ باستثناء موردين هما اسمعيل بن جعفر و محمد بن علي الهادي ـ تكون للابن الأرشد بعد أبيه. و ثالثا: أن الأئمة من ولده معصومون مفترضوا الطاعة ... و أن ... و أن ...الخ.
      و لكن كما نعلم جميعا ليس هناك أي أثر لمثل هذه الأمور سواء في كلام علي أو كلام ابنه الحسن حتى الذي قيل في الاجتماعات الخاصة و مع المقربين، بل سنرى عن قريب أن الأئمة أنفسهم كانوا آخر من يعلم بمثل هذه الأمور!! .
       3 ـ أما حضرة الحسين عليه السلام فمشهور و معروف لكل أحد أنه قبل أن يدعوه أهل الكوفة للإمامة و يبايعوا ممثله جناب مسلم بن عقيل، لم يدع لنفسه الإمامة المفترضة بنص من الله و نص من رسوله  (صلى الله عليه وآله)، و لم يأت في جميع احتجاجاته و خطبه التي ألقاها بين الناس قبل و أثناء خروجه، بأي كلام عن نص على إمامته أو إمامة والده أو أخيه.
      4 ـ بعد شهادة الحسين عليه السلام ، طبقا لاتفاق جميع التواريخ المعتبرة، قام أخوه من أبيه محمد بن علي المعروف بمحمد بن الحنفية بتولي منصب الإمامة وعرف أتباعه الذين قالوا بإمامته بالكيسانية، و كتب الملل و النحل و أحاديث الشيعة مليئة بالحديث عن هذا الأمر، كما روى "الطبرسي" في كتابه "أعلام الورى" (ص152) و "الكليني" في "الكافي" و "الطبرسي أحمد بن علي" في "الاحتجاج" كلهم عن أبي عبيدة و زرارة كلاهما عن حضرة الباقر عليه السلام قال: [ لما قتل الحسين أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين فخلا به و قال يا ابن أخي قد علمت أن رسول الله دفع الوصية و الإمامة من بعده إلى علي ثم إلى الحسن ثم إلى الحسين و قد قتل أبوك و لم يوص و أنا عمك و صنو أبيك وولادتي من علي وأنا في سني وقدمي أحق بها منك في حداثتك...][211][4]، و مهما كان هذا الحديث مخدوش سندا و متنا و عقلا سيما ما ذكر فيه من تحاكم علي بن الحسين إلى الحجر الأسود ليحكم بينه و بين محمد بن الحنفية! و الذي من الواضح أنه من اختلاق الوضاعين الذين لا يتورعون عن الكذب في سبيل تأييد مذهبهم، أو من وضع أشخاص أرادوا إيجاد الفرقة بين المسلمين، لكن أيا كان الأمر فإنه من مسلمات التاريخ أنه بعد شهادة الحسين وجدت الفرقة الكيسانية القائلة بإمامة محمد بن الحنفية ثم تفرعت عنها بعده عدة فرق أخرى أيضا، و وجود هذه الفرقة و غيرها و إن كان بلا شك وليدا للصراعات السياسية و النزاعات على السلطة، لكنه بحد ذاته يتناقض مع مسألة النص أي مع وجود نص معروف على أسماء الأئمة بأعينهم، إذ لو كان ذلك معروفا فعلا، لما صار أحد للإيمان بإمامة محمد بن الحنفية، و من العجيب أن نفس أولئك الذين رووا مثل الحديث السابق الذي يقول فيه "ابن الحنفية" لابن أخيه من أبيه "علي بن الحسين": [ أنا عمك و صنو أبيك وولادتي من علي و أنا في سني و قدمي أحق بها منك ]، و يذكرون أن المختار بن عبيدة الثقفي ( قائد ثورة التوابين) وغيره، بقوا، لسنوات مديدة، يدعون لإمامة ابن الحنفية، هم أنفسهم يروون عن نفس محمد بن الحنفية ما يؤيد النص على الأئمة!، كما روى الكشي في رجاله عن أبي خالد الكابلي الذي كان يقوم بخدمة محمد بن الحنفية، أنه قال له يوما: [ جعلت فداك إن لي خدمة و مودة وانقطاعا،  أسألك بحرمة رسول الله و أمير المؤمنين إلا ما أخبرتني: أنت الذي فرض الله طاعتـه على خلقه ؟ قال: لا، الإمام علي بن الحسـين، عليَّ و على كل مسـلمٍ ]! 
      و أيا كان فمن الواضح تماما أنه لم يكن عند أهل بيت النبوة نص معروف صريح على الإمامة و الخلافة و إلا لما ادعى الإمامة أبدا رجل عرف بالعلم و الزهد و الشجاعة و التقوى كمحمد ابن الحنفية، و لتبرأ من الذين قالوا بإمامته، مع أنه لم يُسمَع منه أبدا أنه رد على القائلين بإمامته أو أنكرها، إذن فلم يكن هناك نص نبوي معين يحدد من هم الأئمة.

ثورات السادة العلويين دليل آخر على عدم وجود النص

      1 ـ بيعة أهل الكوفة لجناب زيد بن علي بن الحسين من القضايا الواضحة في تاريخ الإسلام و خروج ذلك الجناب باسم الإمامة من مسلمات التاريخ، ذلك أن عقيدته كانت أن الإمام هو من قام بالسيف، من أولاد علي و فاطمة، لأجل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الدفاع عن الديـن و ردّ الظالمين و إقامة حكم الكتاب و السنة.  و هذا من أوضح عقائد وحجج حضرته و دليل على أن ذلك الجناب كان منكرا تماما لوجود نص يعين أشخاصا محددين للإمامة في أهل بيت النبوة، كما سبق و أشرنا إلى بعض ما روي عن حضرته في هذا المجال مما رواه فرات ابن إبراهيم الكوفي في تفسيره المعروف بتفسير فرات ابن إبراهيم والذي يعد من كتب الشيعة الموثقة المعتبرة [212][5].  و روى الكليني في أصول الكافي (كتاب الحجة: ج1 / ص348) عن علي بن الحكم عن أبَّان و كذلك الكشي في رجاله (ص164) عن أبي خالد الكابلي: حوارا بين زيد بن علي بن الحسين و أبي جعفر الأحول المعروف بمؤمن الطاق، حول موضوع الإمامة بالنص و النص على الأئمة، يؤكد رأي الإمام زيد المذكور فيما رواه فرات ابن إبراهيم في تفسيره، خلاصته  أن زيد بن علي يقول لمؤمن الطاق: [ بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إماما مفترض الطاعة ؟ قال: نعم و كان أبوك علي بن الحسين أحدهم. قال: وكيف و قد كان يؤتى بلقمة و هي حارة فيبردها بيده ثم يلقمنيها، أفترى يشفق علي من حر اللقمة و لا يشفق علي من حر النار ؟! (أي لا يخبرني عن الإمام المفترض الطاعة ؟!) ]. و هذا الحديث رواه الكشي من طريق آخر أيضا عن أبي مالك الأحمسي عن مؤمن الطاق. و عليه فإن جناب زيد بن علي بن الحسين الذي نبأ رسول الله عنه و عن شهادته ومدحه و أثنى عليه حسبما أورده القاضي الحسين بن أحمد السياغي الصنعاني في كتابه: " الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير " (ج1/ص58) و ما ورد في كتاب "المنهاج" و "هداية الراغبين‎"، كما أثنى عليه حضرة أمير المؤمنين و حضرة الإمام الحسين حسبما رواه ابن طاووس في كتابه الملاحم (ص74 و96 من طبعة النجف) و ما رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا (ج1/ ص225ـ 229) و الكشي في رجاله، و الذي أثنى عليه أخوه الإمام الباقر وابن أخيه الإمام الصادق و سائر الأئمة عليهم السلام أيضا، زيد هذا لم يكن يعتقد أبدا بإمام منصوص عليه سلفا من أهل بيت النبوة، بل كان يعتبر الإمام من يخرج بسيفه فعلا للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وإحياء الدين  وكان يقول: [ ليس الإمام منا من جلس في بيته و أرخى عليه ستره و ثبط عن الجهاد و لكن الإمام منا من منع حوزته و جاهد في سبيل الله حق جهاده و دفع عن رعيته و ذب عن حريمه ][213][6]، و نفس خروجه و بيعة الناس له بالإمامة أوضح دليل على عدم وجود النص، مهما حاول القائلون بالنص أن يؤولوا خروج زيد هذا ويفسروه بتفسيرات من قبيل تفسير القول بما لا يرضى به صاحبه!
      و العجيب أن مختلقي النص و واضعي الأحاديث فيه، لم يكفوا بلاءهم عن زيد أيضا، رغم أن عقيدته في عدم النص على الأئمة في غاية الوضوح، بل وضعوا الأحاديث التي تثبت معرفته بالنص!، كما روى ذلك علي بن محمد القمي في كتابه " كفاية الأثر في النصوص على الأئمة الاثني عشر " فقال: [ و يحدث عمر بن موسىالرجهي عن زيد قال: كنت عند أبي علي بن الحسين إذ دخل عليه جابر بن عبد الله الأنصاري فبينا هو يحدثه إذ خرج أخي ( أي محمد الباقر) من بعض الحجر فأشخص جابر ببصره نحوه (!!) فقام إليه و قال: أقبل! فأقبل، أدبر! فأدبر، فقال: شمائل كشمائل رسول الله، ما اسمك يا غلام ؟ قال: محمد..إلى آخر الحديث  و قد بينا في نقدنا للحديث الأول من أحاديث النص أن جابرا توفي فيما بين 74 و 78 هـ في حين كانت ولادة زيد سنة 80 هـ!! ويكفي هذا لمعرفة مقدار ما يتمتع به الحديث من الصدق والصحة! بالإضافة لما تقدم من أن جابرا كف بصره في آخر عمره فكيف استطاع أن يدقق النظر إلى حضرة الباقر ؟!   إن واضعي هذه الأحاديث كانوا مغرمين ومتعلقين بإثبات موضوع النص من الله تعالى على إمامة الأئمة لدرجة أنهم كانوا يختلقون دون تفكير أي حديث كان، لإثبات مدعاهم، مهما كان مفضوح الكذب!.
      2ـ من القضايا المسلمة في التاريخ قيام و إمامة محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى المعروف بـ " النفس الزكية " الذي كان من أكابر أهل بيت النبوة و أجلتهم فضلا و علما و تقوى، و بيعة الناس ـ و لا سيما عترة الرسول و بنو هاشم  ـ  له بالإمامة، إلى حد أن حضرة جعفر الصادق نفسه ـ الذي تنسب إليه أكثر أحاديث النص هذه ـ  دُعي إلى بيعته، و حسب بعض الأحاديث أنه أعانه في قيامه، كما جاء في كتاب "مقاتل الطالبيين" لأبي الفرج الأصفهاني (ص 252) عن سليمان بن نهيك أنه قال: [ كان موسى و عبد الله ابنا جعفر، عند محمد بن عبد الله (أي النفس الزكية) فأتاه جعفر (أي الصادق) فسلم ثم قال: تحب أن يصطلم أهل بيتك ؟ قال: ما أحب ذلك. قال: فإن رأيت أن تأذن لي فقد عرفت علتي. قال: قد أذنت لك، ثم التفت محمد بعد ما مضى جعفر، إلى موسى و عبد الله ابني جعفر فقال: الحقا بأبيكما فقد أذنت لكما، فانصرفا. فالتفت جعفر فقال: ما لكما ؟ قالا: قد أذن لنا. فقال جعفر: ارجعا فما كنت بالذي أبخل بنفسي و بكما عنه. فَرَجَعا فشهدا محمدا.]. و في (ص 389) من الكتاب روى: [ حدثنا الحسن بن الحسين عن الحسين بن زيد قال: شهد مع محمد بن عبد الله ابن الحسن (أي النفس الزكية) من وُلْدِ الحسين أربعة: أنا و أخي وموسى وعبد الله ابنا جعفر ابن محمد عليهم السلام]. وكذلك روى في ( ص 407 ):[ خرج عيسى بن زيد مع محمد بن عبد الله (أي النفس الزكية ) فكان يقول له: من خالفك أو تخلف عن بيعتك من آل أبي طالب فأمكني منه أضرب عنقه ].
      و يروي الكليني في أصول الكافي ( كتاب الحجة: باب ما يفصل به بين دعوى المحق و المبطل في أمر الإمامة ) عدة أحاديث تبين أن محمد بن عبد الله (النفس الزكية) طلب من الصادق أن يبايعه بالإمامة، منها حديث طويل يبـين إصرار محمد بن عبد الله على بيعة الصادق له أكثر من مرة، حتى وصل الأمر إلى قوله له: [ و الله لتبايعني طائعا أو مكرها و لمَّا تُحمَد في بيعتك! فأبى (أي الصادق) عليه إباء شديدا، و أُمِرَ به إلى الحبس، فقال له عيسى بن زيد: أما إن طرحناه في السجن و قد خرب السجن و ليس عليه اليوم غلق خفنا أن يهرب منه، فضحك أبو عبد الله عليه السلام و قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أوتراك تسجنني ؟ قال: نعم و الذي أكرم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة لأسجننك و لأشددن عليك! فقال عيسى بن زيد: احبسوه في المخبأ..الحديث ] [214][7].
      فلو كان هناك نص نبوي في تعيين ونصب أئمة معينين ؛ لعلمه قبل أي أحد آخر هذا السيد الجليل القدر الزاهد المجاهد من أهل بيت النبوة هو وسائر أكابر العترة من آل علي و بالتالي لم يدع لا هو و لا زيد بن علي ولا غيره من سادات الآل، الإمامة، هذا من جهة، و من جهة أخرى لقام حضرة الصادق، أو غيره ممن يعرف النص النبوي على الأئمة، بإطلاع زيد و محمد النفس الزكية وغيرهما من سادات العلويين عليه!.
      و من العجب العجاب  أن وضاعي الحديث وضعوا على لسان والد محمد النفس الزكية هذا الذي كان ابنه يصر كل ذلك الإصرار على مبايعة الصادق له، حديثا في النص على إمامة الأئمة الاثني عشر!! و يرويه عنه الحسين بن زيد بن علي، الذي كان  هو و أخوه عيسى بن زيد بن علي  أيضا من أنصار النفس الزكية و ممن بايعه بالإمامة و جاهـد بتفان تحت رايته!! و الحديث أورده الحر العاملي في " إثبات الهداة " (ج2/ص540) نقلا عن كتاب كفاية الأثر قال:
       [ عن الحسين بن زيد بن علي عن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم الجعفري قال حدثنا عبد الله المفضل مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: لما خرج الحسين بن علي المقتول بفخ  [215] و احتوى على المدينة دعا موسى بن جعفر ( أي الكاظم ) إلى البيعة فأتاه فقال له: يا ابن عم لا تكلفني ما كلف ابنُ عمك (يقصد النفس الزكية) عمَّك أبا عبد الله عليه السلام ( أي الصادق) فيخرج مني ما لا أريد كما خرج من أبي عبد الله ما لم يكن يريد... الحديث ] [216].  والحقيقة أن مطالبة الحسين بن علي شهيد الفخ من موسى بن جعفر أن يبايعه، بحد ذاتها دليل واضح على عدم وجود كل تلك النصوص الكثيرة في النص على أسماء الأئمة و التي سبقت دراسة بعضها.
      كما أن هناك في أصول الكافي حديث آخر عن نفس عبد الله بن جعفر بن إبراهيم الجعفري هذا، يذكر فيه أن يحيى بن عبد الله بن الحسن، الذي قام بأمر الإمامة بعد شهادة أخيه محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية)، كتب رسالة إلى موسى بن جعفر عليه السلام قال فيها: [ أما بعد فإني أوصي نفسي بتقوى الله وبها أوصيك، فإنها وصية الله في الأولين و وصيته في الآخرين،  خَبَّرَني من ورد عليَّ من أعوان الله على دينه و نشر طاعته بما كان من تحنُّـنِك  مع خذلانك، و قد شاورتُك في الدعوة للرضا من آل محمد و قد احتَجَبْتَها واحتَجَبَهَا أبوك من قبلك، و قديما ادعيتم ما ليس لكم و بسطتم آمالكم إلى ما لم يعطكم الله فاستهويتم و أضللتم وأنا محذِّرك، حذرك الله من نفسه  الحديث..][217]. فنلاحظ في هذا الحديث أن يحيى بن عبد الله ينكر أي نص على الأئمة، و ليس هذا فحسب بل يقول للكاظم أنه ادعى هو و أبوه من قبل (أي الصادق) الإمامة مع عدم استحقاقهم لها و أنهما طمحا إلى ما لم يعطهما الله!
      هذا و يدعي القائلون بالنص أن قيام هؤلاء السادة العلويين الأجلاء لم يكن للدعوة لإمامة أنفسهم بل للدعوة للرضا من آل محمد و هو إمام الوقت من الأئمة الاثني عشر، وهذا الادعاء لا صحة، نعم هم دعوا لإمامة الرضا من آل محمد أي لمن يرتضيه الناس للإمامة من آل محمد، و هو ليس شخصا مجهولا بل هو نفس القائم لا غيره، كما يظهر جليا في نفس تلك الرسالة المشار إليها، حيث يقول يحيى بن عبد الله للكاظم: [ و قد شاورتك في الدعوة لرضا من آل محمد و قد احتَجَبْتَها و احتَجَبَهَا أبوك من قبلك ] أي رفضتها كما رفضها أبوك من قبلك، فيا ترى لو كانت الدعوة لإمامة الكاظم أو الصادق نفسهما فكيف يرفضونها و هل كانا يرفضان إمامة أنفسهما ؟  ثم كيف يجتمع الادعاء بأن القائمين من العترة كانوا يدعون لإمام الوقت من الأئمة الاثني عشر مع قول يحيى بن عبدالله للكاظم في رسالته: [ و قديما ادعيتم ما ليس لكم و بسطتم آمالكم إلى ما لم يعطكم الله..! ]، بل لننظر بما أجاب الكاظم على رسالة يحي، قال له: [.. أتاني كتابك تذكر فيه أني مدع و أبي من قبل و ما سمعتَ ذلك مني وستكتب شهادتهم و يُسألون! ] [218][11].
      و أيا كان الأمر فالذي نستنتجه من هذه الروايات و أمثالها أنه لم يكن في وسط أهل بيت الرسول و آل علي شيء اسمه أحاديث النص على أئمة بأعيانهم، و إلا لما ادعى أمثال زيد بن علي بن الحسين و محمد بن عبد الله و يحيى بن عبد الله و الحسين بن علي بن الحسن و عشرات من أئمة العترة الأجلاء الآخرين الإمامة، إلى حد أن يُبَايَع  محمد بن جعفر الصادق، في وقت من الأوقات في مكة المكرمة، بالخلافة و إمارة المؤمنين حتى يقول الأصفهاني في مقاتل الطالبيين: [ ظهر محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة و دعا إلى نفسه و بايع له أهل المدينة بإمرة المؤمنين و ما بايعوا عليها بعد الحسين بن علي (شهيد فخ) أحدا سوى محمد بن جعفر بن محمد! ] [219][12] و وقعت بينه وبين هارون الرشيد معارك ثم أرسل له حضرة "علي بن موسى الرضا" ليقنعه بالعدول عن إمارته و إطفاء نار الحرب، لكن "محمد بن جعفر" رفض وساطة الرضا و ثبت بكل بسالة على موقفه حتى وافته الشهادة.
      و كذلك مشاركة حضرة موسى بن جعفر ـ أي أحد الأئمة المدعى أنه منصوص عليه من الله تعالى ورسوله ـ مع أخيه "محمد بن جعفر" بأمر من أبيهما "جعفر الصادق"، في جهاد وثورة الإمام محمد بن عبد الله النفس الزكية (رحمه الله) الذي قام لنيل منصب الخلافة، و الذي سبقت الإشارة إليه [220][13].  فهل يجوز لإمام منصوص عليه من الله، أن يقوم بنصرة و تأييد شخص آخر يدعي الإمامة والخلافة بلا حق و بنحو غير مشروع ؟!
      أفلا تدل كل هذه الحوادث و ادعاءات الإمامة من أبناء علي وتأييد بعض الأئمة الاثني عشر لهم في ثوراتهم أو علىالأقل سكوتهم عن إعلان أحاديث النص، على أن أحاديث النص تلك مكذوبة موضوعة لا أساس لها ؟  هذا عدا عن الحال المتهافت لأسانيدها ومتنها مما سبق بيانه.
 
 

عدم إعلان الأئمة الاثني عشر للنص يكذب وجود أحاديث النص

      سبق و بينا أنه في كل تاريخ الإسلام بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يدع أي أحد من الأئمة الاثني عشر، أمام الناس و على رؤوس الأشهاد، أنه إمام حاكم منصوص عليه من جانب الله تعالى بنص من الرسول (صلوات الله عليه وآله).  و قلنا أنهم لو كانوا حقا أئمة منصوصا عليهم، نصبهم الله تعالى لهذا المقام، لوجب على كل منهم أن يصرح بذلك في كل مناسبة إن لم يكن أمام جميع الناس فعلى الأقل أمام و لو عشرة أفراد من شيعتهم و أحبابهم الأوفياء الموثوقين، ليؤدوا رسالة الله و يبلغوا حكمه من جهة، و من الجهة الأخرى لأن مثل هذا التصريح أمام المحبين المخلصين لن يشكل أي خطر على الأئمة من قبل حكام العصر، لا سيما في الفترة التي ضعف فيها نفوذ الأمويين و بدأ سلطانهم يتجه نحو الزوال. خاصة و أنه حسب ادعاء القائلين بالنص، الذين جعلوا مسألة الإمامة أصلا من أصول الدين و أسسه و أولوها كل ذلك المقدار من الأهمية في العقيدة والإسلام بحيث من جهل و لو واحدا من الأئمة لم ينفعه شيء من العمل بل كان في الضلال البعيد و الهلاك الأبدي و استحق الخلود في النار، لا بد من إقامة الحجة و بيان الأمر على أتم وجه مهما تعرض الإمام لاحتمال الضرر و الخطر. و عليه فأول من يقع عليهم الإثم في القصور و التقصير في بيان هذا الأمر هو الأئمة أنفسهم ـ لو كان هناك نص حقا ينبغي بيانه! ـ الذين امتنعوا عن بيان الحقيقة بالشكل السافر الذي تقوم به الحجة القاطعة و ينقطع العذر. لهذا نجد أن الإمام الهمام الحسن المثنى بن الحسن السبط [221][1]، الذي شهد مع عمه الحسين سيد الشهداء معركة كربلاء وجاهد تحت لوائه إلى أن أثخنته الجراح ثم لما جاء السفلة ليقطعوا رؤوس الشهداء و كان لا يزال فيه رمق و شاهده خاله الذي كان في جيش عمر بن سعد تشفَّع له و أخذه لمنزله و قام بمداواته حتى برئ، و كان الحسن المثنى هذا صهرا لحضرة سيد الشهداء لأنه كان زوج فاطمة حور العين، يقول: [ أقسم بالله سبحانه، أن الله تعالى و رسوله لو آثر عليا لأجل هذا الأمر و لم يقدم علي لكان أعظم الناس خطـأً ] ، و نحن لو طالعنا كل تاريخ الإسلام فلن نجد أبدا أي واحد من الأئمة الذين ادعي أنهم منصوص عليهم من قبل الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآلـه وسلم) قام و بين هذا الادعاء بكل صراحة و وضوح أمام و لو عشرة أفراد من أتباعه و أوليائه.
 

أصحاب الأئمة المقربين لم يكن لهم علم بمثل هذه النصوص!

      لو كانت هذه الأحاديث التي فيها النص من الرسول (صلى ا لله عليه وآله) على أسماء الأئمة و أسماء آبائهم، صحيحة فعلا و موجودة عند الأئمة، بكثير من رواة تلك الأحاديث، أي خبر عن هذه الأحاديث و لا أي علم بهذا الموضوع ؟! فلم يكن لهم علم بالأئمة الاثني عشر، بل لم يكن لهم علم بالإمام الذي سيعقب إمامهم الحالي! إن مطالعة مختصرة لأحوال و أخبار بعض خواص أصحاب الأئمة تبين بوضوح هذه الحقيقة و فيما يلي ننقل أحوال بعضهم من كتب الحديث الشيعية الموثقة المعتبرة:
                                        1)  فمن جملتهم جناب "أبي حمزة الثمالي ثابت بن دينار" (أو ثابت بن أبي صفية) الممدوح من الخاص و العام في كتب رجال الخاصة و العامة والذي قال عنه حضرة الصادق: [أبو حمزة في زمانه مثل سلمان في زمانه و كلقمان في زمانه]، و قد أدرك أربعة من الأئمة هم حضرات السجاد و الباقر و الصادق والكاظم، و مع ذلك لم يكن يعرف من هو الإمام بعد حضرة الصادق و عندما سمع بوفاة حضرة الصادق من رجل أعرابي صاح صيحة و ضرب الأرض بيده و سأل الأعرابي فقال: هل سمعته أوصى وصية ؟ فقال الأعرابي: أوصى لابنه عبد الله و لابنه الأخر موسى و لأبي جعفر المنصور الدوانيقي، عندئذ قال أبو حمزة: الحمد لله الذي لم يضلنا! [222][2]
لكن واضعي أحاديث النص أبوا إلا أن يضعوا حديثا،  فيه النص على الأئمة الاثني عشر واحدا واحدا، على لسان أبي حمزة و ابنه و هو الحديث الثامن من الأحاديث التي ناقشناها و المروي في الأصل عن أبي حمزة البطائني الملعون ولكن نسبه بعضهم زورا إلى أبي حمزة الثمالي، مما سبق و بينا خطأه.  
                                        2)  و منهم أيضا "أبو جعفر محمد بن علي الأحول" المعروف بمؤمن الطاق، أما مخالفوه فيسمونه: شيطان الطاق! و الذي نقلت عنه مباحثات ومناظرات مع الإمام أبي حنيفة، و الذي كان من الأصحاب الخاصين المقربين لحضرة زين العابدين و للإمام الباقر و الإمام الصادق و الإمام الكاظم، و جميع الرجاليين يذكرونه بالخير و الثناء، و هو الذي نقلنا فيما سبق مباحثته مع الإمام زيد بن علي بن الحسين حول الإمامة بالنص و أنه كان يعتقد، خلافا لزيد، بأن الإمام هو الذي ينص الله تعالى عليه و أن هناك أئمة منصوص عليهم من قبل الله تعالى، هذا الشخص مع كل فضيلته و محبته لأهل بيت النبوة، لم يكن يعلم من هو الإمام بعد الإمام الصادق! كما في رجال الكشي (ص239) و خرائج الراوندي (ص 203) و إثبات الوصية للمسعودي (ص191) و بصائر الدرجات للحسن بن صفار و الكافي للكليني: [ عن هشام بن سالم قال: كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبد الله عليه السلام أنا و صاحب الطاق و الناس مجتمعون على عبد الله بن جعفر أنه صاحب الأمر بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق والناس عنده و ذلك أنهم رووا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة، فدخلنا عليه نسأله عما كنا نسأل عنه أباه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب ؟ فقال: في مائتين خمسة، فقلنا: ففي مائة ؟ فقال: درهمان و نصف! فقلنا: و الله ما تقول المرجئة هذا [223][3]. قال: فرفع يديه إلى السماء و قال: و الله ما أدري ما تقول المرجئة! قال: فخرجنا من عنده ضلالا لا ندري أين نتوجه أنا و أبو جعفر الأحول. فقعدنا في بعض أزقة المدينة باكين حيارى لا ندري إلى أين نتوجه و لا من نقصد ؟ و نقول: إلى المرجئة ؟ إلى القدرية ؟ إلى الزيدية ؟ إلى المعتزلة ؟ إلى الخوارج... الحديث ] [224][4].
فإذا كان أمثال مؤمن الطاق و هشام بن سالم، لا يعلمان مَن هو الإمام بعد الإمام الموجود ؟ فمِنَ اليقين به أنه لم تكن هناك أحاديث النص، إذ لو وجدت لكانا أول من يعلم بها و لما بكيا و تحيرا بعد وفاة إمامهما!
و من العجيب أيضا أن حضرة "هشام بن سالم" هذا الذي وضعوا على لسانه أحد أحاديث النص الهامة (و هـو الحديث العاشر من الأحاديث التي ناقشناها) كان أيضا من المتحيرين، كما أشرنا لذلك في نقدنا لمتن الحديث، والأعجب أن نفس الرواة بعينهم، سواء المتصل بالمعصوم منهم أو المنفصلين، رووا كل الحديثين!! ( أي حديث النص و حديث الحيرة )، حيث روى الحسن بن الصفار حديث النص عن ابن أبي عمير عن "هشام بن سالم"، و حديث الحيرة بواسطتين عن ابن أبي عمير عن "هشام بن سالم"، فما أعجب هذا التناقض!، وينبغي أن يقال أن حديث الحيرة أقوى و أرجح لأنه جاء في كل كتب الشيعة المعتمدة، في حين أن حديث النص لم يأت إلا في كتاب واحد، بالإضافة لظهور علامات الكذب عليه من عدة جهات.
                                        3)  أحد المتحيرين العجيبين هو جناب زرارة بن أعين الذي كان من خواص وخُلَّص أصحاب الأئمة عليهم السلام، كما جاء في رجال الكشي (ص207) و سائر كتب الرجال من رواية جميل بن دراج قال: [سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أوتاد الأرض و أعلام الدين أربعة محمد بن مسلم و يزيد بن معاوية و ليث البختري و زرارة بن أعين] و في ص 208 من رجال الكشي أيضا: [ عن أبي عبد الله أنه قال: أربعة أحب الناس إلي أحياء و أمواتا، بريد العجلي و زرارة و محمد بن مسلم و الأحول] و فيه أيضا: [بشر المخبتين بالجنة يزيد بن معاوية و أبو بصير ليث البختري ومحمد بن مسلم و زرارة، أربعة نجباء أمناء الله على حلاله و حرامه، لولا هؤلاء لانقطعت آثار النبوة].
زرارة بن أعين هذا روى عنه الكشي حيرته بعد وفاة الإمام الصادق عليه السلام، كما يلي: [.. عن علي بن يقطين قال: لما كانت وفاة أبي عبد الله عليه السلام قال الناس بعبد الله بن جعفر و اختلفوا، فقائل به و قائل بأبي الحسن عليه السلام (أي موسى الكاظم). فدعا زرارة ابنه عبيدا فقال: يا بني! الناس مختلفون في هذا الأمر فمن قال بعبد الله فإنما ذهب إلى الخبر الذي جاء أن الإمامة في الكبير من ولد الإمام فشد راحلتك و امض إلى المدينة حتى تأتيني بصحة الخبر، فشدَّ راحلته و مضى إلى المدينة. و اعتلَّ زرارة فلما حضرته الوفاة سأل عن عبيد  فقيل له إنه لم يقدم، فدعا بالمصحف فقال: اللهم إني مصدق بما جاء به نبيك محمد فيما أنزلته عليه و بينته لنا على لسانه و إني مصدق بما أنزلته عليه في هذا الجامع و إن عقيدتي و ديني الذي يأتيني به عبيد ابني، و ما بينته في كتابك فإن أمتني قبل هذا فهذه شهادتي على نفسي و إقراري بما يأتي به عبيد ابني و أنت الشهيد عليَّ بذلك،  فمات زرارة... الحديث ].
و روى الكشي ( في ص 139) حيرة زرارة بعبارة أخرى من طريق آخر [عن نصر بن شعيب عن عمَّة زرارة قالت: لما وقع زرارة و اشتد به، قال: ناوليني المصحف فناولتُهُ و فتحتُهُ فوضعتُهُ على صدره و أخذه مني ثم قال: يا عمَّة! اشهدي أن ليس لي إمام غير هذا الكتاب ].
فنقول: لو كانت أحاديث النص على تلك الكثرة لدرجة أن يرويها حتى أبو هريرة و معاوية و اسحق بن عمار و جابر و عشرات آخرون، فكيف لم تصل لمسامع زرارة الذي كان أقرب من كل المذكورين إلى الأئمة عليهم السلام ؟!
                                        4)  كذلك ضمن الحديث الذي رواه الكشي في رجاله (ص241) عن حيرة هشام بن سالم، ذكرت أيضا حيرة المفضل بن عمرو و أبي بصير، مع أنهما كانا من خواص أصحاب حضرة الصادق عليه السلام، لكنهما لم يعرفا من الإمام بعد وفاة الصادق، ثم عرفا إمامة موسى الكاظم بفضل هداية هشام بن سالم لهما، هذا مع أن الكليني روى حديثين من أصل ستة عشر حديثا، في النص على إمامة موسى بن جعفر بعد حضرة الصادق، عن نفس المفضل بن عمرو هذا!.
                                        5)  محمد (بن عبد الله) الطيار شخص آخر من المتحيرين من خواص أصحاب الإمام الباقر عليه السلام، الذي كان الإمام الباقر يفاخر بفقهه و علمه، و مع ذلك لم يكن يعرف الإمام بعد حضرة الصادق، و كذلك مر بفترة حيرة و تردد في معرفة الإمام و اتباعه، حيث يروي الكشي قصته فيقول: [ عن حمزة بن طيار عن أبيه محمد قال: جئت إلى أبي جعفر عليه السلام أستأذن عليه فلم يأذن لي وأذن لغيري! فرجعت إلى منزلي و أنا مغموم فطرحت نفسي على سرير في الدار و ذهب عني النوم فجعلت أفكر و أقول أليس المرجئة تقول كذا ؟ والقدرية تقول كذا ؟ و الحرورية تقول كذا ؟ والزيدية تقول كذا ؟ فيفسد عليهم قولهم (يعني يرى أنه لا يستطيع اتباعهم)، فأنا أفكر في هذا حتى نادى المنادي فإذا بالباب يدق فقلت: من هذا ؟ فقال رسولٌ لأبي جعفر عليه السلام يقول لك أبو جعفر أجب، فأخذت ثيابي ومضيت معه فدخلت عليه فلما رآني قال يا محمد لا إلى المرجئة و لا إلى القدرية و لا إلى الحرورية و لا إلى الزيدية و لكن إلينا، إنما حجبتك لكذا و كذا، فقبلت و قلت به ].
                                        6)  أحمد بن محمد بن خالد البرقي شخص آخر من المتحيرين من خواص أصحاب الأئمة عليهم السلام و سيأتي شرح حاله قريبا عند الكلام على الحديث الطويل المروي عنه [225][5] .
ولو أردنا استقصاء جميع المتحيرين ممن كانوا من أصحاب الأئمة المقربين لطال بنا الكلام كثيرا لذا نكتفي بما ذكرناه و نعتقد أنه كاف لإقناع ذوي الألباب بأن أحاديث النص على ذلك النحو من التفصيل و التوضيح المسطور في كتبنا، لا أصل لها، بل من وضع الكذابين الوضاعين الغلاة، و من أظلم ممن افترى على الله كذبا.
 

الأئمة أنفسهم لم يكن لهم علم بأحاديث النص!

      1 ـ من القضايا التاريخية المسلمة قصة تعيين الإمام الصادق عليه السلام لابنه "اسماعيل على أنه الإمام من بعده، و قد سمع كثير من الشيعة نص الصادق الصريح عليه  و آمنوا أن اسماعيل هو خليفة والده في الإمامة.  لكن الذي حدث هو أن اسماعيل توفي قبل وفاة أبيه الصادق، و بالتالي لم تتحقق نبوءة و تكهن والده الصادق، و لما سأل الناس الصادقَ عن ذلك أجاب: [ إن الله بدا له في إمامة اسماعيل ] أو [ بدا  لِلَّهِ في اسماعيل ].  و طبقا لما ذكره أرباب الملل و النحل ـ مثل سعد بن عبد الله الأشعري، الذي يعد من كبار علماء و محدثي الشيعة، في كتابه المقالات و الفرق (ص78) ـ  أدت هذه الإجابة  إلى رجوع كثيرين ممن كانوا يعتقدون بإمامة حضرة الصادق عن القول بإمامة الصادق بحجة [ أن الإمام لا يكذب و لا يقول ما لا يكون! ].
      و أيا كان، فالمهم أن هذا الأمر بحد ذاته يدل دلالة واضحة على أن نفس حضرة الصادق لم يكن يعلم من هو الإمام الذي سيكون من بعده فعلا ؟ و بالتالي لم يكن لديه أي خبر عن أحاديث النص على الأئمة الاثني عشر واحدا واحدا بأسمائهم، كحديث  اللوح لجابر و غيره!.
      2 ـ أيضا من مسلمات التاريخ قصة وفاة محمد بن علي بن محمد الجواد المعروف بـ " السيد محمد "، و المدفون في قرية يقال لها " بلد " (على تسعة فراسخ من سامراء) في العراق، في حياة والده حضرة الإمام علي بن محمد النقي عليه السلام، بعد أن كان والده قد عينه للإمامة من بعده، فلما توفي قبل وفاة والده اعتذر الإمام النقي عن ذلك بنفس اعتذار الصادق حيث قال: [ بدا  لِلَّهِ في محمد ].
      و كُـتُبُ الشيعة مملوءة بذكر هذه القصة من جملة ذلك ما جاء في كتاب الحجة من أصول الكافي للكليني: [ عن موسى بن جعفر بن وهب عن علي بن جعفر قال: كنت حاضرا عند أبي الحسن عليه السلام (أي الإمام علي الهادي) لما توفي ابنه محمد، فقال للحسن: يا بني! أحدِثْ لِلَّهِ شكرا فقد أحدث فيك أمرا] [226][6]. أي أن الإمام الهادي قال لابنه الحسن العسكري اشكر الله لأنه أحدث فيك رأيا جديدا فأعطى الإمامة لك بعد أن كانت ستعطى لأخيك. قال المرحوم الفيض الكاشاني في كتابه الوافي (ص93) معلقا على هذا الحديث: [ بيان: يعني جعلك الله إماما للناس بموت أخيك قبلك، بدا لله فيك بعده ].
      و في الكافي أيضا: [ عن أحمد بن محمد بن عبد الله بن مروان الأنباري قال: كنت حاضرا عند مُضيِّ (أي وفاة) أبي جعفر محمد بن علي، فجاء أبو الحسن عليه السلام فـوُضِعَ له كرسي فجلس عليه و حوله أهل بيته، و أبو محمد قائم في ناحية، فلما فُرِغَ من أمر أبي جعفر، التفت إلى أبي محمد فقال: يا بُنَيّ! أحدِثْ لِلَّهِ شكرا فقد أحدثَ فيك أمرا.. ] [227][7].
      و في الكافي أيضا: [ عن جماعة من بني هاشم منهم حسن بن حسن الأفطس، أنهم حضروا يوم توفي محمد بن علي بن محمد باب أبي الحسن يعزونه وقد بسط له في صحن داره و الناس جلوس حوله فقالوا: قدرنا أن يكون حوله من آل أبي طالب و بني هاشم و قريش مائة و خمسون رجلا سوى مواليه وسائر الناس، إذ نظر إلى الحسن بن علي قد جاء مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه ونحن لا نعرفه فنظر إليه أبو الحسن بعد ساعة فقال: يا بني! أحدِثْ لله عز و جل شكرا فقد أحدَثَ فيك أمراُ، فبكى الفتى و حَمِدَ الله تعالى واسترجع وقال: الحمد لله رب العالمين، و أنا أسأل الله عز و جل بمنه تمام نعمه لنا فيك، و إنا لله و إنا إليه راجعون. فسألنا فقيل هذا الحسن ابنه، و قدَّرْنا له في ذلك الوقت عشرين سنة أو أرجح، فيومئذ عرفناه و علمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة و أقامه مقامه ] [228][8].
      و أخرج الكليني حديثا آخر أيضا في هذا الأمر، و هو حديث أخرجه كذلك "الشيخ الطوسي" في كتابه " الغيبة " (ص130، طبع تبريز) بسند آخر و لفظ مختلف قليلا عما في الكافي فقال (و اللفظ للطوسي): [ روى سعد بن عبد الله الأشعري قال: حدثنا أبو هاشم داود بن قاسم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن (أي الإمام علي النقي) وقت وفاة ابنه أبي جعفر (أي السيد محمد) و قد كان أشار إليه و دل عليه، فإني لأفكر في نفسي و أقول هذا قضية أبي إبراهيم (أي الإمام موسى الكاظم) و اسماعيل، فأقبل عليَّ أبو الحسن فقال: نعم يا أبا هاشم! بدا لِلَّه تعالى في أبي جعفر و صيَّر مكانه أبا محمد كما بدا لِلَّه في اسماعيل بعد ما دل عليه أبو عبد الله و نصبه، و هو كما حدَّثتَ به نفسك و إن كره المبطلون، أبو محمد ابني الخلف من بعدي عنده علم ما يحتاج إليه و معه آلة الإمامة ] [229][9].
      و هناك عدة أحاديث أخرى في أصول الكافي في نفس الباب بنفس هذا المضمون و كذلك في كتاب الغيبة للطوسي. و هذه الأحاديث تدل على أنه لدى وفاة السيد محمد بن  الإمام علي بن محمد النقي، لم يكن أحد ـ حتى من خواص أصحاب الأئمة ـ يعرف حضرة الإمام الحسن العسكري ـ حتى مجرد المعرفة ـ فضلا عن أن يكون له علم بإمامته، و منهم أبو هاشم الجعفري راوي الحديث الذي فكر في نفسه كيف توفي محمد بن  الإمام علي النقي، في حياة والده، مع كونه عُيِّنَ للإمامة بعد والده ؟! ثم قاس ذلك في ذهنه على ما حدث لاسماعيل الذي توفي في حياة والده جعفر الصادق.
       لكن الوضَّاعين الكذبة وضعوا على لسان أبي هاشم الجعفري هذا نفسه حديثا طويلا فيه نص الرسول (صلىالله عليه وآله) على الأئمة الاثني عشر واحدا واحدا بأسمائهم!! و الحديث أخرجه الكليني في الأصول من الكافي [230][10] و الصدوق في كتابه إكمال الدين ( باب 29 ما أخبر به الحسن بن علي بن أبي طالب من وقوع الغيبة: ص181) و نقله عنهما الشيخ "الحر العاملي" في كتابه: "إثبات الهداة" (ج2/ص283) كما يلي ( و اللفظ كما في إكمال الدين ):
      [ و عن عدة من أصحابنا عن "أحمد بن عبد الله محمد البرقي" عن "أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري" عن أبي جعفر الثاني قال: أقبل أمير المؤمنين و معه ابنه الحسن و هو متكئ على يد سلمان فدخل المسجد الحرام فجلس، إذ أقبل رجل حسن الهيئة و اللباس فسلم على أمير المؤمنين فرد عليه السلام فجلس ثم قال: يا أمير المؤمنين!  أسألك من ثلاث مسائل إن أخبرتني بها علمت أن القوم ركبوا من أمرك ما أقضي عليهم أنهم ليسوا بمأمونين في دنياهم و لا في آخرتهم. فقال أمير المؤمنين: سل عما بدا لك. فقال: أخبِرني عن الرجل إذا نام أين يذهب روحه ؟ و عن الرجل كيف يذكر و ينسى ؟ و عن الرجل كيف يشبه الأعمام و الأخوال. فالتفت أمير المؤمنين إلى أبي محمد الحسن بن علي فقال: يا أبا محمد أجبه. فقال:  أما ما سألت عنه من أمر الإنسان أين يذهب روحه ؟ فروحه معلقة بالريح و الريح معلقة بالهوى إلى وقت ما يتحرك صاحبها ليقظة فإن الله عزوجل يرد تلك الروح على صاحبها جذبت تلك الروح الريح و جذبت تلك الريح الهوى فرجعت الروح فأسكنت في بدن صاحبها، وإن لم يأذن الله عزوجل برد تلك الروح على صاحبها جذب الهوى الريح و جذب الريح الروح فم ترد إلى صاحبها إلا إلى وقت ما يبعث، و أما ما ذكرت من أمر الذكر و النسيان فإن قلب الرجل في حق و على الحق طبق فإن صلى الرجل عند ذلك على محمد و آل محمد انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحق مما يلي القلب و ذكر الرجل ما نسي، و إن هو لم يصل على محمد و آل محمد أو نقص عليهم من الصلوة انطبق ذلك الطبق على ذلك الحق و أظلم القلب و نسي الرجل ما كان ذكر، و أما ما ذكرت من أمر المولود الذي يشبه أعمامه و أخواله فإن الرجل إذا أتى أهله فجامعها بقلب ساكن و عروق هادئة و بدن غير مضطرب فأسكنت تلك النطفة في جوف الرحم خرج الولد يشبه أباه و أمه و إن هو أتاها بقلب غير ساكن و عروق غير هادئة و بدن مضطرب اضطربت تلك النطفة فوقعت في حال اضطرابها على بعض العروق فإن وقعت على عرق من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه و إن وقعت على عرق من عروق الأخوال أشبه الرجل أخواله. فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله و لم أزل أشهد بها و أشهد أن محمدا رسول الله و لم أزل أشهد بها و أشهد أنك وصيه و القائم بحجته بعده و أشار بيده إلى أمير المؤمنين، و لم أزل أشهد بها و أشهد أنك وصيه و القائم بحجته بعده و أشار إلى الحسن، و أشهد أن الحسين بن علي وصي أبيك و القائم بحجته بعدك و أشهد على علي بن الحسين أنه القائم بأمر الحسين بعده و أشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن الحسين و أشهد على جعفر بن محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي بن الحسين و أشهد على موسى بن جعفر أنه القائم بأمر جعفر بن محمد و أشهد على علي بن موسى أنه القائم بأمر موسى بن جعفر و أشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن موسى و أشهد على علي بن محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي و أشهد على الحسن بن علي أنه القائم بأمر علي بن محمد و أشهد على رجل من ولد الحسن بن علي لا يكنى و لا يسمى حتى يظهر أمره فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا و السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته ثم قام و مضى، فقال أمير المؤمنين: يا أبا محمد اتبعه فانظر أين يقصد؟ فخرج الحسن في أثره فقال: ما كان إلا أن وضع رجله خارج المسجد فما دريت أين أخذ من أرض الله فرجعت إلى أمير المؤمنين فأعلمته فقال: هو الخضر! ]
      هذا الحديث أخرجه "الكليني" في أصول الكافي من طريقين و أخرجه "الشيخ الصدوق" في كتابيه "عيون أخبار الرضا" و "إكمال الدين"، و "النعماني" في كتابه "الغيبة" و "الشيخ الطوسي" في كتابه "الغيبة" أيضا، و "الطبرسي (احمد بن علي)" في "الاحتجاج"، بطرق مختلفة لكنها تجتمع كلها على "أحمد بن عبد الله البرقي" عن "أبي هاشم"، و يكفي هذا لمعرفة كذب و اختلاق الحديث، حيث عرفنا أن "أبا هشام الجعفري" هذا كان من الذين تصوروا أن الإمام بعد حضرة الإمام علي النقي هو ابنه السيد محمد، و بقي على ذلك إلى أن جاء يوم وفاة السيد محمد في حياة والده و رأى أن حضرة علي النقي بشر ابنه حضرة العسكري بالإمامة ففكر في نفسه أن قصة العسكري مع السيد محمد مثل قصة موسى الكاظم مع اسماعيل. فمثل هذا لا يمكن أن يكون هو نفسه راو لحديث ينص على أسماء الأئمة حتى العسكري و ابنه!
      و نحن لا نتعجب من الوضاعين الكذبة الذين اختلقوا مثل هذه الأحاديث لأجل تأييد فكرة مذهبية أو سياسية معينة، أو لأجل كونهم أداة لبعض أعداء الإسلام العاملين على نشر الخرافات فيه و التفرقة بين أبنائه.  إن تعجُّبَنَا هو من الشيخ الصدوق و الشيخ الطوسي و الشيخ الكليني و أمثالهم الذين، من جهة، يروون حديث أبي هاشم في بداء الله في السيد محمد ونص حضرة الهادي على إمامة حضرة العسكري  بعد وفاة أخيه السيد محمد ليثبتوا بذلك إمامة حضرة العسكري، و من الجهة الأخرى، يروون عدة أحاديث عن نفس أبي هاشم الجعفري هذا في أن الأئمة الاثني عشر منصوص عليهم بأسمائهم!!  و لا ندري إن لم يكن هذا هو التناقض بعينه فماذا يكون التناقض إذن ؟!
       و أما أحمد بن أبي عبد الله البرقي الذي روى الحديث عن أبي هاشم،  فقال عنه النجاشي في رجاله (ص59): [ كان ثقة في نفسه، يروي عن الضعفاء و اعتمد المراسيل ] و بمثل ذلك وصفه الطوسي في الفهرست فقال: [ كان ثقة في نفسه إلا أنه أكثر الرواية عن الضعفاء و اعتمد المراسيل ] و قال عنه ابن الغضائري و العلامة الحلي: [.. طعن عليه القميون و ليس الطعن فيه إنما الطعن فيمن يروي عنه فإنه كان لا يبالي عمن أخذ على طريقة أهل الأخبار و كان أحمد بن محمد بن عيسى أبعده من قم ].
       و لعلنا عرفنا الآن لماذا روى مثل هذا الحديث الغريب عن أبي هاشم!!  و الأعجب من ذلك أن "أحمد البرقي" هذا كان  ـ طبقا لما أورده الكافي في أصوله ـ  من المتحيرين في المذهب أيضا، أي لم يكن يعلم من هو الإمام بعد حضرة الحسن العسكري أو أنه كان متحيرا في أصل مذهب التشيع، كما قال الفيض الكاشاني في كتابه الوافي (ج2/ص72): [ و يستفاد من آخر هذا الخبر أن البرقي قد تحير في أمر دينه طائفة من من عمره! ]. و إنه لأمر عجيب حقا أن يكون البرقي هذا، الذي كان معاصرا لأربعة من الأئمة، حيث كان من أصحاب حضرة الجواد و مات سنة 280هـ أي بعد عشرين سنة من وفاة الإمام الحسن العسكري، و الذي روى لنا عديدا من أحاديث النص على إمامة الأئمة الاثني عشر (راجع أصول الكافي: كتاب الحجة: باب ما جاء في الاثني عشر و النص عليهم عليهم السلام) جعلناها نحن من أصول عقائدنا، و يكون هو بنفسه متيحرا في أمر دينه، و هل هذا إلا كمن قال: أعمى يقود عميان!!
      أما متن الحديث فغني عن التعليق! و نقترح أن يقدم لأساتذة الطب و الوراثة ليفصلوا فيه! فقط نتساءل: ما فائدة شهادة الخضر في هذا المقام ؟ و لو كان قصد الخضر إثبات حقانية إمامة الأئمة و لزومهما على الأمة فلماذا لم يلق حديثه في جمع من الناس، بعد أن يعرفهم بنفسه، ثم يشهد بشهاداته تلك لتقوم الحجة على الناس؟ فلحن الرواية يفيد أنه لم يكن في مجلس الحديث سوى السائل والمسؤول، خاصة أنه لم يرو أحد آخر هذا الحديث! [231][11]
      على كل حال كان غرضنا من ذكر هذا الحديث و الذي قبله أن يعلم طلاب الحق أن هذا الحديث روي على لسان شخص لم يكن هو نفسه يعرف من هو الإمام بعد حضرة الهادي، و أنه لم يكن أحد من أصحاب الأئمة حتى أقرب الناس إليهم يعرفون ابتداءً لمن ستكون الإمامة بعد رحيل إمام الوقت، بل حتى الأئمة أنفسهم لم يكونوا يعرفون من الإمام بعدهم، حيث كانوا يرون في شخص ما من أبنائهم أهلية الإمامة فيعهدون له بالإمامة من بعدهم ويخبرون بذلك شيعتهم، و إذا بقدر الله و قضائه يخلف ظنهم و يموت المعهود إليه بالإمامة، في حال حياتهم، فيقولون بدا لِـلَّـه في اسماعيل و جعل موسى مكانه، و بدا لِـلَّـه في محمد بن علي و جعل الحسن بن علي العسكري مكانه، و هذا بحد ذاته حجة قاطعة على كذب و بطلان كل أحاديث النص النبوي السابق على الأئمة الاثني عشر. [232][12]
 

افتراق الشيعة إلى فرق مختلفة عـقـب وفاة كل إمام يبين كذب واختلاق أحاديث النص

      ألف علماء المسلمين كثيرا من الكتب عن الفرق الإسلامية و الملل والنحل، و لا شك أن بعضها لم يخل من التحيز و التعصب لمذهب المؤلف والتحامل على مذاهب الخصوم  كإلزامهم بما لا يقولون به أو نسبة أباطيل إليهم. لذا فنحن في هذا المقام لن نرجع إلا إلى كتابين من كتب الفرق ألفهما عالمان من علماء الشيعة الإمامية الكبار الموثقين، لننقل عنهم حرفيا ما ذكروه من انشعابات و حدوث فرق متعددة في أوساط الشيعة، ليتضح أنه لو كان ثمة نص مشهور من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في تعيين الأئمة لما وجدت كل هذه الفرق المختلفة في الشيعة.
        لا نعرف، من بين علماء الشيعة القدماء، من ألف كتبا، بقيت إلى يومنا هذا، في فرق المسلمين و مللهم ونحلهم، سوى اثنين من العلماء المبرزين الكبار هما: 1 ـ سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي  المتوفى سنة 301 هـ و الذي يعد من أكابر محدثي الشيعة و من مشايخ محمد بن جعفر بن قولويه في الرواية و من أصحاب حضرة الإمام الحسن العسكري، حتى أن بعض الروايات تذكر لقاءه للإمام الحسن العسكري ولابنه حضرة القائم، و إن كان هذا اللقاء يعتبر بنظر عدة من علماء الشيعة الكبار، مكذوبا و موضوعا، لكن على أي حال لا يوجد أحد يشكك في نزاهة و شخصية سعد بن عبد الله و أنه من أكابر محدثي الشيعة الإمامية وفقهائهم الموثوقين، و قد ألف لنا كتابا هاما في الفرق و النحل سماه: " المقالات و الفرق ".
      2 ـ و الثاني هو أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي المتوفى فيما بين سنة 300 و 310 هـ و الذي كان من أفاضل الشيعة و كبار علمائهم أيضا و من عائلة عرفت كلها بالعلم و الفضل في أوساط الشيعة، و قد ترك لنا كتابا هاما أيضا في الفرق خصصه لذكر فرق الشيعة فقط و سماه: " فرق الشيعة ".        
      و نحن سنذكر فيما يلي خلاصة ما ذكره المؤلفان في كتابيهما المذكورين في بيان الفرق التي وجدت في الشيعة ليكون ذلك دليلا آخر على أنه لو كان هناك نص أو نصوص نبوية سابقة على ذلك النحو و الصورة التي يدعونها لما أمكن أن تنشأ كل هذه الفرق المتعددة و المختلفة بين الشيعة أنفسـهم . قالا:
      [ افترقت الأمة عقب وفاة رسول الله(صلّىاللّه عليه وآله) إلى ثلاث فرق: 1ـ فرقة منها سميت الشيعة و هم شيعة علي بن أبي طالب  عليه السلام و اتبعوه و لم يرجعوا إلى غيره. و منهم افترقت صنوف الشيعة كلها. 2ـ و فرقة منهم ادعت الإمرة و السلطان، و هم الأنصار و دعوا إلى عقد الأمر لسعد بن عبادة الخزرجي، 3ـ و فرقة مالت إلى بيعة أبي بكر بن أبي قحافة.. و تنازعت الفرقتان الأخيرتان ثم رجع أغلب الأنصار و من تابعهم إلى أمر أبي بكر. 
      و عقب مقتل عثمان بايع الناس عليا فسموا الجماعة، ثم افترقوا بعد ذلك فصاروا ثلاث فرق: 1ـ فرقة أقامت على ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. 2ـ و فرقة اعتزلته مع سعد بن أبي وقاص و عبد الله بن عمر و محمد بن مسلمة الأنصاري و أسامة بن زيد فامتنعوا عن محاربته و المحاربة معه. 3ـ و فرقة خالفته و قامت عليه و هم طلحة و الزبير و عائشة و أنصارهم، فـقاتلهم علي عليه السلام و هزمهم، و هم أهل الجمل. و هرب منهم قوم إلى معاوية و صاروا معه في المطالبة بدم عثمان، و حاربوا عليا عليه السلام و هم أهل صفين.
      ثم خرجت فرقة ممن كان مع علي عليه السلام، و خالفته بعد تحكيم الحكمين بينه و بين معاوية و أهل الشام و كفَّروا عليا و تبرؤا منه وسموا الخوارج و منهم افترقت فرق الخوارج كلها.
      فلما قُتِلَ علي التقت الفرقة التي كانت معه و الفرقة التي كانت مع طلحة و الزبير و عائشة فصاروا فرقة واحدة مع معاوية بن أبي سفيان إلا القليل منهم من شيعته و من قال بإمامته بعد النبي صلى الله عليه وآله و هم السواد الأعظم و أهل الحشو و أتباع الملوك و أعوان كل من غلب، أعني الذين التقوا مع معاوية فسموا جميعا " المرجئة " لأنهم تولوا المختلفين جميعا و زعموا أن أهل القبلة كلهم مؤمنون بإقرارهم الظاهر بالإيمان و رجوا لهم جميعا المغفرة.  و افترقت ( المرجئة ) بعد ذلك فصارت إلى أربع فرق: الجهمية و هم مرجئة أهل خراسان، و الغيلانية و هم مرجئة أهل الشام، و الماصرية و هم مرجئة أهل العراق منهم " أبو حنيفة " و نظراؤه، و "الشكاك" أو " البترية " أصحاب الحديث منهم " سفيان بن سعيد الثوري " و "شريك بن عبد الله" و " ابن أبي ليلى " و " محمد بن إدريس الشافعي" و "مالك بن أنس" و نظراؤهم من أهل الحشو و الجمهور العظيم و قد سموا (الحشوية).
      فقالت أوائلهم في الإمامة: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من الدنيا ولم يستخلف على دينه من يقوم مقامه في لم الشعث، و جمع الكلمة، و السعي في أمور الملك و الرعية، و إقامة الهدنة و تأمير الأمراء و تجييش الجيوش، و الدفع عن بيضة الإسلام، و تعليم الجاهل و إنصاف المظلوم، و جوَّزوا فعل هذا الفعل لكل إمام أقيم بعد الرسول صلى الله عليه وآله.
      ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: على الناس أن يجتهدوا آراءهم في نصب الإمام و جميع حوادث الدين و الدنيا إلى اجتهاد الرأي، و قال بعضهم: الرأي باطل و لكن الله عز و جل أمر الخلق أن يختاروا الإمام بعقولهم.
      و شذت طائفة من المعتزلة عن قول أسلافها فزعمت أن النبي صلى الله عليه وآله نص علىى صفة الإمام و نعته و لم ينص على اسمه و نسبه، و هذا قول أحدثوه قريبا.
      و كذلك قالت جماعة من أهل الحديث هربت حين عضَّها حِجَاج الإمامية و لجأت إلى أن النبي صلى الله عليه وآله نص على أبي بكر بأمره إياه بالصلوة، و تركت مذهب أسلافها في أن المسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله قالوا: رضينا لدنيانا بإمام رضيه رسول الله صلى الله عليه وآله لديننا.
      و اختلف أهل الإهمال ( أي القائلون أن الرسول لم يستخلف أحدا ) في إمامة الفاضل و المفضول، إذا كانت في الفاضل علة تمنع إمامته، و وافق سائرهم أصحاب النص على أن الإمامة لا تكون إلا للفاضل المتقدم.
      ثم اختلفوا جميعا في القول بالإمامة و أهلها فقالت ( البترية ) و هم أصحاب ( الحسن بن صالح بن حي ) و من قال بقوله أن عليا  عليه السلام هو أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله و أولاهم بالإمامة، و أن بيعة أبي بكر ليست بخطأ، و وقفوا في عثمان و ثبتوا حزب علي عليه السلام، و شهدو اعلى مخالفيه بالنار، و اعتـلُّوا بأن عليا عليه السلام سلم لهما ذلك فهو بمنزلة رجل كان له على رجل حق فتركه له.
      و قال " سليمان بن جرير الرقي " و من قال بقوله أن عليا عليه السلام كان الإمام و أن بيعة أبي بكر و عمر كانت خطأً و لا يستحقان اسم الفسق عليها من قبل التأويل لأنهما تأولا فأخطآ، و تبرؤا من عثمان فشهدوا عليه بالكفر ومحارب علي عليه السلام عندهم كافر.
      و قال " ابن التمار " و من قال بقوله: إن عليا عليه السلام كان مستحقا للإمامة و إنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، و إن الأمة ليست بمخطئة خطأ إثم في توليتها أبا بكر و عمر و لكنها مخطئة بتركة الأفضل، و تبرؤا من عثمان و من محارب علي  عليه السلام و شهدوا عليه بالكفر.
      و قال ( الفضل الرقاشي ) و ( أبو شمر ) و ( غيلان بن مروان ) و (جهم بن صفوان) و من قال بقولهم من المرجئة: إن الإمامة يستحقها كل من قام بها إذا كان عالما بالكتاب و السنة و أنه لا تثبت الإمامة إلا بإجماع الأمة كلها.
      و قال أبو حنيفة و سائر المرجئة: لا تصلح الإمامة إلا في قريش، كل من دعا منها إلى الكتاب و السنة و العمل بالعدل وجبت إمامته و وجب الخروج معه و ذلك للخبر الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الأئمة من قريش.
      و قالت الخوارج كلها إلا النجدية منهم: الإمامة تصلح في أفناء الناس، كل من كان منهم قائما بالكتاب و السنة عالما بهما، و إن الإمامة تثبت بعقد رجلين.
      و قالت النجدية من الخوارج: الأمة غير محتاجة إلى إمام و لا غيره، وإنما علينا و على الناس أن نقيم كتاب الله عزوجل فيما بيننا.
      و قالت المعتزلة: إن الإمامة يستحقها كل من كان قائما بالكتاب والسنة، فإذا اجتمع قرشي و نبطي و هما قائمان بالكتاب و السنة، و لينا القرشي، والإمامة لا تكون إلا بإجماع الأمة و اختيار و نظر.
      و قال " ضرار بن عمرو ": إذا اجتمع قرشي و نبطي ولينا النبطي وتركنا القرشي، لأنه أقل عشيرة و أقل عددا، فإذا عصى الله و أردنا خلعه كانت شوكته أهون، و إنما قلت ذلك نظرا للإسلام.
      و قال إبراهيم النظَّام و من قال بقوله: الإمامة تصلح لكل من كان قائمابالكتاب و السنة لقول الله عزوجل: إن أكرمكم عند الله أتقاكم. (الحجرات: 13 ). و زعم أن الناس لا يجب عليهم فرض الإمامة إذا هم أطاعوا الله و أصلحوا سرائرهم و علانيتهم فإنهم لن يكونوا كذا إلا و عَلَمُ الإمام قائم باضطرار يعرفون عينه، فعليهم اتباعه و لن يجوز أن يكلفهم الله عزوجل معرفته ولم يضع عندهم علمه فيكلفهم المحال.
      و قالوا في عقد المسلمين الإمامة لأبي بكر: إنهم قد أصابوا ذلك و إنه كان أصلحهم في ذلك الوقت، و اعتلوا في ذلك بالقياس و بخبر تأوَّلوه... ][233][1] .
       
      ثم ذكرا سائر أقوال الفرق في الإمامة مما لا نحتاج لذكره هنا لأن قصدنا هو ذكر انقسامات الشيعة و فرقهم و شرح اختلافاتهم في الإمامة لذا نتجه لذكر ما قالاه في هذا المجال مع رعاية الاختصار، قالا:
      [ فجميع أصول الفرق كلها الجامعة لها أربعة فرق: الشيعة و المرجئة والمعتزلة و الخوارج.
      فأول الفرق الشيعة، و هي فرقة علي بن أبي طالب رضوان الله عليه المُسمَّوْن بشيعة علي في زمان النبي صلى الله عليه وآله و بعده معروفون بانقطاعهم إليه و القول بإمامته، منهم المقداد بن الأسود الكندي، و سلمان الفارسي، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري و عمار بن ياسر، المؤثرون طاعته، المؤتمون به وغيرهم ممن وافق مودته مودة علي بن أبي طالب. فلما قَبَضَ الله نبيه صلى الله عليه وآله افترقت فرقة الشيعة فصاروا في الإمامة ثلاث فرق:
      1ـ فرقة منهم قالت أن علي بن أبي طالب إمام و مفروض الطاعة من الله و رسوله بعد رسوله صلى الله عليه وآله واجب على الناس القبول منه و الأخذ منه لا يجوز لهم غيره و أن النبي صلى الله عليه وآله نص عليه باسمه و نسبه و قلد الأمة إمامته و عقد له عليهم إمرة المؤمنين...  و قالوا لا بد مع ذلك أن تكون تلك الإمامة دائمة جارية في عقبه إلى يوم القيامة، تكون في ولده من ولد فاطمة بنت رسول الله يقوم مقامه أبدا رجل منهم معصوم من الذنوب طاهر من العيوب...
      2ـ و فرقة قالت أن عليا رحمة الله عليه كان أولى الناس بعد رسول الله بالناس، لفضله و سابقته و قرابته و علمه، و هو أفضل الناس كلهم بعده وأشجعهم و أسخاهم.. و أجازوا مع ذلك خلافة أبي بكر و عمر، رأوهما أهلا لذلك المكان و المقام. احتجوا في ذلك بأن زعموا أن عليا سلم لهما الأمر و رضي بذلك و بايعهما طائعا غير مكره و ترك حقه لهما، فنحن راضون كما رضي المسلمون له و لمن تابع لا يحل لنا غير ذلك و لا يسع أحد إلا ذلك، و أن ولاية أبي بكر صارت رشدا و هدى لتسليم علي صلى الله عليه له ذلك و رضاه و لولا رضاه و تسليمه لكان أبو بكر مخطئا ضالا هالكا و هم أوائل البترية.
      و خرجت من هذه الفرقة فرقة و قالوا: علي بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله لقرابته و سابقته و علمه، و لكن كان جائزا للناس أن يولوا عليهم غيره إذا كان الوالي الذي يولونه مجزئا ( أي منفذا لأحكام شرع الله ) أحب ذلك عليٌّ أم كرهه، فولاية الوالي الذي ولوه على أنفسهم برضا منهم رشد و هدى و طاعة لله، فإذا اجتمعت الأمة على ذلك و توالت و رضيت به فقد ثبتت إمامته و استوجب الخلافة، فمن خالفه من قريش و بني هاشم عليٌّ كان أو غيره من الناس، فهو كافر ضال هالك.
      3ـ و فرقة منهم يسمون الجارودية أصحاب الجارود زياد بن المنذر بن زياد الأعجمي، فقالوا بتفضيل علي، و لم يروا مقامه لأحد سواه، و زعموا أن من دفع عليا من هذا المقام فهو كافر، و أن الأمة كفرت و ضلت بتركها بيعته، ثم جعلوا الإمامة بعده في الحسن بن علي ثم في الحسين بن علي ثم هي شورى بين أولادهما، فمن خرج منهم و شهر سيفه و دعا إلى نفسه فهو مستحق للإمامة، وهاتان الفرقتان هما المنتحلتان أمر زيد بن علي بن الحسين و أمر زيد بن الحسن بن الحسن بن علي و منهما تشعبت فرق الزيدية.
      و زعمت هذه الفرق أن الأمر كان بعد رسول الله لعلي صلى الله عليه ثم للحسن ثم للحسين نص من رسول الله و صية منه إليهم واحدا بعد واحد، فلما مضى الحسين بن علي صارت في واحد من أولادهما إلى علي بن الحسين والحسن بن الحسن لا يخلو من أحدهما إلا أنهم لا يعلمون أيا من أي، و أن الإمامة بعدهما في أولادهما، فمن ادعاها من ولد الحسين بن علي و من ولد علي بن الحسين و زعم أنها لولد الحسين بن علي دون ولد الحسن بن الحسن، فإن إمامته باطلة و أنه ضال مضل هالك، و أن من أقر من ولد الحسين و الحسن أن الإمامة تصلح في ولد الحسن و الحسين و من رضوا به و اتفقوا عليه و بايعوه جاز أن يكون إماما، و من أنكر ذلك منهم و جعلها في ولد أحد منهما لا يصلح للإمامة، و هو عندهم خارج من الدين. و بعد مضي الحسين بن علي لا تثبت (الإمامة لمن ادعاها من ولد الحسن أو الحسين) إلا باختيار ولد الحسن و الحسين وإجماعهم على رجل منهم و رضاهم به و خروجه بالسيف، و يجوز أن يكون منهم أئمة عداد في وقت واحد لكنهم أئمة دعاة إلى الإمام الرضا منهم، و أن الإمام الذي إليه الأحكام و العلوم يقوم مقام رسول الله و هو صاحب الحكم في الدار كلها و هو الذي يختاره جميعهم و يرضون به و يجمعون على ولايته، وجميع فرق الزيدية مذاهبهم في الأحكام و الفرائض و المواريث مذاهب العامة.

(فرق الشيعة بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام) [234][2]

      فلما قتل عليٌّ صلوات الله عليه افترقت (الفرقة الأولى منها) التي أثبتت له الإمامة له من الله و رسوله فرضا واجبا فصاروا فرقا ثلاثة:
      1ـ فرقة منها قالت أن عليا لم يقتل و لم يمت و لا يموت حتى يملك الأرض و يسوق العرب بعصاه و يملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت ظلما وجورا، و هي أول فرقة قالت في الإسلام بالوقف بعد النبي من هذه الأمة، وأول من قال منها بالغلو و هذه الفرقة تسمى السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وهو عبد الله بن وهب الراسبي الهمداني و ساعده على ذلك عبد الله بن حرس وابن أسود، و هما من أجلة أصحابه، و كان أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر و عثمان من الصحابة و تبرأ منهم، و ادعى أن عليا عليه السلام أمره بذلك، وأن التقية لا تجوز و لا تحل، فأخذه علي فسأله عن ذلك ؟ فأقر به، و أمر بقتله، فصاح إليه الناس من كل ناحية يا أمير المؤمنين أتقتل رجلا يدعو إلى حبكم أهل البيت و إلى ولايتك و البراءة من أعدائك ؟ فسيره عليٌّ إلى المدائن، و حكى جماعة من أهل العالم: أن عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأسلم و والى عليا، وكان يقول و هو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله في عليٍّ بمثل ذلك، و هو أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي بن أبي طالب، و أظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه و أكفرهم، فمن ها هنا قال من خالف الشيعة أن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية، و لما بلغ ابن سبأ و أصحابه نعيَ عليٍّ و هو بالمدائن و قدم عليهم راكب فسأله الناس، فقال ما خبر أمير المؤمنين ؟ قال: ضربه أشقاها ضربة قد يعيش الرجل من أعظم منها ويموت من وقتها، ثم اتصل خبر موته فقالوا للذي نعاه: كذبت يا عدو الله! لو جئتنا و الله بدماغه ضربة، فأقمت على قتله سبعين عدلا ما صدقناك، و لعلمنا أنه لم يمت و لم يقتل، و أنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه، و يملك الأرض، ثم مضوا من يومهم حتى أناخوا بباب علي فاستأذنوا عليه استئذان الواثق بحياته الطامع في الوصول إليه، فقال لهم من حضره من أهله و أصحابه و ولده، سبحان الله أما علمتم أن أمير المؤمنين قد استشهد ؟ قالوا: إنا لنعلم أنه لم يقتل و لا يموت حتى يسوق العرب بسيفه وسوطه كما قادهم بحجته و برهانه، و أنه ليسمع النجوى و يعرف تحت الديار المقفل و يلمع في الظلام كما يلمع السيف الصقيل الحسام، فهذا مذهب السبئية و مذهب الحربية و هم أصحاب عبد الله بن عمر بن الحرب الكندي في علي عليه السلام، و قالوا بعد ذلك في علي أنه إله العالمين و أنه توارى عن خلقه سخطا منه عليهم و سيظهر.
      2ـ و فرقة قالت بإمامة محمد بن عليّ بن أبي طالب ابن الحنفية بعد علي لأنه كان صاحب راية أبيه يوم البصرة دون أخويه الحسن و الحسين عليهما السلام، فسموا الكيسانية و هم المختارية، و إنما سُمُّوا بذلك لأن رئيسهم الذي دعاهم إلى ذلك المختار بن أبي عبيدة الثقفي، و كان لقبه كيسان، و هو الذي طلب بدم الحسين بن علي و ثأره حتى قَتَلَ قَتَلَتَهُ و من قدر عليه ممن حاربه، وقتل عبيد الله بن زياد و عمر بن سعد و ادعى أن محمد بن الحنفية أمره بذلك، و أنه الإمام بعد أبيه... و هؤلاء ساقوا الإمامة بعده إلى ابنه عبد الله أبي هاشم و بعده إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس.
      3ـ و فرقة لزمت القول بإمامة الحسن بن علي بعد أبيه إلا شرذمة قليلة منهم فإنه لما وادع الحسن بن علي معاوية و أخذ منه المال الذي بعث له إليه على الصلح أزروا على الحسن و طعنوا فيه و خالفوه و رجعوا عن إمامته و شكوا فيها و دخلوا في مقالة جمهور الناس، و بقي سائرهم على القول بإمامته إلى أن قتل صلوات الله عليه. فقالوا بإمامة أخيه الحسين بن علي فلم يزالوا على ذلك حتى قتل الحسين، فلما قتل الحسين حارت فرقة من أصحابه و قالوا: قد اختلف علينا فعل الحسن و فعل الحسين، لأنه إن كان الذي فعله الحسن حقا واجبا صوابا من موادعته معاوية و تسليمه الخلافة له عند عجزه عن القيام بمحاربته مع كثرة أنصار الحسن و قوته فما فعله الحسين من محاربته يزيد بن معاوية مع قلة أنصار الحسين وضعفهم و كثرة أصحاب يزيد حتى قتل و قتل أصحابه جميعا، خطأ باطل غير واجب، فشكوا لذلك في إمامتهما فدخلوا في مقالة العوام و مذاهبهم و بقي سائر الناس أصحاب الحسين على القول بإمامته حتى مضى.  فلما مضى افترقوا بعده ثلاث فرق:
      فرقة قالت بإمامة محمد بن عليّ بن أبي طالب بن الحنفية و زعمت أنه لم يبق بعد الحسن و الحسين أحد أقرب إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب من محمد ابن الحنفية فهو أولى الناس بالإمامة كما كان الحسين أولى بعد الحسن من ولد الحسن، فمحمد هو الإمام بعد الحسين. و(منهم) فرقة قالت أن محمد بن الحنفية هو الإمام المهدي و هـو وصيُّ عليّ، ليس لأحد من أهل بيته أن يخالفه و لا يخرج عن إمامته و لا يشهر سيفه إلا بإذنه، و إنما خرج الحسن إلى معاوية محاربا له بإذنه، و وادعه و صالحه بإذنه، و خرج الحسين إلى قتال يزيد بن معاوية بإذنه، ولو خرجا بغير إذنه هلكا و ضلا، وهم المختارية الخلص و يدعون الكيسانية وهم يقولون بالتناسخ و يزعمون أن الإمامة جرت في علي ثم في الحسن ثم في الحسين ثم في ابن الحنفية و معنى ذلك أن روح الله صارت في النبي و روح النبي صارت في علي و روح علي صارت في الحسن (و هكذا روح كل إمام تحل في الذي بعده)... و يزعمون أن الصلاة في اليوم و الليلة خمس عشرة صلوة كل صلوة سيع عشرة ركعة و كلهم لا يصلون!
      و زعم صنف منهم أنهم ( أي الأئمة ) أربعة أسباط بهم يسقى الخلق الغيث و يقاتل العدو و تظهر الحجة و تموت الضلالة، من تبعهم لحق و من تأخر عنهم محق، و إليهم المرجع و هم كسفينة نوح من دخلها صدق و نجا و من تأخر عنها غرق.. ][235][3]
     
      و الفرق القائلة بإمامة محمد بن الحنفية كثيرة و صارت طوائف عديدة لكل طائفة مقالة، فصل الأشعري في ذكرها نختصر منها ما يلي:
      [ منها طائفة قالت بإمامة عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي الشامي بعد أبي هاشم بن محمد بن الحنفية و قالت بالغلو والتناسخ، و فرقة قالت أن محمد بن الحنفية حي لم يمت بل غاب عن الأنظار و هو مقيم في جبال رضوى بين مكة و المدينة.. و أنه سيرجع و يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما و جورا، وجماعة منهم قالوا بالرجعة إلخ..
      و جماعة صاروا من أصحاب أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع الأسدي و زعموا أنه لا بد من رسولين في كل عصر و لا تخلو الأرض منهما: واحد ناطق و آخر صامت، فكان محمد صلى الله عليه وآله ناطقا و علي صامتا، وتأولوا في ذلك قول الله: ثم أرسلنا رسلنا تترى، ثم ارتفعوا عن هذه المقالة إلى أن قال بعضهم هما آلهة، ثم إنهم افترقوا لما بلغهم أن جعفر بن محمد عليه السلام لعنهم ولعن أبا الخطاب و برئ منه و منهم، فصاروا أربع فرق، فرقة منهم قالت أن جعفر بن محمد هو الله و أن أبا الخطاب نبي مرسل أرسله جعفر و أمر بطاعته! وأباحوا المحارم كلها من الزنا و اللواط والسرقة و شرب الخمور... و من أتباع أبي الخطاب سموا المخمسة لأنهم زعموا أن الله عز و جل هو محمد و أنه ظهر في خمسة أشباح و خمس صور مختلفة أي ظهر في صورة محمد و علي و فاطمة  والحسن و الحسين، و زعموا أن أربعة من هذه الخمسة تلتبس لا حقيقة لها والمعنى شخص محمد و صورته لأنه أول شخص ظهر و أول ناطق نطق، لم يزل بين خلقه موجودا بذاته يتكوَّن في أي صورة شاء، يظهر لخلقه في صور شتى من صورة الذكران و الإناث و الشيوخ و الشباب إلخ... و زعموا أن محمدا ( أي تلك الحقيقة المحمدية الإلهية التي كانت أول شخص ظهر و أول ناطق نطق!) كان آدم و نوح و إبراهيم و موسى و عيسى، لم يزل ظاهرا في العرب و العجم، وكما أنه في العرب ظهر كذلك هو في العجم ظاهر في صورة غير صورته في العرب، في صورة الأكاسرة و الملوك الذين ملكوا الدنيا و إنما معناهم محمد لا غيره تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. و أنه كان يظهر نفسه لخلقه في كل الأدوار والدهور، و أنه تراءى لهم بالنورانية فدعاهم إلى الإقرار بوحدانيته، فأنكروه، فتراءى لهم من باب النبوة و الرسالة فأنكروه، فتراءى لهم من باب الإمامة فقبلوه، فظاهر الله عزوجل عندهم الإمامة و باطنه الله الذي معناه محمد... و له باب هو سلمان...[236][4] ( إلى آخر خرافاتهم ) ]. ثم قالا:

(فرق الشيعة بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام)         

      [ و أما الشيعة العلوية الذين قالوا بفرض الإمامة لعلي بن أبي طالب من الله و رسوله، فإنهم ثبتوا على إمامته ثم إمامة الحسن ابنه من بعده، ثم إمامة الحسين من بعد الحسن، ثم افترقوا بعد قتل الحسين رحمة الله عليه فرقا:
      فنزلت فرقة منهم إلى القول بإمامة ابنه علي بن الحسين يسمَّى بسيد العابدين، و كان يكنَّى بأبي محمد و يكنَّى بأبي بكر و هي كنيته الغالبة عليه، فلم تزل مقيمة على إمامته حتى توفي رحمة الله عليه.
      و فرقة قالت: انقطعت الإمامة بعد الحسين، إنما كانوا ثلاثة أئمة (أي علي و الحسن و الحسين) مسمين بأسمائهم استخلفهم رسول الله صلى الله عليه وآله و أوصى إليهم و جعلهم حججا على الناس و قواما بعده واحدا بعد واحد، فقاموا بواجب الدين و بينوه للناس حتى استغنوا عن الإمام بما أوصلوا إليهم من علوم رسول الله، فلا يثبتون إمامة لأحد بعدهم و ثبتوا رجعتهم لا لتعليم الناس أمور دينهم  و لكن لطلب الثأر و قتل أعدائهم و المتوثبين عليهم الآخذين حقوقهم وهذا معنى خروج المهدي عندهم و قيام القائم.
      و فرقة قالت: إن الإمامة صارت بعد مضي الحسين في ولد الحسن والحسين في جميعهم، فهي فيهم خاصة دون سائرهم من ولد علي، و هم كلهم فيها شرع سواء لا يعلمون أيا من أي، فمن قام منهم و دعا إلى نفسه و جرد سيفه فهو الإمام المفروض الطاعة بمنزلة عليّ بن أبي طالب موجوبة إمامته من الله على أهل بيته و سائر الناس كلهم، و إن كانت دعوته و خطبه للرضا من آل محمد عليه الصلاة والسلام فهو الإمام، فمن تخلف عنه عند قيامه و دعائه إلى نفسه من جميع أهل بيته و جميع الخلق فهو كافر، و من ادعى منهم الإمامة و هو قاعد في بيته مرخى عليه ستره فهو كافر مشرك ضال هو و كل من اتبعه على ذلك و كل من قال بإمامته و دان بها، و هؤلاء فرقة من فرق الزيدية يسمون السرحوبية ويسمون الجارودية، و هم أصحاب أبي الجارود زياد بن المنذر و إليه نسبت الجارودية، وأصحاب أبي خالد يزيد بن أبي خالد الواسطي...] .
      و ذكرا من الزيدية فرقا مختلفة في أقوالها: كالصباحية و اليعقوبية و العجلية و البترية و المغيرية.. إلخ. ثم قالا:

 (فرق الشيعة بعد وفاة الإمام السجاد عليه السلام)

      [ و أما الذين أثبتوا الإمامة لعلي بن أبي طالب ثم للحسن ابنه ثم للحسين ثم لعلي بن الحسين، فإنهم نزلوا بعد وفاة علي بن الحسين إلى القول بإمامة أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين باقر العلم و أقاموا على إمامته إلى أن توفي رضوان الله عليه إلا نفرا يسيرا، فإنهم سمعوا رجلا منهم يُقَال له عمر بن الرياح زعم أنه سأل أبا جعفر عن مسألة فأجابه عليها بجواب ثم عاد إليه في عام آخر فزعم أنه سأله تلك المسألة بعينها فأجابه فيها بخلاف الجواب الأول، فقال لأبي جعفر: هذا خلاف ما أجبتني فيه في هذه المسألة عامك الماضي!، فذكر أنه قال له: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية، فشك في أمره و رجع عن إمامته و قال لا يكون إماما من يفتي بالباطل على شيء من الوجوه و لا في حال من الأحوال.. فمال بسببه إلى قول البترية و مال معه نفر يسير [237][1] .

(فرق الشيعة بعد وفاة الإمام محمد الباقر عليه السلام)

      و بقي سائر أصحاب أبي جعفر محمد بن علي الباقر على القول بإمامته حتى توفي سنة 114 هـ، فلما توفي افترقت فرقته فرقتين: 1ـ فرقة منها قالت بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب الخارج بالمدينة المقتول بها، و زعموا أنه القائم المهدي و أنه الإمام، و أنكروا قتله وموته، و قالوا هو حي لم يمت مقيم في جبل يقال له العلمية، و هو الجبل الذي في طريق مكة نجد الحائر على يسار الطريق، فهو عندهم مقيم فيه حتى يخرج.
      2ـ و الفرقة الأخرى نزلت إلى القول بإمامة أبي عبد الله جعفر بن محمد فلم يزل يأتيه على إمامته أيام حياته، غير نفر منهم يسير، فإنهم لما أشار جعفر بن محمد إلى إمامة ابنه اسماعيل ثم مات اسماعيل في حياة أبيه رجع بعضهم عن إمامته و قالوا: كذبنا جعفر و لم يكن إماما، لأن الإمام لا يكذب و لا يقول ما لا يكون، و حكوا عن جعفر أنه قال: إن الله بدا له في إمامة اسماعيل فأنكروا البداء و المشية من الله، و قالوا هذا باطل لا يجوز و مالوا إلى مقالة البترية و مقالة سليمان بن جرير.
      و سليمان بن جرير هو الذي قال لأصحابه لهذا السبب: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما على كذب من أئمتهم أبدا وهما القول: بالبداء و إجازة التقية، فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون و الإخبار بما يكون في غد، فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوه، قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون ؟ فنحن نعلَّم من قِبَلِ الله ما عُلِّمَتْه الأنبياء، و إن لم يكن ذلك الشيء قالوا: بدا لله في ذلك فلم يُكَوِّنه! و أما التقيّة فلما كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم في الحلال و الحرام وغير ذلك من صنوف أبواب الدين، فأجابوهم فيها و حفظ عنهم شيعتهم جواب ما سألوه و كتبوه و دونوه، و لم يحفظ أئمتهم تلك الأجوبة لتقادم العهد وتفاوت الأوقات، لأن مسائلهم لم ترد في يوم واحد و لا في شهر واحد بل في سنين متباعدة و شهور متباينة.. فوقع في أيديهم في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة، فلما وقفوا على ذلك منهم ردوا إليهم هذا الاختلاف و التخليط في جواباتهم، و سألوهم عنه و أنكروه عليهم، فقالت أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية ولنا أن نجيب بما أجبنا و كيف شئنا لأن ذلك إلينا و نحن أعلم بما يصلحنا و ما فيه بقاؤنا و بقاؤكم و كف عدونا و عدوكم عنا و عنكم [238][2] ، فمتى يظهر من هؤلاء على كذب ؟ و متى يعرف حق من باطل ؟ فمال إلى سليمان بن جرير لهذا القول جماعة من أصحاب جعفر و تركوا القول بإمامة جعفر.

(فرق الشيعة بعد وفاة الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام)

      فلما توفي أبو عبد الله جعفر بن محمد افترقت بعده شيعته ست فرق:
      1ـ ففرقة منها قالت إن جعفر بن محمد حي لم يمت و لا يموت حتى يظهر و يلي أمر الناس، و هو القائم المهدي، و زعموا أنهم رووا عنه أنه قال: إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه فإني أنا صاحبكم! و هذه الفرقة تسمى الناووسية لرئيس كان لهم من أهل البصرة يقال له فلان بن الناووس.
      2ـ و فرقة زعمت أن الإمام بعد جعفر ابنه اسماعيل بن جعفر، و أنكرت موت اسماعيل في حياة أبيه، و قالوا كان ذلك على جهة التلبيس على الناس لأنه خاف فغيَّبَه عنهم، و زعموا أن اسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض و يقوم بأمر الناس، و أنه هو القائم لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده و قلدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبهم، و الإمام لا يقول إلا الحق، فلما أظهر موته علمنا أنه قد صدق و أنه القائم لم يمت، و هذه الفرقة هم الاسماعيلية الخالصة، و أم اسماعيل و عبد الله ابني جعفر فاطمة بنت الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب.
      3ـ و فرقة ثالثة زعمت أن الإمام بعد جعفر، محمد بن اسماعيل بن جعفر، و أمه أم ولد و قالوا أن الأمر كان لاسماعيل في حياة أبيه فلما توفي قبل أبيه جعل جعفر بن محمد الأمر لمحمد بن اسماعيل و كان الحق له، و لا يجوز غير ذلك لأنها لا تنتقل من أخ إلى أخ بعد حسن و حسين، و لا تكون إلا في الأعقاب.
      أما الاسماعيلية الخالصة فهم الخطابية أصحاب أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع لعنه الله، و قد دخلت منهم فرقة في فرقة محمد بن اسماعيل و أقروا بموت اسماعيل في حياة أبيه و كانت الخطابية الرؤساء منهم قتلوا مع أبي الخطاب، و كانوا قد لزموا المسجد بالكوفة و أظهروا التعبد و كانوا يدعون إلى أمرهم سرا فبلغ خبرهم عيسى بن موسى عامل أبي جعفر المنصور على الكوفة و أنهم قد أظهروا الإباحات و دعوا الناس إلى نبوّة أبي الخطاب، فبعث إليهم رجلا من أصحابه في خيل و رجالة ليأخذهم و يأتيه بهم فامتنعوا عليه وحاربوه فقتلهم جميعا و كانوا سبعين رجلا و لم يفلت منهم إلا رجل واحد هو أبو خديجة سالم بن مكرم... و من القائلين بإمامة محمد بن اسماعيل فرقة عرفت بالقرامطة يقولون بسبعة من الأئمة: علي و الحسن و الحسين و علي بن الحسين ومحمد بن علي و جعفر بن محمد و محمد بن اسماعيل الذي هو الإمام القائم...
      4ـ و قالت الفرقة الرابعة من أصحاب جعفر بن محمد أن الإمام بعد جعفر بن محمد ابنه محمد، و أمه أم ولد يقال لها حميدة، كان هو و موسى واسحق بنو جعفر لأم واحدة، فجعل هؤلاء الإمامة في محمد بن جعفر و في ولده من بعده و هذه الفرقة تسمى السميطية نسبة لرئيس لهم كان يقال له يحيى بن أبي السميط.
      5ـ و الفرقة الخامسة منهم قالت الإمامة بعد جعفر في ابنه عبد الله بن جعفر، و ذلك أنه كان عند مضي جعفر أكبر أولاده سنا و جلس مجلس أبيه بعده، و ادعى الإمامة و وصية أبيه و اعتلوا في ذلك بأخبار رويت عن جعفر وعن أبيه أنهما قالا: الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا نصب، فمال إلى عبد الله وإمامته جل من قال بإمامة أبيه و أكابر أصحابه،إلا نفر يسير عرفوا الحق، وامتحنوا عبد الله بالمسائل في الحلال و الحرام و الصلاة و الزكاة و الحج فلم يجدوا عنده علما، وهذه الفرقة القائلة بإمامة عبد الله بن جعفر هم المسمون بالفطحية، سموا بذلك لأن عبد الله كان أفطح الرأس و قال بعضهم كان أفطح الرجلين.. و مال عند موت جعفر و القول بإمامة عبد الله عامة مشايخ الشيعة و فقهاؤها ولم يشكوا إلا أن الإمامة في عبد الله و في ولده من بعده.
      فلما مات عبد الله و لم يخلف ذكرا ارتاب القوم و اضطربوا و أنكروا ذلك فرجع عامة الفطحية، إلا القليل منهم، عن القول بإمامة عبد الله إلى القول بإمامة أخيه موسى بن جعفر. و شذت منهم فرقة بعد وفاة موسى بن جعفر فادعت أن لعبد الله ( الأفطح ) ابنا ولد له من جارية يقال له محمد، و أنه تحول بعد موت أبيه إلى خراسان فهو مقيم بها و أنه حي إلى اليوم و أنه الإمام بعد أبيه و هو القائم المنتظر.
      6ـ و قالت الفرقة السادسة أن الإمام موسى بن جعفر بعد أبيه و أنكروا إمامة عبد الله و خطَّؤوه في جلوسه مجلس أبيه و ادعائه الإمامة، و كان فيهم من وجوه أصحاب جعفر بن محمد مثل: هشام بن سالم الجواليقي، و عبد الله بن أبي يعفور، و عمر بن يزيد بياع السابري، و محمد بن النعمان أبي جعفر الأحول مؤمن الطاق، و عبيد بن زرارة بن أعين، و جميل بن دراج، و أبان بن تغلب، وهشام بن الحكم، و غيرهم من وجوه شيعته و أهل العلم منهم و الفقه و النظر، و هم الذين قالوا بإمامة موسى بن جعفر عند وفاة أبيه، إلى أن رجع إليهم عامة أصحاب جعفر عند وفاة عبد الله، فاجتمعوا جميعا على إمامة موسى، إلا نفرا منهم فإنهم ثبتوا على إمامة عبد الله، ثم إمامة موسى بعده و أجازوها في أخوين بعد أن لم يجز ذلك عندهم إلى أن مضى جعفر فيهم، مثل عبد الله بن بكير بن أعين، و عمار بن موسى الساباطي، و جماعة معهم، ثم إن جماعة من المؤتمّين بموسى بن جعفر اختلفوا في أمره و شكوا في إمامته عند حبسه في المرة الثانية التي مات فيها في حبس هارون الرشيد، فصاروا خمس فرق:

(فرق الشيعة بعد وفاة الإمام موسى الكاظم عليه السلام)

      1ـ فرقة منها زعمت أنه مات في حبس هارون، و كان محبوسا عند السندي بن شاهك، و إن يحيى بن خالد البرمكي سمه في رطب و عنب بعثه إليه فقتله، و أن الإمام بعد أبيه علي بن موسى الرضا، فسميت هذه الفرقة القطعية لأنها قطعت على وفاة موسى و إمامة علي بن موسى و لم تشك في أمرها و لا ارتابت، و أقرت بموت موسى و أنه أوصى إلى ابنه علي أشار إلى إمامته قبل حبسه و مرت على المنهاج الأول.
      2ـ و قالت الفرقة الثانية أن موسى بن جعفر لم يمت، و أنه حي لا يموت حتى يملك شرق الأرض و غربها و يملأها كلها عدلا كما ملئت جورا و أنه القائم المهدي، و زعموا أنه لما خاف على نفسه القتل خرج من الحبس نهارا و لم يره أحد و لم يعلم به، و أن السلطان و أصحابه ادعوا موته و موّهوا على الناس ولبّسوا عليهم برجل مات في الحبس فأخرجوه و دفنوه في مقابر قريش، في القبر الذي يدعى أنه قبر موسى بن جعفر، و كذبوا في ذلك، إنما غاب عن الناس واختفى. و رووا في ذلك روايات عن أبيه جعفر: أنه قال: " هو القائم المهدي فإن يدَهدَه رأسه من جبل فلا تصدقوا فإنه صاحبكم القائم ".
      3ـ و قالت فرقة أنه القائم و قد مات فلا تكون الإمامة لأحد من ولده ولا لغيرهم حتى يرجع فيقوم و يظهر، و زعموا أنه قد رجع بعد موته إلا إنه مختف في موضع من المواضع يعرفونه يأمر و ينهى و أن من يوثَّق من أصحابه يَلقونَه و يَرونه.
      4ـ و قالت فرقة منهم لا يُدْرَى أحي هو أم ميت ؟ لأنا قد روينا فيه أخبارا كثيرة تدل على أنه القائم المهدي فلا يجوز تكذيبها، و قد ورد علينا من خبر وفاته مثل الذي ورد علينا من خبر وفاة أبيه و جده و الماضين من آبائه في معنى صحة الخبر، فهو أيضا مما لا يجوز رده و إنكاره.. فوقفنا عند ذلك على إطلاق موته و عن الإقرار بحياته، و نحن مقيمون على إمامته لا نتجاوزها إلى غيره حتى يصح لنا أمره..
      5ـ و فرقة منهم يقال لها الهسموية أصحاب محمد بن بشير مولى بني أسد من أهل الكوفة، قالت إن موسى بن جعفر لم يمت و لم يحبس، و أنه غاب واستتر، و هو القائم المهدي، و أنه في وقت غيبته استخلف على الأمة محمد بن بشير و جعله وصيه و أعطاه خاتمه و علمه جميع ما يحتاج إليه رعيته... فهو الإمام، و زعموا أن علي بن موسى و كل من ادعى الإمامة من ولده و ولد موسى بن جعفر فمبطلين كاذبين، غير طيبي الولادة و نفوهم عن أنسابهم، وكفروهم لدعواهم الإمامة و كفروا القائلين بإمامتهم... و قالوا بإباحة المحارم وبالتناسخ و مذاهبهم في التفويض مذاهب الغلاة المفرطة.. و عرفوا أيضا بالواقفة.

(فرق الشيعة بعد وفاة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام)

      ثم إن أصحاب علي بن موسى الرضا اختلفوا بعد وفاته فصاروا خمس فرق:
      1ـ  فرقة قالت الإمام بعد علي بن موسى ابنه محمد بن علي و لم يكن له غيره، و كان متزوجا من ابنة المأمون، و اتبعوا الوصية و المنهاج الأول من لدن النبي صلى الله عليه وآله.
      2ـ و فرقة قالت بإمامة أحمد بن موسى بن جعفر، قطعوا عليه و ادعوا أن الرضا أوصى إليه و إلى الرضا، و أجازوها في أخوين و مالوا في مذاهبهم إلى شبيه بمذاهب الفطحية أصحاب عبد الله بن جعفر.
      3ـ و فرقة تسمى المؤلفة من الشيعة قد كانوا نصروا الحق و قطعوا على إمامة علي بن موسى بعد وقوفهم على موسى و إنكار موته فصدقوا بموته و قالوا بإمامة الرضا. فلما توفي رجعوا إلى القول بالوقف على موسى بن جعفر.
      4ـ و فرقة تسمى المحدثة كانوا من أهل الإرجاء و أصحاب الحديث من العامة، فدخلوا في القول بإمامة موسى بن جعفر، و بعده لعلي بن موسى وصاروا شيعة رغبة في الدنيا و تصنعا، فلما توفي علي بن موسى رجعوا إلى ما كانوا عليه من الإرجاء.
      5ـ و فرقة كانت من الزيدية الأقوياء منهم و البصراء لزيد فرجعوا عن مقالتهم و دخلوا في القول بإمامة علي بن موسى عندما أظهر المأمون فضله و عقد على الناس بيعته، تصنعا للدنيا، و استكالوا الناس بذلك عصرا، فلما مضى علي بن موسى رجعوا إلى قومهم من الزيدية.
      و كان سبب الفرقتين اللتين ائتمَّت إحداهما بأحمد بن موسى و رجعت الأخرى إلى القول بالوقف، أن أبا الحسن الرضا توفي و ابنه محمد ابن سبع سنين، فاستصبوه و استصغروه و قالوا: لا يجوز أن يكون الإمام إلا بالغا...
       أما الذين قالوا بإمامة أبي جعفر محمد بن علي بن موسى فاختلفوا في كيفية علمه و كيف وَجْهُ ذلك لحداثة سنِّهِ ضروبا من الاختلاف، فقال بعضهم لبعض الإمام لا يكون إلا عالما و أبو جعفر غير بالغ و أبوه قد توفي فكيف علم ومن أين علم ؟ ( و ذكر المصنفان آراءهم المتعددة في هذا الأمر).  

(فرق الشيعة بعد وفاة الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام)   

      ثم نزل أصحاب محمد بن علي الذين ثبتوا على إمامته إلى القول بإمامة ابنه و وصيه علي بن محمد فلم يزالوا على ذلك إلا نفر منهم يسير عدلوا عنه إلى القول بإمامة أخيه موسى بن محمد ( المبرقع ) ثم لم يثبتوا على ذلك قليلا حتى رجعوا إلى إمامة علي بن محمد و رفضوا إمامة موسى، لأن موسى كذبهم و تبرأ منهم.. فلم يزالوا كذلك حتى توفي علي بن محمد بسُرَّ مَن رأى...
      و قد شذت فرقة من القائلين بإمامة علي بن محمد في حياته فقالت بنبوة رجل يقال له محمد بن نصير النميري كان يدعي أنه نبي رسول، و أن علي بن محمد العسكري أرسله و كان يقول بالتناسخ، و يغلو في أبي الحسن ( أي الإمام علي بن محمد الهادي ) ويقول فيه بالربوبية و يقول بالإباحة للمحارم و يحلل نكاح الرجال بعضهم بعضا في أدبارهم، و يزعم أن ذلك من التواضع و الإخبات و التذلل في المفعول به! (و غير ذلك من أقوالهم القبيحة)...فسميت هذه الفرقة النميرية.

(فرق الشيعة بعد وفاة الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام)  

      فلما توفي علي بن محمد بن علي بن موسى قالت فرقة من أصحابه بإمامة ابنه محمد، و كان قد توفي في حياة أبيه بسر من رأى، زعموا أنه حي لم يمت، واعتلوا في ذلك بأن أباه أشار إليه و أعلمهم أنه الإمام بعده، و الإمام لا يجوز عليه الكذب و لا يجوز البداء فيه، و إن ظهرت وفاته في حياة أبيه فإنه لم يمت في الحقيقة و لكن أباه خاف عليه فغيبه، و هو المهدي القائم، و قالوا فيه بمثل مقالة أصحاب إسماعيل بن جعفر.
      و قال سائر أصحاب علي بن محمد بإمامة ابنه الحسن بن علي ( أي العسكري )، و ثبَّتوا له الإمامة بوصية أبيه إليه، إلا نفرا قليلا فإنهم مالوا إلى أخيه جعفر بن علي...

(فرق الشيعة بعد وفاة الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام)      

      فلما توفي الحسن بن علي اختلف أصحابه من بعده و افترقوا إلى خمس عشرة فرقة:
      1ـ ففرقة منها و هي المعروفة بالإمامية قالت لله في أرضه بعد مضي الحسن بن علي حجة على عباده و خليفة في بلاده قائم بأمره، من ولد الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا...
      2ـ و قالت الفرقة الثانية أن الحسن بن علي حي لم يمت و إنما غاب و هو القائم و لا يجوز أن يموت الإمام و لا ولد له و لا خلف معروف ظاهر...
      3ـ و قالت الفرقة الثالثة أن الحسن بن علي مات و عاش بعد موته و هو القائم، و احتجوا برواية رووها عن جعفر بن محمد أنه قال: إنما سمي القائم قائما لأنه يقوم بعد أن يموت! و لأن الأرض لا تخلو من حجة ظاهرة.
      4ـ و قالت الفرقة الرابعة أن الحسن بن علي قد صحَّت وفاته كما صحت وفاة آبائه بتواطئ الأخبار التي لا يجوز تكذيب مثلها، و صح بمثل هذه الأسباب أنه لا خلف له، فلما صح عندنا الوجهان ثبت أن لا إمام بعد الحسن بن علي و أن الإمامة انقطعت، و ذلك جائز في المعقول و القياس، فكما جاز أن تنقطع النبوة بعد محمد فلا يكون بعده شيء، كذلك جاز أن تنقطع الإمامة.
      5ـ و قالت الفرقة الخامسة أن الحسن بن علي قد مات. و صح موته ولا خلف له و انقطعت الإمامة إلى وقت يبعث الله فيه قائما من آل محمد ممن قد مضى، إن شاء بعث الحسن بن علي و إن شاء بعث غيره من آبائه.
      6ـ و قالت الفرقة السادسة أن الحسن و جعفر ( الكذاب ) لم يكونا إمامين، فإن الإمام كان محمد الميت في حياة أبيه، إذ قد ثبتت إشارة أبيه إليه بالإمامة، و أن أباهما لم يوص لواحد  منهما و لا أشار له بإمامة، و ادعى بعضهم أنه (أي محمد بن علي) حي لم يمت و أن أباه غيبه و ستره خوفا عليه، (و قالوا :) و إن بطلت إمامة محمد كما بطلت إمامة الحسن و جعفر، بطلت إمامة أبيهم أبي الحسن و إمامة الأئمة الماضين من آبائه ؛ و هذا لا يجوز فذلك لا يكون.
      7ـ و قالت الفرقة السابعة أن الحسن بن علي توفي و لا عقب له و الإمام بعده جعفر بن علي أخوه، و ذهبوا في ذلك إلى بعض مذاهب الفطحية في عبد الله و موسى ابني جعفر.
      8 ـ و قالت الفرقة الثامنة أن الإمام جعفر بن علي و أن إمامته أفضت إليه من قبل أبيه علي بن محمد و أن القول بإمامة الحسن كان غلطاً و خطأً وجب الرجوع عنه إلى إمامة جعفر.
      9ـ و قالت الفرقة التاسعة بمثل مقالة الفطحية الفقهاء منهم و أهل النظر أن الحسن بن علي توفي و هو إمام بوصية أبيه إليه، و أن الإمامة لا تكون إلا في الأكبر من ولد الإمام، ممن بقي منهم بعد أبيه فالإمام بعد الحسن بن علي: جعفر أخوه، لا يجوز غيره إذ لا ولد للحسن معروف و لا أخ إلا جعفر في وصية أبيه، كما أوصى جعفر بن محمد ( أي الصادق ) إلى عبد الله لمكان الأكبر ثم جعلها من بعد عبد الله لموسى أخيه.
      10ـ و قالت الفرقة العاشرة أن الإمام كان محمد بن علي بإشارة أبيه إليه و نصبه له إماما، ثم بدا لله في قبضه إليه في حياة أبيه و أوصى محمد إلى جعفر أخيه بأمر أبيه و وصاه و دفع الوصية و العلوم و السلاح إلى غلام له يقال له نفيس لما كان في خدمة أبي الحسن، و هذه الفرقة تسمى نفيسية.
      11ـ و قالت  الفرقة الحادية عشرة أن الحسن بن علي قد توفي و هو إمام و خلف ابنا بالغا يقال له محمد، و هو الإمام من بعده و أن الحسن بن علي أشار إليه و دل عليه و أمره بالاستتار في حياته مخافة عليه، فهو مستتر خائف في تقيَّةٍ من عمه جعفر، و أنه قد عرف في حياة أبيه  ولا ولد للحسن بن علي غيره، فهو الإمام و هو القائم لا محالة.
      12ـ و قالت الفرقة الثانية عشرة بمثل هذه المقالة في إمامة الحسن بن علي و أن له خلفا ذكرا يقال له علي، و كذّبوا القائلين بمحمد، و زعموا أنه لا ولد للحسن غير علي.
      13ـ و قالت الفرقة الثالثة عشرة أن للحسن بن علي ولدا ولد بعده بثمانية أشهر و أنه مستتر لا يعرف اسمه و لا مكانه، و اعتلوا في تجويز ذلك بحديث يروى عن أبي الحسن الرضا أنه قال: ستبتلون بالجنين في بطن أمه والرضيع!
      14ـ و قالت الفرقة الرابعة عشرة لا ولد للحسن بن علي أصلا لأنا تبحرنا ذلك بكل وجه و فتشنا عنه سرا و علانية، و بحثنا عن خبره في حياة الحسن بكل سبب فلم نجده، و لو جاز أن يقال في مثل الحسن بن علي و قد توفي و لا ولد له ظاهر معروف، أن له ولدا مستورا، لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت من غير خلف و لجاز مثل ذلك في النبي صلوات الله عليه أن يقال خلف ابنا رسولا نبيا، و لجاز أن تدعي الفطحية أن لعبد الله بن جعفر ولدا ذكرا إماما!
      15ـ و قالت الفرقة الخامسة عشرة نحن لا ندري ما نقول في ذلك و قد اشتبه  علينا الأمر فلسنا نعلم أن للحسن بن علي ولدا أم لا ؟ أم الإمامة صحت لجعفر أم لمحمد ؟ و قد كثر الاختلاف. إلا أننا نقول أن الحسن بن علي كان إماما مفترض الطاعة ثابت الإمامة، و قد توفي عليه السلام و صحت وفاته، و الأرض لا تخلو من حجة، فنحن نتوقف و لا نقدم على القول بإمامة أحد بعده، و لا ننكر إمامة أبي محمد و لا موته، ولا نقول أنه رجع بعد موته و لا نقطع على إمامة أحد من ولد غيره، و لا ننتميه حتى يظهر الله الأمر إذا شاء و يكشف و يبينه لنا.]
 
      تلك كانت أهم فرق الشيعة نقلناها حرفيا مما أروده اثنان من كبار محدثي و علماء الإمامية الموثوقين القدماء الذين عاصرا عديدا من هذه الفرق أو كانا قريبي العهد بها، فالأشعري القمي توفي سنة 301 هـ وأدرك اثنين أو ثلاث من الأئمة الاثني عشر، و كذلك النوبختي المتوفى فيما بين 300 و310 هـ..
      فلو كان لتلك الأحاديث النبوية المدعاة، التي فيها النص، بتلك الصراحة والوضوح، على أسماء الأئمة الاثني عشر، حقيقةٌ و واقعٌ ؛ فهل كان من الممكن أن تنشأ كل تلك الفرق المتعددة و النحل المختلفة في أوساط الشيعة أنفسهم و بين محبي أهل البيت بل فيما بين أتباع الأئمة المخلصين وتلاميذهم الأوفياء أنفسهم ؟! و لوكان هناك حقا نص من الرسول (صلىالله عليه وآله) على أئمة معينين بأشخاصهم أفلم يكن من الواجب عليه (صلىالله عليه وآله) أن يبلغ ذلك الأمر لجميع الأمة بحيث يرفع العذر و ينتشر الخبر ولا تبقى أي شبهة في الأمر، حتى لا تنشأ كل هذه الفرق المختلفة حول قضية الإمامة ؟ إن وجود كل هذه الفرق والاختلافات حول من هو الإمام لأكبر دليل على أنه لم يكن هناك شيء اسمه أئمة منصوص عليهم و معينين من قبل الله تعالى ورسوله  (صلىالله عليه وآله) و أن الفكرة مختلقة من أساسها، إذا لو صح صدور مثل تلك النصوص لعلم بذلك سائر أهل البيت و خاصّةُ شيعتِهِمْ، و لما حصلت كل تلك الانشقاقات و الاختلافات وتبدل الرأي في كل آن حول تعيين الإمام.  

تعـقيب و تلخيص و حسن الختام

      1 ـ نأمل أن يكون قد صار مسلما و واضحا للباحثين عن الحقيقة وطلاب الحق المتجردين، أن قضية "الإمامة" على النحو الذي تبلور وشاع  عندنا، ليس له سند صحيح و لم يفد أمة الإسلام إلا الاختلاف و النزاع و العداوة والتفرق والحروب، في حين أننا لو رجعنا إلى العقل والشرع و استرشدناهما بتجرد في هذا الموضوع، لوجدناه على غير تلك الصورة التي راجت و شاعت فيما بيننا، و أن لو طبقت كما شرعه الشارع المقدس و وضع أسسه، لكان موجبا للفوز والنجاح و الفلاح للمسلمين.
      2 ـ لا أساس و لا صحة لقضية نص الله تعالى و رسوله  (صلىالله عليه وآله) على أحد معين لأمر الخلافة و الحكم سواء كان أبا بكر أو علي، لأن العقل و الشرع يتنافيان مع النص، و لأن الوجدان و التاريخ لا يشهدان بوجوده كما مر مفصلا.
      3 ـ أفضلية الإمام علي عليه السلام و أحقيته و أولويته بالخلافة بعد رسول الله r  أمر لا يخفى على أي مطلع منصف، و لحسن الحظ أن كثيرا من غير الشيعة أيضا يقرون بذلك، و نحن نعتقد أنه لو كان لعلي نفسه إربة شديدة فيها و إصرار على توليها بنفسه و حضر في سقيفة بني ساعدة و طالب بها لما خالفه أحد من أصحاب رسول الله بل لوافقوه عليها من كل قلبهم، و لكنه عليه السلام لم يكن مصرا عليها و كان يقول، كما أثر عنه في مناجاته: [ اللهم إنك لتعلم أنه لم يكن الذي كان منَّا منافسة في سلطان و لا التماس شيء من فضول الحطام و لكن لنردَّ المعالم من دينك و نظهر الإصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك و تُقَام المعطلة من حدودك..]، لذا لما رأى و شاهد أن هذا الهدف يتحقق بواسطة الخليفتين أبي بكر و عمر (رضي الله عنهما) بايعهما بكل رغبة و صدق و دون أي إجبار أو إكراه و أعانهما في تنفيذ أحكام شرع الله، و إن كان هو أولى بمقامهما منهما.
      4 ـ الأحاديث الكثيرة الصحيحة الواردة عن رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) في فضائل و مناقب علي عليه السلام إنما تدل على إمامته الروحية و العلمية للمسلمين و أنه أفضل من يبين حقائق الدين و أحكام الإسلام و هذا أمر تتفق عليه و لله الحمد جميع فرق المسلمين و لا ينازع أو يجادل فيه أحد، فعليٌّ عند الجميع إمام المسلمين و نبراس المتقين بحق.
      5 ـ لا يجوز الطعن في أصحاب رسول الله ـ الذين مدحهم الله تعالى في أكثر من مائة آية من آيات ذكره الحكيم ـ  أو الحط عليهم لانتخابهم أبي بكر وعدم توليتهم علي مباشرة بعد النبي (صلىالله عليه وآله وسلم)، و الاعتقاد بأحاديث مثل ارتد الناس بعد النبي إلا ثلاثة يعتبر تكذيباً للقرآن و رداً لآياته يجعل صاحبه على حافة الكفر و العياذ بالله.
      6 ـ الأحاديث التي جاءت في كتب الشيعة أو كتب السنة حول نص النبي الصريح على أئمة معينين لولاية أمر المسلمين، كلها أحاديث موضوعة من وضع الغلاة و أصحاب الأهواء، و نابعة من التعصب المذهبي، و بالتالي فلا ينبغي الاعتناء بها و لا التعويل عليها، كما بينا ذلك بقدر المستطاع في هذا الكتاب، و لا شك في إمامة الأئمة من آل الرسول (صلىالله عليه وآله وسلم) للمسلمين، بمعنى مرجعيتهم الفقهية و الإرشادية و ينبغي على كل المسلمين أن يرجعوا إليهم وينهلوا من ذخائر علمهم و فقههم، قبل أي أحد آخر إذا أرادوا فهم معالم دينهم وأحكام شرعهم، فأهل البيت أدرى بما فيه.   و لا شك أن سائر أئمة المسلمين كمالك والشافعي و أبي حنيفة و غيرهم .. لم يأبوا أن ينهلوا من علوم الأئمة من آل الرسول و يتتلمذوا عليهم قليلا أو كثيرا و يستفيدوا من جواهر حديثهم.
      7 ـ المغالاة و الإغراق في تقديس و تعظيم الأئمة من آل الرسول أو أي أشخاص آخرين في أي مذهب، يتنافى مع حقيقة الدين القائمة على التوحيد الخالص، و كثير من الأعمال التي يقوم بها الناس باسم احترام وتعظيم أولئك الأشخاص، أعمالٌ تتنافى مع أحكام الشرع، و ذلك كالمبالغة في تعظيم قبورهم والطواف حولها و دعاء أصحابها و التوسل و الاستغاثة والاستنجاد بهم و نذر النذورات و الموقوفات لهم، و هذا كله مما يؤدي لشغل الناس عن كثير من الفرائض، كما قال أمير المؤمنين: [ ما أُحْدِثَت بدعة إلا تُرِكَت بها سنة! فاتقوا البدع و الزموا المهيع!] [239][3]، كما يشهد لذلك واقعنا الحالي.
      8 ـ صارت كثير من أحكام الإسلام و تعاليمه المقدسة مثل التوحيد الخالص و وحدة كلمة المسلمين و اجتماعهم و إقامة الجمعة و الجهاد والسعي لرفع راية الإسلام و إقامة حكمه و تطبيق حدود و أحكام الله ، متروكة منسية لدى الكثير من عوام المسلمين بل من بعض خواصهم، وأحد أسباب ذلك، الانشغال بالخرافات والعداوات المذهبية، التي حان وقت أن يقوم جماعة مخلصون مضحُّون بالقضاء عليها و العمل على نشر الأحكام الإلهية الحقة مما قمنا ببيان بعضه بفضل معونة الله تعالى في هذه الأوراق و في غيرها من كتبنا.
      9 ـ يجب تطهير و تنقية الكثير من كتب فرق المسلمين التي ملئت بالخرافات و الغلو المذهبي و الأمور التي تثير العداوة و البغضاء و تولد الحقد والشحناء في صدور المسلمين على بعضهم البعض، كما يجب نبذ علماء السوء الذين يروجون تلك الأقاويل و يلقنونها للناس.
      10 ـ و أخيرا فينبغي لطلاب الحقيقة و محبي الحق أن يقوموا بنشر و تكثير مثل هذه المؤلفات و الآثار التي وفقنا الله تعالى و وفق أمثالنا من إخواننا العلماء المحققين لكتابتها و طرحها، و أن يقوم آخرون كذلك من العلماء ذوي النظر البعيد و الهمة العالية بالتحقيق و نشر الحقائق كما فعلنا، لعل الله تعالى يعيد للإسلام مجده و للمسلمين عظمتهم و عزتهم و يعيد المياه بينهم إلى مجاريها و لا حول و لا قوة  إلا بالله العليّ  العظيم.
      بزودي نه دير آرد اين نخل بار       اكر يار باشد جهان كردكار
أي:
      عن قريب سيثمر هذا النخل لا بعيد         إذا أعان الله رب العالمين
                                                                                                                 
حيدرعلي قلمداران ( هيربد)
و كان الفراغ من ترجمته و تهذيبه، للمرة الثانية، في الثامن و العشرين من شهر رجب الحرام سنة 1421 هـ. و الحمد لله رب العالمين. كتبه الفقير إلى رحمة الله و عفوه: سـعـد  رستم .
 
 

المراجع

       كتب التفسير

                                        1. التبيان في تفسير القرآن: الطوسي (شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن): طهران (طبعة حجرية)، 1365هـ.
                                        2. تفسير فرات بن إبراهيم: فرات بن إبراهيم الكوفي: النجف. أو طبعة طهران (بتحقيق محمد الكاظم )، 1410 هـ.
 

كتب الحديث و الأخبار

                                        1. إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات: الحر العاملي (محمد بن الحسن): طهران.
                                        2. الأخبار الموفقيات: أبو عبد الله الزبير بن عبد الله بن مصعببن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، تحقيق الدكتور سامي العاني، بغداد، مطبعة العاني، 1972 م.
                                        3. الاختصاص: الشيخ محمد النعمان المفيد:طهران، 1379 هـ.
                                        4. الإرشـاد: الشيخ محمد النعمان المفيد: بيروت: دار المفيد للطباعة و النشر و التوزيع.
                                        5. إرشاد القلوب: الديلمي (الشيخ أبو محمد الحسن بن أبي الحسن)
                                        6. الأصول من الكافي: الكليني (ثقة الإسلام أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحق ):طهران، 1388 هـ.  
                                        7. إكمال الدين و إتمام النعمة: الشيخ الصدوق (محمد بن علي بن بابويه القمي): طهران.
                                        8. بحار الأنوار: العلامة المجلسي: تبريز (طبعة حجرية).
                                        9. بصائر الدرجات: أبو جعفر محمد بن الحسن الصفار القمي. إيران.
                                       10.الخرائج: الراوندي.(؟)
                                       11.الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير: القاضي الحسين بن أحمد الصياغي الصنعاني، بيروت.
                                       12.صحيح الكافي: الشيخ محمد باقر البهبودي، الدار الإسلامية، بيروت، 1401هـ.
                                       13.الصحيفة السجادية: تنسب للإمام زين العابدين علي بن الحسين u.
                                       14.الطرائف (في معرفة مذاهب الطوائف): ابن طاوس (السيد رضي الدين بن أبو القاسم علي بن موسى لحلي).
                                       15.عيون أخبار الرضا: الشيخ الصدوق (محمد بن علي بن بابويه القمي): طهران  أو بيروت، 1404هـ.
                                       16.غاية المرام ( وحجة الخصام في تعيين الإمام ): السيد هاشم بن سليمان البحراني: طهران، 1272 هـ.
                                       17.الغيبة: الشيخ الطوسي (أبو جعفر محمد بن الحسن): تبريز، 1323 هـ.  أو قم، 1411 هـ.
                                       18.كشف المحجة ( لثمرة المهجة ): ابن طاوس.
                                       19.كفاية الأثر (في النص على الأئمة الاثني عشر): علي بن محمد الخزاز القمي.
                                       20.مرآة العقول (في شرح أخبار آل الرسول): العلامة المجلسي (شيخ الإسلام المولى محمد باقر ).طهران  1407 هـ.
                                       21.مسند الإمام زيد بن علي:  بيروت: دار الحياة.
                                       22.نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب u.
                                       23.الوافي: الملا محسن الفيض الكاشاني.
                                       24.وسائل الشيعة في تحصيل مسائل الشريعة: الشيخ الحر العاملي. بيروت.
 

كتب الرجال (الجرح و التعديل) و أصول الحديث

                                        1. إتقان المقال في أحوال الرجال: آية الله الشيخ محمد طه نجف.
                                        2. تنقيح المقال في أحوال الرجال: آية الله الشيخ عبد الله الممقاني.
                                        3. جامع الرواة: الأردبيلي (الفاضل محمد بن علي الغروي الحائري): بيروت، 1403هـ.
                                        4. خلاصة الأقوال في معرفة الرجال: العلامة الحلي (الحسن بن يوسف بن المطهر).
                                        5. الرجال: ابن داود ( الحسن الحلي ).
                                        6. الرجال: النجاشي ( الشيخ أحمد بن علي ) طهران. أو بيروت، 1408 هـ. بتحقيق محمد جواد النائيني.
                                        7. الرجال: الشيخ الطوسي (أبو جعفر محمد بن الحسن).
                                        8. رجال الكشي: الكشي (محمد بن عمر بن عبد العزيز): كربلاء.
                                        9. الفهرست: الشيخ الطوسي (أبو جعفر محمد بن الحسن).
                                       10.قاموس الرجال: العلامة الشيخ محمد تقي التستري. طهران.
                                       11.مجمع الرجال: الشيخ العلامة الملا عناية الله القهبائي. 
                                       12.معرفة الحديث: الشيخ محمد باقر البهبودي، مركز انتشارات علمي و فرهنكي، طهران.
                                       13.منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال: الميرزا محمد الاسترآبادي.
                                       14.نقد الرجال: التفرشي (السيد مير مصطفىبن الحسين الحسيني).
 

كتب التاريخ و السير و الطبقات

                                        1. الأخبار الطوال: أبو حنيفة الدينوري، تحقيق عبد المنعم عامر، و جمال الدين الشيال، بغداد.
                                        2. الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ابن عبد البر القرطبي.
                                        3. أسد الغابة في معرفة الصحابة: ابن الأثير الجزري.
                                        4. الإصابة في تمييز الصحابة: ابن حجر العسقلاني: القاهرة، 1328 هـ.
                                        5. إعلام الورى بأعلام الهدى: الطبرسي (أمين الإسلام الشيخ أبو علي الحسن بن علي) طهران.
                                        6. الإمامة و السياسة: ابن قتيبة الدينوري: القاهرة، بتحقيق طه محمد الزيني.
                                        7. أنساب الأشراف: البلاذري (أحمد بن يحيى).
                                        8. البداية و النهاية: ابن كثير (أبو الفداء اسماعيل): القاهرة، 1351 هـ.
                                        9. تاريخ ابن خلدون: مؤسسة الأعلمي للمطلوعات، بيروت، 1971 م.
                                       10.تاريخ الأمم و الملوك: الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير): القاهرة، 1357هـ.
                                       11.تاريخ اليعقوبي: اليعقوبي ( أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب): طهران 1375 هـ.
                                       12.التنبيه و الإشراف: المسعودي (علي بن الحسين بن علي المسعودي الهزلي).
                                       13.تهذيب تاريخ دمشق الكبير: الشيخ عبد القادر بدران: بيروت، 1399 هـ.
                                       14.السيرة النبوية: ابن كثير الدمشقي.
                                       15.السيرة النبوية: ابن هشام: القاهرة، بتحقيق السقا و الأبياري و الشلبي.
                                       16.الطبقات الكبرى: ابن سعد (محمد بن سعد كاتب الواقدي): ليدن، هولاندا.
                                       17.الغارات (أو الاستنفار و الغارات): الثقفي (أبو اسحق إبراهيم بن هلال الثقفي الكوفي): بيروت،  1407 هـ.حققه السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب.
                                       18.كتاب سليم بن قيس الكوفي: سليم بن قيس الهلالي العامري.
                                       19.مروج الذهب و معادن الجوهر: المسعودي (علي بن الحسين بن علي الهذلي):  1316 هـ.
                                       20.مقاتل الطالبيين: أبو الفرج الأصفهاني.
                                       21.منتهى الآمال: الشيخ عباس القمي، طهران.
                                       22.وفيات الأعيان: ابن خلكان: بيروت، بتحقيق د. إحسان عباس.
                                       23.وقعة صفين: أبو الفضل نصر بن مزاحم المنقري، تحقيق عبد السلام محمد هارون.
 

كتب الكلام و الجدل المذهبي و الملل و النحل:

                                        1. إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب: المسعودي (علي بن الحسين بن علي المسعودي الهذلي).
                                        2. الاحتجاج على أهل اللجاج: الطبرسي (أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب): طبعة النجف، 1386هـ. أو طبعة قم، 1413هـ. بتحقيق الشيخ ابراهيم البهادري و الشيخ محمد هادي به، بإشراف الشيخ جعفر السبحاني.
                                        3. تلخيص الشافي: الطوسي ( الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن )
                                        4. ختم نبوت (بالفارسية): الشيخ الشهيد مرتضى المطهري.
                                        5. الغدير في الكتاب و السنة و الأدب: عبد الحسين الأميني، دار الكتاب العربي، بيروت.
                                        6. فرق الشيعة: النوبختي (أبو محمد الحسن بن موسى)، صححه و علق عليه: السيد محمد صادق آل بحر  العلوم: النجف 1355هـ.
                                        7. مجالس المؤمنين: الشوشتري (القاضي نور الله المرعشي التستري الهندي) 
                                        8. المقالات و الفرق: سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي. صححه و علق عليه د. محمد جواد مشكور:طهران، 1963 م.
                                        9. نقض مثالب النواصب في نقض بعض فضائح الروافض: الشيخ عبد الجليل القزويني الرازي، انتشارات أنجمن آثار ملي.  
 

كتب اللغة

                                        1. التحقيق في كلمات القرآن الكريم: حسن المصطفوي، بنكاه ترجمة و نشر كتاب، طهران (الطبعة الأولى).
                                        2. لسان العرب: العلامة ابن منظور الأفريقي. 
 

فهرسـت المحتويات  

الاهداء
مقدمة المترجم ... 1
نبذة عن مؤلف الكتاب ...  2
ملاحظة ...  4

تقديم المرجع آية الله السيد أبو الفضل البرقعي  ...  5

تمهيد    .. 6
أسباب و بواعث تفرق الأمة الإسلامية ... 8
علة الاختلاف الأصلية ... 8
بحث عميق في قضية سقيفة بني ساعدة    ... 9
قصـة سـقيفة بـني سـاعـدة      ..  9
موقف بقية أصحاب رسول الله (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)   ...13 
كيفية مبايعة أمير المؤمنين علي لأبي بكر ... 13
بيعة أمير المؤمنين علي (ع) لأبي بكر كما يرويها ابن قتيبة ..  16
ما جاء في هذا الباب في كتب الشيعة  ...  17
نظرة إلى روايات ارتداد جل أصحاب الرسول (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم)  ...  19
الآيات التي نزلت في مدح أصحاب الرسول (صلّىاللّه عليه وآله وسلّم) ...  22
أي القولين نختار ؟        ..  26
سِـِيَرُ الصحابة أيضا مصدِّقة للآيات و مكذِّبة للروايات  ..  28
العقل منكرٌ للنص ...  30
إذن ما حقيقة قصة الغدير ؟ ..  33
هل أُريد بحديث الغدير النص على عليٍّ (ع) بالخلافة ؟  ..  34
علي إمام المسلمين بحق ..  36
شبهات المخالفين على الأدلة التي ذكرناها و الإجابة عليها: ..  38
شبهة آية يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك   ...  39
شبهة الاستدلال بالآيات التي تتكلم عن المنافقين .. 41
عودة لكتاب الاحتجاج و نقد رواياته         .. 43
قول محققي العلماء في سليم بن قيس الهلالي و كتابه .. 48
خلاصـة ما سبق        ... 49
تمحيص سند خطبة الغـديـر الطويلة ...  51 
ادعاء النص لم يرد في كلمات أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ذريته .. 53 
دراسة و تمحيص أحاديث النص على اثني عشر إمام     ... 56
الحديث الأول .. 56
الحديث الثاني .. 57
الحديث الثالث... 59
الحديث الرابع   ... 60
الحديث الخامس ... 60
الحديث السادس ...  61
الحديث السابع ..  63
الحديث الثامن ... 65
الحديث التاسع .. 67
الحديث العاشر  ... 68 
سِيَرُ الأئمة بحد ذاتها تكذِّب وجود أحاديث النص  .. 70
ثورات السادة العلويين دليل آخر على عدم وجود النص ...  72 
عدم إعلان الأئمة الاثني عشر للنص يكذب وجود أحاديث النص  ...  74
أصحاب الأئمة المقربين لم يكن لهم علم بمثل هذه النصوص! ..  75
الأئمة أنفسهم لم يكن لهم علم بأحاديث النص! ...  76 
افتراق الشيعة إلى فرق مختلفة عـقـب وفاة كل إمام يبين كذب واختلاق أحاديث النص ... 79
فرق الشيعة بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام ... 81
فرق الشيعة بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام .. 83 
فرق الشيعة بعد وفاة الإمام السجاد عليه السلام   ... 83
فرق الشيعة بعد وفاة الإمام محمد الباقر عليه السلام  ... 83
فرق الشيعة بعد وفاة الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام  .. 84
فرق الشيعة بعد وفاة الإمام موسى الكاظم عليه السلام .. 85
فرق الشيعة بعد وفاة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام .. 85
فرق الشيعة بعد وفاة الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام  .. 85
فرق الشيعة بعد وفاة الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام .. 86
فرق الشيعة بعد وفاة الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام .. 86
تعـقيب و تلخيص و حسن الختام  ... 87 
قائمة المراجع  ... 89
المحتويات ... 92


[1][1] مع ذلك ينبغي أن يُذكَر أن عددا من العلماء بل المراجع ( الإمامية ) المعاصرين ، يتملصون من هذه النتيجة اللازمة ، بمخارج كمثل أن الإمامة من أصول المذهب لا من أصول الدين أو بأنه ليس كل حامل لعقيدة كفر بكافر ، أو بأن المخالفين معذورون بالجهل و الاستضعاف و لا يكفر  إلا المعاند منهم ، و نحو ذلك من المخارج فيحكمون بإسلام  وإمكان نجاة غير الإمامية من المسلمين ، و هذا جهد مشكور منهم لتقريب القلوب و رأب الصدع و إن كان الأولى حل المسألة من جذورها كما فعل المؤلف (رحمه الله) (مت)

[2][2] تولى لفترة وجيزة رئاسة أول حكومة إسلامية مؤقتة عقب انتصار الثورة الإسلامية و الإطاحة بنظام الشاه الملكي في إيران في شهر فبراير من عام 1979 .

[3][1]  هذا التزويج منصوص عليه في الإرشاد للشيخ المفيد ، و وسائل الشيعة للحر العاملي ، و غيرهما . (مت)

[4][2] اقتباس من كتاب: آية الله الشيخ علي الطهراني، الصفحة 32 فما بعد، باختصار و تصرف يسير.

[5][1] رواه بهذا اللفظ الترمذي في جامعه الصحيح: كتاب الأمثال / باب رقم 3 ضمن حديث طويل و رواه بألفاظ متقاربة البخاري و مسلم في صحيحهما و أبو داوود في سننه و أحمد في مسنده. (مت)

[6][2] رواه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة /حديث رقم 35 و النسائي في سننه كتاب تحريم الدم / باب38، و الدارمي و أحمد في مسندهما و غيرهم.(مت)

[7][3] سيد الخزرج و صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها،كان سيدا جوادا يكتب العربية و يحسن العوم و الرمي و لأجل ذلك سمي الكامل و كان كثير الصدقات جدا، أسلم قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة و كان أحد نقباء العقبة، و شهد المشاهد كلها مع رسول الله عدا بدر.  رفض بيعة أبي بكر و خرج عن المدينة، قتل بحوران من أعمال دمشق في خلافة عمر سنة 14، أو 15 ، أو 16 هـ.  (مت)

[8][4] سيرة ابن هشام: ج 4 / ص 332 ( من طبعة محمد محيي الدين عبد الحميد ) أو الصفحة 654 من الطبعة التي حققها مصطفى السقا و الأبياري و الشلبي، و هي التي سأوثق منها دائما فيما بعد. (مت)

[9][5] أنظر مثلا كتاب: الطبقات الكبير ( الكبرى) للمؤرخ الشهير ابن سعد ( توفي سنة 230 هـ.) حيث روى بسنده نفس هذه الرواية ثم روى عدة روايات تؤدي نفس معناها بألفاظ مختلفة و من وجوه أخرى عن الشعبي  و عن زيد بن أسلم و عن فاطمة بنت الحسين: ج 2 /  القسم الثاني، ص 38، من طبعة ليدن (هولاندا). وكذلك انظر تاريخ الأمم و الملوك  للطبري:ج 2 / أحداث سنة إحدى عشرة.(مت)

[10][6] أنظر سيرة ابن هشام ج 4 / ص 656 ( القاهرة، بتحقيق السقا و الأبياري و الشلبي ) (مت).

[11][7] أنظر "الإمامة و السياسة " لابن قتيبة،ج 1 / الصفحة 12 ( القاهرة، بتحقيق الد.طه محمد الزيني) (مت)

[12][8] علاوة على تعارض هذه الرواية مع أخبار أخرى عديدة، فإن الإشكال الرئيس في هذه الرواية هو أن تحققها العملي بعيد جدا، ذلك أن عمر لم يكن يمتلك لاسلكي حتى يخبر أبو بكر بهذه السرعة بالخبر، كما لم يكن لدى أبي بكر طائرة مروحية (هليكوبتر) و لا سيارة سريعة لينطلق بها بسرعة من السنح إلى بيت رسول الله ليتأكد من رحلته، ثم من بيت الرسول إلى السقيفة!! بل من الطبيعي أن الوقت الذي يأخذه إرسال عمر لرجل إلى السنح ثم ذهاب أبي بكر ـ الرجل المسن ـ بعد سماعه الخبر، من السنح إلى المدينة ثم من المدينة إلى السقيفة، وقت طويل يتجاوز عدد من الساعات، لا سيما أنه لم يكن هناك طريق أوتوستراد بين السنح و المدينة!! و لا شك أنه لا يمكن للأنصار أن يكونوا قد جلسوا منتظرين في السقيفة واضعين يدا على يد كل هذه المدة بل لا بد أن يكونوا قد أجابوا على إنكار عمر وفاة رسول الله و استمروا في كلامهم و لكانت حادثة السقيفة اتخذت مجرى آخر تماما. (x)

[13][9] المنع هنا القصود به الدفاع عن رسول الله (ص) و كف أذى الأعداء عنه.(مت) 

[14][10] أعطى المقادة: خضع لحكم المسلمين و قيادتهم له.(مت)

[15][11] المرجع السابق، صفحة 12 ـ 13. (مت)

[16][12] الحد: أي كان في خلق عمر رضي الله عنه حدَّة ، كان يسترها عن أبي بكر رضي الله عنه. (مت)

[17][13] أوسط العرب نسبا: أشرفهم. (مت)

[18][14] و دارا: بلدا، و هي مكة لأنها أشرف البقاع. (مت)

[19][15] سيرة ابن هشام، ج 4 / ص 659.(مت)

[20][16] تاريخ اليعقوبي: ج 2/ ص 82 ( من طبعة عام 1375 هـ. )

[21][17] الإمامة و السياسة: ج 1 / ص 13. (مت)

[22][18] زارٍ  لهم:أي عائب عليهم و محقر لهم.(مت)

[23][19] افتات عليه: طغى على حقه و استأثر به.(مت)

[24][20] لنعيدنها جزعة: أي نعيد الحرب بيننا و بينكم قوية.(مت)

[25][21] عقُّك: مخالفتك لنا، عِقاقٌ: مرٌّ لأن العقاق هو المر.(مت)

[26][22] أخضب: الخضاب هو الحناء، و المراد حتى أسيل دمكم على سناني و رمحي.

[27][23] أي: وجدوه ناصحا لهم عاملا لخيرهم. (مت)

[28][24] أي: لا يصلي الجمعة معهم. (مت)

[29][25] الإمامة و السياسة: ج 1/ ص 14.

[30][26] حِلَق: جمع حلقة و تقال للقوم المجتمعين المستديرين في اجتماعهم كالحلقة، و شتى معناها متفرقين.(مت)

[31][27] الإمامة و السياسة: ج 1/ ص 17 و 18. (مت)

[32][1] تاريخ الأمم و الملوك:ج 2/ ص 447،حوادث 11 هـ (القاهرة، مطبعة الاستقامة  1357 هـ /1939م).(مت)

[33][2] المصدر السابق: ج 2 / ص 447 (مت).

[34][3] التنبيه و الإشراف: الصفحات 247 إلى 250.(مت)

[35][4] بياض في الأصل.

[36][5] البعض ينسب هذه الأشعار للفضل بن العباس و بعضهم ينسبها أيضا لعبد الله بن سفيان.

[37][6] هذا المصراع ذكر في كتاب الأخبار الموفقيات على النحو التالي: أليس أول من صلى لقبلتكم؟

[38][7] هذا البيت الأخير لم يُذكَر في كتاب الأخبار الموفقيات.

[39][8] جاء في "الأخبار الموفقيات" (ص 583) عند روايته لهذه الحادثة : ((فبعث إليه علي فنهاه و أمره أن لا يعود و قال: سلامة الدين أحب إلينا من غيره)) .

[40][9] بياض في الأصل

[41][10] تاريخ اليعقوبي: ج 2 / ص 82 ( من طبعة عام 1375 هـ.)

[42][11] كما نلاحظ، كان علي عليه السلام محبا للأنصار محاميا عنهم، و لهذا مغزاه الكبير الذي سنشير إليه فيما بعد. 

[43][12] المرجع السابق، الجزء الثاني، فصل أيام أبي بكر.(مت)

[44][13] نلاحظ أن حتى هؤلاء الأنصار النادمين على بيعتهم لأبي بكر و الراغبين بخلافة علي لم يشيروا أي إشارة إلى واقعة غدير خم، و هو ما سنبين مغزاه الكبير عن قريب.

[45][14] أي افعل فعلا يكون لك منه نصيب فأنت تبايعه اليوم ليبايعك غدا.(مت)

[46][15] أرى أن هذا القسم المنسوب لعلي  ـ في هذه الرواية التي يرويها ابن قتيبة ـ لا يصح و لعله من سهو الرواة أو تخليطاتهم. أولا: لأنه لم يرو أحد أن عليا لما بايع أبا بكر في النهاية، كفر عن يمينه، و ثانيا و هو الأهم: أن هناك روايات موثوقة متعددة تؤكد أنه كان هناك عهد من علي )ع) للرسول (ص) على أنه في حال حصول نزاع حول إمارة المسلمين أن يرضى علي و يبايع من رضيه أكثرية المسلمين و بايعوه. من ذلك ما ورد عن علي (ع) أن قال متحدثا عن بيعته لأبي بكر: ((.. فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي و إذا الميثاق في عنقي لغيري))  الخطبة رقم 37 من نهج البلاغة. و في شرحه لكلام الإمام علي (ع) هذا ـ في كتابه "كشف المحجة" ، طبع النجف ـ يروي السيد ابن طاووس (من مشاهير علماء الإمامية) عن علي (ع) حديثا يقول فيه: ((لقد أتاني رهط منهم ابنا سعيد و المقداد بن الأسود و أبو ذر الغفاري و عمار بن ياسر و سلمان الفارسي و الزبير بن العوام و البراء بن الغازب (العازب) يعرضون النصر عليَّ، فقلت لهم إن عندي من نبي الله (ص) عهدا و له إليَّ وصيَّة و لست أخالف ما أمرني به.
      و في نفس هذا الكتاب و كذلك في مستدرك نهج البلاغة (الباب الثاني، ص 30) جاء عن علي (ع) أنه قال: (( و قد كان رسول الله (ص) عهد إلي عهدا فقال: يا ابن أبي طالب، لك ولاء أمتي، فإن ولوك في عافية و أجمعوا عليك بالرضا فقم في أمرهم و إن اختلفوا عليك فدعهم و ما هم فيه، فإن الله يجعل لك مخرجا)).
      و كذلك يروي ابن بكار في "الأخبار الموفقيات" إشارة الفضل بن العباس لهذا العهد، خلال حديث يعرب فيه عن استيائه و عدم رضائه عن إعراض الناس عن بيعة علي، فيقول: ((لكانت كراهة الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا، حسدا منهم لنا و حقدا علينا، و إنا لنعلم أن عند صاحبنا عهد هو ينتهي إليه)).
      و بناء عليه فلا يمكن أن يقسم الإمام على أمر يخالف عهده للنبي (ص) !  أما سبب تأخر الإمام عن البيعة لأبي بكر فسببه أن الصحابة استعجلوا في رأيه في هذا الأمر و لم يؤدوه على نحو المطلوب ـ و لعل الظروف العصيبة التي تلت انتقال النبي (ص) و خشية شر المرتدين كالأسود العنسي و مسيلمة  و الدهشة لوفاته (ص) و خشية وقوع فرقة بين الأنصار و المهاجرين، هي التي أدت لهذا الاستعجال حتى كانت البيعة السريعة لأبي بكر "فلتة" كما وصفها  عمر ـ إذ كان من الواجب أن يشارك في هذا الأمر الخطير جميع كبار الصحابة وأصحاب السابقة في الإسلام لا سيما آل النبي (ص) الذين في صدرهم الإمام علي (ع) نفسه ، و أن لا تتم البيعة إلا بمشورتهم و رأيهم حتى تكون مشروعيته كاملة و تمنع القيل و القال، و لهذا فإن امتناع الإمام عن البيعة في البداية كان اعتراضا على الطريقة التي تمت فيها و تنبيها على عيبها و توجيها لضرورة اتباع المشورة الكاملة و الإجماع للبيعة الصحيحة ، ثم إن الإمام بايع بعد ذلك فرأب الصدع و ببيعته أتم النقص الذي حصل و أكمل مشروعية خلافة أبي بكر على نحو تام.
      و الحقيقة أن أمير المؤمنين علي (ع) كان شديد الإصرار على رعاية مبدأ الرضا و الشورى الكاملة كمبدأ أساسي لمشروعية الحكم، لذلك لما قتل عثمان و انهال الناس عليه ليبايعوه، فإنه ـ عوضا عن أن يذكر لهم أي شيء عن كونه منصوص عليه من الله ـ  قال لهم: ((.. فإن بيعتي لا تكون خفيا و لا تكون إلا عن رضا المسلمين..)) (انظر تاريخ الطبري، طبعة دار التراث، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ج4/ص 427، وتاريخ ابن أعثم الكوفي: ص 161) ، ثم قال لهم قبل أن يبايعوه: ((..فأمهلوا تجتمع الناس و يشاورون..)) (تاريخ الطبري: 4/433)، و عوضا عن أن يشير إلى أن الإمامة السياسية مقام إلهي غير مفوض لانتخاب العامة قال: (( إنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا )) (انظر بحار الأنوار للمجلسي: ج8 / ص 272، طبع تبريز، والإرشاد للشيخ المفيد: ص 115، طبع 1320، و كتاب مستدرك نهج البلاغة ، ص 88) . و قال كذلك: (( أيها الناس عن ملأٍ و أُذُنٍ أمركم هذا، ليس لأحد حق إلا من أمَّرتم )) ( تاريخ الطبري: 4/435، الكامل لابن الأثير: 4/ 127، و بحار الأنوار  للمجلسي: ج8/ص367) (x).

[47][16] علاوة على عدم احتجاج حضرة أمير المؤمنين (ع) بحديث غدير خم، فإن نفس كلام الأنصار هذا لدليل واضح أن لا أحد منهم كان يرى في خطبة غدير خم نصبا و نصَّا إلهيا على خلافة علي (ع)، و إلا فمن الواضح من كلامهم أنه لم تكن عنهم عداوة خاصة ضد علي يـجعلهم يكتموا ذلك النص الإلهي المزعوم و يتعمدوا تجاهله ، بل من الواضح من كلامهم و موقفهم هذا أنهم مالوا بعد تمام البيعة لأن يكونوا قد بايعوا عليا عوضا عن أبي بكر، مما يوضح أنهم لم يكونوا يأبون إمارة علي و لا كان عندهم إصرار على عدم انتخابه.

[48][17] الإمامة و السياسة، ج 1/ ص 18.(مت)

[49][18] الطبرسي هذا هو: الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي المتوفى سنة 620 هـ ( غير الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان الشهير ) (مت)

[50][19] سنرى عما قريب أن عددا من هؤلاء الشهود ، و من جملتهم خزيمة بن ثابت و أبو الهيثم بن التيهان و ... لم يكونوا يعتقدوت بالنص و التعيين الإلـهي لعلي (ع) و لا كانوا يعتبرون هذا الحديث دالا على ذلك. أنظر الصفحة                       من هذا الكتاب.

[51][20] الاحتجاج على أهل اللجاج، ج 1 / ص 96 ( طبعة النجف، عام 1386هـ/ 1966م)  (مت)

[52][21] جمع الأميني في الجزء الأول من كتابه الغدير، روايات استشهاد أمير المؤمنين بواقعة الغدير: و الرواية الثالثة و الحادية عشرة منها لا تتضمن كتمان زيد بن أرقم في حين تتضمن باقي الروايات ذلك. هذا و من الجدير بالذكر أن بعض رواة هذه الأخبار لم يكونوا من المعتقدين بالنص على علي، و ذلك مثل "ابن عقدة" الذي كان زيدي المذهب و لم يذكر هذه الرواية إلا كشاهد من الشواهد على أفضليته (ع) فقط.  

[53][22] أنظر صفحة                                من هذا الكتاب حيث بينا دلائل ضعف هذه الرواية.

[54][23] هو الشيخ محمد باقر المجلسي،. من مشاهير علماء و محدثي الشيعة الإمامية توفي سنة1111هـ  (مت)

[55][24] أشهر كتب العلامة المجلسي سابق الذكر، يعد  كتابه هذا دائرة معارف أحاديث الشيعة حيث جمع فيه مؤلفه كل الروايات و الكتب و المصنفات الحديثية  التي خلفها  من سبقه من علماء الشيعة  في كتاب ضخم يقع في أكثر من خمسين مجلد من القطع الكبير، و أكثر من مائة و عشرة مجلدات في الطبعة الحديثة  (مت)

[56][25] بحار الأنوار: ج 8 / ص 58 ( الطبعة الحجرية القديمة في تبريز )

[57][26] هو أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي الملقَّب بشيخ الطائفة، يُعْتَبر من رؤوس علماء و محدثي الإمامية و أعظم فقهائهم المتقدمين، طرد من بغداد فهاجر للنجف و توفي فيها سنة 445 هـ.(مت)

[58][27] كتاب لخص فيه كتاب " الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامة " للشريف المرتضى الملقَّب بعلم الهدى المتوفى سنة 436 هـ. (مت)

[59][28] من طبعة تبريز الحجرية القديمة و هي الطبعة التي كانت بحوزة المؤلف حيث لم تكن قد صدرت الطبعة الجديدة المحققة بعد. (مت)

[60][29] و لو اعتبرنا أن وفاة النبي (ص) وقعت في 12 ربيع الأول (كما يذكر ابن كثير في كتابه  الفصول في سيرة الرسول ، طبع 1402هـ ، ص 220) فإنه يكون قد مضى على واقعة الغدير ثلاثة و ثمانون يوما فقط أيضا.

[61][30] يذكر العلامة الأميني في الجزء الثاني من كتابه الغدير (الطبعة الثالثة، ص 34) القصيدة التي  قيل أن حسان أنشدها ذلك اليوم أمام الرسول (ص) و قال فيها:
      يناديهم  يوم  الغدير  نـبـيهم             بخم و أسـمِع  بالرسـول مناديا
      فقال: فمن مولاكم و نبيكم              فقالوا، و لم يبدوا هناك التعاميا
      : إلـهك مولانا و أنت نبيـنا و لم تلق منا  في  الولاية عاصـيا
      فقال له : قم يا علي ، فإنني          رضيتك من بعدي إماما وهاديا
      فمن كنت مولاه فهذا وليه              فكونوا له  أتباع صـدق موالـيا
      هناك دعا : اللهم وال وليه              و كن للذي عادى عليا معاديا
فينبغي أن نعلم أن لا أثر لهذه القصيدة في الديوان المعروف و المطبوع لحسان بن ثابت، و أن هذه الأبيات وضعت و صيغت في القرن الهجري الرابع فما بعد، ذلك أن أول من روى هذه الأبيات  ـ كما صرح بذلك العلامة الأميني ـ هو الحافظ: “أبو عبد الله المرزباني محمد بن عمران الخراساني" المتوفى سنة 378 هجرية، أي بعد حوالي ثلاثمائة عام من رحلة النبي (ص)!! و عليه فهناك ـ في اصطلاح علم الرواية ـ انقطاع واضح و كبير في سند هذا النقل، أي رغم توفر الدواعي لنقله و اشتهاره، مضت قرابة ثلاثة قرون دون أن يكون لأحد من المسلمين خبر عنه!، و من البديهي أنه لو قيلت مثل هذه الأبيات في يوم الغدير، لا سيما في ذلك العصر ، لتناقلتها الألسن بسرعة و لحفظت و انتشرت، في حين أنه حتى في آثار أهل البيت ـ عليهم السلام ـ و في أقدم كتب الشيعة الروائية و الكلامية، لا يوجد أدنى إشارة أو أثر لهذه الأبيات مع أنه من المفترض أن يستشهد بها نفس أمير المؤمنين و أولاده و شيعته و يحتجون بها مرارا و تكرارا على مخالفيهم و رقبائهم.
      هذا علاوة على أن سند هذا الخبر ، من ناحية رجاله، متهاو ساقط من الاعتبار لأن أحد رواته "يحيى بن عبد الحميد"، قال فيه أحمد بن حنبل: ((كان يكذب جهارا !)) (أنظر ميزان الاعتدال في نقد الرجال للحافظ الذهبي، دار المعرفة، بيروت ج 4، ص 392). و راو آخر من رواته: "قيس بن الربيع" قيل فيه: ((لا يكاد يعرف عداده في التابعين، له حديث أنكر عليه..)) (ميزان الاعتدال، 3/393). و الراوي الثالث من رواته: "أبو هارون العبدي" و اسمه الأصلي " عمارة بن جوين" قال عنه أحمد بن حنبل: ((ليس بشيء)) و قال ابن معين: (( ضعيف لا يصدق في حديثه!)) و كذلك وصفه النسائي بأنه :((متروك الحديث!)) و قال عنه الجوزجاني: (( أبو هارون كذاب مفتر)) و قال شعبة: ((لإن أُقَدَّم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أحدث عن أبي هارون)) (ميزان الاعتدال، ج3 / ص 173).
      أما بالنسبة لكتاب "سليم بن قيس الهلالي" فقد روى عن حسان بن ثابت أبياتا مختلفة مطلعها:
                      ألم تعلموا أن النبي محمدا              لدى دوح خمٍّ حين قام مناديا
      (كتاب سليم بن قيس، منشورات دار الفنون، مكتبة الإيمان، بيروت، ص 229)
و من العجيب أن العلامة الأميني لم يشر إلى أن الأبيات التي نسبها "سليم بن قيس" في كتابه لحسان بن ثابت غير الأبيات التي أوردها هو في الجزء الثاني من كتابه "الغدير"!
      و كتاب "سليم بن قيس" قال عنه العلامة الحلي: ((و الوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه و التوقف في الفاسد من كتابه)) و نقل عن ابن عقيل قوله: ((و الكتاب موضوع لا مرية فيه )) (انظر خلاصة الأقوال في معرفة الرجال للعلامة الحلي، منشورات رضي، قم، ص 83).  و كذلك قال ابن داوو الحلي: ((سليم بن قيس الهلالي ينسب إليه الكتاب المشهور و هو موضوع بدليل أنه قال إن محمد بن أبي بكر وعط أباه عند موته و قال فيه إن الأئمة ثلاثة عشر مع زيد و أسانيده مختلفة. لم يرو عنه إلا أبان بن أبي عياش و في الكتاب مناكير مشهورة و ما أظنه إلا موضوعا.)) (الرجال ، لابن داوود الحلي، المطبعة الحيدرية، النجف، ص 249).
      و قال المرجع الكبير السيد أبو القاسم الخوئي  زعيم الحوزة العلمية في النجف عن هذا الكتاب: (( و الكتاب موضوع لا مرية فيه، و على ذلك علامات فيه تدل على ما ذكرناه، منها ما ذكر أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت، و منها أن الأئمة ثلاثة عشر، و غير ذلك. قال المفيد: هذا الكتاب غير موثوق به، و قد حصل فيه تخليط و تدليس..)). (انظر معجم رجال الحديث، طبع قم، الجزء الثامن/ ص 219) (x).

[62][31] هو محمد بن النعمان العكبري البغدادي، الملقب بالشيخ المفيد و يعرف بابن المعلِّم، شيخ متكلمي الشيعة الإمامية في عصره، و كان ذا نفوذ كبير على الشيعة في بغداد و توفي فيها سنة 400 و قيل 413 هـ..(مت)

[63][32] الاختصاص: صفحة 6 ( طبعة طهران لسنة 1379 هـ.) (مت)

[64][33] يضاف إليهم أيضا مالك بن نويرة و أسحابه الذين تعتبرهم كتب و أدبيات الجدل الشيعية من شيعة علي و مؤيدي خلافته و أنهم إنما منعوا زكاتهم عن أبي بكر لرفضهم إمامته.(مت)

[65][34] انظر الصفحة                               من هذا الكتاب.

[66][35] هو الشيخ أبو العباس أحمد بن علي النجاشي من رجاليي الشيعة الإمامية القدماء، توفي سنة 405هـ.(مت)

[67][36] هو زكي الدين المولى عناية الله علي القهبائي من رجاليي الشيعة الإمامية، توفي سنة 1016 هـ. و قد جمع في كتابه المذكور ما ذكرته الأصول الرجالية الشيعية القديمة الخمسة أي رجال النجاشي و رجال الكِشِّي و رجال الطوسي و فهرسته و رجال ابن الغضائري. (مت)

[68][37] رمز لابن الغضائري، من رجاليي الشيعة القدماء الذي ينقل عنه القهبائي (مت)

[69][38] هو جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهَّر الحلي، من أشهر متكلمي الإمامية و فقهائهم الكبار و مرجع الشيعة في عصره، توفي سنة  726 هـ. (مت)

[70][39] تقي الدين الحسن بن علي بن داوود الحلي من معاصري العلامة الحلي و رجاليي الإمامية المشهورين، توفي سنة  707 هـ. (مت)

[71][40] من شيوخ و أقطاب الشيعة الإمامية المتأخرين ، جمع و نقح في كتابه كل ما ذكره من قبله، توفي سنة 1323 هـ. (مت)

[72][41] السيد مير مصطفى بن الحسين الحسيني التفرشي من علماء الإمامية في القرن الحادي عشر الهـجري له كتاب قيم في علم الرجال اسمه: " نقد الرجال " توفي 1015 و قيل 1031 هـ. (مت)

[73][42] من كبار علماء الإمامية في القرن الثاني عشر الهجـري و صاحب كتابٍ جامع  في علم الرجال سماه " منهج  المقال في تحقيق أحوال الرجال " توفي سنة 1201 هـ. (مت)

[74][43] الاختصاص: صفحة: 6 (قم، و كذلك طبع بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1402هـ / 1982) (مت)

[75][44] الكشِّي: محمد بن عمر بن عبد العزيز، من رجاليي الإمامية القدماء، توفي ما بين 350 إلى 390 هـ. (مت) 

[76][45] أحد الأصول الرجالية الأربعة عند الإمامية، واسم الكتاب الأصلي:معرفة الناقلين عن الأئمة المعصومين (مت) 

[77][46] رجال الكشي، الصفحة 13 ( طبعة كربلاء ) (مت).

[78][47]  في الصفحات 190 ـ 193 منه، و هو كتاب للمؤلف (رح)ـ باللغة الفارسية ـ أثبت فيه وجوب الزكاة في كل أنواع الزروع و الثمار و في الأموال الورقية المتداولة و عدم انحصارها في الأجناس التسعة خلافا للفتوى السائدة لدى فقهاء الإمامية. (مت)

[79][48] هو الفقيه محمد بن إدريس الحلي، من كبار فقهاء الإمامية في القرن السادس الهجري و صاحب كتاب السرائر الذي عرف فيه بآرائه الجديدة الجريئة في الفقه و شدة انتقاده لمن سبقه، توفي سنة 598 هـ. (مت)

[80][49] الواقفة فرقة من الغلاة اعتبرت الإمام موسى بن جعفر آخر الأئمة و اعتقدت أنه حي لم يمت بل غاب و استتر و هو القائم المهدي الذي سيظهر آخر الزمن، و زعموا أن علي بن موسى الرضا و كل من ادعى الإمامة من بعده مبطل كاذب غير طيب الولادة!!.

[81][50]  فقيه و مرجع  كبير من مراجع الشيعة الإمامية في القرن الماضي، جمع في كتابه الرجالي هذا كل ما جاء في كتب الرجاليين من قبله، توفي سنة 1350 هـ. (مت)

[82][51] الناووسية أتباع: "عبد الله بن ناووس البصري" الذي قال أن الإمام جعفر بن محمد الصادق حي لم يمت و لا يموت حتى يظهر و يلي أمر الناس و هو القائم المهدي، و لم يعترفوا بإمامة بقية الأئمة بعد الصادق.

[83][52] أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي تلميذ ابن إدريس الحلي و ابن زهرة الحلبي و خال العلامة الحلي الذي سبقت ترجمته، فقيه الإمامية في عصره و صاحب كتابي شرائع الإسلام و المختصر النافع الشهيرين في الفقه الجعفري، توفي سنة 676 هـ  (مت)

[84][53] ابن العلامة الحلي و تلميذه و صاحب كتاب إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد،في القواعد الفقهية،  شرح فيه كتاب قواعد الأحكام لوالده، توفي سنة 771 هـ. (مت) 

[85][54] أنظر رجال الكشي: الصفحة 16 ( طبعة كربلاء ).

[86][1] التبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي: ج 1/ ص 854 (الطبعةالحجرية، طهران، 1365 هـ.)

[87][2] أنظر سيرة ابن هشام: ج 1/ ص 326  و الإصابة في معرفة الصحابة  لابن حجر العسقلاني: ج 3/ ص 7 (القاهرة  1328 هـ.) و الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر القرطبي: ج 2/ ص 498  (مت)

[88][3] أنظر سيرة ابن هشام: ج 1/ ص 327.،و الإصابة: ج 3 / ص 599 و الاستيعاب: ج 3 / 609(مت)

[89][4] الإصابة في تمييز الصحابة: ج 2/ ص 317.

[90][5] البحراني:هو السيد هاشم الحسيني البحراني،  عالم إمامي أخباري النزعة له تفسير بالمأثور سماه: البرهان في تفسير القرآن، توفي سنة 1107 أو 1109 هـ.  (مت) 

[91][6] و لكن ينطبق عليهم قوله تعالى " و الذين اتبعوهم بإحسان " و بالتالي فهم مشمولون بقوله " رضي الله عنهم و رضوا عنه و أعد لهم جنات..الآية "

[92][7] أنظر تفصيل قصة إسلام سلمان  رضي الله عنه في سيرة ابن هشام: ج1 / ص 214. (مت)

[93][8] بما أنه شهد مع رسول الله r الخندق ثم شهد عدة غزوات منها حنين و تبوك لذا يعتبرمن الذين قاتلوا وجاهدوا قبل الفتح (باعتبار أن غزوة الخندق كانت قبل فتح مكة) (x)

[94][9] انظر الإصابة: ج 4 / ص 62، و الاستيعاب (المطبوع في حاشية الإصابة): ج4 / ص 61. (مت)

[95][10] تاريخ الأمم و الملوك: ج 3 / ص 294 ـ 295، حوادث سنة 23 و "الكامل في التاريخ" لابن الأثير، تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي: الجزء الثاني/ ص 461.(مت)

[96][11] ما يريد المصنف قوله أن الآيات التي أوردها تؤكد كمال إيمان المهاجرين و الأنصار و استحقاقهم الغفران والجنة و الرضوان، فإذا قيل بارتداد الناس إلا ثلاثة من الصحابة ثم ثبت أن هؤلاء الثلاثة غير داخلين تحتعنوان المهاجرين و الأنصار (لا سيما الأوَّلَيْن منهم) بقيت جميع تلك الآيات المادحة للأنصار و المهاجرين بغير مصداق خارجي أصلا! أو أن نفس أولـئك المشهود  لهم بصدق الإيمان و الموعودين بالجنات و الغفران كفرة مرتدين!! و كلا الأمرين واضح البطلان فما يؤدي إليهما باطل بلا ريب. (مت)

[97][12] التبيان في تفسير القرآن: ج 1 / ص: 863 و 864 (من الطبعة الحجرية، طهران 1365 هـ.)

[98][13] المصدر السابق: ج 1 / ص 346.

[99][14] يقول القرآن عن المهاجرين: { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله... الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة الأمور} الحج/ 41 ـ 42، و لكن البعض يدعي أنهم عندما مكن الله تعالى للمهاجرين في الأرض غصبوا الخلافة الإلـهية لعلي (ع)، و بدلوا دين الله و غصبوا إرث ابنة رسول الله (ص) و ضربوها!! 
     و علي (ع) يقول عن الخليفتين اللذين سبقوه: ((أحسنا السيرة و عدلا في الأمة)) (كتاب وقعة صفين، صفحة 201) أما مدعو حب علي (ع) يقولون أنهما كانا ظالمين و غاصبين!! (x)

[100][15] تفسير التبيان: ج 1 / ص 394 ـ 395. (مت)

[101][16] كقوله تعالى: { لكن الرسول و الذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم و أنفسهم و أولـئك لهم الخيرات وأولـئك هم المفلحون. أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم } التوبة / 88 ـ 89، و قوله تعالى: { و لا على الذين إذا أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولُّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا  ألا يجدوا ما ينفقون } التوبة / 92، و قوله سبحانه: { إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق  إلا أن يقولوا ربنا  الله...(إلى قوله) الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة الأمور } الحج / 38 ـ 41، و قوله سبحانه: {... لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح و قاتل، أولـئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد و قاتلوا و كلا وعد الله الحسنى  و الله بما تعملون خبير } الحديد/10، و قوله تعالى:{ و رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا } النصر/2، و غير ذلك كثير.(مت) 

[102][17] هناك عدة نقاط ينبغي التنبه إليها في موضوع موقف الأنصار في قضية السقيفة و دلالاته:
أولا: لو كان هناك أمر صريح من الله تعالى و رسوله بخلافة علي (ع)، فلماذا قام الأنصار الذين قال الله تعالى عنهم: { الذين آووا و نصروا أولـئك هم المؤمنون حقا} الأنفال/74، و الذن قال عنهم الرسول (ص): ((لو أن الأنصار سلكوا واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار، و لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار)) (المصنف، عبد الرزاق الصنعاني، تحقيق الأعظمي، ج 11/ ص 62) و قال في شأنهم: ((اللهم ارحم الأنصار و أبناء الأنصار و أبناء أبناء الأنصار!)) (المصنف: ج11/ص 62)، لماذا رشحوا "سعد بن عبادة" زعيم الخزرج للخلافة؟  ألم يسمعوا أمر الله تعالى ورسوله حول نصب علي (ع) ؟!
ثانيا: و لماذا لم يقم الأنصار، بعد هزيمتهم السياسية أمام جناح المهاجرين و بعد انقطاع أملهم في إحراز منصب الخلافة، لماذا لم يقولوا: إذن على الأقل لنبايع من نصبه الله تعالى و رسوله إماما علينا، خاصة أن عليا كان كالرسول من حماة الأنصار و محبيهم، و أكثر المهاجرين قربا منهم؟!  و لا ننسى أن انتخاب الخليفة إنما تم في المدينة، أي في المكان الذي كان فيه المهاجرون و أهل مكة أقلية تفتقر للشوكة السياسية، فإذا كان التنافس القبلي بين المهاجرين لا سيما بين الجناح الأموي... و بني هاشم ـ كما يقال ـ هو الباعث لسلب الحق الإلـهي لعلي (ع) في الخلافة، فمن البديهي أن الأنصار لم يكن عندهم هذا الدافع و بالتالي كانوا يستطيعون بكل سهولة أن يوقفوا المهاجرين عند حدهم و يمنعوا حصول مثل تلك البدعة في الدين!؟
ثالثا: و لماذا اقتصر الكلام في النقاش و التفاوض، الذي تم في السقيفة، على بيان أفضلية الأنصار على المهاجرين بسبب خدماتهم للإسلام أو بيان أفضلية المهاجرين على الأنصار لكونهم عشيرة الرسول و من قريش و أول من آمن به، ولم يأت أحد على موضوع النص النبوي على الخلافة! وحتى قبيلة  الأوس التي لم تكن قد  رشحت أحدا للخلافة وكان لسانهم أطول في مجادلة المهاجرين و الانتصار للأنصار، لم يذكروا لدحض ما أراده المهاجرون أي إشارة للنص على علي (ع) ؟! ألا يؤكد كل ذلك بكل وضوح عدم هذا النص؟! (x)

[103][18] راجع ص 42 من هذا الكتاب،و انظر تاريخ الأمم و الملوك للطبري: ج 3 / ص 294 ـ 295 (مت)

[104][19] أخرج الكليني في الكافي روايات عدة عن الصادق و غيره من الأئمة عليهم السلام تفيد أن شرط قبول الحديث أن لا يخالف القرآن: انظر الحديث رقم 183 و الأحاديث من 198 إلى 203 (أصول الكافي: الجزء الأول / ص 60، الحديث الخامس، و ص 69 الأحاديث من الأول للسادس) (x)

[105][20] أسد الغابة في معرفة الصحابة: ج 2 / ص 98 ـ 100، هذا و قد اختصر المؤلف رحمه الله و تصرف في اقتباسه من هذا المصدر فقدم و أخر، أما أنا فارتأيت أن أنقل ما ذكره المصدر بنفس ترتيبه و تفصيله (مت)

[106][21] مختصرا من أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير الجزري: ج 3 / ص 30.

[107][22] سيرة ابن هشام:ج 2 / ص 320.، هذا و قد أشار المؤلف، كمصدر لهذا الاقتباس، إلى أسد الغابة أيضا لكني لم أجده ثمة مع كثرة البحث و إنما وجدته عند ابن هشام في سيرته لذا أحلت إليها (مت)

[108][23] الدعاء الرابع من أدعية الصحيفة السجادية: في الصلاة على أتباع الرسل و مصدقيهم.

[109][24] ينبغي التنبـيـه إلى أن مقصودنا من الأصحاب ليس "كل من رأى النبي و لو لحظة أو سمع منه" ـ كما هو اصطلاح المحدثين ـ بل المقصود خاصة النبي (ص) الذين لازموه و نصروه و قاموا معه في أمر الدين، كما نجد ذلك فيما يرويه ابن هشام في سيرته (ج 2/ ص 431) حيث يذكر أنه لما نشب نزاع بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف فشتمه خالد فقال له رسول الله (ص): ((مهلا يا خالد! دع عنك أصحابي! فو الله لو كان لك أحدٌ ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله، ما أدركت غدوة رجل من أصحابي و لا روحته)) هذا مع أن خالدا كان مسلما و رأى الرسول (ص) و سمع منه و لكن الرسول (ص) ميزه عن أصحابه..

[110][1] كحديث أن الأئمة عليهم السلام: (( ..شجرة النبوة وموضع الرسالة و مختلف الملائكة)) (أصول الكافي: كتاب الحجة: ج1 / ص 221 فما بعد)، و أنهم: ((مُحدَّثون يسمعون صوت الملاك ولكنهم لا يرون و لا يعاينون الملاك)) (المصدر السابق: ج1 / 176 ـ 177) ، و أنهم: ((خزان علم الله وتراجمة أمر الله ، نحن قوم معصومون أمر الله تبارك و تعالى بطاعتنا و نهى عن معصيتنا، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض..)) (المصدر السابق: ج1 / ص 269 ـ 270)، و أن: ((روح القدس به حمل النبوة فإذا قبض النبي (صلىالله عليه وآله) انتقل روح القدس فصار إلى الإمام..)) (المصدر السابق: ج1 / ص 270 فما بعد)، و ((أن في الأنبياء و الأوصياء خمسة أرواح: روح القدس وروح الإيمان و روح الحياة و روح القوة و روح الشهوة...فبروح القدس عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى...)) (المصدر السابق: ج1 / ص 271 فما بعد). وأن: ((الأئمة لم يفعلوا شيئا و لا يفعلوا إلا بعهد من الله عز وجل لا يتجاوزونه، و أن الله عز و جل أنزل على نبيه (صلىالله عليه وآله وسلم) كتابا قبل وفاته فقال: يا محمد هذه وصيتك إلى النخبة من أهلك... علي بن أبي طالب و ولده عليهم السلام، و كان على الكتاب خواتيم من ذهب كل إمام يفك خاتما و يعمل بما فيه ثم يدفعه لمن بعده فيفك خاتما ويعمل بما فيه ... الحديث)) (المصدر السابق: ج1 / ص 279 فما بعد، الحديث 1 و 4) . بل في حديث صريح منسوب للإمام الصادق عليه السلام: ((الأئمة بمنزلة رسول الله ‎(صلى الله عليه و آله)، إلا أنهم ليسوا بأنبياء و لا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي، فأما ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه و آله) .)) (المصدر السابق: ج1 / ص 270). (x)

[111][2] كالأحاديث التي تصف علم الأئمة عليهم السلام بأنهم: ((يعلمون ما كان و ما يكون و أنهم لا يخفى عليهم شيء)) (أصول الكافي: كتاب الحجة: ج1 / ص 260)، وأنهم: ((يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة و الأنبياء و الرسل)) (المصدر السابق: ج1 / ص 255 فما بعد)،  و أن: ((الإمام لا يخفى عليه كلام (لغة) أحد من الناس و لا طير و لا بهيمة و لا شيء فيه الروح..)) (المصدر السابق: ج1 / ص 285)، و أن: ((عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عز و جل و أنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها)) (المصدر السابق: ج1 / ص 227)،  و أن: ((أعمال العباد تعرض عليهم في الصباح والمساء..)) المصدر السابق: ج1 / ص 219 فما بعد)،  و أن: (( عندهم ألواح موسى و عصاه وقميص آدملذي ألقي على وجه يعقوب فارتد بصيرا) وخاتم سليمان (الذي كان يسخر به الجن والشياطين)..)) (المصدر السابق: ج1 / ص 231 ـ 232).
      أو الأحاديث التي تصف خلقتهم بأوصاف خارجة عن أوصاف سائر البشر مثل أن: ((للإمام عشر علامات: يولد مطهرا مختونا و إذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعا صوته بالشهادتين، و لا يجنب، تنام عينيه و لا ينام قلبه ، و لا يتثاءب و لا يتمطى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، و نجوه كرائحة المسك والأرض موكلة بستره و ابتلاعه ... الحديث)) (أصول الكافي:كتاب الحجة / باب مواليد الأئمة عليهم السلام، حديث رقم 8، ج1 / ص 385 فما بعد)، و رواية أخرى أن الإمام: ((إذا وقع من بطن أمه وقع واضعا يديه علىالأرض رافعا رأسه إلىالسماء، فأما وضعه يديه على الأرض فإنه يقبض كل علم لِـلَّـه أنزله من السماء إلى الأرض، وأما رفع رأسه إلى السماء فإن مناديا ينادي من بطنان العرش من قبل رب العزة من الأفق الأعلى باسمه و اسم أبيه يقول: يا فلان بن فلان، اثبت تثبت، فلعظيم ما خلقتك، أنت صفوتي من خلقي و موضع سري و عيبة علمي و أميني على وحيي و خليفتي في أرضي... فيجيبه (الإمام المولود) واضعا يديه رافعا رأسه إلى السماء: { شهد الله أن لا إلـه إلا هو و الملائكة و أولو العلم قائما بالقسط لا إلـه إلا هو العزيز الحكيم} آل عمران/ 18)) (المصدر السابق نفس الكتاب و الباب : حديث رقم 1)، و أن الإمام يمكن أن يقوم بالحجة و هو ابن ثلاث سنين! (المصدر السابق : ج1 / ص 321، الأحاديث 10 و 13 )، و أن: ((الله خلقهم من نور عظمته وخلقت أبدانهم من طينة مخزونة لم يخلق منه أحد إلا الأنبياء .. الحديث)) (المصدر السابق: ج1 / ص 389). (x)

[112][3] أي مثل كثير من أنبياء بني إسرائيل الذين لم يبعثوا برسالة أو كتاب جديد، بل كانوا على شريعة التوراة و إنما بعثوا للهداية و إرشاد الخلق و إحياء التوراة و العمل بالدين و نصرته ، مثل يوشع بن نون وصموئيل و حزقيل ودانيال و... و زكريا و يحيى و مئات الأنبياء الذين كان يبعث العشرات منهم أحيانا في نفس الوقت. (مت)

[113][4] كل ما ذكر بين المعقوفتين في الصفحات الثلاث الأخيرة  اقتباسات من كتاب "ختم النبوة" للأستاذ الشيخ مرتضى مطهري ، نشر دار صدرى، طهران.

[114][5] أرجو أن ينتبه القراء جيدا لهذه النقطة. فكما يقول الأستاذ مرتضى مطهري: (( لقد كان وضع البشر في الأدوار السابقة يشبه تلميذ المدرسة الذي يعطى كتابا ليتعلم منه، فإذا به يحوله إلى مزق بعد عدد من الأيام، أما البشرية في الدور الإسلامي (دور ختم النبوة) فتشبه العالم كبير السن الذي يعتني بكتبه و يحفظها غاية الحفظ رغم رجوعه المتكرر إليها )) (كتاب ختم النبوة، ص 49) .(x)

[115][6] تفسير رَوح الجَنان و رُوح الجِنان " تصحيح علي أكبر غفاري، جيد4 / ص 275 إلى 277.

[116][7]  هو ا السيد نور الله بن شريف الدين الحسيني المرعشي التستري أو الشوشتري الهندي، يعرف بالشهيد الثالث، متكلم فقيه إمامي دافع عن المذهب و رد على مبطليه في عدة كتب شهيرة، توفي مقتولا سنة 1019 هـ. (مت)

[117][8] و إلا لو كان القصد من التوقف و خطبة الغدير هو إعلان إمارة علي (ع) فلماذا لم يفعل النبي (ص) ذلك في خطبة حجة الوداع أولا لأنه كان يحضرها آلاف المسلمين و ثانيا لأنه كان (ص) بذلك يطلع جميع أهل مكة على إمامة علي و يقيم عليهم الحجة بذلك؟! أو لماذا على الأقل لم يخطب هذه الخطبة في المدينة ليطلع عليها ويسمعها جميع أهل المدينة  ـ الذين لعبوا الدور الأول و الأساسي في تولية أبي بكر ؟! (x)

[118][9] يروي العلامة الأميني في كتابه الغدير (ج1/ص 384، الطبعة الثالثة) : ((عن بريدة قال: غزوت مع علي اليمن، فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله (ص) ذكرت عليا فـتـنقَّصته، فرأيت وجه رسول الله يتغير، فقال: يا بريدة! ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟  قلت: بلى يا رسول الله ، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه)).

[119][10] انظر لسان العرب لابن منظور:ج 15 / ص 409 حيث يقول: " والى فلان فلانا: إذا أحبَّه " و يقول قبل ذلك:" و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم )  اللهم وال من والاه: أي أحب من أحبه "

[120][11] إشارة إلى ما جاء في سورة الكهف/ آية 6: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا}  و نحوها في سورة الشعراء/ آية 3. و كذلك قوله تعالى: { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} النحل/37، و قوله عز من قائل: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} التوبة/ 128. (x)

[121][12] هذا الغموض كان لدرجة أنه انعكس حتى في روايات المعتقدين بالإمامة المنصوصة من الله لعلي(ع) وكأنهم يعترفون بهذا المغموض!! فمن جملة ذلك ما رواه الطبرسي في "الاحتجاج" أن الأنصار لم يفهموا مراد الرسول من خطبة الغدير !!! و اضطروا لأجل ذلك أن يرسلوا شخصا إلى النبي (ص) ليسأله عن مقصوده من ذلك الحديث، و النبي (ص) ـ طبق هذه الرواية ـ  حتى في توضيحه لحديثه لم يستخدم أيضا لفظة: "ولي الأمر"؟!! و سنتعرض لهذه الرواية بالتفصيل في الصفحات القادمة إن شاء الله. (x)

[122][13] يعتقد الإمامية أن مقام " الإمامة" فوق مقام "النبوة و الرسالة" أما أنهم كيف إذن لم يعتبروا عليا (ع) أفضل من رسول الله (ص)  بل يجمعون على علو و أفضلية النبي (ص) ؟ فسببه أنهم يقولون أن الرسول (صلىالله عليه وآله وسلم) كان حائزا أيضا على مقام الإمامة علاوة على مقام النبوة و الرسالة. (x)

[123][14] انظر سيرة ابن هشام : ج4 / ص 307. 

[128][19] من الجدير بالذكر أن راوي هذه الخطبة عن علي عليه السلام هو "عكرمة مولى ابن عباس" و قد قال عنه الممقاني في رجاله: (( قال عن العلامة الحلي في خلاصة الرجال في القسم الثاني من كتابه المخصص للضعفاء: [إنه ليس على طريقتنا و لا من أصحابنا و لم يرد فيه توثيق.] و أورد الشيخ الكليني في الكافي ضمن حديثٍ: [هذا عكرمة في الموت! (أي حاله الروائي ميت) و كان يرى رأي الخوارج.] (ثم اسـتـنـتج الممقاني قائلا:) [على كل حال فكون عكرمة مولى ابن عباس منحرفا لا يحتاج إلى برهان كما نبه على ذلك السيد ابن طاووس]))  انظر تنقيح المقال في أحوال الرجال للممقاني: ج2 / ص 256.
     و هذا ما يحعلنا نتحفظ كثيرا في صحة نسبة هذه الخطبة لعلي عليه السلام إذ من المحتمل جدا أن يكون عكرمة الخارجي ـ و الخوارج كانوا ألد أعداء علي ـ  نسبها لعلي ليُعرِّفه للناس على أنه كان عدوا للشيخين إذ يقول أنه لولا ضعف اليد و قلة الناصر لحاربهم على الخلافة!! فيصوره عليه السلام على أنه ذو وجهين و أنه رغم أنه بايع الخلفاء و صلى خلفهم و صاهرهم إلا أنه كان باغضا لخلافتهم يتمنى لو يقدر ان يحاربهم!! (x)

[129][20] السيد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن طاوس الحلي، متكلم إما مي مشارك توفي 664هـ (مت)

[130][21]أبو اسحق ابراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال المعروف بابن هلال الثقفي الكوفي من علماء القرن الهجري الثالث، كان في أول أمره زيديا ثم انتقل إلى القول بالإمامة، نشأ بالكوفة ثم انتقل إلى أصفهان و توفي فيها سنة  283هـ (مت)

[131][22] الغارات، أو الاستنفار و الغارات: ص 202 ( بيروت، دار الأضواء، 1407هـ/ 1987 ) (مت)

[132][23] انظر الكلام عليه وعلىكتابه المسوم بـِ "أسرار آل محمد"في الصفحات:148-151 من هذا الكتاب (مت)

[133][1] قمت بترتيب هذا الباب و اختيار عناوين مناسبة له حيث كان بالأصل غير مرتب و بدون عناوين. (مت)

[134][2] لقد شهد الله تعالى بالإيمان القلبي الصادق لأهل بيعة الرضوان الذين يشكلون عمدة أهل الحل والعقد في بيعة السقيفة، و ذلك في قوله سبحانه: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة  فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم و أثابهم فتحا قريبا }  (x)

[135][3] لعل المؤلف يقصد أبا سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي ذكر القرآن صراحة شركه و نحته للأصنام و عدم توبته.  (مت)

[136][4] انظر تهذيب تاريخ دمشق الكبير، للشيخ عبد القاردر بدران: ج 4 / ص 169 ط 2 ( بيروت، دار المسيرة  1399 هـ / 1979 ) أو تاريخ مدينة دمشق : لابن عساكر، طبع دار الفكر، ج13 / ص 70 ـ 71.

 [137][1] الاحتجاج: ج 1 / ص 96 ( طبع قم )، أو ج1/ ص 184 من الطبعة التي حققها الشيخان ابراهيم البهادري و محمد هادي به، باشراف الشيخ جعفر السبحاني (طبع قم، انتشارات أسوة، 1413 هـ ) و هي الطبعة التي سأوثق منها من الآن فصاعدا نظرا لأنها  المتوفرة لدي حاليا. (مت)  

[138][2] من ذلك ما ينقله العلامة عبد الحسن الأميني في كتابه "الغدير" فيقول: ((أخرج احافظ ابن السمان كما في الرياض النضرة ج2/ص170، و ذخائر العقبى للمحب الطبري ص 68، و وسيلة المآل للشيخ أحمد بن باكثير المكي، ومناقب الخوارزمي ص 97، و الصواعق ص 107 عن الحافظ الدارقطني عن عُمَـرَ و قد جاءه أعرابيان يختصمان فقال لعلي: إقض بينهما، فقال أحدهما: هذا يقضي بيننا؟ فوثب إليه عمر و أخذ بتلبـيـبه و قال: ويحك ما تدري من هذا؟ هذا مولاي و مولى كل مؤمن، و من لم يكن مولاه فليس بمؤمن.
      و عنه نازعه رجل في مسألة فقال: بيني و بينك هذا الجالس، و أشار إلى علي بن أبي طالب، فقال الرجل: هذا الأبطن؟ فنهض عمر عن مجلسه و أخذ بتلبـيـبه حتى شاله من الأرض ثم قال: أتدري من صغَّرت؟ هذا مولاي و مولى كل مسلم.
      و في الفتوحات الإسلامية ج2 / ص 307: حكم علي مرة على أعرابي بحكم فلم يرض بحكمه فتلـبَّـبه عمر بن الخطاب و قال له: ويلك إنه مولاك ومولى كل مؤمن و مؤمنة.  و أخرج الطبراني أنه قيل لعمر: إنك تصنع بعليٍّ ـ أي من التعظيم ـ شيئا لا تصنع مع أحد من أصحاب النبي  (ص) فقال: إنه مولاي. وذكره الزرقاني في شرح المواهب ص 13 عن الدارقطني.)) انتهى من "الغدير" ج1 / ص 382 ـ 383. (x)

[139][3] المصدر السابق ج 1 / ص 184 (مت)

[140][4] المصدر السابق ج 1 / ص 185 ، هذا و يجدر أن نذكر أننا سبق و أشرنا إلى أن الروايات متضاربة بشأن شهادة أو عدم شهادة زيد بن أرقم فهناك عدة روايات لا تذكر عنه أنه لم يشهد.

[141][5] من المفروض ـ حسب حديث ارتد الناس إلا ثلاثة أن يكون سائر هؤلاء الاثني عشر ـ ما عدا سلمان و أبو ذر و المقداد ثم عمار ـ في عداد المرتدين!! و لكنهم هنا في هذه الرواية يقسمون بالله على أنهم سينزلون أبا بكر عن منبر الرسول أي أنهم غير قابلين ببيعته بل يعتقدون بخلافة علي و أدوا الشهادة بذلك، فأي الروايات نقبل : رواية أنهم مرتدون أم رواية أنهم ثابتون مؤمنون ؟؟! أم أنها  أكاذيب و حبل الكذب قصير!! (x)

[142][6] الاحتجاج: ج1 / ص 186 ـ 187 (مت)

[143][7] المصدر السابق: ج1 / ص 191 ـ 192 (مت)

[144][8] في الواقع إن أبا بكر ـ مثله مثل علي (ع) ـ  لم يكن مأمورا من قبل النبي (ص) بالانضمام لجيش إسامة. يقول ابن كثير في السيرة النبوية (ج4 / ص 441): (( و من قال إن أبا بكر كان فيهم فقد غلط! فإن رسول الله (ص) اشتد به المرض و جيش اسامة مخيم بالجرف و قد أمر النبي (ص) أبا بكر أن يصلي بالناس، كما سيأتي، فكيف يكون في الجيش؟!)). ثم ذكر في الصفحات 459 فما بعد الروايات العديدة التي تدل على أمر النبي  (ص) أبا بكر أن يؤم الناس في الصلاة. (x)

[145][9] عرفنا مما سبق أن المقداد لم يكن يعتقد بالنص الإلـهي على علي (ع).  و لكن الراوي الساذج اختاره ليجعله من ضمن المعترضين على أبي بكر. (x)

[146][10] هل يعقل أن نبي الله (ص) ـ الذي أوتي فصاحة البيان و جوامع الكلم ـ  يوقف الناس في الصحراء الحارة ليلقي كلمة هامة و لكنه يعجز عن أن يبين مقصوده منها و يتم حجته على المستمعين حتى يضطروا أن يرسلوا شخصا ليسأله عن مقصوده من كلمته ؟!! (x)

[147][11] أنساب الأشراف ، البلاذري، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات: تصحيح محمد باقر المحمودي، ج2 / ص 313.

[148][12] المرجع السابق: ج2 / ص 319.

[149][13] المصدر السابق: ج 1 / ص 199 (مت)

[150][14] اللكع: اللئيم و العبد الأحمق. (مت)

[151][15] الكاذب الذي وضع هذه الرواية يتصور أن عمر كان صاحب سلطة مطلقة في الأمر و النهي بين العرب، وأنه كانت له من القدرة ما يمكنه من أن يأتي بسالم و يخلع أبا بكر متى أراد! لا شك أن هذا الراوي الأحمق من أجهل الناس بتاريخ صدر الإسلام و من الذين نشأوا في عهد السلاطين المتجبرين و الملوك ذوي السلطة الفردية المطلقة!! ( برقعي )

[152][16] المصدر السابق: ج 1 / ص 200 ـ 201 (مت)

[153][17] إذا كان هذا صحيحا فلماذا قال الغلاة  ارتد الناس إلا ثلاثة أو سبعة! و الحال أن كل هؤلاء رفضوا البيعة واستتروا في  بيوتهم و ما أتوها إلا مكرهين، كما تدعي هذه الرواية ؟؟!! حقا إن حبل الكذب قصير! (مت)

[154][18] المصدر السابق: ج 1 / ص 201 ـ 203 ، أو : صفحة 105 من الطبعة القديمة. (مت)

[155][19] انظر جامع الرواة، للفاضل الأردبيلي:ج 1/ص494.(بيروت: دار الأضواء، 1403 هـ / 1983) (مت)

[156][20] الاحتجاج: ج 1 / ص 205 من الطبعة المحققة، أو  ج 1 / ص 105  من الطبعة القديمة  (مت)

[157][21] انظر كتاب "جامع الرواة " للفاضل الأردبيلي:ج 1/ ص74 (بيروت:دار الأضواء، 1403هـ). (مت)

[158][22] محمد بن أبي بكر، هو ابن "أسماء بنت عميس" التي كانت من قبل تحت جعفر بن أبي طالب، و لما استشهد جعفر في غزوة مؤتة سنة ثماني للهجرة، تزوج أبو بكر من أسماء فولدت له محمد بن أبي بكر هذا، و توفي عنها أبو بكر في السنة الثالثة عشرة للهجرة ، أي كان عمر ابنه محمد سنتين و عدة أشهر فقط، من هنا استحالة أن يعظ أباه و هو في هذه السن!!! (x)

[159][23] الرجال ، ابن أبي داود الحلي، المطبعة الحيدرية ، النجف، ص 249. 
     هذا و قد  قال زعيم الحوزة العلمية في النجف آية الله السيد أبو القاسم الخوئي عن الكتاب: [ والكتاب موضوع لا مرية فيه و على ذلك علامات فيه تدل على ما ذكرناه، منها أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت و منها أن الأئمة ثلاثة عشر و غير ذلك، قال المفيد: هذا الكتاب غير موثوق به و قد حصل فيه تخليط و تدليس] (معجم رجال الحديث ، السيد أبو القاسم الخوئي: قم، ج8/ ص 219) (x)

[160][24] أعيان الشيعة للعلامة السيد محسن الأمين العاملي: ج 7/ص 293 (بيروت:دار التعارف، 1403) (مت)

[161][25] لمزيد من الاطلاع على فساد هذا الكتاب انظر الطبعة الأولى من كتاب"معرفة الحديث" للشيخ "محمد باقر البهبودي طبع "مركز انتشارات علمي و فرهنكي" ( الصفحات: 256 إلى 260) (برقعي)

[162][26] إرشاد القلوب: ج 2 / ص 58 إلى 63.

[163][27] بالإضافة لمتن الرواية الذي يشهد لوحده بوضعها، فإن التاريخ أيضا يؤكد كذبها، لأن أقصى مدة امتناع علي عن بيعة أبي بكر  ستـةُ أشهر على قول من يقول أن فاطمة لحقت بأبيها (صلى الله عليه و آله و سلم )  بعد ستة أشهر من وفاته، أو خمسةٌ و سبعون يوما على قول أكثر روايات الشيعة التي ترى أنها لحقت به بعد 75 يوما من وفاته فقط، حيث أن الجميع متفق على أن عليا بايع أبا بكر عقب وفاة فاطمة عليها السلام فإذا كانت وفاته (صلى الله عليه و آله و سلم )  ـ حسب رواية الشيعة ـ في شهر صفر ـ  فمعنى هذا أن عليا بايع أبا بكر قبل رمضان  فكيف أمكن أن تقع هذه الحادثة في رمضان ؟   ألا لعنة الله على الكاذبين! (برقعي)

[164][1] أشار المؤلف إلى اختلاف وجهات نظر الأئمة مع بعضهم فنذكر تأييدا لقوله بعضا من هذه الاختلافات:
1 ـ فمن ذلك ما رواه العلامة المجلسي في البحار فقال: (( عن حبيب بن أبي ثابت قال: كان بين علي و فاطمة كلام فدخل رسول الله (ص) ... فأخذ رسول الله (ص) يد علي فوضعها على سرته و أخذ يد فاطمة فوضعها على سرته فلم يزل حتى أصلح بينهما، ثم خرج فقيل له يا رسول الله ! دخلت و أنت على حال وخرجت و نحن نرى البشرى في وجهك! قال: و ما  يـمنعني و قد أصلحت بين اثنين أحب من على وجه الأرض إلي)). [ بحار الأنوار، الطبعة الجديدة، تحقيق و تعليق محمد باقر البهبودي، ج3 / ص 146].
2 ـ و من ذلك ما ذكره العلماء  المؤرخون من اختلاف في الرأي بين الإمام الحسن و أبيه الإمام علي عليهما السلام، من ذلك ما نقله الدينوري في الأخبار الطوال فقال: ((... فدنا منه الحسـن فقال: يا أبتِ أشرت عليك حين قتل عثمان و راح الناس إليك و غدوا و سألوك أن تقوم بهذا الأمر ألا تقبله حتى تأتيك طاعة جميع الناس في الآفاق، و أشرت عليك حين بلغك خروج الزبير و طلحة بعائشة إلى البصرة أن ترجع إلى المدينة فتقيم في بيتك و أشرت عليك حين حوصر عثمان أن تخرج من المدينة، فإن قتل، قتل وأنت غائب، فلم تقبل رأيي في شيء من ذلك. فقال له علي: أما انتظاري طاعة جميع الناس من جميع الآفاق، فإن البيعة لا تكون إلا لمن حضر الحرمين من المهاجرين و الأنصار فإذا رضوا و سلموا وجب على جميع  الناس الرضا و التسليم و أما رجوعي إلى بيتي و الجلوس فيه، فإن رجوعي لو رجعت كان غدرا بالأمة، و أما خروجي حين حوصر عثمان فكيف أمكنني ذلك؟ و قد كان الناس أحاطوا بي كما أحاطوا بعثمان، فاكفف يا بني عما أنا أعلم به منك)) [الأخبار الطوال، أبو حنيفة الدينوري، تحقيق عبد المنعم عامر و جمال الدين الشيال، ص 145 ]   هذا و قد نقل العلامة المجلسي في بحار الأنوار عن الشيخ المفيد نظير هذا الاعتراض من الإمام الحسن على أبيه فقال فيه: ((فلما فرغ (أمير المؤمنين) من صلاته قام إليه ابنه الحسن بن علي ـ عليهما السلام ـ و جلس بين يديه ثم بكى و قال: يا أمير المؤمنين إني لا أستطيع أن أكلمك و بكى، فقال له أمير المؤمنين : لا تبك يا بني و تكلم و لا تحنَّ حنين الجارية، فقال: يا أمير المؤمنين: إن القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه إما ظالمون أو مظلومون، فسألتك أن تعتزل الناس و تلحق بمكة حتى تؤوب العرب و تعود إليها أحلامها و تأتيك وفودها ... ثم خالفك طلحة و الزبير فسألتك أن لا تتبعها و تدعها فإن اجتمعت الأمة فذاك و إن اختلفت رضيتَ بما قسم الله و أنا اليوم أسألك ألا تقدم العراق و أذكرك بالله أن لا تُقتَـل بمضيعة، فقال أمير المؤمنين: أما قولك إن عثمان حصر فما ذاك و ما عليَّ منه فقد كنت بمعزل عن حصره، و أما قولك ايت مكة فوالله ما كنت لأكون رجل الذي يستحل بمكة، و أما قولك اعتزل العراق و دع طلحة و الزبير فو الله ما كنت لأكون كالضبع تنتظر حتى يدخل عليها طالبها فيضع الحبل في رجلها...)) [ بحار الأنوار: الطبعة الجديدة ، ج 32 / ص 103 ـ 104 وذكر محقق البحار في نفس حاشية الصفحة أن الحديث ورد في أمالي الشيخ الطوسي الطبعة الأولى ، الجزء الثاني/ ص 32، و في كتاب نهج السعادة كذلك].
3 ـ ذكر عدد من المؤرخين اختلاف الإمام الحسين عليه السلام مع أخيه الإمام الحسن عليه السلام بشأن صلحه مع معاوية و فيه يقسم الحسين عليه بالله ألا يقبل بهذا الصلح، و لكن، كما نعلم، لم يصغ الحسن لالتماس أخيه و أمضى الصلح مع معاوية. [ انظر تاريخ الأمم و الملوك للطبري، و تاريخ دمشق لابن عساكر، تحقيق علي شيري، دار الفكر، ج 13/ ص 267، و تاريخ ابن خلدون، طبع مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ج 2 / ص 186 .  هذا و من الجدير بالذكر أن تضعيف بعض المحدثين لسند هذا الحديث ليس في موضعه، فصحيح أن "عثمان بن عبد الرحمن" لم يكن شيعيا إلا أنه ـ كما يقرر الشهيد الثاني في " دراية الحديث" ـ المهم هو صدق الراوي و لو كان مخالفا في المذهب، فيؤخذ برواية الصدوق و لو لم يكن شيعيا و تسمى روايته بالموثقة. و قد ذكر الرجالي "ابن معين" في ترجمة "عثمان بن عبد الرحمن" هذا أنه ((صدوق))، و إذا كان البخاري قد قال عنه في رجاله أنه ((يروي عن أقوام ضعاف)) فإن ابن أبي حاتم نقل عن أبيه قوله ((أنكر أبي على البخاري إدخال عثمان في كتاب الضعفاء و قال هو صدوق)).  طبعا البخاري لم يجرح عثمان نفسه بل بين أنه يروي عن أقوام ضعاف، فإذا ثبت أن روايته هنا لم تكن عن ضعيف فليس للبخاري إذا من اعتراض عليها. ].
4 ـ و من الاختلافات الأخرى ما نجده في الكتب الفقهية من روايات و نقول مختلفة و متعارضة عن الأئمة عليهم السلام مع عدم إمكان حمل أحد الخبرين على التقية لعدم وجود مورد للخوف و التقية من المخالفين في أي من الروايتين، من ذلك مثلا هذان الخبران المتناقضان عن الإمام الصادق و الإمام الكاظم عليهما السلام، الأول: ((محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام في زيارة القبور، قال: إنهم يأنسون بكم فإذا غبتم عنهم استوحشوا))، أما الخبر الثاني: ((محمد بن علي بن الحسين (ابن بابويه) بإسناده عن صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر بلغني أن المؤمن إذا أتاه الزائر أنس به فإذا انصرف عنه استوحش، فقال: لا يستوحش)) [ وسائل الشيعة، الشيخ الحر العاملي، ج2 / ص 878 ].  و يوجد أمثل أخرى لذلك الاختلاف و طبعا لا يمكن أن يكون كلا القولين المتخالفين صحيح. (x)

[165][2] حديث متواتر روي عن نيف و عشرين صحابيا،رواه البخاري في صحيحه و غيره و قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي: [ قال ابن عبد البر: تواترت بذلك الأخبار و هو من أصح الحديث ] (مت).

[166][3] هل يمكن للعقل و الوجدان السليمين أن يقبلا بأن يكون مثل هؤلاء الصحابة الذين كانوا مؤمنين مطيعين لتعاليم نبيهم (ص) و مستسلمين لأوامره  إلى هذه الدرجة، أن يكونوا قد سمعوا نصا منه (صلىالله عليه وآله وسلم) في تنصيب علي عليهم إماما و خليفة و مع ذلك يكتموا هذا النص و لا يولوه أي عناية؟؟!! (x)

[167][4] الاحتجاج: ج 1 / ص 133 - 162.

[168][5] لو تأملنا كلام هذا الإمام الهمام بعمق ـ بعيدا عن أي تعصب طائفي ـ لأدركنا أنه عليه السلام لم يرد من كلامه تقرير مبدأ كون القرابة و الوراثة هي الأصل في موضوع تعيين الحاكم و الخليفة، بقدر ما أراد ـ كما سبق و أوضحناه ـ  أن يرد على حجة المهاجرين و يبين أن طريقتهم العجولة في نصب الإمام ـ قبل اكتمال مجلس أهل الحل و العقد ـ لم تكن بالطريقة الصحيحة و السليمة، فكأنه أراد أن يقول إذا كانت مجرد القرشية والقرابة من الرسول هي المعيار في تعيين الإمام فلقد كنت أولى الناس بذلك لأنني علاوة على كوني من قريش و من بني هاشم: أسرة النبي وأشرف بطون قريش و أكرم من بني تيم بن مرة، فإن لي إلى رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) قرابة نسبية و سببية و كنت أقرب الناس إليه: ربيت في حجره منذ نعومة أظفاري و تعلمت و تربيت على يديه منذ صغري، فإذا كان الهدف من الشجرة هو ثمرتها فكيف احتج المهاجرون بأنهم شجرة النبي و اضاعوا ثمرة هذه الشجرة ؟! و أما حديث "الأئمة من قريـش" فمعناه أن الإمام سيكون من قريش و ليس معناه أن القرشيين فقط لهم الحق في تعيين الخليفة دون سائر أهل الحل و العقد من المسلمين لا سيما الأنصار ، كما أنني أنا من قريش أيضا فلماذا لم أُسـتَـشَـر في الأمر و تم دوني ؟!
     فهدف الإمام من اعتراضه ذاك هو ـ في الحقيقة ـ بيان أن تعيين الخليفة ينبغي ألا يتم إلا بتشاور ورضا جميع أهل الحل و العقد من كبار و وجهاء المسلمين لا أن يفتأت البعض بالأمر بسرعة دون مشورة وحضور البقية. (x)

[169][1] رجال الكشي، ص 164 (طبعة النجف). أو اختيار معرفة الرجال ، طبعة مشهد: ص 187 ، الحديث 329 .

[170][2] أبو هاشم الرماني الواسطي اسمه يحيى توفي سنة 122 و قيل 145، و أما قاسم بن كثير فكنيته أبو هاشم ونسبته الخارفي الهمداني بياع السابري روى عنه سفيان الثوري، لهما ترجمة في التهذيب و هما ثقتان (مت )

[171][3] تفسير فرات بن ابراهيم الكوفي ( و هو من أعلام الغيبة الصغرى و معاصر للمحدث الكليني  و الحافظ ابن عقدة، قيل أنه كان زيديا ) ص 474 ـ 475 (من الطبعة التي حققها محمد كاظم، طبع طهران،1410 هـ / 1990 ). (مت)

[172][4] كان علي من الناصحين للخليفتين ابي بكر و عمر و كانا يعملان بمشورته ، فمن ذلك أخذ أبي بكر برأي علي في موضوع مبدأ التأريخ الإسلامي بهجرة النبي (ص)، كماأن عمر عمل بنصح و مشورة علي له في موضوع شخوصه لحرب الفرس و حرب الروم (انظر نهج البلاغة، الخطبتين: 134 ، و 146). و لو رجعنا إلى كتاب مسند زيد بن علي عليهما السلام لوجدنا عددا من الروايات يقر فيها  الخليفة الثاني بأن عليا أعلم منه و يرجع إليه في حل كثير من الأمور ، بل يحتاط في الإجابة على سؤال رغم أنه سمع جواب مثله من النبي (ص) بنفسه و لكنه مع ذلك يعهد بالإجابة عن السؤال إلى علي (ع). (انظر مثلا الحديث السادس في باب الحيض و الاستحاضة، من كتاب الطهارة، و الحديث الثالث في باب جزاء الصيد من كتاب الحج) (برقعي)

[173][5] لم يكن الأئمة الأربعة أيضا راضون عن خلفاء عصرهم من بني العباس ، فأحمد بن حنبل أمضى سنوات طويلة في سجونهم مع ضربه بالسياط لحد فقدان الوعي بسبب رأي كلامي اختلف فيه مع المأمون. و مالك اعتقل بسبب تأييده لثورة العلويين بقيادة النفس الزكية و إفتائه بجواز نقض البيعة التي تؤخذ بالإكراه، و قد ضرب يالسياط حتى خلعت كتفه!!، كما روى عن الإمام الصادق (ع) في كتابه الموطأ. و كذلك "الشافعي" رغم أنه كان قرشيا، إلاأنه كان محبا و مؤيدا لآل علي (ع) حتى اتهم بالتعاون معهم في اليمن و اعتقل لأجل ذلك. و أشعاره في حب علي و آل النبي مشهورة يعرفها العام و الخاص. أما تأييد الإمام أبي حنيفة لثورات العلويين في عصره ، و الذي يدل على أنه كان يراهم أولى الأمة بالخلافة ولم يكن يرى مشروعية خلافة الخلفاء في عصره، فأشهر من أن يذكر ، مما حدى ببعض المؤرخين أن يعتبره شيعيا في ولائه السياسي، و قد سجن أبو حنيفة ، بسبب أرائه تلك، عدة مرات ، في زمن المنصور الدوانيقي و رفض أن يستلم أي منصب من المناصب التي عرضت عليه في عهده حتى توفي آخر الأمر و هو في سجن المنصور. (برقعي)

[174][6] تعتمد المذاهب السنية الأربعة قاعدتي التعصيب و العول في الإرث، أما التعصيب فهو أن يُعْطَى ما يتبقى من التركة، بعد أن يأخذ كل ذي فرض فرضه، لأّوْلى عصبة ذكر، و هم الأبناء ثم الآباء ثم الإخوة ثم أبناءهم ثم الأعمام ثم أولاد العم، و العباسيون وافقهم هذا الرأي حيث أنه لما لم يكن لرسول الله (ص) أبناء ( ذكور ) و لا آباء أو إخوة، كان ورثته و عصبته هم أعمامه ( العباس ) و أبناء عمه ( العباسيون )! أما في الفقه الجعفري فلا تعصيب أصلا بل يأخذ أصحاب الفروض من الطبقة الواحدة فقط كل التركة و لو كانت بنتا واحدة فقط، فرضاً ثم ردَّاً. (مت)

[175][1] هذا أيضا من علامات الكذب في هذا الحديث إذ أن معرفة أسماء الأئمة الذين اختارهم الله وفرض طاعتهم على العالمين والتي لا نجاة لمســلم إلا بها ـ حسـب قول الإمامية ـ أمرٌ ينبغي أن يُعلن و يُنشـــــر  لا أن يُخفى و  يُسـتتر عند فرد! (مت)

[176][2] أول ما يتوجه من إشكال على صحة  الحديث و أمثاله أنه من المتواتر أن عددا من الأئمة عليهم السلام لم يكونوا عالمين في بداية الأمر إلى من ستؤول الإمامة من بعدهم ، فالصادق (ع) أعلن في البداية أن ابنه الأكبر "إسماعيل " هو الإمام من بعده، لكن إسماعيل توفي في حياة أبيه!!، عندئذ قال الصادق أن الإمام هو "موسى"، وكذلك عين الإمام الهادي ابنه "محمدا" إماما بعده لكن محمدا أيضا توفي في حياة والده!! فنقل الهادي الإمامة من بعده لابنه الآخر" الحسن"، و هذا كله يناقض علمه السابق بأسماء الأئمة واحدا واحدا. و كذلك يتناقض مع حديث لوح جابر و أضرابه، ما رواه الكليني نفسه في أصول الكافي: باب "الإشارة و النص على أبي الحسن الرضا" أن الإمام موسى بن جعفر (ع) لم يكن يعلم إلى من من إولاده ستصير الإمامة من بعده و كان يمل إى إمامة ابنه "القاسم" إلى أن رأي في منامه النبي (ص) و عليا (ع) فسألهما: "أرنيه أيهما هو؟" و مع أن الإمام علي أشار إلى الرضا إلا أن الإمام الكاظم لم يطمئن حتى سأل النبي (ص) فقال: "قد جـمَعْتَـهم لي ـ بأبي و أمي ـ فأيهم هو ؟ ".  فلو كان حديث اللوح صادقا لكان حضرة الكاظم (ع) قد رآه و عرف منه أسماء الأئمة ، فما مورد هذا التساؤل منه إذن ؟؟!!
     و لقد أحصى كاتب هذه السطور ـ أثناء مطالعة أصول الكافي ـ عدد أصحاب الأئمة بدءا من الإمام الحسين (ع) و حتى الإمام الرضا (ع) ، الذين ذكرت روايات الكافي ما يدل على عدم معرفتهم من سيكون الإمام بعد إمام عصرهم، فوجدت أن عددهم بلغ مائة و أربعة!!! فلو صح حديث لوح جابر و نظائره لكان الأئمة أطلعوا على الأقل أصحابهم المقربين على أسماء الأئمة أجمعين حتى لا يتيهوا و لا يضطروا للحيرة والبحث عن كل إمام؟؟!!  أي  لو كان قول الذين ادعوا ان النبي (ص) عين اثنا عشر إماما من بعده، بأسمائهم، صحيحا، لعرف ذلك الأئمة أنفسهم و لعرف ذلك خلص أصحابهم المقربين، في أن الواقع خلاف ذلك!!  (برقعي)

[177][3] يُراجَع للتأكد من ذلك الكتب التالية: 1ـ المقالات و الفرق لسعد بن عبد الله الأشعري: ص 72. 2ـ فرق الشيعة للحسن بن موسى النوبختي: ص 82، حيث يذكر الكتابان أن سنة وفاته هي 117 هـ. 3ـ وفيات الأعيان لابن خلِّكان: ج4/ص170. 4ـ بحار الأنوار للمجلسي: ج 14/ ص 44 (من طبعة تبريز القديمة). 5ـ تاريخ اليعقوبي: ص 52 (طبعة بيروت لعام 1375هـ). 6ـ منتهى الآمال (في مصائب النبي و الآل) لعباس القمي، (بالفارسية): ص 122 (طبع العلمي) 7ـ الإصابة في تمييز الصحابة: ج1/ص215.  

[178][4] انظر: 1ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر: ج1/ص213. 2ـ أسد الغابة لابن الأثير: ج1/ص258. 3ـ التهذيب ج9/ص 77 (طبع النجف). 4ـ تتمة المنتهى: ص 69. 5ـ الإصابة: ج1/ص215.

[179][5] هذا يناقض ما جاء في الرواية السابقة من أن فاطمة رفضت إعطاء جابر اللوح قائلة أن الله نهى أن يمسه إلا نبي أو  وصي أو أهل بيت نبي! ( x )

[180][6] عيون أخبار الرضا: ج1/ص48-50 ( بيروت: مؤسسة الأعلمي، 1404هـ/1984) (مت) و يجدر بالذكر أن المحقق و المحدث المعاصر "محمد باقر البهبودي" صاحب كتاب "صحيح الكافي" (طبع الدار الإسلامية، بيروت: 1401هـ) الذي نقح فيه كتاب الكافي للكليني فحذف منه ما رآه غير صحيح و أبقى الصحيح فقط، حذف هذا الحديث معتبرا إياه غير صحيح. (برقعي)

[181][7] من المعروف أنه كان ضريرا لما ذهب لزيارة قبر الإمام الحسين سنة 61 هـ لذلك طلب من عطية العوفي أن يأخذ بيده و يوصله للقبر. (برقعي)

[182][8] عيون أخبار الرضا: ج1/ ص50-51.(مت)

[183][9] أو ج 1/ص302-303 من الطبعة التي حققها محمدجواد النائيني، (بيروت:دار الأضواء، 1408). (مت)

[184][10] هو ابن شيخ النجاشي: الحسين بن عبد الله الغضائري. (مت)

[185][11] هو عبد الله بن الإمام جعفر الصادق لقب بالأفطح لأنه كان أفطح الرأس أو أفطح الرجلين، و قد صار جمع من شيعة جعفر الصادق إلى القول بإمامته بعد وفاة أبيه و عرفوا لهذا بالفطحية  (مت)

[186][1] عيون أخبار الرضا: ج1 / ص 51.

[187][2] انظر قاموس الرجال ج6 / ص 103،و تنقيح المقال: ج 2/ ص 203، و نقد الرجال: ص 204.

[188][3] عيون أخبار الرضا: الباب السادس، ج1 / ص 60 ـ 61. (مت).

[189][4] لأنه لن يكون في ذلك اليوم أي أثر للات و العزى الصنمين الجاهليين و لا لعبادتهما، فلا معنى لاخراجهما و حرقهما إلا أن يكون المقصود بالكلام شيء آخر كما ذكر (طبا) أي وحاشا أئمة العترة أن يقولوا بمثله(مت)

[190][5] الواقفة هم الذين وقفوا على إمامة موسى (الكاظم)(ع) و أنكروا إمامة بقية الأئمة الاثني عشر بعده.(مت)

[191][6] الرجال للنجاشي: ص 32 ( طهران: مركز نشر كتاب ) (مت)

[192][7] امتدح الله تعالى نبيه الكريم (ص) بأنه ليس بخيلا في نشر كل ما أعلن إليه بالوحي من الغيب فقال عز من قائل: { و ما هو على الغيب بضنين} التكوير/24، بل حرم الله تعالى في كتابه كتمان أي أمر من حقائق الدين أشد التحريم و لعن فاعل ذلك فقال: { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولـئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون} البقرة / 159 ، و نحو ذلك في البقرة/ 174، و آل عمران/ 187. كما أمر الله تعالى رسوله أن ينذر جميع الناس على سواء دون تمييز في الإبلاغ فقال: {فـقل آذنتكم على سواء..} الأنبياء/109. و كل هذا ينفي بشدة أن يكتم النبي بيان أصول الدين و حقائق الشريعة التي فيها هداية الناس أو يختص بها بعض الناس دون الآخرين أو أن يأمر بكتمانها؟؟!! (برقعي)

[193][8] انظر المنتظم في تاريخ الأمم لابن الجوزي:ج12/ص305 (بيروت، 1412هـ/1992) (مت)

[194][9] واصل المؤلف ذكر  انتقادات أخرى طويلة نسبيا لمتن الحديث، رأيت الاكتفاء بما ذكرته، طلبا للاختصار و ابتعادا عن التطويل الممل.(مت)

[195][1] انظر عيون أخبار الرضا: ج 2/ ص 305 (مت)

[196][2] أو ج1/ص289 من الطبعة الجديدة المحققة، ترجمة ثابت بن أبي صفية الذي هو اسم أبي حمزة الثمالي (مت)

[197][3] الغيبة للشيخ الطوسي: ص 150، (قم: مؤسسة المعارف الإسلامية، 1411هـ)

[198][4] رجال النجاشي: ج1 / ص 243. (مت)

[199][5] انظر ذلك مثلا في جامع الرواة: ج1/ص 58. (مت)

[200][6] و انظرها في أصول الكافي:كتاب الحجة: باب مايفصل به بين دعوى المحق والمبطل:ج1/ص351ـ352(مت)

[201][7] لو كان هذا الحديث من كلام رسول الله (ص) حقا لقال هنا عوضا عن "نعم" "بلى يا أبا هريرة" (برقعي)

[202][8] لم أقف على المصدر الذي استقى منه المؤلف هذا الأمر عن محمد بن الهمام. و ما بين يدي من المصادر الرجالية يمدح محمد بن الهمام. و الله أعلم. (مت)

[203][9] انظر "قاموس الرجال" للعلامة التستري: ج 8 / ص 428.

[204][10] رجال النجاشي:ج2/ ص225. (مت)

[205][11] انظر الصحفة      من هذا الكتاب.

[206][12] من الجدير بالذكر أن المحدث المحقق محمد باقر البهبودي صاحب كتاب "صحيح الكافي" لم يعتبر أيا من العشرين حديثا  في هذا الباب صحيحا. (برقعي)

[207][13] نقل هذه الرواية نفسها كل من الشيخ الصدوق في كتبه و من جملتها "إكمال الدين" و الشيخ الطوسي في كتابه "الغيبة"، و لكنهما جعلا عدد الذين اسمهم علي "أربعة " خلافا لما ذكره الكليني هنا من أنهم "ثلاثة "!

[208][1] أكد أمير المؤمنين علي عليه السلام نفسه، أكثر من مرة، أن الشورى حق المهاجرين و الأنصار، من ذلك ما جاء في أحد رسائله لمعاوية (كما أوردها عنه الشريف الرضي في نهج البلاغة، الرسالة رقم 6 ، و رواها أيضا نصر بن مزاحم المنقري في كتابه "صفين" ص 29) أنه عليه السلام قال: (( إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بايعوهم عليه. فلم يكن للشاهد أن يختار و لا للغائب أن يرد، و إنما الشورى للمهاجرين الأنصار فإن اجتمعوا على رجل و سموه إماما كان ذلك  لِـلَّـهِ رضىً )). قلت : و كلام أمير المؤمنين هذا تؤيده الآية القرآنية الكريمة: { و السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه و أعد لهم جنات تجري تحنها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} التوبة / 101، و قد وصف الله تعالى أولـئك السابقين من المهاجرين و  الأنصار بأنهم: { و أمرهم شورى بينهم} الشورى/38، فإذا جلس مجموعة من الجنتيين ليتشاوروا في أمر الإمارة واختاروا أميرا عليهم أفلن يكون ذلك حتما رضىً  لِـلَّـه ؟؟
     و علاوة على ذلك فإن عليا عليه السلام كان يقول: (( و الله ما كانت لي في الخلافة رغبة و لا في الولاية إربة، و لكنكم دعوتموني إليها و حملتموني عليها )) (نهج البلاغة / الخطبة  رقم 196). فهل يعقل أن يكون عليا قد أمر من قبل الله تعالى بتولي منصب الخلافة، ثم يقول مقسما بالله أنه ليس له رغبة بالخلافة و لا إربة بها ؟! أليس لعليٍّ رغبة بتنفيذ أمر الله ؟!  هل يصح القول مثلا أن رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) لم يكن له رغبة و لا إربة بالنبوة بعد أن حمله الله تعالى أمانتها ؟؟ و العياذ بالله.
     لو كان علي منصوبا حقا من قبل الله تعالى لمنصب الخلافة والإمارة فلماذا قال ـ عندما هجم الناس على بيته ليبايعوه : (( فأقبلتم إلي إقبال العوذ المطافيل على أولادها، تقولون: البيعة البيعة! قبضت كفي فبسطتموها، و نازعتكم يدي فجاذبتموها )) ( نهج البلاغة / الخطبة 137 و 229)، في حين أنه لو كانت خلافته عليه السلام أمرا إلـهـيا، لوجب عندما وجد المقتضي لاستلامها و انتفى المانع و عاد الحق لصاحبه، لوجب على الأقل ألا يمتنع عنها و يظهر عدم ميله لها، هذا إن لم يجب عليه الإسراع لأخذها و القيام بأعبائها. لا أن يقول ـ كما روي عنه في النهج ـ (( دعوني و التمسوا غيري! أنا لكم وزيرا خيرا لكم مني أميرا، و إن تركتموني فأنا كأحدكم و أسمعكم و أطوعكم )) (نهج البلاغة/ الخطبة 91).
     و لو أن عليا عليه السلام نُصِّب فعلا من قبل الله عز و جل لأمر الخلافة ، فلماذا عوضا عن تحذيره الناس صبحا و مساء من مغبة مخالفتهم لأمر الله تعالى وتذكيرهم صبحا و مساء بخلافته الإلـهية، و سعيه بكل جهده لإحراز الخلافة التي أمره الله بالقيام بأعبائها ، و زجره الخلفاء الذين سبقوه عن غصبهم خلافته، وإعلانه للجميع بأن خلافتهم غير مشروعة و محرمة، أو على أقل تقدير يمتنع عن تأييدها و يسكت عن مدحها، لماذا نجده عليه السلام ـ بشهادة آثار قدماء الإمامية ـ يثني على الخلفاء الذين سبقوه و يمتدح خلافتهم فيقول عن أبي بكر مثلا: (( فتولى أبو بكر فقارب و اقـتـصد)) [كشف المحجة لثمرة المهجة، سيد ابن طاووس، طبع النجف، 1370هـ، ص 177]، و يقول عن عمر مثلا: ((تولى عمر الأمر فكان مرضي السيرة ميمون النقيـبة)) [الغارات، أبو اسحـق الثقفي، ج1/ص307] و يقول عنهما كليهما في مقام آخر: ((أحسنا السيرة و عدلا في الأمة)) [كتاب وقعة صفين، ص 201] ، و لماذا رضي أن يصاهره عمر في ابنته أم كلثوم [ انظر منتهى الآمال، للشيخ عباس القمي، ص 186، و وسائل الشيعة: كتاب الميراث، ج17/ ص 594]، و كان يقتدي بالشيخين في الصلاة [وسائل الشيعة: كتاب الصلاة، ج 5/ ص 383] و سمى ثلاثة من أولاده بأسماء الخلفاء أبي بكر وعمر و عثمان [الإرشاد للشيخ المفيد، دار المفيد للطباعة ، ج1/ ص 354و منتهى الآمال، ص 188و 382] .
     أفتراه فعل ذلك ـ و هو عليه السلام إمام المتقين و أسوة المؤمنين ـ لكي يفضح الغاصبين و يعرف الأمة أكثر بأصول و أحكام الشريعة خاصة أصل الإمامة  المنصوص عليها ، و يتم الحجة عليهم في ذلك ؟!  نترك الإجابة على ذلك لكل ذي إنصاف. (x)

[209][2] مروج الذهب: للمسعودي: ج2 / ص 425، و تاريخ الأمم و الملوك: للطبري: ج5 / ص 146ـ 147، و البداية و النهاية: لابن كثير: ج7 / ص 327 .

[210][3] مروج الذهب: ج2/ص425، و البداية و النهاية: ج7/ص323 إلى 324 من عدة طرق. (مت)

[211][4][211][4] و انظره أيضا في الأصول من الكافي للكليني: كتاب الحجة: باب ما يفصل به بين دعوى المحق و المبطل في أمر  الإمامة، حديث 5، ج1/ ص 348. (مت)

[212][5] سبق و أوردنا روايته مفصلة في كتابنا هذا فراجعها في ص 126 ـ 128.(مت)

[213][6] الأصول من الكافي: كتاب الحجة: باب ما يفصل به بين دعوى.. حديث 16 في:ج1 / ص 357 (مت)

[214][7] الأصول من الكافي: كتاب الحجة: باب ما يفصل به بين دعوى..حديث 17 في:ج1/ص 363. (مت)

[215][8] فخ: بئر بين التنعيم و مكة، والحسين هذا هو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي عليهما السلام و أمه زينب بنت عبد الله بن الحسن، خرج في المدينة سنة 199هـ في أيام الخليفة العباسي موسى الهادي بن المهدي بن أبي جعفر المنصور، و خرج معه جماعة كثيرة من العلويين و بايعوه بإمارة المؤمنين ثم استشهد بفخ. (مت)

[216][9] و هو أيضا في أصول الكافي:كتاب الحجة: باب ما يفصل به بين دعوى المحق و المبطل: ج1/ص366 (مت)

[217][10] المصدر السابق: نفس الكتاب و الباب: الحديث 19 في: ج1 / ص 366 ـ 367. (مت)

[218][11] تتمة نفس الحديث السابق. (مت)

[219][12] مقاتل الطالبيين: ص 537. (مت)

[220][13] ارجع إلى صفحة 220 ـ 221 من هذا الكتاب.

[221][1] من الجدير بالذكر أن هذا الإمام الهمام ان من المجاهدين في وافعة كربلاء تحت راية عمه سيد الشهداء الإمام أبي عبد الله عليه السلام ، و قد سق طجريحا في تلك المعركة ، و لما هجم أوباش يزيد ـ في آخر المعركة ـ ليقطعوا رؤوس الشهداء من أنصار الحسين(ع) البواسل، تشفَّع للحسن المثنى خاله الذي كان في جيش عمر بن سعد، و أخذه لمنزله و داوى جراحه. هذا و قد كان الحسن المثنى ختنا للإمام الحسين إذ كان زوجا  لابنته "فاطمة حور العين". (x)

[222][2] انظر: الخرائج للراوندي: ص 202، و بحار الأنوار للمجلسي: ج12/ ص13.

[223][3] كان عبد الله بن جعفر متهما أنه من المرجئة. (برقعي)

[224][4] أصول الكافي: كتاب الحجة: باب ما يفصل به بين دعوى المحق و المبطل:حديث 17:ج1/ص351.(مت)

[225][5] انظر الصفحة 241 من هذا الكتاب. (مت)

[226][6] الأصول من الكافي: كتاب الحجة: باب الإشارة و النص على أبي محمد عليه السلام، الحديث الرابع.

[227][7] الأصول من الكافي: كتاب الحجة: باب الإشارة و النص على أبي محمد عليه السلام، الحديث الخامس.

[228][8] الأصول من الكافي: كتاب الحجة: باب الإشارة و النص على أبي محمد عليه السلام، الحديث الثامن(مت)

[229][9] أصول الكافي: كتاب الحجة: باب الإشارة و النص على أبي محمد عليه السلام، الحديث العاشر.(مت)

[230][10] أصول الكافي: كتاب الحجة: باب ما جاء في الاثني عشر و النص عليهم عليهم السلام، الحديث الأول.(مت)

[231][11] ذكر المصنف نقودا لمتن الحديث بين قوسين أثناء ترجمته للفارسية و قد أطال في النقود مما لا طائل كثير تحته لأنه واضح فاختصرته نقد المتن بألفاظ من عندي في هذه الفقرة القصية طلبا للاختصار.(مت)

[232][12] فإن قال قائل كيف لم ينتبه علماء الشيعة الكبار كالشيخ الصدوق و الشيخ الطوسي و العلامة المجلسي وأمثالهم لعيوب و علل و كذب مثل أحاديث النص هذه، بل رووها في كتبهم و أوقعوا ببركتها النزاع والشحناء و سوء الظن بين ملايين المسلمين إلى يوم القيامة حيث صارت الإمامة من أصول الدين و إنكار أحد الأئمة كفر مبين ؟ فالجواب: هو أن حب الشيء يعمي و يصم، فلما كان آل محمد صلوات الله تعالى عليهم ممن ظُلِم و اضطُهِد و قُتِل و استشهد و وقع عليه من المظالم ما يفتت الأكباد، مما جعل قلوب الناس تحبهم وتهفو إليهم و تتعلق بهم، و خاصة مثل أولئك العلماء الذي كانوا، لفرط تعلقهم و محبتهم لآل محمد صلوات الله عليهم، يحرصون على إثبات مقاماتهم و إثبات مناصب إلهية لهم، و كانوا لشدة محبتهم لأئمة الآل وبغضهم لظالميهم من خلفاء بني أمية و بني العباس يتساهلون في رواية كل مايثبت لهم فضلا أو نصا من الرسول (ص) ولا يجدون في أنفسهم المجال لتمحيص و نقد مثل هذه الروايات بل يذكرون كل ما وصل إليهم، ثم جاء من بعدهم من العلماء فأخذوا عنهم رواياتهم اعتمادا على حسن ظنهم بأمثال أولئك الأعلام و لم يتصوروا أن تكون كثير من الأحايث التي رووها على هذا القدر من التناقض و التهافت و الضعف و السقوط و لا كانوا قادرين أن يصدقوا أنها من وضع عدة من الغلاة الكذبة، بل لبساطتهم و نقاوة صدورهم من الغل و الغش والخداع، صدقوا هذه الأحاديث الموضوعة و أدرجوها في كتبهم.  و أكثر هذه الأحاديث وضع في القرن الهجري الثالث، عندما تحددت فرق المسلمين و أخذت شكلها المتميز و اشتد الصراع فيما بينها، و اندفع الكثيرون، من باب التعصب لمذهبهم، ( كما هو الحال في عصرنا و في كل عصر ) للدفاع عن عقائدهم وإثباتها بكل ما يتيسر لهم من الوسائل و الحجج سواء كانت ضعيفة أو قوية! لذا كثرت الأحاديث الموضوعة و الخرافات و المعجزات العجيبة المنسوبة للأئمة،