آخر تحديث للموقع :

الأربعاء 10 رجب 1444هـ الموافق:1 فبراير 2023م 09:02:55 بتوقيت مكة

جديد الموقع

شبهات حول الصحابة - معاوية بن أبي سفيان - محمد مال الله ..
الكاتب : محمد مال الله ..

أَميرُ المُؤْمِنين مُعاويةُ بنُ أَبي سُفْيَان
شيخ الإسلام ابن تيمية

 
جمع وتقديم وتعليق
محمد مال الله

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد...
فيسرني أن أقدم الجزء الخامس من هذه السلسلة للقراء الكرام، داعياً المولى عز وجل أن ينفعهم بمحتوياتها، وأن يرحم ويجزل الثواب للإمام ابن تيمية الذي قام بالدفاع عن صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأن يرحم كذلك فضيلة الدكتور محمد رشاد سالم الذي قام بتحقيق "منهاج السنة" ووضعه هذا السفر النفيس بين أيدي الباحثين وطلبة العلم وجزى الله تعالى خيراً كل من ساهم في إخراج ذلك الكتاب.
ويلاحظ القارئ الكريم أن هذا الجزء والذي بعده – قد اقتصر على تعليقات وتخريجات محقق "منهاج السنة"، دون أن يكون لكاتب هذه السطور أي تعليقات مثل الأجزاء السابقة، والسبب أن الله تعالى أنعم على هذا العبد بفترة كان طريح الفراش يعاني من بعض الآلام التي حالت دون التعليق على هذا الجزء والذي يليه، إضافة إلى ضرورة وضع الأجزاء بين يدي القراء الكرام في أقرب وقت. وإن شاء الله تعالى – إن كان في العمر بقية – سوف نستدرك هذا التقصير في طبعات تالية بإذن الله تعالى.
وأسأل الله تعالى أن يغفر لي ما أخطأت وما قصّرت وأن يتولني برحمته وأن يضع ثواب هذا الجهد المتواضع في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وأرجو من القرء الكرام أن لا يبخلوا على كاتب هذه السطور بدعوة صالحة بظهر الغيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أبو عبد الرحمن
محمد مال الله
3 من صفر الخير 1410ه‍
 
شذرات من مناقب
أمير المؤمنين
معاوية بن أبي سفيان
رضي الله عنه
 
دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاوية
 
1 – عن عبد الرحمن بن أبي عميرة وكان من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لمعاوية: اللهم اجعله هادياً مهدياً واهْدِ به([1]).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.
2- عن أبي إدريس الخولاني قال لمّا عزل عُمر بن الخطاب عُمير بن سعيد عن حمص ولَّى معاوية، فقال الناس: عزَلَ عميراًَ وولى معاوية، فقال عمير: لا تذكروا معاوية إلا بخير، فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: اللهم اهْدِ به([2]).
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب.
 
كان أحد من كتبوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم
 
3 – قال ابن عباس: كنت غلاماً أسعى مع الصبيان، قال: فالتفتُّ فإذا نبي الله صلّى الله عليه وسلّم خلفي مقبلاً، فقلت: ما جاء نبي الله صلّى الله عليه وسلّم إلا إليّ، قال: فسعيتُ حتى أختبئ وراء باب دارٍ! قال: فلم أشعر حتى تناولني، قال: فأخذ بقَفَاي، فَحَطَأني حطْأةً، قال: اذهب فادعُ لي معاوية، وكان كاتِبَهُ، قال: فسعيتُ فقلت: أجِب نبيَّ الله صلّى الله عليه وسلّم فإنه على حاجة([3]).
 
تحريه موضع صلاة النبي صلّى الله عليه وسلّم داخل الكعبة
 
4 – عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: اعتمر معاوية، فدخل البيت، فأرسل إلى ابن عمر، وجلس ينتظر حتى جاء، فقال: أين صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم دخل البيت؟
قال: ما كنت معه، ولكني دخلت بعد أن أراد الخروج، فلقيت بلالاً، فسألته: أين صلّى؟ فأخبرني أنه صلّى بين الاسطوانتين.
فقام معاوية فصلّى بينهما([4]).
 
في عهده فتحت قبرص، وقاتل المسلمون أهل القسطنطينية
 
5 – قال سعيد بنُ عبد العزيز، لما قُتل عثمانُ، ووقع الاختلاف، لم يكن الناس غزوٌ حتى اجتمعوا على معاوية، فأغزاهم مراتٍ، ثم أغزى ابنه في جماعة من الصحابة براً وبحراً حتى أجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل([5]).
 
وقوع الإسلام بقلبه عام الحديبية
 
6 – ابن سعد: حدّثنا محمد بن عمر، حدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن عمر بن عبد الله العنسي، قال معاوية: لما كان عامُ الحُديبية، وصدُّوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن البيت، وكتبوا بينهم القضية، وقع الإسلام في قلبي، فذكرت لأمي، فقالت: إياك أن تخالف أباك، فأخفيت إسلامي، فوالله لقد رحل رسول الله من الحديبية وإنّي مصدق به، ودخل مكة عام عُمرة القضية وأنا مسلم. وعلم أبو سفيان بإسلامي، فقال لي يوماً: لكن أخوك خيرٌ منك وهو على ديني، فقلت: لم آلُ نفسي خيراً، وأظهرت إسلامي يوم الفتح، فرحَّب بي النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكتبتُ له([6]).
 
وضوءه للنبي صلّى الله عليه وسلّم
 
7 -  كنتُ أُوَضِّئ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم، فنـزع قميصه وكسانيه، فرفعتُه، وخبأتُ قُلامة أظفاره، فإذا متُّ، فألبسوني القميصَ على جلدي، واجعلوا القلامة مسحوقة في عيني، فعسى الله أن يرحمني ببركتها([7]).
 
شهادة ابن عباس له بالفقه
 
8 -  عن ابن أبي مليكة قال: "أوتر معاوية بعد العشاء بركعةٍ وعندَهُ مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: دَعهُ فإنه قد صحِبَ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم".
9 -  وعن ابن مُلَيكَةَ "قيل لابن عباسٍ: هل لكَ في أميرِ المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال: إنه فقيه"([8]).
 
كتابته الوحي للنبي صلّى الله عليه وسلّم
 
10 -  وقد ثبت في صحيح مسلم من طريق عكرمة بن عمار، عن أبي زميل سماك بن الوليد، عن ابن عباس، قال: قال أبو سفيان: يا رسول الله ثلاثاً أعطنيهن، قال: نعم، قال: تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم! قال ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم: وذكر الثالثة وهو أنه أراد أن يزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بابنته الأخرى عزة بنت أبي سفيان، واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فقال: "إن ذلك لا يحل لي".
والمقصود منه أن معاوية كان من جملة الكتاب بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذين يكتبون الوحي.
11 -  وروى الإمام أحمد، ومسلم، والحاكم في مستدركه من طريق أبي عوانة _ الوضاح بن عبد الله اليشكري. عن أبي حمزة عمران بن أبي عطاء، عن ابن عباس. قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلي، فاختبأت على باب فجاءني فخطأني خطأت أو خطأتين، ثم قال: "اذهب فادع لي معاوية- وكان يكتب الوحي – قال: فذهبت فدعوته له فقيل: إنه يأكل، فأتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه، فأتيته الثانية فقيل: إنه يأكل فأخبرته؛ فقال في الثالثة: لا أشبع الله بطنه" قال: فما شبع بعدها؛ وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميراً، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك.
12 -  وأما في الآخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة. أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه – وليس لذلك أهلاً – فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة.
فركب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية([9]).
 
من خطبته
 
13 -  عن عُبادة بن نُسَيّ، قال: خطب معاوية، فقال: إني من زرعٍ قد استحصد، وقد طالت إمرتي عليكم حتى ملِلتُكم ومللتموني، ولا يأتيكم بعدي خير مني، كما أن من كان قبلي خير مني. اللهم قد أحببت لقاءك فأحبَّ لقائي([10]).
14 -  عن ثابت مولى سفيان: سمعتُ معاويةَ، وهو يقول: إني لستُ بخيركم، وإن فيكم من هو خير مني: ابن عمر، وعبد الله بن عمرو وغيرهما. ولكني عسيتُ أن أكونَ أنكاكم في عدوّكم، وأنعمكم لكم ولايةً، وأحسنكم خُلقاً([11]).
 
معاوية أميراً على الشام
 
15 -  وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن قدامة الجوهري حدثني عبد العزيز بن يحيى عن شيخ له. قال: لما قدم عمر بن الخطاب الشام تلقاه معاوية في موكب عظيم، فلما دنا من عمر قال له: أنت صاحب الموكب؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: هذا حالك مع ما بلغني من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك؟ قال: هو ما بلغك من ذلك. قال: ولم تفعل هذا؟ لقد هممت أن آمرك بالمشي حافياً إلى بلاد الحجاز، قال: يا أمير المؤمنين إنا بأرض جواسيس العدو فيها كثيرة، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يكون فيه عز للإسلام وأهله ويرهبهم به، فإن أمرتني فعلت، وإن نهيتني انتهيت. فقال له عمر: يا معاوية ما سألتك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرب، لئن كان ما قلت حقاً إنه لرأي أريت، ولئن كان باطلاً إنه لخديعة أديت. قال: فمرني يا أمير المؤمنين بما شئت، قال: لا آمرك ولا أنهاك. فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته فيه؟! فقال عمر: لحسن موارده ومصادره جشمناه ما جشمناه. وفي رواية أن معاوية تلقي عمر حين قدم الشام، ومعاوية في موكب كثيف، فاجتاز بعمر وهو وعبد الرحمن بن عوف راكبان على حمار، ولم يشعر بهما، فقيل له: إنك جاوزت أمير المؤمنين، فرجع، فلما رأى عمر ترجل وجعل يقول له ما ذكرنا، فقال عبد الرحمن بن عوف: ما أحسن ما صدر عما أوردته فيه يا أمير المؤمنين!؟ فقال: من أجل ذلك جشمناه ما جشمناه([12]).
 
سرد شبهات الرافضة حول معاوية رضي الله عنه والرد عليها واحدة واحدة
 
قال الرافضي: "مع أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعن معاوية الطليق بن الطليق، اللعين بن اللعين، وقال: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه. وكان من المؤلفة قلوبهم، وقاتل علياً وهو عندهم رابع الخلفاء، إمام حق، وكل من حارب إمام حق فهو باغ ظالم".
قال: "وسبب ذلك محبة محمد بن أبي بكر لعليّ عليه السلام، ومفارقته لأبيه، وبغض معاوية لعلي ومحاربته له. وسموه كاتب الوحي ولم يكتب له كلمة واحدة من الوحي، بل كان يكتب له رسائل. وقد كان بين يدي النبي صلّى الله عليه وسلّم أربعة عشر نفساً يكتبون الوحي، أولهم وأخصهم وأقربهم إليه عليّ بن أبي طالب عليه السلام، مع أن معاوية لم يزل مشركاً بالله تعالى في مدة كَوْن النبي صلّى الله عليه وسلّم مبعوثاً – يُكذِّب بالوحي ويهزأ بالشرع".
والجواب: أن يقال: "أما ما ذكره من أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لعن معاوية وأمر بقتله إذا رؤي على المنبر، فهذا الحديث ليس في شيء من كتب الإسلام التي يرجع إليها في علم النقل، وهو عند أهل المعرفة بالحديث كذب موضوع مختلق على النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا الرافضي الراوي له لم يذكر له إسناداً حتى يُنظر فيه، وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات([13]).
ومما يبيّن كذبه أن منبر النبي صلّى الله عليه وسلّم قد صعد عليه بعد معاوية من كان خيراً منه باتفاق المسلمين. فإن كان يجب قتل من صعد عليه لمجرد الصعود على المنبر، وجب قتل هؤلاء كلهم. ثم هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن مجرد صعود المنبر لا يبيح قتل مسلم. وإن أمر بقتله لكونه تولّى الأمر وهو لا يصلح، فيجب قتل كل من تولّى الأمر بعد معاوية ممن معاوية أفضل منه. وهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من نهيه عن قتل ولاة الأمور وقتالهم، كما تقدم بيانه.
ثم الأمة متفقة على خلاف هذا؛ فإنها لم تقتل كل من تولّى أمرها ولا استحلّت ذلك. ثم هذا يوجب من الفساد والهرج ما هو أعظم من ولاية كل ظالم، فكيف يأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بشيء يكون فعله أعظم فساداً من تركه؟!
وأما قوله: "إنه الطليق ابن الطليق".
فهذا ليس نعت ذم؛ فإن الطلقاء هم مسلمة الفتح، الذين أسلموا عام فتح مكة، وأطلقهم النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكانوا نحواً من ألفي رجل، وفيهم من صار من خيار المسلمين، كالحارث بن هشام، وسهل بن عمرو([14])، وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، ويزيد بن أبي سفيان، وحكيم بن حزام، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي صلّى الله عليه وسلّم الذي كان يهجوه ثم حسن إسلامه، وعتّاب بن أسيد الذي ولاّه النبي صلّى الله عليه وسلّم مكة لما فتحها([15]) وغير هؤلاء ممن حَسُن إسلامه.
ومعاوية ممن حَسُن إسلامه باتفاق أهل العلم. ولها ولاّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه موضع أخيه يزيد بن أبي سفيان لما مات أخوه يزيد بالشام، وكان يزيد بن أبي سفيان من خيار الناس، وكان أحد الأمراء الذين بعثهم أبو بكر وعمر لفتح الشام: يزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص، مع أبي عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، فلما توفي يزيد بن أبي سفيان ولّى عمر مكانه أخاه معاوية، وعمر لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، وليس هو ممن يحابي في الولاية، ولا كان ممن يحب أبا سفيان أباه، بل كان من أعظم الناس عداوة لأبيه أبي سفيان قبل الإسلام، حتى أنه لما جاء به العباس يوم فتح مكة كان عمر حريصاً على قتله، حتى جرى بينه وبين العباس نوع من المخاشنة بسبب بغض عمر لأبي سفيان. فتولية عمر لابنه معاوية ليس لها سبب دنيوي، ولولا استحقاقه للإمارة لما أمّره.
ثم إنه بقي في الشام عشرين سنة أميراً، وعشرين سنة خليفة، ورعيته من أشد الناس محبة له وموافقة له، وهو من أعظم الناس إحساناً إليهم وتأليفاً لقلوبهم، حتى إنهم قاتلوا معه عليّ بن أبي طالب وصابروا عسكره، حتى قاوموهم وغلبوهم، وعليٌّ أفضل منه وأعلى درجة، وهو أولى بالحق منه وأحق بالأمر، ولا ينكر ذلك منهم إلا معاند أو من أعمى الهوى قلبه.
ولم يكن معاوية قبل تحكيم الحكمين يدَّعي الأمر لنفسه، ولا يتسمَّى باسم أمير المؤمنين، بل إنما ادّعى ذلك بعد حكم الحكمين، وكان غير واحد من عسكر معاوية يقول له: لم ذا تقاتل علياً وليس لك سابقته ولا فضله ولا صهره، وهو أولى بالأمر منك؟ فيعترف لهم معاوية بذلك. لكن قاتلوا مع معاوية لظنهم أن عسكر عليّ فيه ظلمة يعتدون عليهم كما اعتدوا على عثمان، وأنهم يقاتلونهم دفعاً لصيالهم عليهم، وقتال الصائل جائز، ولهذا لم يبدؤوهم بالقتال حتى بدأهم أولئك ولهذا قال الأشتر النخعي: إنهم يُنصرون علينا لأنَّا بدأناهم بالقتال.
وعليّ رضي الله عنه كان عاجزاً عن قهر الظلمة من العسكرَيْن، ولم تكن أعوانه يوافقونه على ما يأمر به، وأعوان معاوية يوافقونه، وكان يرى أن القتال يحصل به المطلوب، فما حصل به إلا ضد المطلوب، وكان في عسكر معاوية من يتهم عليّاً بأشياء من الظلم هو بريء منها، وطالب الحق من عسكر معاوية يقول: لا يمكننا أن نبايع إلا من يعدل علينا ولا يظلمنا، ونحن إذا بايعنا ظلمنا عسكره، كما ظُلم عثمان. وعليّ إما عاجز عن العدل فينا، أو غير فاعل لذلك، وليس علينا أن نبايع عاجزاً عن العدل ولا تاركاً له. فأئمة السنة يعلمون أنه ما كان القتال مأمور به: لا واجباً ولا مستحباً، ولكن يعذرون من اجتهد فأخطأ.
 
حُسن إسلام المؤلفة قلوبهم
 
وأما قوله: "كان معاوية من المؤلَّفة قلوبهم".
فنعم وأكثر الطلقاء كلهم من المؤلفة قلوبهم، كالحارث بن هشام، وابن أخيه عكرمة بن أي جهل، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وحكيم بن خزام، وهؤلاء من خيار المسلمين. والمؤلفة قلوبهم غالبهم حَسُن إسلامه، وكان الرجل منهم يُسلم أول النهار رغبة منه في الدنيا، فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس.
وأما قوله: "وقاتل عليّاً وهو عندهم رابع الخلفاء إمام حق، وكل من قاتل إمام حقٍ فهو باغ ظالم".
فيقال له: أولاً الباغي قد يكون متأوّلاً معتقداً أنه على حق، وقد يكون متعمداً يعلم أنه باغٍ، وقد يكون بَغْيُهُ مركبّاً من شبهة وشهوة، وهو الغالب. وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح فيما عليه أهل السنة؛ فإنهم لا ينـزهون معاوية ولا من هو أفضل منه من الذنوب، فضلاً عن تنـزيههم عن الخطأ في الاجتهاد، بل يقولون: إن الذنوب لها أسباب تُدفع عقوبتها من التوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفِّرة، وغير ذلك. وهذا أمر يعم الصحابة وغيرهم. والحكاية المعروفة عن المسور بن مخرمة، وكان من خيار صغار الصحابة، لما أتى معاوية، وخلا به، وطلب منه أن يخبره بجميع ما ينقمه عليه، فذكر له المسور جميع ما ينقمه عليه. فقال: ومع هذا يا مسور ألك سيئات؟ قال: نعم. قال: أترجو أن يغفرها الله؟ قال: نعم. فما جعلك أرجى لرحمة الله مني؟ وإني مع ذلك والله ما خُيِّرت بين الله وبين غيره إلا اخترت الله على غيره، ووالله لما أليه من الجهاد وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل من عملك، وأنا على دين يقبل من أهله الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات، فما جعلك أرجى لرحمة الله من؟ قال المسور بن مخرمة: فخصمني. أو كما قال.
ويقال لهم: ثانياً: أما أهل السنة فأصلهم مستقيم مطّرد في هذا الباب. وأما أنتم فمتناقضون. ذلك أن النواصب – من الخوارج وغيرهم – الذين يكفّرون عليّاً أو يفسّقونه أو يشكّون في عدالته من المعتزلة والمروانية وغيرهم، لو قالوا لكم: ما الدليل على إيمان عليّ وإمامته وعدله؟ لم يكن لكم حجة؛ فإنكم إن احتججتم بما تواتر من إسلامه وعبادته، قالوا لكم: وهذا متواتر عن الصحابة، والتابعين والخلفاء الثلاثة، وخلفاء بني أمية كمعاوية ويزيد وعبد الملك وغيرهم، وأنتم تقدحون في إيمانهم، فليس قدحنا في إيمان عليّ وغيره إلا وقد حكم في إيمان هؤلاء أعظم، والذين تقدحون أنتم فيهم أعظم من الذين نقدح نحن فيهم. وإن احتججتم بما في القرآن من الثناء والمدح. قالوا: إن آيات القرآن عامة تتناول أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم مثل ما تتناول عليّاً أو أعظم من ذلك. وأنتم قد أخرجتم هؤلاء من المدح والثناء فإخراجنا عليّاً أيسر. وإن قلتم بما جاء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في فضائله: قالوا هذه الفضائل روتها الصحابة الذين رووا فضائل أولئك، فإن كانوا عدولاً فاقبلوا الجميع، وإن كانوا فسّاقاً فإن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا، وليس لأحد أن يقول في الشهود: إنهم إن شهدوا لي كانوا عدولاً، وإن شهدوا عليّ كانوا فسّاقاً، أو: إن شهدوا بمدح من أحببته كانوا عدولاً، وإن شهدوا بمدح من أبغضته كانوا فسّاقاً.
وأما إمامة عليّ فهؤلاء ينازعونكم في إمامته هم وغيرهم. فإن احتججتم عليهم بالنص الذي تدّعونه، كان احتجاجهم بالنصوص التي يدّعونها لأبي بكر – بل العباس – معارضاً لذلك، ولا ريب عند كل على تصديقها بدلالات كثيرة يعلمها من ليس من علماء أهل الحديث. وإن احتججتم بمبايعة الناس له. قالوا: من المعلوم أن الناس اجتمعوا على بيعة أبي بكر وعمر وعثمان أعظم مما اجتمعوا على بيعة عليّ، وأنتم قد قدحتم في تلك البيعة، فالقدح في هذه أيسر، فلا تحتجون على إمامة عليّ بنص ولا إجماع إلا كان مع أولئك من النص والإجماع ما هو أقوى من حجتكم، فيكون إثبات خلافة من قدحتم في خلافته أولى من إثبات خلافة من أثبتم خلافته.
وهذا لا يرد على أهل السنة؛ فإنهم يثبتون خلفة الخلفاء كلهم، ويستدلون على صحة خلافتهم بالنصوص الدالة عليها، ويقولون: إنها انعقدت بمبايعة أهل الشوكة لهم، وعليّ بايعه أهل الشوكة، وإن كانوا لم يجتمعوا عليه كما اجتمعوا عَلَى من قبله، لكن لا ريب أنه كان له سلطان وقوة بمبايعة أهل الشوكة له، وقد دل النصّ على أن خلافته خلافة نبوة.
وأما تخلف من تخلف عن مبايعته، فعذرهم في ذلك أظهر من عذر سعد بن عبادة وغيره لما تخلّفوا عن بيعة أبا بكر، وإن كان لم يستقر تخلف أحد إلا سعد وحده، وأما عليّ وغيره فبايعوا الصديق بلا خلاف بين الناس. لكن قيل: إنهم إن تأخروا عن مبايعته ستة أشهر، ثم بايعوه.
وهم يقولون للشيعة: عليّ إما أن يكون تخلّف أولاً عن بيعة أبي بكر، ثم بايعه بعد ستة أشهر، كما تقول ذلك طائفة من أهل السنة مع الشيعة. وإما يكون بايعه أول يوم، كما يقول ذلك طائفة أخرى. فإن كان الثاني بطل قول الشيعة: إنه تخلّف عن بيعته، وثبت أنه كان من أول السابقين إلى بيعته. وإن كان الأول، فعذر من تخلف عن بيعة عليّ أظهر من عذر من تخلف عن بيعة أبي بكر، لأن النص والإجماع المثبتين لخلافة أبي بكر، ليس في خلافة عليّ مثلها، فإنه ليس في الصحيحين ما يدل على خلافته، وإنما روى ذلك أهل السنن.
وقد طعن أهل الحديث في حديث سفينة([16]). وأما الإجماع فقد تخلف عن بيعته والقتال معه نصف الأمة، أو أقل أو أكثر.
والنصوص الثابتة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم تقتضي أن ترك القتال كان خيراً للطائفتين، وأن القعود عن القتال كان خيراً من القيام فيه، وأن عليّاً، مع كونه أوْلى بالحق من معاوية وأقرب إلى الحق من معاوية، لو ترك القتال لكان أفضل وأصلح وخيراً.
وأهل السنة يترحّمون على الجميع، ويستغفرون لهم، كما أمرهم الله تعالى بقوله: { وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } [الحشر: 10].
وأما الرافضي فإذا قدح في معاوية رضي الله عنه بأنه كان باغياً ظالماًًًًًً: قال له الناصبي: وعليّ أيضاً كان باغياً ظالماً لما قتل المسلمين على إمارته، وبدأهم بالقتال، وصال عليهم، وسفك دماء الأمة بغير فائدة لهم: لا في دينهم ولا في دنياهم، وكان السيف في خلافته مسلولاً على أهل الملة، مكفوفاً عن الكفّار.
والقادحون في عليّ طوائف: طائفة تقدح فيه وفيمن قاتله جميعاً. وطائفة تقول فسق أحدهما لا بعينه، كما يقول ذلك عمرو بن عبيد وغيره من شيوخ المعتزلة، ويقول في أهل الجمل: فسق إحدى الطائفتين لا بعينها، وهؤلاء يفسِّقون معاوية. وطائفة تقول: هو الظالم دون معاوية، كما يقول ذلك المروانية. وطائفة تقول: كان في أول الأمر مصيباً، فلما حكّم الحكمين كفر وارتد عن الإسلام، ومات كافراً. وهؤلاء هم الخوارج.
فالخوارج والمروانية وكثير من المعتزلة وغيرهم يقدحون في عليّ رضي الله عنه. وكلهم مخطئون في ذلك ضالّون مبتدعون. وخطأ الشيعة في القدح في أبي بكر وعمر أعظم من خطأ أولئك. فإن قال الذاب عن عليّ: هؤلاء الذين قاتلهم عليّ كانوا بغاة، فقد ثبت في الصحيح أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعمّار بن ياسر رضي الله عنه: ”تقتلك الفئة الباغية“ وهم قتلوا عمّاراً. فههنا للناس أقوال: منهم من قدح في حديث عمّار، ومنهم من تأوّله على أن الباغي الطالب، وهو تأويل ضعيف. وأما السلف والأئمة فيقول أكثرهم – كأبي حنيفة ومالك وأحمد ويغرهم: لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية؛ فإن الله لم يأمر بقتالها ابتداءً، بل أمر إذا اقتتلت طائفتان أن يُصلح بينهما، ثم إن بغت إحداهما على الأخرى قوتلت التي تبغي. وهؤلاء قوتلوا ابتداءً قبل أن يبدؤوا بقتال. ومذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما أن مانعي الزكاة إذا قالوا: نحن نؤديها بأنفسنا ولا ندفعها إلى الإمام، لم يكن له قتالهم، ولهذا كان هذا القتال عن أحمد وغيره – كمالك – قتال فتنة. وأبو حنيفة يقول: لا يجوز قتال البغاة حتى يبدؤوا بقتال الإمام. وهؤلاء لم يبدؤوه بل الخوارج بدؤوا به. وأما قتال الخوارج فهو ثابت بالنص والإجماع.
فإن قال الذاب عن عليّ: كان عليّ مجتهداً في ذلك. قال له منازعه: ومعاوية كان مجتهداً في ذلك. فإن قال: كان مجتهداً مصيباً، ففي الناس من يقول له: ومعاوية كان مجتهداً مصيباً أيضاً، بناءً على أن كل مجتهد مصيب. وهو قول الأشعري. ومنهم من يقول: بل معاوية مجتهد مخطئ وخطأ المجتهد مغفور. ومنهم من يقول: بل المصيب أحدهما لا بعينه. ومن الفقهاء من يقول: كلاهما كان مجتهداً، لكن عليّ كان مجتهداً مصيباً، ومعاوية كان مجتهداً مخطئاً. والمصيب له أجران، والمخطئ له أجر. ومنهم من يقول بل كلاهما مجتهد مصيب بناء على قولهم كل مجتهد مصيب، وهو قول الأشعري وكثير من أصحابه، وطائفة من أصحاب أحمد وغيره، ومنهم من يقول: المصيب واحد لا بعينه.
وهذه الأقوال ذكرها أبو عبد الله بن حامد عن أصحاب الإمام أحمد، لكن المنصوص عنه نفسه وعن أمثاله من الأئمة أن ترك القتال كان خيراً من فعله، وأنه قتال فتنة.
ولهذا كان عمران بن حصين رضي الله عنه ينهى عن بيع السلاح فيه، ويقول: لا يباع السلاح في الفتنة. وهذا قول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وأسامة بن زيد رضي الله عنهم، وأكثر من كان بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهو قول أكثر أئمة الفقه والحديث.
وقالت الكرَّامية: بل كلاهما إمام مصيب، ويجوز عقد البيعة لإمامين عند الحاجة، ومن نازعه في أنه كان إمام حق لم يكن الرافضي أن يحتج على إمامته بحجةٍ إلا نَقَضَها ذلك المعارض، ومن سلم له أنه كان إمام حق كأهل السنة فإنه يقول: الإمام الحق ليس معصوماً، ولا يجب على الإنسان أن يقاتل معه كل من خرج عن طاعته، ولا يطيعه الإنسان فيما يعلم أنه معصية لله، أو أن تركه خير من فعله.
والصحابة الذين لم يقاتلوا معه كانوا يعتقدون أن ترك القتال خير من القتال، وأنه معصية، فلم يجب عليهم موافقته في ذلك.
والذين قاتلوه لا يخلو: إما أن يكونوا عصاة، أو مجتهدين مخطئين، أو مصيبين. وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح في إيمانهم ولا يمنعهم الجنة.
فإن الله تعالى قال: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الحجرات: 9، 10]، فسمّاهم إخوة ووصفهم بأنهم مؤمنون مع وجود الاقتتال بينهم، والبغي من بعضهم على بعض.
فمن قاتل عليّاً: فإن كان باغياً فليس ذلك بمخرجه من الإيمان ولا بموجب له النيران، ولا مانع له من الجنان؛ فإن البغي إذا كان بتأويل كان صاحبه مجتهداً.
ولهذا اتفّق أهل السنة على أنه لا تفسق واحدة من الطائفتين، وإن قالوا في إحداهما: إنهم كانوا بغاة لأنهم كانوا متأوّلين مجتهدين، والمجتهد المخطئ لا يَكْفُر ولا يفسق، وإن تعمد البغي فهو ذنب من الذنوب، والذنوب يرفع عقابها بأسباب متعددة: كالتوبة، والحسنات الماحية، والمصائب المكفّرة، وشفاعة النبي صلّى الله عليه وسلّم، ودعاء المؤمنين وغير ذلك.
وأما قوله: "إن سبب ذلك محبة محمد بن أبي بكر لعليّ، ومفارقته لأبيه".
فكذب بيّن، وذلك أن محمد بن أبي بكر في حياة أبيه لم يكن إلا طفلاً له أقل من ثلاث سنين، وبعد موت أبيه كان من أشد الناس تعظيماً لأبيه، به كان يتشرف، وكانت له بذلك حرمة عند الناس.
 
شقيقة معاوية أم المؤمنين
 
وأما قوله: "إن سبب قولهم: لمعاوية: إنه خال المؤمنين دون محمد، أن محمداً هذا كان يحب عليّاً، ومعاوية كان يبغضه".
فيقال: هذا كذب أيضاً؛ فإن عبد الله بن عمر كان أحق بهذا من المعنى من هذا وهذا، وهو لم يقاتل لا مع هذا ولا مع هذا، وكان معظِّماً لعليّ، محباً له، يذكر فضائله ومناقبه، وكان مبايعاً لمعاوية لما اجتمع عليه الناس غير خارج عليه، وأخته أفضل من أخت معاوية، وأبوه أفضل من أبي معاوية، والناس أكثر محبة وتعظيماً له من معاوية ومحمد، ومع هذا فلم يشتهر عنه خال المؤمنين. فعُلم أنه ليس سبب ذلك ما ذكره.
وأيضاً فأهل السنّة يحبون الذين لم يقاتلوا عليّاً أعظم مما يحبون من قاتله، ويفضِّلون من لم يقاتله على من قاتله، كسعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم. فهؤلاء أفضل من الذين قاتلوا عليّاً عند أهل السنة. والحب لعليّ وترك قتاله خير بإجماع أهل السنة من بغضه وقتاله. وهم متفقون على وجوب موالاته ومحبته، وهم من أشد الناس ذبّاً عنه، ورداً على من يطعن عليه من الخوارج وغيرهم من النواصب، لكن لكل مقام مقال.
والرافضة لا يمكنهم أن يثبتوا وجوب موالاته كما يمكن أهل السنة. وأهل السنة متفقون على ذم الخوارج الذين هم أشد بغضاً له وعداوة من غيرهم. وأهل السنة متفقون على ذم الخوارج الذين هم أشد بغضاً له وعداوة من غيرهم. وأهل السنة متفقون على وجوب قتالهم، فكيف يفتري المفتري عليهم بأن قَدَح هذا لبغضه عليّاً وذَمّ هذا لحبه عليّاً، مع أنه ليس من أهل السنة من يجعل بغض عليّ طاعة ولا حسنة، ولا يأمر بذلك، ولا من يجعل مجرد حبه سيئة ولا معصية، ولا ينهى عن ذلك.
وكتب أهل السنة من جميع الطوائف مملوءة بذكر فضائله ومناقبه، وبذم الذين يظلمونه من جميع الفرق، وهم ينكرون على من سبَّه، وكارهون لذلك. وما جرى من التسابّ والتلاعن بين العسكرين، من جنس ما جرى من القتال. وأهل السنة من أشد الناس بغضاً وكراهة لأن يُتعرض له بقتال أو سب، بل هم كلهم متفقون على أنه أجلّ قدراً، وأحق بالإمامة، وأفضل عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين من معاوية وأبيه وأخيه الذي كان خيراً منه، وعليّ أفضل ممن هو أفضل من معاوية رضي الله عنه، فالسابقون الأولون الذين بايعوا تحت الشجرة كلهم أفضل من الذين أسلموا عام الفتح، وفي هؤلاء خلق كثير أفضل من معاوية، وأهل الشجرة أفضل من هؤلاء كلهم، وعليّ أفضل جمهور الذين بايعوا تحت الشجرة، بل هو أفضل منهم كلهم إلا الثلاثة، فليس في أهل السنة من يقدّم عليه أحداً غير الثلاثة، بل يفضّلونه على جمهور أهل بدر وأهل بيعة الرضوان وعلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
وما في السنة من يقول: إن طلحة والزبير وسعداً وعبد الرحمن بن عوف أفضل منه، بل غاية ما قد يقولون السكوت عن التفضيل بين أهل الشورى، وهؤلاء أهل الشورى عندهم أفضل السابقين الأولين، والسابقون الأولون أفضل من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، وهم على أصح القولين الذين بايعوا تحت الشجرة عام الحديبية، قيل: من صلّى إلى القبلتين، وليس بشيء.
 وممن أسلم بعد الحديبية خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وشيبة الحجبي([17]) وغيرهم. وأما سهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وأبو سفيان بن حرب، وابناه يزيد ومعاوية، وصفوان بن أمية، وغيرهم، فهؤلاء مسلمة الفتح. ومن الناس من يقول: إن معاوية رضي الله عنه أسلم قبل أبيه، فيجعلونه من الصنف الأول.
وقد ثبت في الصحيح أنه كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف كلام، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”يا خالد لا تسبُّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحُد ذهباً ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه“([18]). فنهى خالد ونحوه، من أنفق بعد الفتح وقاتل، أن يتعرضوا للذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وبيَّن أن الواحد من هؤلاء لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه.
فإذا كان نهيه لخالد بن الوليد وأمثاله من مسلمة الحديبية، فكيف مسلمة الفتح الذين لم يسلموا إلا بعد فتح مكة؟ مع أن أولئك كانوا مهاجرين؛ فإن خالداً وعمْرواً ونحوهما ممن أسلم بعد الحديبية، وقبل فتح مكة، وهاجر إلى المدينة هو من المهاجرين، وأما الذين أسلموا بعد فتح مكة فلا هجرة لهم؛ فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ”لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيَّة، وإذا استنفرتم فانفروا“ رواه البخاري([19]).
ولهذا كان إذا أُتي بالواحد من هؤلاء ليبايعه بايعه على الإسلام ولا يبايعه على الهجرة. ومن هؤلاء أكثر بني هاشم، كعُقيل بن أبي طالب، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكذلك العباس؛ فإنه أدرك النبي صلّى الله عليه وسلّم في الطريق وهو ذاهب إلى مكة، لم يصل إلى المدينة. وكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا غير أبي سفيان بن حرب، وكان شاعراً يهجو النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأدركه في الطريق، وكان ممن حسن إسلامه، وكان هو والعباس مع النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم حُنين لما انكشف الناس آخذين ببغلته. فإذا كانت هذه مراتب الصحابة عند أهل السنة، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وهم متفقون على تأخر معاوية وأمثاله من مسلمة الفتح عمَّن أسلم بعد الحديبية، وعلى تأخر هؤلاء عن السابقين الأولين أهل الحديبية، وعلى أن البدريين أفضل من غير البدريين، وعلى أن علياً أفضل من جماهير هؤلاء – لم يُقدَّم عليه أحد غير الثلاثة، فكيف ينسب إلى أهل السنة تسويته بمعاوية، أو تقديم معاوية عليه؟
نعم مع معاوية طائفة كثيرة من المروانية وغيرهم، كالذين قاتلوا معه وأتباعهم بعدهم، يقولون: إنه كان في قتاله على الحق مجتهداً مصيباً، وأن علياً ومن معه كانوا إما ظالمين وإما مجتهدين مخطئين، وقد صُنِّف لهم في ذلك مصنفات مثل كتاب "المروانية" الذي صنَّفه الجاحظ([20])، وطائفة وضعوا لمعاوية فضائل ورووا أحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في ذلك كلها كذب، ولهم في ذلك حجج طويلة ليس هذا موضعها.
ولكن هؤلاء عند أهل السنة مخطئون في ذلك، وإن كان خطأ الرافضة أعظم من خطأهم. ولا يمكن الرافضة أن ترد على هؤلاء بحجة صحيحة مع اعتقادهم مذهب الإمامية، فإن حجج الإمامية متناقضة، يحتجون بالحجج التي ينقضونها في موضع آخر، ويحتجون بالحجة العقلية أو السمعية مع دفعهم لما هو أعظم منها، وبخلاف أهل السنة فإن حججهم مطَّردة، كالمسلمين مع النصارى وغيرهم من أهل الكتاب، فيمكن لأهل السنة الانتصار لعلي ممن يذمه ويسبه أو يقول: إن الذين قاتلوه أولى بالحق منه، كما يمكن للمسلمين أن ينصروا المسيح ممن كذَّبه من اليهود وغيرهم، بخلاف النصارى فإنهم لا يمكنهم نصر قولهم في المسيح بالحجج العلمية على من كذبه من اليهود وغيرهم.
والمنتقصون لعليّ من أهل البدع طوائف: طائفة تكفره كالخوارج، وهؤلاء يكفِّرون معه عثمان وجمهور المسلمين، فثبت أهل السنة إيمان عليّ ووجوب موالاته بمثل ما يثبتون به إيمان عثمان ووجوب موالاته.
وطائفة يقولون: إنه وإن كان أفضل من معاوية، لكن كان معاوية مصيباً في قتاله، ولم يكن عليٍّ مصيباً في قتال معاوية، وهؤلاء كثيرون كالذين قاتلوا مع معاوية، وهؤلاء يقولون – أو جمهورهم –: إن علياً لم يكن إماماً مفترض الطاعة لأنه لم يثبت خلافته بنص ولا إجماع.
وهذا القول قاله طائفة أخرى ممن يراه أفضل من معاوية، وأنه أقرب إلى الحق من معاوية، ويقولون: إن معاوية لم يكن مصيباً في قتاله، لكن يقولون مع ذلك: إن الزمان كان زمان فتنة وفُرقة، لم يكن هناك إمام جماعة ولا خليفة.
وهذا القول قاله كثير من علماء أهل الحديث البصريين والشاميين والأندلسيين. وكان بالأندلس من بني أمية يذهبون إلى هذا القول، ويترحّمون على عليّ، ويثنون عليه، لكن يقولون: لم يكن خليفة، وإنما الخليفة من اجتمع الناس عليه، ولم يجتمعوا على عليّ. وكان من هؤلاء من يربع بمعاوية في خطبة الجمعة، فيذكر الثلاثة ويربع معاوية، ولا يذكر عليّاً، ويحتجون بأن معاوية اجتمع عليه الناس بالمبايعة لما بايعه الحسن، بخلاف عليّ فإن المسلمين لم يجتمعوا عليه، ويقولون لهذا: ربّعنا معاوية، لا لأنه أفضل من عليّ، بل عليّ أفضل منه، كما أن كثيراً من الصحابة أفضل من معاوية وإن لم يكونوا خلفاء.
وهؤلاء قد احتج عليهم الإمام أحمد وغيره بحديث سفينة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً“. وقال أحمد: من لم يربّع عليّ في الخلافة فهو أضل من حمار أهله. وتكلم بعض هؤلاء في أحمد بسب هذا الكلام، وقال: قد أنكر خلافته من الصحابة: طلحة، والزبير، وغيرهما ممن لا يقال فيه هذا القول. واحتجوا بأن الأحاديث التي فيها ذكر خلافة النبوة لا يُذكر فيها إلا الخلفاء الثلاثة.
مثل ما روى الإمام أحمد في مسنده عن حمّاد بن سلمة، عن عليّ بن زيد بن جدعان، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوماً: ”أيكم رأى رؤيا؟“ فقلت: أنا يا رسول الله، رأيت كأن ميزاناً دُلِّيَ من السماء فوُزِنْتُ بأبي بكر فرجحت أبي بكر، ثم وُزن أبو بكر بعمر فرجح أبو بكر بعمر، ثم وزن عمر بعثمان فرجح بعثمان ثم رفع الميزان. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء“([21]).
وروى أبو داود حديثاً عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر“. قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأما نَوْط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه"([22]).
وروى أبو داود من حديث سمرة بن جندب أن رجلاً قال: يا رسول الله رأيت كان دلواً دُلي من السماء، فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها، فشرب شرباً ضعيفاً، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلَّع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلَّع، ثم جاء عليّ فأخذ بعراقيها فانتشطت فانتضح عليه منها شيء([23]).
وروي عن الشافعي وغيره أنهم قالوا: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر وعمر، وعثمان.
وما جاءت به الأخبار النبوية الصحيحة حق كله، فالخلافة التامة التي أجمع عليها المسلمون، وقوتل بها الكافرون، وظهر بها الدين، كانت خلافة أبي بكر وعمر وعثمان. وخلافة عليّ اختلف فيها أهل القبلة، ولم يكن فيها زيادة قوة للمسلمين، ولا قهر ونقض للكافرين، ولكن هذا لا يقدح في أن عليّاً كان خليفة راشداً مهدياً، ولكن لم يتمكن كما تمكن غيره، ولا أطاعته الأمة كما أطاعت غيره، لم يحصل في زمنه الخلافة التامة العامة ما حصل في زمن الثلاثة، مع أنه من الخلفاء الراشدين المهديين.
وأم الذين قالوا: إن معاوية رضي الله عنه كان مصيباً في قتاله له، ولم يكن عليّ رضي الله عنه مصيباً في قتاله لمعاوية، فقولهم أضعف من قول هؤلاء. وحجة هؤلاء أن معاوية رضي الله عنه كان طالباً بدم عثمان رضي الله عنه، وكان هو ابن عمه ووليه، وبنو عثمان وسائر عصبته اجتمعوا إليه وطلبوا من عليّ أن يمكنهم من قتلة عثمان أو يسلمهم إليهم، فامتنع عليّ من ذلك، فتركوا مبايعته فلم يقاتلوه، ثم إن عليّاً بدأهم بالقتال فقاتلوه دفعاً لأنفسهم وبلادهم. قالوا: وكان عليّ باغياً عليهم.
وأما الحديث الذي روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لعمار: ”تقتلك الفئة الباغية“ فبعضهم ضعَّفه، وبعضهم تأوله. فقال بعضهم: معناه الطالبة لدم عثمان رضي الله عنه، كما قالوا: نبغي ابن عفان بأطراف الأسل. وبعضهم قال: ما يروى عن معاوية رضي الله عنه أنه قال لما ذكر هذا الحديث: أو نحن قتلناه؟ إنما قتله عليّ وأصحابه حيث ألقوه بين أسيافنا.
وروي عن عليّ رضي الله عنه أنه ذُكر له هذا التأويل، فقال: فرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه يكونون قد قتلوا حمزة وأصحابه يوم أحد، لأنه قاتل معهم المشركين.
وهذا القول لا أعلم له قائلاً من أصحاب الأئمة الأربعة ونحوهم من أهل السنة، ولكن هو قول كثير من المروانية ومن وافقهم. ومن هؤلاء من يقول: إن عليّاً شارك في دم عثمان، فمنهم من يقول: إنه أمر علانية، ومنهم من يقول: إنه أمر سراً، ومنهم من يقول: بل رضي بقتله وفرح بذلك، ومنهم من يقول غير ذلك. وهذا كله كذب على عليّ رضي الله عنه وافتراء عليه، فعليّ رضي الله عنه لم يشارك في دم عثمان ولا أمر ولا رضي، وقد روي عنه – وهو الصادق البار – أنه قال: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله. وروي عنه أنه قال: ما قتلت ولا رضيت. وروي عنه أنه سمع أصحاب معاوية يلعنون قتلة عثمان، فقال: اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر، والسهل والجبل. روي أن أقواماً شهدوا عليه بالزور عند أهل الشام أنه شارك في دم عثمان، وكان هذا مما دعاهم إلى ترك مبايعته لما اعتقدوا أنه ظالم وأنه من قتلة عثمان، وأنه آوى قتلة عثمان لموافقته لهم على قتله.
وهذا وأمثاله مما يبين شبهة الذين قاتلوه، ووجه اجتهادهم في قتاله، لكن لا يدل على أنهم كانوا مصيبين في ترك مبايعته وقتاله؛ وكون قتلة عثمان من رعيته لا يوجب أنه كان موافقاً لهم، وقد اعتذر بعض الناس عن عليّ بأنه لم يكن يعرف القتلة بأعيانهم، أو بأنه كان لا يرى قتل الجماعة بالواحد، أو بأنه لم يدع عنده ولي الدم دعوى توجب الحكم له.
ولا حاجة إلى هذه الأعذار، بل لم يكن عليّ مع تفرق الناس عليه متمكناً من قتل قتلة عثمان إلا بفتنة تزيد الأمر شرّاً وبلاء، ودفع أفسد الفاسدين بالتزام أدناهما أولى من العكس، لأنهم كانوا عسكراً، وكان لهم قبائل تغضب لهم، والمباشر منهم للقتل – وإن كان قليلاً – فكان ردؤهم أهل الشوكة، ولولا ذلك لم يتمكنوا.
ولما سار طلحة والزبير إلى البصرة ليقتلوا قتلة عثمان، قام بسبب ذلك حرب قُتل فيها خلق.
ومما يبين ذلك أن معاوية قد أجمع الناس عليه بعد موت عليّ، وصار أميراً على جميع المسلمين، ومع هذا فلم يقتل قتلة عثمان الذين كانوا بقوا، بل رُويَ عنه أنه لما قدم المدينة حاجاً فسمع الصوت في دار عثمان: "يا أمير المؤمنيناه، يا أمير المؤمنايناه"، فقال: ما هذا؟ قالوا: بنت عثمان تندب عثمان، فصرف الناس، ثم ذهب إليها فقال: يا ابنة عم إن الناس قد بذلوا لنا الطاعة على كره، وبذلنا لهم حلماً على غيظ، فإن رددنا حلمنا ردوا طاعتهم، ولأن تكون بنت أمير المؤمنين خير من أن تكوني واحدة من عرض الناس، فلا أسمعنك بعد اليوم ذكرت عثمان.
فمعاوية رضي الله عنه، الذي يقول المنتصر له: إنه كان مصيباً في قتال عليّ، لأنه كان طالباً لقتل قتلة عثمان، لما تمكن وأجمع الناس عليه لم يقتل قتلة عثمان، فإن كان قتلهم واجباً، وهو مقدور له، كان فعله بدون قتال المسلمين أوْلى من أن يقاتل علياً وأصحابه لأجل ذلك. ولو قتل معاوية قتلة عثمان لم يقع من الفتنة أكثر مما وقع ليالي صفين. وإن كان معاوية معذوراً في كونه لم يقتل قتلة عثمان إما لعجزه عن ذلك. أو لما يفضي إليه ذلك من الفتنة وتفريق الكلمة وضعف سلطانه. فعليّ أولى أن يكون معذوراً أكثر من معاوية، إذ كانت الفتنة وتفريق الكلمة وضعف سلطانه بقتل القتلة لو سعى في ذلك أشد. ومن قال: إن قتل الخلق الكثير الذين قُتلوا بينه وبين عليّ كان صواباً منه لأجل قتل قتلة عثمان، فقتل ما هو دون ذلك لأج قتل قتلة عثمان أوْلى أن يكون صواباً، وهو لم يفعل ذلك لما تولَّى، ولم يقتل قتلة عثمان.
وذلك أن الفتن إنما يعرف ما فيها من الشر إذا أدبرت. فأما إذا أقبلت فإنها تُزين، ويظن أن فيها خيراً، فإذا ذاق الناس ما فيها من الشر والمرارة والبلاء، صار ذلك مبيناً لهم مضرتها، وواعظاً لهم أن يعودوا في مثلها، كما أنشد بعضهم:

الحرب أول ما تكون فُتَيَّة

 

تسعى بزينتها لكل جهول

حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها

 

ولَّت عجوزاً غير ذات حليل

شمطاء يُنكر لونها وتغيرت

 

مكروهة للشم والتقبيل([24])

والذين دخلوا في الفتنة من الطائفتين لم يعرفوا ما في القتال من الشر، ولا عرفوا مرارة الفتنة حتى وقعت، وصارت عبرة لهم ولغيرهم.
ومن استقرأ أحوال الفتن التي تجري بين المسلمين، تبين أنه ما دخل فيها أحد فحمد الله عاقبة دخوله، لا يحصل له من الضرر في دينه ودنياه. ولهذا كان من باب المنهيّ عنه، والإمساك عنها من المأمور به، الذي قال الله فيه: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور: 63].
 
امتناع معاوية عن الطاعة لعلي هو سبب القتال
 
وأما قول القائل: "إن علياً بدأهم بالقتال".
قيل له: وهم أولاً امتنعوا من طاعته ومبايعته، وجعلوه ظالماً مشاركاً في دم عثمان، وقبلوا عليه شهادة الزور، ونسبوا إليه ما هو بريء منه.
وإذا قيل: هذا وحده لم يبح له قتالهم.
قيل: وهلا كان قتاله مباحاً لكونه عاجزاً عن قتل قتلة عثمان، بل لو كان قادراً على قتل قتلة عثمان وقُدر أنه ترك هذا الواجب: إما متأولاً وإما مذنباً، لم يكن ذلك موجباً لتفريق الجماعة، والامتناع عن مبايعته، ولمقاتلته، بل كانت مبايعته على كل حال أصلح في الدين، وأنفع للمسلمين، وأطوع لله ولرسوله من ترك مبايعته.
فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاَّه الله أمركم“([25]).
وثبت في الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”على المرء المسلم السمع والطاعة: في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وأثرة عليه، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة“([26]).
وفي الصحيحين عن عبادة رضي الله عنه قال: بايعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على السمع والطاعة في: يسرنا وعسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول – أو نقوم – بالحق حيث ما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم"([27]). وفي الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”من رأى من أمير شيئاً يكرهه فليصبر عليه؛ فإنه من فارق الجماعة قيدَ شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه“. وفي رواية: فارق الجماعة قيد شبر فمات ميتته ميتة جاهلية"([28]).
وفي الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: ”من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية“([29]).
وفي الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: رجل لا يبايع إماماً إلا لدنيا: إن أعطاه منها رضي وإن منع منها سخط...“ الحديث([30]).
وفي الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبدٌ حبشي كأن رأسه زبيبة“([31]).
وعليّ رضي الله عنه كان قد بايع أهل الكوفة، ولم يكن في وقته أحق منه بالخلافة، وهو خليفة راشد تجب طاعته. ومعلوم أن قتل القاتل إنما شُرع عصمة للدماء، فإذا أفضى قتل الطائفة القليلة إلى قتل أضعافها، لم يكن هذا طاعة ولا مصلحة، وقد قُتل بصفين أضعاف أضعاف قتلة عثمان.
وأيضاً فقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديث متفق على صحته: ”تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق“([32]). يدل على أن عليّاً وأصحابه أدنى إلى الحق من معاوية وأصحابه، فلا يكون معاوية وأصحابه في قتالهم لعليّ أدنى إلى الحق.
وكذلك حديث عمار بن ياسر: ”تقتلك الفئة الباغية“ قد رواه مسلم في صحيحه من غير وجه، ورواه البخاري، لكن في كثير من النسخ لم يذكره تاماً. وأما تأويل من تأوله: أن علياً وأصحابه قتلوه، وأن الباغية الطالبة بدم عثمان، فهذا من التأويلات الظاهرة الفساد، التي يظهر فسادها للعامة والخاصة. والحديث ثابت في الصحيحين، وقد روي عنه أنه ضعَّفه، فآخر الأمرين منه تصحيحه.
قال يعقوب بن شيْبة في مسنده في المكيين([33]) في مسند عمَّار بن ياسر، لما ذكر أخبار عمَّار: سمعت أحمد بن حنبل سُئل عن حديث النبي صلّى الله عليه وسلّم في عمَّار: ”تقتلك الفئة الباغية“ فقال أحمد قتلته الفئة الباغية، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقال: في هذا غير حديث صحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكره أن يتكلم في هذا بأكثر من هذا. وقال البخاري في صحيحه([34]): "حدثنا مسدَّد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، قال: قال لي ابن عباس ولابنه([35]): انطلقا إلى أبي سعيد واسمعا من حديثه، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا، حتى أتى على ذكر بناء المسجد، فقال: كنا نحمل لبِنَة لبنة، وعمَّار لبنتين لبنتين، فرآه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجعل ينفض التراب عنه، ويقول: ”ويح عمَّار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار“. قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.
ورواه البخاري من وجه آخر([36])، عن عكرمة، عن أبي سعيد الخدري([37]) لكن في كثير من النسخ لا يذكر الحديث بتمامه، بل فيها: ”ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار“. ولكن لا يختلف أهل العلم بالحديث أن هذه الزيادة هي في الحديث.
قال أبو بكر البيهقي وغيره: "قد رواه غير واحد عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما". وظن البيهقي وغيره أن البخاري لم يذكر الزيادة، واعتذر عن ذلك بأن هذه الزيادة لم يسمعها أبو سعيد من النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولكن حدَّثه بها أصحابه، مثل أبي قتادة([38]).
كما رواه مسلم في صحيحه([39]) من حديث أبي شعبة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد([40])، قال: أخبرني من هو خير مني: أبو قتادة([41])، أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعمار: ”تقتلك الفئة الباغية“.
وفي حديث داود بن أبي هند، عن أبي نظرة، عن أبي سعيد، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ”تمرق مارقة فتقتلهم أوْلى الطائفتين بالله“([42]).
وكان عمار يحمل لبنتين لبنتين. قال: فلم أسمعه من النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولكن جئت إلى أصحابي وهم يقولون: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ”ويحك ابن سمية تقتلك الفئة الباغية“([43]) رواه مسلم في صحيحه والنسائي وغيرهما من حديث ابن عون، عن الحسن البصري، عن أمه، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”تقتل عمار الفئة الباغية“([44]). ورواه أيضاً من حديث شعبة، عن خالد، عن سعيد بن أبي الحسن، والحسن، عن أمهما، عن أم سلمة رضي الله عنهما([45]). وفي بعض طرقه أنه قال ذلك في حفر الخندق([46]).
وذكر البيهقي وغيره أن هذا غلط، والصحيح أنه إنما قاله يوم بناء المسجد. وقد قيل: إنه يحتمل أنه قاله مرتين.
وقد روي هذا من وجوه أخرى من حديث عمرو بن العاص وابنه عبد الله([47])، ومن حديث عثمان بن عفان([48])، ومن حديث نفسه([49]). وأسانيد هذه مقاربة. وقد روي من وجوه أخرى واهية. وفي الصحيح ما يغني عن غيره.
والحديث ثابت صحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم عند أهل العلم بالحديث([50])، والذين قتلوهم الذين باشروا قتله. والحديث أطلق فيه لفظ "البغي" لم يقيده بمفعول، كما قال تعالى:  { لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا } [الكهف: 108]، وكما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”الذين هم فيكم تبع لا يبغون أهلا ولا مالاً“([51]).
ولفظ البغي إذا أطلق فهو الظلم، كما قال تعالى: {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} [الحجرات: 9]، وقال: { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } [البقرة: 173].
وأيضاً فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم ذكر هذا لما كانوا ينقلون اللبن لبناء المسجد، وكانوا ينقلون لبنة لبنة وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار“. وهذا ليس فيه ذم لعمار، بل مدح له. ولو كان القاتلون له مصيبين في قتله لم يكن مدحاً له، وليس في كونهم يطلبون دم عثمان ما يوجب مدحه.
وكذلك من تأول قاتله بأنهم الطائفة التي قاتل معها، فتأويله ظاهر الفساد، ويلزمهم ما ألزمهم إياه عليّ، وهو أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه قد قتلوا كمل من قتل معهم في الغزو، كحمزة وغيره. وقد يقال: فلان قتل فلاناً، إذا أمره بأمر كان فيه حتفه، ولكن هذا مع القرينة، لا يقال عند الإطلاق، بل القاتل عند الإطلاق الذي قتله دون الذي أمره.
ثم هذا يُقال لمن أمر غيره، وعمَّار لم يأمره أحد بقتال أصحاب معاوية، بل هو كان من أحرص الناس على قتالهم وأشدهم رغبة في ذلك، وكان حرصه على ذلك أعظم من حرص غيره، وكان هو يحض عليّاً وغيره على قتالهم.
ولهذا لم يذهب أحد من أهل العلم الذين تذكر مقالاتهم إلى هذا التأويل، بل أهل العلم في هذا الحديث على ثلاثة أقوال: فطائفة ضعفته لما روي عندها بأسانيد ليست ثابتة عندهم، ولكن رواه أهل الصحيح.
رواه البخاري كما تقدم من حديث أبي سعيد، ورواه مسلم من غير وجه من حديث الحسن عن أمه عن أم سلمة رضي الله عنها، ومن حديث أبي سعيد عن أبي قتادة وغيره.
ومنهم من قال: هذا دليل على أن معاوية وأصحابه بغاة، وأن قتال عليّ لهم قتال أهل العدل لأهل البغي، لكنهم بغاة متأولون لا يُكفرون ولا يُفسقون.
ولمن يقال: ليس في مجرد كونهم بغاة ما يوجب الأمر بقتالهم فإن الله لم يأمر بقتال كل باغ، بل ولا أمر بقتال البغاة ابتداء، ولكن قال: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الحجرات: 9، 10]، فلم يأمر بقتال البغاة ابتداء، بل أمر إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يصلح بينهما، وهذا يتناول ما إذا كانتا باغيتين أو إحداهما باغية.
ثم قال: { فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } وقوله: { فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي } قد يُقال: المراد به البغي بعد الإصلاح، ولكن هذا خلاف ظاهر القرآن؛ فإن قوله تعالى: { بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى } يتناول الطائفتين المقتتلتين، سواء أصلح بينهما أو لم يصلح. كما أن الأمر بالإصلاح يتناول المقتتلتين مطلقاً؛ فليس في القرآن أمر بقتال الباغي ابتداءً لكن أمر إذا اقتتلت طائفتان أن يُصلح بينهما، وأنه إن بغت إحداهما على الأخرى بعد القتال أن تُقاتل حتى تفيء. وهذا يكون إذا لم تُجب إلى الإصلاح بينهما، وإلا فإذا أجابت إلى الإصلاح بينهما لم تُقاتل، فلو قوتلت ثم فاءت إلى الإصلاح لم تقاتل، لقوله تعالى: { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } فأمر بعد القتال إلى أن تفيء أن يُصلح بينهما بالعدل وأن يُقسط.
وقتال الفتنة لا يقع فيه هذا، وذلك قد يكون لأن الله لم يأمر بالقتال ابتداء، ولكن أمر إذا اقتتلوا وبغت إحداهما على الأخرى بقتال الفئة الباغية، وقد تكون الطائفة باغية ابتداء، لكن لما بغت أمر بقتالها، وحينئذ لم يكن المقاتل لها قادراً لعدم الأعوان أو لغير ذلك، وقد يكون عاجزاً ابتداءً عن قتال الفئة الباغية، أو عاجزاً عن قتالٍ تفيء فيه إلى أمر الله، فليس كل من كان قادراً على القتال كان قادراً على قتال تفيء فيه إلى أمر الله، وإذا كان عاجزاً عن قتالها حتى تفيء إلى أمر الله، لم يكن مأموراً بقتالها: لا أمر إيحاب ولا أمر استحباب، ولكن قد يظن أنه قادراً على ذلك، فتبين له في آخر الأمر أنه لم يكن قادراً. فهذا من الاجتهاد الذي يُثاب صاحبه على حسن القصد وفعل ما أمُر، وإن أخطأ فيكون له فيه أجر، ليس من الاجتهاد الذي يكون له في أجران؛ فإن هذا إنما يكون إذا وافق حكم الله في الباطن.
كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران“([52]). ومن الاجتهاد أن يكون وليّ الأمر – أو نائبه – مخيراً بين أمرين فأكثر، تخير تحرٍّ للأصلح، لا تخير شهوة، كما يُخيَّر الإمام في الأسرى بين القتل والاسترقاق، والمن والفداء عند أكثر العماء.
فإن قوله تعالى: { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } [محمد: 4] ليس بمنسوخ. وكذلك تخيير من نزل العدوّ على حكمه، كما نزل بنو قريظة على حكم النبي صلّى الله عليه وسلّم، فسأله حلفاؤهم من الأوس أن يمنَّ عليهم كما منَّ على بني النضير حلفاء الخزرج، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”ألا ترضون أن أحكِّم فيكم سعد بن معاذ سيد الأوس؟“ فرضيت الأوس بذلك، فأرسل النبي صلّى الله عليه وسلّم خلف سعد بن معاذ، فجاء وهو راكب، وكان متمرضاً من أثر جرح به في المسجد، وبنو قريظة شرقي المدينة بينهم نصف نهار أو نحو ذلك، فلما أقبل سعد رضي الله عنه قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”قوموا إلى سيدكم“ فقاموا وأقاربه في الطريق يسألونه أن يمنَّ عليهم، ويذكِّرونه بمعاونتهم ونصرهم له في الجاهلية، فلما دنا قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فأمره النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يحكم فيهم، فحكم بأن تُقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات“. والحديث ثابت في الصحيحين.
وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن بُريْدَة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ”إذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنـزلهم على حكم الله فلا تنـزلهم على حكم الله؛ فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم، ولكن أنـزلهم على حكمك وحكم أصحابك“([53]).
فدل هذان الحديثان الصحيحان على أن لله حكماً معيناً فيما يكون وليّ الأمر مخيّراًَ فيه تخيير مصلحة، وإن كان لو حكم بغير ذلك نفذ حكمه في الظاهر، فما كان من باب القتال فهو أوْلى أن يكون أحد الأمرين أحب إلى الله ورسوله: إما فعله وإما تركه، ويتبين ذلك بالمصلحة والمفسدة؛ فما كان وجوده خيراً من عدمه لما حصل فيه من المصلحة الراجحة في الدين، فهذا مما يأمر الله به أمر إيجاب أو استحباب، وما كان عدمه خيراً من وجوده، فليس بواجب ولا مستحب، وإن كان فاعله مجتهداً مأجوراً على اجتهاده.
والقتال إنما يكون لطائفة ممتنعة، فلو بغت ثم أجابت إلى الصلح بالعدل لم تكن ممتنعة، فلم يجز قتالها. ولو كانت باغية، وقد أُمر بقتال الباغية إلى تفيء إلى أمر الله، أي ترجع، ثم قال: {فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ } فأمر بالإصلاح بعد قتال الفئة الباغية، كما أمر بالإصلاح إذا اقتتلتا ابتداءً، وقد قالت عائشة رضي الله عنها لما وقعت الفتنة: "ترك الناس العمل بهذه الآية". وهو كما قالت؛ فإنهما لما اقتتلتا لم يُصلح بينهما، ولو قدِّر أنه قوتلت الباغية، فلم تُقاتل حتى تفيء إلى أمر الله، ثم أصلح بينهما بالعدل – والله تعالى أمر بالقتال إلى الفيء، ثم الإصلاح، لم يأمر بقتال مجرد بل قال: { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } – وما حصل قتال حتى تفيء إلى أمر الله، فإن كان مقدوراً فما وقع، وإن كان معجوزاً عنه لم يكن مأموراً به([54]).
وعجز المسلمين يوم أحد عن القتال الذي يقتضي انتصارهم كان بترك طاعة الرسول وذنوبهم، وكذلك التولي يوم حُنين كان من الذنوب. يبيّن ذلك أنه لو قدِّر أن طائفة بغت على طائفة، وأمكن دفع البغي بلا قتال لم يجز القتال. فلو اندفع البغي بوعظٍ أو فُتيا أو أمرٍ بمعروف لم يجز القتال، ولو اندفع البغي بقتل واحد مقدورٍ عليه، أو إقامة حد أو تعزير، مثل قطع سارق وقتل محارب وحدّ قاذف لم يجز القتال. وكثيراً ما تثور الفتنة إذا ظلم بعض طائفة لطائفة أخرى، فإذا أمكن استيفاء حق المظلوم بلا قتال لم يجز القتال.
وليس في الآية أن كل من امتنع من مبايعة إمام عادل يجب قتاله بمجرد ذلك، وإن سُمِّيَ باغياً لترك طاعة الإمام، فليس كل من ترك طاعة الإمام يُقاتَل.
والصدِّيق قتال مانعي الزكاة لكونهم امتنعوا عن أدائها بالكلية، فقوتلوا بالكتاب والسنة، وإلا فلو أقرُّوا بأدائها، وقالوا: لا نؤديها إليك، لم يجز قتالهم عند أكثر العلماء.
وأولئك لم يكونوا كذلك. ولهذا كان القول الثالث في هذا الحديث – حديث عمار – إنَّ قاتِل عمار طائفة باغية، ليس لهم أن يقاتلوا علياً، ولا يمتنعوا عن مبايعته وطاعته، وإن لم يكن عليّ مأموراً بقتالهم، ولا كان فرضاً عليهم قتالهم لمجرد امتناعهم عن طاعته، مع كونهم ملتزمين شرائع الإسلام، وإن كان كل من المقتتلتَيْن متأولين مسلمين مؤمنين، وكلهم يُستغفر لهم ويُترحم عليهم، عملاً بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10].
 
كُتَّاب الوحي للنبي صلّى الله عليه وسلّم
 
وأما قول الرافضي: "وسمّوه كاتب الوحي ولم يكتب كلمة واحدة من الوحي".
فهذا قول بلا حجة ولا علم، فما الدليل على أنه لم يكتب له كلمة واحدة من الوحي، وإنما كان يكتب له رسائل؟
 
كان معاوية من كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهذا ثابت
 
وقوله: "إن كتاب الوحي كانوا بضعة عشر أخصّهم وأقربهم إليه عليّ".
فلا ريب أن علياً كان ممن يكتب له أيضاً، كما كتب الصلح بينه وبين المشركين عام الحديبية. ولكن كان يكتب له أبو بكر وعمر أيضاً، ويكتب له زيد بن ثابت بلا ريب.
ففي الصحيحين أن زيد بن ثابت لما نزلت: { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [النساء: 95] كتبها له([55]). وكتب له أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وأبيّ بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وزيد بن ثابت، ومعاوية، وشُرحبيل بن حسنة رضي الله عنهم.
 
إسلام معاوية عام الفتح
 
وأما قوله: "إن معاوية لم يزل مشركاً مدة كون النبي صلّى الله عليه وسلّم مبعوثاً".
فيقال: لا ريب أن معاوية وأباه وأخاه وغيرهم أسلموا عام فتح مكة، قبل موت النبي صلّى الله عليه وسلّم بنحو ثلاث سنين، فكيف يكون مشركاً مدة البعث. ومعاوية رضي الله عنه كان حين بُعث النبي صلّى الله عليه وسلّم صغيراً، كانت هند ترقِّصه. ومعاوية رضي الله عنه أسلم مع مسلمة الفتح، مثل أخيه يزيد، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وأبي سفيان بن حرب، وهؤلاء كانوا قبل إسلامهم أعظم كفراً ومحاربة للنبي صلّى الله عليه وسلّم من معاوية.
فصفوان وعكرمة وأبو سفيان كانوا مقَّدمين للكفار يوم أحد، رؤوس الأحزاب في غزوة الخندق، ومع هذا كان أبو سفيان وصفوان بن أمية وعكرمة من أحسن الناس إسلاماً، واستشهدوا رضي الله عنهم يوم اليرموك.
ومعاوية لم يُعرف عنه قبل الإسلام أذى للنبي صلّى الله عليه وسلّم لا بيد ولا بلسان فإذا كان من هو أعظم معاداة للنبي صلّى الله عليه وسلّم من معاوية قد حَسُن إسلامه، وصار ممن يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فما المانع أن يكون معاوية رضي الله عنه كذلك؟
وكان من أحسن الناس سيرة في ولايته، وهو ممن حسن إسلامه، ولولا محاربته لعليّ رضي الله عنه وتولِّيه الملك، لم يذكره أحد إلا بخير، كما لم يذكر أمثاله إلا بخير. وهؤلاء مسلمة الفتح – معاوية ونحوه – قد شهدوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم عدة غزوات، كغزاة حُنين والطائف وتبوك، فله من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله ما لأمثاله، فكيف يكون هؤلاء كفاراً وقد صاروا مؤمنين مجاهدين تمام سنة ثمان وتسع وعشر وبعض سنة إحدى عشرة؟
فإن مكة فُتحت باتفاق الناس في شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة، والنبي صلّى الله عليه وسلّم باتفاق الناس توفي في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة، والناس كلهم كانوا كفاراً قبل إيمانهم بما جاء به النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكان فيهم من هو أشد عداوة للنبي صلّى الله عليه وسلّم من معاوية وأسلم وحسن إسلامه، كأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان من أشد الناس بُغضاً للنبي صلّى الله عليه وسلّم وهجاء له قبل الإسلام.
وأما معاوية رضي الله عنه فكان أبوه شديد العداوة للنبي صلّى الله عليه وسلّم وكذلك أمه حتى أسلمت، فقالت: "والله يا رسول الله ما كان على وجه الأرض أهل خباء أحب إليّ أن يذلِّوا من أهل خبائك، وما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحبّ إليّ أن يعزُّوا من أهل خبائك" أخرجه البخاري([56]).
وفيهم أنزل الله تعالى: { عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الممتحنة: 7]، فإن الله جعل بين النبي صلّى الله عليه وسلّم وبين الذين عادوه، كأبي سفيان وهند وغيرهما، مودة، والله قدير على تبديل العداوة بالمودة، وهو غفور لهم بتوبتهم من الشرك، رحيم بالمؤمنين، وقد صاروا مؤمنين.
 
لم يرد عن معاوية إيذاء للدعوة المحمدية
 
قال الرافضي: "وكان باليمن يوم الفتح يطعن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكتب إلى أبيه صخر بن حر يعيّره بإسلامه، ويقول: أصَبَوت إلى دين محمد؟ وكتب إليه:

يا صخر لا تسلمن طوعاً فتفضحنا

 

بعد الذين ببدرٍ أصبحوا فرقا

جدّي وخالي وعمُّ الأم يا لهم

 

قوماً وحنظلة المهدي لنا أرقا

فالموت أهون من قول الوشاة لنا

 

خلّى ابن هند عن العزّى لقد فرقا

والفتح كان في رمضان لثمان سنين من قدوم النبي صلّى الله عليه وسلّم المدينة، ومعاوية مقيم على شركه، هارب من النبي صلّى الله عليه وسلّم، لأنه كان قد أهدر دمه، فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم مضطراً، فأظهر الإسلام، وكان إسلامه قبل موت النبي صلّى الله عليه وسلّم بخمسة أشهر، وطرح نفسه على العباس، فسأل فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فعفا، ثم شفع إليه أن يشرِّفه ويضيفه إلى جملة الكُتَّاب، فأجابه وجعله واحداً من أربعة عشرة، فكم كان حظه من هذه المدة لو سلّمنا أنه كاتب الوحي حتى استحق أن يوصف بذلك دون غيره؟ مع أن الزمخشري – من مشايخ الحنفية – ذكر في كتاب "ربيع الأبرار" أنه ادّعى نبوته أربعة نفر. على أن من جملة الكتبة عبد ا لله بن سعد بن أبي سرح وارتد مشركاً، وفيه نزل { مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النحل: 106].
وقد روى عبد الله بن عمر قال: أتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم فسمعته يقول: يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي، فطلع معاوية.وقام النبي صلّى الله عليه وسلّم خطيباً، فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد وخرج ولم يسمع الخطبة، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لعن الله القائد والمقود، أي يوم يكون للأمة مع معاوية ذي الإساءة؟
وبالغ في محاربة عليّ عليه السلام، وقتل جمعاً كثيراً من خيار الصحابة، ولعنه على المنابر، واستمر سبُّه ثمانين سنة إلى أن قطعه عمر بن عبد العزيز.
وسمَّ الحسن عليه السلام وقتل ابنهُ يزيد مولانا الحسين، ونهب نساءه، وكسر أبوه ثنيِّة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأكلت أمه كبد حمزة عم النبي صلّى الله عليه وسلّم".
والجواب: أما قوله: "كان باليمن يطعن على النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيِّره بإسلامه، وكتب إليه الأبيات".
فهذا من الكذب المعلوم؛ فإن معاوية إنما كان بمكة، لم يكن باليمن، وأبوه أسلم قبل دخول النبي صلّى الله عليه وسلّم مكة بمر الظهران ليلة نزل بها، وقال له العباس: إن أبا سفيان يحب الشرف، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن“([57]).
وأبو سفيان كان عنده من دلائل النبوة ما أخبره به هرقل ملك الروم، لما سافر إلى الشام في الهدنة التي كانت بين النبي صلّى الله عليه وسلّم وبينهم([58])، وما كان عنده من أمية بن الصلت، لكن الحسد منعه من الإيمان، حتى أدخله الله عليه وهو كاره، بخلاف معاوية فإنه لم يُعرف عنه شيء من ذلك، ولا عن أخيه يزيد.
وهذا الشعر كذب على معاوية قطعاً؛ فإنه قال فيه:

فالموت أهون من قول الوشاة لنا

 

خلّى ابن هند عن العزّى لقد فرقا

ومعلوم أنه بعد فتح مكة أسلم الناس وأُزيلت العُزَّى بَعَثَ النبي صلّى الله عليه وسلّم إليها خالد بن الوليد، فجعل يقول:

يا عزّ كفرانك لا سبحانك

 

إني رأيت الله قد أهانك

وكانت قريباً من عرفات، فلم يبق هناك لا عُزّى ولا من يلومهم على ترك العزّى، فعُلم أن هذا وضع بعض الكذّابين على لسان معاوية. وهو كذّاب جاهل لم يعلم كيف وقع الأمر.
وكذلك ما ذكره من حال جدّه أبي أمية عتبة بن ربيعة وخاله الوليد بن عتبة وعم أمه شيبة بن ربيعة وأخيه حنظلة، أمر يشترك فيه هو وجمهور قريش، فما منهم من أحد إلا وله أقارب كفار، قُتلوا كفاراً أو ماتوا كفاراً، فهل كان في إسلامهم فضيحة؟!
وقد أسلم عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، وكانا من خيار المسلمين، وأبواهما قتلا ببدر. وكذلك الحارث بن هشام قُتل أخوه يوم بدر. وفي الجملة بهذا طعن في عامة أهل الإيمان. وهل يحل لأحد أن يطعن في عليّ بأن عمه أبا لهب كان شديد العداوة للنبي صلّى الله عليه وسلّم؟ أو يطعن في العبّاس رضي الله عنه بأن أخاه كان معادياً للنبي صلّى الله عليه وسلّم؟ أو يعيّر علياً بكفر أبي طالب أو يعير بذلك العباس؟ وهل مثل ذلك إلا من كلام من ليس من المسلمين؟
ثم الشعر المذكور ليس من جنس الشعر القديم، بل هو شعر رديء.
وأما قوله: "إن الفتح كان في رمضان لثمان من مقدم النبي صلّى الله عليه وسلّم المدينة" فهذا صحيح.
وأما قوله: "إن معاوية كان مقيماً على شِرْكِهِ هارباً من النبي صلّى الله عليه وسلّم، لأنه كان قد أهدر دمه، فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم مضطراً فأظهر الإسلام، وكان إسلامه قبل موت النبي صلّى الله عليه وسلّم بخمسة أشهر".
فهذا من أظهر الكذب؛ فإن معاوية أسلم عام الفتح باتفاق الناس، وقد تقدّم قوله: "إنه من المؤلفة قلوبهم" والمؤلفة قلوبهم أعطاها النبي صلّى الله عليه وسلّم عام حنين من غنائم هَوَازن، وكان معاوية ممن أعطاه منها، والنبي صلّى الله عليه وسلّم كان يتألّف السادة المُطاعين في عشائرهم، فإن كان معاوية هارباً لم يكن من المؤلفة قلوبهم، ولو لم يسلم إلا قبل موت الني صلّى الله عليه وسلّم لم يعطَ شيئاً من غنائم حنين.
ومن كانت غايته أن يؤمن لم يحتج إلى تأليف. وبعض الناس يقول: إنه قد أسلم قبل ذلك، فإن في الصحيح عنه أنه قال: "قصّرت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم على المروة" رواه البخاري ومسلم([59]) ولفظه: أعلمت أني قصّرت من رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند المروة بِمِشْقَصْ؟ قاله لابن عباس، وقال له: لا أعلم هذا حجة إلا عليك. وقد قيل: إنه كان في حجة الوداع، ولكن هذا بخلاف الأحاديث المروية المتواترة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإنها كلها متفقة على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يحل من إحرامه في حجة الوداع إلى يوم النحر، وأنه أمر أصحابه أن يحلّوا من إحرامهم الحلّ كله، يصيروا مُتمتعين بالعمرة إلى الحج، إلا من ساق الهدي، فإنه يبقى على إحرامه إلى أن يبلغ الهديُ محله. وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم وعليّ وطلحة وطائفة من أصحابه قد ساقوا الهَدْيَ فلم يحلّوا، وكانت فاطمة وأزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم ممن لم يسق الهدى فحللن. والأحاديث معروفة في الصحاح والسنن والمسانيد.
فعُرف أنه لم يقصِّر معاوية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع, ولكن من اعتقد ذلك أباح للمتمتع السائق للهدي أن يقصِّر من شعره، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، كما أنه عنه رواية أنه إذا قدم قبل العشر حلَّ من إحرامه. ومالك والشافعي يبيحان لكل متمتع أن يحلّ من إحرامه وإن ساق الهدي. وأما أبو حنيفة وأحمد – في المشهور عنه – وغيرهما من العلماء فيعلمون بالسنة المتواترة أن سائق الهدي لا يحلّ إلى يوم النحر([60]).
وتقصير معاوية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم على هذا قد كان قبل حجة الوداع: إما في عمرة القضية – وعلى هذا فيكون قد أسلم قبل الفتح كما زعم بعض الناس، لكن لا يعرف صحة هذا – وإما في عمرة الجعرانة، كما روي أن هذا التقصير كان في عمرة الجعرانة، وكانت بعد فتح مكة، وبعد غزوة حنين، وبعد حصاره للطائف؛ فإنه صلّى الله عليه وسلّم رجع من ذلك فقسَّم غنائم حُنين بالجعرانة، واعتمر منها إلى مكة، فقصَّر عنه معاوية رضي الله عنه، وكان معاوية قد أسلم حينئذ، فإنه أسلم عند فتح مكة، واستكتبه النبي صلّى الله عليه وسلّم لخبرته وأمانته، ولا يُعرف عنه ولا عن أخيه يزيد بن أبي سفيان أنهما آذيا النبي صلّى الله عليه وسلّم، كما كان يؤذيه بعض المشركين.
وأخوه يزيد أفضل منه. وبعض الجهّال يظن أن يزيد هذا هو يزيد الذي تولّى الخلافة بعد معاوية، وقُتل الحسين في زمنه، فيظن أن يزيد ابن معاوية من الصحابة، وهذا جهل ظاهر؛ فإن يزيد بن معاوية وُلد في خلافة عثمان، وأما عمّه هذا فرجل صالح من خيار الصحابة، واستعمله الصديق أحد أمراء الشام، ومشى في ركابه، ومات في خلافة عمر، فولَّى عمر رضي الله عنه أخاه معاوية رضي الله عنه مكانه أميراً، ثم لما وَلِيَ عثمان أقرّه على الإمارة وزاده، وبقي أميراً إلى أن قُتل عثمان ووقعت الفتنة، إلى أن قُتل أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه وبايع أهل العراق الحسن بن علي رضي الله عنهما، فأقام ستة أشهر، ثم سلّم الأمر إلى معاوية، تحقيقاً لما ثبت في الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين“([61]) وبقي معاوية بعد ذلك عشرين سنة، ومات سنة ستين.
ومما يبيّن كذب ما ذكره هذا الرافضي أنه لم يتأخر إسلام أحد من قريش إلى هذه الغاية، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم قد بعث أبا بكر عام تسع بعد الفتح بأكثر من سنة ليقيم الحج، وينادي أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. في تلك السنة نُبذت العهود إلى المشركين، وأجلّوا أربعة أشهر، فانقضت المدة في سنة عشر، فكان هذا أماناً لكل مشرك من سائر قبائل العرب، وغزا النبي صلّى الله عليه وسلّم غزوة تبوك سنة تسع لقتال النصارى بالشام، وقد ظهر الإسلام بأرض العرب.
ولو كان لمعاوية من الذنوب ما كان لكان الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فكيف ولم يُعرف له ذنب يهرب لأجله، أو يُهدر دمه لأجله؟! وأهل السير والمغازي متفقون على أنه لم يكن معاوية ممن أهدر دمه عام الفتح. فهذه مغازي عُروة بن الزبير، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي، وسعيد بن يحيى الأموي، ومحمد بن عائذ([62])، وأبي إسحاق الفزاري وغيرهم. وكتب التفسير والحديث كلها تنطق بخلاف ما ذكره ويذكرون من إهدار النبي صلّى الله عليه وسلّم دمه، مثل مَقْيس ابن حُبابة وعبد الله بن خَطَل، وهذان قتلا. وأهْدَر دم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم بايعه. والذين أهدر دماءهم كانوا نفراً قليلاً نحو العشرة.
وأبو سفيان كان أعظم الناس عداوة للنبي صلّى الله عليه وسلّم، فهو في غزوة بدر الذي أرسل إلى قريش ليستنفرهم، وفي غزوة أحد هو الذي جمع الأموال التي كانت معه للتجارة، وطلب من قريش أن ينفقها في قتال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو أعظم قواد الجيش يوم أحد، وهو قائد الأحزاب أيضاً، وقد أخذه العبّاس بغير عهد ولا عقد، ومشى عمر معه يقول للنبي صلّى الله عليه وسلّم: يا نبي الله هذا عدو الله أبو سفيان، قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فاضرب عنقه. فقاوله العباس في ذلك، فأسلم أبو سفيان، وأمّنه النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقال: ”من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن“.
فكيف يُهدر دم معاوية، وهو شاب صغير ليس له ذنب يختص به، ولا عُرف عنه أنه كان يحضُّ على عداوة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقد أمَّن رؤوس الأحزاب؟ فهل يظن هذا إلا من هو أجهل الناس بالسيرة؟ وهذا الذي ذكرناه مجمع عليه بين أهل العلم مذكور في عامة الكتب المصنّفة في هذا الشأن.
وقد بسطنا الكلام على هذا في كتاب "الصارم المسلول على شاتم الرسول صلّى الله عليه وسلّم" لما ذكرنا من أهدر النبي صلّى الله عليه وسلّم دمه عام الفته، وذكرناهم واحداً واحداً. نعم كان فيها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم إن عثمان رضي الله عنه أتى به فأسلم بمكة وحقن النبي صلّى الله عليه وسلّم دمه.
 
­­حسن إسلام معاوية
 
وأما قوله: "إنه استحق أن يُوصف بذلك دون غيره".
ففرية على أهل السنة؛ فإنه ليس فيهم من يقول: إن هذا من خصائص معاوية، بل هو واحد من كتّاب الوحي. وأما عبد الله بن سعد أبي سرح فارتدَّ عن الإسلام، وافترى على النبي صلّى الله عليه وسلّم، ثم إنه عاد إلى الإسلام.
 
معاوية رضي الله عنه لم يكفر بعد إيمانه
 
وأما قوله: "إنه نزل فيه: { وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } الآية [النحل: 106]".
فهو باطل؛ فإن هذه الآية نزلت بمكة، لما أكره عمّار وبلال على الكفر، وردة هذا كانت بالمدينة بعد الهجرة، ولو قُدِّر أنه نزلت فيه هذه الآية؛ فالنبي صلّى الله عليه وسلّم قد قَبِل إسلامه وبايعه.
وقد قال تعالى: { كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [آل عمران: 86-89].
 
حديث مكذوب يسيء إلى معاوية رضي الله عنه
 
وأما قوله: "وقد روى عبد الله بن عمر قال: أتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم فسمعته يقول: "يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي" فطلع معاوية. وقام النبي صلّى الله عليه وسلّم خطيباً، فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد وخرج ولم يسمع الخطبة، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "لعن الله القائد والمقود، أيّ يوم يكون للأمة مع معاوية ذي الإساءة".
فالجواب: أن يقال: أولاً: نحن نطالب بصحة هذا الحديث؛ فإن الاحتجاج بالحديث لا يجوز إلا بعد ثبوته، ونحن نقول هذا في مقام المناظرة، وإلا فنحن نعلم قطعاً أنه كذب.
ويقال ثانياً: هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث التي يُرجع إليها في معرفة الحديث، ولا له إسناد معروف([63]). وهذا المحتج به لم يذكر له إسناداً. ثم من جهله أن يروي مثل هذا عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمر كان من أبعد الناس عن ثلب الصحابة، وأروى الناس لمناقبهم، وقوله في مدح معاوية معروف ثابت عنه، حيث يقول: ما رأيت بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسْوَد من معاوية. قيل له: ولا أبو بكر وعمر؟ فقال: كان أبو بكر وعمر خيراً منه، وما رأيت بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسود من معاوية([64]).
قال أحمد بن حنبل: السيد الحليم يعين معاوية، وكان معاوية كريماً حليماً.
ثم إن خطب النبي صلّى الله عليه وسلّم لم تكن واحدة، بل كان يخطب في الجمع والأعياد والحج وغير ذلك. ومعاوية وأبوه يشهدان الخطب، كما يشهدها المسلمون كلهم. أفتراهما في كل خطبة كانا يقومان ويُمكِّنان من ذلك؟ هذا قدح في النبي صلّى الله عليه وسلّم وفي سائر المسلمين، إذ يمكِّنون اثنين دائماً يقومان ولا يحضران الخطبة ولا خطبة الجمعة. وإن كان يشهدان كل خطبة، فما بالهما يمتنعان من سماع خطبة واحدة قبل أن يتكلم بها؟
ثم من المعلوم من سيرة معاوية أنه كان من أحلم الناس، وأصبرهم على من يؤذيه، وأعظم الناس تأليفاً لمن يعاديه، فكيف ينفر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، مع أنه أعظم الخلق مرتبة في الدين والدنيا، وهو محتاج إليه في كل أموره؟ فكيف لا يصبر على سماع كلامه وهو بعد المُلك كان يسمع كلام من يسبّه في وجهه؟ فلماذا لا يسمع كلام النبي صلّى الله عليه وسلّم؟ وكيف يتخذ النبي صلّى الله عليه وسلّم كاتباً من هذه حاله؟
وقوله: "إنه أخذ بيد ابنه زيداً أو يزيد" فمعاوية لم يكن له ابن اسمه زيد. وأما يزيد ابنه الذي تولّى بعده الملك وجرى في خلافته ما جرى، فإنما وُلد في خلافة عثمان باتفاق أهل العلم، ولم يكن لمعاوية ولد على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قال الحافظ أبو الفضل بن ناصر: "خطب معاوية رضي الله عنه في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يُزوَّج لأنه كان فقيراً، وإنما تزوج في زمن عمر رضي الله عنه، ووُلد له يزيد في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة سبع وعشرين من الهجرة".
ثم نقول ثالثاً: هذا الحديث يمكن معارضته بمثله من جنسه بما يدل على فضل معاوية رضي الله عنه. قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتاب "الموضوعات"([65]): "قد تعصّب قوم ممن يدعي السنة، فوضعوا في فضل معاوية رضي الله عنه أحاديث ليغيظوا([66]) الرافضة، وتعصّب قوم من الرافضة فوضعوا في ذمه أحاديث، وكلا الفريقين على الخطأ القبيح".
 
وجه الصواب والخطأ في القتال بصفين
 
وأما قوله: "إنه بالغ في محاربة عليّ".
فلا ريب أنه اقتتل العسكران: عسكر عليّ ومعاوية بصفّين، ولم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء، بل كان من أشد الناس حرصاً على أن لا يكون قتال، وكان غيره أحرص على القتال منه. وقتال صفّين للناس فيه أقوال: فمنهم من يقول: كلاهما كان مجتهداً مصيباً، كما يقول كثير من أهل الكلام والفقه والحديث، ممن يقول: كل مجتهد مصيب، ويقول: كانا مجتهدَيْن. وهذا قول كثير من الأشعرية والكرَّامية والفقهاء وغيرهم، وهو قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم، وتقول الكرَّامية: كلاهما إمام مصيب، ويجوز نصب إمامين للحاجة.
ومنهم من يقول: بل المصيب أحدهما لا بعينه، وهذا قول طائفة منهم.
ومنهم من يقول: عليّ هو المصيب وحده، ومعاوية مجتهد مخطئ، كما يقول ذلك طوائف من أهل الكلام والفقهاء أهل المذاهب الأربعة.
وقد حكى هذه الأقوال الثلاثة أبو عبد الله بن حامد عن أصحاب أحمد وغيرهم.
ومنهم من يقول: كان الصواب أن لا يكون قتال، وكان ترك القتال خيراً للطائفتين، فليس في الاقتتال صواب، ولكن عليّ كان أقرب إلى الحق من معاوية، والقتال قتال فتنة ليس بواجب ولا مستحب، وكان ترك القتال خيراً للطائفتين، مع أن علياً كان أوْلَى بالحق.
وهذا قول أحمد وأكثر أهل الحديث أئمة الفقه، وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان([67])، وهو قول عمران بن حُصيْن رضي الله عنه، وكان ينهي عن بيع السلاح في ذلك القتال، ويقول: هو بيع السلاح في الفتنة، وهو قول أسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأكثر من بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم.
ولهذا كان من مذاهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة، فإنه قد ثبتت فضائلهم، ووجبت موالاتهم ومحبتهم. وما وقع منه ما يكون لهم فيه عذر يخفى على الإنسان، ومنه ما تاب صاحبه منه، ومنه ما يكون مغفوراً. فالخوض فيما شجر يُوقع في نفوس كثير من الناس بُغضاً وذماً، ويكون هو في ذلك مخطئاً، بل عاصياً، فيضر نفسه ومن خاض معه في ذلك، كما جرى لأكثر أهل من تكلَّم في ذلك؛ فإنهم تكلموا بكلام لا يحبه الله ولا رسوله: أما من ذم من لا يستحق الذم، وإما من مدح أمور لا تستحق المدح.
ولهذا كان الإمساك طريقة أفاضل السلف. وأما غير هؤلاء فمنهم من يقول: كان معاوية فاسقاً دون عليّ، كما يقوله بعض المعتزلة. ومنهم من يقول: بل كان كافراً، كما يقوله بعض الرافضة، ومنهم من يقول: كلاهما كافر: عليّ ومعاوية، كما يقوله بعض الخوارج. ومنه من يقول فسق أحدهما لا بعينه، كما يقوله بعض المعتزلة، ومنهم من يقول: بل معاوية على الحق وعليّ كان ظالماً، كما تقول المروانية.
والكتاب – والسنة – قد دلّ على أن الطائفتين مسلمون، وأن ترك القتال كان خيراً من وجوده. قال تعالى: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [الحجرات: 9] فسمّاهم مؤمنين إخوة مع وجود الاقتتال والبغي.
وفي الصحيحين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”تمرق مارقة على حين فُرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق“ وهؤلاء المارقة مرقوا على عليّ، فدل على أن طائفته أقرب إلى الحق من طائفة معاوية.
وفي الصحيحين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”إن ابني هذا سيد، وإن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين“ فأصلح الله به بين أصحاب عليّ ومعاوية، فمدح النبي صلّى الله عليه وسلّم الحسن بالإصلاح بينهما، وسماهما مؤمنين. وهذا يدل على أن الإصلاح بينهما هو المحمود، ولو كان القتال واجباً أو مستحباً، لم يكن تركه محموداً.
وقد رُوي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من يتشرف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجاً فليعذبه“ أخرجاه في الصحيحين([68]).
وفي الصحيحين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن“([69]).
وفي الصحيح عن أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كواقع القطر“([70]).
والذين رووا أحاديث القعود في الفتنة والتحذير منها، كسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد لم يقاتلوا لا مع علي ولا مع معاوية.
وقال حذيفة رضي الله عنه: "ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أن أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة؛ فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول له: ”لا تضرك الفتنة“([71]).
وعن ثعلبة بن ضبيعة([72]) قال: دخلنا على حذيفة فقال: "إني لأعرف رجلاً لا تضره الفتنة شيئاً، فخرجنا فإذا فسطاط مضروب فدخلنا فإذا فيه محمد بن مسلمة، فسألناه عن ذلك فقال: ما أريد أن يشتمل عليّ شيء من أمصارهم حتى تنجلي عما انجلت" رواهما أبو داود.
 
رأي الفقهاء في القتال واللعن والتكفير بين المسلمين
 
ومما ينبغي أن يُعلم أن الأمة يقع فيها أمور بالتأويل في دمائها وأموالها وأعراضها، كالقتال واللعن والتكفير. وقد ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قال: "بعثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلاً فعلوته بالسيف، فقال: لا إلا إلا الله، فطعنته فقتلته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ”أقتلته بعما قال: لا إلاه إلا الله“؟ قال: يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح. قال: ”أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفاً من السلاح أم لا“؟ فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ"([73]).
وفي الصحيحين عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يديّ فقطعها ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله. أفأقتله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”لا تقتله“ فقلت: يا رسول الله إنه قطعها ثم قال ذلك بعد أن قطعها، أفأقتله؟  فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”لا تقتله، فإنك إن قتلته فإنه بمنـزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنـزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها“([74]).
فقد ثبت أن هؤلاء قتلوا قوماً مسلمين لا يحل قتلهم، مع هذا فلم يقتلهم النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولا ضمن المقتول بِقَوَدٍ ولا ديّة ولا كفّارة، لأن القاتل كان متأولاً. وهذا قول أكثر العلماء، كالشافعي وأحمد وغيرهما. ومن الناس من يقول: بل كانوا أسلموا ولم يهاجروا، فثبتت في حقهم العصمة المؤثّمة دون المضمّنة، بمنـزلة نساء أهل الحرب وصبيانهم، كما يقوه أبو حنيفة وبعض المالكية. ثم إن جماهير العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي في أحد قوليه: يقولون: إن أهل العدل والبغاة إذا اقتتلوا بالتأويل لم يضمن هؤلاء ما أتلفوه لهؤلاء من النفوس والأموال حال القتال، ولم يضمن هؤلاء ما أتلفوه لهؤلاء.
كما قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم متوافرون، فأجمعوا أن كل دم أو مال أصيب بتأويل القرآن فإنه فعل محرماً. وإن قيل: إنه محرم في نفس الأمر، فقد ثبت بسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المتواترة واتفاق المسلمين أن الكافر الحربيّ إذا قتل مسلماً أو أتلف ما له ثم أسلم، لم يضمنه بقود ولا ديّة ولا كفّارة، مع أن قتله له كان من أعظم الكبائر، لأنه كان متأوّلاً، وإن كان تأويله فاسداً.
وكذلك المرتدون الممتنعون إذا قتلوا بعض المسلمين، لم يضمنوا دمه إذا عادوا إلى الإسلام عند أكثر العلماء، كما هو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد، وإن كان من متأخري أصحابه من يحكيه قولاً، كأبي بكر عبد العزيز حيث قد نص أحمد على أن المرتد يضمن ما أتلفه بعد الردة.
فهذا النص في المرتد المقدور عليه، وذاك في المحارب الممتنع، كما يفرّق بين الكافر الذميّ والمحارب، أو يكون في المسألة روايتان، وللشافعي قولان، وهذا هو الصواب؛ فإن المرتدين الذين قاتلهم الصّدّيق وسائر الصحابة لم يضمنهم الصحابة بعد عودهم إلى الإسلام بما كانوا قتلوه من المسلمين وأتلفوه من أموالهم، لأنهم كانوا متأوّلين.
فالبغاة المتأولون كذلك لم تضمنهم الصحابة رضي الله عنهم، وإذا كان هذا في الدماء والأموال، مع أن من أتلفها خطأ ضمنها بنص القرآن فكيف في الأعراض؟ مثل لعن بعضهم بعضاً، وتكفير بعضهم بعضاً.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث الإفك، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي. والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً والله ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي“. قال سعد بن معاذ: أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحميَّة، فقال: كذبتَ لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير فقال: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فاستبّ الحيّان حتى جعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخفضهم، وكان سعد بن عبادة رضي الله عنه يريد الدفع عن عبد الله بن أُبَيّ المنافق، فقال له أسيد بن خضير: إنك منافق، وهذا كان تأويلاً منه.
وكذلك ثبت في الصحيحين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لحاطب بن أبي بلتعة: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، لما كاتب المشركين بخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”إنه شهد بدراً، وما يدريك أن الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم“([75]).
وثبت في الصحيحين أن طائفة من المسلمين قالوا في مالك بن الدُّخْشُن: إنه منافق، فأنكر النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك ولم يكفّرهم. فقد ثبت أن في الصحابة من قال عن بعض أمته: إنه منافق متأوّلاً في ذلك، ولم يكفّر النبي صلّى الله عليه وسلّم واحداً منهما([76]).
وقد ثبت في الصحيح أن فيهم من لعن عبد الله حماراً لكثرة شربه الخمر، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله“([77]) ولم يعاقب اللاعن لتأويله.
والمتأول المخطئ مغفور له بالكتاب والسنة. قال الله تعالى في دعاء المؤمنين: { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } [البقرة: 286]. وثبت في الصحيح أن الله عز وجل قال: ”قد فعلت“([78]). وفي سنن ابن ماجه وغيره أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ”إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان“([79]).
 
المتأول المخطئ مغفور له
 
إذا تبين هذا فيقال: قول الرافضة من أفسد الأقوال وأشدها تناقضاً؛ فإنهم يعظمون الأمر على من قاتل عليّاً، ويمدحون من قتل عثمان، مع أن الذم والإثم لمن قتل عثمان أعظم من الذم والإثم لمن قاتل عليّاً، فإن عثمان كان خليفة اجتمع الناس عليه، ولم يقتل مسلماً، وقد قاتلوه لينخلع من الأمر، فكان عذره في أن يستمر على ولايته أعظم من عذر عليّ في طلبه لطاعتهم له، وصبر عثمان حتى قتل مظلوماً شهيداً من غير أن يدفع عن نفسه، وعليّ بدأ بالقتال أصحاب معاوية، ولم يكونوا يقاتلونه، ولكن امتنعوا من بيعته.
فإن جاز قتال من امتنع عن بيعة الإمام الذي بايعه نصف المسلمين، أو أكثرهم أو نحو ذلك، فقتال من قاتل وقتل الإمام الذي أجمع المسلمون على بيعته أولى بالجواز.
وإن قيل: إن عثمان فعل أشيءا أنكروها.
قيل: تلك الأشياء لم تبح خلعه ولا قتله، وإن أباحت خلعه وقتله كان ما نقموه على عليّ أولى أن يبيح ترك مبايعته؛ فإنهم إن ادعوا على عثمان نوعاً من المحاباة لبني أمية فقد ادعوا على عليّ تحاملاً عليهم وتركاً لإنصافهم، وأنه بادر بعزل معاوية، ولم يكن ليستحق العزل، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولى أباه أبا سفيان على نجران، ومات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو أمير عليها، وكان كثير من أمراء النبي صلّى الله عليه وسلّم على الأعمال من بني أمية؛ فإنه استعمل على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية، واستعمل خالد بن سعيد بن العاص بن أمية على صدقات مَذْحج وصنعاء اليمن، ولم يزل عليها حتى مات النبي صلّى الله عليه وسلّم، واستعل عمرو على تيماء وخيبر وقرى عرينة وأبان بن سعيد بن العاص استعمله أيضاً على البحرين برها وبحرها حين عزل العلاء بن الحضرمي، فلم يزل عليها حتى مات النبي صلّى الله عليه وسلّم وأرسله قبل ذلك أميراً على سرايا منها سرية إلى نجد وولاه عمر رضي الله عنه، ولا يتهم لا في دينه ولا في سياسته. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن قال: ”خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم“([80]).
قالوا: ومعاوية كانت رعيته تحبه وهو يحبهم، ويصلون عليه وهو يصلى عليه. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم“([81]). قال مالك بن يخامر: سمعت معاذاً يقول: "وهم بالشام" قالوا: "وهؤلاء كانوا عسكر معاوية".
وفي صحيح مسلم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن قال: لا يزال أهل الغرب ظاهرين حتى تقوم الساعة([82]) قال أحمد بن حنبل أهل الغرب هم أهل الشام. وقد بسطنا هذا في موضع آخر، وهذا النص يتناول عسكر معاوية.
قالوا: ومعاوية أيضاً كان خيراً من كثير ممن استنابه عليّ، فلم يكن يستحق أن يعزل ويولي من هو دونه في السياسة، فإن عليّاً استناب زياد بن أبيه، وقد أشاروا على عليّ بتولية معاوية. قالوا: يا أمير المؤمنين توليه شهراً وأعزله دهراً. ولا ريب أن هذا كان هو المصلحة، إما لاستحقاق وإما لتأليفه واستعطافه، فقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أفضل من عليّ، وولى أبا سفيان، ومعاوية خير منه، فولى من خير من عليّ من هو دون معاوية.
فإذا قيل: إن عليّاً كان مجتهداً في ذلك.
قيل: وعثمان كان مجتهداً فيما فعل، وأين الاجتهاد في تخصيص بعض الناس بولاية أو إمارة أو مال، من الاجتهاد في سفك المسلمين بعضهم دماء بعض، حتى ذل المؤمنون وعجزوا عن مقاومة الكفار، حتى طمعوا فيهم وفي الاستيلاء عليهم؟ ولا ريب أنه لو لم يكن قتلا، بل كان معاوية مقيماً على سياسة رعيته، وعليّ مقيماً على سياسة رعيته، لم يكن في ذلك من الشر أعظم مما حصل بالاقتتال، فإنه بالاقتتال لم تزل هذه الفرقة ولم يجتمعوا على إمام، بل سفكت الدماء، وقويت العداوة والبغضاء وضعفت الطائفة التي كانت أقرب إلى الحق، وهي طائفة عليّ، وصاروا يطلبون من الطائفة الأخرى من المسالمة ما كانت تلك تطلبه ابتداء.
ومعلوم أن الفعل الذي تكون مصلحته راجحة على مفسدته، يحصل به من الخير أعظم مما يحصل بعدمه. وهنا لم يحصل بالاقتتال مصلحة، بل كان الأمر مع عدم القتال خيراً وأصلح منه بعد القتال، وكان عليّ وعسكره أكثر وأقوى، ومعاوية وأصحابه أقرب إلى موافقته ومسالمته ومصالحته، فإذا كان مثل هذا الاجتهاد مغفوراً لصاحبه، فاجتهاد عثمان أن يكون مغفوراً أولى وأحرى.
وأما معاوية وأعوانه فيقولون: إنما قاتلنا عليّاً قتال دفع عن أنفسنا وبلادنا فإنه بدأنا بالقتال فدفعناه بالقتال ولم نبتدئه بذلك ولا اعتدينا عليه. فإذا قيل لهم: هو الإمام الذي كانت تجب طاعته عليكم ومبايعته وأن لا تشقوا عصا المسلمين. قالوا: ما نعلم أنه إمام تجب طاعته، لأن ذلك عند الشيعة إنما يعلم بالنص، ولم يبلغنا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نص بإمامته ووجوب طاعته. ولا ريب أن عذرهم في هذا ظاهر، فإنه لو قدر أن النص الجلي الذي تدعيه الإمامية حق فإن هذا قد كتم وأخفي في زمن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلم يجب أن يعلم معاوية وأصحابه مثل ذلك لو كان حقاً، فكيف إذا كان باطلاً؟!.
 
بين الخلافة والملك
 
وأما قوله: "الخلافة ثلاثون سنة" ونحو ذلك. فهذه الأحاديث لم تكن مشهورة شهرة يعلمها مثل أولئك، إنما هي من نقل الخاصة لا سيما وليست من أحاديث الصحيحين وغيرهما. وإذا كان عبد الملك بن مروا خَفي عليه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة رضي الله عنها: ”لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية لنقضت الكعبة ولألصقتها بالأرض، ولجعلت لها بابين“ ونحو ذلك، حتى هدم ما فعله ابن الزبير، ثم لما بلغه ذلك قال: وددت أني وليته من ذلك ما تولاه. مع أن حديث عائشة رضي الله عنها ثابت صحيح متفق على صحته عند أهل العلم، فلأن يخفى على معاوية وأصحابه قوله: ”الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً“ بطريق الأولى، مع أن هذا في أول خلافة عليّ رضي الله عنه لا يدل على عليّ عينا، وإنما علمت دلالته على ذلك لما مات رضي الله عنه، مع أنه ليس نصاً في إثبات خليفة معين.
ومن جوّز خليفتين في وقت يقول: كلاهما خلافة نبوة. فإن معاوية رضي الله عنه كان في أول خلافته محموداً عندهم أكثر مما كان في آخرها.
وإن قيل: إن خلافة عليّ ثبتت بمبايعة أهل الشوكة، كما ثبتت خلافة من كان قبله بذلك أو ردوا على أن طلحة بايعه مكرهاً، والذين بايعوه قاتلوه، فلم تتفق أهل الشوكة على طاعته.
وأيضاً فإنما تجب مبايعته كمبايعة من قبله إذا سار سيرة من قبله. وأولئك كانوا قادرين على دفع الظلم عمَّن يبايعهم، وفاعلين لما يقدرون عليه من ذلك. وهؤلاء قالوا: إذا بايعناه كنا في ولايته مظلومين بولايته مع الظلم الذي تقدم لعثمان، وهو لا ينصفنا إما لعجزه عن ذلك، وإما تأويلاً منه، وإما لما ينسبه إليه آخرون منهم، فإن قتلة عثمان وحلفاءهم أعداؤنا، وهم كثيرون في عسكره، وهو عاجز عن دفعهم، بدليل ما جرى يوم الجمل، فإنه لما طلب طلحة والزبير الانتصار من قتلة عثمان، قامت قبائلهم فقاتلوهم.
ولهذا كان الإمساك عن مثل هذا هو المصلحة، كما أشار به عليّ على طلحة والزبير، واتفقوا على ذلك. ثم إن القتلة أحسوا باتفاق الأكابر، فأثاروا الفتنة وبدأوا بالحملة على عسكر طلحة والزبير، وقالوا لعليّ: إنهم حملوا قبل ذلك، فقاتل كل من هؤلاء وهؤلاء دفعاً عن نفسه، ولم يكن لعليّ ولا لطلحة والزبير غرض في القتال أصلاً، وإنما كان الشر من قتلة عثمان.
وإذا كان لا ينصفنا إما تأويلاً منه وإما عجزاً منه عن نصرتنا، فليس علينا أن نبايع من نُظلم بولايته لا لتأويله ولا لعجزه. قالوا: والذين جوزوا قتالنا قالوا: إنا بغاة، والبغي ظلم، فإن كان مجرد الظلم مبيحاً للقتال فلأن يكون مبيحاً لترك المبايعة أولى وأحرى، فإن القتال أعظم فساداً من ترك المبايعة بلا قتال.
وإن قيل: عليّ رضي الله عنه لم يكن متعمداً لظلمهم، بل كان مجتهداً في العدل لهم وعليهم.
قالوا: وكذلك نحن لم نكن معتمدين للبغي، بل مجتهدين في العدل له وعليه. وإذا كنا بغاة التأويل. والله تعالى لم يأمر بقتال الباغي ابتداء، وليس مجرد البغي مبيحاً للقتال، بل قال تعالى: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } [الحجرات: 9]، فأمر بالإصلاح عند الاقتتال، ثم قال: { فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } [الحجرات: 9] وهذا بغي بعد الاقتتال، فإنه بغى إحدى الطائفتين المقتتلتين لا بغي بدون الاقتتال، فالبغي المجرد لا يبيح القتال، مع أن الذي في الحديث أن عماراً تقتله الفئة الباغية، قد تكون الفتئة التي باشرت قتله هم البغاة لكونهم قاتلوا لغير حاجة إلى القتال أو لغير ذلك، وقد تكون غير بغاة قبل القتال، لكن لما اقتتلتا بغيتا، وحينئذ قتل عماراً الفئة الباغية. فليس في الحديث ما يدل على أن البغي كان منا قبل القتال، ولما بغينا كان عسكر علي متخاذلاً لم يقاتلنا. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: ترك الناس العمل بهذه الآية.
 
إذا التقى المسلمان بسيفيهما
 
وأما قوله: "إن معاوية قتل جمعاً كثيراً من خيار الصحابة".
فيقال: الذين قُتلوا من الطائفتين، قتل هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء. وأكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا عليّاً ولا معاوية، وكان عليّ ومعاوية رضي الله عنهما أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين، لكن غلبا فيما وقع. والفتنة إذا ثارت عجز الحكماء عن إطفاء نارها، وكان في العسكرين مثل الأشتر النخعي، وهاشم بن عتبة المرقال، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبي الأعور السلمي، ونحوهم من المحرضين على القتال: قوم ينتصرون لعثمان غاية الانتصار، وقوم ينفرون عنه، وقوم ينتصرون لعليّ، وقوم ينفرون عنه.
ثم قتال أصحاب معاوية معه لم يكن لخصوص معاوية، بل كان لأسباب أخرى. وقتال الفتنة مثل قتال الجاهلية لا تنضبط مقاصد أهله واعتقاداتهم، كما قال الزهري: "وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم متوافرون، فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فإنه هَدَر: أنزلوهم منـزلة الجاهلية".
وأما ما ذكره من لعن عليّ، فإن التلاعن وقع من الطائفتين كما وقعت المحاربة، وكان هؤلاء يلعنون رؤوس هؤلاء في دعائهم، وهؤلاء يلعنون رؤوس هؤلاء في دعائهم. وقيل: إن كل طائفة كانت تقنت على الأخرى. والقتال باليد أعظم من التلاعن باللسان، وهذا كله سواء كان ذنباً أو اجتهاداً: مخطئاً أو مصيباً، فإن مغفرة الله ورحمته تتناول ذلك بالتوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وغير ذلك.
ثم من العجب أن الرافضة تنكر سبّ عليّ، وهم يسبّون أبا بكر وعمر وعثمان ويكفرونهم ومن والاهم. ومعاوية رضي الله عنه وأصحابه ما كانوا يكفرون عليّاً، وإنما يكفره الخوارج المارقون، والرافضة شر منهم. فلو أنكرت الخوارج السب لكان تناقضاً منها، فكيف إذا أنكرته الرافضة؟!
ولا ريب أنه لا يجوز سب أحد من الصحابة: لا عليّ ولا عثمان ولا غيرهما، ومن سب أبا بكر وعمر وعثمان فهو أعظم إثماً ممن سب عليّاً، وإن كان متأولاً فتأويله أفسد من تأويل من سب عليّاً، وإن كان المتأول في سبهم ليس بمذموم لم يكن أصحاب معاوية مذمومين، وإن كان مذموماً كان ذم الشيعة الذين سبوا الثلاثة أعظم من سب الناصبة الذين سبوا عليّاً وحده. فعلى كل تقدير هؤلاء أبعد عن الحق.
وفي الصحيحين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه“([83]).
 
التحقيق في وفاة الإمام الحسن بن علي رضي الله عنه
 
وأما قوله: "إن معاوية سمَّ الحسن".
فهذا مما ذكره بعض الناس، ولم يثبت ذلك ببينة شرعية، أو إقرار معتبر، ولا نقل يجزم به، وهذا مما لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم. وقد رأينا في زماننا من يقال عنه: إنه سُمَّ ومات مسموماً من الملوك وغيرهم، ويختلف الناس في ذلك، حتى في نفس الموضع الذي مات فيه ذلك الملك والقلعة التي مات فيها، فتجد كلاً منهم يحدث بالشيء بخلاف ما يحدث به الآخر، ويقول: هذا سمَّه فلان، وهذا يقول: بل سمَّه غيره لأنه جرى كذا، وهي واقعة في زمانك، والذين كانوا في قلعته هم الذين يحدثونك.
والحسن رضي الله عنه قد نُقل عنه أنه مات مسموماً. وهذا مما يمكن أن يعلم، فإن موت المسموم لا يخفى، لكن يقال: إن امرأته سمَّته. ولا ريب أنه مات بالمدينة ومعاوية بالشام، فغاية ما يظن الظان أن يقال: إن معاوية أرسل إليها وأمرها بذلك، وقد يقال: بل سمته امرأته لغرض آخر مما تفعله النساء، فإنه كان مطلاقاً لا يدوم مع امرأة.
وقد قيل: إن أباها الأشعث بن قيس أمرها بذلك، فإنه كان يتهم بالانحراف في الباطن عن عليّ وابنه الحسن.
وإذا قيل: إن معاوية أمر أباها، كان هذا ظناً محضاً، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ”إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث“([84]).
وبالجملة فمثل هذا لا يحكم به في الشرع باتفاق المسلمين، فلا يترتب عليه أمر ظاهر: لا مدح ولا ذم، والله أعلم. ثم إن الأشعث ابن قيس مات سنة أربعين، وقيل إحدى وأربعين، ولهذا لم يذكر في الصلح الذي كان بين معاوية والحسن بن علي، في العام الذي كان يسمى عام الجماعة، وهو عام أحد وأربعين، وكان  الأشعث حما الحسن بن عليّ، فلو كان شاهداً لكان يكون له ذكر في ذلك، وإذا كان قد مات قبل الحسن بنحو عشر سنين، فكيف يكون هو الذي أمر ابنته أن تسم الحسن؟ ([85]) والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة  الحال، وهو يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون. فإن كان قد وقع شيء من ذلك فهو من باب قتال بعضهم بعضاً كما تقدم، وقتال المسلمين بعضهم بعضاً بتأويل، وسب بعضهم بعضاً بتأويل، وتكفير بعضهم بعضاً بتأويل: باب عظيم، ومن لم يعلم حقيقة الواجب فيه وإلا ضل.
 
لا تزر وازرةٌ وزر أخرى
 
وأما قوله: "وقتل ابنه يزيد مولانا الحسين ونهب نساءه".
فيقال: إن يزيد لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل، ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق. والحسين رضي الله عنه كان يظن أن أهل العراق ينصرونه ويفون له بما كتبوا إليه، فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل، فلما قتلوا مسلماً وغدروا به وبايعوا ابن زياد، أراد الرجوع فأدركته السرية الظالمة، فطلب أن يذهب إلى يزيد، أو يذهب إلى الثغر، أو يرجع إلى بلده، فلم يمكنوه من شيء من ذلك حتى يستأسر لهم، فامتنع، فقاتلوه حتى قتل شهيداً مظلوماً رضي الله عنه، ولما بلغ ذلك يزيد أظهر التوجع على ذلك، وظهر البكاء في داره، ولم يسب له حريماً أصلاً، بل أكرم أهل بيته، وأجازهم حتى ردهم إلى بلدهم.
ولو قُدِّرَ أن يزيد قتل الحسين لم يكن ذنب ابنه ذنباً له، فإن الله تعالى يقول: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } [فاطر: 18]. وقد اتفق الناس على أن معاوية رضي الله عنه وصّى يزيد برعاية حق الحسين وتعظيم قدره. وعمر بن سعد كان هو أمير السرية التي قتلت الحسين، وابوه سعد كان من أبعد الناس عن الفتن، ولابنه هذا معه قصة معروفة، لما حضه على طلب الخلافة، وامتناع سعد من ذلك، ولم يكن بقي من أهل الشورى غيره.
ففي صحيح مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كان سعد بن أبي وقاص في إبله، فجاء ابنه عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب. فنـزل فقال له أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره فقال: اسكت، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ”إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي“([86]).
ومحمد بن أبي بكر يقال: إنه أعان على قتل عثمان، وكان أبوه أبو بكر رضي الله عنه من أشد الناس تعظيماً لعثمان، فهل روى أحد من أهل السنة قدحاً في أبي بكر لأجل فعل ابنه.
وإذا قيل: إن معاوية رضي الله عنه استخلف يزيد، وبسبب ولايته فعل هذا.
قيل: استخلافه إن كان جائزاً لم يضره ما فعل، وإن لم يكن جائزاً فذاك ذنب مستقل ولو لم يقتل الحسين. وهو مع ذلك كان من أحرص الناس على إكرام الحسين رضي الله عنه وصيانة حرمته، فضلاً عن دمه، فمع هذا القصد والاجتهاد لا يضاف إليه فعل أهل الفساد.
 
الإسلام يجبُّ ما قبله
 
وأما قوله: "وكسر أبوه ثنية النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأكلت أمه كبد حمزة عم النبي صلّى الله عليه وسلّم".
فلا ريب أن أبا سفيان بن حرب كان قائد المشركين يوم أحد، وكسرت ذلك اليوم ثنية النبي صلّى الله عليه وسلّم، كسرها بعض المشركين. لكن لم يقل أحد: إن أبا سفيان باشر ذلك وإنما كسرها عتبة بن أبي وقاص([87])، وأخذت هند كبد حمزة فلاكتها، فلم تستطيع أن تبلعها فلفظتها.
وكان هذا قبل إسلامهم، ثم بعد ذلك أسلموا وحسن إسلامهم وإسلام هند، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يكرمها، والإسلام يَجُبُّ ما قبله، وقد قال الله تعالى: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ } [الأنفال: 38].
وفي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن شماسة المهري قال([88]): حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلاً، وحوّل وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: ما يبكيك يا أبتاه؟ أما بشرك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكذا؟ أما بشرك بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إني قد كنت على أطباق ثلاث، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم مني، ولا أحب إلي أن أكون قد استكنت منه فقتلته، فلو متُّ على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله عز وجل الإسلام في قلبي أتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه. قال: فقبضت يدي، فقال: ”ما لك يا عمرو“؟ قال: قلت: أريد أن اشترط. قال: ”تشترط بماذا“؟ قلت: أن تغفر لي. قال: ”أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله“؟ وذكر الحديث([89]).
وفي البخاري: لما أسلمت هند أم معاوية رضي الله عنهما قالت: والله يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليَّ أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب أن يعزوا من أهل خبائك([90]).
 
التوبة من الذنوب
 
قال الرافضي: "وقد أحسن بعض الفضلاء في قوله: شر من إبليس من لم يسبقه في سالف طاعته، وجر معه في ميدان معصيته. ولا شك بين العلماء أن إبليس كان أعبد من الملائكة، وكان يحمل العرش وحده ستة آلاف سنة، ولما خلق الله آدم وجعله خليفة في الأرض، وأمره بالسجود فاستكبر فاستحق اللعنة والطرد، ومعاوية لم يزل في الإشراك وعبادة الأصنام إلى أن أسلم بعد ظهور النبي صلّى الله عليه وسلّم بمدة طويلة، ثم استكبر عن طاعة الله في نصب أمير المؤمنين عليه إماماً، وبايعه الكل بعد قتل عثمان وجلس مكانه، فكان شراً من إبليس".
فيقال: هذا الكلام فيه من الجهل والضلال والخروج عن دين الإسلام وكل دين، بل وعن العقل الذي يكون لكثير من الكفار، ما لا يخفى على من تدبره.
أما أولاً: فلأن إبليس أكفر من كل كافر، وكل من دخل النار فمن أتباعه. كما قال تعالى: { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } [ص: 85] وهو الآمر لهم بكل قبيح المزين له، فكيف يكون أحد شراً منه؟ لا سيما من المسلمين، لا سيما من الصحابة؟
وقول هذا القائل: "شرٌّ من إبليس من لم يسبقه في سالف طاعة، وجرى معه في ميدان المعصية" يقتضي أن ل من عصى الله فهو شر من إبليس، لأنه لم يسبقه في سالف طاعة، وجرى معه في ميدان المعصية. وحينئذ فيكون آدم وذريته شرّاً من إبليس، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ”كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون“([91]).
ثم هل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: إن من أذنب ذنباً من المسلمين يكون شراً من إبليس؟ أو ليس هذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام؟ وقائل هذا كافر كفراً معلوماً بالضرورة من الدين. وعلى هذا فالشيعة دائماً يذنبون، فيكون كل منهم شراً من إبليس. ثم إذا قالت الخوارج: إن عليّاً أذنب فيكون شراً من إبليس – لم يكن للروافض حجة إلا دعوى عصمته وهم لا يقدرون أن يقيموا حجة على الخوارج بإيمانه وإمامته وعدالته، فكيف يقيمون حجة عليهم بعصمته؟ ولكن أهل السنة تقدر أن تقيم الحجة بإيمانه وإمامته، لأن ما تحتج به الرافضة منقوض ومعارض بمثله، فيبطل الاحتجاج به.
ثم إذا قام الدليل على قول الجمهور الذي دل عليه القرآن كقوله تعالى: { وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى } [طه: 121]، لزم أن يكون آدم شراً من إبليس.
وفي الجملة فلوازم هذا القول وما فيه من الفساد يفوق الحصر والتعداد.
وأما الثانية: فهذا الكلام كلام بلا حجة، بل هو باطل في نفسه. فلم قلت: إن شراً من إبليس من لم يسبقه في سالف طاعة وجرى معه في ميدان معصية؟ وذلك أن أحداً لا يجرى مع إبليس في ميدان معصيته كلها، فلا يتصور أن يكون في الآدميين من يساوي إبليس في معصيته، بحيث يضل الناس كلهم ويغويهم.
وأما طاعة إبليس المتقدمة فهي حابطة بكفره بعد ذلك، فإن الردة تحبط العمل، فما تقدم من طاعته: إن كان طاعة فهي حابطة بكفره وردته، وما يفعله من المعاصي لا يماثله أحد فيه، فامتنع أن يكون أحد شراً منه، وصار نظير هذا المرتد الذي يقتل النفوس ويزني ويفعل عامة القبائح بعد سابق طاعاته، فمن جاء بعده ولم يسبقه إلى تلك الطاعات الحابطة، وشاركه في قليل من معاصيه، لا يكون شراً منه، فكيف يكون أحد شراً من إبليس؟
وهذا ينقض أصول الشيعة: حقها وباطلها. وأقل ما يلزمهم أن يكون أصحاب عليّ الذين قاتلوا معه، وكانوا أحياناً يعصونه، شرّاً من الذين امتنعوا عن مبايعته من الصحابة، لأن هؤلاء عبدوا الله قبلهم، وأولئك جروا معهم في ميدان المعصية.
ويقال: ثالثاً: ما الدليل على أن إبليس كان أعبد الملائكة؟ وأنه كان يحمل العرش وحده ستة آلاف سنة؟ أو أنه كان من حملة العرش في الجملة؟ أو أنه كان طاووس الملائكة؟ أو أنه ما ترك في السماء رقعة ولا في الأرض بقعة إلا وله فيها سجدة وركعة؟ ونحو ذلك مما يقوله بعض الناس؟
فإن هذا أمر إنما يعلم بالنقل الصادق، وليس في القرآن شيء من ذلك، ولا في ذلك خبر صحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وهل يحتج بمثل هذا في أصول الدين إلا من هو من أعظم الجاهلين؟!
وأعجب من ذلك قوله: "ولا شك بين العلماء أن إبليس كان أعبد الملائكة".
فيقال: من الذي قال هذا من علماء الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين؟ فضلاً عن أن يكون هذا متفقاً عليه بين العلماء؟ وهذا شيء لم يقله قط عالم يقبل قوله من علماء المسلمين. وهو أمر لا يعرف إلا بالنقل، ولم ينقل هذا أحد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا بإسناد صحيح ولا ضعيف. فإن كان قاله بعض الوعاظ أو المصنفين في الرقائق، أو بعض من ينقل في التفسير من الإسرائيليات ما لا إسناد له، فمثل هذا لا يحتج به في جُرْزَةِ بقل، فكيف يحتج به في جعل إبليس خيراً من كل من عصى الله من بني آدم، ويجعل الصحابة من هؤلاء الذين خير منهم؟
وما وصف الله ولا رسوله صلّى الله عليه وسلّم إبليس بخير قط ولا بعبادة متقدمة ولا غيرها، مع أنه لو كان له عبادة لكانت قد حبطت بكفره وردته.
وأعجب من ذلك قوله: "لا شك بين العلماء أن كان يحمل العرش وحده ستة آلاف سنة" فيا سبحان الله! هل قال ذلك أحد من علماء المسلمين المقبولين عند المسلمين؟ وهل يتكلم بذلك إلا مفرط في الجهل؟ فإن هذا لا يعرف – لو كان حقاً – إلا بنقل الأنبياء، وليس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في ذلك شيء.
ثم حمل واحد من الملائكة العرش خلاف ما دل عليه النقل الصحيح. ثم ما باله حمل العرش وحده ستة آلاف سنة ولم يكن يحمله وحده دائماً؟ ومن الذي نقل أن إبليس من حملة العرش؟
وهذا من أكذب الكذب؛ فإن الله تعالى يقول: { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا } [غافر: 7]، فأخبر أن له حملة لا واحداً، وأنهم كلهم مؤمنون مسبحون بحمد ربهم، مستغفرون للذين آمنوا.
وإذا قيل: هذا إخبار عن الحمل المطلق، ليس فيه أنه لم يزل له حملة.
قيل: قد جاءت الآثار بأنه لم يزل له حملة، كحديث عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، أن الله تعالى لَمّا خلق العرش أمر الملائكة بحمله. قالوا: ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك؟ فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقالوا، فأطاقوا حمله".
ويقال: رابعاً: إن إبليس كفر، كما أخبر الله تعالى بقوله: { إِلاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ } [ص: 74]، فلو قدر أنه كان له عمل صالح حبط بكفره. كذلك غيره إذا كفر حبط عمله، فأين تشبيه المؤمنين بهذا؟!
ويقال: خامساً: قوله: "إن معاوية لم يزل في الشرك إلى أن أسلم" به يظهر الفرق فيما يقصد به الجمع، فإن معاوية أسلم بعد الكفر، وقد قال تعالى: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ } [الأنفال: 38]، وتاب من شركه وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وقد قال تعالى: { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ } [التوبة: 11]. وإبليس كفر بعد إيمانه فحبط إيمانه بكفره، وذاك حبط كفره بإيمانه، فكيف يقاس من آمن بعد الكفر بمن كفر بعد الإيمان؟!
ويقال: سادساً: قد ثبت إسلام معاوية رضي الله عنه، والإسلام يَجُبُّ ما قبله. فمن ادعى أنه ارتد بعد ذلك كان مدعياً دعوى بلا دليل لو لم يعلم كذب دعواه، فكيف إذا علم كذب دعواه، وأنه مازال على الإسلام إلى أن مات، كما علم بقاء غيره على الإسلام؟ فالطريق الذي يُعلم به بقاء إسلام أكثر الناس من الصحابة وغيرهم، يُعلم به بقاء إسلام معاوية رضي الله عنه. والمدَّعي لارتداد معاوية وعثمان وأبي بكر وعمر رضي الله عنهم، ليس هو أظهر حجة من المدعي لارتداد عليّ. فإن كان المدعي لارتداد عليّ كاذباً كان المدَّعي لارتداد عليّ كاذباً، فالمدعي لارتداد هؤلاء أظهر كذباً، لأن الحجة على بقاء إيمان هؤلاء أظهر، وشبهة الخوارج أظهر من شبهة الروافض.
ويقال: سابعاً: هذه الدعوى إن كانت صحيحة، ففيها من القدح والغضاضة بعليّ والحسن وغيرهما ما لا يخفى. وذلك أنه كان مغلوباً مع المرتدّين، وكان الحسن قد سلَّم أمر المسلمين إلى المرتدين، وخالد بن الوليد قهر المرتدّين، فيكون نصر الله الخالد على الكفار أعظم من نصره لعليّ. والله سبحانه وتعالى عدل لا يظلم واحداً منهما فيكون ما استحقه خالد من النصر أعظم مما استحقه عليّ، فيكون أفضل عند الله منه.
بل وكذلك جيوش أبي بكر وعمر وعثمان ونوّابهم؛ فإنهم كانوا منصورين على الكفّار أيضاً.
فإن الله سبحانه وتعالى يقول: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [آل عمران: 139]، وقال تعالى: { فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } [محمد: 35].
وعليّ رضي الله عنه دعا معاوية إلى السِّلْم في آخر الأمر، لَمّا عجز عن دفعه عن بلاده، وطلب منه أن يبقى كل واحد منهما على ما هو عليه. وقد قال تعالى: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [آل عمران: 139]، فإن أصحابه مؤمنين وأولئك مرتدين وجب أن يكونوا الأعلين، وهو خلاف الواقع.
ويقال ثامناً من قال: إن معاوية رضي الله عنه استكبر عن طاعة الله في نصب أمير المؤمنين، ولم قلت: إنه علم أن ولايته صحيحة، وأن طاعته واجبة عليه؟. فإن الدليل على ثبوت ولايته ووجوب طاعته من المسائل المشتبهة التي لا تظهر إلا بعد بحث ونظر، بخلاف من أجمع الناس على طاعته. وبتقدير أن يكون عَلِمَ ذلك، فليس كل من عصى يكون مستكبراً عن طاعة الله. والمعصية تصدر تارة عن شهوة، وتارة عن كبر، وهل يُحكم على كل عاصٍ بأنه مستكبر عن طاعة الله كاستكبار إبليس؟!.
ويقال تاسعاً: قوله: "وبايعه الكل بعد عثمان".
إن لم يكن هذا حجة فلا فائدة فيه، وإن كان حجة فمبايعتهم لعثمان كان اجتماعهم عليها أعظم. وأنتم لا ترون الممتنع عن طاعة عثمان كافراً، بل مؤمناً تقيّاً.
ويقال عاشراً: اجتماع الناس على مبايعة أبي بكر كانت على قولكم أكمل، وأنتم وغيركم تقولون: إن عليّاً تخلّف عنها مدة. فيلزم على قولكم أن يكون عليّ مستكبراً عن طاعة الله في نصب أبي بكر عليه إماماً، فيلزم حينئذ كفر عليّ بمقتضى حجتكم، أو بطلانها في نفسها. وكفر عليّ باطل، فلزم بطلانها.
ويقال: حادي عشر قولكم: "بايعه الكل بعد عثمان".
من أظهر الكذب، فإن الكذب، فإن كثيراً من المسلمين: إما النصف، وإما أقل أو أكثر لم يبايعوه، ولم يبايعه سعد بن أبي وقاص ولا ابن عمر ولا غيرهما.
ويقال: ثاني: قولكم: "إنه جلس مكانه".
كذب؛ فإن معاوية لم يطلب الأمر لنفسه ابتداء، ولا ذهب إلى عليّ لينـزعه عن إمارته، ولكن امتنع هو وأصحابه عن مبايعته، وبقي على ما كان عليه والياً على من كان والياً عليه في زمن عمر وعثمان. ولما جرى حكم الحكمين إنما كان متولياً على رعيته فقط. فإن أريد بجلوسه في مكانه أنه استبد بالأمر دونه في تلك البلاد، فهذا صحيح، لكن معاوية رضي الله عنه يقول: إني لم أنازعه شيئاً هو في يده، ولم يثبت عندي ما يوجب عليّ دخولي في طاعته. وهذا الكلام سواء كان حقاً أو باطلاً لا يوجب كون صاحب شرّاً من إبليس، ومن جعل أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شرّاً من إبليس، فما أبقى غاية في الافتراء على الله ورسوله والمؤمنين، والعدوان على خير القرون في مثل هذا المقام، والله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، والهوى إذا بلغ بصحابه إلى هذا الحد فقد أخرج صاحبه عن ربقة العقل، فضلاً عن العلم والدين، فنسأل الله العافية من كل بليّة، وإن حقّاً على الله أن يذل أصحاب مثل هذا الكلام، وينتصر لعباده المؤمنين – من أصحاب نبيه وغيرهم – من هؤلاء المفترين الظالمين.
 
تم بحمد الله.
 
المحتوى
 
الموضوع                                                                         رقم الصفحة
تقدمة المحقق .........................................................................  
شذرات من مناقب أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه .........................  
دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم له .......................................................  
كان أحد من كتبوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم ............................................  
تحرّيه موضع صلاة النبي صلّى الله عليه وسلّم داخل الكعبة .................................  
فتح قبرص في عهده، وغزو القسطنطينية .................................................  
وقوع الإسلام بقلبه عام الحديبية ........................................................  
وضوءه للنبي صلّى الله عليه وسلّم ......................................................  
شهادة ابن عباس له بالفقه .............................................................  
كتابته الوحي للنبي صلّى الله عليه وسلّم .................................................  
من خطبته ...........................................................................  
إمارته على الشام .....................................................................  
شبهات حول أمير المؤمنين والرد عليها ...................................................  
سرد شبهات الرافضة حول معاوية رضي الله عنه – والرد عليها واحدة واحدة ................  
-        بيان كذب حديث لعن معاوية .....................................................  
-        بيان أن "الطليق ابن الطليق" ليس نعت ذم ...........................................  
-        فضل عليّ على معاوية ............................................................  
-        معاوية كغيره من الصحابة ليس بمنَزّه عن ارتكاب بعض الذنوب ........................  
-        استقامة دليل أهل السنة في إثبات خلافة علي رضي الله عنه ............................  
-        بيان أن ترك القتال كان أولى ......................................................  
-        القادحون في الإمام عليّ طوائف ....................................................  
-        كان قتال المسلمين قتال فتنة .......................................................  
-        بغي الطائفتين لا ينفي إيمانهما ......................................................  
-        بيان أن عليّاً رضي الله عنه أفضل الصحابة بعد الثلاثة الراشدين .........................  
-        الصحابة يتفاضلون بأسبقيتهم للإسلام ..............................................  
-        أهل السنة أولى بعلي من غيرهم .....................................................  
-        قولٌ للإمام أحمد حول خلافة الإمام عليّ .............................................  
-        الإمام عليّ خليفة راشد مهدي ولا شك في ذلك .....................................  
-        حول قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعمار: ”تقتلك الفئة الباغية“ ......................  
-        لم يكن الإمام عليّ متمكناً من الإمساك بقتَلةِ عثمان ..................................  
-        كذلك معاوية لم يكن متمكناً من قَتَلةِ عثمان ........................................  
امتناع معاوية عن الطاعة للإمام عليّ هو سبب القتال ......................................  
-        كانت مبايعة عليّ أصلح في الدين وأطوع لله ورسوله .................................  
-        فضل التزام الجماعة ...............................................................  
-        عليٌّ وأصحابه كانوا أدنى الطائفتين إلى الحق من السنة .................................  
-        ذكر الاختلاف في رواية حديث ”عمار تقتلك الفئة الباغية“ ...........................  
-        ظروف هذا الحديث ..............................................................  
-        الحديث ثابت عند أهل النقل .......................................................  
-        هل هذا دليل على بغي معاوية وأصحابه ؟ ...........................................  
-        قتال الفئة الباغية .................................................................  
-        حكم وليّ الأمر فيما يكون مخيراً فيه .................................................  
كُتَّاب الوحي للنبي صلّى الله عليه وسلّم .................................................
-        ثبوت كتابة معاوية للنبي صلّى الله عليه وسلّم ........................................  
إسلام معاوية عام الفتح ...............................................................  
-        لم يُعرف عن معاوية أذى للنبي صلّى الله عليه وسلّم قبل الإسلام ........................  
-        حسن إسلام معاوية ...............................................................
-        شعر منحول على معاوية ..........................................................  
-        معاوية أسلم عام الفتح ............................................................  
-        أخوه يزيد أفضل منه ..............................................................
-        الإسلام يجبُّ ما قبله ..............................................................  
حسن إسلام معاوية ...................................................................  
معاوية لم يكفر أو يرتد بعد إيمانه .......................................................  
حول حديث مكذوب يسيء لمعاوية ....................................................
-        معاوية كان من أحلم الناس ........................................................  
وجه الصواب والخطأ في القتال بصفين ...................................................  
-        الصواب ألا يكون قتال ...........................................................  
-        وترك القتال كان خيراً من وجوده ..................................................  
-        التحذير من الفتنة ................................................................
رأي الفقهاء في القتال واللعن والتكفير بين المسلمين ........................................  
-        الكافر إن أسلم ...................................................................  
-        المرتد المقدور عليه ................................................................  
-        إنه شهد بدراً ....................................................................  
-        عظم قدر الصحابة ...............................................................  
-        المتأوّل المخطئ مغفور له ..........................................................  
-        ما فعله عثمان لا يبيح خلعه .......................................................  
-        حول الأحاديث الواردة في فضل الشام ...............................................  
-        سيدنا عثمان كان مجتهداً فيما فعل ..................................................
-        اجتهاد الصحابة ..................................................................  
بين الخلافة والملك ....................................................................  
-        حول حديث: ”الخلافة ثلاثون سنة“ ...............................................
-        المطالبة بقَتَلةِ عثمان ...............................................................  
إذا التقى المسلمان بسيفيهما ............................................................  
-        قتال الفتنة مثل قتال الجاهلية .......................................................  
-        لا يجوز سب أحد من الصحابة .....................................................  
التحقيق في وفاة الحسن بن علي رضي الله عنه ............................................  
-        هل مات الحسن مسموماً ؟ ........................................................
-        إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ..............................................  
لا تزر وازرة وزر أخرى ..............................................................  
-        ليس ذنب يزيد ذنباً لمعاوية ........................................................  
-        حول استخلاف معاوية ليزيد ......................................................  
الإسلام يَجبُّ ما قبله .................................................................  
-        أبو سفيان وهند قبل وبعد الإسلام ..................................................  
-        الإسلام يهدم ما كان قبله .........................................................  
التوبة من الذنوب ....................................................................  
-        هل يكفر المسلم بالذنب ...........................................................  
-        التوبة من الذنب .................................................................  
-        حول مسألة التوبة ................................................................  
-        الله جل شأنه عدل لا يظلم أحداً ...................................................  
-        معاوية لم يطلب الأمر لنفسه ابتداءً ..................................................  
-        ختام الكتاب ....................................................................  
-        المحتوى ..........................................................................  
 
تم الكتاب ولله الحمد.


([1])  رواه الترمذي في المناقب، ح(3842)، باب "مناقب لمعاوية بن أبي سفيان" ص(5: 687)، والإمام أحمد في "مسنده" (4/ 216).

([2])  رواه الترمذي في الموضع السابق، ح(3843).

([3])  أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (1: 219)، وإسناده صحيح، ورواه مسلم مختصراً.

([4])  مسند الإمام أحمد (6: 12، 14).

([5])  أخرجه أبو زرعة في "تاريخ دمشق" (1: 188، 346)، ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء (3: 150).

([6])  ابن سعد (7: 406)، وابن عساكر (16: 339).

([7])  أنساب الأشراف (4: 153)، وتاريخ الإسلام (2: 323)، وتاريخ الطبري (5: 326) وسير أعلام النبلاء (3: 160).

([8])  أخرجهما البخاري في فضائل الصحابة (3764)، (3765) باب ذكر معاوية رضي الله عنه، فتح الباري (7: 103).

([9])  ابن كثير في البداية والنهاية (8: 119-120).

([10])  أنساب الأشراف (4: 44)، والأمالي للقالي (2: 311)، وتاريخ الإسلام (2: 323)، وسير أعلام النبلاء (3: 159)، والبداية لابن كثير (8: 141).

([11])  رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء (3: 15)، عن ابن عساكر.

([12])  البداية والنهاية (8: 124-125).

([13])  قال ابن الجوزي في كتابه "الموضوعات" 2/24 إن هذا الحديث يُروى من حديث ابن مسعود وأبي سعيد والحسن مرسلاً. ثم تكلم على طرق الحديث الثلاثة 2/24-26 ثم قال: "هذا حديث موضوع لا يصح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. أما حديث ابن مسعود ففيه رجلان متهمان بوضعه أحدهما عبّاد بن يعقوب وكان غالياً في التشيع" ثم تكلم ابن الجوزي عنه وعن تضعيف العلماء له ثم قال: "وأما حديث أبي سعيد ففي الطريق الأول مجالد ... وفي الطريق الثاني عليّ بن زيد" وبيّن ابن الجوزي أ، علماء الجرح والتعديل يعدون الأول كذاباً والثاني مختلط العقل وكان يهم ويخطئ ويستحق الترك. قال ابن الجوزي: "قلت: وقد تحذلق قوم لينفروا عن معاوية ما قُذف به في هذا الحديث ثم انقسموا قسمين، فمنهم من غير لفظ الحديث وزاد فيه ومنهم من صرفه إلى غيره" وتلكم ابن الجوزي عليهم 2/26-27 .

([14])  في "الإصابة" 2/88: سهل بن عمرو بن عبد شمس العامري، أخو سهيل، ذكر ابن سعد أنه أسلم يوم الفتح. وقال أبو عمر: مات في خلافة أبي بكر أو عمر.

([15])  في "الإصابة" 2/444: "عتّاب (بالتشديد) بن أسيد (بفتح أوله) بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس الأموي أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد .... أسلم يوم الفتح واستعمله النبي صلّى الله عليه وآله وسلم على مكة".

([16])  الحديث في سنن أبي داود 4/293 (كتاب السنة، باب في الخلفاء)، سنن الترمذي 3/341 (كتاب الفتن، باب ما جاء في الخلافة) وقال الترمذي: هذا حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جهمان ولا نعرفه إلا من حديثه)، المستدرك للحاكم 3/71.
     وتكلم الأستاذ محب ا لدين الخطيب (المنتقى من منهاج الاعتدال، ص57 ت2) على سند الحديث وبين ضعفه وأشار إلى عدم تصحيح ابن العربي له في "العواصم من القواصم"، ص201، القاهرة 1371، ولكن الألباني صحح الحديث في "صحيح الجامع الصغير" 3/118.

([17])  في "الإصابة" 2/157: "شيبة بن عثمان، وهو الأوقص بن أبي طلحة بن عبد الله بن عبد العزى بن عبد الدار القرشي العبدري الحجبي، أبو عثمان".

([18])  الحديث – مع اختلاف في الأفاظ – عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في: البخاري 5/8 (كتاب أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لو كنت متخذاً خليلاً)، مسلم 4/1967-1968 (كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة...)، سنن أبي داود 4/297-298 (كتاب السنة، باب في النهي عن سب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم)، المسند (ط. الحلبي) 3/11، 54، 63، 64، سنن ابن ماجه 1/57 (المقدمة، باب فضل أهل بدر).
     وفي اللسان: "المد ضرب من المكاييل وهو ربع صاع، وهو قد مُدّ النبي صلّى الله عليه وسلّم، والصاع خمسة أرطال).
     وقال النووي (شرح مسلم 16/93): "وقال أهل اللغة: النصيف النصف... ومعناه: لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ ثوابه في ذلك ثواب نفقة أحد أصحابي مُدّاً و نصف مُدّ".

([19])  الحديث عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم في: البخاري 4/15 (كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير)؛ مسلم 3/1487 (كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة...)؛ سنن الترمذي 3/74-75 (كتاب السير، باب ما جاء في الهجرة) وقال الترمذي: "وفي الباب عن أبي سعيد وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن حُبشي"؛ المسند (ط. المعارف) 3/307-308، 4/127، 321. والحديث في مواضع أخرى في البخاري والنسائي وابن ماجه والدارمي والمسند.

([20])  ينقل الأستاذ عبد السلام هارون في مقدمة كتاب "العثمانية" للجاحظ (ص9) عن المسعودي في كتابه "مروج الذهب" (3/253) قوله: "ثم لم يرض بهذا الكتاب المترجم بكتاب العثمانية حتى أعقبه بتصنيف كتاب آخر في إمامة المروانية وأقوال شيعتهم". ولم يذكر بروكلمان هذا الكتاب ضمن كتب الجاحظ المخطوطة.

([21])  ورد هذا الحديث في سنن أبي داود مرتين عن أبي بكرة رضي الله عنه الأولى منهما رواية صحيحة أولها: ”من رأى منكم رؤيا؟“... الحديث وهو في: سنن أبي داود 4/298 (كتاب السنة، باب في الخلفاء)، سنن الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" وجاء الحديث أيضاً في المستدرك 3/70-71 (كتاب معرفة الصحابة) 4/394 (كتاب تعبير الرؤيا) وقال الحاكم "هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرّجاه".
     والرواية الثانية أولها بلفظ ”أيكم رأى رؤيا؟“ وفيها الزيادة التي قال فيها النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء“ وهي في الصفحة التالية في سنن أبي داود 4/290 وقال المحقق عن هذا الحديث إن فيه علي بن زيد وهو ابن جدعان ولا يحتج بحديثه.
     وجاء الحديث في المسند (ط. الحلبي) 5/44، 50.
     وانظر المسند (ط. الحلبي) 4/63، 5/376.

([22])  سنن أبي داود 4/290 (كتاب السنة، باب في الخلفاء) وأوله: أرى الليلة رجل صالح... الحديث. وقال الأستاذ المحقق عليه في تعليقه إنه حديث منقطع.
     والحديث في: المسند (ط. الحلبي) 3/355، المستدرك للحاكم 3/71-72 (كتاب معرفة الصحابة) وقال الحاكم: "ولعاقبة هذا الحديث إسناد صحيح عن أبي هريرة ولم يخرجاه" وقال الذهبي: "تلخيص المستدرك" ذيل 3/74: صحيح.
     وضعف الألباني الحديث في "ضعيف الجامع الصغير وزيادته" 1/260-261.

([23])  الحديث في سنن أبي داود 4/290-291.
     وفي النهاية لابن الأثير 3/88: العراقي جمع عرقوة الدلو وهي الخشبة المعروضة على فم الدلو وهما عرقوتان كالصليب... تضلَّع ( النهاية 3/23): أي أكثر من الشرب حتى تمدد جنبه وأضلاعه.
     وفي اللسان: مادة: نشط، نشط البئر من الدلو صعدا بغير قامة وهي البكرة... ويقال: نشطت وانتشطت: أي انتزعت.

([24])  هذه الأبيات لعمر بن معد يكرب الزبيدي، وجاءت في ديونه ص156-157، صنعه هاشم الطعان، ط بغداد، 1390/1970 مع اختلاف في بعض ألفاظ الأبيات.

([25])  الحديث في الموطأ 2/990 (كتاب الكلام، باب ما جاء في إضاعة المال) عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ”إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً. يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم.
     ويسخط لكم: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال“.
     وجاء القسم الأخير من الحديث بمعناه في حديث آخر عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في:
     البخاري 2/124 (كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: { لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا }، 3/120 (كتاب الاستقراض، باب ما ينهى عن إضاعة المال)، مسلم 3/134 (كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل...)، المسند (ط. الحلبي) 4/246، 249، 254.
     المسند (ط. المعارف) 16/144 (رقم 8316)، 16/292-293 (رقم 7803).

([26])  أدمج ابن تيمية هنا حديثين الأول عن ابن عمر رضي الله عنهما ونصه: ”على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، إذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة“. الحديث الثاني هو حديث عبادة بن الصامت التالي لهذا الحديث. وحديث ابن عمر رضي الله عنهما في:
     البخاري 9/63 (كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية) وهو بمعناه مع اختلاف في اللفظ: البخاري 4/49-50 (كتاب الجهاد والسير، باب السمع والطاعة للإمام)، مسلم 3/1469 (كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء...)، سنن الترمذي 3/125-126 (كتاب الجهاد، باب ما جاء لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).

([27])  الحديث عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه في: البخاري 9/47 (كتاب الفتن، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: سترون بعدي أموراً تنكرونها)، مسلم 3/1470-1471 (كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية...)، سنن النسائي 7/124-126 (كتاب البيعة، باب البيعة على السمع والطاعة، وباب البيعة على أن لا ننازع الأمر أهله، وباب البيعة على القول بالحق، وباب البيعة على القول بالعدل، وباب البيعة على الأثرة)، سنن ابن ماجه 2/957 (كتاب الجهاد، باب البيعة)، الموطأ 2/445-446 (كتاب الجهاد، باب الترغيب في الجهاد)، المسند (ط. الحلبي) 3/441، 5/314، 316. وجاء الحديث في مواضع أخرى في المسند.

([28])  الحديث بروايتيه – مع اختلاف يسير في الألفاظ – عن ابن عباس رضي الله عنهما في:
     ا لبخاري 9/47 (كتاب الفتن، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم سترون من بعدي أموراً تنكرونها) مسلم 3/1477-1478، سنن الدارمي 2/241 (كتاب السير، باب لزوم الطاعة والجماعة)، المسند (ط. المعارف) 4/164، 245-246، 297.

([29])  صحيح مسلم 3/1478 (كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن).

([30])  الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه في: البخاري 3/178 (كتاب الشهادات، باب اليمين بعد العصر) ونصه: ”ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. رجل فضل على ماء بطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً لا يبايعه إلا لدينا فإن أعطاه – يريد: وَفَى له – وإلا لم يفِ له، ورجل ساوم بسلعة بعد العصر فحلف بالله لقد أعطى به كذا وكذا فأخذها“. والحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً في: البخاري 3/110-111 (كتاب الشرب والمساقاة، باب إثم مانع ابن السبيل من الماء)، 9/79 (كتاب الأحكام، باب من بايع رجلاً لا يبايعه إلا لدينا)، مسلم 1/103 (كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية...)، سنن النسائي 7/217 (كتاب البيوع، باب الحلف الواجب للخديعة في البيع)، المسند (ط. المعارف) 13/180.

([31])  الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه في:
     البخاري 1/136 (كتاب الأذان، باب إمامة العبد والمولى)، 9/62 (كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية)، سنن ابن ماجه 2/955 (كتاب الجهاد، باب طاعة الإمام)، المسند (ط. الحلبي) 3/114، 171.

([32])  الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في:
     مسلم 2/745-746 (كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم).
     سنن أبي داود 4/300 (كتاب السنة، باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة).  
      المسند (ط. الحلبي) 3/32، 48.

([33])  ذكر سزكين أنه:
     "لم يصل إلينا منه إلا الجزء العاشر بعنوان "مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب" وذلك بالمكتبة الخاصة بسامي حداد في بيروت (25 ورقة) ونسخة مصورة بالقاهرة، ملحق 3/60-61 تحت رقم 19060، وطبع بيروت سنة 1940م.

([34])  1/93 (كتاب الصلاة، باب التعاون في بناء المسجد).

([35])  البخاري: ولابنه عليّ.

([36])  4/21 (كتاب الجهاد، باب مسح الغبار عن الرأس في سبيل الله – في الأصل: عن الناس في السبيل والتصحيح من فتح الباري 6/30).

([37])  في البخاري: حدثنا إبراهيم عن موسى، أخبرنا عبد الوهاب، حدثنا خالد، عن عكرمة أن ابن عباس قال له ولعلي بن عبيد الله: ائتيا أبا سعيد فاسمعا من حديثه فأتيناه وهو وأخوة في حائط لهما يسقيانه، فلما رآنا جاء فاحتبى وجلس، فقال: كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة – وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فمر به النبي صلّى الله عليه وسلّم، ومسح عن رأسه الغبار، وقال: ”ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، عمار يدعوهم إلى الله، ويدعونه إلى النار“.

([38])  انظر: السنن الكبرى للبيهقي 8/189.

([39])  الحديث في: مسلم 4/2235-2236 (كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل...).

([40])  في مسلم 4/2235: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار (واللفظ لابن المثنى) قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي مسلمة، قال: سمعت أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد الخدري... الخ.

([41])  عبارة "أبو قتادة" ليست فلي حديث رقم 70 في الباب ولكنها وردت في الحديث التالي له رقم 71.

([42])  هذه الرواية في مسلم وسندها فيه 2/746: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ”تمرق مارقة في فرقة من الناس، فيلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق“.

([43])  ليس هذا لفظ مسلم ولكن الحديث رقم 70 فيه لفظة ”بؤس ابن سمية، تقتلك فئة باغية“ والحديث رقم 71 فيه نحوه ولكن فيه: ”وَبْسَ“ أو يقول: ”يا وَيْس ابن سمية“ ووجدت الحديث بهذا الإسناد وهذا اللفظ الغريب تقريباً في المسند (ط. الحلبي) 3/5.

([44])  الحديث بهذا الإسناد وبهذا اللفظ هو الحديث رقم 73 في: مسلم، ولم أعرف مكان الحديث في النسائي.

([45])  الحديث بهذا الإسناد هو الحديث رقم 72 في مسلم ولفظه: ”تقتلك الفئة الباغية“.

([46])  النص على أن ذلك كان في حفر الخندق في الحديث رقم 70 في مسلم الذي أشرت إليه من قبل.

([47])  في المسند (ط. المعارف) الأرقام: 6499، 6500، 6538، 6926، 6927 وصحح الشيخ أحمد شاكر رحمه الله هذه الأحاديث كلها وتكلم عليها.

([48])  لم أعرف مكان حديث عثمان رضي الله عنه.

([49])  في المسند (ط. الحلبي) 4/197، 199.

([50])  الحديث في سنن الترمذي 5/333 (كتاب المناقب، باب مناقب عمار بن ياسر) عن أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه: ”أبشر يا عمار تقتلك الفئة الباغية“. قال الترمذي: "وفي الباب عن أم سلمة وعبد الله بن عمرو وأبي اليسر وحذيفة، هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أبي العلاء بن عبد الرحمن". وصحح الألباني الحديث في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 2/269 (رقم 710) وتكلم على طرقه وألفاظه، والحديث أيضاً في المسند (ط. الحلبي) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه 3/5، 22، 28، 90-91، 5/306، 307 وعن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه فيه 5/214-215 وفيه أيضاً عن أم سلمة رضي الله عنها 6/289-290، 300، 311، 315 وذكر الألباني مكانه في طبقات ابن سعد وحلية أبي نعيم ومستدرك الحاكم وتاريخ الخطيب.

([51])  هذا الجزء من حديث رواه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه في: 4/2197-2199 (كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها أهل الدنيا أهل الجنة وأهل النار) ونصه فيه: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال ذات يوم في خطبته: ”ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا. كل مال نحلته عبداً حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم... الحديث وفيه... وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْرَ له، الذين هم فيكم تبعاً لا يبتعون أهلاً ولا مالاً... الحديث. وذكر مسلم له طريقاً آخر جاء فيه: ”وهم فيكم تبعاً لا يبغون أهلاً ولا مالاً“.
     ومعنى لا زَبْرَ له: أي لا عقل له يزبره ويمنعه مما لا ينبغي.

([52])  الحديث عن عمرو بن العاص رضي الله عنه في: البخاري 9/108 (كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ)؛ مسلم 5/131-132 (كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد...) ولفظ الحديث فيهما: ”إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر“. وجاء الحديث بلفظ آخر عن عبد الله بن عمرو عن أبيه رضي الله عنهما في المسند (ط. المعارف) 11/39-40 (رقم 6755) وفي مسند عمرو (ط. الحلبي) 4/198-205. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه 11/ 41: "ورواه الدارقطني (ص:510) والحاكم (4: 88).

([53])  هذا جزء من حديث طويل عن سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه وأوله في: مسلم 3/1356-1358 (كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء...): "كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه... ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله... وإذا حاصرت حصن، فأرادوك على أن تنـزلهم على حكم الله... ولكن أنـزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا". والحديث – مع اختلاف في اللفظ – في : سنن أبي داود 3/51-52 (كتاب الجهاد، باب في دعاء المشركين)؛ سنن الترمذي 3/85-86 (كتاب السير، باب ما جاء في وصية النبي صلّى الله عليه وسلّم في القتال)؛ سنن ابن ماجه 2/953-954 (كتاب الجهاد، باب وصية الإمام)؛ المسند (ط. الحلبي) 5/358.

([54])  قول ابن تيمية: ولو قدر أنه قوتلت... لم يكن مأموراً به. الكلام هنا غير واضح، وأخشى أن يكون هناك تحريف أو سقط. والمعنى أن الفئة الباغية يجب أن تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فيجب الإصلاح بين الفئتين بالعدل، ولكن ما حدث في الفتنة لم يطابق أمر الله، إذ أن علياً رضي الله عنه لم يقاتل الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله ثم أصلح بين فئته والفئة الباغية بالعدل، ولو كان ما أرشدت إليه الآية الكريمة غير ممكن ما أمر الله تعالى به.

([55])  الحديث عن براء بن عازب رضي الله عنه في: البخاري 6/48 (كتاب التفسير، لا يستوي القاعدون...)؛ مسلم 3/1508-1509 (كتاب الإمارة، باب سقوط الجهاد عن المعذورين) ولفظ مسلم... أنه سمع البراء يقول في هذه الآية: { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } [النساء: 95] فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زيداً فجاء بكتف يكتبها، فشكا إليه ابن أم مكتوم ضرارته، فنـزلت: { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ }. والحديث بمعناه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه في المسند (ط. الحلبي) 5/191؛ سنن أبي داود 3/17 (كتاب الجهاد، باب في الرخصة في القعود من العذر). وانظر تفسير ابن كثير لآية 95 من سورة النساء.

([56])  هذا جزء من حديث طويل عن عائشة رضي الله عنها في: البخاري 8/131 (كتاب الإيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي صلّى الله عليه وسلّم)، 5/40 (كتاب مناقب الأنصار، باب ذكر هند بنت عتبة بن ربيعة رضي الله عنها)؛ 9/66 (كتاب الأحكام، باب من رأي للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس...)؛ مسلم 3/1339؛ (كتاب الأقضية، باب قضية هند)؛ المسند (ط. الحلبي) 6/225.

([57])  هذا الخبر عن العباس رضي الله عنه جاء في كتب السيرة، فهو في: سيرة ابن هشام 4/46؛ زاد المعاد 4/404؛ جوامع السيرة، ص229، إمتاع الأسماع ص371-372. وجاء حديث بمعنى هذا الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه في: مسلم 3/1407-1408 (كتاب الجهاد والسير، باب فتح مكة)؛ المسند (ط. الحلبي) 2/538. وذكر ابن حجر الحديث في فتح الباري 8/12 وقال إنه قد رواه أحمد ومسلم والنسائي من طريق عبد الله بن رباح عن أبي هريرة. وأول الحديث في مسلم: "يا أبا هريرة، ادع لي الأنصار".

([58])  حديث أبي سفيان رضي الله عنه مع هرقل ذكره البخاري عن ابن عباس عن أبي سفيان رضي الله عنهم في: 1/4-6 (كتاب بدء الوحي، باب حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع).
     وذكر البخاري طرفاً منه في 1/15 (كتاب الإيمان، باب حدثنا إبراهيم بن حمزة)، 3/180 (كتاب الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد) وفي مواضع أخرى.

([59])  الحديث – مع اختلاف في الألفاظ – عن ابن عباس عن معاوية رضي الله عنهم في: البخاري 2/174 (كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال)؛ مسلم 2/913 (كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال)؛ مسلم (كتاب المناسك، باب في الإقران)؛ سنن النسائي 5/196-197 (كتاب المناسك، باب أين يقصر المعتمر)؛ المسند (ط. الحلبي) 4/96، 97، 98.

([60])  يقول ابن قدامة في "المغني" 3/351: "فأما من معه هدي فليس له أن يتحلل، لكن يقيم على إحرامه ويدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى منها جميعاً. نص عليه أحمد، وهو قول ابن حنيفة. وعن أحمد رواية أخرى: أنه يحل للتقصير من شعر رأسه خاصة ولا يمس من أظفاره وشاربه شيئاً، وروى عن ابن عمر، وهو قول عطاء، لما روى عن معاوية قال: "قصرت من رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمشقص عند المروة" متفق عليه. وقال مالك والشافعي في قول: له التحلل ونحر هديه. ويستحب نحره عند المروة".

([61])  الحديث عن أبي بكرة رضي الله عنه في:
     البخاري 3/186 (كتاب الصلح، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم للحسن بن علي رضي الله عنهما إن ابني هذا سيد...)، 4/204-205 (كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام)، 5/26 (كتاب فضائل أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما)، 9/56-57 (كتاب الفتن، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم للحسن بن علي إن ابني هذا لسيد...) ولفظ البخاري: ... ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين وفي لفظ:
     والحديث أيضاً في:
     سنن أبي داود 4/229-300 (كتاب السنة، باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة)، سنن الترمذي 5/323 (كتاب المناقب، باب حدثنا محمد بن بشار...)، سنن النسائي 3/87-88 (كتاب الجمعة، باب مخاطبة الإمام رعيته وهو على منبر).

([62])  هو محمد بن عائذ بن أحمد القرشي الدمشقي، ولد سنة 150 وتوفي سنة 233 ومن كتبه كتاب "السير". انظر ترجمه في: تهذيب التهذيب 9/241-242؛ شذرات الذهب 2/78؛ الأعلام 7/48.

([63])  لم أجد هذا الحديث لا في كتب الأحاديث الصحيحة ولا في كتب الأحاديث الموضوعة.

([64])  قال ابن كثير في "البداية والنهاية" 8/153: "وقال هشيم عن العوام عن جبلة بن سحيم عن ابن عمرو، قال: ما رأيت أحداً أسْوَد من معاوية. قال: قلت: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيراً منه، وكان معاوية أسود منه. ورواه أبو سفيان الحيري عن العوام بن حوشب به. وقال: ما رأيت أحدً بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسود من معاوية. قيل: ولا أبو بكر؟ قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان خيراً منه, وهو أسود. وروى من طرق عن ابن عمر مثله". وانظر تعليق أستاذي محب الدين الخطيب رحمه الله على العواصم من القواصم، ص204، ط. السلفية، 1371.

([65])  2/15.

([66])  الموضوعات: في فضله أحاديث ليغضبوا...

([67])  ذكر ابن طاهر البغدادي في كتابه "أصول الدين"، ص289: "أجمع أصحابنا (الأشاعرة) على أن علياً رضي الله عنه كان مصيباً في قتال أصحاب الجمل وفي قتال أصحاب معاوية بصفين، وقالوا في الذين قاتلوه بالبصرة إنهم كانوا على الخطأ" ثم قال (ص290): "وقال أكثر الكرَّامية بتصويب الفريقين يوم الجمل، وقال آخرون منهم إن علياً أصاب في محاربة أهل الجمل وأهل صفين، ولو صالحهم على شيء أرفق بهم لكان أولى وأفضل".

([68])  الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه في: البخاري 4/198-199 (كتاب المناقب، باب علامات النبوة). وجاء الحديث أيضاً في: البخاري 9/51 (كتاب الفتن، باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم)، مسلم 4/2211-2212 (كتاب الفتن، باب نزول الفتن كمواقع القطر)، المسند (ط. المعارف) 14/207-208، وجاء الحديث – مع اختلاف في الألفاظ – عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في المسند (ط. المعارف) 3/29 (وصححه أحمد شاكر).

([69])  الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في: البخاري 1/9 (كتاب الإيمان، باب من الدين الفرار من الفتن)، 4/127 (كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال): سنن النسائي (بشرح السيوطي) 8/107-108 (كتاب الإيمان وشرائعه، باب الفرار بالدين من الفتن)؛ سنن ابن ماجه 2/1317 (كتاب الفتن، باب العزلة)؛ المسند (ط. الحلبي) 3/6، 43، 57؛ الموطأ 2/970 (كتاب الاستئذان، باب ما جاء في أمر الغنم). وفي لسان العرب "شعفة كل شيء أعلاه وشعفة الجبل بالتحريك رأسه. والجمع شَعَفٌ وشعاف وشُعُوف وهي رؤوس الجبال. وفي الحديث: من خير الناس رجل في شعفة من الشعاف في غنيمة له حتى يأتيه الموت وهو معتزل". وانظر "     غريب الحديث" لابن الأثير مادة "شعف".

([70])  الحديث عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما – مع اختلاف في اللفظ – في: البخاري 3/21-22 (كتاب فضائل المدينة، باب أطام المدينة)، 4/198 (كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام)، 9/48 (كتاب الفتن، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: ويل للعرب من شر قد اقترب)؛ مسلم 4/2211 (كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب نزول الفتن كمواقع القطر)؛ المسند (ط. الحلبي) 5/200.

([71])  الحديث عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في سنن أبي داود 4/300 (كتاب السنة، باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة). والحديث التالي هو الحديث الذي يتلوه في: سنن أبي داود (نفس الموضع) وفيه أيضاً: ثعلبة بن ضبيعة.

([72])  في "تهذيب التهذيب": 4/443 هو ضبيعة بن حصين الثعلبي أبو ثعلبة، ويقال: ثعلبة بن ضبيعة الكوفي. روى عن حذيفة ومحمد بن مسلمة، وعنه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري. ذكره ابن حبان في الثقات روى له أبو داود حديثاً واحداً في ذكر الفتنة من وجهين سماه في أحدهما ضبيعة وفي الآخر ثعلبة وقد رجح البخاري وغيره أنه ضبيعة.

([73])  الحديث عن أسامة بن زيد رضي الله عنه في موضعين في مسلم 1/96-97 (كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله). وهو في سنن أبي داود 3/61 (كتاب الجهاد، باب على ما يقاتل المشركون). وجاء حديث آخر بنفس المعنى عن عمران بن حصين رضي الله عنه في: سنن ابن ماجه 2/1296 (كتاب الفتن، باب الكف عمّن قال لا إله إلا الله)، المسند (ط. الحلبي) 4/438-439.

([74])  الحديث عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه في: البخاري 5/85 (كتاب المغازي، باب رقم 12 حدثني خليفة حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري)؛ مسلم 1/95 (كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله)؛ سنن أبي داود 3/61-62 (كتاب الجهاد، باب على ما يقاتل المشركون؛ المسند (ط. الحلبي) 6/5-6 .

([75])  هذا جزء من حديث طويل عن علي رضي الله عنه في: البخاري 5/77-78 (كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدراً) 6/149 (كتاب تفسير القرآن، سورة الممتحنة)، مسلم 4/1941-1942 (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر....)، سنن أبي داود 3/64-65 (كتاب الجهاد، باب في حكم الجاسوس إذا كان مسلماً)، سنن الترمذي (5/82-84 (كتاب التفسير، سورة الممتحنة)، المسند (ط. المعارف) 2/36-37.
وجاء الحديث مختصارً بمعناه عن أبي هريرة في: سنن أبي داود 4/296 (كتاب السنة، باب في الخلفاء)، المسند (ط. المعارف) 15/83-84 .

([76])  الحديث في البخاري 1/88-89 (كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت) عن ابن شهاب قال: أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن مالك، وهو من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ممن شهد بدراً من الأنصار أنه أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، ولم أستطيع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، وددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى. قال: فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”سأفعل إن شاء الله“ قال عتبان: فغدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأذنت له فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: ”أين تحب أن أصلي من بيتك“؟ قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فكبر، فقمنا فصفنا فصلى ركعتين، ثم سلم. قال: وحبسناه على خريزة صنعناها له. قال: فثاب في البيت رجال من أهل الدار ذوو عدد فاجتمعوا فقال قائل منهم: أين مالك بن الدُّخَيْشِن أو ابن الدَّخْشُن؟ فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”لا تقل ذلك. ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله“؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: فإنا نرى وجه ونصيحته إلى المنافقين. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجهه“. والحديث في موضعين آخرين في: البخاري 7/72-73 (كتاب الأطعمة، باب الخزيرة)، 9/18 (كتاب استتابة المرتدين، باب ما جاء في المتأولين). وهو أيضاً عن عتبان بن مالك رضي الله عنه في: مسلم 1/455-456 (كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر) ك. المسند (ط. الحلبي) 5/449، 450.

([77])  الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيك البخاري 8/158 (كتاب الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج عن الملة).

([78])  هذا زء من لفظ الحديث في مسلم 1/116 (كتاب الإيمان، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق). وجاء الحديث – مع اختلاف في الألفاظ – عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنه في: مسلم 1/115-116؛ المسند (ط. المعارف) 3/341-342 (رقم 2070). 5/30-31 (رقم 3071). وانظر الحديث برواياته المتعددة في تفسير الطبري (ط. المعارف) 6/142-145. وانظر أيضاً 6/104-105.

([79])  الحديث عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه في: سنن ابن ماجه 1/659 (كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي) وفي آخره: ... والنسيان وما استكرهوا عليه. قال المعلق: "في الزوائد: إسناد ضعيف..." وصحح الألباني الحديث في "صحيح الجامع الصغير" 2/102 .

([80])  الحديث عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه في: مسلم 3/1481، 1482 (كتاب الإمارة، باب خيار الأئمة وشرارهم)، سنن الدارمي 2/324 (كتاب الرقاق، باب في الطاعة ولزوم الجماعة)، المسند (ط. الحلبي) 6/24 .
وجاء جزء من حديث آخر بمعنى هذا الحديث عن عمر رضي الله عنه في: سنن الترمذي 3/360 (كتاب القتن، باب حدثنا موسى بن عبد الرحمن الكندي) وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد ومحمد يُضعف من قبل حفظه.

([81])  الحديث – مع اختلاف في الألفاظ – عن المغيرة بن شعبة بن عارم وثوبان وجابر بن عبد الله ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم رضي الله عنهم – في أربعة مواضع في: البخاري 4/85 (كتاب فرض الخمس، باب فإن لله خمسة)، 4/207 (كتاب المناقب، باب حدثني محمد بن المثنى حدثنا معاذ باب رقم 28)، 9/101 (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون وهم أهل العلم). 9/136 (كتاب التوحيد، باب نزول عيسى بن مريم حاكماً بشريعة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم). 3/1523-1525 (كتاب الإمارة، باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين..)، سنن أبي داود 3/8 (كتاب الجهاد، باب في دوام الجهاد) وهو عن عمران بن حصين رضي الله عنه، 4/138-139 (كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها)، سنن الترمذي 3/342 (كتاب الفتن، باب ما جاء في الأئمة المضلين) والحديث في سنن ابن ماجه والدارمي ومواضع كثيرة في مسند أحمد.

([82])  الحديث عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في: مسلم 3/1525 (كتاب الإمارة، باب لا تزال طائفة..) قال النووي في شرحه على مسم 14/68 ".. وقال معاذ: هم بالشام، وجاء في حديث آخر: هم ببيت المقدس. وقيل: هم أهل الشام وما وراء ذلك".

([83])  رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم في فضائل الصحابة، ح(221-222)، والإمام أحمد في مسنده (3 : 11).

([84])  الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه في: البخاري 8/19 (كتاب الأدب، باب ما نهى عنه من التحاسد والتدابر، باب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ..) ونصه: ”إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً“. والحديث أيضاً في: البخاري 4/5 (كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ })، 7/19 (كتاب النكاح، باب لا يخطب على خطبة أخيه..) 8/148-149 (كتاب الفرائض، باب تعليم الفرائض)، مسلم 4/1985 (كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظن..) والحديث في سنن الترمذي والموطأ وفي مواضع كثيرة في المسند.

([85])  الأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندي، أبو محمد، صحابي، وفد على النبي صلّى الله عليه وسلّم سنة عشر في سبعين راكباً من كندة وكان من ملوك كنده، فأسلم، وشهد اليرموك فأصيبت عينه. امتنع عن تأدية الزكاة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه فحورب واستسلم، وأطلقه أبو بكر وزوجه أخته أم فروة، فأقام في المدينة وشهد الوقائع، وشارك في حروب العراق، وكان مع عليّ يوم صفين وحضر معه وقعة النهروان ثم عام إلى الكوفة فتوفى فيها سنة 40. روى له البخاري ومسلم تسعة أحاديث. انظر ترجمته في: الإصابة 1/66؛ الأعلام 1/333-334 .

([86])  في المسند (ط. المعارف) 3/26 (رقم 1441) عن عامر بن سعد أن أخاه عمر انطلق إلى سعد في غنم له خارجاً من المدينة فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فلما أتاه قال: يا أبت، أرضيت أن تكون أعرابياً في غنمك والناس يتنازعون في الملك بالمدينة؟ فضرب سعد صدر عمر، وقال: اسكت، إني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ”إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي“.
والحديث في مسلم مع اختلاف في اللفظ 4/2277 (كتاب الزهد والرقاق، الباب الأول) وللحديث رواية أخرى مختلفة في المسند (ط. المعارف) 3/65-66 (رقم 1529).

([87])  في سيرة ابن هشام 3/84 عن أبي سعيد الخدري: أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومئذ (يوم أحد) فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى.. إلخ، وفي "زاد المعاد" 3/197: "وكان الذي تولى أذاه صلّى الله عليه وسلّم عمرو بن قمئة وعتبة بن أبي وقاص. وقيل: إن عبد الله بن شهاب الزهري، عم محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، هو الذي شجه"، وانظر خبر ما أصاب النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم أحد في البخاري (كتاب المغازي، باب ما أصاب النبي صلّى الله عليه وسلّم من الجراح يوم أحد) في: فتح الباري 7/372-373. وفي: البخاري 7/129 (كتاب الطب، باب حرق الحصير ليسد به الدم) والحديث عن سهل بن سعد الساعدي، وفي: مسلم 3/1416-1417 (كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد).

([88])  الحديث في مسلم 1/112-113 (كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله..).

([89])  انظر باقي الحديث في مسلم 1/112-113.

([90])  هذا جزء من حديث طويل عن عائشة رضي الله عنها في: البخاري 8/131 (كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي صلّى الله عليه وسلّم)، 5/40 (كتاب مناقب الأنصار، باب ذكر هند بنت عتبة بن ربيعة رضي الله عنها)، 9/66 (كتاب الأحكام، باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس..)، مسلم 3/1339 (كتاب الأقضية، باب قضية هند)، المسند (ط. الحلبي) 6/225 .

([91])  الحديث عن أنس رضي الله عنه: سنن الترمذي 4/70 (كتاب صفة القيامة، باب منه)، سنن ابن ماجه 2/1420 (كتاب التوبة، باب ذكر التوبة)، سنن الدارمي 2/303 (كتاب الرقائق، باب في التوبة)، المستدرك للحاكم 4/244 وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وحسّن الألباني الحديث في "صحيح الجامع الصغير" 4/171.
وانظر: جامع الأصول 3/70، الترغيب والترهيب 5/52. وذكر الإمام أحمد الحديث مطولاً في مسنده (ط. الحلبي) 3/198.

عدد مرات القراءة:
11904
إرسال لصديق طباعة
الأربعاء 10 رمضان 1440هـ الموافق:15 مايو 2019م 01:05:57 بتوقيت مكة
ابن الوليد 
السلام عليكم
الأحد 11 صفر 1435هـ الموافق:15 ديسمبر 2013م 10:12:49 بتوقيت مكة
محمد ابو جعفر الاهوازی - الاهواز... 
قال العسقلانی فی فتح الباری:عن عبدالله بن احمدبن حنبل سألت ابي ماتقول فی علي ومعاویة؟فأطرق ثم قال:اعلم أن علیا کان کثیر الأعداء ففتش أعداؤه له عیبا فلم یجدوا فعمدوا الی رجل قد حاربه فأطروه کیادا لعلي. أیها الوهابیة یا کلاب النار آتقوا الله في علي وأهل بیت الرسول صلوات علیهم اجمعین و اللعنة الدائمة علی اعدائهم الی یوم الدین
 
اسمك :  
نص التعليق :