آخر تحديث للموقع :

الخميس 11 رجب 1444هـ الموافق:2 فبراير 2023م 08:02:12 بتوقيت مكة

جديد الموقع

سعد بن نجدت عمر ..
الكاتب : سعد بن نجدت عمر ..

حديث الثقلين
بسم الله الرحمن الرحيم


     إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدَهُ ونَستعينُهُ ونَستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنفسِنا ومِنْ سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ، ومَنْ يُضللْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنَّ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدا عبدُهُ ورسولهُ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلمَ.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}
{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساء لون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا}
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}
أما بعد:
فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمد، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثة بدعة وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار.
الحمد لله خالق الثقلين الإنس والجن، وهاديهم إلى صراطه المستقيم، بأوضح دلالة وأبلغ عبارة، منزل الفرقان العظيم، وموحي الوحي الحكيم لنبيه الرحيم، وجاعل حراساً من عباده الموحدين، لحماية شرعه الكريم، من يوم نزول الوحي إلى يوم الدين.
وليميز الله الخبيث من الطيب، وليبلونا أينا أحسن عملاً، وليعلم من يتبع الهدى ممن يتبع الهوى؛ جعل مِن خلقه مَن يبث الشبهات وينشر الشهوات، ومن يثير النعرات، ابتغاء الفتنة، وربما ابتغاء الدنيا الدنية.
لذا كان لابد من بحثٍ عن الحق فيما يثار بين الفينة والأخرى مِن أمورٍ تزعزع الثوابت عند البعض، وما أكثرها في هذه الأيام، فلا تكاد الشمس تشرق إلا وتسمع طامة جديدة، بعضها مِن نفث أعداء الدين من غير الملة الحنيفية، وبعضها – للأسف –  مِن نفث بني جلدتنا وبني ملتنا.
ومِن بين هذه الشبهات، هو ما يثيره بعضهم بين فترة وأخرى - إما من باب التساؤل البريء أو من باب الفتنة الطائفية -، ألا وهو ما يتعلق بأهل البيت والعترة الشريفة، من القول والدعوة لوجوب الأخذ منهم دون غيرهم، والارتباط بهم وحدهم، مستدلين علينا بأحاديث وردت عندنا نحن (أهل السنة والجماعة)، فيها الحث على الاهتمام بالعترة المشرفة.
ومِن هنا جاءت أهمية البحث في هذا الموضوع الجاد الذي يجب أن يكون واضحاً بَيِّناً عندنا أهل السنة والجماعة، حتى نقف فيه مع الحق، دونما إفراط أو تفريط.
لذا حاولت جاهداً في الفترة التي أتيحت لي في زحمة الدنيا، أن يكون لي بُحَيِّثٌ (إن صح التصغير) عن هذا الموضوع الذي سمعته مراراً، وكان في الحقيقة بداية بحثي هذا منذ سنوات حيث جمعت مادته العلمية من الأحاديث الواردة فيه، لكن لم يتسن لي التفرغ له بسبب الانشغال في بلاد الغربة بما هو أولى من ضرورات المعيشة المعروفة، ثم لما حبسنا حابس انتشار هذا الذي يطلقون عليه (الفيروس التاجي كورونا) وجدتها فرصة مناسبة للتفرغ لإكمال ما كنت بدأته بالأمس البعيد، ولله الحمد والمنة.
فكان عملي في هذا البحث:
أولاً: جمعت الأحاديث الواردة في هذا الموضوع، وميزت بين ألفاظها، فجعلت فصلاً للألفاظ المتعلقة بأهل البيت والعترة، وفصلاً في الألفاظ المتعلقة بسنته صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: جعلت فصولاً للتعريف بمصطلحات: (أهل البيت) و(آل البيت) و(العترة)، من ناحية اللغة ومن الناحية الاصطلاحية من فهم العلماء وشرحهم.
ثالثاً: رأيت خلال بحثي أن أتكلم أيضاً على حديث يكثر الاستشهاد به كذلك حين الخوض في هذا الموضوع، وهو ما يعرف بحديث (السفينة) فجعلت له فصلاً وبينت فيه ما يحتاج لبيان.
ثم أوردت ما استطعته من كلام الشيعة عن هذه الألفاظ ومرادهم منها.
وبعد ذلك ختمت البحث بما رأيته مناسباً في الرد على بعض ما ذهبوا إليه.
والله الموفق.
 
وختاماً لابد لي من باب قوله صلى الله عليه وسلم (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) أن أشكر كل من كان له سبب في خروج هذا البحث بهذه الحلة المتواضعة، سواء كان بطرح الموضوع أصلاً، وأخص بالشكر أخي الفاضل الشيخ خلدون حقوي، الذي لم يبخل بملاحظاته، في ترتيب البحث وما إلى ذلك، ولا أنسى كذلك الدعاء بالخير الجزيل للعلماء رحمهم الله تعالى الذين أفدت من تصنيفاتهم وكلامهم الأحياء منهم والأموات، فاللهم اجزهم عني خير الجزاء، وارحمهم برحمتك الواسعة.
 
وكتب
سعد بن نجدت عمر
في استنبول
23 رمضان 1441
الموافق 16 أيار 2020
 
 
الفصل الأول
حديث (أهل البيت والعترة)
سنتكلم في هذا الفصل عن الأحاديث التي فيها لفظ: ((تركت فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي)) بغض النظر عن الاختلافات التي من باب (تارك، تركت)، أو: (ثقلين، أمرين، اثنتين، خليفتين)، أو: (عترتي) بدون (أهل بيتي) أو العكس، أو( القرآن) مكان (كتاب الله).
هذه الألفاظ وردت في عدة أحاديث، عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم.
وبما أن المراد من هذا البحث هو الاختصار قدر الإمكان فسأكتفي عند كل صحابي بذكر لفظ واحد وارد عنه لأنه ليست غايتي هنا جمع كل ألفاظ الأحاديث والحكم على كل منها على حدة، فهذا ينفع أن يكون رسالة جامعية، فالمقصود في هذا الفصل هو إثبات ورود هذه الألفاظ بأخصر طريقة، سواء عن كل هؤلاء أو حتى عن واحد فقط، لذا اكتفيت بذكر متن واحد لكل صحابي، وربما أذكر أحياناً بعض الألفاظ الأخرى الواردة إن كان فيها معنى زائد يتمسك به من تكلم في هذا الأمر، وقد وردت ألفاظ هذا الحديث الخاص بهذا الفصل عن ثمانية من الصحابة رضي الله عنهم جميعاً، وهم: زيد بن أرقم، أبو سعيد الخدري، زيد بن ثابت، جابر بن عبد الله، علي بن أبي طالب، حذيفة بن أسيد، أبو ذر الغفاري، جبير بن مطعم).
والآن فلنشرع بالتفصيل:

  1. حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه

وسأكتفي له برواية الإمام مسلم وهي:
٣٦ - (٢٤٠٨) .... يزيد بن حيان، قال: انطلقت أنا وحُصين بن سَبْرة، وعمر بن مسلم، إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيتَ يا زيد خيراً كثيراً، رأيتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وسمعتَ حديثه، وغزوتَ معه، وصليتَ خلفه، لقد لقيتَ يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعتَ مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا ابن أخي والله لقد كبرتْ سِنِّي، وقَدُم عهدي، ونسيت بعض الذي كنتُ أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً، بماء يُدعى خمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكَّر، ثم قال: ((أَما بَعْدُ، أَلا أَيُّها الناسُ فَإِنَّما أَنا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنا تارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُما كِتابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى والنُّورُ فَخُذُوا بِكِتابِ اللهِ، واسْتَمْسِكُوا بِهِ)) فَحَثَّ على كتاب الله ورَغَّبَ فيه، ثم قال: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» فقال له حصين: ومَن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته مَن حُرِم الصدقة بعده، قال: ومَن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كلُّ هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم.
٣٧ - (٢٤٠٨) ..... عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم، قال: دخلنا عليه فقلنا له: لقد رأيت خيراً، لقد صاحبتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصليتَ خلفه، وساق الحديث بنحو حديث أبي حيان، غير أنه قال: ((أَلا وَإِنِّي تارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَحَدُهُما كِتابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، هُوَ حَبْلُ اللهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كانَ عَلَى ضَلالَةٍ)) وفيه: فقلنا: مَن أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا([1])، وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.
هذا لفظ مسلم، وأخرجه أحمد في المسند (19265)، وابن أبي شيبة في مسنده (1/351)، وعبد بن حميد (المنتخب 1/225)، وابن أبي عاصم في السنة (2/643)، والدارمي في المسند (3419)، والنسائي في الكبرى (8119)، والبزار في المسند (10/231) (10/240)، وابن خزيمة في الصحيح (2357)، كلهم من طرق عن يزيد بن حيان به.
وأخرجه من طريق آخر عن يزيد به:
الخطيب البغدادي في «تلخيص المتشابه في الرسم» (٢/ ٦٩٠)، وابن الشجري في الأمالي الخمسية (٧٢٩)، وعندهما بلفظ:
(قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ أَهْلُ ‌بَيْتِكَ؟ قالَ: ‌آلُ ‌عَلِيٍّ، ‌وَآلُ ‌جَعْفَرٍ، وَآلُ الْعَباسِ، ‌وَآلُ ‌عُقَيْلٍ).
فجعل التعريف بأهل البيت من قول النبي صلى الله عليه وسلم لا من قول زيد رضي الله عنه.
لكن في إسنادهما من لم أجد فيهم جرحاً أو تعديلاً.
وأخرجه الطبراني في الكبير (5/169 – 4980) وعنده بلفظ: (وعترتي أهل بيتي)، والحاكم في المستدرك (4711)، من طريق أبي الضحى عن زيد بن أرقم.
والنسائي في الكبرى (8092)، والطبراني في الكبير (3/66 - 2681) (5/166 – 4969 - 4971)، كلاهما بلفظ: (وعترتي أهل بيتي).
والحاكم في المستدرك (4576)، وابن أبي عاصم في السنة (2/644)، وكلاهما بلفظ: (وعترتي).
كلهم عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم.
وأخرجه الطبراني في الكبير (5/186 – 5040) بلفظ: (وعترتي)، من طريق علي بن ربيعة، عن زيد بن أرقم.
والحديث يكفي إخراج مسلم له لتصحيح اللفظ الذي نريد الكلام عنه في هذا البحث، وإلا فإن في بعض الروايات الأخرى زيادات، ولكن أسانيد كثير منها فيها كلام، ولست هنا أريد الدخول في تفصيل وبيان كل هذه الزيادات لأن المقصود – كما سبق - هو بيان المعنى المراد من الألفاظ الثابتة، والحمد لله.

  1. حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه

وسأكتفي هنا بالرواية التي أخرجها الإمام أحمد رحمه الله في مسنده برقم (١١١٣١) ولفظه مرفوعاً:
((إِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ، وَإِنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعِتْرَتِي، كِتابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ أَخْبَرَنِي أَنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فانْظُرُوا بِمَ تَخْلُفُونِي فِيهِما)).
وأخرجه أيضاً:
ابن سعد في الطبقات الكبرى (2/194)، وابن الجعد في مسنده (ص٣٩٧ - ٢٧١١)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٦/١٣٣)، وأحمد في مسنده (11104 – 11131 – 11211 - 11561)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده (٢/ ٢٩٧)، (٢/ ٣٧٦)، والطبراني في الصغير (١/ ٢٢٦)، (١/ ٢٣٢)، والأوسط: (٣/ ٣٧٤)، (٤/ ٣٣)، وغيرهم.
كلهم رووه من طرق عن عطية العوفي عن أبي سعيد.
فمداره عندهم على (عطية)، وهو ضعيف كما هو معروف([2]).
ولكن له متابع وهو: عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، أخرجه العقيلي في الضعفاء (4/362) في ترجمة هارون بن سعد، وقال عنه: كان يغلو في الرفض، وقال بعد رواية الحديث: لا يتابع عليه([3]).

  1. حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه

وسأكتفي هنا بلفظ المسند للإمام أحمد، وهو:
عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنِّي تارِكٌ ‌فِيكُمْ ‌خَلِيفَتَيْنِ: ‌كِتابُ ‌اللهِ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ ما بَيْنَ السَّماءِ والْأَرْضِ، أَوْ ما بَيْنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ، ‌وَعِتْرَتِي ‌أَهْلُ ‌بَيْتِي، وَإِنَّهُما لَنْ يَتَفَرَّقا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ))
وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (6/309 – 31679)، وأحمد في المسند (21578 – 21654)، وابن أبي عاصم في السنة (754 – 1548 – 1549)، والطبراني في الكبير (4921 – 4922 – 4923)، كلهم من طرق عن شريك به.
ومدار حديث زيد على شريك النخعي([4])، عن الركين بن الربيع، عن القاسم بن حسان به.
قال الألباني في (الصحيحة 4/358): إسناد حسن في الشواهد والمتابعات.

  1. حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه

وسأكتفي هنا بلفظ الترمذي:
٣٧٨٦ - .... عن جابر بن عبد الله، قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في حَجَّته يومَ عَرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: ((يا أَيُّها الناسُ إِنِّي تَرَكْتُ ‌فِيكُمْ ما إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: ‌كِتابَ ‌اللَّهِ، وَعِتْرَتِي ‌أَهْلَ ‌بَيْتِي)).
قال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه([5]).
أخرجه الترمذي من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، وكذلك أخرجه الطبراني في الكبير (3/66 – 2680) والأوسط (4757)، والخطيب في المتفق والمفترق (1/221).
وأخرجه من طريق الشعبي عن جابر: اللالكائي في الاعتقاد (رقم 95)، وفيه: ((وأنا تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله عز وجل .... وأهل بيتي، أذكركم الله عز وجل في أهل بيتي))([6]).

  1. حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه

أكتفي بلفظ البزار في مسنده (3/89):
٨٦٤ - ..... عن الحارث، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنِّي مَقْبُوضٌ وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ ‌فِيكُمُ ‌الثَّقَلَيْنِ ‌كِتابَ ‌اللَّهِ ‌وَأَهْلَ ‌بَيْتِي وإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُما، وَأَنَّهُ لَنْ تَقُومَ الساعَةُ حَتَّى يُبْتَغَى أَصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَما تُبْتَغَى الضالَّةُ فَلا تُوجَدُ)).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/163): فيه الحارث بن عبد الله الأعور وهو ضعيف([7]).
وأخرجه الدولابي في الذرية الطاهرة (ص121 رقم 237)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (5/13 – 1760)، كلاهما من طريق آخر عن علي، لكن وقع عند الطحاوي: (عن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن علي) وعند الدولابي بدون (عن أبيه)([8]).
 

  1. حديث حذيفة بن أَسِيد رضي الله عنه

أكتفي بلفظ الطبراني في الكبير (٣/ ٦٧):
٢٦٨٣ - ..... عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أَسِيد الغفاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أَيُّها الناسُ، إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، حَوْضٌ أَعْرَضُ ما بَيْنَ صَنْعاءَ وَبُصْرَى، فِيهِ عَدَدُ النُّجُومِ قِدْحانٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَإِنِّي ‌سائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ ‌الثَّقَلَيْنِ، فانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِما؟ السَّبَبُ الْأَكْبَرُ كِتابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ، فاسْتَمْسِكُوا بِهِ، وَلا تَضِلُّوا وَلا تُبَدِّلُوا، ‌وَعِتْرَتِي ‌أَهْلُ ‌بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِيَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُما لَنْ يَنْقَضِيا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ))
وأخرجه من طريق أبي الطفيل: ابن مخلد في الحوض والكوثر ص88، وأبو نعيم في الحلية: (١/ ٣٥٥)([9]).
 

  1. حديث أبي ذر رضي الله عنه

أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (1/538):
.... عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن رجل حدثه، عن حنش قال: رأيت أبا ذر آخذاً بحلقةِ بابِ الكعبة وهو يقول: يا أيها الناس أنا أبو ذر فمن عرفني ألا وأنا أبو ذر الغفاري، لا أحدثكم إلا ما سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، سمعتُه وهو يقول: ((أَيُّها الناسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ ‌الثَّقَلَيْنِ كِتابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَأَحَدُهُما أَفْضَلُ مِنَ الْآخَرِ كِتابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَنْ يَتَفَرَّقا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَإِنَّ مَثَلَهُما كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَها نَجا، وَمَنْ تَرَكَها غَرِقَ)).
وهذا إسناد ضعيف لجهالة الراوي عن حنش.
وأخرجه ابن الأبار في معجم أصحاب القاضي أبي علي الصدفي ص86 ، بإسناد آخر، فيه ضعفاء ومجاهيل كذلك.

  1. حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه

حديثه مرفوعاً: «أَلَسْتُ مَوْلاكُمْ، أَلَسْتُ خَيْرَكُمْ؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((فَإِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ عَلَى الْحَوْضِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، واللَّهُ ‌سائِلُكُمْ عَنِ ‌اثْنَتَيْنِ: عَنِ الْقُرْآنِ، وَعَنْ عِتْرَتِي)).
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٦٢٧) (١٤٦٥)([10]).
 
 
الخلاصة:
تبين مما سبق أن هذه الألفاظ المتعلقة بتعيين الثقلين بـ: (كتاب الله وبالعترة أهل البيت)، ثابت صحيح، والحمد لله،
وسنقوم في الفصل التالي بدراسة ما يخص اللفظ الثاني المتعلق بقوله: (وسنتي) مكان (العترة وأهل البيت).
 
 
 
 
 
 
 
 
الفصل الثاني
(وسنتي)
سنتكلم في هذا الفصل عن الأحاديث التي فيها لفظ (تركت فيكم الثقلين: كتاب الله وسنتي)، بغض النظر عن الاختلافات التي من باب (تارك) مكان (تركت) أو (خلفت)، أو مثل: (ثقلين، أمرين، اثنتين، خليفتين)، أو مثل: (سنة نبيكم) أو (سنة نبيه).
وهذه الألفاظ كذلك وردت من أحاديث خمسة من الصحابة رضي الله عنهم، وهم: (أبو هريرة، أبو سعيد الخدري، عمرو بن عوف المزني، أنس بن مالك، عبد الله بن عباس).
وكما كان المنهج في الفصل السابق مِن ذكر لفظ واحد لكل صحابي، فسنكرره هنا أيضاً، والله الموفق.
 

  1. حديث أبي هريرة رضي الله عنه

أكتفي هنا بلفظ الحاكم في المستدرك:
319- .... صالح بن موسى الطلحي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنِّي ‌قَدْ ‌تَرَكْتُ ‌فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ)).
وأخرجه البزار في البحر الزخار (15/385) (8993)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (1/510) (632)، والدارقطني في السنن (4606)، وابن شاهين في شرح مذاهب أهل السنة رقم 44، واللالكائي في شرح الاعتقاد (1/88) (90)، والبيهقي في الكبرى (10/195) (20337)، كلهم من طرق، عن صالح بن موسى به([11]).
 

  1. حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه

وحديثه هو:
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا في مرضه الذي توفي فيه, ونحن في صلاة الغداة, فذهب أبو بكر ليتأخر, فأشار إليه مكانك, وصلى مع الناس, فلما انصرف, حمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ ‌تَرَكْتُ ‌فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي, وَلَا تُعْسِفُوهُ, فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ, وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ, وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا)).
أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٢٧٥)، والقاضي عياض في الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ص8،([12])
 

  1. حديث عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه.

وحديثه هو:
عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((‌تَرَكْتُ ‌فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)).
أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (1/755) (1389) و(2/978) (1865)، وأخرجه كذلك الشجري في ترتيب الأمالي الخميسية (ح 753)([13]).
 

  1. حديث أنس بن مالك رضي الله عنه

... عن هشام بن سليمان، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لَقَدْ ‌تَرَكْتُ ‌فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: ‌كِتَابَ ‌اللَّهِ، ‌وَسُنَّةَ ‌نَبِيِّهِ)).
أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها (٤/ ٦٧)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ١٣٨)([14]).
 

  1. حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه

... عن ثور بن زيد الديلي، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع، فقال: ((قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ ‌تَرَكْتُ ‌فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا ‌كِتَابَ ‌اللَّهِ ‌وَسُنَّةَ ‌نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)).
هذا لفظ الحاكم في المستدرك (318)، وقال: احتج البخاري بأحاديث عكرمة واحتج مسلم بأبي أويس، وسائر رواته متفق عليهم، وذِكر الاعتصام بالسنة في هذه الخطبة غريب ويحتاج إليها.
وأخرجه كذلك المروزي في السنة (ص25 رقم 68)، والبيهقي في الكبرى (10/194) (20336)، والآجري في الشريعة (5/2220)، كلهم عن ثور به.
وأخرجه من طريق آخر عن الزهري عن عكرمة عن ابن عباس: الآجري في الشريعة (5/2218).
 
وهناك رواية أخرجها الطبري في تاريخ الرسل والملوك (٣/١٥٠):
حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حَجِّهِ، فأَرى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ التي بَيَّنَ لِلنَّاسِ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ...... ((فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَتَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ)).
لكن هذا إسناد مرسل ضعيف كما ترى.
 
 
الخلاصة: هو أن هذا اللفظ كذلك ثابت، وإن كان ثبوت لفظ العترة أقوى، لكن هذا لا يمنع ثبوت اللفظين، وليس بينهما تعارض كما سأحاول بيناه لاحقاً، وبيان معاني هذه الألفاظ والمراد منها إن شاء الله تعالى.
 
وبعد هذا البيان في لفظ الحديثين، أقول: قد يتبادر استشكال عند البعض، ألا وهو:
بما أن رواية الحديث بلفظ (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) هو الأكثر رواية، بل والأصح رواية من اللفظ الآخر: (كتاب الله وسنتي)، فلماذا نسمع الخطباء والدعاة والعلماء يستشهدون غالباً بالرواية الثانية، دون الأولى؟
فأقول (والله أعلم بالصواب):
قد يكون كثير من هؤلاء الدعاة والخطباء لا يعرف هذا الفرق بينهما من حيث الرواية، وبما أن صحة اللفظين عنده بمرتبة واحدة، فالاستشهاد بالرواية الثانية يلبي المطلوب والمقصود الأعم لما يريد تفهيمه للعامة وبشكل أسرع وأخصر، لذا يستشهد به.
وعلى فرض معرفته بتفصيل الفرق بين الروايتين من حيث ما ذكرناه، فإنه قد يستعمل الداعي أو الخطيب الأسهل، لأنه لو استعمل اللفظ الأول فإنه سيضطر لتفهيم الناس ما هو المقصود من التمسك بالثقل الثاني (الآل والأهل والعترة)، وسيضطر بالتالي كذلك للاستشهاد مجدداً برواية أخرى أو حديث آخر يدل على مقصوده ومطلوبه من حث الناس على الأخذ بالسنة كما هو الأخذ بالقرآن.
وربما يتحاشى بعض الخطباء أو الدعاة الاستشهاد بالرواية الأولى ظنًّا منهم أنها ربما تترك في قلب السامع شيئاً من الشبهة على صحة بعض ادعاءات الرافضة وافتراءاتهم عن صحة مذهبهم من وجوب الأخذ من آل البيت فقط دون غيرهم.
والله أعلم.
 
ثم وقبل البدء بما يتعلق بالكلام على شرح ألفاظ الحديثين، لعلي أفرد كذلك فصلاً آخر أذكر فيه حديثاً يتعلق بموضوعنا، حتى نكون منصفين وحتى لا نترك مجالا للشبه، غير متغاضين عن ألفاظ واردة قد يتوهم البعض أنها دالة على حصر الأخذ من أهل البيت والعترة، هذه الأحاديث هي التي فيها تشبيه أهل البيت بسفينة نوح، وأن من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك، ولنشرع بذلك في الفصل التالي.
 
 
الفصل الثالث
(أهل بيتي كسفينة نوح)
 
سأتكلم في هذا الفصل عن الأحاديث الواردة التي فيها لفظ: (أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك)، وهو حديث رأيت الكلام عليه كسابقته من الأحاديث السابقة لارتباطه بنفس البحث، فهو حديث يتم الاستشهاد به متلازماً مع حديث العترة.
فأقول: ورد هذا الحديث عن سبعة من الصحابة رضي الله عنهم، وهم: (أبو ذر الغفاري، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعامر بن واثلة، وسلمة بن الأكوع، وعبد الله بن الزبير)

  1. حديث أبي ذر رضي الله عنه

ورد حديثه من عدة طرق، وأكتفي هنا بمتن واحد وهو رواية الحاكم في المستدرك:
3312- ...... عن أبي إسحاق، عن حنش الكناني، قال: سمعت أبا ذر، يقول: وهو آخذ بباب الكعبة: أيها الناس، من عرفني فأنا من عرفتم، ومن أنكرني فأنا أبو ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَثَلُ ‌أَهْلِ ‌بَيْتِي مَثَلُ ‌سَفِينَةِ ‌نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ»
وأخرجها كذلك من طرق عن أبي إسحاق به:
أحمد في فضائل الصحابة (2/785)، والفاكهي في أخبار مكة (3/112 – 1904)، والطبراني في الكبير (3/45 – 1637) وفي (1/240 – 391) وفيه زيادة: (ومثل باب حطة في بني إسرائيل)، والآجري في الشريعة (5/2215 – 1701)، وابن المغازلي في مناقب علي (175).
أما الحاكم فقال بعد إخراجه: صحيح على شرط مسلم!! وتعقبه الذهبي: مفضل (الراوي عن أبي إسحاق السبيعي) خرّج له الترمذي فقط، ضعفوه.
وضعف إسناده كذلك ابن كثير في تفسيره: (7/204 دار طيبة).
ثم إن أبا إسحاق مدلس وقد عنعن، فضلاً عن اختلاطه آخر عمره، وحنش بن المعتمر متكلم فيه.
وهذه الطرق الأخرى عن أبي إسحاق التي فيها متابعة للمفضل لا يفرح فيها إذ كلها لا تخلو من متروك أو متهم بالوضع أو ضعيف.
وأخرجه من طريق علي بن زيد عن ابن المسيب عن أبي ذر:
الفسوي في المعرفة والتاريخ (1/538)، والبزار في البحر الزخار (9/343 – 3900)، والشهاب القضاعي في مسنده (1345)، والطبراني في الكبير (3/45 – 2636)، وابن المغازلي في مناقب علي (177)، والخطيب في المتفق والمفترق (1/676).
وقال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عن أبي ذر من هذا الوجه، ولا نعلم تابع الحسن بن أبي جعفر على هذا الحديث أحد.
قلت: وهذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان انظر: (ميزان الاعتدال: 3/127)، وكذا الراوي عنه الحسن بن جعفر مجمع على تركه (ميزان الاعتدال: 1/ 482)، وكذا سعيد ابن المسيب روايته عن أبي ذر مرسلة، كما قال العلائي في جامع التحصيل (ص184).
وأخرجه من طريق أسلم المكي عن أبي الطفيل عن أبي ذر:
أبو الشيخ في أمثال الحديث (ص384، رقم 333).
وأسلم المكي مجهول العين، والراوي عنه عبد الكريم بن هلال، قال الذهبي: لا يدرى من هو، ضعفه الأزدي. (المغني 2/402).
وأخرجه من طريق أبي هارون عن شيخ عن أبي ذر:
الآجري في الشريعة (5/2214 – 1700).
وهذا إسناد فيه مجهول، وأبو هارون العبدي (عمارة بن جوين) متروك ومنهم من كذبه، كما في (تقريب التهذيب).
وأخرجه من طريق أبي إسحاق عن رجل حدثه عن حنش...:
الفسوي في المعرفة والتاريخ (1/538).
وهذا أيضاً إسناد لا يفرح به، فهو ضعيف كذلك لجهالة الرجل، وحنش صدوق له أوهام، كما في (التقريب).
قال الدارقطني في العلل (6/236): يرويه أبو إسحاق السبيعي، عن حنش، قال ذلك: الأعمش، ويونس بن أبي إسحاق، ومفضل بن صالح، وخالفهم إسرائيل، فرواه عن أبي إسحاق، عن رجل، عن حنش. والقول عندي قول إسرائيل.أهـ
وهي طريق ضعيفة كما سبق.
 

  1. حديث ابن عباس رضي الله عنه

أورد هنا لفظ الطبراني ورواه:
حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الصهباء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ ‌أَهْلِ ‌بَيْتِي مَثَلُ ‌سَفِينَةِ ‌نُوحٍ، مَنْ رَكِبَ فِيهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ».
أخرجه في الكبير (3/46 – 2638) (12/34 – 12388).
وأخرجه من هذا الطريق أيضاً عن مسلم به:
البزار في البحر الزخار (11/329 – 5142)، وابن بشران في الأمالي (ج2 ص298)، وأبو نعيم في الحلية (4/306)، والشهاب القضاعي في مسنده (2/273 – 1342)، وابن المغازلي في مناقب علي (ص189 رقم 176).
لكن الحسن بن أبي جعفر ضعيف منكر الحديث (ميزان الاعتدال: 1/482)، وأبو الصهباء [الكوفي] قال ابن حجر في (التقريب): مقبول.
وأخرجه من طريق آخر عن المنصور (عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس) عن أبيه عن أبيه عن ابن عباس:
المغازلي في مناقب علي (ص187 رقم 173).
وفي إسناده من لم أجد له ترجمة أصلاً.

  1. حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه

وحديثه أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/٨٥):
٥٨٧٠ - حدثنا محمد بن عبد العزيز بن محمد بن ربيعة الكلابي قال: نا أبي قال: نا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن أبي سلمة الصائغ، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّمَا مَثَلُ ‌أَهْلِ ‌بَيْتِي مَثَلُ ‌سَفِينَةِ ‌نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ، إِنَّمَا مَثَلُ ‌أَهْلِ ‌بَيْتِي فِيكُمْ مَثَلُ بَابِ حِطَّةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، مَنْ دَخَلَ غُفِرَ لَهُ».
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/168): فيه جماعة لم أعرفهم.
وأخرجه كذلك ابن الشجري في الأمالي (1/199 – 202).
قلت: وعطية العوفي ضعيف، وأبو سلمة الصائغ ذكره ابن حبان في (الثقات)، وقيل عنه أنه شيخ مجهول، وعبد الرحمن بن أبي حماد لم أجد من تكلم فيه بجرح أو تعديل، سوى ما قاله أكرم الفالوجي في كتابه (المعجم الصغير لرواة الإمام ابن جرير الطبري) قال: ضعيف، ولم يذكر مستنده.

  1. حديث أنس بن مالك رضي الله عنه

أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٥٦٩):
(٤٠٤٢) - أخبرنا النجار، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن شداد المُطَرِّز، قال: حدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغَنْدي، قال: حدثنا أبو شَريك القَطِيعي، قال: حدثنا حماد بن زيد بمكة، وعيسى بن واقد، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ ‌أَهْلِ ‌بَيْتِي ‌كَسَفِينَةِ ‌نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا؛ نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا؛ غَرِقَ)).
قلت:
أبان بن عياش متروك واهي الحديث (ترجمته في تهذيب الكمال: 2/19).
وعيسى بن واقد لم أجد من ترجم له.
وأبو شريك هو يحيى بن يزيد المرادي، قال أبو حاتم: شيخ (الجرح والتعديل: 9/198)، وقال عبد بن سعيد: كان يتشيع، انظر: تاريخ ابن يونس (1/508).
والباغندي، قال ابن عدي في (الكامل: 7/564): وللباغندي أشياء أنكرت عليه من الأحاديث وكان مدلساً يدلس عَلَى ألوان وأرجو أنه لا يتعمد الكذب، وقال الدارقطني: كان كثير التدليس يحدث بما لم يسمع وربما سرق. وانظر ترجمته في تاريخ بغداد (4/343).

  1. حديث عامر بن واثلة رضي الله عنه

أخرج حديثه الدولابي في الكنى والأسماء (١/٢٣٢):
٤١٩ - حدثني رَوح بن الفرج قال: ثنا يحيى بن سليمان أبو سعيد الجُعفي قال:، ثنا عبد الكريم بن هلال الجُعفي أنه سمع أسلم المكي قال: أخبرني أبو الطفيل عامر بن واثلة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَثَلُ ‌أَهْلِ ‌بَيْتِي مَثَلُ ‌سَفِينَةِ ‌نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَمَنْ تَرَكَهَا غَرِقَ».
قلت:
يحيى بن سليمان، قال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن حبان: ربما أغرب، ووثقه الدارقطني، وقال ابن حجر: صدوق يخطئ.
وأسلم وعبد الكريم سبق الكلام عنهما تحت حديث أبي ذر.

  1. حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه

أخرج حديثه ابن المغازلي في مناقب علي (ص١٨٨):
١٧٤ - أخبرنا محمد بن أحمد بن عثمان، أخبرنا أبو الحسين محمد بن المظفر بن موسى بن عيسى الحافظ إذناً، حدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، حدثنا سويد، حدثنا عمر بن ثابت، عن موسى بن عبيدة، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ ‌أَهلِ ‌بَيتِي مَثَلُ ‌سَفِينَةِ ‌نُوحٍ مَنْ رَكِبَها نَجا)).
موسى بن عبيدة لا يحتج به، قال أحمد وأبو حاتم: منكر الحديث، وعن ابن معين: لا يحتج بحديثه، انظر (ميزان الاعتدال: 4/213).
وعمر بن ثابت، هو عمرو بن أبي المقدام ثابت، قال ابن معين: ليس بثقة ولا مأمون، وانظر ترجمته (تهذيب الكمال: 21/553).
وسويد هو ابن سعيد الهروي الحدثاني، قال ابن المديني: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: صدوق يدلس وكثر ذلك، انظر ترجمته في (تهذيب الكمال: 12/247).
والباغندي سبق التعريف به.

  1. حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنه

أورده الهيثمي في كشف الأستار (3/222):
2613- حدثنا يحيى بن معلى بن منصور، ثنا ابن أبي مريم، ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ ، مَنْ رَكِبَهَا سَلِمَ وَمَنْ تَرَكَهَا غَرِقَ)).
قال البزار: لم نسمعه بهذا الإسناد إلا من يحيى.
قلت: ولم أجد عند البزار في البحر الزخار بهذا الإسناد إلا حديثاً واحداً وهو: ((أَنَّ قُرَيْشًا، قَالَتْ: إِنَّ مَثَلَ مُحَمَّدٍ مَثَلُ نَخْلَةٍ فِي كَبْوَةٍ)).
 
وانظر ضرورة سلسلة الأحاديث الضعيفة ح4503، فقد ضعفه وبيّن ضعف كل طريق، فإنه مهم.
 
ثم على فرض الأخذ بهذا الحديث والعمل به فالمفهوم منه هو كما:
قال الطيبي (ت743) في شرحه على مشكاة المصابيح المسمى بـ (الكاشف عن حقائق السنن) (12/3919): ونِعْمَ ما قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره([15]): نحن معاشر أهل السنة بحمد الله ركبنا سفينة محبة أهل البيت واهتدينا بنجم هدي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنرجوه النجاة من أهوال يوم القيامة ودركات الجحيم، والهداية إلى ما يُزْلِفنا لدرجات الجنان والنعيم المقيم.
وقال ابن حجر الهيتمي (ت974) في الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة (٢/ ٤٤٦):
وقال بعضهم: يحتمل أن المراد بأهل البيت (الذين هم أمان): علماؤهم، لأنهم الذين يُهتدى بهم كالنجوم، والذين إذا فُقدوا جاء أهلَ الأرض من الآيات ما يُوعدون، وذلك عند نزول المهدي، لما يأتي في أحاديثه أن عيسى يصلي خلفه ويقتل الدجال في زمنه، وبعد ذلك تتتابع الآيات....
قال: ويحتمل - وهو الأظهر عندي - أن المراد بهم: سائر أهل البيت، فإن الله لما خلق الدنيا بأسرها من أجل النبي صلى الله عليه وسلم([16]) جعل دوامها بدوامه ودوام أهل بيته، لأنهم يساوونه في أشياء مر عن الرازي بعضها، ولأنه قال في حقهم: (اللهم إنهم مني وأنا منهم)([17])، ولأنهم بضعة منه، بواسطة أن فاطمة رضي الله عنها أمهم بضعته، فأُقِيموا مقامَه في الأمان. انتهى ملخصاً.
ووجه تشبيههم بالسفينة فيما مر: أنَّ مَن أحبهم وعظمهم شكراً لنعمة مُشَرِّفِهِم صلى الله عليه وسلم وأَخذَ بهدي علمائهم؛ نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلف عن ذلك؛ غرق في بحرِ كُفْرِ النِّعم، وهلك في مفاوز الطغيان.
 
وقال علي القاري (ت1014) في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/3988):
((مِثْلَ سَفِينَةِ نُوحٍ)): أي في سببية الخلاص من الهلاك إلى النجاة، ((مَنْ رَكِبَ نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ))، فكذا من التزم محبَّتهم ومتابعتهم؛ نجا في الدارين، وإلا فهلك فيهما، ولو كان يُفَرِّقُ المالَ والجاه أو أحدهما.
 
وقال المناوي (ت1031) في فيض القدير شرح الجامع الصغير (2/519):
وجه التشبيه أن النجاة ثبتت لأهل السفينة من قوم نوح، فأثْبَتَ المصطفى صلى الله عليه وسلم لأمته بالتمسك بأهل بيته النجاةَ، وجعلهم وُصْلَةً إليها، ومحصوله: الحث على التعلق بحبهم وحبلهم وإعظامهم شكراً لنعمة مشرفهم، والأخذ بهدي علمائهم، فمن أخذ بذلك نجا من ظلمات المخالفة، وأدى شكر النعمة المترادفة، ومن تخلف عنه غرق في بحار الكفران وتيار الطغيان، فاستحق النيران، لِما أنَّ بغضهم يوجب النار، كما جاء في عدة أخبار، كيف وهم أبناء أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده، وهم فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم وبرأهم من الآفات، وافترض مودتهم في كثير من الآيات، وهم العروة الوثقى، ومعدن التقى، واعلم أن المراد (بأهل بيته) في هذا المقام: العلماء منهم، إذ لا يحث على التمسك بغيرهم، وهم الذين لا يفارقون الكتاب والسنة([18])، حتى يردوا معه على الحوض.
 
وقال الأمير الصنعاني (ت1182) في التنوير شرح الجامع الصغير (4/101):
((إنَّ مَثَلَ أَهلِ بَيتي فِيكُم)) أي: صفتهم في نجاة مَن أحبهم واهتدى بهُداهم، ... وجه الشبه بقوله: ((مَنْ رَكِبَها نَجا)) عن كل هَلَكَة، ((ومَنْ تَخَلَّفَ عَنها هَلكَ))، واعلم أنه جَعَلَ أئمةُ الأصول الحديثَ مِنْ أدلة إجماع أهل البيت، وأنه خاصٌّ بالمجتهدين، والأظهر أنه يحتمل أن المراد: مَن تعلق بحبهم وإعظامهم ومعرفة حق أبيهم لهم، وأنه شامل لكلٍّ مِنَ الآل، لا للمجتهدين فقط وهم به ألصق.
وقال في موضع آخر (9/543):
فالتمسك بمحبة الآل نجاة وعدمه هلكة، فإن حبهم واجب لحبه صلى الله عليه وسلم وهو عام للأفراد، وإن عَصَوا فالمحبة لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنافي البُغْضَ لارتكاب المعصية.
 
فصل
الآل والأهل في اللغة العربية
الآل في اللغة
قال الجوهري (ت393) في الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤/ ١٦٢٧):
وآل ‌الرجل: أهله وعياله. وآله أيضاً: أتباعُه.
وقال ابن فارس (ت395) في مقاييس اللغة (1/160):
قال الأصمعي: آلَ ‌الرجلُ ‌رعيتَه يؤولُها: إذا أحسن سياسَتَها، ... وآلُ الرجلِ أهلُ بيتِه، مِن هذا أيضاً، لأنه إليه مآلُهم وإليهم مآلُه، وآلُ الرجل شخصُه، مِن هذا أيضاً. وكذلك آلُ كلِّ شيءٍ. وذلك أنهم يُعبِّرون عنه بآلهِ، وهم عشيرتُه).
وقال العسكري (ت 395هـ) في الفروق اللغوية (ص281):
الفرق بين الأهل والآل:
أن الأهل يكون من جهة النسب والاختصاص، فمِن جهة النسب قولك: ‌أهلُ الرجل، لقرابته الأدْنين، ومن جهة الاختصاص قولك: ‌أهل البصرة، وأهل العلم.
والآل: خاصَّةُ الرجلِ من جهة القرابة أو الصحبة، تقول: ‌آلُ الرجلِ لأهله وأصحابه، ولا تقول: ‌آل البصرة وآل العلم، وقالوا: ‌آلُ فرعون: أتباعه، وكذلك ‌آل لوط.
وقال المبرد: إذا صغَّرَت العرب الآلَ قالت: ‌أُهَيل، فيدل على أن أصل الآل: الأهل، وقال بعضهم: الآلُ عيدان الخيمة وأعمدتُها، وآلُ الرجل مشبَّهون بذلك لأنهم مُعْتَمَدُه، والذي يُرفع في الصحارى: آل، لأنه يرتفع كما تُرفع عيدان الخيمة، والشخصُ آلٌ، لأنه كذلك.
وقال الخطابي (ت388) في غريب الحديث (١/٣١٨):
عن معمر بن المثنى وسأله رجلٌ عن رجلٍ وصَّى لآلِ فلان، أَلِفُلان نَفسِه المُسَمَّى مِنْ هذا الشيءِ؟ قَالَ: نعم، قَالَ الله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}، ففرِعون أوَّلُهم، ... وقد يكون آلُ الرجل: أهلَ بيته الأدْنين، ... فآلُ الرجلِ: أهلُ بيتهِ خاصَّة.
وقال ابن سيده (ت458) في المخصص (١/٣١٩):
أبو زيد: أهل الرجل: أَخصُّ الناس به، وجمعُه: أَهلون، وحكى سيبويه: آهالٌ وأهْلاتٌ وأَهَلاّتٌ، وَأنْشد([19]):
وهُمْ أَهَلَاتٌ حَوْلَ قَيْسِ بنِ عاصِمٍ         إِذا أَدْلَجُوا بالليْلِ يَدْعُون كَوْثَرا
وَحكى عَن ابن أبي الخطاب: أَهالٍ، وسأبين تعليلَ هذا في شواذِّ الجمع من هذا الكتاب إِن شاء الله.
‌أبو حاتم: آلُ الرجل: قومُه الذين ‌يَؤُلُ إليهم، أَي يرجع.
أبو علي: ‌آلٌ أصله ‌أهل، لأنك إذا صَغَّرته قلتَ: أُهَيل، إلا فِي قَول يونس فإنه يقول: أُوَيل.
ابن دريد: البيت، بيوتات العرب: الذي يضم شرف القبيلة.
وقال في باب جمع الشواذ (4/271):
ومن الشاذِّ قولهم: أهلٌ وأَهالٍ، قال سيبويه: ومثل أَراهِطٍ، قولهم: أَهلٌ وأَهال، ولَيْلَة وَلَيَالٍ، يعني أنَّ ليالٍ ليس بجمعِ لَيْلَة على لفظها، ولا أَهالٍ جمع أَهْل، وإنما هو على تقدير: لَيْلاةٍ وأَهْلاةٍ، وإن لم يُستعمل، وقالوا: لُيَيْليَة، فجاءتْ على: لَيْلاَةٍ فِي التصغير، كما جاءت عليه في التكسير.
 
وقال في المحكم والمحيط الأعظم (٤/ ٣٥٦):
وآلُ الرجل: أهلُه.
وآلُ الله وآلُ رسوله: أولياؤه، أصلها: ‌أهل، ثمَّ أُبدلت الهاء همزة، فصارت في التقدير: ‌أَأْلٌ، فلما توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفاً، كما قالوا: آدم وآخر، وفي الفعل: آمَن وآزَر.
فإن قيل: ولِمَ زعمتَ أَنهم قلبوا الهاء همزة، ثمَّ قلبوها فيما بعد، وما أنكرت من أن يكونَ قلبوا الهاء ألفاً فِي أول الحال؟
فالجواب: أن الهاء لم تقلب ألفاً فِي غير هذا الموضع، فيقاس هذا هنا عليه، فعلى هذا أُبدلت الهاء همزة، ثمَّ أبدلت الهمزة ألفاً، وأيضاً فالألف لو كانت منقلبة عن غير الهمزة المنقلبة عن الهاء على ما قدمناه لجاز أن تُستعمل (‌آل) في كل موضع يُستعمل فيه (‌أهل)، ولو كانت ألف (‌آل) بدلاً من هاء (‌أهل)، لقيل: انْصَرِفْ إلى آلكَ، كما يقال: انْصَرِفْ إلى أهلكَ، وآلكَ والليل، كما يقال: أهلك والليل، فلما كانوا يخصُّون بالآل الأشرفَ الأخصَّ دون الشائع الأعم، حتى لا يقال إلا في نحو قولهم: القراء ‌آل الله، واللهم صل على محمد وعلى ‌آل محمد، (وقَالَ رجُلٌ مُؤْمنٌ منْ ‌آلِ فِرْعَوْنَ)، وكذلك ما أنشده أبو العباس للفرزدق([20]):
نَجَوْتَ ولمْ يَمْنُنْ علَيكَ طَلاقَةً ... سِوَى رَبِذِ التَّقْرِيبِ من ‌آلِ أعْوَجا
لِأَن أَعْوَج فِيهِ: فرس مَشْهُور عِنْد الْعَرَب، فَلذَلِك قَالَ: ‌آل أَعْوَج.
ولا يقال: آل الخياط، كما يقال: أهل الخياط، ولا آل الإسكاف، كما يقال: أهل الإسكاف، دلَّ على أن الألف ليست فيه بدلاً من الأصل، إنما هي بدل مما هو بدلٌ مِن الأصل، فجرت في ذلك مجرى التاء في القسم، لأنها بدل من الواو فيه، والواو فيه بدل من الباء، فلما كانت التاء فيه بدلاً مِن بدل([21])، وكانت فرع الفرع، اختصت بأشرف الأسماء وأشهرها، وهو اسم الله.
... فإن قلتَ: فقد قال بشر([22]):
لَعَمْرُكَ مَا يَطْلُبنَ مِن آلِ نِعْمَةٍ ... ولكِنَّما يَطْلُبنَ قَيْساً ويَشْكُرا
فقد أضافه إلى نعمة، وهي نكرة غير مخصوصة، ولا مشرفة؟
فإن هذا بيت شاذ، هذا كله قول ابن جني، قال: والذي العمل عليه ما قدمناه، وهو رأي الأخفش.
وقال في موضع آخر (٩/ ٥٢٦):
وقوله عز وجل: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} [الأحزاب: 33]، إنما يريد أهلَ بيت النبي صلى الله عليه وسلم، أزواجه وبنته وعليًّا رضي الله عنهم.
قال سيبويه: أكثر الأسماء دخولاً في الاختصاص بنو فلان، ومعشر مضافة، وأهل البيت، وآل فلان، يعنى أنك تقول: نحن أهلَ البيت نفعل كذا، فتنصبه على الاختصاص، كما تنصب المنادى المضاف، وكذلك سائر هذه الأربعة، وقد بيَّنا ذلك في موضعه، وفلانٌ بيتُ قومِه، أي: شريفهم، عن أبي العَمَيْثَل الأعرابي، وبيتُ الرجل: امرأته، قال([23]):
ألا يا بَيْتُ بالعَلْياءِ بَيْتُ ... ولَوْلاَ حُبُّ أَهْلِكَ ما أَتَيْتُ
أراد لي بالعلياء بيت.
 
وقال الفيروزأبادي (ت817) في القاموس المحيط (ص٩٦٣):
والآل: ما أشرف من البعير، والسراب، أو خاصٌّ بما في أول النهار، ويؤنث، والخشب، والشخص، وعمد الخيمة.
كالآلة، ج: آلات، وجبل، وأطراف الجبل ونواحيه، وأهل الرجل، وأتباعه وأولياؤه، ولا يستعمل إلا فيما فيه شرف غالباً، فلا يقال: آل الإسكاف، كما يقال: أهله، وأصله: أهل، أبدلت الهاء همزة، فصارت أأل، توالت همزتان، فأبدلت الثانية ألفاً، وتصغيره، أويل وأهيل.
... أهل الرجل: عشيرته، وذوو قرباه، ج: أهلون وأهال وآهال وأهلات، ويحرك.
وأَهَلَ يأْهُلُ ويَأْهِلُ أُهُولاً، وتأهَّلَ واتَّهَلَ: اتَّخذَ أَهلاً، وأهلُ الأمر: وُلاتُه، وللبيت: سكانه، وللمذهب: مَن يَدِين به، وللرجل: زوجتًه، كأهلتِه، وللنبي صلى الله عليه وسلم: أزواجه وبناته وصهره علي رضي الله تعالى عنه، أو نساؤه، والرجال الذين هم آلُه، ولكلِّ نبي: أُمَّتُه. ومكانٌ آهِل: له أهل.   
 
وقال نشوان الحميري (ت573) في شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم (١/ ٣٧٦):
[آلُ] الرجلِ: أهلُه، والألف فيه مبدلة من الهاء. والدليل عليه أنك إِذا صغرتَه قلت: أُهَيْل، والجميع: أَهْلُون.
وآلُ الرجل: أتباعه وأشياعه وأهل مِلَّتِه.
ثم كثر استعمال ذلك في أقاربه لأنهم أكثر من يتبعه، ومنه قوله تعالى: (وَآلَ إِبْراهِيمَ، وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ).
ومنه قولهم في الصّلاة: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ وباركتَ على إِبراهيم وعلى آل إِبراهيم»([24]).
ومنه قوله تعالى: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ)، ولم يكن له منهم قريب في النسب، ومنه قول عبد المطلب بن هاشم([25]):
نَحْنُ آلُ اللّاهِ في بَلْدَتِهِ ... لَمْ يَزَلْ ذَاكَ على عَهْدِ أبْرَهَمْ
‌آلُ النَّبِيِّ هُمُ أَتْبَاعُ مِلَّتِهِ ... مِنَ الأَعاجِمِ والسُّودَانِ والعَرَبِ
لَوْ لَمْ يَكُنْ آلُهُ إِلّا أَقَارِبَهُ ... صَلَّى المُصَلِّي عَلَى الغَاوِي أَبِي لَهَبِ
قال الكسائي: إِنما يقال: ‌آل فلان وآل فلانة، ولا يقال في البلدان، لا يقال: هو مِنْ ‌آل مكة ولا مِنْ ‌آل المدينة.
قال الأخفش: إِنما يقال في الرئيس الأعظم، نحو: ‌آل محمد عليه السلام، وأهل محمد، أي: ‌أهل دينه وأتباعه؛ وآل فرعون، أي: أتباعه في الضلالة، قال: وقد سمعنا في البلدان، قالوا: ‌أهل المدينة وآل المدينة.
ويقال: ‌آل حم، يراد به السور المضافة إِلى حم. قيل: حم اسم من أسماء الله تعالى، وقيل: هو اسم للسورة. وقد جعل اسماً معرباً غير مصروف، قال الأشْتَر([26]):
يُذَكِّرُني حم والرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلَّا تَلَا حم قَبْلَ التَّقَدُّمِ
ولا يقال: الحواميم، وإِنما يقال: ‌آل حم.
والآل: الشخص، وألفه مبدلة من واو. والآل: عيدان الخيمة. والآل: السَّراب، والجمع: آوال، مثل مال وأموال. والآل: أَوَّلُ النهار وآخرُه الذي يرفع الشخوص.
 
وقال الدقيقي (ت613) في اتفاق المباني وافتراق المعاني (ص١٩٠):
قال أبو عبد الله بن جعفر: ‌الآلُ: ‌الشخص، رأيت آل فلان، أي: شخصه، والآل: السراب، وهو ما يَرفع الشخوصَ في أولِّ النهار وآخره، وآلة الصانع ما يقوم به على صنعته، والآل: أعواد الخيمة.
... وآل الرجل: قرابته، ومنه قولهم في الدعاء: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) أي: ذريته، وآل الرجل: أنصاره وشيعته، ومنه قوله عز وجل: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} فلم يُرِد قرابَتَه دون شيعته، وآل الرجل: ولده.
 
وقال القاضي عياض (ت544) في مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٥٠):
فالآل ينطلق على ذات الشيء، وقد قيل ذلك في قوله: ((اللهم صلى على آل محمد وعلى آل إبراهيم))، ويكون الآل: أهل بيته الأَدْنين، وفي الحديث: ((مَن آل محمد؟ قال: آل عباس وعقيل وجعفر وعلي))([27]).
ويكون الآل: أتباع الرجل وأهل دينه، وأما أهل الرجل: فأهل بيته، وقد ذكرنا مِن هذا في الهمزة واللام، وقول البخاري: إذا صَغَّروا الآل ردوه إلى أهل، فقالوا: أُهيل، كذا للجرجاني، ولغيره إلى الأصل، وكلاهما صحيح وما للجماعة أوجَه.
 
وقال البعلي (ت709) في المطلع على ألفاظ المقنع (ص٨):
وآله: أتباعه على دينه، وقيل: بنو هاشم، وبنو المطلب، وهو اختيار الشافعي، وقيل: آله: أهله.
 
وقال ابن منظور (ت711) في لسان العرب (٢/ ١٥):
قوله تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ‌أَهْلَ ‌الْبَيْتِ) إنما يريد أهلَ بيتِ النبي صلى الله عليه وسلم أزواجَه وبنتَه وعليًّا، رضي الله عنهم.
وقال أبو البقاء (ت1094) في الكليات (ص١٧١):
الآل: هو جمعٌ فِي المعنى، فردٌ فِي اللفظ، يُطلق بالاشتراك اللفظي على ثلاثة معان:
أحدها: الجند والأتباع نحو (آل فِرْعَوْن)
والثاني: النَّفس نحو (آل مُوسَى) و(آل هرون) و(آل نوح).
والثالث: أهل البيت خاصَّة نحو: (آل مُحَمَّد)، وروي أن الحسن كان يقول: اللهم صل على آل محمد، أَي: على شخصه، وآل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق وأولادهما، وَقد دخل فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وآل عمران: موسى وهارون ابنا عمران بن يصهر ابن يافث بن لاوي بن يعقوب أَو عيسى وأمه مريم بنت عمران إلى سليمان بن داود إلى يهودا ابن يعقوب.
وأصل آل: أهل، كما اقتصر عليه صاحب الكشاف، أَو مِن (آل يؤول) إذا رجع إليه بقرابته، أو رأي أو نحوهما، كما هو رأي الكسائي، ورجحه بعض المتأخرين.
وعلى كلٍّ مِنَ التقديرين قد دَلَّت الأحاديث على أن آل محمد مخصوص بمستحقي خمس الخمس الذين حرمت عليهم الصدقة، وهم بنو هاشم فقط، هذا عند أبي حنيفة، وأهل بيت النبي: فاطمة، وعلي، والحسن والحسين رضوان الله عليهم أجمعين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لف عليه كساء وقال: ((هؤلاء أهل بيتي)).
والمتبادر إلى الذهن عند الإطلاق هم مع أزواجه، وقد نظمت فيه:
حَقًا بَنو هَاشم آل الرَّسُول فَقَط ... عِنْد الإِمَام فَكُن فِي أَمرهم عسا
 أما عَليّ وإبناه وَفَاطِمَة ... من أهل بَيت عَلَيْهِم كَانَ لف كسا
 لَا منع من دَاخل فِي حق خَارِجَة ... وَالنَّص لَا يَقْتَضِي أَن لَيْسَ مِنْهُ نسا
والآل عرفاً: هم المؤمنون من هذه الأمة، أو الفقهاء العاملون منهم، فلا يقال (الآل) على المقلدين كما في (المفردات)
وآل النبي من جهة النسب: أولاد علي وعقيل وجعفر والعباس، ومن جهة الدين: كل مؤمن تقي، كذا أجاب رسول الله حين سئل عن الآل.
قال بعضهم: الآل هم المختصون بالقرب منه قرابةً أو صحبةً أو خلافةً عنه في مواريثه العلمية والعملية والحالية، وهم ثلاثة أصناف: صنف منهم آلُه صورةً ومعنى، وهو خليفته والإمام القائم مقامه حقيقة، وصنف منهم آلُه معنى لا صورةً، كسائر الأولياء الذين هم أهل الكشف والشهود، وصنف منهم آلُه صورةً طينيةً لا معنى، كمن صحت نسبته الطينية والعنصرية إليه، وهذا الصنف هم السادات والشرفاء، وقد نظمت فيه:
من خص بالقرب ممن قد علا نسبا ... قرب القرابة كالسادات والشرفا
قرب الخلافة أو قرب مصاحبة ... كالأولياء ومن في العدل كالخلفا
.... وبين الآل والصحب عموم وخصوص من وجه، فمن اجتمع بالنبي من أقاربه المؤمنين فهو من الآل والصحب، ومن لم يجتمع به منهم فهو من الآل فقط، ومن اجتمع به من غير القرابة بشرط كونه مؤمناً به فهو من الصحب فقط.
قال بعضهم: إضافة الآل إلى الضمير قليلة أو غير جائزة، والصحيح جواز ذلك، ولا يستعمل مفرداً غير مضاف إلا نادراً،
ويختص بالأشراف دنيويًّا كان أو أخرويًّا من العقلاء الذكور، فلا يقال: آل الإسكاف ولا آل فاطمة ولا آل مكة، وعن الأخفش أنهم قالوا: آل المدينة و آل البصرة.
 
وقال مرتضى الزبيدي (ت1205) في تاج العروس (٢٨/ ٣٥):
الآل: أهل الرجل وعياله، أيضاً: أتباعه وأولياؤه، ومنه الحديث: ((سلمان منا آل البيت))([28])، قال الله عز وجل: (كدأب آل فرعون)، وقال ابن عرفة: يعني مَن آل إليه بِدِين أو مَذهب أو نَسب، ومنه قوله تعالى: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد))([29])
قال الشافعي رحمه الله تعالى: دل هذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم وآله هم الذين حرمت عليهم الصدقة، وعوضوا منها الخمس، وهم صليبةً بني هاشم وبني المطلب.
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: مَن آلُك؟ فقال: ((آل علي وآل جعفر، وآل عقيل وآل عباس))([30]).
.... والأهل للبيت: سكانه، ومِنْ ذلك: أهل القرى: سكانها، والأهل للمذهب: مَن يَدين به ويعتقده. ومِنَ المجاز: الأهل للرجل زوجته، ويدخل فيه الأولاد، وبه فسر قوله تعالى: (وسار بأهله) أي: زوجته وأولاده، كَأَهْلَتِهِ بالتاء، والأهل للنبي صلى الله عليه وسلم: أزواجه وبناته وصهره علي رضي الله تعالى عنه، أو نساؤه: وقيل: أهله الرجال الذين هم آله، ويدخل فيه الأحفاد والذريات، ومنه قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها)، وقوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت)، وقوله تعالى: (رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد). والأهل لكل نبي: أمته وأهل مِلَّتِه، ومنه قوله تعالى: (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة).
وقال الراغب وتبعه المناوي: أهل الرجل مَن يجمعه وإياهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد، فأهل الرجل: من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تُجُوِّز به فقيل: أهل بيته: من يجمعه وإياهم نسب، أو ما ذكر، وتُعُورِفَ في أسرة النبي صلى الله عليه وسلم مطلقاً. ومكانٌ آهِلٌ، كصاحب: له أهل، كذا نص ابن السكيت، هو على النسب، ونَصُّ يونس: به أهله، قال ابن السكيت: ومكانٌ مأهول: فيه أهله، وأنشد([31]):
وقِدْماً كَانَ مَأْهُولاً ... فأمْسَى مَرْتَعَ العُفْرِ
 
 
ويطيب لي في ختام هذه النقول أن أورد ما قاله سعدي أبو حبيب في القاموس الفقهي حول هذا فهو حقيقة كالملخص لما سبق، فقال في (ص29 – 30):
الأهل: الزوجة.
وفي الحديث الشريف: ((إن لنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا))([32]).
-: القرابة.
-: الأتباع.
-: الآل.
وقيل: إن الأهل يُعَبَّرُ به عن القرابة، والآل يُعَبَّر به عن الأتباع في الدين.
- عند الحنفية: الزوجة.
و: كل من في عياله ونفقته، غير عبيده.
أهل البيت الرجل عند الحنفية: كل من يناسبه بآبائه إلى أقصى أب له في الاسلام، وهو الذي أدرك الاسلام، أسلم أو لم يسلم، فكل من يناسبه إلى هذا الأب من الرجال والنساء والصبيان فهو من أهل بيته.
ومعنى يناسبه: يشاركه في نسبه.
آل البيت: عَلَمٌ على آل محمد صلى الله عليه وسلم.
في قول الصحابي جابر بن عبد الله رضي الله عنه: (هم أهل دينه كلهم، وأتباعه يوم القيامة)([33]).
وبه قال سفيان الثوري، وإليه مال مالك، وهو قول للشافعية، ورجحه النووي، وهو قول عند الحنابلة.
وإليه ذهب نشوان الحميري إمام اللغة.
قال الأزهري: هذا القول أقرب الاقوال إلى الصواب.
وقد رجحه غيره من المحققين.
- في قول زيد بن أرقم الصحابي رضي الله عنه: (هم أصله وعشيرته الذين حرمت عليهم الصدقة، وهم: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس).
- عند المالكية: هم بنو هاشم.
و: هم بنو قصي.
و: هم بنو غالب بن فهر.
- عند الحنفية والزيدية والهادوية: هم بنو هاشم.
- عند الشافعية: هم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهو نص الشافعي، والصحيح في المذهب.
وقد اختاره الجمهور كما قال ابن حجر.
و: هم مؤمنو بني هاشم وبني المطلب.
و: هم عترته المتنسبون إليه، وهم أولاد فاطمة رضي الله عنها ونسلهم أبداً.
- عند الحنابلة: هم بنو هاشم، وبنو المطلب.
- في قول جمهور أهل البيت: هم فاطمة، وعلي، والحسن، والحسين، وأولادهم.
- في قول بعض العلماء: هم قريش كلها. انتهى
 
وفي ختام هذا الفصل لست أرى أفضل من نقل كلام إمام المحققين القيم ابن القيم (ت751) رحمه الله في كتابه جلاء الأفهام (ص203) وما بعدها، في بيانه عن كل ما سبق، قال:
‌في معنى الآل واشتقاقه وأحكامه
 وفيه قولان:
أحدهما: أن أصله: أهل، ثم قلبت الهاء همزة، فقيل: أَأْل، ثم سُهِّلت على قياس أمثالها، فقيل: آل، قالوا: ولهذا إذا صُغر رجع إلى أصله، فقيل: أُهيل، قالوا: ولما كان فرعاً عن فرع خصوه ببعض الأسماء المضاف إليها، فلم يضيفوه إلى أسماء الزمان ولا المكان ولا غير الأعلام، فلا يقولون: آل رجل وآل امرأة، ولا يضيفونه إلى مضمر، فلا يقال: آله وآلي، بل لا يضاف إلا إلى مُعَظَّم، كما أن التاء لما كانت في القسم بدلاً عن الواو وفرعاً عليها، والواو فرعاً عن فعل القسم خصوا التاء بأشرف الأسماء وأعظمها، وهو اسم الله تعالى.
وهذا القول ضعيف من وجوه:
أحدها: أنه لا دليل عليه.
الثاني: أنه يلزم منه القلب الشاذ من غير موجب، مع مخالفة الأصل.
الثالث: أن الأهل تضاف إلى العاقل وغيره، والآل لا تضاف إلا إلى عاقل.
الرابع: أن الأهل تضاف إلى العلم والنكرة، والآل لا يضاف إلا إلى مُعَظَّم مِنْ شأنه أنَّ غيرَه يؤول إليه.
الخامس: أن الأهل تضاف إلى الظاهر والمضمر، والآل، مِن النحاة مَن منع إضافته إلى المضمر، ومَن جوَّزها فهي شاذة قليلة.
السادس: أن الرجل حيث أضيف إلى آله دخل فيه، هو كقوله تعالى: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} غافر ٤٦، وقوله تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} آل عمران ٣٣، وقوله تعالى {إلا آل لوط نجيناهم بسحر} القمر ٣٤، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم صل على آل أبي أوفى))([34])، وهذا إذا لم يذكر معه مَن أضيف إليه الآل، وأما إذا ذكر معه فقد يقال ذُكر مفرداً وداخلاً في الآل، وقد يقال ذِكره مفرداً أغنى عن ذِكره مضافاً، والأهل بخلاف ذلك، فإذا قلت: جاء أهل زيد، لم يدخل فيهم.
وقيل: بل أصله: أول، وذكره صاحب الصحاح في باب الهمزة والواو واللام، قال: وآل الرجل أهله وعياله، وآله أيضاً: أتباعه.
وهو عند هؤلاء مشتق مِن آل يؤول إذا رجع، فآلُ الرجل هم الذين يرجعون إليه ويضافون إليه ويؤولهم، أي: يسوسهم، فيكون مآلهم إليه، ومنه الإيالة وهي السياسة، فآل الرجل، هم الذين يسوسهم ويؤولهم، ونفسه أحق بذلك من غيره، فهو أحق بالدخول في آله، ولكن لا يقال إنه مختص بآله، بل هو داخل فيهم، وهذه المادة موضوعة لأصل الشيء وحقيقته، ولهذا سمي حقيقة الشيء: تأويله، لأنها حقيقته التي يرجع إليها، ومنه قوله تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} الأعراف ٥٣، فتأويل ما أخبرَتْ به الرسلُ هو مجيء حقيقته ورؤيتها عياناً، ومنه: تأويل الرؤيا، وهو حقيقتها عياناً، ومنه تأويل الرؤيا الخارجية التي ضُربت للرائي في عالم المثال، ومنه التأويل بمعنى العاقبة، كما قيل في قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} النساء ٥٩، قيل: أحسن عاقبة، فإن عواقب الأمور هي حقائقها التي تؤول إليها، ومنه: التأويل بمعنى التفسير، لأن تفسير الكلام هو بيان معناه وحقيقته التي يراد منه، قالوا: ومنه الأول، لأنه أصل العدد ومبناه الذي يتفرع منه، ومنه: الآل بمعنى الشخص نفسه، قال أصحاب هذا القول: والتزمت العرب إضافته، فلا يستعمل مفرداً إلا في نادر الكلام كقول الشاعر([35]):
نحنُ آلُ اللهُ في بَلدتِنا ... لَمْ نَزَلْ آلاً عَلى عَهْدِ إِرَم
والتزموا أيضاً إضافته إلى الظاهر، فلا يضاف إلى مضمر إلا قليلاً، وعَدَّ بعض النحاة إضافته إلى المضمر لحناً، كما قال أبو عبد الله بن مالك، والصحيح أنه ليس بلحن، بل هو من كلام العرب، لكنه قليل، ومنه قول الشاعر([36]):
أنا الفارس الحامي والدي ... وآلي فما يحمي حقيقة آلكا
وقال عبد المطلب في الفيل وأصحابه:
وانصر على آل الصليـ ... ـب وعابديه اليوم آلك
فأضافه إلى الياء والكاف، وزعم بعض النحاة أنه لا يضاف إلا إلى علمِ مَن يعقل، وهذا الذي قاله هو الأكثر، وقد جاءت إضافته إلى غير مَن يعقل قال الشاعر([37]):
نجوت ولم يمنن علي طلاقه ... سوى ربد التقريب من آل أعوجا
وأعوج عَلم فرسٍ، قالوا: ومن أحكامه أيضاً أنه لا يضاف إلا إلى متبوعٍ معظم، فلا يقال: آل الحائك ولا آل الحجام ولا آل رجل.
وأما معناه:
فقالت طائفة: يقال: آل الرجل له نفسه، وآل الرجل لمن يتبعه، وآله لأهله وأقاربه، فمن الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه أبو أوفى بصدقته: ((اللهم صل على آل أبي أوفى))، وقوله تعالى: {سلام على إل ياسين} الصافات ١٣٠، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم))، فآل إبراهيم هو إبراهيم، لأن الصلاة المطلوبة للنبي صلى الله عليه وسلم هي الصلاة على إبراهيم نفسه وآله تبع له فيها.
ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا: لا يكون الآل إلا الأتباع والأقارب، وما ذكرتموه من الأدلة فالمراد بها الأقارب، وقوله: ((كما صليت على آل إبراهيم آل إبراهيم)) هنا هم الأنبياء، والمطلوب من الله سبحانه أن يصلي على رسوله صلى الله عليه وسلم كما صلى على جميع الأنبياء من ذرية إبراهيم لا إبراهيم وحده، كما هو مصرح به في بعض الألفاظ من قوله: ((على إبراهيم وعلى آل إبراهيم))، وأما قوله تعالى: {سلام على إل ياسين} الصافات ١٣٠، فهذه فيها قراءتان:
إحداهما: إلياسين([38]) بوزن إسماعيل، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه اسم ثان للنبي إلياس وإلياسين، كميكال وميكائيل.
والوجه الثاني: أنه جمع، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه جمع إلياس وأصله إلياسيين بيائين، كعبرانيين، ثم خففت إحدى اليائين فقيل: إلياسين، والمراد أتباعه كما حكى سيبويه: الأشعرون، ومثله الأعجمون.
والثاني: أنه جمع إلياس محذوف الياء.
والقراءة الثانية([39]): {سلام على آل ياسين}، وفيه أوجه:
أحدها: أن ياسين اسم لأبيه، فأضيف إليه الآل، كما يقال: آل إبراهيم.
والثاني: أن آل ياسين هو إلياس نفسه، فيكون آل مضافة إلى يس، والمراد بالآل يس نفسه، كما ذكر الأولون.
والثالث: أنه على حذف ياء النسب، فيقال: يس، وأصله ياسِيِّين، كما تقدم، وآلهم أتباعهم على دينهم.
والرابع: أن يس هو القرآن، وآله هم أهل القرآن.
والخامس: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، وآله أقاربه وأتباعه، كما سيأتي.
وهذه الأقوال كلها ضعيفة، والذي حمل قائلها عليها استشكالهم إضافة (آل) إلى (يس)، واسمه إلياس وإلياسين، ورأوها في المصحف مفصولة، وقد قرأها بعض القراء آل ياسين، فقال طائفة منهم: له أسماء يس وإلياسين وإلياس، وقالت طائفة: يس اسم لغيره، ثم اختلفوا، فقال الكلبي: يس محمد صلى الله عليه وسلم سلم الله على آله، وقالت طائفة: هو القرآن، وهذا كله تعسف ظاهر لا حاجة إليه.
والصواب والله أعلم في ذلك: أن أصل الكلمة آل ياسين، كآل إبراهيم، فحذفت الألف واللام من أوله لاجتماع الأمثال، ودلالة الاسم على موضع المحذوف، وهذا كثير في كلامهم، إذا اجتمعت الأمثال كرهوا النطق بها كلها، فحذفوا منها ما لا إلباس في حذفه، وإن كانوا لا يحذفونه في موضع لا تجتمع فيه الأمثال، ولهذا لا يحذفون النون من: إني وأني وكأني ولكني، ولا يحذفونها من: ليتني، ولما كانت اللام في لعل شبيهة بالنون حذفوا النون معها، ولا سيما عادة العرب في استعمالها للاسم الأعجمي وتغييرها له، فيقولون مرة: إلياسين ومرة: إلياس ومرة: ياسين، وربما قالوا: ياس، ويكون على إحدى القراءتين قد وقع على المسلم عليه وعلى القراءة الأخرى على آله.
وعلى هذا ففصل النزاع بين أصحاب القولين في الآل أنَّ الآلَ إنْ أُفرد دخل فيه المضاف إليه، كقوله تعالى: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} غافر ٤٦، ولا ريب في دخوله في آله هنا، وقوله تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} الأعراف ١٣٠، ونظائره، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم صل على آل أبي أوفى)) ولا ريب في دخول أبي أوفى نفسه في ذلك، وقوله: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم)) هذه أكثر روايات البخاري، وإبراهيم هنا داخل في آله، ولعل هذا مراد من قال: آل الرجل: نفسه، وأما إنْ ذُكر الرجل ثم ذكر آله، لم يدخل فيهم، ففرق بين المجرد والمقرون، فإذا قلت: أعطِ لزيدٍ وآلِ زيدٍ، لم يكن زيد هنا داخلاً في آله، وإذا قلت: أعطِه لآلِ زيدٍ، تناول زيداً وآلَه، وهذا له نظائر كثيرة قد ذكرناها في غير هذا الموضع، وهي أن اللفظ تختلف دلالته بالتجريد والاقتران، كالفقير والمسكين، هما صنفان إذا قرن بينهما، وصنف واحد إذا أفرد كل منهما، ولهذا كانا في الزكاة صنفين، وفي الكفارات صنف واحد، وكالإيمان والإسلام، والبر والتقوى، والفحشاء والمنكر، والفسوق والعصيان، ونظائر ذلك كثيرة، ولا سيما في القرآن.
 
 فصل
(الآل والأهل) في القرآن الكريم
(الآل)
ورد لفظ الآل في القرآن منسوباً لأسماء أعلام أشخاص فقط: (آل فرعون، آل موسى، آل هارون، آل إبراهيم، آل عمران، آل يعقوب، آل لوط، آل داود)، وهي مرة تعني: أتباع الشخص، ومرة: نفس الشخص، ومرة: ذريته أو بعض ذريته؛ على ما ورد في التفاسير واختلاف المفسرين في هذه الألفاظ ودلالتها، فهي لا تعني دائماً مقصوداً واحداً لا يتغير، بل تحمل أكثر من معنى، وهذا المعنى يعرف من خلال السياق الذي وردت فيه هذه الإضافة، مع الاستعانة بالتفاسير المذكورة.
 
(الأهل)
وأما لفظ الأهل، فكان وروده في القرآن كثيراً، ومنها:
جاء مضافاً لمكان: (القرية، المدينة،، الحرم، يثرب، مدين، السفينة) ويقصد بها هنا أصحابها، والساكنون المقيمون فيها.
وجاء مضافاً لمثل: (الكتاب، الإنجيل، الذكر، التقوى، المكر) ويقصد بها هنا أصحابه وحملته وأتباعه.
وجاء مضافاً كقوله عز وجل عن موسى: (وسار بأهله)، ويراد به الزوجة خاصة.
وجاء ويراد به أيضاً الأولاد، كقوله تعالى: (إلا آل لوط نجيناهم بسحر)، و(إن ابني من أهلي).
ويراد به الأخوة أو الأقرباء أو الورثة: (واجعل لي وزيراً من أهلي)، و(ودية مسلمة إلى أهله).
ويراد به الآباء: (ونمير أهلنا)، و(مسنا وأهلنا الضر).
ويراد به الآباء والأخوة كلهم: (وأتوني بأهلكم أجمعين).
ويراد به قوم الرجل وأتباعه: (لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله).
ويراد به عشيرته وذوو قرباه: (حكماً من أهله وحكماً من أهلها).
فأنت تجد أيضاً أن هذا اللفظ كذلك لا يعني دائماً مقصوداً بعينه لا يتغير، بل هو كسابقه، يعتمد معرفة المقصود منه على السياق الوارد فيه، مع أقوال التفاسير المعتبرة.
وأما قوله تعالى: (ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) وإن كان سياقها يشبه كثيراً سياق قوله عزو جل عن زوجة إبراهيم: (قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد)، مع ذلك فقد حصل خلاف شديد في تلك الآية هل تشمل زوجاته صلى الله عليه وسلم أم لا، وهذا ما سنلقي عليه نظرة مختصرة فيما يلي، لأنه موضوع يتعلق كذلك بأصل البحث.
ففي «تفسير الإمام الشافعي» (٣/ ١١٩٣): قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: في قوله - عز وجل -: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) الآية. قال: الأدنى فالأدنى من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وسئل أيدخل النساء في أهل البيت؟ قال: نعم.
«تفسير الإمام الشافعي» (٢/ ٩٧٤): قال الشَّافِعِي رحمه الله: وقال قائل: آل محمد: أزواج النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، فكأنه ذهب، إلى أن الرجل يقال له: ألك أهل؟ فيقول: لا، وإنَّما يعني: ليست لي زوجة.
قال الشافعي رحمه الله: وهذا معنى يحتمل اللسان؛ ولكن معنى كلام لا يعرف، إلا أن يكون له سبب كلام يدل عليه، وذلك، أن يقال للرجل: تزوجت؟ فيقول: ما تأهلت، فيعرف - بأول الكلام - أنه أراد: تزوجت، أو يقول الرجل: أجنبت من أهلي، فيعرف أن الجنابة إنما تكون من الزوجة.
فأما أن يبدأ الرجل فيقول: أهلي ببلد كذا، أو أنا أزور أهلي، وأنا عزيز الأهل، وأنا كريم الأهل، فإنما يذهب الناس في هذا: إلى أهل البيت.
وذهب ذاهبون: إلى أن آل محمد صلى الله عليه وسلم: قرابة محمد صلى الله عليه وسلم، التي ينفرد بها، دون غيرها من قرابته. ..
قال الشَّافِعِي رحمه الله: آل محمد: الذين حرَّم الله عليهم الصدقة، وعوضهم منها الخمس.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: وإني لأحب أن يدخل مع آل محمد صلى الله عليه وسلم أزواجه وذريته، حتى يكون قد أتى ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
 
وقال الإمام الطبري (ت310) في تفسيره (20/263) وما بعدها:
اختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بقوله (أَهلَ البَيتِ):
فقال بعضهم: عُني به: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم.
ذكر من قال ذلك:
... عن أَبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ((نزلَت هَذِهِ الآيَةُ فِي خَمْسَةٍ: فِيَّ وَفِي عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ وَحَسَنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَحُسَيْنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ الله عَنِهَا: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا))([40]).
... قالت عائشة: خرج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ذات غداة، وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن، فأدخله معه ثم قال: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا))([41]).
... عن أنس أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر، كلما خرج إلى الصلاة فيقول: ((الصَّلاةَ أَهْلَ الْبَيْتِ (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطِهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا))([42]).
... عن أم سلمة قالت: كان النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عندي وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فجعلت لهم خزيرة، فأكلوا وناموا، وغطى عليهم عباءة أو قطيفة، ثم قال: ((اللَّهُمَّ هَؤلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، أذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا))([43]).
... عن أَبي الحمراء، قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، قالَ: رأيت النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا طلع الفجر، جاء إلى باب علي وفاطمة، فقال: ((الصَّلاةَ الصَّلاةَ (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرُا))([44]).
... عن أَبي عمار، قال: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا عليًّا رضي الله عنه، فشتموه، فلما قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموا؛ إني عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذ جاءه علي وفاطمة وحسن وحسين، فألقى عليهم كساء له، ثم قال: ((اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا)). قلت: يا رسول الله، وأنا؟ قال: ((وَأَنْتَ)). قال: فوالله إنها لأوثق عملي عندي([45]).
... شداد أبو عمار قال: سمعت واثلة بن الأسقع يحدث، قال: سألت عن علي بن أبي طالب في منزله، فقالت فاطمة: قد ذهب يأتي برسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذ جاء، فدخل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ودخلت، فجلس رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على الفراش وأجلس فاطمة عن يمينه وعليا عن يساره وحسنا وحسينا بين يديه، فلفع عليهم بثوبه وقال: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلِي، اللَّهُمَّ أَهْلِي أَحَقُّ)). قال واثلة: فقلت من ناحية البيت: وأنا يا رسول الله من أهلك؟ قال: ((وَأَنْتَ مِنْ أَهْلِي)). قال واثلة: إنها لمن أرجى ما أرتجي([46]).
... عن أَبي سعيد الخدري، عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية: (إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) دعا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فجلَّل عليهم كساءً خيبريًّا، فقال: ((اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا)). قالت أم سلمة: ألست منهم؟ قال: ((أَنْتِ إلَى خَيْرٍ))([47]).
... عن أم سلمة قالت: جاءت فاطمة إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة تحلها على طبق، فوضعته بين يديه، فقال: "أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ وَابْنَاك؟ " فقالت: في البيت، فقال: ((ادْعِيهِمْ)). فجاءت إلى علي فقالت: أجب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنت وابناك، قالت أم سلمة: فلما رآهم مقبلين مد يده إلى كساء كان على المنامة فمده وبسطه وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله فضمه فوق رؤوسهم وأومأ بيده اليمنى إلى ربه، فقال: ((هَؤُلاءِ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا))([48]).
... عن أم سلمة؛ زوج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن هذه الآية نزلت في بيتها (إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: أنا يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال: ((إِنَّكِ إلَى خَيْرٍ، أَنْتِ مِنْ أَزْوَاجِ النِّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم)). قالت: وفي البيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم([49]).
... عن عبد الله بن وهب بن زمعة، قال: أخبرتني أم سلمة أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جمع عليًّا والحسنين، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله، ثم قال: ((هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي)). فقالت أم سلمة: يا رسول الله أدخلني معهم. قال: ((إِنَّكِ مِنْ أَهْلِي))([50]).
... عن عمر بن أبي سلمة، قال: نزلت هذه الآية على النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو في بيت أم سلمة (إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) فدعا حسناً وحسيناً وفاطمة فأجلسهم بين يديه، ودعا عليًّا فأجلسه خلفه، فتجلل هو وهم بالكساء ثم قال: ((هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا)). قالت أم سلمة: أنا معهم؟ [قال:] مكانك، وأنت على خير([51]).
... عن أَبي الديلم، قال: قال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام: أما قرأت في الأحزاب (إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) قال: ولأنتم هم؟ قال: نعم([52]).
... قال سعد: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حين نزل عليه الوحي، فأخذ عليًّا وابنيه وفاطمة، وأدخلهم تحت ثوبه، ثم قالَ: ((رَبِّ هَؤُلاءِ أَهْلِي وَأَهْلُ بَيْتِي))([53]).
... عن حكيم بن سعد، قال: ذكرنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند أم سلمة قالت: فيه نزلت: (إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) . قالت أم سلمة: جاء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى بيتي فقال: ((لا تَأْذَنِي لأحَدٍ". فجاءت فاطمة، فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن، فلم أستطع أن أمنعه أن يدخل على جده وأمه، وجاء الحسين، فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا حول النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على بساط، فجللهم نبي الله بكساء كان عليه، ثم قال: "هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا))؛ فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط، قالت: فقلت: يا رسول الله وأنا؟ قالت: فوالله ما أنعم، وقال: ((إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ))([54]).
 
وقال آخرون: بل عنى بذلك أزواج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
ذكر من قال ذلك:
... كان عكرمة ينادي في السوق: (إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) قال: نزلت في نساء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خاصة([55]).
 
وفي تفسير الثعلبي (ت427):
واختلفوا في المعنيّ بقوله سبحانه: (أَهْلَ الْبَيْتِ)؟
فقال قوم: عنى به أزواج النبي (عليه السلام) خاصّة، وإنّما ذكّر الخطاب لأنّ رسول الله صلّى الله عليه كان فيهم وإذا اجتمع المذكّر والمؤنّث غلب المذكّر.
... عن ابن عبّاس قال: أنزلت هذه الآية: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ الآية في نساء النبيّ صلّى الله عليه. قال: وتلا عبد الله: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ([56]) .
... عن عكرمة في قول الله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ قال: ليس الذي تذهبون إليه، إنّما هو في أزواج النبي صلّى الله عليه وسلم خاصّة([57]).
قال: وكان عكرمة ينادي بهذا في السوق.
وإلى هذا ذهب مقاتل قال: يعني نساء النبي صلّى الله عليه كلّهن ليس معهنّ رجل.
 
وقال آخرون: عنى به رسول الله صلّى الله عليه وعليًّا وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم.
... عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «نزلت هذه الآية فيّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»([58]).
... عن عطاء بن أبي رباح، حدّثني من سمع أمّ سلمة تذكر أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها حريرة فدخلت بها عليه، فقال لها: ادعي زوجك وابنيك، قالت: فجاء علي وحسن وحسين فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة وهو على منامة له على دكان تحته كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أصلّي فأنزل الله تعالى هذه الآية: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، قالت: فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به ثمّ أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثمّ قال: اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا. قالت: فأدخلت رأسي البيت فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ قال: إنّك إلى خير، إنّك إلى خير([59]).
... ابن عمّ لي من بني الحارث بن تيم الله يقال له: (مجمع)، قال: دخلت مع أمّي على عائشة، فسألَتها أمّي، فقالت: أرأيت خروجك يوم الجمل؟ قالت: إنه كان قدراً من الله سبحانه، فسألَتها عن علي، فقالت: تسأليني عن أحبّ النّاس كان إلى رسول الله صلّى الله عليه، وزوج أحبّ الناس كان إلى رسول الله، لقد رأيت عليًّا وفاطمة وحسناً وحسيناً جمع رسول الله صلّى الله عليه بثوب عليهم ثمّ قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامّتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، قالت: فقلت: يا رسول الله أنا من أهلك؟ قال: تنحّي فإنّك إلى خير([60]).
... عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر الطيّار عن أبيه، قال: لمّا نظر رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى الرحمة هابطة من السماء قال: من يدعو؟ مرّتين، فقال زينب : أنا يا رسول الله، فقال: ادعي لي عليًّا وفاطمة والحسن والحسين. قال: فجعل حسناً عن يمناه وحسيناً عن يسراه وعليًّا وفاطمة وجاهه، ثمّ غشاهم كساء خيبريًّا. ثمّ قال: اللهم لكلّ نبيّ أهل، وهؤلاء أهلي، فأنزل الله عزّ وجلّ: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ الآية، فقالت زينب: يا رسول الله ألا أدخل معكم؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه: «مكانك فإنّك إلى خير إن شاء الله»([61]).
... عن عبد الله بن أبي عمّار قال: دخلت على وائلة بن الأسقع وعنده قوم فذكروا عليًّا فشتموه فشتمته، فلمّا قاموا قال لي: أشتمت هذا الرجل؟ قلت: قد رأيت القوم قد شتموه فشتمته معهم، فقال: ألا أخبرك ما سمعت من رسول الله صلّى الله عليه؟ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة أسألها عن علي فقالت: توجّه إلى رسول الله صلّى الله عليه فجلست فجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومعه علي والحسن والحسين كلّ واحد منهما آخذ بيده حتى دخل، فأدنى عليًّا وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم ثوبه أو قال كساءه، ثمّ تلا هذه الآية: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) ثمّ قال: اللهمّ هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحقّ([62]).
وقيل: هم بنو هاشم.
... عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أنشدكم الله في أهل بيتي، مرّتين، قلنا لزيد بن أرقم: ومن أهل بيته؟ قال: الذين يحرمون الصدقة آل علي وآل عبّاس وآل عقيل وآل جعفر([63]).
... عن أبي الحمراء قال: أقمت بالمدينة تسعة أشهر كيوم واحد، وكان رسول الله صلّى الله عليه يجيء كلّ غداة فيقوم على باب علي وفاطمة فيقول: الصلاة، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً([64]).
... عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «قسّم الله الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسماً، فذلك قوله عزّ وجلّ: (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ) فأنا خير أصحاب اليمين، ثمّ جعل القسمين أثلاثاً، فجعلني في خيرها ثلثاً، فذلك قوله: (فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) فأنا من السابقين [وأنا من خير السابقين] ثمّ جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خيرها قبيلة، فذلك قوله: (وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ) الآية، وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر، ثمّ جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً فذلك قوله: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)([65]).
 
 
وقال الماوردي (ت450) في تفسيره:
وفي قوله تعالى {أَهْلَ الْبَيْتِ} - ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه عنى علياً وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم, قاله أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم.
الثاني: أنه عنى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة, قاله ابن عباس وعكرمة.
الثالث: أنها في الأهل والأزواج, قاله الضحاك.
 
وقال الزمخشري (ت538) في الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٣/ ٥٣٨):
وفي هذا دليل بَيِّنٌ على أنّ نساءَ النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته.
وقال الرازي (ت606) في مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) (٢٥/ ١٦٨):
ثم إنَّ الله تعالى ترك خطاب المؤنثات وخاطب بخطاب المذكرين بقوله: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ)؛ ليدخل فيه نساء أهل بيته ورجالهم.
واختلفت الأقوال في أهل البيت، والأَولى أن يقال: هم أولاده وأزواجه، والحسن والحسين منهم، وعلي منهم، لأنه كان من أهل بيته بسبب معاشرته ببنت النبي عليه السلام وملازمته للنبي.
وقال في موضع آخر (27/ 595):
وأنا أقول: آلُ محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكل من كان أمرُهم إليه أشدَّ وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك أن فاطمة وعليًّا والحسن والحسين كان التعلقُ بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدَّ التعلقات، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر، فوجب أن يكونوا هم الآل، وأيضاً اختلف الناس في الآل؟
فقيل: هم الأقارب، وقيل: هم أمته، فإنْ حملناه على القرابة فهم الآل، وإنْ حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل، فثبت أنَّ على جميع التقديرات هم الآل، وأما غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل؟ فمختلف فيه.
وروى صاحب «الكشاف»: أنه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال: ((علي وفاطمة وابناهما))، فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم.
 
 
قال ابن كثير (ت774) في تفسيره: ٦/٤١٠ وما بعدها:
وقوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، وهذا نصٌّ في دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في أهل البيت هاهنا؛ لأنهن سببُ نزول هذه الآية، وسببُ النزول داخلٌ فيه قولاً واحداً، إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح.
وروى ابن جرير([66]): عن عكرمة أمه كان ينادي في السوق: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} نزلت في نساء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصَّة.
وهكذا روى ابن ابي حاتم([67]) ... عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} قال: قال: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن كان المراد أنهن كُنَّ سببَ النزول دون غيرهن فصحيح، وإنْ أريد أنهنَّ المراد فقط دون غيرهن، ففي هذا نظر؛ فإنه قد وردت أحاديث تدل على أنَّ المرادَ أعمُّ مِن ذلك:
الحديث الأول: قال الإمام أحمد([68]): ... عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: ((الصَّلَاةُ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا})).
ورواه الترمذي، عن عبد بن حميد، عن عفان به. وقال: حسن غريب.
حديث آخر: قال ابن جرير ([69]): ... عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر، جاء إلى باب علي وفاطمة فقال: ((الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا})).
أبو داود الأعمى هو: نفيع بن الحارث، كذاب.
حديث آخر: وقال الإمام أحمد([70]): ... حدثنا شداد أبو عمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم، فذكروا عليا، رضي الله عنه، فلما قاموا قال لي: ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله الله عليه وسلم؟ قلت: بلى. قال: أتيت فاطمة أسألها عن علي فقالت: توجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه علي وحسن وحسين، آخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل، فأدنى عليا وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه -أو قال: كساءه- ثم تلا هذه الآية: (({إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، وَأَهْلُ بَيْتِي أَحَقُّ)).
وقد رواه أبو جعفر بن جرير... زاد في آخره: قال واثلة: فقلت: وأنا يا رسول الله-صلى الله عليك -من أهلك؟ قال: ((وَأَنْتَ مِنْ أَهْلِي)) قال واثلة: إنها من أرجى ما أرتجي([71]).
ثم رواه أيضاً... عن شداد أبي عمار قال: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا عليًّا فشتموه، فلما قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن الذي شتموه، إني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء علي وفاطمة وحسن وحسين فألقى صلى الله عليه وسلم عليهم كساء له، ثم قال: ((اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا)). قلت: يا رسول الله، وأنا؟ قال: ((وَأَنْتَ)) قال: فوالله إنها لأوثق عملي عندي([72]).
حديث آخر: قال الإمام أحمد([73]): ... عن عطاء بن أبي رباح، حدثني من سمع أم سلمة تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها، فأتته فاطمة، رضي الله عنها، ببرمة فيها خزيرة، فدخلت بها عليه فقال لها: ((ادْعِي زَوْجَكِ وَابْنَيْكِ)). قالت: فجاء علي وحسن وحسين فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو على منامة له على دكان (2) تحته كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أصلي، فأنزل الله، عز وجل، هذه الآية: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} . قالت: فأخذ فضل الكساء فغطاهم به، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء، ثم قال: ((اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَخَاصَّتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا))، قالت: قالت: فأدخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ فقال: ((إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ، إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ)).
في إسناده من لم يسم، وهو شيخ عطاء، وبقية رجاله ثقات.
طريق أخرى: قال الإمام أحمد([74]): ... عن عطية الطفاوي، عن أبيه؛ أن أم سلمة حدثته قالت: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي يوماً إذ قال الخادم: إنَّ فاطمة وعليًّا بالسدة قالت: فقال لي: ((قُومِي فَتَنَحي عَنْ أَهْلِ بَيْتِي)). قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريبا، فدخل علي وفاطمة، ومعهما الحسن والحسين، وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما، واعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة باليد الأخرى، وقبل فاطمة وقبل عليا، وأغدق عليهم خميصة سوداء وقال : ((اللَّهُمَّ، إِلَيْكَ لَا إِلَى النَّارِ أَنَا وَأَهْلُ بَيْتِي)). : فقلت: وأنا يا رسول الله؟ صلى الله عليك. قال: ((وَأَنْتِ)).
طريق أخرى: قال ابن جرير([75]): ... عن أم سلمة؛ أن هذه الآية نزلت في بيتها: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} قالت: وأنا جالسة على باب البيت فقلت: يا رسول الله، ألست من أهل البيت؟ فقال: ((إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ، أَنْتِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))، قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، رضي الله عنهم.
...
طريق أخرى: قال ابن جرير ([76]): ... عن عبد الله بن وهب بن زمعة قال: أخبرتني أم سلمة، رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع فاطمة والحسن والحسين، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله، عز وجل، ثم قال: ((هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي|)). قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول الله، أدخلني معهم. فقال: ((أَنْتِ مِنْ أَهْلِي)).
...
طريق أخرى: قال ابن جرير ([77]): ... عن أم سلمة قالت: جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة تحملها على طبق، فوضعتها بين يديه فقال: ((أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ وَابْنَاكِ؟)) فقالت: في البيت. فقال: ((ادْعِيهِمْ)). فجاءت إلى علي فقالت: أجب رسول الله أنت وابناك. قالت أم سلمة: فلما رآهم مقبلين مد يده إلى كساء كان على المنامة، فمده وبسطه، وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله، فضمه فوق رؤوسهم، وأومأ بيده اليمنى إلى ربه، عز وجل، فقال: ((اللَّهُمَّ، هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا)).
طريق أخرى: قال ابن جرير ([78]): ... عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا علي بن أبي طالب عند أم سلمة، فقالت: في بيتي نزلت: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} . قالت أم سلمة: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتي فقال: ((لَا تَأْذَنِي لِأَحَدٍ)). فجاءت فاطمة فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها. ثم جاء الحسن فلم أستطع أن أحجبه عن أمه وجده، ثم جاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه، ثم جاء علي فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه، ثم قال: ((هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا)). فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط. قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا؟ قالت: فوالله ما أنعم، وقال: ((إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ)).
حديث آخر: قال ابن جرير... قالت عائشة، رضي الله عنها: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة، وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله معه، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء علي فأدخله معه، ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.
ورواه مسلم([79])عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر به.
طريق أخرى: قال ابن أبي حاتم ([80]): ... عن العوام -يعني: ابن حوشب -عن عمٍّ له قال: دخلتُ مع أبي على عائشة، فسألتُها عن علي، رضي الله عنه، فقالت رضي الله عنها: تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تحته ابنته وأحب الناس إليه؟ لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليًّا وفاطمة وحسناً وحسيناً، فألقى عليهم ثوباً فقال: ((اللَّهُمَّ، هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا)). قالت: فدنوت منه فقلت: يا رسول الله، وأنا من أهل بيتك؟ فقال: ((تَنَحّي، فَإِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ)).
حديث آخر: قال ابن جرير ([81]) ... عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نزلت هذه الآية في خمسة: في، وفي علي، وحسن، وحسين، وفاطمة: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.
....
وروى ابن أبي حاتم ([82])من حديث هارون بن سعد العجلي، عن عطية، عن أبي سعيد موقوفا، فالله أعلم.
حديث آخر: قال ابن جرير ([83]): ... قال سعد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه الوحي، فأخذ عليا وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه، ثم قال: ((رَبِّ، هَؤُلَاءِ أَهْلِي وَأَهْلُ بَيْتِي)).
حديث آخر: وقال مسلم في صحيحه ([84]): ... يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً رأيتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وسمعتَ حديثه، وغزوتَ معه، وصليتَ خلفه، لقد لقيتَ يا زيد خيراً كثيراً؛ حدثنا يا زيد ما سمعتَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يا ابن أخي، والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطيباً بماء يدعى خمًّا -بين مكة والمدينة -فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: ((أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبُ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ، وَأَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا بِهِ)). فحثّ على كتاب اللَّهِ ورغَّب فيه، ثُمَّ قال: ((وَأَهْلُ بَيْتِي، أذَكِّركم اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أذكِّركم اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي)) ثلاثاً. فقال له حصين: ومَنْ أهلُ بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومَن هم؟ قال هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم.
ثم رواه... عن زيد بن أرقم، فذكر الحديث بنحو ما تقدم، وفيه: فقلنا له: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا وايم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.
هكذا وقع في هذه الرواية، والأُولى أَولى، والأخذ بها أحرى. وهذه الثانية تحتمل أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه، إنما المراد بهم آله الذين حرموا الصدقة، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع آله، وهذا الاحتمال أرجح؛ جمعاً بينها وبين الرواية التي قبلها، وجمعاً أيضاً بين القرآن والأحاديث المتقدمة إن صحت، فإن في بعض أسانيدها نظراً، والله أعلم.
ثم الذي لا يَشُكُّ فيه مَن تدبر القرآن أنَّ نساء النبي صلى الله عليه وسلم داخلات في قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}، فإن سياق الكلام معهن؛ ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} أي: اعملن بما ينزل الله على رسوله في بيوتكن من الكتاب والسنة. قاله قتادة وغير واحد، واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق أَولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي في فراش امرأة سواها، كما نصَّ على ذلك صلوات الله وسلامه عليه([85]).
قال بعض العلماء، رحمه الله: لأنه لم يتزوج بكراً سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه، فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه الرتبة العلية، ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته، فقرابته أحق بهذه التسمية، كما تقدم في الحديث: ((وَأَهْلُ بَيْتِي أَحَقُّ)).
وهذا يشبه ما ثبت في صحيح مسلم([86]): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم فقال: ((هُوَ مَسْجِدِي هَذَا)).
فهذا من هذا القبيل؛ فإن الآية إنما نزلت في مسجد قباء، كما ورد في الأحاديث الأخر. ولكن إذا كان ذاك أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بتسميته بذلك، والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم ([87]): ... عن أبي جميلة قال: إنَّ الحسن بن علي استُخلف حين قُتل علي، رضي الله عنهما قال: فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر، وزعم حصين أنه بلغه أن الذي طعنه رجل من بني أسد، وحسن ساجد، قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه، فمرض منها أشهراً، ثم برأ فقعد على المنبر، فقال: يا أهل العراق، اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} قال: فما زال يقولها حتى ما بقي أحد من أهل المسجد إلا وهو يحن بكاء.
وقال السدي، عن أبي الديلم قال: قال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام: أما قرأت في الأحزاب: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} ؟ قال: نعم، ولأنتم هم؟ قال: نعم([88]).
 
وقال ابن عاشور (ت1393) في التحرير والتنوير: (٢٢/ ١٤):
والتعريف في (البيت) تعريف العهد وهو بيت النبي صلى الله عليه وسلم وبيوت النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة فالمراد بالبيت هنا بيت كل واحدة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وكل بيت من تلك البيوت أهله النبي صلى الله عليه وسلم وزوجه صاحبة ذلك، ولذلك جاء بعده قوله: )واذكرن ما يتلى في بيوتكن) [الأحزاب: 34] ، وضميرا الخطاب موجهان إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم على سنن الضمائر التي تقدمت. وإنما جيء بالضميرين بصيغة جمع المذكر على طريقة التغليب لاعتبار النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخطاب، لأنه ربُّ كلِّ بيت مِن بيوتهن، وهو حاضر هذا الخطاب إذ هو مبلغه.
وفي هذا التغليب إيماءٌ إلى أن هذا التطهير لهن لأجل مقام النبي صلى الله عليه وسلم لتكون قريناته مشابهات له في الزكاة والكمال....
وبهذا يتضح أن أزواج النبيء صلى الله عليه وسلم هن آل بيته بصريح الآية، وأن فاطمة وابنيها وزوجها مجعولون أهل بيته بدعائه أو بتأويل الآية على محاملها. ولذلك هم أهل بيته بدليل السنة، وكل أولئك قد أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، بعضه بالجعل الإلهي، وبعضه بالجعل النبوي، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ»([89])
وقد استوعب ابن كثير روايات كثيرة من هذا الخبر مقتضية أن أهل البيت يشمل فاطمة وعليا وحسنا وحسينا. وليس فيها أن هذه الآية نزلت فيهم إلا حديثا واحدا نسبه ابن كثير إلى الطبري ولم يوجد في تفسيره عن أم سلمة أنها ذكر عندها علي بن أبي طالب فقالت: فيه نزلت: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وذكرت خبر تجليله مع فاطمة وابنيه بكساء.
وقد تلقف الشيعة حديث الكساء فغصبوا وصف أهل البيت وقصروه على فاطمة وزوجها وابنيهما عليهم الرضوان، وزعموا أن أزواج النبيء صلى الله عليه وسلم لسن من أهل البيت.
وهذه مصادمة للقرآن بجعل هذه الآية حشواً بين ما خوطب به أزواج النبي. وليس في لفظ حديث الكساء ما يقتضي قصر هذا الوصف على أهل الكساء، إذ ليس في قوله: «هؤلاء أهل بيتي» صيغة قصر، وهو كقوله تعالى: (إن هؤلاء ضيفي) [الحجر: 68] ليس معناه ليس لي ضيف غيرهم، وهو يقتضي أن تكون هذه الآية مبتورة عما قبلها وما بعدها.
ويظهر أن هذا التوهم من زمن عصر التابعين، وأن منشأه قراءة هذه الآية على الألسن دون اتصال بينها وبين ما قبلها وما بعدها. ويدل لذلك ما رواه المفسرون عن عكرمة أنه قال: من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبيء صلى الله عليه وسلم، وأنه قال أيضاً: ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبيء صلى الله عليه وسلم وأنه كان يصرخ بذلك في السوق.
وأما ما وقع من قول عمر بن أبي سلمة: أن أم سلمة قالت: وأنا معهم يا رسول الله؟ ... فقال: «أنت على مكانك، وأنت على خير».
فقد وهم فيه الشيعة فظنوا أنه مَنَعَها مِنْ أن تكون مِن أهل بيته، وهذه جهالة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد أن ما سألته من الحاصل، لأن الآية نزلت فيها وفي ضرائرها، فليست هي بحاجة إلى إلحاقها بهم، فالدعاء لها بأن يذهب الله عنها الرجس ويطهرها؛ دعاءٌ بتحصيلِ أمرٍ حَصَلَ، وهو مناف بآداب الدعاء، كما حرره شهاب الدين القرافي في الفرق بين الدعاء المأذون فيه والدعاء الممنوع منه، فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم تعليماً لها.
وقد وقع في بعض الروايات أنه قال لأم سلمة: «إنك من أزواج النبي» وهذا أوضح في المراد بقوله: «إنك على خير»، ولما استجاب الله دعاءه كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلق (أهل البيت) على فاطمة وعلي وابنيهما.
 
 فصل
(الآل والأهل) في الحديث الشريف
(الآل)
إنَّ وُرود لفظ (الآل) وكذا (الأهل) في الحديث أكثر مِن أن أستطيع حصره هنا، لذا اكتفيت بحديث واحد لكل مراد.
حديث: ((إنَّ هذه الصدقات إنَّما هِي أوساخُ الناسِ، وإنَّها لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، ولا لآلِ مُحَمَّدٍ))([90]).
قال النووي: إنهم بنو هاشم وبنو المطلب.
حديث: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أُحُدًا يُحَوَّلُ ‌لِآلِ ‌مُحَمَّدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ))([91]).
حديث: عن أنس رضي الله عنه، قال: ولقد رهن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ درعه بشعير، ومشيت إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُبْزِ شعيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، ولقد سمعته يقول: «مَا أَصْبَحَ ‌لِآلِ ‌مُحَمَّدٍ، إِلَّا صَاعٌ، وَلَا أَمْسَى، وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ»([92])
والمقصود هنا هو زوجاته، بدليل السياق.
حديث: « لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا المَالِ، يَعْنِي مَالَ اللَّهِ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى المَأْكَلِ»([93]).
ويقصد به هنا زوجاته وقرابته من بني المطلب.
حديث: ((لَقَدْ طافَ ‌لآلِ ‌مُحَمَّدٍ اللَّيْلَةَ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ الضَّرْبَ))([94]).
والمقصود به هنا: بيوته وزوجاته.
حديث: ((عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا لَا يَحِلُّ ‌لِآلِ ‌مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ))([95])
ويقصد به هنا قرابته الذين حُرِموا الزكاة.
 
 
(الأهل)
حديث: ((وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي))، عن فاطمة رضي الله عنها([96]).
حديث: ((رَجُلٌ مِنْ أهلِ بَيتِي يُواطِؤُ اسمُهُ اسمِي))([97])، عن المهدي الذي سيأتي آخر الزمان.
والمقصود هو أنه من ذريته من جهة الحسنين.
حديث: ((مَن يَعذِرُنِي مِن رَجُلٍ قَد بَلَغَ أَذَاهُ فِي ‌أَهلِ ‌بَيتِي؟))([98])  يعني زوجته عائشة رضي الله عنها.
والمقصود به هنا زوجته، كما هو واضح.
حديث: ((فَوَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْها -يُرِيدُ: الحَرَّتَينِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ ‌أَهْلِ ‌بَيْتِي))([99]).
يقصد زوجته وأولاده.
حديث: ((مَا نُرَى ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ إِلاَّ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ وَلُزُومِهِمْ لَه))([100]).
قال ابن حجر: أي بيت النبي صلى الله عليه وسلم. يعني المقصود كزوجاتِه ومن يسكنون بيته.
حديث: لما بلغ أبو بكر ذا الحليفة، وفي لفظ: بالجحفة، بعثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر فَرَدَّهُ، وقال: ((لا يَذهَبُ بِها إلا رَجلٌ مِنْ ‌أَهلِ ‌بيتي))([101])
وظاهر أن المقصود به هنا قرابته من نسبه.
وهناك كمٌّ كبير من الأحاديث الضعيفة أعرضت عن ذكرها، لغنى الصحيح عنها.
فأنت ترى كذلك أخي القارئ أن هذين اللفظين كذلك ليس لهما مقصود واحد لا يتجاوزه، بل يختلف المراد منه بحسب السياق الوارد فيه هذا اللفظ.
 
 فصل
أقوال العلماء في شرح ألفاظ الأحاديث
اعلم أخي القارئ أنه ليتم المقصود الأهم من هذا المبحث كله لابد لنا - ضرورة - أن نبين أقوال العلماء في شرح الحديث الذي هو أصل البحث ومداره، وذلك لأن المراد فيه قد يكون غير المراد بالآية، بل هو الغالب، فلنشرع بالمطلوب:
أورد الطحاوي (ت381) في كتابه النافع شرح مشكل الآثار: (2/245):
(باب بيان مشكل ما روي عنه عليه السلام في المراد بقول الله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] من هم؟):
أورد فيه كمًّا من الأحاديث المتعلقة بالموضوع ولا نطيل بذكرها لما في بعضها من التكرار، ومن رامها عرف مرامها، ثم ختم رحمه الله بقوله:
وواثلة أبعد منه عليه السلام مِن أم سلمة مِنه؛ لأنه إنما هو رجل من بني ليث ليس من قريش، وأم سلمة موضعها من قريش موضعها الذي هي به منه([102])، فكان قوله لواثلة: ((أنت من أهلي)) على معنى؛ لاتِّباعِك إياي، وإيمانِك بي فدخلتَ بذلك في جملتي، وقد وجدنا اللهَ قد ذكر في كتابه ما يدل على هذا المعنى بقوله: {ونادى نوح ربه، فقال رب إن ابني من أهلي} [هود: 45] فأجابه في ذلك بأن قال له: {إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} [هود: 46] فكما جاز أن يخرجه من أهله، وإن كان ابنه؛ لخلافه إياه في دينه، جاز أن يدخل في أهله من يوافقه على دينه وإن لم يكن من ذوي نسبه، فمثل ذلك أيضاً ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم جوابا لأم سلمة: ((أنت من أهلي)) يحتمل أن يكون على هذا المعنى أيضاً، وأن يكون قوله لها ذلك، كقوله مثلَه لواثلة، وحديث سعد وما قد ذكرناه معه من الأحاديث في أول هذا الباب معقول بها مَن أهل الآية المتلوة فيها؛ لأنا قد أحطنا علماً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا من دعا من أهله عند نزولها لم يبق من أهلها المرادين فيها أحداً سواهم, وإذا كان ذلك كذلك استحال أن يدخل معهم فيما أريدت به سواهم، وفيما ذكرنا من ذلك بيان ما وصفنا.
فإن قال قائل: فإن كتاب الله يدل على أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم هم المقصودون بتلك الآية؛ لأنه قال قبلها في السورة التي هي فيها: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن} [الأحزاب: 28] إلى قوله: {يا نساء النبي لستن} [الأحزاب: 32] إلى قوله: {الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33] فكان ذلك كله يردن به؛ لأنه على خطاب النساء لا على خطاب الرجال, ثم قال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس} [الأحزاب: 33] الآية؟
فكان جوابنا له: أن الذي تلاه إلى آخر ما قبل قوله: {إنما يريد الله} [التوبة: 55] الآية خطاب لأزواجه, ثم أعقب ذلك بخطابه لأهله بقوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب} [الأحزاب: 33] الآية فجاء على خطاب الرجال؛ لأنه قال فيه: {ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم} [الأحزاب: 33] وهكذا خطاب الرجال، وما قبله فجاء به بالنون وكذلك خطاب النساء فعقلنا أن قوله: {إنما يريد الله ليذهب} [الأحزاب: 33] الآية خطاب لمن أراده من الرجال بذلك ليعلمهم تشريفه لهم ورفعته لمقدارهم أن جعل نساءهم من قد وصفه لما وصفه به مما في الآيات المتلوات قبل الذي خاطبهم به تعالى.
 
وقال القاضي عياض (ت544) في إكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ٤١٩):
وقول زيد بن أرقم: ((أهل بيته من حرم الصدقة بعده؛ آل على، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، كل هؤلاء حرم الصدقة))، وفي الرواية الأخرى: ((أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده))؛ ظاهره الذين منعهم خلفاء بنى أمية صدقة النبي عليه الصلاة والسلام مما كان خصه الله به التي كانت تقسم عليهم أيامه وأيام الخلفاء الأربعة، لقوله: (بعده) والله أعلم؛ لأن زيداً ممن عاش حتى أدرك ذلك، فتوفي سنة ثمان وستين.
ويحتمل أن المراد به الذين حرم الله عليهم صدقة الأموال ونزههم عن أكل أوساخ الناس، وهو مبين عن زيد بن أرقم في غير هذا الحديث، وقيل له: (مَن آل محمد الذين لا يحل لهم الصدقة؟ فقال: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس)، ففيه حجة مالك ومن قال بقوله في اختصاص تحريمها ببني هاشم؛ إذ لم يذكر سواهم، خلافاً للشافعي في عَدَّه بني المطلب معهم، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّما نَحنُ وبَنُو المُطَّلبِ شَيءٌ واحِدٌ))([103]). وقد مال إليه بعض متأخري شيوخنا، وخلافاً لمن قال من أصحابنا وغيرهم: إنهم جماعة قريش كلها، أو بنو قُصي.
 
وقال النووي (ت676) في شرح مسلم (١٥/١٨٠):
قوله: (وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ) هو بضم الحاء وتخفيف الراء.
والمراد بالصدقة الزكاة، وهي حرام عندنا على بني هاشم وبني المطلب، وقال مالك: بنو هاشم فقط، وقيل: بنو قصي، وقيل: قريش كلها.
قوله في الرواية الأولى: (نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ).
وقال في الرواية الأخرى: (فَقُلْنَا: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ نِسَاؤُهُ؟ قَالَ: لَا).
هذا دليل لإبطال قول من قال: هم قريش كلها.
فهاتان الروايتان ظاهرهما التناقض، والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنه قال: (نساؤه لسن من أهل بيته)، فتتأول الرواية الأولى على أن المراد أنهن من أهل بيته الذين يساكنونه ويعولهم، وأمر باحترامهم وإكرامهم، وسماهم ثقلاً ووعظ في حقوقهم وذكر، فنساؤه داخلات في هذا كله، ولا يدخلن فيمن حرم الصدقة، وقد أشار إلى هذا في الرواية الأولى بقوله: (نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة)، فاتفقت الروايتان.
وقال الفيروزآبادي (ت817) في الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر (ص28):
المسألة العاشرة: هل يدخل في مثل هذا الخطاب (الصلاة على النبي) النّساء؟
ذهب جمهور الأصوليين أنهنّ لا يدخلن، ونصَّ عليه الشافعي، وانتُقد عليه، وخُطِّئ المنتقد.
 
وقال السيوطي (ت911) في مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود (3/1064):
قال ابن الصبَّاغ في الشامل: فرع: قال في البويطي: إذا قال وقفتُ هذا على أهل بيتي، فأهل بيته أقاربه من قبل الرّجال والنساء. وكذا ذكر الدّارمي في الاستذكار، وابن كجّ في التجريد في الوصيّة، وفي شرح الكبير للرَّافعي والرَّوضة للنووي، فيما لو أوصى لأهل بيت الرّجل، فالأصحّ أنَّه يدخل فيهم القرابة من جهة الرّجال والنساء والزوجات أيضًا.
وقال ابن الرّفعة في الكفاية: إذا وقفَ على أهل بيته صرف إلى قرابته من جهة الرجال والنساء، حكاه في الشامل عن البويطي.
وفي الحاوي حكاية ثلاثة أوجه؟ أحدها: يصرف إلى من ناسبه إلى الجدّ، والثاني: لمن اجتمع معه في الرّحم، والثالث: إلى كلّ من اتَّصل إليه بنسب أو سبب، قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "سلمان منّا أهل البيت". انتهى.
فتلخّص من جميع ما تقدّم أنّ أهل البيت لا يختصّ بمن يثبت لهم نسب النبوّة ونحوها، بل يشمل أولاد البنات.
إذا تقرّر ذلك فلا يبعد أن يكون المذكرون أمّ أحدهم، أو أمّ أبيه، أو أمّ أمّه، أو أمّ جدّه، أو أمّ جدّته، فما فوق من أهل البيت، إمّا علويّة، أو جعفريّة، أو عقيليّة، أو عبَّاسية، أو مطّلبيّة، أو نحو ذلك، فحيث ما كان في أصوله أمّ ولدته، أو ولدت أحدًا من أصوله وهي من أهل البيت، صدق عليه أنَّه من أهل البيت بلا شكّ، على ما هو صريح نصّ الشافعي والأصحاب، وبهذا يتّسع المجال جدًّا، فإن ذلك في أمّهات النَّاس كثير، وهو أحسن من التَّأويل الذي قاله ابن السبكي، فإنَّ في هذا إبقاء الحديث على ظاهره واللَّفظ على مدلوله وموضوعه.
والحاصل أنَّ لأهل البيت إطلاقات:
أخصّها: انصرافه إلى بني هاشم والمطَّلب، وهم الآل الذين تحرم عليهم الزّكاة بالأصالة.
والثاني: شموله لأزواجه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضًا، وهو أعمّ من الأوّل.
والثالث: شموله لمطلق الذريّة وإن لم يثبت لهم النّسب، كأولاد البنات وإن سَفُلْنَ، ولمطلق القرابة، سواء كانت مِن قِبل الرّجال أم مِن قِبل النّساء، وهذا أعمّ من الأوّلين.
والرَّابع: شموله للموالي أيضًا، وهو أعمّ من الثلاثة.
وهذان الأخيران تخرّج عليهما هذه الرّواية التي نحن في تقريرها.
ويؤيّد ما ذكرناه مِن أنَّ لأهل البيت إطلاقات، أنَّه ورد عن زيد بن أرقم أنَّه قال: (نساؤه من أهل بيته)، وسئل مرّة أخرى: (مَن أهل بيته؟ قال: بلى إنَّ نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته الذين ذكرهم، من حرموا الصدقة بعده وهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس)، أخرجه مسلم.
ثمَّ قال: باب الدّليل على أن أزواجه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن أهل بيته في الصَّلاة عليهنّ، وأورد فيه حديث أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلَّى علينا أهل البيت، فليقل اللهم صلّ على محمد النبيّ وأزواجه وذريّته وأهل بيته، كمّا صلّيت على إبراهيم إنّك حميد مجيد)) أخرجه أبو داود([104])، وقال البيهقي: فكأنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفرد أزواجه وذريّته بالذكر على وجه التّأكيد، ثمَّ رجع إلى التّعميم ليدخل فيها غير الأزواج والذرية من أهل البيت.
قلت: والحديث المذكور صريح في أنَّ مطلق الذرية يطلق عليهم أهل البيت، فيشمل كلّ ولد من نسله، سواء نسب إليه كأولاد البنين أو كأولاد البنات كما هو مدلول لفظ الذريّة، وقد قال الفقهاء: لو وقف على أولاده وأولاد أولاده وذريّته ونسله وعقبه، دخل أولاد البنات وإن لم ينسبوا إليه، وفي التنزيل: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ} إلى قوله: {وَعِيسَى}، ومعلوم أنَّ عيسى ابن بنت. هذا ما تحرّر والله أعلم.
 
وقال السمهودي (ت911) في جواهر العقدين ص211:
وحكى النووي في شرح المهذب وجهاً آخر لأصحابنا: أنّهم عترته الذين ينسبون إليه صلّى الله عليه وسلم قال: وهم أولاد فاطمة ونسلهم أبداً، حكاه الأزهري وآخرون عنه. انتهى.
 
وقال ابن حجر الهيتمي (ت974) في الصواعق المحرقة ص143:
(إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) [الأحزاب: 33] أكثر المفسّرين على أنها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين.
 
وقال في موضع آخر ص146 بعد تصحيح الصلاة على الآل:
.. فالمراد بأهل البيت فيها وفي كلّ ما جاء في فضلهم أو فضل الآل أو ذوي القربى: جميع آله صلّى الله عليه وسلم، وهم مؤمنو بني هاشم والمطّلب، وبه يُعلم أنّه صلّى الله عليه وسلم قال ذلك كلّه (مراده الروايات التي حذفت الآل كما في الصحيحين، والروايات التي أثبتت الآل) فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه الآخر، ثمّ عطْفُ الأزواج والذرّيّة على الآل في كثير من الروايات يقتضي أنّهما ليسا من الآل، وهو واضح في الأزواج بناء على الأصحّ في الآل أنّهم مؤمنو بني هاشم والمطّلب، وأمّا الذرّيّة فمن الآل على سائر الأقوال، فذكرهم بعد الآل للإشارة إلى عظيم شرفهم.
 
 
وقال الملّا عليّ القاري (ت1014) في شرح كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة ص210:
الأصحّ أنّ فضل أبنائهم على ترتيب فضل آبائهم، إلّا أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها فإنّهم يفضّلون على أولاد أبي بكر وعمر وعثمان لقربهم من رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فهم العترة الطاهرة والذرّيّة الطيّبة الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً.
 
وقال القسطلاني (ت923) في المواهب اللدنية: 2/ 517 وما بعدها:
ان الراجح أنّهم مَن حرمت عليهم الصدقة، كما نص عليه الشافعي واختاره الجمهور، ويؤيده قوله صلّى الله عليه وسلّم للحسن بن علي: ((إنّا آل محمّد لا تحل لنا الصدقة))([105])، وقيل: المراد بآل محمّد: أزواجه وذرّيّته.
ثمّ ذكر بعد ذلك كلام ابن عطيّة فقال: الجمهور على أنّهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين وحجتهم (عَنْكُمُ ويُطَهِّرَكُمْ) بالميم.
 
وقال السخاوي (ت902) في القول البديع في بيان صيغة الصلاة في التشهّد ص88:
واختلف في المراد بآل محمد ههنا، فالأرجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة، وهذا نصَّ عليه الشافعي واختاره الجمهور ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة للحسن بن علي ((إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة))، وقوله في أثناء حديث مرفوع: ((لأن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس وأنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد))([106]) وقال أحمد: المراد بآل محمد في حديث التشهد أهل بيته، ... وقيل المراد بآل محمد أزواجه وذريته، لأن أكثر طرق الحديث جاء بلفظ: ((وآل محمد))، وجاء في حديث أبي حميد موضعه، ((وأزواجه وذريته)) فدل على أن المراد بالآل: والأزواج وذريته.
وتعقب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة كما في حديث أبي هريرة الماضي، فيحمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظه غيره، والمراد بالآل في التشهد: الأزواج ومن حرمت عليهم الصدقة، ويدخل فيهم الذرية، فبذلك يجمع بين الأحاديث، وقد أطلق على أزواجه صلى الله عليه وسلم آل محمد في حديث عائشة: ((ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثاً))([107])، وفي حديث أبي هريرة ((اللهم أجعل رزق آل محمد قوتاً))([108]) وكان الأزواج أفردوا بالذكر تنويهاً لهم، وكذا الذرية.
وقد روى عبد الرزاق في جامعه([109]) عن الثوري سمعته وسأله رجل عن قوله: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، مَن آله؟ فقال: اختلف الناس، منهم من يقول آل محمد أهل البيت، ومنهم من يقول: من أطاعه.
وقيل: المراد بالآل ذرية فاطمة خاصة، حكاه النووي في شرح المهذب، وقيل: هم جميع قريش، حكاه ابن الرفعة في الكفاية، وقيل: المراد بالآل: جميع الأمة أمه الإجابة، قال ابن العربي: مال إلى ذلك مالك واختاره الأزهري وحكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الشافعية ورجحه النووي في شرح مسلم، وقيده القاضي حسين والراغب بالأتقياء منهم، وعليه يحمل كلام من أطلق، ويؤيده قوله تعالى {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ}.
 
وقال الشوكاني (ت1250) في إرشاد الفحول 83 في الردّ على من قال أنّها مختصة بالنّساء:
ويجاب عن هذا بأنّه قد ورد بالدليل الصحيح أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسنين.
 
وقال الآلوسي (ت1270) في تفسيره روح المعاني 12/ 24:
وأنت تعلم أنّ ظاهر ما صحّ من قوله صلّى الله عليه وسلم: «إنّي تارك فيكم خليفتين)). وفي رواية. ((ثقلين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض». يقتضي أنّ النّساء المطهّرات غير داخلات في أهل البيت الذين هم أحد الثّقلين.
 
وقال القاسمي (ت1332) في تفسيره محاسن التأويل: 13/ 4854:
ولكن هل أزواجه من أهل بيته؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد:
أحدهما: أنّهنّ لسن من أهل البيت، ويروى هذا عن زيد بن أرقم.
 
ونختم هنا بكلام ابن القيم (ت751) في كتابه البديع جلاء الأفهام ص210 وما بعدها:
فصل: واختلف في آل النبي صلى الله عليه وسلم على أربعة أقوال:
فقيل: هم الذين ‌حُرمت ‌عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء:
أحدها: أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، وهذا مذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه.
والثاني: أنهم بنو هاشم خاصة، وهذا مذهب أبي حنيفة والرواية الثانية عن أحمد واختيار ابن القاسم صاحب مالك.
والثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب فيدخل فيهم بنو المطلب وبنو أمية وبنو نوفل ومن فوقهم إلى بني غالب، وهذا اختيار أشهب من أصحاب مالك، حكاه صاحب الجواهر عنه، وحكاه اللخمي في التبصرة عن أصبغ، ولم يحكه عن أشهب.
وهذا القول في الآل - أعني أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة - هو منصوص الشافعي وأحمد والأكثرين، وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعي.
والقول الثاني: أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم ذريته وأزواجه خاصة، حكاه ابن عبد البر في التمهيد، قال في باب عبد الله بن أبي بكر في شرح حديث أبي أحمد حميد الساعدي استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم وأزواجه وذريته خاصة، لقوله في حديث مالك عن نعيم المجمر وفي غير ما حديث: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) وفي هذا الحديث يعني حديث أبي حميد: (اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته) قالوا: فهذا تفسير ذلك الحديث، ويبين أن آل محمد هم أزواجه وذريته، قالوا: فجائز أن يقول الرجل لكل من كان من أزواج محمد صلى الله عليه وسلم ومن ذريته: صلى الله عليك، إذا واجهه وصلى الله عليه إذا غاب عنه، ولا يجوز ذلك في غيرهم، قالوا: والآل والأهل سواء، وآل الرجل وأهله سواء، وهم الأزواج والذرية، بدليل هذا الحديث.
والقول الثالث: أن آله صلى الله عليه وسلم: أتباعه إلى يوم القيامة، حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم، وأقدم من روي عنه هذا القول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ذكره البيهقي عنه، ورواه عنه سفيان الثوري وغيره، واختاره بعض أصحاب الشافعي حكاه عنه أبو الطيب الطبري في تعليقة، ورجحه الشيخ محيي الدين النواوي في شرح مسلم، واختاره الأزهري.
والقول الرابع: أن آله صلى الله عليه وسلم هم: الأتقياء من أمته، حكاه القاضي حسين والراغب وجماعة. انتهى نقل المراد منه.
ومن أراد تفاصيل تحقيق الأقوال مع الأدلة ومناقشتها فعليه بالكتاب.
لكن الخلاصة هو قوله: (والصحيح هو القول الأول ويليه القول الثاني، وأما الثالث والرابع فضعيفان).
 
فصل
في بيان العترة في اللغة وفي الاصطلاح عند السنة وعند الشيعة
 
أولاً: في اللغة
قال الخليل (ت170) في العين (٢/٦٦):
وعِترةُ الرجل: أصله، وعِتْرَةُ الرَّجلِ: أقرباؤه مِن ولده وولدِ ولدِه وبني عمّه دِنْيا([110]).
 
قال ابن قتيبة (ت276) في غريب الحديث (١/٢٣٠):
(فإن قال: لعترتي، فهو لولدِه وولد ولده الذُّكُور والإناث، ولعشيرته الأَدْنين، يدلك على ذلك قول أبي بكر: نحن ‌عترة رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، التي خرج منها وبيضته التي تفقأت عنه)([111]).
 
وقال ابن دريد (ت321) في جمهرة اللغة (١/٣٩٢):
(وعترة الرجل: نَسْله. وربما جعلوا أسرته عترته، وهذا معنى قول أبي بكر رَضِي الله عَنهُ: نحن عترة رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)
 
وقال الأزهري (ت370) في تهذيب اللغة (٢/١٥٧):
وقال أَبو عبيد: ‌عِتْرة الرجل وأُسرته وفَصِيلته: رَهْطُه الأَدنَوْن.
وقال ابن السّكيت: العِتْرة مثل الرَهْط.
وروى أَبو العَبَّاس عن ابن الأَعرابي أَنه قال: العِتْرة ولد الرجل وذُرّيته وعَقِبُهُ من صُلْبه. قَالَ: فعِتْرة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ولدُ فَاطِمَة البَتُولِ.
وروى ابن الفرج عن أبي سعيد قال: العِتْرة: سَاق الشَّجَرَة. قال: وعِترة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: عبد المطلب وولده. قال: ومِن أمثالهم: عَادَتْ لعِتْرها لَميس ولعِكْرها، أَي: أَصْلهَا.
وقال ابن المظفر: ‌عِتْرة الرجل: أقرباؤه مِن وَلد عَمّه دِنْيا. وقيل: ‌عِتْرة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أهل بَيته، وهم آله الذين حُرّمَت عَلَيْهِم الصَّدَقة المَفرُوضَة، وهم ذَوُو القُربى الذين لهم خمس الخمس المذكور في سورة الأنفال، قال الأزهري: وهذا القول عندي أقربها، والله أعلم.
 
وقال الخطابي (ت388) في غريب الحديث (٢/١٩٢):
فأما حديثه الآخر أنه قال: ((خلفت فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي)) فإنَّ أبا عُمَر أخبرني عن أبي العباس ثعلب قال: إنما سُمِّيا الثقلين لأن العمل بهما ثقيل.
وأخبرني بعض أصحابنا عن مُحَمَّد بن جرير الطبري قال: دليل هذا من القرآن: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}.
قال أبو عمر: قال ابن الأعرابي: الثِّقل عند العرب كل شيء مَصُونٌ يَعِزُّ على أهله، قال: والأصل فيه بيض النعام المصون، قال وأنشدني المفضل([112]):
فَتَذَكَّرا ثَقَلاً رَثيداً بعدما ... ألقت ذُكاءُ يمينها في كافر
وقد قيل في العترة أَنَّهُ أراد بها أصحابه الذين هم حُمّال الأثر وحُفّاظ السنن، كأنه قَالَ: عليكم بكتاب اللَّه وسنتي.
وقيل أنه عنى بها الخلفاء الراشدين بعده، وهذا كقوله: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي))([113])
 
وقال العسكري (ت395) في الفروق اللغوية (ص٢٨٢):
‌الفرق بين الآل والعترة
أَنَّ على ما قال المبرد: النِّصاب، ومنه ‌عِترة فلان أَي مَنصِبه([114])، وقال بعضهم: العترة أصل الشَّجَرَة الباقي بعد قطعها، قالوا: فعتره الرجل أَصله، وقال غيره: ‌عتره الرجل أَهله وبنو أَعمامه الأدنون، واحتجوا بقول أبي بكر رَضِي الله عَنهُ عن ‌عترة رسول الله، يعني قريشاً، فهي مفارِقة للآل على كل قول، لأَن الآل هم الأَهل والأتباع، والعترة هم الأصل في قول، والأهل وبنو الأعمام في قول آخر.
 
وقال ابن فارس (ت395) في مقاييس اللغة (٤/٢١٧):
عِترة فلان، أَي مَنْصِبُهُ. وقال أَيضاً: هم أقرباؤه، من ولده وولد ولده وبني عمه، هذا قول الخليل في اشتقاق العترة، وذكر غيره أن القياس في العترة ما نذكره مِن بَعْدُ.
والأصل الثاني: العِتْر، قال قوم: هو الذي يقال له: الْمَرْزَنْجُوشُ([115]). قال: وهو لا ينبت إلا متفرقاً. قال: وقياس عترة الإنسان من هذا، لأنهم أقرباؤه متفرقي الأنساب، هذا من أبيه وهذا من نسله كولده.
 
قال الهروي (ت401) في الغريبين في القرآن والحديث (٤/١٢٢٤):
في الحديث: (كتاب الله وعترتي) قال الليث: عترة الرجل: أولياؤه، وقال أبو سعيد: عترة النبي صلى الله عليه وسلم: بنو عبد المطلب، ... وقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم حين شاور أصحابه في الأسارى: (عترتك وقومك) ([116])، وقال الأزهري: كأنه أراد بعترته العباس، وبقومه قريشاً، وقال ابن السكيت: العترة مثل الرهط.
 
وقال الزمخشري (ت538) في أساس البلاغة (١/٦٣٣):
وعترة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عبد المطلب، وكل عمود تفرّعت منه الشعب فهو ‌عترة.
 
وقال ابن الأثير (ت606) في النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/١٧٧):
عِترة الرجل: أخصُّ أقاربه. وعِترة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بنو عبد المطلب. وقيل: أهلُ بيته الأقربون، وهم أولاده وعليٌّ وأولاده. وقيل: عِترته الأقربون والأبعدون منهم.
[هـ] ومنه حديث أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «نَحْنُ ‌عِتْرَة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبَيْضَتُه الَّتِي تَفقَّأتْ عَنْهُمْ»، لأنهم كلهم من قريش.
(هـ) ومنه حديثه الآخر: «قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شَاوَر أصْحَابَه فِي أسَارَى بَدْر: عِتْرَتُك وقَومُك»([117]) أراد بعترته العبَّاس ومن كان فيهم مِن بني هاشم، وبقومه: قريشاً، والمشهور المعروف أَنَّ عترته: أهل بيته الذين حرمت عليهم الزكاة.
 
وقال ابن منظور (ت711) في لسان العرب (٤/٥٣٨):
وعِترةُ الرجل: أَقرباؤه مِن ولدٍ وغيرهِ، وقيل: هم قومه دِنْيا، وقيل: هم رهطه وعشيرته الأَدْنَون مَنْ مَضى مِنْهُمْ ومَن غَبَر، .... والعامة تظن أَنها ولدُ الرجل خاصَّةً، وأَن ‌عترة رسولِ الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ولدُ فاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ هذا قول ابن سيده، .... وقال ابن الأَعرابي: العِتْرة ولدُ الرجل وذُرِّيَّتُهُ وعَقِبُه مِنْ صُلْبه، قال: فعِتْرةُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ولدُ فاطمة البَتُول عَلَيْهَا السَّلَامُ. .... والمشهور المعروف أن عترته: أَهلُ بيته، وهم الذين حُرمت عليهم الزكاة والصدقة المفروضة.
 
وقال الفيروزأبادي (ت817) في القاموس المحيط (ص٤٣٦):
والعِتْرَةُ، بالكسر: نَسلُ الرجل، ورهطه، وعشيرته الأَدْنَون مِمَّنْ مَضَى وغَبَرَ.
 
وقال الفتني الهندي (ت986) في مجمع بحار الأنوار (٣/٥١٤):
عترة الرجل: أخصُّ أقاربه، وهم بنو عبد المطلب، وقيل: أهل بيته الأقربون، وهم أولاده وعليٌّ وأولاده، وقيل: عترته الأقربون والأبعدون منهم. ومنه حديث الصديق: (نحن عترة رسول الله وبيضته التي تفقأت عنهم)، لأنهم كلهم من قريش. ومنه قوله له حين شاور في أسارى بدر: (عترتك وقومك)، أراد بعترته العباس ومَن كان فيهم من بني هاشم، وبقومه: قريشًا، والمشهور: أن عترته من حرمت عليهم الزكاة.
 
 
العترة عند العلماء
 
وقال التوربشتي (ت661) في الميسر في شرح مصابيح السنة (٤/١٣٣٥):
وقد أكثر أصحاب الغريب في العترة، فمنهم من قال: عترة الرجل: أولياءه. ومنم من قال: عترة النبي صلى الله عليه وسلم: بنو عبد المطلب. وقال القتبي: عترة الرجل: أهل بيته الأدنون والأبعدون.
واستدل بحديث أبي بكر رضي الله عنه: (نحن عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيضته التي تفقأت عنه).
قلت: وفي حديثه أيضاً حين سارره صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر: (يا رسول الله، عترتك وقومك)، كأنه أراد بالعترة العباس ومَن أسره معه من بني عبد المطلب، وبقومه قريشاً، على نحوٍ مِن هذا فسره الأزهري.
والقول الأمثل في العترة من طريق اللغة؛ هو أن عترة الرجل: أهل بيته ورهطه الأدنون، ‌ولاستعمالهم ‌العترة على أنحاء كثيرة بيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (أهل بيتي) ليُعلم أنه أراد بذلك نسله وعصابته الأدنين وأزواجه.
 
وقال شيخ الإسلام (ت728) في منهاج السنة النبوية (٧/٣١٨):
قالوا: إنما يدل على أن مجموع العترة الذين هم بنو هاشم لا يتفقون على ضلالة، وهذا قاله طائفة من أهل السنة، وهو من أجوبة القاضي أبي يعلى وغيره.
والحديث الذي في مسلم إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله، فليس فيه إلا الوصية باتباع كتاب الله، وهذا أمر قد تقدمت الوصية به في حجة الوداع قبل ذلك، وهو لم يأمر باتباع العترة، ولكن قال: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، وتذكير الأمة بهم يقتضي أن يذكروا ما تقدم الأمر به قبل ذلك من إعطائهم حقوقهم، والامتناع من ظلمهم، وهذا أمر قد تقدم بيانه قبل غدير خم.
وقال في موضع آخر (٧/٣٩٥):
علماء العترة كابن عباس وغيره لم يكونوا يوجبون اتباع علي في كل ما يقوله، ولا كان علي يوجب على الناس طاعته في كل ما يفتي به، ولا عرف أن أحدا من أئمة السلف - لا من بني هاشم ولا غيرهم - قال: إنه يجب اتباع علي في كل ما يقوله.
....النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال عن عترته: ( إِنَّهَا وَالْكِتَابُ لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيْهِ الْحَوْضَ) وهو الصادق المصدوق فيدل على أن إجماع العترة حجة، وهذا قول طائفة من أصحابنا، وذكره القاضي في المعتمد([118])
لكن العترة هم بنو هاشم كلهم: ولد العباس، وولد علي، وولد الحارث بن عبد المطلب، وسائر بني أبي طالب، وغيرهم، وعلي وحده ليس هو العترة، وسيد العترة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إلى أن قال رحمه الله:
العترة لم تجتمع على إمامته ولا أفضليته [يقصد عليًّا رضي الله عنه]، بل أئمة العترة كابن عباس وغيره يقدمون أبا بكر وعمر في الإمامة والأفضلية، وكذلك سائر بني هاشم من العباسيين، والجعفريين، وأكثر العلويين، وهم مُقِرُّون بإمامة أبي بكر وعمر، وفيهم من أصحاب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم أضعاف من فيهم من الإمامية.
والنقل الثابت عن جميع علماء أهل البيت من بني هاشم من التابعين، وتابعيهم من ولد الحسين بن علي، وولد الحسن، وغيرهما أنهم كانوا يتولون أبا بكر وعمر، وكانوا يفضلونهما على علي، والنقول عنهم ثابتة متواترة.
وقد صنف الحافظ أبو الحسن الدارقطني كتاب (ثناء الصحابة على القرابة وثناء القرابة على الصحابة)، وذكر فيه من ذلك قطعة، وكذلك كل من صنف من أهل الحديث في السنة مثل كتاب (السنة) لعبد الله بن أحمد، و(السنة) للخلال، و(السنة) لابن بطة، و(السنة) للآجري، واللالكائي، والبيهقي، وابن ذر الهروي، والطلمنكي، وابن حفص بن شاهين، وأضعاف هؤلاء الكتب التي يحتج هذا بالعزو إليها مثل كتاب (فضائل الصحابة) للإمام أحمد، ولأبي نعيم، وتفسير الثعلبي.
 
وقال العيني (ت855) في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (١٩/١٥٧):
واختلف في قرابته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فقيل: عليّ وفاطمة وابناهما، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ولد عبد المطلب، وقيل: هم الَذين تحرم عليهم الصَّدقة ويقسم عليهم الخمس وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين لم يفترقوا في الجاهلِية والإِسلام.
 
وقال ملا قاري (ت1014) في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٩/٣٩٧٥):
قال الطيبي في قوله: ((إني تارك فيكم)) إشارة إلى أنهما بمنزلة التوأمين الخَلَفَين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه يوصي الأمة بحُسن المخالفة معهما وإيثار حقهما على أنفسهم، كما يوصي الأب المشفق الناس في حق أولاده، ويعضده الحديثُ السابق في الفصل الأول: ((أذكركم الله في أهل بيتي)) كما يقول الأب المشفق: الله الله في حق أولادي.
وأقول: الأظهر هو أن أهل البيت غالباً يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله، فالمراد بهم أهل العلم منهم، المطلعون على سيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحكمه وحكمته، ولهذا يصلح أن يكونوا مقابلاً لكتاب الله سبحانه، كما قال: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: ١٢٩].
 
وقال المناوي (ت1031) في فيض القدير (٣/١٤):
(‌وعترتي) بمثناة فوقية: (أهل بيتي) تفصيل بعد إجمال بدلاً أو بياناً، وهم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وقيل: من حرمت عليه الزكاة، ورجحه القرطبي، يعني إن ائتمرتم بأوامر كتابه وانتهيتم بنواهيه واهتديتم بهدي عترتي واقتديتم بسيرتهم اهتديتم فلم تضلوا، قال القرطبي: وهذه الوصية وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوبَ احترام أهله وإبرارهم وتوقيرهم ومحبتهم وجوبَ الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها، هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبأنهم جزء منه، فإنهم أصوله التي نشأ عنها، وفروعه التي نشؤوا عنه.
 
وقال الألباني (ت1420) في السلسلة الصحيحة ٤/359 وما بعدها:
واعلم أيها القارئ الكريم، أن من المعروف أن الحديث مما يحتج به الشيعة، ويلهجون بذلك كثيراً، حتى يتوهم بعض أهل السنة أنهم مصيبون في ذلك، وهم جميعاً واهمون في ذلك، وبيانه ومن وجهين:
الأول: أن المراد من الحديث في قوله صلّى اللَّه عليه وسلم: «عترتي»، أكثر مما يريده الشيعة، ولا يَرُدُّه أهل السنة، بل هم مستمسكون به، ألا وهو أن العترة فيه هم: أهل بيته صلّى اللَّه عليه وسلم، وقد جاء ذلك موضحاً في بعض طرقه، كحديث الترجمة: «وعترتي أهل بيتي» وأهل بيته في الأصل هم نساؤه صلّى اللَّه عليه وسلم، وفيهم الصديقة عائشة، رضى اللَّه عنهن جميعاً، كما هو صريح في قوله تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) بدليل الآية التي قبلها والتي بعدها: (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً* وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً* وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً).
وتخصيص الشيعة أهلَ البيت في الآية بعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين رضى اللَّه تعالى عنهم دونَ نسائه صلّى اللَّه عليه وسلم، من تحريفهم لآيات اللَّه تعالى، انتصاراً لأهوائهم، كما هو مشروح في موضعه، وحديث الكساء وما في معناه، غايةُ ما فيه توسيع دلالة الآية، ودخولُ عليٍّ رضي الله عنه وأهله فيها.
والوجه الآخر: أن المقصود من أهل البيت إنما هم العلماء الصالحون منهم، والمتمسكون بالكتاب والسنة، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه اللَّه تعالى: «العترة» هم أهل بيته صلّى اللَّه عليه وسلم الذين هم على دينه وعلى التمسك بأمره. وذكر نحوه الشيخ على القاري في الموضع المشار إليه آنفا، ثم استظهر أن الوجه في تخصيص أهل البيت بالذكر ما أفاده بقوله: إن أهل البيت غالباً يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله، فالمراد بهم أهل العلم منهم المطلعون على سيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحكمه وحكمته، وبهذا يصلح أن يكون مقابلاً لكتاب اللَّه سبحانه كما قال: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ)، وسماهما «ثقلين» ، لأن الأخذ بهما «يعنى الكتاب والسنة»، والعمل بهما ثقيل، ويقال لكل خطير نفيس: «ثقل» ، فسماهما «ثقلين» إعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما.
 
 (العترة) و(الآل) عند الشيعة
 
قال الطريحي (ت1085) في مجمع البحرين([119]): (5/ 313):
سئل الإمام الصادق عليه السلام عن الآل؟
فقال: ذرّية محمّد صلى الله عليه وآله.
فقيل له: مَن الأهل؟
فقال: الأئمّة عليهم السلام.
فقيل له قوله تعالى: ((أَدخِلُوا آلَ فِرعَونَ أَشَدَّ العَذَابِ))؟
قال: والله ما عنى إلّا ذرّيته.
وجاء في (معاني الأخبار)([120]) للصدوق بسنده:
عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله صلوات الله عليه: مَن آل محمّد صلى الله عليه وآله؟
قال: ذرّيته.
فقلت: أهل بيته؟
قال: الأئمّة الأوصياء.
فقلت: عترته؟ قال: أصحاب العباء.
فقلت: أُمّته؟
قال: المؤمنون الذين صدّقوا بما جاء به من عند الله عزّ وجلّ، المتمسّكون بالثقلين، الذين أمروا بالتمسّك بهما كتاب الله عزّ وجلّ وعترته من أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيراً، وهما الخليفتان على الأُمّة من بعده.
وفيه بسنده: عن عبد الله بن ميسرة، قال: قلت لأبي عبد الله صلوات الله عليه، إنّا نقول: اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، فيقول قوم: نحن آل محمّد؟ فقال عليه السلام: إنّما آل محمّد من حرم الله عزّ وجلّ على محمّد نكاحه....


وقد نقل الطريحي في مجمع البحرين (5/313) عن بعض أهل الكمال قوله في تحقيق معرفة (الآل)، يقول: إنّ آل النبيّ صلى الله عليه وآله كلّ من يؤول إليه، وهم قسمان:
الأوّل: من يؤول إليه مآلاً صوريًّا جسمانيًّا، كأولاده ومَن يحذو حذوهم مِن أقاربه الصُّوريِّين الذين يحرم عليهم الصدقة في الشريعة المحمّدية.
والثاني: من يؤول إليه مآلاً معنويًّا روحانيًّا، وهم أولاده الروحانيون من العلماء الراسخين، والأولياء الكاملين، والحكماء المتألهين المقتبسين مِن مشكاة أنواره - إلى أن قال - : ولا شكّ أنّ النسبة الثانية آكد من الأولى.
وإذا اجتمعت النسبتان كان نوراً على نور، كما في الأئمّة المشهورين من العترة الطاهرة.
                                                                                               
وقال راضي الحسيني في كتابه (معرفة أهل البيت عليهم السلام في ضوء الكتاب والسنة ص28):
فتلخص من كل ما تقدم: إن معنى كلمة (أهل): الأصل فيه الأبناء والقرابة والعشيرة، ويراد بها الزوجة ولكن لا على نحو الحقيقة، بل على نحو المجاز، وحينئذ لابد من نصب قرينة إما خالية أو مَقاليَّة على إرادة المعنى المجازي.
وقد تبين من خلال استعراض الآيات الشريفة أيضاً أن القرآن لم يستعمل كلمة (الأهل) بمعنى الزوجة إلا على نحو المجاز والكناية، لا على نحو الحقيقة.
 
فسَّر الشيعة كلمة (أهل) في القرآن بالزوجة، ففي قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)([121]) [القصص:29].
وجاء في كتاب الحدائق الناضرة: (المراد من لفظ الأهل في الأخبار إنما هو الزوجة ...)([122]).
وكذلك في الروايات ورد هذا المعنى، فعن علي عليه السلام، قال: (من أراد التزويج (إلى أن قال) فإذا زفت زوجته ودخلت عليه، فليصلي ركعتين ثم ليمسح يده على ناصيتها، ثم ليقل: اللهم بارك لي في أهلي وبارك لهم في ...)([123]).
 
قلت:
وقال الأخ علي محمد القضيبي في كتابه النافع (حديث الثقلين بين السنة والشيعة):
وتجدر الإشارة هنا أنَّ مصادر الشيعة حوت روايات تنص على أن أهل البيت أكثر من اثني عشر شخص، ونصت أيضاً على أن هناك مفهوماً آخر لآل البيت.
فمن هذه الروايات أن أم سلمة راوية الحديث كانت ممن جللهم النبي ص بالكساء مع الخمسة، حيث قالت للرسول ص: ألست من أهلك؟ قال: بلى، قالت: فأدخلني في الكساء([124]).
وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم إليك أنا وأهل بيتي لا إلى النار، فقلت: يا رسول الله، وأنا معكم؟ فقال: وأنت))([125]).
وعن الحسـين أنه قال بعد أن جمـع ولـده وإخـوتـه وأهل بيته ونظر إليهم فبكى ساعة: (اللهم إنا عترة نبيك)([126]).
فلم يحصر الحسين العترة في نفسه وفي ولده زين العابدين، بل عمم اللفظ لسائر من كان معه من أهل البيت عليهم السلام.
وعن زيد بن علي بن الحسين أنه قال: أنا من العترة([127]) .
وكذلك قال أبناء مسلم بن عقيل([128]).
وجاء في روايات الشيعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الثقلين نفسه بعد أن قال: ((إني تارك فيكم الثقلين ..)) الحديث، قيل له: فمن أهل بيتك ؟ قال : ((آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل عباس))([129]) .
وقال علي في الزبير رضي الله عنه: مازال الزبير رجلاً منا أهل البيت([130]) .
وكذا قول الصادق الأكثر من واحد من أصحابه: إنه منا أهل البيت([131]) .
وهذا الباقر عليه السلام يقول لسعد بن عبد الملك وهو من بني أمية: أنت أموي منا أهل البيت([132]) .
وعن رسول صلى الله عليه وسلم قال: ((عليكم بالسمع والطاعة للسابقين من عترتي، فإنهم يصدونكم عن البغي، ويهدونكم إلى الرشد، ويدعونكم إلى الحق، فيحيون كتابي وسنتي ويميتون البدع))([133]) .
ولو أردنا أن نتحدث عن مفهوم العترة فإن حديثنا سيطول، ولكن هذه الخلاصة تبين أن مصطلح (العترة) عند أئمة آل البيت عليهم السلام لم يكن محصوراً في الأئمة الاثني عشر، وكما قيل: (أهل البيت أدرى بما فيه)! انتهى.
 
أما الشريف المرتضى (ت 436هـ) فقال في كتابه (الشافي في الإمامة) (3/123):
فإن قيل: فما المراد بالعترة، فإن الحكم متعلق بهذا الاسم الذي لابد من بيان معناه؟
قلنا: عترة الرجل في اللغة: هم نسله كولده وولد ولده، وفي أهل اللغة من وسع ذلك فقال: إن عترة الرجل هم أدنى قومه إليه في النسب، فعلى قول الأول يتناول ظاهرُ الخبر وحقيقتُه؛ الحسن والحسين عليهما السلام وأولادهما، وعلى القول الثاني يتناول مَن ذكرناه ومَن جرى مجراهم في الاختصاص بالقرب من النسب، على أن الرسول صلى الله عليه وآله قد قيَّد القول بما أزال به الشبه، وأوضح الأمر بقوله: (عترتي أهل بيتي)، فوجه الحكم إلى من استحق هذين الاسمين، ونحن نعلم أن من يوصف من عترة الرجل بأنهم أهل بيته هو مَن قدمنا ذكره من أولاده وأولاد أولاده، ومن جرى مجراهم في النسب القريب، على أن الرسول صلى الله عليه وآله قد بين من يتناوله الوصف بأنه من أهل البيت، وتظاهر الخبر بأنه جمع أمير المؤمنين وفاطمة والحين والحسين عليهم السلام في بيته وجللهم بكسائه ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فنزلت الآية، فقالت أم سلمة: يا رسول الله ألست من أهل بيتك؟ فقال صلى الله عليه وآله: (لا ولكنك على خير)، فخص هذا الاسم بهؤلاء دون غيرهم، فيجب أن يكون الحكم متوجهاً إليهم وإلى من ألحق بهم الدليل، وقد أجمع كل من أثبت فيهم هذا الحكم – أعني وجوب التمسك والاقتداء – على أن أولادهم في ذلك يجرون مجراهم، فقد ثبت توجه الحكم إلى الجميع.
فإن قيل: فعلى بعض ما أردتموه؛ يجب أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام ليس من العترة، إن كانت العترة مقصورة على الأولاد وأولاد أولادهم.
قلنا: من ذهب إلى ذلك من الشيعة يقول: إن أمير المؤمنين عليه السلام وإن لم يتناوله هذا الاسم على سبيل الحقيقة، كما لا يتناوله اسم الولد، فهو عليه السلام أبو العترة وسيدها وخير منها، والحكم في المستحَق بالاسم ثابت له، بدليل غير تناول الاسم المذكور في الخبر. انتهى
وقال الشيخ أحمد الماحوزي في كتابه (حديث الثقلين ومقامات أهل البيت) ص72:
من حيث الاصطلاح الروائي والمعنى المقصود مِن (أهل بيتي): سائر بني هاشم، ولا نساء النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، بل أهل بيت النبي وأهل البيت؛ خصوص علي وفاطمة وولدهما عليهم السلام، حلفاء القرآن وتراجمه وخزان العلم ومنهى الحلم، وعليه فلابد من التمييز بين عنوان (أهل الرسول) وعنوان (أهل البيت) و(أهل بيت الرسول) فأهل الرسول يشمل نساءه وسائر بني هاشم، وعنوان (أهل البيت) أو (أهل بيت الرسول) مختص بعلي وفاطمة وأولادهما لا غير.
وقال راضي الحسيني في (معرفة أهل البيت ص 196 وما بعدها):
وفي ختام هذا الفصل نود أن نشير إلى خلاصة مقتضبة تجمع لك الذهن عن شتات ما تناثر خلال الفصول الثلاثة، ... وهي كما يلي:
إنَّ أهل البيت عليهم السلام في آية التطهير هم علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وقد تبنى هذا الرأي أكثر مفسري المسلمين من الشيعة والسنة، وقد أشار إلى ذلك ابن حجر في صواعقه: (أكثر المفسرين على أنها – آية التطهير – نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين).
المراد بالبيت في آية التطهير هو بيت النبوة والرسالة، لا بيت السكنى، ولا بيت النسب، وقد ذهب إلى ذلك ابن عباس رحمه الله حيث قال: التعريف: في البيت للعهد – بين الله تعالى والمخاطب – والمراد به بيت النبوة والرسالة، وقد أجمعت الأمة على ذلك، كما أشار إلى هذا المعنى الطبرسي في تفسيره: (قد اتفقت الأمة بأجمعها على أن المراد بأهل البيت عليهم السلام في الآية أهل بيت نبينا محمد صلى الله عليه وآله).
إن آية التطهير نزلت بمفردها بإجماع المفسرين، ولكنها في الكتاب العزيز وضعت في سورة الأحزاب، ولذا عند تفسيرها لابد من ملاحظة هذا الأمر، فلا علاقة للآية الشريفة بما قبلها وما بعدها، وكأنها آية معترضة بين مطلب واحد، (والأحاديث على كثرتها البالغة ناصَّة في نزول الآية وحدها ولم يرد حتى في رواية واحدة نزولها في ضمن آيات نساء النبي صلى الله عليه وآله ولا ذكره أحد).
إن آية التطهير مسوقة مساق الامتنان، ولذا نجد العناية الواضحة فيها من الحصر الاصطفائي الاختصاصي المؤكد، ففي الحقيقة إن (في الآية قصران، قصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطير، وقصر إذهاب الرجس والتطهير في أهل البيت عليهم السلام).
إن الإرادة في الآية هي (الإرادة على معناها الحقيقي المستتبع للفعل) وهي الإرادة التكوينية لا الإرادة التشريعية، وإلا فسوف يستلزم كون الحصر والاختصاص لغواً في الدين، ولا يلتزم بهذا أحد.
الآية فيها دلالة واضحة على عصمة من نعتتهم ب (أهل البيت عليهم السلام) بمعنى طهارتهم من الذنوب والدنس والأرجاس، ومن كل النقائص، وهذا هو معنى العصمة، وأن مصطلح (اهل البيت عليهم السلام) هو من خاصة ألقاب الصفوة الطاهرة، ولا فرق بينه وبين عنوان (آل البيت) و(آل محمد) أو (آل العبا) أو (أصحاب الكساء).
إن مصطلح (أهل البيت عليهم السلام) في آية التطهير يشير إلى الخمسة أصحاب الكساء على نحو الحصر – كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله – أما ارتباط بقية الأئمة الأطهار بآية التطهير وشمولهم بمدلولها؛ وما تخلعه على مخاطبيها من العصمة والطهر يتم من خلال دخولهم في قوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله) كما أوضح ذلك الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما الصلام، وهكذا قضى الله تعالى أن يكون للتأويل شأن واعتبار التنزيل، ويكون لمن أوّلت الآية بهم شأن ومنزلة من نزلت فيهم، وهم بقية الأئمة الاثني عشر من أولاد الإمام الحسين عليه السلام، وقد اشرنا غلى طوائف متعددة من الروايات في هذا الباب، فلاحظ.
أهل البيت عليهم السلام هم عترة النبي صلى الله عليه وآله وهم آله، وهم القربى فرض الله مودتهم في كتابه والصلاة عليهم، وقد أشار إلى هذا المعنى الشافعي بأبياته المعروفة:
يا أهل بيت رسول الله حبكم             فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنكم              من لم يصل عليكم لا صلاة له
انتهى.
وكذلك السيد علي الميلاني في كتابه (نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار) للسيد حامد اللكهنوي، خلص إلى أن:
اتباع أهل البيت فرض على الأمة
لفظ الثقلين يدل على وجوب الاتباع
الأمر بالاعتصام دليل على وجوب الاتباع
دلالة الحديث على العصمة والأعلمية والأفضلية.
 
قلت: انتهى نقل المطلوب منه، وقد تبين مِن النقول التي أوردناها في طيات البحث ما في هذه الخلاصة من مبالغات بل وادعاءات للإجماع وغيره، لكن المقصود هو بيان ما يعتقده الشيعة من هذا المصطلح، ويكفي أن موضوع تحديد اثنا عشر رجلاً هو انتقائي للغاية فليس عندهم أي أدلة مقنعة ولا دامغة لهذا الانتقاء.
 
 
خلاصة البحث

  1. ثبوت لفظ (أهل البيت وعترتي) ثبوتاً صحيحاً لا شك فيه، بل هي الروايات الأصح، (إن صح التعبير).

  2. ثبوت لفظ (وسنتي) كذلك بأسانيد ترتقي بمجموعها للحسن بأقل الأحوال.

  3. حديث السفينة ورد من روايات عديدة كلها لا تخلو من كلام، ولم أجد من العلماء المتقدمين من صححه.

  4. وحتى على فرض ثبوت حديث السفينة، فليس المراد به عندنا أهل السنة أنه لا طريق للحق ولا يجوز اتباع إلا أهل البيت خصوصاً دون غيرهم.

  5. لفظ الأهل والآل في اللغة والقرآن له معاني عديدة تختلف مراداتها باختلاف السياق الواردة فيه، فلا يمكن التحكم بترجيح أحدها على الآخر، وحتى أهل التفسير قد يختلفون أحياناً في السياق الواحد ما هو المراد بالضبط، فليست معانيها واحدة دائماً بحيث لا تتغير.

  6. لفظ الأهل والآل في الحديث النبوي، كذلك كما قيل آنفاً في القرآن، يقال مثله هنا.

  7. لفظ العترة في اللغة أيضاً هو في الحقيقة يكاد يكون الرديف للفظ الآل والأهل، وبالتالي له عدة معانٍ، ويصعب الترجيح والقطع فيها.

  8. لفظ العترة في الحديث النبوي اختلف شراح الحديث في ترجيح المقصود بالضبط، لكنهم مع هذا لم يفهموا أن المقصود هو إلزام المسلمين بالأخذ فقط من أقارب النبي صلى الله عليه وسلم دون غيرهم.

  9. لفظ العترة عند الشيعة يكاد يكون هناك غالبية في تخصيصه بالأئمة الاثني عشر، مع وجود من ضيقه ومن وسعه، وكذلك يكاد يكون عندهم شبه إجماع على وجوب الأخذ والاتباع بهم دون غيرهم.

 
 الختام
وأخيراً أخي القارئ:
أولاً أعتذر إنْ رأيتَ تكراراً في النقول، ولكن كان لابد من ذلك، لبيان وإيفاء البحث قدره، فربما اختصار بعض النقول يُذهب المقصود والمعنى المراد عمن نقلت عنه، أو قد يوهم أن هناك تقصيراً مقصوداً لتحييد بعض التعريفات أو الشروح.
ثم وبعد أن عرفت أخي الكريم الحديثَ وألفاظه، والتعريفَ بالمقصود بألفاظه لغةً واصطلاحاً، واختلافَ العلماء في الترجيح، أود هنا الكلام عن احتجاج الشيعة وترجيحهم.
الشيعة عموماً يرجحون أن المقصود بالعترة وأهل البيت في هذه الأحاديث، بل وفي الآية كذلك أنهم الأئمة الاثنا عشر من نسل علي رضي الله عنه، وهذا التخصيص لا دليل عليه ألبتة، وما يستدلون به أحياناً في بعض مراجعهم بأحاديث فهي لا تصح عندنا من ناحية الرواية أبداً، بل وأكاد أجزم أنها لا تصح كذلك عندهم لو عرضوها على ميزان مصطلح الحديث روايةً ودرايةً عندهم بميزانهم.
ولكن لو فرضنا تنازلاً أنَّ هذا هو فعلاً المقصود من هذه الألفاظ، فهناك حقيقة تساؤلات لابد من الإجابة عنها:
أولاً: هل يرضى من رجح هذا الترجيح أن يأخذ أحاديث من غير طريق العترة؟
فإن كان الجواب بالمنع، فإذن كيف رضوا بالأخذ بهذه الأحاديث (التي فيها فرض الاتباع لآل البيت خصوصاً دون غيرهم) مع أن رواتها ليسوا هم آل البيت؟ فتكونون بنيتم عقيدتكم بطريق غير صحيح وفرضتم حكماً بطريق أنتم منعتم وحرمتم الوصول إليه!!
وإن كان الجواب بالإيجاب، فنقول: إذن إذا رضيتم بالأخذ من غيرهم فلِمَ كُلُّ هذا التشغيب والحصر بالأئمة الاثنا عشر؟
ثانياً: الثقل الأول (القرآن) من أين أخذتموه؟ وكيف تحتجون به اليوم؟ أيَّ سندٍ تعتمدون في قبوله؟([134])
فليس هناك إسناد - ولا لقراءة واحدة - مسلسل بآل البيت، فضلاً عن أن يكونوا الاثني عشر.
ثالثاً: كمثال: الأذان الذي يعتمدون فيه لفظ: (عليٌّ وليُّ الله) هل إسناده عندكم مسلسل بآل البيت؟
هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
رابعاً: أمثلة: صفة الصلاة، مقادير الزكاة، أحكام الصوم، أحكام الميراث والزواج والطلاق، والمعاملات، وغيرها كثير من الأحكام الشرعية من عبادات وأقضية وحدود.
طبعاً هم يعتمدون كثيراً على ما يروونه هم بأسانيد (ليست مِن أهل البيت) وغالبها راجع للإمام جعفر الصادق رحمه الله، وغالب هذه الروايات لا تصح لا على ميزان علم الحديث عندنا ولا حتى عندهم.
واسأل من شئت منهم: عمن تأخذون دينكم، القرآن والسنة النبوية، وكيف وصلت إليكم، وكيف تحتجون بها وما هي شروطكم للأخذ من الرواة؟
وطبعاً يستحيل من الناحية العملية حصر الأخذ عن أهل البيت دون غيرهم.
وحتى لو كان المقصود من أهل البيت والعترة هو أوسع المقصودات عندهم، بل وحتى لو لم نشترط أن يكونوا عدولاً ثقات، فإنه يستحيل أن يستحوذوا على كل النقول المطلوبة لتمام الفرائض والسنن.
لذا، فالصواب هو ما ذهب إليه أهل السنة من المقصود بآل البيت وأهل البيت وذكرهم مع الثقل الأول القرآن الكريم، ألا وهو معرفة حقهم ومولاتهم وعدم ظلمهم ونصرتهم.
ولا شك أن الأخذ عنهم هو كالأخذ من غيرهم ممن هو في نفس طبقتهم.
وأنت أخي الكريم تعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم من يوم بدأ دعوته لم يحصرها بدعوة آل البيت، وحتى يوم تمكنت له الأمور وصار يرسل الدعاة لم يحصر هؤلاء الرسل عنه والدعاة المعلمين للدين، لم يحصرهم بآل بيته، فهذا الدين أنزله الله للناس كافة، وطلب تبليغه من الجميع، (بلغوا عني ولو آية)([135])، بل قال الله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم).
ثم إن كل هؤلاء الصحابة الذين رووا هذه الألفاظ، وحتى الذين نقلوا تفسير الآية بأنها نزلت خصيصاً في قرابته صلى الله عليه وسلم دون زوجاته، كل هؤلاء لم يرد عن واحد منهم أنه حصر الأخذ والاتباع بهؤلاء المخصوصين من القرابة، بل ولا حتى رواة حديث السفينة، بل ولا حتى شراحه.
فعُلم – ضرورة – أن المقصود بهذا كله ليس ما ذهبت إليه الشيعة.
وأنا أجزم، أن مثل هذه الأدلة النقلية والعقلية لا تخفى على كثير من الشيعة، لكن مقصودهم من كل هذا هو الاستحواذ على السيادة والرئاسة باسم آل البيت، فجعلوا الخليفة الثاني عشر غائباً، وجعلوا له وليًّا فقيهاً نائباً عنه، يسوس الناس ريثما يظهر، وباسمه يأخذون الخمس من أموال مواليهم.


[1]- أخي القارئ، لابد أنك لاحظت أنه في الرواية الأولى، لم ينكر دخول نسائه صلى الله عليه وسلم في مسمى آل البيت، ثم في الرواية الثانية أنكر ذلك، وليس هذا من باب التناقض، حاشاه رضي الله عنه، فهو يعرف قدرهن وقرابتهن من النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه أراد أن يبين للسائل أنه يريد صنفاً من أهل البيت هم المخصوصون بهذا الحديث، لا كل من يطلق عليه أنه من أهل البيت، وهذا ما سيتبين لك لاحقاً إن شاء الله.

[2]- قال البخاري في (التاريخ الصغير ١/٢٦٧): قال أحمد في حديث عبد الملك، عن عطية، عن أبي سعيد، قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: ((تركت فيكم الثقلين)): أحاديث الكوفيين هذه مناكير.
وانظر الكلام في جرح عطية العوفي في (الجامع في الجرح والتعديل 2/209).

[3]- وفي إسناده أيضاً محمد العطار، قال الأزدي: يتكلمون فيه، ويحيى بن الحسن القزاز لم أجد فيه لا جرحاً ولا تعديلاً.

[4]- قال ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ كثيراً.

[5]- والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي.

[6]- فيه أبو هشام الرفاعي، قال ابن حجر: ليس بالقوي، وضعفه النسائي وأبو حاتم، وقال البخاري رأيتهم مجمعين على ضعفه.
وفيه مجالد بن سعيد، قال ابن معين وغيره: لا يحتج به، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي، انظر: (تاريخ الإسلام (2/977)، وإكمال تهذيب الكمال (11/71).

[7]- قلت: وفيه علي بن ثابت: قال عنه ابن حجر: صدوق، وسعاد بن سليمان قال عنه: صدوق يخطيء وكان شيعياً. وفيه أبو إسحاق السبيعي نسي بأخرة، ورمي بالاختلاط بعد كبره.

[8]- قال ابن حجر في المطالب العالية (16/142): إسناد صحيح.
قلت: وفيه: كثير بن زيد، قال ابن حجر: صدوق يخطئ، وقال أبو زرعة: صدوق فيه لين.

[9]- قلت: الراوي عن أبي الطفيل: معروف بن خَرَّبُوذ، قال ابن حجر في التقريب: صدوق ربما وهم، والراوي عنه: زيد الأنماطي قال أبو حاتم: منكر الحديث، وكذلك ضعفه الذهبي وابن حجر.

[10]- وإسناده فيه كلام، فالمطلب بن عبد الله المخزومي الراوي عن جبير، عامة حديثه عن الصحابة مراسيل، والراوي عنه عمرو بن أبي عمرو، قال ابن حجر: ثقة ربما وهم، والراوي عنه: إبراهيم بن محمد بن ثابت، قال الذهبي: صالح الحديث وله مناكير.

[11]- قلت: وصالح هذا، قال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جداً، كثير المناكير عن الثقات، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به.

[12]- قلت: لكن إسناده فيه ضعفاء كالصباح بن محمد، وسيف بن عمر، ومجاهيل كشعيب بن إبراهيم وأبو بكر المجدد.

[13]- لكن كثير بن عبدالله ضعيف منكر الحديث، انظر ترجمته في الكامل في الضعفاء (7/ 187)، والراوي عنه إسحاق الحنيني ضعفوه.

[14]- ويزيد الرقاشي متكلم فيه، انظر ترجمته في تهذيب الكمال (32/64)، وكذلك هشام بن سليمان المجاشعي، انظر المجروحين لابن حبان (3/89).

[15]- لفظه كما في تفسير الرازي (27/ 596): فكذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينةَ حب آل محمد ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة فرجوا من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة.

[16]- لعله يقصد حديث: ((لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك))، وهو حديث موضوع، لا زمام له ولا خطام.

[17]- أورده السخاوي في القول البديع ص72، وقال: أخرجه الديلمي في مسنده وهو ضعيف.
قلت: وأخرجه مختصراً الطبراني في الكبير (22/95 – 230).

[18]- انظر، فأهل البيت مطالبون بالتمسك بالكتاب والسنة، وهذه السنة ليست محصورة بهم، فلابد وأنهم سيحتاجون في تحصيلها لغيرهم من غير أهل البيت، والله أعلم.

[19]- هو للمخبل السعدي، اسمه: ربيع بن مالك بن ربيعة التميمي القريعي، شاعر مخضرم، مات في خلافة عمر أو عثمان.

[20]- انظر: ديوان الفرزدق ص110، ط دار الكتب العلمية. وربذ التقريب يقصد به خفة سير الفرس، والفرس الربذ هو السريع الخفيف.

[21]- يقصد: تالله، كانت بالله، ثم والله، ثم تالله.

[22]- هو بشر بن أبي خازم الأسدي، جاهلي، وانظر ديوانه ص98.
قلت: وجه الشاهد هو إضافة (آل) إلى نعمة، وهي نكرة، وما أدري لم حكموا عليها بالنكارة، لماذا لا تكون دلالة على أسرة، مثل آل فلان، فهناك بيت هم آل نعمة تابعة لآل ياسر، كما في (عشائر العراق)، وفي السعودية: النعامية آل نعمة.

[23]- البيت لعمرو بن قُعاس المرادي، جاهلي.
قال الأعلم: الشاهد فيه رفع البيت، لأنه قصده بعينه ولم يصفه بالمجرور بعد فينصبه، لأنه أراد: لي بالعلياء بيت، ولكني أوثرك عليه لمحبتي في أهلك.
وقال النحاس في شرح أبيات سيبويه، المعنى: بالعلياء بيت، ولولا حبّ أهلك ما أتيت ألا يا بيت، ولولا هذا المعنى لنصب، كما تقول: ألا يا رجلاً بالمدينة.

[24]- أخرجه بهذا اللفظ: الطبراني في الأوسط: 2585، وأبو نعيم في معرفة الصحابة: 398 ، من حديث طلحة، وأخرجه الحاكم عن ابن مسعود: 991.

[25]- هذا الشعر هو من تأليف المصنف نشوان الحميري.

[26]- هو مالك بن الحارث النخعي، كان من أبرز أنصار علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن أشدهم على خصومه، والبيت قاله لما خرج له في موقعة الجمل محمد بن طلحة، فطعنه الأشتر فقال طلحة: حم، فقال الأشتر هذا البيت، وكان شعار أصحاب علي يومها: حم لا ينصرون.

[27]- سبق تخريجه.

[28]- سبق تخريجه.