آخر تحديث للموقع :

الجمعة 12 رجب 1444هـ الموافق:3 فبراير 2023م 10:02:34 بتوقيت مكة

جديد الموقع

نقض مسالك السيوطي في والدي المصطفى ..

بسم الله الرحمن الرّحيم

الحمدلله ، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً .

                           [آل عمران:102].

                                                            [النساء:1]  .

                                                    [الأحزاب:70،71] . 

أمّا بعد  :

فإنّ الله تعالى أوجب فيما أوجب على المؤمنين توقير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه وصيانة جانبه وحفظ عرضه وإكرامه في أهله وقرابته .

وهذا التوقير والتعظيم يتضمن الإيمان بكل ما قاله عليه الصلاة والسلام ، وتصديقه فيه ، وقبوله عنه ، والتسليم له فيه ، فإذا أمر بأمر وجبت طاعته دون تعلل ، وإذا أخبر بشيء وجب قبوله والإيمان به دون تردد أو تشكك .

وهذه رسالة أوجهها إلى كلّ محبّ للنّبيّ  ، أوجبها عليّ حبّه ، وأملاها عليّ الصدق مع الحبيب ، الصّدق في الحب الذي طلب منّا الدليل عليه ، فإنّ للمحبين سمات ، وللصادقين علامات ، وللمدعين آيات : فسِمة المحب وعلامة الصادق وآية المدّعي : هو الاتباع والطاعة المطلقة له  ، إذ الأمر كما قال تعالى :                  [النساء:80]  .

وقد برز على مرّ العصور أقوام محبون ، أو هكذا يزعمون ، اشتطّ بهم الحب ووصل بهم إلى الغلو حتّى خالفوا محبوبهم  ، فظنّوا أن من واجب المحب أن يرفع الحبيب إلى مقامات لم يدعيها هو ، بل يغضبه ويحزنه أن يفعل ذلك معه أحد ، وما هكذا يا سعد تورد الإبل !

وأكثر هؤلاء الأقوام مغرّر بهم لا يعلمون الحق ، لأنّ رؤساءهم وسادتهم ومقدميهم أضلّوهم عن السبيل السوي ، وموّهوا لهم الباطل وزخرفوه بطرق شتّى ، ومن أشدّها خبثاً ومكراً تصوير الحق بصورة معكوسة وتشويهه والتنفير من دعاته ورميهم بشتّى التهم وأعظم الفِرى ، كما قال العلاّمة المحقّق المدقّق شمس الدّين أبو بكر محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي الدّمشقي الفقيه الشهير بابن القيّم ـ المتوفى سنة (751هـ) رحمه الله  ـ في بيان الأسباب الّتي تسهّل على النّفوس الجاهلة قبول التّأويل ومخالفة الشّرع : «السّبب الأوّل : أن يأتي به صاحبه مموّهاً مزخرف الألفاظ ملفّق المعاني مكسواً حلّة الفصاحة والعبارة الرّشيقة فتسرع العقول الضّعيفة إلى قبوله واستحسانه وتبادر إلى اعتقاده .

السّبب الثّاني : أن يخرج المعنى الّذي يريد إبطاله في صورة مستهجنة تنفر عنه القلوب فيتخيّر له من الألفاظ أكرهها وأبعدها وصولاً إلى القلوب وأشدّها نفرة عنها : فيسمّي التّديّن ثقالة ، والبعد عن مجالس الفسّاق سوء خلق ، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فتنة وشراً وفضولاً .

السبب الثالث : أن يعزو المتأول تأويله وبدعته إلى جليل القدر ، نبيه الذكر من العقلاء ، أو من آل البيت النبوي ، أو من له في الأمة ثناء جميل ولسان صدق ليحليه بذلك في قلوب الأغمار والجهال فإن من شأن الناس تعظيم كلام من يعظُم قدرُه في نفوسهم وأن يتلقوه بالقبول والميل إليه ، وكلما كان ذلك القائل أعظم في نفوسهم كان قبولهم لكلامه أتم حتى إنهم ليقدمونه على كلام الله ورسوله ويقولون : هو أعلم بالله ورسوله منا .

وبهذه الطريق توصل الرافضة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية إلى تنفيق باطلهم وتأويلاتهم حتى أضافوها إلى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما علموا أن المسلمين متفقون على محبتهم وتعظيمهم وموالاتهم وإجلالهم فانتموا إليهم وأظهروا من محبتهم وموالاتهم واللّهج بذكرهم وذكر مناقبهم ما خيّل إلى السامع أنهم أولياؤهم وأولى الناس بهم ثم نفّقوا باطلهم وإفكهم بنسبته إليهم .

وإذا تأملت هذا السبب لرأيته هو الغالب على أكثر النفوس وليس معهم سوى إحسان الظن بالقائل بلا برهان من الله ولا حجة قادتهم إلى ذلك وهذا ميراثٌ بالتعصيب من الذين عارضوا دين الرسل بما كان عليه الآباء والأسلاف ، فإنهم لحسن الظن بهم وتعظيمهم لهم آثروا ما كانوا عليه على ما جاءتهم به الرسل وكانوا أعظم في صدورهم من أن يخالفوهم ويشهدوا عليهم بالكفر والضلال وأنهم كانوا على الباطل وهذا شأن كل مقلد لمن يعظمه فيما خالف فيه الحق إلى يوم القيامة »  ( )وصدق رحمه الله  ، فلقد رأيت هذه الأسباب توفرت في داعية الجهل الجديد الّذي جاءنا يريد بعث ما أماته الله في هذه البلاد من عبادة العباد على يد الإمام مجدّد أمر هذه الأمّة ورافع رايات السنة محمّد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى .

فإنّنا نعلم جميعاً أنّ الوثنية طُمرت وعبادة الأصنام والطواغيت والأولياء والتبرك بالأحجار والأشجار والتراب وُئدت في هذه الجزيرة بفضل الله تعالى ، ولم يزل صوت الوثنيين مكبوتاً مطموراً لا تقوم لهم راية ولا ترتفع لهم غاية ، ولعمرو الله لقد أقضّ هذا مضاجعهم من عشرات السّنين ، وأرّقهم وآسفهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، فعبّاد القبور لا يستقرّ لهم قرار إلاّ بعودة ماضيهم الأسود المليء بالخرافة والدجل وعبادة المخلوقين ، ويقلقهم كثيراً أن تنتشر الدعوة السلفية النقية التي تكتسب نقاءها وصفاءها من اعتمادها على الأصلين الكتاب والسّنّة ، فلا وسائط بين الخلق والخالق ولا بوابات ولا حُجُب .

وقد دأبوا على تشويه الدعوة السلفية بكل ما أوتوا ، فلم يكن لهم من سبيل إلاّ التقية والظهور بمظهر الدعوة إلى الله تعالى بزخرف من القول يجذب إليهم أسماع الناس وأبصارهم ، حتى إذا تصدّروا وانتفخوا ونُفخوا بدؤوا في بثّ سمومهم وخرافاتهم فتقبلها منهم الناس بتلك الأسباب التي ذكرها ابن القيم رحمه الله .

وجاء ( أبو جهل ) في هذه الأيام فخرج علينا في فضائيات تدعي الدعوة إلى الإسلام يتكلم عن الحضارة الإسلامية والدعوة ومشاكل الأمة ، وهو مع هذا داعية لدين الجاهليّة الأولى ، فأخذ يقرر في محاضراته في بلدان أخرى علناً وفي بلادنا سراً دعوة الشرك والخرافة .

وقد رأيته وسمعته في إحدى محاضراته يشوّه دعوة الحق بعبارات وأقوال ظالمة فالله حسيبه عليها ، وقال خاتماً ما تقيّأه : «    إنّ وراء هذه الأقوال نيةٌ لفصل الأمّة عن نبيّها »    فانظر إلى هذا الظّلم الفظيع ، وهل هذا إلاّ اتّهام بالكفر والنفاق الأعظم ؟!

والمسائل الّتي تكلّم عنها إمّا أنّها كذب محض ، وإمّا أنّ الحق فيها مع أهل السّنّة وجاءت بها النصوص الصّحيحة ، ولكن عادة ( أبي جهل ) وأمثاله من الخرافيين هي اللجوء إلى الكذب على الدّهماء والرعاع الّذين يُعجبون بفيهقته وتشدّقه مستغلاً جهلهم بكتاب الله وسنة نبيه  وجهلهم بحقيقة الدعوة السلفيّة .

وكان من ضمن المسائل الّتي اتّهم أهلَ السّنّة بها أنّهم يقولون : إن والديه  في النار ، وهو تدليس صريح عليهم لأنّهم لم يقولوا ذلك من ذات أنفسهم وإنّما الّذي قاله هو نبيّهم  وإنّما هم في هذا تبع له .

وهذا حفزني إلى نشر هذا الكتاب في الرد على جلال الدين عبدالرحمن ابن أبي بكر بن محمّد السيوطي الشافعي ـ المتوفى سنة 911هـ( ) رحمه الله ـ فيما قال به من نجاة الأبوين فإنّه رأس هذه الدعوى والمنتصر لها ، وألّف فيها عدة رسائل أشهرها «    مسالك الحنفا في والدي المصطفى  »    ، وهدفي بيان مسألة مهمة من المسائل الّتي يدعي أبو جهل وغيره من الخرافيين أنّ أهل السّنّة تقوّلوا على النّبيّ  وجفوه وآذوه بها ، والله حسيبهم .

ومن المعلوم لدى كلّ منصف أنّ النّبيّ  له في قلوب أهل السّنّة المكانة العظمى والمنزلة العليا ، لكنّهم في هذا يتبعون أمره ويقتدون بهديه فينزلونه المنزلة الّتي أمر الله بها فلا يرفعونه فوق مقام النبوة ولا ينزلونه عنها .

إنّ المؤمن الّذي يريد الله والدّار الآخرة ويبتغي الوصول إلى الحق دون رهبة مخالفة الآباء والأجداد والعائلة والأئمّة والسادة وغيرهم هو من يقصد إلى الأصل الّذي جعله الله حكماً بين الناس فيما اختلفوا فيه ، قال تعالى :                                                                                                         [البقرة:213]  ، وقال تعالى :                                                                [النساء:59]  ، وقال تعالى  :                     [الحشر:7]  .

فالكتاب والسّنّة هما المرجع إذا اختلف المؤمنون في شيء ، ولم يحِلنا ربّنا تعالى إلى شيء آخر غيرهما ، لأنّ الحق فيهما بلا مِرية واضحٌ جليٌ كجلاء الشمس في وسط النهار لمن أراد الوصول إلى الحق ، أمّا من أصرّ وأغمض عينيه وصمّ أذنه فإنّه لا يريد الحق والحق لا يريده .

وسنترك النصوص الشرعيّة تحدّثنا باختصار عن مقام النّبيّ الكريم  ومنزلته في دين الله فإنّي على يقين أنّ صفاءها ووضوحها وبساطتها لا تحتاج إلى تكلّف شرح وإسهاب :

بهذا وصفه الله تعالى وسماه ، وهذا يعني أنّ حقيقة العلاقة بين المؤمنين وبينه  أنّه رسول الله إليهم ، وهذا يعني أيضاً أنّه  الواسطة بين الله وبين خلقه لكن في ماذا ؟

إنّه الواسطة في تبليغ الرسالة وبيان شرائع الدين ، وهذا التبليغ وهذه المنزلة أوجبت له  مجموعة من الفروض الّتي يجب أن يخضع له بها كلّ من يدّعي حبه والإيمان به ، ومنها :

1 . الطّاعة المطلقة :

فطاعته  طاعة لله أصلاً ، ولهذا أفردها الله تعالى وجعلها كطاعته حيث قال :                    [النساء:59]  .

وقال :                  [النساء:80] . 

وبيّن تعالى أنّ هذا هو الهدف من إرساله : قال تعالى :                     [النساء:64]  .

وجعل طاعته سبباً لرحمة الله :                 [آل عمران:132] . 

2 . توقيره واحترامه وتعظيم قدره  :

قال تعالى :                                    [الفتح:8ـ9]  .

وقال :                     [النور:63] .

وقال أيضاً :                                                                                                                                                                      [الحجرات:1-5]  .

3 .  الاحتكام إلى سنّته وتقديم هديه على كلّ هدي وطريقة :

قال تعالى :                                            [النساء:59]  .

وقال تعالى :                                         [الأحزاب:21] . 

4 . وجعل اتباعه دليل محبته : 

قال تعالى :                                                            [آل عمران:31ـ32] .

5 . بل جعل قبول حكمه والرضا به فصلاً بين الإيمان والكفر :

كما قال :                                             . [النساء:65] .

حقيقة العلاقة بين الله وبين خلقه هي العبودية ، ذلك أنّ الله تعالى ذكر لنا أنّه ما خلق الجن والإنس إلاّ ليعبدوه ، وقد تفاوت وتسابق الصالحون والمؤمنون في تحقيق هذه الغاية ، فكان أسبقهم إليها وأكثرهم حظّاً منها وأرفعهم فيها وأقربهم بها هم الأنبياء عليهم السّلام وأعلاهم شأناً في العبادة هو محمّد  ، ولذلك تكرر وصف الأنبياء عليهم السّلام بالعبوديّة في القرآن ومنهم النّبيّ   .

قال تعالى :                 [مريم:2] .

وقال تعالى :                       [مريم:30] .

وقال تعالى :                               [ص:17] .

وقال تعالى :                         [القمر:9]  .

وقال تعالى :                                                              [التحريم:10]  

وقال تعالى :                                               [البقرة:23]. 

وقال تعالى :                             [الكهف:1]  .

وقال تعالى :                         [الفرقان:1]  .

وقال تعالى :                                         [الحديد:9] .

وقال تعالى :                                                 [الإسراء:1]  .

1 . فهو يأكل وينام ويتزوج :

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : «    جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبيصلى الله عليه وآله وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبداً ، وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس منّي »   ( ) .

2 . وهو يبيع ويشتري وبحاجة لكسب قوته :

قال تعالى :                                       [الفرقان:7]  .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «    ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم ، فقال أصحابه : وأنت ، فقال : نعم ، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة »   ( ) .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : «    توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير  »   ( ) .

3 . وهو يُسرّ فيضحك ويحزن فيبكي :

فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها مسروراً تبرق أسارير وجهه فقال : «    ألم تسمعي ما قال المدلجي لزيدٍ وأسامة ورأى أقدامهما : إن بعض هذه الأقدام من بعض  »    ( ) .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال دخلنا مع رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم على أبي سيف القين وكان ظئراً لإبراهيم عليه السلام فأخذ رسول الله   صلى الله عليه وآله وسلم إبراهيم فقبّله وشمّه ، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تذرفان ، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : وأنت يا رسول الله ؟ فقال : يا ابن عوف إنها رحمة ، ثم أتبعها بأخرى فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون  »    ( ) .

4 . وهو يشتهي ويأنف :

عن أبي هريرة قال : «    ما عاب رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم طعاماً قط كان إذا اشتهى شيئاً أكله وإن كرهه تركه  »    ( ).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : «    أهدت خالة ابن عباس إلى النبي  صلى الله عليه وآله وسلم أقطاً وسمناً وأضباً ، فأكل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأقط والسمن وترك الضب تقذراً »   ( ).

5 . وهو يغضب ويأسف : 

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة اليتيمة الّتي دعا عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها حتى لقيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما لك يا أم سليم ؟ فقالت : يا نبي الله أدعوت على يتيمتي ، قال : وما ذاك يا أم سليم ؟ قالت : زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها ولا يكبر قرنها ، قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال : يا أم سليم أما تعلمين أن شرطي على ربي أني اشترطت على ربي فقلت : إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة  »    ( ) .

6 . وهو يضعف ويؤذى ويُضر :

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه : «    أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشاة مسمومة فأكل منها ، فجيء بها ، فقيل : ألا نقتلها ، قال : لا ، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم »    ( ) .

وقالت عائشة رضي الله عنها : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه : يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر ، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم »    ( ) .

و عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كُسرت رباعيته يوم أحد ، وشج في رأسه فجعل يسلت الدم عنه ويقول : كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله ، فأنزل الله عز وجل :                »   ( ) .

7 . وهو لا يعلم الغيب :

قال تعالى :                                                                                                                                           . [الأعراف:187ـ188]  

وقال :                                                               [الأنعام:50]  .

إلاّ أن يطلعه الله على شيء منه : 

كما قال عزّوجل :                                                                             [الجن:26-28]  .

ومن زعم أنه يطلع على الغيب فهو مفترٍ :

فعن عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها قالت : «    من زعم أنّه ـ أي الرسول  ـ يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية  »   ( ).

8 . ولا يملك لنفسه ( فضلاً عن غيره ) ضرا ولا نفعاً :

قال تعالى :                                                 [الجن:21ـ22] .

وقال :                           [يونس:49] .

وهذا دأب كل الأنبياء : قال تعالى :                               [الممتحنة:4] .

وقال :                                                                                           [المائدة:17]  .

وقال :                                                                       [الإسراء:56ـ57] .

وقال :                                                                                                 [الرعد:16]  .

9 . وبين أنّ الله تعالى هو مالك هذا وحده :

قال تعالى :                                                                                                                                                                                                                                    [الأنعام:60-65] .

10 . ولا يملك هداية أحد :

قال تعالى :                                 [القصص:56]  .

وقال :                                           [يونس:16]  .

وقال :                     [الرعد:38] . 

11 . وهدايته للحق والإيمان من الله تعالى :

قال تعالى :           [الضحى:7] .

12 . وكان قبل أن يعلّمه الله لا يعلم :

قال تعالى :                               [الشورى:52] .

13 . وعلمه يكتسبه من الله :

قال تعالى :                                                                                     [يونس:15] .

وقال :                           [النساء:113]  .

هذا هو محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، بكلّ بساطة ووضوح ، رسول الله وعبده ونبيه وخليله ، رسول يُطاع ويوقّر ويُنصر في حياته وبعد موته ، لكنّ هذه الخصائص لا تخرجه عن بشريّته .

لقد ضلّ كثير من الأمم بسبب نظرتهم لبشرية الرسل ، فظنّوا أنّ الرسول لا يكون رسولاً مع كونه بشراً .

فمنهم من احتجّ ببشريّة الرّسول على كذبه مثل قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم موسى ، قال تعالى :                                                                 و[الإسراء:94ـ،95].

وقال على لسان قوم نوح:                           [هود:27]  .

وقال تعالى :                                                                       [المؤمنون:33ـ،34] .

وقال تعالى :                                   [القمر23ـ24] .

وقال حاكياً قولهم                                       [الفرقان:7]  .

ومنهم من صدّق الرسول الّذي أرسل إليه لكنه ادعى فيه ما يخالف بشريّته : مثل اليهود والنصارى .

قال تعالى :                         [التوبة:30]  .

وقال تعالى :                                                                                                                                                       [النساء:171ـ172]  .

وقد بيّن الله لهم أنّ بشريّة الرسل لا تمنع كونهم صادقين :                                                 [الرعد:38]  .

. أخيراً :

فإنّ الناظر إلى تاريخ الفرق والاتجاهات الفكريّة النّاشئة في المسلمين يعلم تماماً تأثّر كثير منها بالديانات المحرفة والمذاهب الباطلة الّتي انتقلت إلى المسلمين بسبب الفتوحات ودخول كثير من أبناء تلك الديانات في الإسلام إضافة إلى حركة الترجمة الّتي نقلت إلى بلاد المسلمين كثيراً من ثقافات المذاهب والديانات الأخرى .

وكثير من أتباع الفرق الغالية في مقام الأولياء والصالحين كما هو معلوم تأثّرت مذاهبهم وأقوالهم بتلك المذاهب خصوصاً مسألة الغلو في الصالحين ورفعهم فوق مستوى بشريّتهم .  

فليتأمّل المؤمن الناظر لنفسه ودينه هذه النصوص ، وما أمر الله به رسوله   صلى الله عليه وآله وسلم أن يبينه لأمته ولأعدائه وهو أنّه نبيّ مرسل ، لكنه في نفس الوقت بشر ليس له من صفات الربوبية والألوهية شيء .

وتأمّل حين طالبه المشركون لإثبات صدقه بأمور من المعجزات ، فقالوا :                                                                                                               [الإسراء:90ـ93] ، والله تعالى قادرٌ على ما ذكروه ، بل قد أكرمه بما هو خير منها كالإسراء وانشقاق القمر ، لكنّ الله تعالى أراد أن يبين لهم أنّ ما فعله النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعله من تلقاء نفسه وأنّه لا قدرة له عليه إلاّ بإقدار الله تعالى له لحكمةٍ معينة ، وأنّه ليس أمراً مطّرداً أيضاً ، فقال تعالى لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم معلماً إيّاه الإجابة على سؤالهم :                       الله أكبر ، انظر إلى هذا التعجّب ، وأنا أوجّهه أيضاً إلى كل من يظنّ في نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم فضلاً عن غيره من الأولياء ما ليس من خصائصهم البشريّة : سبحان الله : وهل كان إلاّ بشراً رسولاً ‍؟!

إنّ هذه الحقيقة النّاصعة بينها تعالى في آية واحدة حين قال :                                                       [الكهف:110]  ، هذا هو لبّ المعتقد الصّحيح الّذي يدعو إليه السلف الصالح وأتباعهم إلى يوم القيامة ، وأيّ تصرّف يخالف بشريّة الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم فهو مرفوض ، كما أنّ أيّ تصرّف يغضّ أو ينقص من جانب النّبوّة فهو مرفوض ، والمطلوب من كلّ مؤمن كما قال تعالى :                     ..

وهذا الذي قلناه هو الأصل الذي يُبنى عليه الإيمان برمّته ، فإن أجلّ وأعظم وأعلى مراتب التوقير والتعظيم هو قبول ما يأتي عنه  والإيمان به .

وما يراه النّاظر في هذا الكتاب من تقرير مسألة والديه  وأنهما ماتا على الشرك ، ليس المراد منه مجرّد الردّ على من قال بأنهما مؤمنين ، فوالله ما يسوء مؤمناً بالله قط أن يكون والداه عليه الصلاة والسلام مؤمنين ، ولو ثبت ما يذكره من يقول بأنهما ماتا مؤمنين لكان ـ والله الّذي لا إله غيره ـ أحبّ إلينا من الدنيا وما فيها ، ولكن ما حيلة المؤمن إلا التسليم ، كما كان حاله  التسليم والرضا بحكم الله تعالى .

أقول : وتقرير هذه المسألة كما قلت إنّما هدفه تقرير الأصل العظيم الذي تقوم عليه وهو التسليم لما جاء به  ولو ساءنا ولم تقبله عقولنا أو عواطفنا ، ولو فَتَح كلّ شخص باب التشكيك في النصوص الشرعية لتسويغ الرد على ما جاء عنه في حق والديه فإنه سيهدم الأصل الشرعي الذي يُبنى عليه أصل الإيمان بالله تعالى ورسوله  والذي جاء في قوله تعالى :                                                       ،[الأحزاب:36]   وقوله تعالى :                                           [النور:51] ، فهذا الذي أوجب عليّ كتابة هذه الرسالة ، إذ القول بنجاة أبويه  كان إلى عهد قريب قولاً خاصاً بالمخالفين للسنة من غلاة الصوفية والشيعة ونحوهم ، لكني فوجئت بأن هذا القول تبناه من ينتسب لأهل السنة ، إما متبنياً له وإما مدافعا عمن يقول به من باب «    الرأي والرأي الآخر »    الذي ابتُلينا بها هذه الأيام .

وهذه المسألة كما قلت آنفاً لا تكتسب أهميتها إلا من خلال الأصل الذي تقوم عليه ، فإن القائل بأن أبويه  ماتا على الإيمان مع علمه بالنصوص الصحيحة التي تدل على ذلك ومع خلو يديه من سلف صالح له في هذا القول لاشك أن لديه خللاً واضطراباً في أصل التلقي والاتباع الذي أُمرنا به .

ومن هنا كان تقريرنا لهذه المسألة على منهج السلف إنما هو عنوانٌ لتقرير أصل المنهج النبوي ، الذي هو منهج صحابة رسول الله  ، كما جاء ذلك صريحاً في الحديث الحسن عنه  قال : «    افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النارإلا واحدة ، قيل : ومن هم يارسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي »   ( ) .

أقول هذا وأعيده حتى لا يزايد علينا أحدٌ بحب النبي  وتوقيره وتعظيمه ، فتعظيمه وتوقيره هو اتباعه وتصديقه لا الاعتراض عليه والتملّص من النصوص الواردة عنه ولو في الأمور العلمية ، وما ينفع العبد أن يقوم الليل ويصوم النهار وهو مع هذا يرد عليه  برأيه وعاطفته ؟!

اسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب قارئه وأن يجعله ذخراً لكاتبه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

أصل المسألة

1 . أخرج الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجّاج بن مسلم بن ورد القشيري ـ المتوفى سنة 261هـ رحمه الله ـ في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه : «    أن رجلاً قال : يا رسول الله أين أبي ؟ قال : في النار ، فلما قفى دعاه فقال : إنّ أبي وأباك في النار »    .( )

2 . وأخرج مسلم أيضاً عن أبي هريرة قال : قال رسول الله  : «    استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي ، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي »   ( ) .

قال الإمام المحدّث العلامة الفقيه ابو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ـ المتوفى سنة 458هـ ـ رحمه الله : «    وكيف لا يكون أبواه وجدّه بهذه الصّفة في الآخرة ، وكانوا يعبدون الوثن حتّى ماتوا ، ولم يدينوا دين عيسى بن مريم عليه السّلام ، وأمرهم لا يقدح في نسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنّ أنكحة الكفّار صحيحة  »   ( ) .

وقال القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصُبي المالكي ـ المتوفى سنة 544هـ رحمه الله ـ : «    لمّا أخبره بما أخبره ورآه عظُم عليه أخبره أنّ مصيبته بذلك كمصيبته ليتأسّى به »     ( ) .

ومثله قول القرطبي أبي العبّاس أحمد بن عمر بن إبراهيم ـ المتوفى سنة 656هـ رحمه الله ـ : «    قوله عليه الصلاة والسلام «   إن أبي وأباك في النّار »    جبرٌ للرجل ممّا أصابه وأحاله على التّأسّي حتّى تهون عليه مصيبته بأبيه »   ( ) .

وقال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النّواوي ـ المتوفى سنة 676هـ رحمه الله ـ معلقاً على حديث مسلم : «    فيه : أَن من مات على الكفر فهو في النار , ولا تنفعه قرابة المقربين , وفيه أَن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأَوثان فهو من أَهل النار , وليس هذا مؤَاخذة قبل بلوغ الدعوة , فإِن هؤُلاءِ كانت قد بلغتهم دعوة إِبراهيم وغيره من الأَنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «    إِن أَبي وأَباك في النار »    هو من حسن العشرة للتسليةِ بالاشتراك في المصيبة »   ( ) .

وقال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية ـ المتوفى سنة 728هـ رحمه الله ـ : «    ثم من جهل الرافضة( ) أنهم يعظمون أنساب الأنبياء : آباءهم وأبناءهم ، ويقدحون في أزواجهم ، كل ذلك عصبيةً واتباع هوى ، حتى يعظمون فاطمة والحسن والحسين ويقدحون في عائشة أم المؤمنين فيقولون ـ أو من يقول منهم ـ : إن آزر أبا إبراهيم كان مؤمناً وإن أبوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانا مؤمنين حتى لا يقولون : إن النبي يكون أبوه كافراً فإذا كان أبوه كافراً أمكن أن يكون ابنه كافراً ، فلا يكون في مجرد النسب فضيلة »   ( ) .

وقال أيضاً : «    فإن كان الرجل لا يضره كفر أبيه أو فسقه لم يضر نبينا ولا إبراهيم ولا علياً كفر آبائهم »   ( ) .

وبهذا فإنّ أهل الحديث من أئمة السلف والخلف حتى من كان منهم محسوباً على الأشعري كالنووي والقرطبي أجروا الحديث على ظاهره ، وقالوا بقوله  وآمنوا وصدّقوا أنّ والديه في النّار كما أخبر دون تنصّل من مسؤولية العلم والبلاغ .

ثمّ ماذا ؟

قال الشيخ العلاّمة عبدالرحمن بن يحيى بن عليّ المعلمي العتمي اليماني ـ المتوفى سنة 1386هـ رحمه الله ـ : «    كثيراً ما تجمح المحبّة ببعض النّاس فيتخطّى الحجّة ويحاربها ، ومن وُفّق علم أنّ ذلك منافٍ للمحبّة المشروعة »   ( ) .

وهذا ما حدث بالضّبط ، فقد جمحت المحبّة بالسيوطي وغيره إلى تخطّي الحجج الشّرعيّة والتنصّل من مسؤوليّة النّص ، فألّف الرسائل تترى تحريفاً وتنكّراً لدلالة النّصوص الشّرعيّة الصّحيحة الّتي تدلّ على أنّ والديه  ماتا على الكفر وأنّهما من أهل النّار ، ومن أشهرها كتابه الّذي أشرنا إليه «     مسالك الحنفا في والدي المصطفى »    وهو الّذي نناقشه في هذا الكتاب .

سلك السيوطي ومن تبعه في الاستدلال لنجاة والدي النّبيّ  ثلاثة مسالك :

المسلك الأوّل : أنّهما ماتا في فترة من الرّسل ، لأنّ الجاهليّة الّتي سبقت بعثة النّبيّ  لم تبلغها دعوة فحكمهم حكم أصحاب الفترة يُمتحنون يوم القيامة ، وإن والدي النّبيّ  سيجيبان كرامة للنّبيّ  .

المسلك الثّاني : أنّهما كانا على أصل التّوحيد ، فلم يقعا في الشّرك وعبادة الأوثان ، فهم كباقي الموحدين الحنيفيين الّذين ماتوا قبل البعثة .

المسلك الثالث : أنّهما آمنا بالنّبيّ  إذ أحياهما الله له ودعاهما وآمنا به ثمّ أماتهما .

وهذه المسالك غاية في الوعورة ، إذ اضطرّ السّيوطي رحمه الله أن يضحّي بأصول علميّة ، وأن يتغافل عن حقائق شرعيّة من أجل بلوغ هدفه ، وهو إثبات نجاة والديه  موافقة للهوى وإعراضاً عن الحقائق الواضحة والنصوص القاطعة .

وقد استدلّ السيوطي لكل مسلك بأدلّة لا يصحّ أن تنال هذه التسمية ، لأنّها في الحقيقة شُبه وخيالات ، ولهذا تناقض واضطرب كما سنرى بإذن الله تعالى عند مناقشته رحمه الله وعفا عنّا وعنه .

* قال السيوطي : «    الحكم في أبوي النّبيّ  أنّهما ناجيان وليسا في النّار ، صرّح بذلك جمع من العلماء »    ( ) .

قلت : لا ندري من هذا الجمع الّذي ينسب إليه السّيوطي هذا المذهب ، فالّذين ذكرهم في بحثه ونسب إليهم القول في مسالكه كما يلي :

1 . شرف الدّين المناوي : يحيى بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد المناوي المصري الشافعي ، فقيه أصولي إخباري ، له عدد من المؤلفات ، توفي سنة 871 هـ( ) ، قال السيوطي : «    وهذا المسلك أول ما سمعته في هذا المقام الذي نحن فيه من شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناوي »   ( ) .

2 . سبط ابن الجوزي : وهو يوسف ابن قزوغلي بن عبدالله البغدادي ، ثمّ الدّمشقي أبو المظفّر ، أمّه رابعة بنت الإمام ابن الجوزي الواعظ الشهير ، وهذا الرّجل له فضائل ذكرها من ترجم له في التاريخ من حيث حلاوة وعظه وسعة علمه بالتاريخ ، لكن كان له جاه عند الملوك ويظهر أنّه كان يمالئهم بما هم عليه من البدع ، ومن ذلك أنّه ترك مذهب الحنابلة إلى مذهب أبي حنيفة لأجل أحد الملوك ، وليس مذهب أبي حنيفة بدعة ولا التمذهب به لمن لا يفقه السنة وإنّما فيه دلالة إلى ميله للسلطان ، وليس ذلك فقط بل حتّى أمراء الرّفض ، قال الإمام المؤرّخ العلاّمة المنصف شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي ـ المتوفى سنة 748هـ رحمه الله ـ : «    ألّف كتاب مرآة الزمان فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات وما أظنه بثقة فيما ينقله بل يجنف ويجازف ثم أنه ترفض وله مؤلف في ذلك نسأل الله العافية .. قال الشيخ محيي الدين السوسي : لما بلغ جدي موت سبط بن الجوزي قال : لا رحمه الله كان رافضياً »    ( ) ، وقال أيضاً «    ورأيت له مصنفاً يدل على تشيعه »    ( ) .

وقال الإمام العلاّمة أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي صاحب التفسير المتوفى سنة 774هـ رحمه الله : «    وقد أثنى عليه الشيخ شهاب الدين أبو شامة ( ) في علومه وفضائله ورياسته وحسن وعظه وطيب صوته ونضارة وجهه وتواضعه وزهده وتودده لكنه قال : وقد كنت مريضاً ليلة وفاته فرأيت وفاته في المنام قبل اليقظة ورأيته في حالة منكرة ورآه غيري أيضاً ، فنسأل الله العافية »   ( ) 

وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله : «    فهذا الرجل يذكر في مصنفاته أنواعاً من الغث والسمين ويحتجّ في أغراضه بأحاديث كثيرة ضعيفة وموضوعة وكان يصنف بحسب مقاصد الناس يصنف للشيعة ما يناسبهم ليعوضوه بذلك ويصنف على مذهب أبي حنيفة لبعض الملوك لينال أغراضه فكانت طريقته الواعظ الذي قيل له ما مذهبك قال : في أي مدينة ؟‍!

ولهذا يوجد في بعض كتبه ثلب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم لأجل مداهنة من قصد بذلك من الشيعة ويوجد في بعضها تعظيم الخلفاء الراشدين وغيرهم »   ( ) .

قلت : توفي السبط سنة 654هـ عفا الله عنّا وعنه ، غير أنّ من حاله هذه لا يوثق بنقله ولا حتى باختياره .

3 . أبو عبدالله الأُبّي : محمد بن خليفة( ) بن عمر التونسي الوستاني المشهور بالأبّي نسبة لقرية في تونس ، محدث حافظ فقيه مفسر ولي قضاء الجزيرة وهو صاحب : إكمال الإكمال في شرح مسلم، توفي سنة 827هـ( ).

4 . ابن ناصر الدين : محمّد بن عبدالله بن محمّد الحموي الدمشقي الشافعي ، أبو عبدالله محدّث حافظ عارف بالنسب والرجال ، صنّف فأكثر وأجاد ، من أشهر تصانيفه : الإعلام بما وقع في مشتبه الذّهبي من الأوهام ، ومنهاج السّلامة في ميزان يوم القيامة ، والرد الوافر على من زعم أنّ من أطلق على ابن تيمية أنه شيخ الإسلام كافر ، قال الشوكاني : وبالجملة فكان إماماً حافظاً مفيداً للطّلبة ، وقد أثنى عليه جماعة من معاصريه كابن حجر والبرهان الحلبي »    توفي سنة 84هـ ( ) .

5 . ابن سيّد النّاس  : الإمام الحافظ العلاّمة محمّد بن محمّد بن محمّد بن أحمد اليعمري الشافعي أبو الفتح ، مصنّف أديب مشهور ، له كتب عديدة من أشهرها عيون الأثر في السيرة النبوية ، وكان عارفاً بالحديث متقناً شاعراً سهل النّظم ، أخذ عن ابن دقيق العيد وكان يعظّمه ويسأله ، توفي سنة734هـ ( ) .

6 . السّهيلي  : قال الذهبي رحمه الله : «    الحافظ العلامة البارع أبو القاسم وأبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أصبغ بن حسين بن سعدون ويكنى أيضا أبا الحسن ولد الخطيب أبي محمد بن الإمام الخطيب أبي عمر الخثعمي الأندلسي المالقي الضرير صاحب التصانيف المؤنقة . . كان إماما في لسان العرب يتوقد ذكاءاً . . قال أبو جعفر بن الزبير : كان السهيلي واسع المعرفة غزير العلم نحوياً متقدماً لغوياً عالماً بالتفسير وصناعة الحديث عارفاً بالرجال والأنساب عارفاً بعلم الكلام وأصول الفقه حافظاً للتاريخ القديم والحديث ذكياً نبيهاً صاحب اختراعات واستنباطات مستغربة »    قلت : توفي سنة 581هـ ( ) .

7 . القرطبي : محمّد بن أحمد بن أبي بكر بن فرْح الأنصاري الخزرجي الأندلسي المالكي ، العلاّمة المفسّر صاحب التصانيف ومن أشهرها الجامع لأحكام القرآن التفسير الكبير ، والتذكرة بأحوال الموتى والآخرة ، توفي سنة 671هـ ( ) .

8 . محبّ الدين الطبري : أبو العباس أحمد بن عبدالله بن محمد بن أبي بكر ، قال الذهبي : الفقيه الزاهد المحدث كان شيخ الشافعية ومحدث الحجاز ، توفي سنة 696هـ رحمه الله .

هؤلاء كل من نقل عنهم السيوطي هذه المقولة ، أي أنه قول لقيط لا نسب له ، فأقدم من ذكر عنه مات في أواخر القرن السادس وهو السهيلي .

ثمّ إنّ هؤلاء ليس في كلامهم الجزم وإنّما الرجاء ، ومع أنّ الرجاء لهما مع معارضة النص القاطع لا يجوز إلاّ أنّه أهون من حال السيوطي الّذي ألّف ونافح بل وقدح فيمن يقول بخلافه مع أنّ الّذي قاله هو نفسه  .

* قال السيوطي : «    ولهم في تقرير ذلك مسالك : المسلك الأوّل : أنّهما ماتا قبل البعثة ولا تعذيب قبلها لقوله تعالى :                                                  [الإسراء:15]  »    ( ) .

قلت : غاية ما في هذا المسلك أنّهما من أهل الفترة ، والرّاجح فيهم حسب ما سيقرّره أنّهم يُمتحنون ولا ندري ما يكون حالهم فمنهم من يطيع فينجو ومنهم من يعصي فيهلك ، والجزم بأحد المصيرين لأبويه  رجم بالغيب لو لم يرد فيهما شيء ، فكيف وقد جاء النّص أنّ أباه في النّار ونُهي عن الاستغفار لأمّه ؟! .

فلو صحّ أنّهما من أهل الفترة لكان النّص مفيداً أنّهما سيعصيان حتماً ، فيكون القول بنجاتهما باطلاً بأيّ حال .

* قال السيوطي : «    وقد أطبقت أئمتنا الأشاعرة من أهل الكلام والأصول والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجياً ، وأنه لا يقاتل حتى يُدعى إلى الإسلام وأنه إذا قتل يضمن بالدية والكفارة نص عليه الإمام الشافعي رضي الله عنه وسائر الأصحاب »    ( ) .

قلت : هذه المسألة لا علاقة لها بالمبحث إلاّ في مقابلة المعتزلة ، القائلين إنّ الحجّة تقوم على النّاس بالعقل وذهبوا إلى التّحسين والتّقبيح العقلي ، وأمّا في مقابلة أهل السّنّة القائلين بأنّ الحجّة لا تقوم إلاّ بالرّسل والبلاغ فلا حاجة لشرح مثل هذه المقدّمة ، وإنّما اعتماد السّلف على النّصوص وما جاء فيها ، فكما قالوا : إنّ النّصوص جاءت بنفي العذاب عمّن لم تصله الدّعوة ولم تقم عليه الحجّة الرّساليّة ، فإنّ النّصوص جاءت بالحكم على بعض أهل الجاهليّة بأنّهم في النّار ، فوجب الإيمان والتّسليم على أيّ فرض فُرض سواء اعتبرنا أهل الجاهليّة من أصحاب الفترة الّذين يُمتحنون يوم القيامة أم لا ، فالنّص إذا ورد في شخص كان قاطعاً في حقّه ، وعليه فإنّ القول بأنّ والده  في النّار يجب أن لا يدخل في أيّ خلاف حول التّعذيب قبل البعثة أو خلاف في شأن كفّار مكّة هل وصلتهم الدّعوة أم لا ، لأنّ ما جاء في خصوصه  خاصٌ به وأيّ كلام عما تقدّم هو كلام عام والخاص يٌقدّم على العام ولا يناقضه .

* قال السيوطي : «    وقد علّل بعض الفقهاء كونه إذا مات لا يعذب بأنه على أصل الفطرة ولم يقع منه عناد ولا جاءه رسول فكذبه ، وهذا المسلك أول ما سمعته في هذا المقام الذي نحن فيه من شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناوي فإنه سُئل عن والد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل هو في النار فزأر في السائل زأرة شديدة فقال له السائل هل ثبت إسلامه ؟ فقال : إنه مات في الفترة ولا تعذيب قبل البعثة ، ونقله سبط ابن الجوزي في كتاب مرآة الزمان عن جماعة ، فإنه حكى كلام جده على حديث إحياء أمه صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال ما نصه : وقال قوم قد قال الله تعالى :                 [الإسراء:15]  والدعوة لم تبلغ أباه وأمه فما ذنبهما ، وجزم به الأبي في شرح مسلم وسأذكر عبارته ، وقد ورد في أهل الفترة أحاديث أنهم يُتمحنون يوم القيامة وآيات مشيرة إلى عدم تعذيبهم وإلى ذلك مال حافظ العصر شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر ( )في بعض كتبه فقال : والظن بآله صلى الله عليه وآله وسلم يعني الذين ماتوا قبل البعثة أنهم يطيعون عند الامتحان إكراماً له صلى الله عليه وآله وسلم لتقرّ بِهم عينه .

ثم رأيته قال في الإصابة : ورد من عدة طرق . . ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعاً فينجو إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن وثبت أنه في ضحضاحٍ من نار»    ( ) .

 قلت : الكلام في هذا المسلك من وجهين :

الأوّل : الموافقة على أنّه لا تعذيب قبل البعثة ، ولا مؤاخذة قبل البلاغ .

الثّاني : أنّ أهل الجاهليّة الّذين بُعث فيهم النّبيّ  وصلهم البلاغ وقامت عليهم الحجّة الرّساليّة .

الوجه الأوّل

قد صحّ في أصول الشّرع أنّ الله تعالى فضلاً منه وإحساناً وعفواً لايعذّب أحداًحتّى يقيم عليه الحجّة الرساليّة وهي البلاغ الّذي أمر الله تعالى به الرّسل فقال :                            [النساء:165]  ، وقال تعالى :                     [نوح:1]  ، وقال لنبيّه  :          . [الشعراء:214].

والسّيوطي استدلّ لهذا الأصل بعدّة نصوص وهي كالتّالي مع بيان شيء من فوائدها من كلام أئمة التفسير والحديث :

من القرآن :

1 . قوله تعالى :                 [الإسراء:15] .

قال ابن كثير رحمه الله : «    إخبار عن عدله تعالى, وأنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه, كقوله تعالى :                                                             [الملك:8ـ9] ..إلى غير ذلك من الاَيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحداً النار إلا بعد إرسال الرسول إليه »    ( ) .

2 . قوله تعالى :                         [الأنعام:131] .

قال الإمام العلاّمة المحدث الفقيه المفسر أبو جعفر محمّد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري ـ المتوفى سنة 310هـ رحمه الله ـ : «    أي إنما أرسلنا الرسل يا محمد إلى من وصفت أمره, وأعلمتك خبره من مشركي الإنس والجنّ يقصون عليهم آياتي وينذرونهم لقاء معادهم إليّ, من أجل أن ربك لم يكن مهلك القرى بظلم .

وقد يتجه من التأويل في قوله : بظلم وجهان : أحدهما :                     : أي بشرك من أشرك, وكُفْر من كفر من أهلها, كما قال لقمان :             [لقمان:13]         يقو ل : لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسلاً تنبههم على حجج الله عليهم, وتنذرهم عذاب الله يوم معادهم إليه, ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير .

  والاَخر :                     يقول : لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والاَيات والعبر , فيظلمهم بذلك , والله غير ظلام للعبيد .

وأولى القولين بالصواب عندي القول الأوّل, أن يكون معناه : أن لم يكن ليهلكهم بشركهم دون إرسال الرسل إليهم والإعذار بينه وبينهم, وذلك أن قوله :                     عقيب قوله :                    [الأنعام:130]  فكان في ذلك الدليل الواضح على أن نص قوله :                    إنما هو إنما فعلنا ذلك من أجل أنا لا نهلك القُرَى بغير تذكير وتنبيه »    ( ) .

3 . قوله تعالى :                                             [القصص:59].

قال ابن جرير رحمه الله : «    يقول تعالـى ذكره :           يا مـحمد         التـي حوالـي مكة فـي زمانك وعصرك .               يقول : حتـى يبعث فـي مكة رسولاً, وهي أمّ القرى , يتلو علـيهم آيات كتابنا, والرسول : مـحمد صلى الله عليه وآله وسلم . وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل »    ثمّ ساق بعض الآثار ( ) .

4 . قال تعالى :                                         [القصص:47] .

قال ابن جرير رحمه الله : «    يقول تعالـى ذكره : ولولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلتك يا مـحمد إلـيهم, لو حلّ بهم بأسنا, أو أتاهم عذابنا من قبل أن نرسلك إلـيهم علـى كفرهم بربهم, واكتسابهم الاَثام, واجترامهم الـمعاصي : ربّنا هلا أرسلت إلـينا رسولاً من قبل أن يحلّ بنا سخطك , وينزل بنا عذابك فنتبع أدلتك , وآي كتابك الذي تنزله علـى رسولك ونكون من الـمؤمنـين بألوهيتك , الـمصدّقـين رسولك فـيـما أمرتنا ونهيتنا, لعاجلناهم العقوبة علـى شركهم من قبل ما أرسلناك إلـيهم, ولكنّا بعثناك إلـيهم نذيراً بأسنا علـى كفرهم , لئلا يكون للناس علـى الله حجة بعد الرسل ، والـمصيبة فـي هذا الـموضع : العذاب والنقمة »   ( ).

5 . قوله تعالى :                                            [طه:134]  .

قال ابن كثير رحمه الله : «    أي لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم وننزّل عليهم هذا الكتاب العظيم, لكانوا قالوا :             قبل أن تهلكنا حتى نؤمن به ونتبعه كما قال :                   ، يبين تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون لا يؤمنون                     [يونس:97] كما قال تعالى :                     [الأنعام:155]،إلى قوله :           [الأنعام:157]»   ( ).

6 . قوله تعالى :                                 [الأنعام:156] .

قال ابن جرير رحمه الله : «    معناه : وهذا كتاب أنزلناه لئلا تقولوا :                ، يعني لينقطع عذركم ، كقوله تعالى :                                  [القصص:47]الاَية , وقوله تعالى : :             قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : هم اليهود والنصارى وكذا قال مجاهد والسدي وقتادة وغير واحد وقوله :              أي وما كنا نفهم ما يقولون لأنهم ليسوا بلساننا ، ونحن في غفلة وشغل مع ذلك عما هم فيه »    ( ) .

7 . قال تعالى :                    [الشعراء:208]  .

قال ابن جرير رحمه الله : «     يقول تعالـى ذكره :             من هذه القرى التـي وصفت فـي هذه السور            يقول : إلاّ بعد إرسالناإلـيهم رسلاً ينذرونهم بأسنا علـى كفرهم وسخطنا علـيهم       يقول : إلا لها منذرون ينذرونهم, تذكرةً لهم وتنبـيهاً لهم علـى ما فـيه النـجاة لهم من عذابنا.. قوله :           يقول : وما كنا ظالـميهم فـي تعذيبناهم وإهلاكهم , لأنا إنـما أهلكناهم إذ عتوا علـينا , وكفروا نعمتنا, وعبدوا غيرنا بعد الإعذار علـيهم والإنذار , ومتابعة الـحجج علـيهم بأن ذلك لا ينبغي أن يفعلوه , فأبَوا إلا التـمادي فـي الغيّ »    ( ) .

8 . قال تعالى :                                 [فاطر:37] .

قال ابن جرير رحمه الله : «    تأويـل الكلام .. أو لـم نعمركم يا معشر الـمشركين بـالله من قُرَيش من السنـين , ما يتذكر فـيه من تذكر, من ذوي الألبـاب والعقول , واتعظ منهم من اتعظ , وتاب من تاب , وجاءكم من الله منذر يُنذركم ما أنتـم فـيه الـيوم من عذاب الله, فلـم تتذكّروا مواعظ الله, ولـم تقبلوا من نذير الله الذي جاءكم ما أتاكم به من عند ربكم »    ( ).

قال الإمام العلاّمة المفسّر المحدّث الأصولي اللغوي محمّد الأمين بن محمّد المختار الجكني الشّنقيطي ـ المتوفى سنة 1393هـ رحمه الله ورضي عنه ـ : «    الآيات القرآنية مصرحة بكثرة ، بأن الله تعالى لا يعذب أحداً حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل ، وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة ، وما ركز من الفطرة ، فمن ذلك قوله تعالى :                 فإنه قال فيها : حتى نبعث رسولاً ، ولم يقل حتى نخلق عقولاً ، وننصب أدلة ، ونركز فطرة .

ومن ذلك قوله تعالى :                           [النساء:165] ، فصرّح بأن الذي تقوم به الحجة على الناس ، وينقطع به عذرهم : هو إنذار الرسل لا نصب الأدلة والخلق على الفطرة .

وهذه الحجة التي بعث الرسل لقطعها بيّنها في «    طه »    بقوله :                                           [طه:134] ، وأشار لها في«    القصص »    بقوله :                                         [القصص:47] .

ومن ذلك أنّه تعالى صرّح بأن جميع أهل النار قطع عذرهم في الدنيا بإنذار الرسل ، ولم يكتف في ذلك بنصب الأدلة كقوله تعالى :                                                                     [الملك:8ـ9] ، وقوله تعالى :                                                                         [الزمر:71]  ، ومعلوم أن لفظة (كلما) في قوله :              صيغة عموم ، وأن لفظة (الذين) في قوله :           صيغة عموم أيضاً ، لأن الموصول يعم كلما تشمله صلته »    ( ) .

من السّنّة :

1 . قال السيوطي : «    أخرج الإمام أحمد بن حنبل( ) وإسحاق بن 

راهوية( ) في مسنديهما والبيهقي في كتاب الاعتقاد وصححه عن الأسود بن سريع رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «    أربعةٌ يُمتحنون يوم القيامة : رجلٌ أصمُّ لا يسمع شيئاً ، ورجلٌ أحمق ، ورجل هرِم ، ورجل مات في فترة ، فأما الأصم فيقول : ربِّ لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً ، وأما الأحمق فيقول : ربِّ لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر ، وأما الهرم فيقول : رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً ، وأما الذي مات في الفترة فيقول : ربِّ ما أتاني لك رسول ، فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنّه فيرسلُ إليهم : أن أدخلوا النار ، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخلها يُسحب إليها »    ( ) .

قلت : أخرجه أحمد ( ) والبيهقي ( ) وابن حبّان ( ) 

والطبراني ( ) عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع به ، وصحّحه جمعٌ من الأئمة منهم البيهقي ( )والألباني( ).

وليس في حديث الأسود : «    فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها »    .

2 . قال السيوطي : «    أخرج أحمد وإسحاق بن راهوية في مسنديهما وابن مردويه في تفسيره والبيهقي في الاعتقاد عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «    أربعةٌ يُمتحنون  »    فذكر مثل حديث الأسود بن سريع سواء »    ( ) .

قلت : أخرجه أحمد ( ) والبزّار ( ) و البيهقي ( ) عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة ، مثل حديث الأسود وفي آخره : «    فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها »    .

وأخشى أن يكون ذكر أبي رافع عن أبي هريرة وهماً ، وإن كنت لا أجرؤ على ذلك لأنّي لم أر من أشار إليه من الأئمة ، وقد صحّح الإسناد البيهقي رحمه الله .

3 . قال السيوطي : «    أخرج البزار في مسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «    يُؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود فيقول الهالك في الفترة : لم يأتني كتاب ولا رسول ، ويقول المعتوه : أي ربِّ لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شراً ، ويقول المولود : لم أدرك العمل ، قال : فيرفع لهم نار ، فيُقال لهم : رِدُوها أو قال : ادخلوها ، فيدخلها من كان في علم الله سعيداً لو أدرك العمل ، ويمسك عنها من كان في علم الله شقياً لو أدرك العمل ، فيقول تبارك وتعالى : وإياي عصيتم ، فكيف برسلي بالغيب »    ، في إسناده عطية العوفي فيه ضعف ، والترمذي يحسن حديثه ، وهذا الحديث له شواهد تقتضي الحكم بحسنه وثبوته »    ( ) .

قلت : أخرجه البزّار ( ) عن فضيل بن مرزوق عن عطيّة العوفي عن أبي سعيد به وقال : لا نعلمه يُروى عن أبي سعيد إلاّ من حديث فضيل .

قلت : وثقه سفيان بن سعيد الثوري وابن معين ( )وغيرهم ، وهو على صدقه مُتكلّمٌ فيه ، قال ابن أبي حاتم عن أبيه : صالح الحديث صدوق يهِم كثيراً يُكتب حديثه ، قلت يُحتج به ؟ قال : لا ، وقال النسائي : ضعيف ، وقال ابن حبان : «    فضيل بن مرزوق من أهل الكوفة يروي عن عطية وذويه روى عنه العراقيون منكر الحديث جداً كان ممن يخطىء على الثقات ويروي عن عطية الموضوعات وعن الثقات الأشياء المستقيمة فاشتبه أمره ، والذي عندي أن كل ما روى عن عطية من المناكير يلزق ذلك كله بعطية ويُبرأ فضيل منها وفيما وافق الثقات من الروايات عن الأثبات يكون محتجاً به وفيما انفرد على الثقات ما لم يتابع عليه يتنكب عنها في الاحتجاج بها »    ( ) .

قلت : وهو هنا يروي عن عطيّة العوفي وكان هشيم يضعف حديث عطية وقال الدوري عن ابن معين : صالح ، وقال أبو زرعة : لين ، وقال أبو حاتم : ضعيف يكتب حديثه ، وقال الجوزجاني : مائل وقال النسائي ضعيف( ) ، وبهذا فإنّ الإسناد ضعيف جداً ، وأمّا متن الحديث فصح من مسند الأسود بن سريع كما تقدم .

4 . قال السيوطي : «    أخرج البزار وأبو يعلى في مسنديهما عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «    يؤتى بأربعة يوم القيام ، بالمولود والمعتوه ومن مات الفترة وبالشيخ الفاني كلهم يتكلم بحجته ، فيقول الله تبارك وتعالى لِعُنُقٍ من جهنم أبرزي ، فيقول لهم : إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم ، ادخلوا هذه ، فيقول من كتب الله عليه الشقاء : يا رب أتدخلناها ومنها كنا نَفْرَق ، ومن كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها مسرعاً ، فيقول الله : قد عصيتموني فأنتم لرسلي أشدّ تكذيباً ومعصية ، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار »    ( ) .

قلت :  أخرجه أبو يعلى( ) والبزّار ( ) عن جرير عن ليث عن عبدالوارث عن أنس رضي الله عنه . قال الهيثمي : «    فيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس ، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح »    ( ) ، وتعقّبه الألباني رحمه الله بأنّ ليث لم يذكره أحدٌ بتدليس وإنّما بالاختلاط ، و بأن رجال السند ليسو رجال الصحيح ، لأن عبدالوارث شيخ ليث ليس عبدالوارث بن سعيد العنبري بل هو مولى أنس عبدالوارث الأنصاري قال أبو حاتم الرازي : شيخ ( ) .

قلت : ليث بن أبي سليم مضطرب الحديث ، ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأحمد وغيرهم ، لم يتميز حديثه فتُرك ( ) .

وعبدالوارث الأنصاري ضعّفه الدارقطني ، وقال البخاري : منكر الحديث وقال يحيى بن معين : مجهول ( )، فالحديث ضعيفٌ لا يصلح للاحتجاج .

5 . قال السيوطي : «    أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة والمعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام ثم أرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار ، فيقولون : كيف ولم تأتنا رسل ، قال : وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً ، ثم يرسل إليهم فيطيعه من كان يريد أن يطيعه ، قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم :                 [الإسراء:15] ،إسناده صحيح على شرط الشيخين ، ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع »    ( ) .

قلت : أخرجه ابن جرير( )وابن أبي حاتم ( ) ، قال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة عن أبي هريرة ، وساقه ثم قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان عن معمر عن همام عن أبي هريرة نحوه .

وقتادة لم يلق أبا هريرة ولم يسمع منه فهو إسناد منقطع ، ثم إن معمر عن قتادة روى له البخاري تعليقاً ، وأما من دونه فلم يرو لهم الشيخان أصلاً فكيف يقول إنّ الإسناد على شرط الشيخين ؟

وتابع قتادةَ همامٌ كما ذكر ابن جرير ، فالإسناد حسن ، إن شاء الله .

6 . قال السيوطي : «    أخرج البزار والحاكم في مستدركه عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «    إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم فيسألهم ربهم فيقولون : ربنا لم ترسل إلينا رسولاً ولم يأتنا لك أمر ولو أرسلت إلينا رسولاً لكنا أطوع عبادك ، فيقول : لهم ربهم أريتكم أن أمرتكم بأمر تطيعوني ؟ فيقولون : نعم فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخولها فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظاً وزفيراً فرجعوا إلى ربهم فيقولون : ربنا أجرنا منها فيقول لهم : ألم تزعموا أني أن أمرتكم بأمر تطيعوني ، فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيقول : اعمدوا إليها فادخلوها فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا ورجعوا فقالوا : ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها ، فيقول : ادخلوها داخرين ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو دخلوها أول مرة كانت عليم برداً وسلاماً »    قال الحاكم : صحيح على شرط البخاري ومسلم »    ( ) .

قلت : حديث ثوبان حديث مشهور أخرجه أحمد ( ) ومسلم ( ) وأبوداود ( ) والترمذي ( ) وابن حبان ( ) عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي عن إبي أسماء الرحبي عن ثوبان مولى رسول الله  بألفاظ متقاربة .

ورواه مسلم ( ) وابن ماجة ( ) أبوعوانة ( ) وابن حبان ( ) والبيهقي( )  من طرق عن عن قتادة عن أبي قلابة به نحو حديث أيوب .

ورواه الحاكم ( ) قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن سنان القزاز ثنا إسحاق بن إدريس ثنا أبان بن يزيد ثنا يحيى بن أبي كثير ثنا أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي حدثني أبو أسماء الرحبي أن ثوبان حدثه به ، وزادت رواية الحاكم على كل الروايات ذكر أهل الجاهليّة ، وإسناد الحاكم تالف بمرة ، فيه إسحاق بن إدريس الأسواري البصري أبو يعقوب تركه ابن المديني وقال أبو زرعة : واهٍ ، وقال البخاري : تركوه ، وقال أيضاً : سكتوا عنه ، وقال الدارقطني : منكر الحديث ، وقال ابن معين : كذّاب يضع الحديث ، وقال النسائي : متروك الحديث( ) .

أمّا الراوي عنه محمّد بن سنان القزّاز البصري فقال ابن أبي حاتم : سألت عنه عبدالرحمن بن خراش فقال : هو كذاب ( ) ، وقال الذهبي : رماه أبوداود بالكذب ، ومشّاه الدارقطني ( ) .

وبهذا لا يبقى لدينا شك في أنّ زيادة قصة أهل الجاهليّة في حديث ثوبان باطلة لا تصح ، ويظهر ما في قول الحاكم إنه حديث صحيح على شرطهما من خطأ فادح ، ويصح ما قاله الإمام الزيلعي منتقداً صنيع الحاكم : «    وكثيراً ما يجيء إلى حديث فيه رجل ضعيف أو متّهم بالكذب وغالب رجاله رجال الصّحيح فيقول : هذا على شرط الشيخين وهذا تساهل فاحش »    ( ) .

7 . قال السيوطي : «    أخرج الطبراني وأبو نعيم عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «    يأتي يوم القيامة بالممسوخ عقلاً وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيراً فيقول الممسوخ عقلاً : رب لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد بعقله مني وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك ، فيقول الرب : إني آمركم بأمر فتطيعون فيقولون : نعم ، فيقول : اذهبوا فادخلوا النار ، قال : ولو دخلوها ما ضرّتهم ، فتخرج عليهم فرائص فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون ، سراعاً ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك ، فيقول الرب : قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون ، وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون ، ضميهم ، فتأخذهم »    ( ) .

قلت : أخرجه أبو نعيم( )والطبراني( ) عن عمرو بن واقد ، قال : حدثنا يونس بن ميسرة بن حلبس ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن معاذ بن جبل ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به . 

قال الطبراني : لم يرو هذا الحديث عن يونس بن ميسرة إلاّ عمرو بن واقد ولا يُروى عن معاذ إلاّ بهذا الإسناد .

قلت : عمرو بن واقد القرشي أبو حفص الدمشقي مولى بني أمية أو بني هاشم قال أبو : مسهر كان يكذب من غير أن يتعمد ، وقال البخاري وأبو حاتم ودحيم ويعقوب بن سفيان : ليس بشيء ، وقال يعقوب بن سفيان عن دحيم : لم يكن شيوخنا يحدثون عنه ، قال : وكأنه لم يشك أنه كان يكذب . . وقال إبراهيم الجوزجاني : سألت محمد بن المبارك عنه فقال : كان يتبع السلطان وكان صدوقاً ، وقال أبو حاتم : ضعيف منكر الحديث ، وقال البخاري والترمذي : منكر الحديث ، وقال النسائي والدار قطني والبرقاني : متروك الحديث ، وقال ابن عدي : وهو ممن يُكتب حديثه مع ضعفه ، وقال أبو القاسم : محدث شاعر .. قال ابن حبان : يقلب الأسانيد ويروي المناكير عن المشاهير واستحق الترك ( ) ، وبهذا فإنّ الحديث ضعيف جداً بهذا الإسناد .

تعليق :

هذه الآثار في الحقيقة لا تخرج عن دلالة الآيات الّتي مرّ ذكرها فهي كلّها تصبّ في مصب واحد ، ونحن نتّفق مع السيوطي في أنّ العذاب لا يكون إلاّ بعد البلاغ ، وأنّ من لم تبلغه الدّعوة فهو من أهل الفترة الّذين وقع في بعضهم الخلاف كأولاد المشركين مثلاً .

قال العلاّمة ابن كثير رحمه الله : «    وقد ذكره الشيخ أبو عمر بن عبدالبر النمري ( )بعد ما تقدم من أحاديث الامتحان , ثم قال : وأحاديث هذا الباب ليست قوية ولا تقوم بها حجة, وأهل العلم ينكرونها, لأنّ الآخرة دار جزاء وليست بدار عمل ولا ابتلاء, فكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين والله لا يكلف نفساً إلا وسعها ؟ .

والجواب عما قال : أنّ أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء, ومنها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن, وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط, أفادت الحجة عند الناظر فيها . 

وأما قوله : إن الدار الآخرة دار جزاء , فلا شك أنها دار جزاء , ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار , كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال وقد قال تعالى :                   [القلم:42] الآية ، وقد ثبت في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة , وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقاً واحداً كلما أراد السجود خرّ لقفاه ( ) . 

وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجاً منها, أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه, ويتكرر ذلك مراراً ويقول الله تعالى : «    يا ابن آدم ما أغدرك, ثم يأذن له في دخول الجنة »    ( ) .

وأما قوله : فكيف يكلفهم الله دخول النار وليس ذلك في وسعهم , فليس هذا بمانع من صحة الحديث , فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط, وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف وأدق من الشعرة, ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب , ومنهم الساعي ومنهم الماشي ومنهم من يحبو حبواً ومنهم المكدوش على وجهه في النار( ), وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطمّ وأعظم  .

  وأيضاً فقد أثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار, وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار, فإنه يكون عليه برداً وسلاماً, فهذا نظير ذاك, ( ) .

وأيضاً فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم فقتل بعضهم بعضاً حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفاً, يقتل الرجل أباه وأخاه ( ) , وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم, وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل, وهذا أيضاً شاق على النفوس جداً لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور, والله أعلم »    ( ) .

* قال السيوطي : «    قال الكيا الهراس( )في تعليقه في الأصول في مسألة شكر المنعم : اعلم أن الذي استقر عليه آراء أهل السنة قاطبة أنه لا مدرك للأحكام سوى الشرع المنقول ولا يتلقى حكم من قضيات العقول »    ثم نقل عدداً من الأقوال عن الأصوليين في مسألة وجوب شكر المنعم قبل الشرع ( ) . 

قلت : السّيوطي في هذه المسألة يستدلّ بأصل عند الأشاعرة الّذين يقصدهم بقوله «    أهل السّنّة »    في مصنّفاته  ، وهو أنّ شكر المنعم لا يجب عقلاً ، وأنّه لا يجب بأصل الشّرع شيء إلاّ بالرّسالة ، أمّا العقل فلا ، خلافاً للمعتزلة ، ولذلك يعتقد هو أنّ كلّ من خلاف المعتزلة هو من أهل السّنّة : أي الأشاعرة ( ).

وهنا أنبّه إلى أنّه حشر الشّافعي في هذه المسألة ، والشّافعي لا نقل عنه في مثل هذا ، سوى أنّه لا يجيز قتل الكافر قبل الدّعوة ، ويوجب الدّيّة على من قتله قبل دعوته ، فالسيوطي ومن معه حمّلوا هذا النّص مسألة شكر المنعم قبل الشّرع ، والشافعي رحمه إنما قال بمسألة عدم قتل الكفر قبل الدعوة بناء على النصوص الشرعية وهو بريء من مسائل المتكلمين المبتدعة مثل هذه التي أوردها السيوطي  ، ولهذا أخطأ بعض النّاس فعدّ الشّافعي ممّن يقول بأنّ أهل الجاهليّة من أهل الفترة الّذين لم تصلهم دعوة ، وهذا خطأ على الشّافعي ، بل السيوطي أوهم ذلك لما استدل بقوله في قتل الكافر قبل الدّعوة على مسألة شكر المنعم وحشره إيّاها في مسألة الجاهليّة فليُتنبّه لهذا .

الوجه الثّاني :

بعد أن عرفنا أنّ الله سبحانه لا يعذّب قبل البلاغ وقبل إقامة الحجّة ، نريد أن نعرف هنا صحّة الاستدلال بهذا على أنّ القوم الّذين بُعث فيهم النّبيّ  كانوا ممّن لم تصلهم دعوة ولم تقم عليهم حجّة .

إنّ القول بأنّ هؤلاء القوم لم تصلهم الدّعوة ولم يبلغهم دين قول مخالف للنّصوص ، بل الصّحيح الّذي لا مناص منه أنّ الحجّة قامت عليهم وأنّهم وصلتهم دعوة الرّسل فأقاموا على كفرهم وشركهم .

أمّا الدّليل على هذا : فهو ما جاء عن النّبيّ  في أكثر من نص من الحكم على بعض من مات قبل مبعثه بأنّه في النّار ومن ذلك إخباره عن أمه وأبيه وقد سبق . 

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله ، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه ؟ قال : لا ينفعه ، إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين »     ( ) .    

وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم ويقري الضيف ويفعل كذا ؟ قال : إن أباك أراد شيئاً فأدركه »   ( ) . 

وكذلك حديث عمرو بن لحي وأنّ النّبيّ  رآه يجر قصبه في النار ( ) .

فهذه النّصوص تدلّ على أنّ تلك الفترة الزّمنيّة قامت عليها الحجّة الرّساليّة الّتي يستوجب مخالفها النّار ، بمعنى أنّ تلك الفترة كان فيها من هو متمسّك بالتّوحيد وينكر ما عليه أهل الشّرك .

وحتّى لو قيل إنّ هذا ليس أمراً عاماً فنقول : هو ثابت على الأقل فيمن جاء النّص بأنّه في النّار ، فإنّ هذا فيه دلالة على أنّه بلغته الدّعوة وقامت عليه الحجّة ومن ضمن هؤلاء والديه  .

وليس المقصود أنّهم بلغتهم الشّرائع مفصّلة ، بل بلغهم بقايا من دين إبراهيم ، وكانوا يعلمونه ولكن يعرضون عنه ، بدليل أنّه وُجد في تلك الفترة موحّدون منهم : ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل ، وقد جاء أنّه كان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول : «    أيّها النّاس هلمّوا إليّ فإنّه لم يبق على دين إبراهيم أحد غيري »   ( ) .

ففيه دلالة على أنّهم كانوا يعلمون دين إبراهيم ، وعلى أنّه كان يوجد فيهم من يدعوهم ويبيّن لهم أنّهم ليسوا على دين إبراهيم وأنّهم في شرك .

وهذا يكفي لقيام الحجة ، بدلالة أنّ النّاس في آخر الزّمان لا يعلمون من دين محمّد  إلاّ الكلمة ومع ذلك تنفع من استجاب لها وتنجيه من النّار ، كما قال حذيفة رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «    يدْرُس الإسلام كما يدرس وشْي الثوب ، حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ، وليُسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون : أدركنا آباءنا على هذه الكلمة : لا إله إلا الله فنحن نقولها ، فقال له صلة : ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة ؟ فأعرض عنه حذيفة ، ثم ردّها عليه ثلاثاً كل ذلك يعرض عنه حذيفة ، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال : يا صلة تنجيهم من النار ثلاثاً»    ( ) .

قال شيخ الإسلام رحمه الله : «    حكم الوعيد على الكفر لا يثبت في حق الشخص المعين حتى تقوم عليه حجة الله التي بعث بها رسله ، كما قال تعالى                 [الإسراء:15] وأن الأمكنة والأزمنة التي تفتر فيها النبوة لا يكون حكم من خفيت عليه آثار النبوة حتى أنكر ما جاءت به خطأ ، كما يكون حكمه في الأمكنة والأزمنة التي ظهرت فيها آثار النبوة »    .( )

وقداستدلّ السّيوطي في مكان آخر وغيره على أنّ أهل الجاهليّة لم تبلغهم الدّعوة بنصوص من القرآن والسّنّة ، كقوله تعالى :                                             [القصص:46] ، وقوله :                                          [السجدة:3]  ، وقوله :                   [يس:6] . 

وهذه النّصوص لا حجّة فيها للسّيوطي ، ولا من معه في عدّهم أهل الجاهليّة من أصحاب الفترة الّذين يُمتحنون يوم القيامة ،وذلك لملحظ غفل عنه السيوطي ومن معه ، ألا وهو : إنّ نفي الإنذار لا يلزم منه عدم قيام الحجّة ، بل الحجّة تقوم بأدنى علم نبوي يصل للسامع  ، خصوصاً دعوة التّوحيد ونفي الشّرك الّتي نجا به بعض أهل الجاهليّة وينجو بها آخر الزّمان من لا يعلمون من الدّين إلاّ الكلمة كما في حديث حذيفة .

ونحن نعلم أنّ العرب وخصوصاً أهل الجاهليّة الّذين بُعث فيهم النّبيّ  لم يأتهم نذير ولم يُرسل الله إليهم رسولاً ، ولكن قيام الحجّة عليهم واقع .

ومما يؤكّد هذا أنّه من المعلوم أنّ فائدة المنذرين من الرّسل وغيرهم ليست البلاغ فقط ، بل بنو إسرائيل كان يُرسل إليهم رسل وأنبياء لإنذارهم عذاب الله ، مع أنّ الحجّة قائمة عليهم ، ولهذا نجد أنّ التّعبير القرآني أحياناً يشير إلى هذا المعنى حين يعلل الرسالة بقوله : لعلّهم يتذكرون ، أي لما نسوه ببعدهم عن دين الله ، ولم يقل مثلاً : لعلهم يعلمون.

والتّعبير بالغفلة لا يلزم منه أنّهم غافلون عن الحق فيُعذرون بل وصف الله تعالى من أعرض عن الآيات بالغفلة : فالغفلة مثل الجهالة : قد تكون بمعنى عدم العلم والبلاغ ، وقد تكون بمعنى الغفلة عن حقيقة الشيء والجهل بعاقبة العمل ، كما في قوله تعالى :                                                                   [الأعراف:179]  وقوله :                          [النحل:108]  .

* ثمّ إنّ السّيوطي نفسه استصعب قوله وقدّم لنفسه المخرج قبل أن يُضيّق عليه السّؤال فقال : «    فإن قلت : هذا المسلك هل هو عام في أهل الجاهليّة كلّهم  ؟ قلت : لا بل هو خاص بمن لم تبلغه دعوة نبي أصلاً كما من بلغته دعوة أحد من الأنبياء السابقين ثمّ أصرّ على كفره فهو في النّار قطعاً وهذا لا نزاع فيه .

وأما الأبوان الشريفان فالظاهر من حالهما ما ذهبت إليه هذه الطائفة من عدم بلوغهما دعوة أحد وذلك لمجموع أمور : تأخر زمانهما وبعد ما بينهما وبين الأنبياء السابقين .. ثم أنهما كانا في زمن جاهلية وقد طبق الجهل الأرض شرقاً وغرباً وفُقد من يعرف الشرائع ويبلغ الدعوة على وجهها إلا نفراً يسيراً من أحبار أهل الكتاب مفرقين في أقطار الأرض كالشام وغيرها ، ولم يعهد لهما تقلب في الأسفار سوى إلى المدينة ولا عُمّرا عمْراً طويلا بحيث يقع لهما فيه التنقيب والتفتيش فإن والد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعش من العمر إلا قليلاً .. وأمه قريبة من ذلك ، لاسيما وهي امرأة مصونة محجبة في البيت عن الاجتماع بالرجال والغالب على النساء أنهنّ لا يعرفن ما الرجال فيه من أمر الديانات والشرائع ، خصوصاً في زمان الجاهلية الذي رجاله لا يعرفون ذلك فضلاً عن نسائه . 

ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعجب من بعثته أهل مكة وقالوا :              [الإسراء:94]  ، وقالوا :                           [المؤمنون:24]، فلو كان عندهم علم من بعثة الرسل ما أنكروا ذلك ، وربما كانوا يظنون أن إبراهيم بعث بما هم عليه فإنهم لم يجدوا من يبلغهم شريعة إبراهيم على وجهها لدثورها وفقد من يعرفها إذ كان بينهم وبين زمن إبراهيم أزيد من ثلاثة آلاف سنة فاتضح بذلك صحة دخولهما في هذا المسلك ... »   ( ) .

قلت : ما قرّره السّيوطي ينقض عليه مسلكه هذا شعر أم لم يشعر ، فإذا قرر أنّ من بلغته دعوة نبي أياً كان فهو في النّار فإنّ الوجوه الّتي ذكرها لا تنهض للجزم بها في وجه النّصوص الصّحيحة الصّريحة ، نعم لو لم يأت شيء بشأنهما لكن يمكن الأمل في مثل تلك الوجوه من مثل صغر السّنّ ونحو ذلك .

ثم ماذا عن وجود مثل ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بين ظهرانيهم ووفود أهل الكتاب الّتي كانت تأتي مكّة ألا يجوز أن تنتقل الدّعوة وتبلغهما كلّ هذه السّنين ، مع أنّ الحال أنّ مكّة ليست بلداً شاسعاً بل هي صغيرة ينتقل فيها الخبر بنداء على صخرة من صخور الحرم .

ثمّ إذا كان ما قرره من الوجوه سائغاً في أبوي النّبيّ  وهو قد أقر أنّ هذا المسلك ليس في أهل الجاهليّة كلّهم فقد اعترف بأنّ أهل الجاهليّة ليسوا من أهل الفترة في العموم ، إذ لو كانوا كذلك لجزم بأنّهم معذورون كلّهم ، بل في جوابه هذا إقرار بأنّ الفترة الزّمنيّة الّتي سبقت مبعثه  كانت تصلها دعوات بعض الأنبياء ، وعليه فيصبح الكلام في حال أحد منهم بعينه أنّه وصلته الدّعوة أم لم تصله يحتاج إلى دليل خاص .

وإذا جاء الدّليل الخاص بأنّ فلان في النّار فهذا يدلّ دلالة ضمنيّة على أنّ هذا الشّخص بالذّات بلغته الدّعوة وأصر على الكفر .

وإذا تمّ الاتّفاق على الإيمان والتّسليم بماء جاء في بعض الأفراد بأعيانهم سواء كانوا في الجنّة أم في النّار ، فإنّ البحث في حال الآخرين يصبح غير ذي جدوى ، ولا يهمّنا في الحقيقة أن نعلم عنهم بلغتهم الدّعوة أم لا.

ثمّ إنّ غاية ما في هذا المسلك إثبات أنّهما وإن كانا على الشرك إلاّ أنّهما من أهل الفترة ، وأهل الفترة لا يُدرى ما يصير إليه حال الواحد منهم فالله أعلم بما كانوا عاملين ، فكيف حكم السيوطي إذن بنجاتهما ؟

لقد وصل إلى ذلك بقنطرة النصوص المكذوبة والأمل والأمنية التي تخالف ما نص عليه النّبيّ  بقوله : «    إنّ أبي واباك في النّار »    ، حيث قال : «    وإلى ذلك مال حافظ العصر شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر في بعض كتبه فقال : والظن بآله صلى الله عليه وآله وسلم يعني الذين ماتوا قبل البعثة أنهم يطيعون عند الامتحان إكراماً له صلى الله عليه وآله وسلم لتقرّبِهم عينه ، ثم رأيته قال في الإصابة ورد من عدة طرق في حق الشيخ الهرم ومن مات في الفترة ومن ولد أكمه أعمى أصم ومن ولد مجنوناً أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ ونحو ذلك أنّ كلاًّ منهم يدلي بحجة ويقول : لو عقلت أو ذكرت لآمنت فترفع لهم نار ويقال أدخلوها فمن دخلها كانت له برداً وسلاماً ومن امتنع أدخلها كرهاً هذا معنى ما ورد من ذلك ، قال : وقد جمعت طرقه في جزء مفرد قال : ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعا فينجو إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن وثبت أنه في ضحضاح من نار »    ( ) .

قلت : ما ذكره ابن حجر رجاء ، ولعله رحمه الله غفل عما أورده هو من النصوص في نفس الموضوع التي تدل على أنّ أبا طالب مات على ملة عبدالمطلب .

ثم غايته رجاء ، ولا يصلح دليلاً يُستدل به لو لم يأتِ في المسألة نصوص أخرى ، فكيف وقد صحّت النّصوص بخلافه ؟!.

* قال السيوطي : «    ثم يرشح ما قال حافظ العصر أبو الفضل بن حجر أن الظن بهما أن يطيعا عند الامتحان أمران أحدهما : ما أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن مسعود قال : قال شاب من الأنصار لم أر رجلاً كان أكثر سؤالاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منه : يا رسول الله أرأيت أبواك في النار ؟! فقال : ما سألتهما ربي فيطيعني فيهما وإني لقائم يومئذ المقام المحمود »    ( ) .

قلت : الحديث أخرجه أحمد( )والطبراني( )والبزار والحاكم( )وأبو نعيم( ) عن عثمان بن عمير ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، وعلقمة ، عن عبد الله بن مسعود ، وهو ضعيف جداً من أجل عثمان بن عمير فإنّه ضعيف جداً ، كان يحيى لا يرضاه ، وعن أحمد : منكر الحديث ، قال ابن عدي : رديء المذهب غالٍ في التّشيّع يؤمن بالرّجعة ( ) ، وقال أحمد بن حنبل : ترك ابن مهدي حديثه ، وقال ابن معين : ليس بشيء ، وقال ابو حاتم : منكر الحديث ، وكذلك قال البخاري ، وقال الدارقطني متروك ، زائغ لا يُحتجّ به ( ) .

لكن الأعجب من هذا أنّ الحديث حجّة على السيوطي ، لأنّه لم ينقله من أوّله إذ سياق الحديث عند من خرجه عن عبدالله بن مسعود قال : جاء ابنا مليكة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالا : يا رسول الله إن أمنا كانت تكرم الزوج ، وتعطف على الولد ، وتكرم الضيف غير أنها كانت وأدت في الجاهلية ، فقال : أمكما في النار ، فأدبرا والشرُّ يُرى في وجههما ، فأمر بهما فرُدّا والبشرى ترى في وجههما رجاء أن يكون حدث شيء ، قال : أمي مع أمكما ... »    الحديث وفيه طول ، هذا من جهة .

ومن جهة أخرى فأنّ السيوطي نفسه قد حكم على الحديث بالضعف والبطلان فيما سيأتي من حججه حين أورد هذا الشق الأول منه ( )، فانظر جناية الهوى على صاحبه وقانا الله شرّه .

* قال السيوطي : «    فهذا الحديث ( ) يشعر بأنه يرتجي لهما الخير عند قيامه المقام المحمود وذلك بأن يشفع لهما فيوفقا للطاعة إذا امتحنا حينئذ كما يمتحن أهل الفترة ولا شك في أنه يقال له عند قيامه ذلك المقام سل تعط واشفع تشفع كما في الأحاديث الصحيحة فإذا سُأل ذلك أعطيه »   ( ).

قلت : قد بان لك أنّ الحديث منكر ، وما قاله السيوطي باطل فإنّ الله عندما يشفّعه يوم القيامة إنّما يشفّعه في أهل التّوحيد فقط ، بل ليس كلّهم ، لأنّ الشّفاعة إنّما تكون بإذن الله ، ثمّ إنّه  لا يسأل الله ما ليس له كما قال الله تعالى في شأن نوح عندما قال رب إن ابني من أهلي قال له :                                [هود:46] ، والنّبيّ  يعلم أنّ الله لا يغفر الشرك ولا يأذن في الشفاعة لأهله ، وقد جاء ذلك صريحاً في حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «    يجمع الله الناس يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا  »    حتى قال : «    فيأتوني فأستأذن على ربي فإذا رأيته وقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله ثم يُقال لي : ارفع رأسك سل تعطه وقل يسمع واشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمني ثم أشفع فيحد لي حداً ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود فأقع ساجداً مثله في الثالثة أو الرابعة حتى ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن »    ( ) .

بل جاء أنّه لا يُؤذن له فيم ليس معه إلاّ كلمة التوحيد ففي بعض روايات حديث أنس : «    ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخرّ له ساجداً فيقال : يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول : يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله ، فيقول : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله »    ( ) .

فكيف يُؤذن له فيمن مات على الشّرك والعياذ بالله ، ثمّ كيف يدخل والداه في الشفاعة والحال أنّهما عند السيوطي في هذا المسلك من أهل الفترة ، فإذا كان سيشفع فيهما على أيّ حال فما فائدة الامتحان ؟ أليس هذا تلاعباً بالكتاب والسّنة وروغاناً عن دلالاتها القطعيّة لمجرد التعصّب؟‍.

* قال السيوطي : «    الأمر الثاني : ما أخرجه ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى :             [الضحى:5]  قال : من رضا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يدخل أحداً من أهل بيته النار ، ولهذا عمّم الحافظ ابن حجر في قوله : الظن بآل بيته كلهم أن يطيعوا عند الامتحان »    ( ) .

قلت : قال ابن جرير : حدّثني به عبّاد بن يعقوب قال : ثنا الحكم بن ظهير عن السّدّي عن ابن عبّاس ، ثم ذكره .

وهذا الأثر ضعيف جداً : ففي السّدّي خلاف مشهور ، وأمّا الحكم بن ظهير فضعّفه أحمد وقال ابن معين : ليس حديثه بشيء ، وقال الرّازيّان : متروك الحديث ، وهو كذلك ( )  .

وعبّاد بن يعقوب صدوق في نفسه لكنّه غالٍ في التّشيّع وهذا الأثر يدعم بدعته ( ) .

على أنّ لفظ الحديث منكر : فإنّ القرابة لا تحمي صاحبها من المؤاخذة بنصّه  كما في الحديث المتّفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي  قال  «    يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله يا أم الزبير بن العوام عمة رسول الله يا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما من الله لا أملك لكما من الله شيئاً سلاني من مالي ما شئتما »   ( ) .

ونوحٌ عليه السّلام كان ولده كافراً فلم يغنِ عنه من الله شيئاً .

ومن العجب أنّ الشّرائع السّماويّة جاءت بتقرير هذا الأصل العظيم وهو أنّ القرابة والنسب لا تنفع المشرك ، وضرب الله لنا الأمثلة من الأنبياء أنفسهم ، فمنهم من كفر أبوه ومنهم من كفر ولده ومنهم من كفرت زوجته وهكذا دواليك ، ثمّ يأتي أصحاب الأهواء بالمنكرات والشّواذ من الروايات والمذاهب الشّاذّة والأقوال المروية عن أهل البدع وتحريف النّصوص الصّحيحة الصّريحة لينسفوا هذا الأصل برمّته من أجل اتّباع الهوى ، ووالله إنّ إيمان أبويه  لهوى كلّ مؤمن يحبّه  ، لكن ما حيلة المؤمن وقد حكم الله وأخبر رسوله  أنّهما ماتا على الشّرك وأنّ أباه في النّار ، أيسوغ بعد هذا أن يعاند المرء ويتّبع هواه ؟!

أمّا تعميم ابن حجر فتقدم أنّه أماني لا تغني صاحبها لأنّ النصوص الصحيحة بخلافها .

* قال السيوطي : «    وحديث ثالث .. عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «    سألت ربي أن لا يدخل النار أحداً من أهل بيتي فأعطاني ذلك »    ، أورده الحافظ محب الدين الطبري في كتابه ذخائر العقبى »   ( ) .

 قلت : حديث عمران بن حصين من طريق أبي سهل أحمد بن محمد بن عبدالله بن زياد القطّان ثنا محمد بن يونس ثنا أبو علي الحنفي ثنا إسرائيل  عن أبي حمزة الثمالي عن أبي رجاء عن عمران بن حصين عن النّبيّ  قال : «    سألت ربّي عزّوجل أن لا يدخل أحداً من أهل بيتي النّار فأعطانيها »    .

قال الشّيخ العلاّمة المحدّث الفقيه محمّدناصرالدّين بن نوح نجاتي الألباني ـ المتوفّى سنة 1420هـ رحمه الله ـ : «    موضوع : أخرجه ابن بشران 1 / 5»   ( ) ، وآفة الإسناد محمّد بن يونس وهو الكديمي قال ابن حبّان : لعلّه وضع أكثر من ألف حديث ، وقال ابن عدي : ترك عامّة مشايخنا الرّواية عنه ، وقال الآجري : رأيت أبا داود يطلق في الكديمي الكذب ، وقال الدّارقطني : يُتّهم بوضع الحديث ، وما أحسن القول فيه إلاّ من لم يخبر حاله .

وإذا كان الأمر كذلك فالحديث موضوعٌ بلا شك ، وأقلّ ما فيه أنّه منكر لا يُحتجّ به ولا يُعتبر عند كافّة العلماء ، وليكن ذلك على مقربة منك لما سنذكره بعدُ في ردّ زعم السيوطي أنّ هذه الأحاديث يشدّ بعضها بعضاً .

* قال السيوطي : «    وحديث رابع أصرح من هذين : أخرج تمام الرازي في فوائده بسند ضعيف عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «    إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب وأخ لي كان في الجاهلية »    أورده المحب الطبري وهو من الحفاظ والفقهاء في كتابه ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى وقال : إن ثبت فهو مؤول في أبي طالب على ما ورد في الصحيح من تخفيف العذاب عنه بشفاعته انتهى ، وإنما احتاج إلى تأويله في أبي طالب دون الثلاثة أبيه وأمه وأخيه يعني من الرضاعة لأن أبا طالب أدرك البعثة ولم يسلم والثلاثة ماتوا في الفترة ، وقد ورد هذا الحديث من طريق آخر اضعف من هذا الطريق من حديث ابن عباس أخرجه أبو نعيم وغيره وفيه التصريح بأن الأخ من الرضاعة »   ( ) .

قلت :  أخرجه تمّام في فوائده : حدّثنا أبو الحارث أحمد بن محمّد بن عمارة بن أبي الخطّاب اللّيثي ومحمّد بن هارون بن شعيب بن عبدالله قالا : أنبا أبو عبدالملك أحمد بن إبراهيم القرشي ثنا أبو سليمان أيّوب المكتب ثنا الوليد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه عن النّبيّ  أنّه قال : «    إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمّي وعمّي أبو طالب وأخ لي كان في الجاهليّة »    قال تمّام : الوليد بن سلمة : منكر الحديث . ( )

وهذا الإسناد غاية في الضّعف لا يسوغ الاحتجاج به ولا الاعتبار ، ففي إسناده الوليد بن سلمة : كذّبه غير واحد من الأئمّة ، قال ابن حبّان : يضع الحديث على الثّقات( ) ، وقال أبو حاتم : ذاهب الحديث ، وقال الدّارقطني : متروك ذاهب الحديث  .( )

فالحديث موضوع بلا شك ، ذكره الكناني في تنزيه الشريعة وتعقّب تماماً بقوله : «    بل كذّاب ( ) كما قال غير واحد من الحفّاظ وأظن هذا من أباطيله »   ( ) .

وله شاهد أشار إليه السيوطي وهو ما رواه الخطيب في ترجمة محمد بن فارس بن حمدان العطشي الرّافضي الكذّاب من طريق أبي نعيم قال : حدّثنا محمد بن فارس قال : حدّثني خطّاب بن عبدالدّائم الأرسوفي حدّثنا يحيى بن المبارك عن شريك عن منصور عن ليث عن مجاهد عن ابن عبّاس قال : سمعت النّبيّ  يقول : «    شفعت في هؤلاء النّفر : في أبي وعمّي أبي طالب وأخي من الرّضاعة ـ يعني ابن السّعديّة ـ ليكونوا من بعد البعث هباء »    ، قال الخطيب رحمه الله : «    هذان الحديثان باطلان( )ولم أكتبهما إلاّ بهذين الإسنادين .. وأمّا الثّاني ـ أي حديث ابن عبّاس ـ فرواه عن خطّاب بن عبدالدّائم وهو ضعيف يُعرف برواية المناكير عن يحيى بن المبارك وهو مجهول ، وقال فيه : عن منصور عن ليث ومنصور لا يروي عن ليث »    .( )

وأورده الجورقاني في الأباطيل والمناكير وقال : «    هذا حديث باطل لا أصل له »   ( )وكذلك ابن الجوزي في الموضوعات وقال : «    موضوع بلا شك »   ( ) .

ثمّ إنّ فيه نقضاً لكلام السيوطي لأنّه لم يذكر أمّه : والحال أنّها وأبيه حالهما واحد ، وشيء آخر أنّ شفاعته هنا ليس لدخولهم الجنّة بل ليصيروا هباء ، ولو كانوا والده مؤمناً أو من أهل الفترة أو على أصل التوحيد ما سوّاه بعمّه المشرك في أن يصير هباء ، ويبدو أنّ السّيوطي تنبّه لهذا فلم يورده بل أشار إليه واعترف بضعفه إظهاراً للأمانة والدّقّة في البحث ، مع أنّ الشأن غير ذلك .

* قال السيوطي : «    فهذه أحاديث عدة يشد بعضها بعضا فإن الحديث الضعيف يتقوى بكثرة طرقه وأمثلها حديث ابن مسعود فإن الحاكم صححه»    ( ).

قلت : هذه الطّاّمة حقاً ، فإنّ النصوص الثلاثة الّتي أوردها بين موضوع ومنكر ، حتى حديث ابن مسعود الّذي صححه الحاكم تبين لك أنّه باطل أو منكر على أحسن أحواله ، وهو نفسه سيحكم بضعفه فيما يأتي ، فهل يشد الكذب بعضه بعضاً ؟‍! .

قال الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن عبدالرحمن الشهرزوري الشهير بابن الصلاح ـ المتوفى سنة 643هـ رحمه الله ـ : «    ليس كلّ ضعفٍ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه ، بل ذلك يتفاوت ، فمنه ضعف يزيله ذلك،  بأن يكون ضعفه ناشئاً من ضعف حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة ، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه له ، وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك ، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر .

ومن ذلك ضعفٌ لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته ، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب أو كون الحديث شاذاً »    ( ) .

وهذا الّذي قاله السيوطي باطل عند جميع أئمّة الحديث ، ثم هي لم تأت من طرق كما يصور السيوطي بل هي مفاريد الضّعفاء والكذابين ، فلو لم يكن في المسألة نص اصلاً لما صحّ ذكرها ولا يحل إلاّ أن يُبيّن حالها ، فكيف إذا عارضت النّص الصّحيح الّذي اتفقت الأمّة على تلقيه بالقبول وهو قوله  : «    إنّ أبي وأباك في النّار »    ؟! .

* قال السيوطي : «    ومما يرشح ما نحن فيه ما أخرجه ابن أبي الدنيا قال ثنا القاسم بن هاشم السمسار ثنا مقاتل بن سليمان الرملي عن ابي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «    سالت ربي أبناء العشرين من أمتي فوهبهم لي  »    ( ) .

قلت : هذا الإسناد ضعيف جداً لأجل ضعف أبي معشر وهو نجيح المدني ، وأمّا مقاتل بن سليمان فإن كان البلخي صاحب التّفسير فهو كذّاب وإلاّ فهو مجهول لا يُعرف . وفي المتن نكارة إذ الشّفاعة لأبناء العشرين ليس لها معنى شرعي ولا يُعرف في الشّرع تخصيص مرحلة عمريّة بنوع من الفضل إلاّ لمعنى( ).

ثمّ نقول : حتّى لو صحّ المعنى فلا دلالة فيه لما يقصده السّيوطي فإنّ الشّفاعة بإجماع المسلمين هي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً ، ووالداه  إمّا أنّهما ماتا على الشّرك فلا تنفعهما الشّفاعة ، وإمّا أنّهما من أهل الفترة كما يزعم السيوطي فهم معرّضون للامتحان يوم القيامة كما رجّحه هو .

وشيء آخر : وهو أنّ لفظ الحديث لا يشملهما فليسا من أمّته  لا أمّة الدّعوة ولا أمّة الإجابة ، هذا نقوله تنزّلاً وإلاّ فالحديث منكر كما قدّمنا .

* قال السيوطي : «    ومما ينضم إلى ذلك وأن لم يكن صريحا في المقصود ما أخرجه الديلمي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «    أول من أشفع له يوم القيامة أهل بيتي ثم الأقرب فالأقرب  »    ( ) .

قلت : أخرجه الطبراني ( )وابن عدي( ).............................................. 

والخطيب ( )عن حفص بن أبي داود أبو عمر الأسدي القارىء صاحب عاصم بن أبي النجود ، عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر به .

وهذا إسناد ضعيف جداً فيه ليث بن أبي سليم تقدم أنه مضطرب مختلط ، والراوي عنه حفص قال أحمد بن حنبل : متروك الحديث ، وقال ابن معين كان كذاباً ، وقال البخاري : سكتوا عنه ،  وقال النسائي : متروك الحديث ( ) .

قلت : أورده ابن الجوزي رحمه الله ( ) في الموضوعات والألباني رحمه الله وقال : موضوع ( ) .

* قال السيوطي : «    وما أورده المحب الطبري في ذخائر العقبى ( )وعزاه لأحمد في المناقب عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «    يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحق نبياً لو أخذت بحلقة الجنة ما بدأت إلا بكم »    ، وهذا أخرجه الخطيب في تاريخه من حديث يغنم عن أنس  »    ( ) . 

قلت : أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصّحابة قال حدّثنا محمّد بن محمّد الواسطي نا عباد بن يعقوب قال نا موسى بن عمير عن جعفربن محمّد عن أبيه عن جدّه عن علي رضي الله عنه به .( )

وهذا الإسناد ضعيف جداً : فيه موسى بن عمير القرشي الجعدي متروك ، وقال ابن معين فيه : ليس بشيء ، وقال أبو حاتم : ذاهب الحديث كذّاب ، وقال العقيلي : منكر الحديث ( ) .

وعبّاد بن يعقوب : مع أنّه صدوق في نفسه إلاّ أنّه متّهم في مثل هذه الأحاديث عن آل البيت لأنّه رافضيّ غال في التّشيّع .

وعليه فلا شكّ أنّ  الحديث بهذا الإسناد إن لم يكن موضوعاً فهو ضعيف جداً لا يصحّ الاستشهاد به ولا الاعتبار .

وله شاهد عن أنس أخرجه الخطيب من طريق أبي بكر بن أبي داود حدثّنا عبدالرحمن بن مسلم المقري حدّثنا نعيم بن قنبر قال : سمعت أنساً يقول : فذكره مرفوعاً مثله ( ).

وهو شاهد زور في الحقيقة إذ في إسناده نعيم بن قنبر ، قال الدّكتور خلدون الأحدب : «صوابه  يغنم بن سالم  وهو هالك كان يضع الحديث على أنس ، قال الحافظ في اللسان : معروف مشهور بالضّعف متروك الحديث »    ( ).

قال ابن حبّان : يغنم بن سالم : شيخ  يضع الحديث على انس ( ) .

والحديث ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية ( ) ، وقال : لاشكّ أنّه موضوع .

أمّا من حيث المعنى فإنّه لا دلالة فيه على ما أراده السيوطي رحمه الله ، فإنّ المعنى ينصرف مباشرة لمن يستحق الجنّة من بني هاشم ، وإلاّ فأبو لهب من بني هاشم وهو من أهل النّار إجماعاً ، وأبو طالب من بني هاشم وهو من أهل النّار إجماعاً .

* قال السيوطي : «    وما أورده أيضا وعزاه لابن البختري ( )عن جابر ابن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : «    ما بال أقوام يزعمون أن رحمي لا ينتفع بلى حتى تبلغ حا وحكم وهم أحد قبيلتين من اليمن ، إني لأشفع فأشفع حتى أن من أشفع له ليشفع فيشفع حتى أن إبليس ليتطاول طمعا في الشفاعة  »    ( ) .

قلت : أخرجه الطبراني( ) قال : حَدَّثَنَا محمد بن العباس المؤدب حَدَّثَنَا عبيد بن إسحاق العطار حدثنا القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل حدثني أبي عبد الله بن محمد بن عقيل قال : وكنت أدعو جدي أبي قال حدثنا جابر بن عبد الله قال : كان لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خادم تخدمهم ، يقال لها برةُ ، فلقيها رجل ، فقال لها : يا برةُ غطي شعيفاتك ، فإن محمداً لن يغني عنك من الله شيئاً ، فأخبرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج يجر رداءه ، محمرة وجنتاه ، وكنا معشر الأنصار نعرف غضبه بجر ردائه ، وحمرة وجنتيه ، فأخذنا السلاح ، ثم أتيناه ، فقلنا : يا رسول الله ؛ مرنا بما شئْت ، فوالذي بعثك بالحق ، لو أمرتنا بأمهاتنا وآبائنا وأولادنا ، لأمضينا قولك فيهم ، فصعد المنبر ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، وقال : من أنا ؟ ، فقلنا : أنت رسول الله ، قال : نعم ، ولكن من أنا ؟ ، فقلنا : أنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، قال : «    أنا سيد ولد آدم ، ولا فخر ، وأول من تنشق عنه الأرض ، ولا فخر ، وأول من ينفض التراب عن رأسه ، ولا فخر ، وأول داخل الجنةَ ، ولا فخر ، ما بال أقوام يزعمون أن رحمي لا تنفع ، ليس كما زعموا ، إني لأشفع وأشفع ، حتى أن من أشفع له ليشفع فيشفع ، حتى إن إبليس ليتطاول في الشفاعةِ  »    . قال الطبراني : «    لم يرو هذا الحديث عن  عبد الله بن محمد بن عقيل  عن  جابر  إلا  القاسم بن عبد الله  ، تفرد به  عبيد بن إسحاق »   . 

قلت : عبيد بن إسحاق ، وشيخه القاسم بن محمد الهاشمى متروكان . 

فأما القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل الهاشمي الطالبى ، قال أحمد بن حنبل : ليس بشيء ، وقال أبو حاتم : متروك ، وقال أبو زرعة : أحاديثه منكرة ( ).

وأما عبيد بن إسحاق العطار ، فضعفه ابن معين ، وقال البخاري : عنده مناكير ، وقال الأزدي : متروك الحديث . وقال الدارقطني : ضعيف . وقال ابن عدي : عامة حديثه منكر ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وأما أبو حاتم فقال : ما رأينا إلا خيراً ، وما كان بذاك الثبت ، في حديثه بعض الإنكار وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : يغرب ، وقال ابن الجارود : يعرف بعطار المطلقات ، والأحاديث التي يحدث بها باطلة ( )، فأنى لمثل هذا أن يُذكر فضلاً عن أن يُحتج به ( ).

وفي متنه فيه نكارة ، فكيف ينكر النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ما قرره في عشرات النصوص والآيات ومنها حديث الصحيحين المتقدم من أنّه  لا يملك لأحد من قرابته نفعاً ولا ضراً .

* قال السيوطي : «    ونحو هذا ما أخرجه الطبراني من حديث أم هاني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «    ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي ، وإن شفاعتي تنال حا وحكم  »   ( ) .

قلت : أخرجه الطّبراني قال : حدثنا زكريّا بن يحي السّاجي ثنا هدبة بن خالد ثنا حمّاد بن سلمة عن عبدالرّحمن بن أبي رافع أنّ أمّ هانىء بنت أبي طالب خرجت متبرّجة قد بدا قرطاها فقال لها عمر .. فذكره ( )، قال الهيثمي في المجمع : هو مرسل ورجاله ثقات ( ) .

وأخرجه عبد الرزاق( )، ومن طريقه أحمد( ) قال : أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال : رأى عمر بن الخطاب امرأة في زيها ، فقال ترين قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تغني عنك من الله شيئاً ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : «    إنه ليرجو شفاعتي صداءُ أو سلهب »    ، قال معمر وأخبرني خلاد بن عبد الرحمن عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله ، إلا أنه قال : إن تلك المرأة أم هانئ ، وقال : «    إنه ليرجو شفاعتي خا وحكم »    ، قبيلتان : خاءَ خولان ، وحكم مذحج .

وأخرج ابن أبى عاصم ( ): حدثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم ناعبد الرحمن بن بشير عن محمد بن إسحاق حدثني نافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم عن ابن عمر وعن سعيد المقبري عن أبي هريرة وعن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهم قالوا : قدمت درة بنت أبي لهب المدينة مهاجرة ، فنزلت دار رافع بن المعلى الزرقي ، فقال لها نسوة جلسن إليها من بني زريق : أنت ابنة أبي لهب الذي قال الله عز وجل                                [المسد:1ـ2]  ، ما يغني عنك مهاجرك ! ، فأتت درة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فشكت إليه ما قلن لها ، فسكنها ، وقال : اجلسي ، ثم صلى بالناس الظهر ، وجلس على المنبر ساعة ، ثم قال : «     يا أيها الناس مالي أوذى في أهلي ، فواِلله إن شفاعتي لتنال بقرابتي حتى حا وحكم وصداءَ وسلهب يوم القيامةِ »    ، قال ابن أبى حاتم( ): «    سألت أبي عن حديث رواه عبد الرحمن بن بشير عن محمد بن إسحاق .. فذكره بطوله . قال أبي : هذا حديث ليس بصحيح عندي  »    ( ) .

قلت : ولو صحّ ما كان فيه كبير معنى ، فإنّ الإجماع منعقد أنّ الشّفاعة لا تكون إلاّ للموحّدين ، وقد قدّمنا أنّ والديه  ليسا كذلك لو لم يأتنا فيهم شيء ، كيف وقد صحّت الأدلّة القطعيّة أنّهما ليسا من أهلها ، وإذا كان  لم يُؤذن له في الاستغفار لأمه في الدّنيا فكيف يُشفّع فيها يوم القيامة ؟! .

* قال السيوطي : «    ثم رأيت الإمام أبا عبد الله محمد بن خلف الأبي بسط الكلام على هذه المسألة في شرح مسلم عند حديث «    إن أبي واباك في النار  »    فأورد قول النووي : «    فيه أن من مات كافرا في النار ولا تنفعه قرابة الأقربين »   ثم قال : قلت أنظر هذا الإطلاق ، وقد قال السهيلي : ليس لنا أن نقول ذلك فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : «    لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات »   ( ) وقال تعالى :                                    [الأحزاب:57] ، ولعله يصح ما جاء أنه صلى الله عليه وآله وسلم سأل الله سبحانه فأحيا له أبويه فآمنا به ( )ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوق هذا ولا يعجز الله سبحانه شيء .

ثم أورد قول النووي : «     وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار وليس هذا من التعذيب قبل بلوغ الدعوة لأنه بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الرسل »    ، ثم قال : قلت : تأمل ما في كلامه من التنافي فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة ، فإن أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول ولا أدركوا الثاني كالإعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبيصلى الله عليه وآله وسلم ، والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين ، ولكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنما يعنون التي بين عيسى والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولما دلت القواطع على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة علمنا أنهم غير معذبين »   ( ) .

قلت : هذه الشّبهة الّتي يدندن حولها السّيوطي ومن معه وهي أنّ في ذكر كفر والد النّبيّ  أذى للنّبيّ  ، هي في الحقيقة تهويش لا يغني صاحبه من قرع أهل السّنّة له على ردّ السّنّة والطّعن في الرّوايات الثّابتة ونشر المنكرات والموضوعات من الرّوايات وتأصيل منهج محدث في ردّ السّنّة وتأويلها ومصادمتها صراحة بلا برهان من الله ولا رسوله  .

فالأذى للنّبيّ  كلّ الأذى أن يُردّ ما جاء به ويُدفع ما أخبر عنه بشبهة واهية مثل هذه ، فنقول : إنّ الأذى يكون إذا ابتدأ الرّجل بسبّ أبيه أو أمّه أو تنقّصهما بلا سبب .

أمّا حكاية ما أخبر به هو  في مقام الذّبّ عن سنّته وحماية جناب شرعته من دخن البدعة فهذا ليس بأذى بل نصر له ولدينه .

ولو كان  يتأذّى منه ما أخبر به على مسمع من النّاس .

ولو كان  فيه أذىً له ما أخبر به الصّحابة وهم أحرص النّاس على صيانة جانب النّبيّ  .

ولو كان فيه أذىً له ما تتابع الرّواة من أهل الحديث منذ عصره  إلى يومنا هذا على تناقل هذه الرّوايات الصّحيحة دون نكير منهم حتّى جاء السّيوطي ومن معه ليقولوا لنا إنّ حكاية هذا الأمر أذى للنّبيّ  ، فانظر ما في هذا القول من الشّناعة بتخطئة أجيال من السّلف تناقلوا هذه الرّواية في كتاب يُعدّ ثاني أصحّ كتاب بعد كتاب الله عزّوجل .

نعم لا ينبغي أن يردّد المؤمن كفر والديه  دون حاجة من علم يُنقل أو حديث يُشرح أو شبهة ترد ، كما أنّه هو  قاله تطييباً لقلب الرّجل ومواساة له ، وما نحن فيه فمن هذا القبيل ، ورواية الخبر علم يُنقل ليكون حجّة قاطعة على رأس المبتدعة أنّ شفاعة النّبيّ  لا تنفع من مات على شرك وكفر ، وأنّه  لم ينتفع به أقرب النّاس إليه فكيف الأبعدون ؟ .

وأمّا رمي الأبي للنّووي بالتّناقض في الكلام فمردّه إلى قصر فهم الأبي عن عبارة النّووي ، فإنّ وصف الزّمن السّابق للنّبيّ  بالفترة يُراد به : الفترة من الرّسل ، وهذا أخصّ من التّعبير عّمن لم تبلغهم الدّعوة بأنّهم من أهل الفترة ، وهذا تعبير القرآن الكريم فقد قال تعالى :                            [المائدة:19] 

 وأهل الكتاب قبل مبعثه  قامت عليه الحجة الرسالية بلا شك .

إذن فتعبير النّووي ليس فيه تناقض فوصفه لتلك الحقبة بأنّها فترة صحيح ، مع كونهم بلغتهم الدّعوة وقامت عليهم الحجّة ، والله أعلم .

* قال السيوطي : «    فإن قلت : صحّت الأحاديث بتعذيب أهل الفترة كصاحب المحجن وغيره ، قلت : أجاب عن ذلك عقيل بن أبي طالب( )بثلاثة أجوبة :

الأوّل أنّها أخبار آحاد ، الثّاني : قصر التعّذيب على هؤلاء والله أعلم بالسّبب »   ( ) .

قلت : هذا الاستشكال الّذي أورده الأبي صحيحٌ للغاية وهو قاطع في الباب وحجّة على المخالف المستدلّ بالعمومات في إبطال السّنن ، أمّا الأجوبة ففيها من الضّعف والتّناقض ما فيه ، وهذا بيان ذلك :

أمّا جوابه الأوّل : فهي شنشنة من أخزم ، وحيدة معلومة لأرباب الهوى ، وطاغوت اتّخذه أهل البدع للتنصّل من مسؤوليّتهم تجاه ما صحّ عن النّبيّ  ، ومذهب رديء مُحدث ، ما سبق عن أحد من صحابة رسول الله  ولا عن تابعيهم بإحسان ولا الأئمّة المتبوعين .

فحديث الواحد حجّة قائمة بنفسها مادامت فيه شروط الصّحّة ورواه الثّقات باتّصال ، وهذه الأحاديث الّتي يشير إليها كلّها صحيح ثابت باعترافه هو ، ولو وجد إلى الغمز فيها سبيلاً لفعل كما فعل بحديث مسلم الوارد في والد النّبيّ  .

والأئمّة متّفقون على أنّ خبر الواحد حجّة في العلميات والعمليّات على حدّ سواء ، وإنما الخلاف بينهم فيما يفيده خبر الواحد هل يفيد الظن أم العلم النظري أم العلم القطعي الضروري ؟

   فقال البعض : كالنووي وغيره إنّه يفيد الظن لأن النقلة يجوز عليهم الخطأ والنسيان ، ولايمكن في هذه الحالة أن نقطع بأنّه كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إلاّ أن ذلك لايمنع الاحتجاج به في العبادات ولا العقائد إذ نحن غير مكلفين بأكثر من ذلك .

     وقال آخرون : بل هو مفيد للعلم الضروري القطعي منهم ابن الصلاح رحمه الله ، وقال غيرهم قد يفيد العلم النظري دون القطعي والضروري ، وذلك أن المتبحّر في علم الحديث قد يحصل له بالتتبع و الاستقراء أن هذا الحديث صحيح عن رسول الله ويحصل عنده العلم بكونه من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فخبر الواحد إذن قد يحتف به من القرائن مايجعل العلم حاصلاً بكونه من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 

وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعض أخبار الآحاد التي حصل العلم بصدقها فمن ذلك : 

  1 . الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول سواء في ذلك تصديقاً له أو العمل بموجبه فإن في ذلك مما يوجب القطع بصحته في نفس الأمر إذ الأمة لا تجتمع على ضلالة ومن ذلك أحاديث الصحيحين في الجملة .

 2 . الاحاديث التي تلقّاها أهل العلم بالحديث بالقبول والتصديق فإن سائر الناس تبع لهم في معرفة الحديث فإجماعهم معصوم ، لايجوز ان يجمعوا على خطأ .

3 . الخبر المستفيض الوارد من وجوه كثيرة لا مطعن فيها يفيد العلم النظري للمتبحر في هذا الشأن ( ) .

وأمّا إذا لم يوجد من القرائن مايفيد اليقين وحصول العلم به فإن الحديث لايفيد إلا الظنّ ، ولانقطع بصحته في نفس الأمر إذا لم يخالف أصلاً شرعياُ ولم يكن في متنه نكارة ، ولكن هذا لايوجب رده بل يجب قبوله والعمل به فإن الشّرع عوّل على خبر الواحد في العلميات والعمليات على السواء ، كما ورد من إرساله صلى الله عليه وآله وسلم معاذاً إلى اليمن وعلي بن أبي طالب وغيرهم من الرسل كلهم أرسلهم بالعقيدة والتّوحيد وهم آحاد ، ومادام الشرع عوّل عليه فلا وجه إذن لرده بحجة أن العقيدة لاتؤخذ إلاّ من طريق قطعي فما رضيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنا رضيناه نحن أنفسنا ولايكلّف الله نفساً إلاّ وسعها ، مع العلم أنّ الله تعالى أطلق الظّنّ على العلم كما في قوله تعالى :                      [البقرة:46]  وقال تعالى على لسان من أوتي كتابه بيمينه :               [الحاقة:20] والظّنّ هنا العلم واليقين .

وقد أحال الشّرع في القضاء والأحكام الشّرعيّة ، على الظّنّ كما في اعتماد الحاكم في حكمه على الشّهود وهم آحاد ، وفي الإعلام بدخول وقت الصّلاة على المؤذّن وهو واحد ، وأشياء لا تحصى ، ولا فرق في دين الله بين العقائد والأحكام الشّرعيّة من حيث التّكليف وهو مبلغ علم الإنسان وعلى المسلم أن يتّقي الله مااستطاع وهذا قدر الإستطاعة .

هذا من حيث الغمز في تلك الأحاديث بأنّها آحاد ، أمّا قوله بعد ذلك : «    فلا تعارض القاطع »    ، فيُقال : أين القاطع المزعوم ؟ إنّ النّصوص الّتي أوردها السيوطي وغيره في عدم التعذيب قبل الدّعوة أمر مسلّم لكن الشّأن في القول بأنّ أهل الجاهليّة هم من الّذين لم تبلغهم الدّعوة فهذا يحتاج إلى دليل خاص بأنّ فلاناً من النّاس أو جماعة منهم لم تبلغه الدّعوة ، فأين هذا الدّليل الخاص ؟

بل الدّليل الخاص دلّنا على أنّ أهل الجاهليّة لم يكونوا منهم بدليل هذه النّصوص الّتي يدّعي الأبي أنّها من أخبار الآحاد وأنّها لا تعارض القاطع المزعوم ، فانظر رحمك الله إلى هذا الإيهام والتّلبيس أين يقع من القارئ إذا لم يكن ملماً بطرق المتأخّرين من أهل الأهواء في الحيدة عن النّصوص .

ثمّ نقول : إذا كان الأمر ما ذكر فإنّ المخالف لهم يقول : إنّ تلك النّصوص عندي قطعيّة ، وبيانه أنّها واردة في الصّحيحين أو أحدهما ، وقد تقرّر أنّ الأمّة اتّفقت على تلقّي ما فيهما من النّصوص بالقبول ، وإجماع الأمّة حجّة معصومة من الخطأ ، فأصبحت من قبيل المقطوع به .

وهذا الكلام صحيح لا غبار عليه ، فقد أجمع أهل العلم من المحدّثين والنّاس تبع لهم في هذا على جلالة الصّحيحين وصحّة ما فيهما ، فكانت بذلك قاطعة تعارض القاطع المزعوم مع أنّ الحال عدمه .

ولا يُشغّب على ما ذكرنا بأنّ بعض الأئمّة انتقد بعض ما في الصّحيحين واستدرك عليهما لأنّا نقول :

إنّ الأئمّة المصرّحين بقطعيّة ما في الصّحيحين استثنوا هذه النّصوص الّتي تكلّم فيها بعض الحفّاظ بغضّ النّظر عن الصّواب مع الشّيخين أم مع من استدرك ، فتبقى البقية على أصل القطع ، على أنّ جملة المنتقد لا يكاد يزيد عن مئة حديث الغالب فيها أنّ الصّواب مع الشّيخين .

ثمّ إنّ ما ذكره هذا المشغّب عليه لا له لو تأمّل : فإنّ أولئك الّذين استدركوا على الصّحيحين من الأئمّة الحفّاظ الكبار الّذين مكّنتهم خصائصهم العلميّة ومكانتهم وسعتهم في الرّواية من الجرأة على نقد ما في الصّحيحين ، كالدّارقطني( ) مثلاً ، ومع هذا فلا يُنقل عنهم أنّهم انتقدوا أكثر من تلك النّصوص المعدودة ، فهذا دليل على أنّ الباقي غاية في الصّحّة والسّلامة من النّقد إلاّ عند أهل الهوى الّذين لو سمعوا من رسول الله  ما صدّقوا ولا آمنوا وليس هذا مُستبعداً وقد صدر عن بعضهم .

ثمّ إنّا نقول : ما ذكرتموه دليلٌ على أنّ أحاديث الصّحيحين تعرّضت خلال هذه لقرون الطّويلة إلى حملات نقد وتشكيك كثيرة سواء في متون الأحاديث أو أسانيدها ، من بعض أهل العلم ومن كثير من الزّنادقة ، ومع هذا لا نعلم إلى السّاعة من طعن في أحاديث تعذيب أهل الفترة أو استشكلها ، وهذا قائم مقام الإجماع السّكوتي وهو حجّة في مثل هذا المقام ، فقد علمنا من منهج السّلف أنّ كلّ قول ليس لك فيه إمام فهو باطل ، إذ فيه تجهيل السّلف قاطبة بما تدّعي أنت الفوز بالعلم به وفهمه وفي هذا ما فيه .

أمّا جوابه الثّاني :

فيالله العجب كيف يتناقض الواحد من هؤلاء ويحجّ نفسه بنفسه وهو لا يعلم ، إذ قوله هذا ـ لو تأمّله حقّ التّأمّل وسار معه بنيّة التّسليم ـ دليل عليه ، إذ يقول له المخالف : أصبت كبد الحقيقة ، فإنّا نقول لك : الزم هذا مع كلّ من ثبت تعذيبه وأنّه في النّار ومنهم والداه  ، فإذا زعمت أنّ ذلك يعارض أنّه من أهل الفترة فقل فيه ما قلت في الآخرين : أنّه مقصور عليه والله أعلم بالسّبب .

وإذا سلّمت بجهلك بالسّبب ففوق كلّ ذي علم عليم ، إذ بيّن الأئمّة أنّ سبب تعذيبهم أنّهم ماتوا على الكفر والشّرك مع أنّهم بلغتهم الدّعوة فكانوا من أهل النّار والحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصّالحات .

ثمّ قال الأبي فيما نقله السيوطي : «    الثالث : قصر التّعذيب على من بدّل الشّرائع وشرع من الضّلال ما لا يُعذر به فإنّ أهل الفترة ثلاثة أقسام الأول من أدرك التوحيد ببصيرته ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعته ( ) كقِسّ بن ساعدة( )وزيد ابن عمرو بن نفيل ( )ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم كتُبّع وقومه .

القسم الثاني : من بدل وغير وأشرك ولم يوحد وشرع لنفسه فحلل وحرم وهم الأكثر كعمرو بن لحي أول من سن للعرب عبادة الأصنام وشرع الأحكام( ). 

القسم الثالث : من لم يشرك ولم يوحد ولا دخل في شريعة نبي ولا ابتكر لنفسه شريعة ولا اخترع دينا بل بقي عمره على حال غفلة عن هذا كله وفي الجاهلية من كان كذلك .

فإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة الأقسام فيحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثاني لكفرهم بما لا يُعذرون به . 

وأما القسم الثالث : فهم أهل الفترة حقيقة وهم غير معذبين للقطع كما تقدم .

وأما القسم الأول : فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في كل من قس وزيد «    أنه يبعث أمة وحده »   ( )وأما تبع ونحوه فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه ما لم يلحق أحد منهم الإسلام الناسخ لكل دين  »    ( ) .

قلت : أمّا التّقسيم من حيث هو فصحيح في نفسه على دَخن ، فمن دخنه أنّه جعل من أدرك منهم التّوحيد أدركه ببصيرته ، وهذا هروب منه حتّى لا يقرّ بوصول الدّعوة لهؤلاء ، والصّحيح أنّ هؤلاء الموحّدين كانوا قد أدركوا الحق بما وصلهم من دعوات الأنبياء وملّة إبراهيم وإن كانت لم تصلهم كاملة فيكفيهم قبولهم ما عرفوا منها .

ومن دخنه عدّه غالب أهل الجاهليّة أهل غفلة عن الحق فلم يغيروا ولم يبدّلوا وهذا خلاف المعلوم ضرورة أنّهم كانوا غارقين في الشّرك وعبادة الأصنام ، حتّى إنّ الموحّدين منهم كانوا يُعرفون لقلّتهم وتُنقل الأخبار عنهم كزيد بن عمر بن نفيل وقس بن ساعدة .

هذا من حيث تقسيمه ، أمّا من حيث بيان فساد الاستدلال فإنّه من العجب أنّه جعل من غيّر وبدّل معذّباً غير ناجٍ وفرّق بينه وبين الغافلين كما زعم ، مع أنّ  المفترض أنّ العلّة في التّعذيب من عدمه هو وصول البلاغ ، فمن لم تصله الدّعوة فهو غير معذّب سواء كان من أئمّة الكفر المضلّين أو كان من سوقة النّاس ورعاعهم ومغفّليهم فلا فرق من حيث العلة .

وكيف جعل هؤلاء المبدّلين للشرائع خارجين عن رحمة الله بتبديلهم مع أنّ مناط التعذيب هو قيام الحجّة ببلوغ الدّعوة لكلا الفريقين : فهذا قياس فاسد وتفريق بين متماثلين بلا حجّة ولا برهان إلاّ مجرّد التّحكّم .

ثمّ إنّه جزم لأهل الفترة بأنّهم لا يعذّبون وهذا باطل ، بل الصحيح من حكمهم كما قرره السيوطي نفسه أنّهم يُمتحنون فمنهم من يدخل الجنة ومنهم من يدخل النّار .

ثمّ إنّه قد حكم أنّ من صحّ فيه النص أنّه في النّار فهو من القسم الثاني ، فهذا حجة عليه لأنّ النص قد صحّ أنّ والده في النّار وأنّه لم يُؤذن له في الاستغفار لأمهّ .

وهنا فائدةٌ مهمّة ، وهي أنّ الغفلة والجهلة ليست عذراً بكل حال ، أعني أنّ أفضل توصيف لحال والديه وجمهور أهل الجاهليّة أنّهم من المقلدين السائرين مع رؤسائهم وآبائهم دون تفكير في صواب ما هم عليه من عدمه ، وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله هذا الصنف في كتابه الماتع طريق الهجرتين أنقله بشيء من الاختصار ، قال رحمه الله : «    الطبقة السابعة عشرة : طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم الذين هم معهم تبعا لهم يقولون : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على أسوة بهم ، ومع هذا فهم تاركون لأهل الإسلام غير محاربين لهم ، كنساء المحاربين وخدمهم وأتباعهم ، الذين لم ينصبوا أنفسهم لما نصبت له أولئك أنفسهم من السعي في إطفار نور الله وهدم دينه وإخماد كلماته ، وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالاً مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم ، إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة ، وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام( ) .

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : «    ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه »   ( )، فأخبر أن أيود ينقلانه عن الفطرة إلى اليهودية والنصرانية والمجوسية ولم يعتبر في ذلك غير المربى والمنشأ على ما عليه الأبوان ، وصحّ عنه أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم : «    إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة »    ( )، وهذا المقلد ليس بمسلم وهو عاقل مكلف ، والعاقل المكلّف لا يخرج الإسلام أو الفكر ، والإسلام هو توحيد الله عبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرا معاندا فهو كافر جاهل فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهّال غير معاندين وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفاراً ، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذّب رسوله إمّا عناداً أو جهلاً وتقليداً لأهل العناد ، فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد ، وقد أخبر الله في القرآن في غير موضع بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار وان الأتباع مع متبوعيهم وأنهم يتحاجون في النار وأنّ الأتباع يقولون :                                      [الأعراف:38]  وقال تعالى :                                                                        [غافر:47،48] .. فهذا إخبار من الله وتحذير بأن المتبوعين والتابعين اشتركوا في العذاب ولم يغنِ عنهم تقليدهم شيئاً .

نعم ، لا بدّ في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال وهو الفرق بين مقلدٍ تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه ، ومقلّدٍ لم يتمكن من ذلك بوجه والقسمان واقعان في الوجود .

فالمتمكن المعرِض مفرطٌ تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله ، وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان أيضا : 

أحدهما : مريدٌ للهدى مؤثر له محب له غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده فهذا حكمه حكم أرباب الفترات ومن لم تبلغه الدعوة .

الثاني : معرضٌ لا إرادة له ، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه ، فالأول يقول : يا ربّ لو أعلم لك ديناً خيراً مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه ، ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي ، والثاني : راضٍ بما هو عليه لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه سواه ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته وكلاهما عاجز وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق .

فالأول كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزاً وجهلاً ، والثاني : كمن لم يطلبه بل مات على شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه ، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض ، فتأمل هذا الموضع ، والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل فهذا مقطوع به في جملة الخلق .

وأما كون زيدٍ بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا فذلك ما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه ، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير الإسلام فهو كافر ، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول ، هذا في الجملة والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه هذا في أحكام الثواب والعقاب وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر : فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة ، وهو مبني على أربعة أصول : 

أحدها : أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه كما قال تعالى :                 [الإسراء:15]  وهذا كثير في القرآن ، يخبر أنه إنما يعذب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة وهو المذنب الذي يعترف بذنبه وقال تعالى :                 [الزخرف:76] والظالم من عرف ما جاء به الرسول أو تمكن من معرفته بوجه وأما من لم يعرف ما جاء به الرسول وعجز عن ذلك فكيف يقال إنه ظالم؟.

الأصل الثاني : أن العذاب يُستحق بسببين أحدهما : الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها ، الثاني : العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها ، فالأول كفر إعراض ، والثاني كفر عناد ، وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل .

الأصل الثالث : أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان وفي بقعة وناحية دون أخرى كما أنها تقوم على شخص دون آخر ، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئا ولا يتمكن من الفهم ، وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم في حديث الأسود وأبي هريرة وغيرهما .

الأصل الرابع : أن أفعال الله سبحانه وتعالى تابعه لحكمته التي لا يخل بها ، مقصودة لغايتها المحمودة وعواقبها الحميدة وهذا الأصل هو الأصل هو أساس الكلام في هذه الطبقات .. وصدق الله وهو أصدق القائلين :                [الأنبياء:23] لكمال حكمته وعلمه ووضعه الأشياء مواضعها وأنه ليس في أفعاله خلل ولا عبث ولا فساد يسأل عنه كما يسأل المخلوق ، وهو الفعال لما يريد ولكن لا يريد أن يفعل إلا ما هو خير ومصلحة ورحمة وحكمة ، فلا يفعل الشر ولا الفساد ولا الجور ولا خلاف مقتضى حكمته لكمال أسمائه وصفاته وهو الغنى الحميد العليم الحكيم  »   ( ) .

وإذا كان كذلك عرفنا أنّ هذا التقسيم لا يسعفه للخروج ولا يفيده في مواجهة النّصوص القطعيّة ثبوتاً ودلالة على أنّ أبويه صلى الله عليه وآله وسلم ماتا على الكفر وأنّهما في النّار  ، والله المستعان .

وهو أنّهما كانا على أصل التّوحيد ، فلم يقعا في الشّرك وعبادة الأوثان ، فهم كباقي الموحدين الحنيفيين الّذين ماتوا قبل البعثة .

بل عمّم السّيوطي ذلك على آبائه  إلى آدم ، وأنّه ليس في آبائه من هو كافر بالله تعالى ، وقد اضطرّ إلى ذلك لأنّ بعض الأدلّة لا يتمّ له الاستدلال بها إلاّ بذلك فاقتضى منه الحكم بإسلام والديه  وجدّه عبدالمطّلب وآبائه إلى آدم عليه السّلام .

* قال السيوطي : «    المسلك الثاني : أنهما لم يثبت عنهما شرك بل كانا على الحنيفية دين جدهما إبراهيم عليه السلام كما كان على ذلك طائفة من العرب كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهما »    ( ).

قلت : أمّا من ذكرهم فقد جاءت النصوص بذلك ، وأمّا والداه فقد ثبت أنّهما في النّار كما قاله هو صلى الله عليه وآله وسلم .

* قال السيوطي : «    وهذا المسلك ذهبت إليه طائفة منهم الإمام فخر الدين الرازي ( ) : فقال في كتابه أسرار التنزيل ما نصه : قيل إن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه واحتجوا عليه بوجوه : منها أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارا ويدل عليه وجوه : منها قوله تعالى :                     [الشعراء:218،219]  قيل : معناه أنه كان ينقل نوره من ساجد إلى ساجد ، وبهذا التقدير فالآية دالة على أن جميع آباء محمد  صلى الله عليه وآله وسلم كانوا مسلمين وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين إنما ذاك عمه أقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى :          على وجوه أخرى ، وإذا وردت الروايات بالكل ولا منافاة بينها وجب حمل الآية على الكل ، ومتى صح ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان ، ثم قال : ومما يدل على أن آباء محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما كانوا مشركين قوله عليه السلام : «    لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات  »    وقال تعالى :            [التوبة:28]  فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركاً ، هذا كلام الإمام فخر الدين بحروفه »   ( ).

قلت : عادة السّيوطي إيهام القارئ أنّ هذا القول قول جماعة من الأئمّة والعلماء فهو يقول ذهب إلى هذا المسلك طائفة ثم لا يذكر منهم إلاّ شخص أو اثنين وليته يُسلّم له أحدهما .

أمّا الرّازي فقد نسب السّيوطي إليه ما هو بريء من قوله ، وذلك أنّ الفخر الرازي ذكر هذه المسألة في موضعين من كتابه أنقلهما بنوع اختصار لتعلم مدى دقّة السيوطي في النّقل  ، قال في تفسير قوله تعالى :                      [الأنعام:74]  ، «    قالت الشيعة ( ): إنّ أحداً من آباء الرّسول  وأجداده ما كان كافرا، ًوأنكروا أن يُقال : إنّ والد إبراهيم كان كافراً ، وذكروا أنّ آزر كان عمّ إبراهيم عليه السّلام وما كان والداً له ، واحتجّوا على قولهم بوجوه »    ثم ذكر حججهم على هذا وهي حجتان : قوله تعالى :           وقوله  : «    لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين »    مع قوله تعالى )            ، والحجة الثانية  : أنّ في هذه الآية مشافهة إبراهيم لأبيه بالغلظ ، ثمّ عقّب على ذلك بقوله : «    وأمّا أصحابنا( ) فقد زعموا أنّ والد رسول الله  كان كافراً وذكروا أنّ نصّ الكتاب في الآية تدلّ على أنّ آزر كان كافراً وكان والد إبراهيم عليه السّلام ، وأيضاً قوله تعالى :               [التوبة:114] وذلك يدلّ على قولنا .. وأمّا قوله عليه السّلام فمحمول فذلك محمول على أنّه ما وقع في نسبه ما كان سفاحاً »   ( ).

فأنت ترى أنّ الرّازي هنا ما ذهب لهذا القول بل حكاه عن الشّيعة ، وهذا دليل على أنّه لا قائل به على هذا التّعميم ـ أعني أنّ كل آبائه  مؤمنين ـ إلاّ هذه الفرقة الضالة .

والدّليل على أنّه يردّ هذا القول : أنّه ذكر المسالة في موضع ثانٍ في تفسير آية :             حيث قال هناك : «    اِعلم أنّ الرّافضة ذهبوا إلى أنّ آباء النّبيّ  كانوا مؤمنين وتمسّكوا في ذلك بهذه الآية  وبالخبر ، أمّا هذه الآية فقالوا : قوله تعالى :          يحتمل الوجوه الّتي ذكرتم .. »    ثمّ قال الرازي عقب ذلك : «    واعلم أنّا نتمسّك بقوله تعالى :         ، وما ذكروه صرفٌ للّفظ عن ظاهره ، وأمّا حمل الآية على جميع الوجوه فغير جائز لما بيّنّا أنّ حمل المشترك على كلّ معانيه غير جائز ، وأمّا الحديث فهو خبر آحاد فلا يُعارض القرآن »    .( )

وبهذا يتبيّن لك ما يلي :

1 . أنّ نسبة القول بهذا المسلك للرّازي خطأ عليه .

2 . أنّ هذا القول هو قول الرّافضة وحسبك بقول تنفرد به الرّافضة .

والعجب أنّ الرّازي في الموضعين ينسب هذا القول للشّيعة والرّافضة ومع هذا يغفل السيوطي ذلك ولا يذكره لأنّه عرف ما في نسبة القول لهم من بيان عواره .

أمّا الأدلّة فسيأتي نقاشها بإذن الله في كلام السيوطي  ، وأمّا احتجاج الرازي عليهم بأن خبر الآحاد لا يُعارض القرآن فقد تقدم ما في هذا الكلام من مخالفة لمنهج السّلف الصالح  ( ) .

ولمّا اعتقد السيوطي أنّ الرّازي يذهب هذا المذهب عظّمه جداً بقوله : «    هذا كلام الإمام فخر الدين بحروفه وناهيك به إمامة وجلالة فإنه أمام أهل السنة في زمانه والقائم بالرد على فرق المبتدعة في وقته والناصر لمذهب الأشاعرة في عصره وهو العالم المبعوث على رأس المائة السادسة ليجدد لهذه الأمة أمر دينها »   ( ) .

قلت : أمّا أنه إمام أهل السنة فهذا على ما يظنه السيوطي من أن الأشاعرة هم أهل السنة ، وليس الأمر كذلك ، وليست النسبة بالدعوى وإنما بالأدلة ، والحق أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة أصلاً ، وإن كانوا أقرب من غيرهم لأهل السنة ، ولو قال : إن الرازي هو إمام الأشاعرة في زمانه لكان له ذلك ، أما السنة فهي منه براء ، والرازي له الكتب والمباحث التي خالف فيها السلف الصالح بل إنه من أكثر من قرر البدعة ومخالفة السنة في كتبه ، وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في مواطن كثيرة ، من أشهرها بيان تلبيس الجهمية ، ودرء تعارض العقل والنقل ، واستبان في تلك الكتب اضطرابه وتناقضه لدرجة أنه كان في تقريره لمذاهب المخالفين من المعتزلة والفلاسفة أشد بياناً من رده عليها ، بل أحياناً يشرح الشبهة ويبينها ويستدل لها ويتركها بلا رد ، فمن هذا حاله كيف يكون إماماً لأهل السنة فضلاً عن أن يكون مجدد أمر الدين في المئة السادسة ؟ .

قال في محمّد بن أمير بن علي بن حيدر الصديقي العظيم آبادي الشّهير بشمس الحق الهندي الحنفي ( ) : «    المراد من التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما وإماتة ما ظهر من البدع والمحدثات ،  قال في مجالس الأبرار : والمراد من تجديد الدين للأمةِ إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما , وقال فيه : ولا يُعلم ذلك المجدّد إلا بغلبةِ الظن ممن عاصره من العلماء بقرائِن أحواله والانتفاع بعلمه , إذ المجدد للدّين لا بدّ أن يكون عالما بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة ناصراً للسنةِ , قامعاً للبدعةِ , وأن يعم علمه أهل زمانه , وإنّما كان التجديد على رأس كل مائَة سنة لانخرام العلماء فيه غالباً , واندراس السنن وظهور البدع , فيحتاج حينئِذ الى تجديد الدين , فياتي الله تعالى من الخلق بعوض من السلف إما واحداً أو متعدداً انتهى . 

وقال القاري( ) في المرقاة : أي يبين السنة من البدعة ويكثر العلم ويعز أهله ويقمع البدعة ويكسر أهلها . انتهى . 

فظهر أن المجدِّد لا يكون إلا من كان عالماً بالعلوم الدينية ومع ذلك من كان عزمه وهمته آناء الليل والنهار إحياء السنن ونشرها ونصر صاحبها وإماتة البدع ومحدثات الأمور ومحوها وكسر أهلها باللسان أو تصنيف الكتب والتدريس أو غير ذلك ومن لا يكون كذلك لا يكون مجدداً البتة وإن كان عالماً بالعلوم مشهوراً بين الناس , مرجعاً لهم . 

فالعجب كل العجب من صاحب جامع الاصول أنه عد أبا جعفر الإمامي الشيعي والمرتضى أخا الرضا الإمامي الشيعي من المجددين .. ولا شبهة في أنّ عدّهما من المجددين خطأ فاحش وغلط بيّن لأنّ علماء الشيعة وإن وصلوا إلى مرتبة الاجتهاد وبلغوا أقصى مراتب من أنواع العلوم واشتهروا غاية الاشتهار , لكنهم لا يستأهلون المجددية ، كيف وهم يخربون الدين فكيف يجددون , ويميتون السنن فكيف يحيونها , ويروجون البدع فكيف يمحونها , وليسوا إلا من الغالين المبطلين الجاهلين , وجل صناعتهم التحريف والانتحال والتأويل , لا تجديد الدين ولا إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة ، هداهم الله تعالى إلى سواء السبيل  »   ( ) .

وهذا الأمر يبين لك بوضوح مبلغ العقيدة الأشعرية عند السيوطي ، مع أنا ذكرنا أن الرازي بريء مما نسبه إليه السيوطي .

* قال السيوطي : «    وعندي في نصرة هذا المسلك وما ذهب إليه الإمام فخر الدين أمور : أحدها دليل استنبطته مركب من مقدمتين : 

الأولى : أن الأحاديث الصحيحة على أن كل أصل من أصول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من آدم إلى أبيه عبد الله فهو من خير أهل قرنه وأفضلهم . 

والثانية : أن الأحاديث والآثار دلت على انه لم تخل الأرض من عهد نوح أو آدم إلى بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم إلى أن تقوم الساعة من ناس على الفطرة يعبدون الله ويوحدونه ويصلون له وبهم تحفظ الأرض ولولاهم لهلكت الأرض ومن عليها . 

وإذا قارنت بين هاتين المقدمتين أنتج منها قطعا أن آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن فيهم مشرك ، لأنه قد ثبت في كل منهم أنه من خير قرنه فإن كان الناس الذين هم على الفطرة هم إياهم فهو المدّعى وأن كانوا غيرهم وهم على الشرك لزم أحد أمرين : إما أن يكون المشرك خيراً من المسلم وهو باطل بالإجماع وإما أن يكون غيرهم خيراً منهم وهو باطل لمخالفة الأحاديث الصحيحة فوجب قطعاً أن لا يكون فيهم مشرك ليكونوا من خير أهل الأرض كلٌّ في قرنه  »   ( ) .

هكذا قال السّيوطي ، وهو في هذا بين الوهم والخلط .

أما ما جاء في المقدمة الأولى ، فقد ثبت ذلك عن النبي  بلا شك أنّ أصوله كانت من خير أهل الأزمنة التي عاشوا فيها ، لكن هذه الخيرية في النصوص ماذا يُراد بها؟

إنّ سياق النصوص التي وردت فيها هذه النصوص يدل على المراد ، وأنّه شرف الحسب والنسب ، ولا يلزم من أفضليّة الشخص في حسبه ونسبه أن يكون أفضل من كل وجه فضلاً عن أن يكون مسلماً ، وإذا كان كذلك فقد انهدم دليله بالكليّة .

وأمّا المقدّمة الثّأنية فمبنية على أخبار عن بعض العلماء لا تصلح دليلاً لو صحّت فكيف وهي في غالبها ضعيفة كما سيمر معنا .

* قال السيوطي : «    ذكر أدلة المقدمة الأولى : أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «    بُعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى بُعثت من القرن الذي كنت فيه  »   ( ) .  

قلت : حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه البخاري ( ) .

والخيرية للقرن بعامّة لا تعني الخيرية المطلقة ، والكلام في هذه النّصوص وما صحّ منها يتكلّم عن الخيريّة في النّسب ، فالنّبيّ  بُعث من أشرف النّاس نسباً ، كما جاء في الحديث الّذي سيسوقه السيوطي : «    إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة ... »    فلو كان النّبيّ  يتكلّم عن أفراد لما ذكر بني كنانة ، ولكن بني كنانة من أفضل بني إسماعيل ، وكذلك اصطفاؤه قريشاً ففيهم الكفرة الفجرة ، وإنّما ذلك مسوقٌ لبيان شرفه  نسباً ولا يعدو ذلك شيئاً .

ثمّ يُقال : لو دلّ ذلك على مراد السيوطي بالمفهوم فإنّ المتقرّر عند الأصوليين أنّ المنطوق مقدّم على المفهوم ، وحديث أنس الّذي في مسلم وغيره صريح صحيح في أنّ أباه  في النّار .

ولو صحّ المنهج والتّسليم من السيوطي لما احتاج إلى تسويد عشرات الصّحائف وليّ أعناق النّصوص والبحث في بطون الكتب عن المناكير والشّواذ لدعم رأيه المخالف للسّلف ، لأنّ الحديث نصٌ في المسألة .

* قال السيوطي : «    وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «    ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيءٌ من عهد الجاهلية ، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي ، فأنا خيركم نفساً وخيركم أباً »   ( ) . 

قلت : أخرجه البيهقي ( )عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً ، وهذا الحديث ضعيف جداً لا يثبت ولا تقوم بلفظه حجّة ، قال البيهقي عقب إيراده : «    تفرد به عبدالله بن محمد بن ربيعة القُدامي ، وله عن مالك وغيره أفراد لم يُتابع عليها »    ، قلت : وقد قصّر البيهقي في وصفه ، بل قال ابن حبان : كان تُقلب له الأخبار فيجيب فيها ، لا يحل ذكره في الكتب إلاّ على سبيل الاعتبار ، ولعله أُقلب له على مالك أكثر من مئة وخمسين حديثاً فحدث بها كلها »   ( ) ، وقال ابن عدي : عامة حديثه غير محفوظة ، وهو ضعيف على ما تبين لي من رواياته واضطرابه فيها»   ( ) ، وقال الذهبي : أتى عن مالك بمصائب ( ) .

* قال السيوطي : «    واخرج أبو نعيم في دلائل النبوة من طرق عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «    لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مُصفىً مهذباً لا تنشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما»   ( ).

قلت : أخرجه أبو نعيم( )، والحديث بهذا اللفظ ضعيف جداً ، إسناده مسلسل بالمجاهيل ، أورده ابن الجوزي وقال : من وضع القصّاص ( )والكناني في تنزيه الشّريعة( ) وضعّفه الألباني رحمه الله تعالى ( ) .

* قال السيوطي : «    وأخرج مسلم والترمذي وصححه عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم : «    إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم »    ، وقد أخرجه الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في فضائل العباس من حديث واثلة بلفظ : «     إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم واتخذه خليلاً ، واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزار ، ثم اصطفى من ولد نزار مضر ، ثم اصطفى من مضر كنانة ، ثم اصطفى من كنانة قريشاً ، ثم اصطفى من قريش بني هاشم ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب ثم اصطفاني من بني عبد المطلب  »    أورده المحب الطبري في ذخائر العقبى( ) »   ( ) . 

 قلت : أخرجه أحمد ( )، ومسلم( )والترمذي( )وهو يغني عن كل النصوص الضعيفة والمناكير التي جاء بها السيوطي ، ولكن ما معناه ؟.

معناه كمال قال كلّ الأئمة ممّن شرح هذا الحديث : أنّه صلى الله عليه وآله وسلم سليل الشرف والحسب ، وأنّه مطهّر من رجس الزنا في نسبه الكريم ، وليس في هذا أدنى دلالة على أنّ المراد بالاصطفاء الخيرية المطلقة ، وأنّهم على التوحيد بدليل ، أنّ في الحديث أنّ الله اصطفى قريشاً من بني كنانة ومن قريش بني هاشم ، فهل كان هؤلاء كلّهم على التوحيد ؟ الجواب : لا بالإجماع .

وعليه فغاية ما في الحديث أنّه عليه الصلاة والسلام أشرف الناس حسباً ونسباً ، وأنّ نسبه طاهر مطهر من السفاح .

وأمّا ما أورده الطبري في ذخائر العقبى فلا نعلم إسناده وإن كان معناه لا يخرج عن حديث مسلم ، بل فيه أشد من ذلك أنّه اصطفى من بني هاشم بني عبدالمطلب ، وبنو عبدالمطلب فيهم كفرة بالإجماع منهم أبو طالب وأبولهب ، فهل هم بذلك خير من أبي بكر وعمر وسائر الصحابة ؟ .

* قال السيوطي : «    وأخرج ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «    خير العرب مضر ، وخير مضر بنو عبد مناف ، وخير عبد مناف بنو هاشم ، وخير بني هاشم بنو عبد المطلب ، والله ما افترق فرقتان منذ خلق الله آدم إلا كنت في خيرهما »   ( ) .

قلت : لم أجده في المطبوع من الطبقات .

* قال السيوطي : «    وأخرج الطبراني والبيهقي وأبو نعيم عن ابن عمر قال : قال رسول الله   صلى الله عليه وآله وسلم : «    أن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم ، واختار من بني آدم العرب ، واختار من العرب مضر ، واختار من مضر قريشاً ، واختار من قريش بني هاشم ، واختارني من بني هاشم ، فأنا من خيار إلى خيار »   ( ) .

قلت : أخرجه الطبراني( ) والبيهقي ( ) وأبو نعيم ( )عن ابن عمر به ، ولفظه أطول من هذا ، وقد أخرجه أيضاً الحاكم( )والعقيلي( ) وابن عدي( ) ، ومداره على حماد بن واقد الصفار عن محمد بن ذكوان ، أمّا حماد بن واقد فقال البخاري : منكر الحديث ( ) ، وأمّا فهو محمد بن ذكوان فهو منكر الحديث كما قال البخاري والنسائي ( ) والحديث قال عنه ابو حاتم الرازي : منكر ( ) .

* قال السيوطي : «    وأخرج الترمذي وحسنه والبيهقي عن ابن عباس بن عبد المطلب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «    إن الله حين خلقني جعلني من خير خلقه ، ثم حين خلق القبائل جعلني من خيرهم قبيلة ، وحين خلق النفس جعلني من خير أنفسهم ، ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم ، فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً »    ( ) .

 قلت : أخرجه الترمذي وحسنه( ) والبيهقي( ) عن العباس رضي الله عنهما ، وأخرجه أيضاً من طريق آخر أحمد( )وذكره ابن كثير في البداية والنهاية( ) ولم يتكلم عليه بشيء ، وضعّفه الشيخ الألباني رحمه الله .( )

قال السيوطي : «    وأخرج الطبراني والبيهقي وأبو نعيم عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «    إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسماً ، ثم جعل القسمين أثلاثاً فجعلني في خيرها ثلثاً ، ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها ، ثم جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً»   ( ).

 قلت :أخرجه الطبراني( )والبيهقي( )وأبونعيم كما ذكرالسيوطي ( )عن ابن عباس مرفوعاً ، وفي إسناده يحيى الحماني وعباية بن ربعي وكلاهما ضعيف كما قال الهيثمي ( ) ، وقال الذهبي : عباية بن ربعي . . من غلاة الشيعة( )، ومثله يحيى بن عبدالحميد الحماني فقد وثقه ابن معين وكذبه أحمد وابن نمير وضعفه ابن المديني ، قال الذهبي بعد حكاية قول ابن عدي : «    أرجو أنه لا بأس به »    : إلا أنه شيعي بغيض( ) ، والحديث قال ابن أبي حاتم : «    قال أبي هذا حديث باطل »   ( ).

* قال السيوطي : «    وأخرج أبو علي بن شاذان فيما أورده المحب الطبري في ذخائر العقبى وهو في مسند البزار عن ابن عباس قال : دخل ناس من قريش على صفية بنت عبد المطلب فجعلوا يتفاخرون ويذكرون الجاهلية ، فقالت صفية : منا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : تنبت النخلة أو الشجرة في الأرض الكبا( ) فذكرت ذلك صفية لرسول الله   صلى الله عليه وآله وسلم فغضب وأمر بلالا فنادى في الناس فقام على المنبر فقال : أيها الناس من أنا قالوا أنت رسول الله ، قال : أنسبوني ، قالوا : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، قال : فما بال أقوام ينزلون أصلي فوالله إني لأفضلهم أصلاً وخيرهم موضعاً »   ( ).

 قلت : أخرجه أبو علي بن شاذان( ) فيما أورده المحب الطبري في ذخائر العقبى( ) وهو في مسند البزار( ) عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال الهيثمي : «    رواه البزار ، وفيه إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل وهو متروك‏ »    ( )، وكذلك قال الدارقطني : متروك ( ) فالحديث بهذا الإسناد ضعيف جداً إن لم يكن موضوعاً .

* قال السيوطي : «    وأخرج الحاكم عن ربيعة بن الحارث قال بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن قوماً نالوا منه فقالوا : إنما مثل محمد كمثل نخلة نبتت في كناس ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : «    إن الله خلق خلقه فجعلهم فرقتين فجعلني في خير الفرقتين ، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلاً ، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً ، ثم قال : أنا خيركم قبيلاً وخيركم بيتاً  »   ( ) .

قلت : أخرجه الحاكم ( )قال : حدثناه علي بن حمشاذ العدل ثنا موسى بن إسحاق القاضي ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا بن فضيل عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب عن ربيعة بن الحارث وقد تقدم ذكره ، وفي سنده يزيد بن أبي زياد الهاشمي وهو ضعيف كبر فتغير فصار يتلقن ، وكان من أئمة الشيعة الكبار ، قال ابن معين : لا يُحتجّ بحديثه ، وقال عبدالله بن المبارك( ) : اِرمِ به ، وقال أبو زرعة : يُكتب حديثه ولا يُحتج به( )، وقد اضطرب في إسناد الحديث فمرة رواه عن العباس ومرة عن عبدالله بن الحارث عن عبدالمطلب بن أبي وداعة ، ومرة رواه عن ربيعة بن الحارث ، وهو هذا ، فالحديث ضعيف كما ترى ( ) .

* قال السيوطي : «     وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «    قال لي جبريل : قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلاً أفضل من محمد ، ولم أجد نبي أب أفضل من بني هاشم »    ، قال الحافظ ابن حجر في أماليه : لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن  »   ( ) . 

قلت : أخرجه الطبراني ( )والبيهقي( ) ، قال الهيثمي في المجمع : «    رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف‏ »   ( )، وقد قصّر رحمه الله : قال أحمد : لا يُكتب حديثه ، وقال ابن معين : ليس بشيء ، وقال يحيى بن سعيد : كنا نتّقي حديثه ، وقال يعقوب بن شيبة : صدوق ضعيف الحديث جداً( )، فالحديث ضعيف جداً لا يصلح للاعتبار ، وبذا تعرف أن ما نقله السيوطي عن الحافظ لا يصح أبداً ، وإن كنت أشك في أن الحافظ قاله .

ثمّ ختم السيوطي هذا بوجه استدلاله بهذه الأخبار فقال : «    ومن المعلوم أن الخيرية والاصطفاء والاختيار من الله والأفضلية عنده لا تكون مع الشرك »   ( ) ، فهذا هو موضع استشهاده بهذه النصوص .

وجواباً على ذلك أقول وبالله الاستعانة : إن هذا تزيّدٌ وتحميل للنصوص فوق ما تحتمله ، فالنصوص كما نرى صحيحها وضعيفها وموضوعها يدور حول نسبه  الشّريف وأنه أنفس وأعلى العرب نسباً ، وكلام من طعن عليه  كان في نسبه وأنّ بني هاشم إنما شرُفوا به ، فأبى ذلك  وذكر أنه وإن زاد بني هاشم شرفاً إلا أنهم أشرف بيوت العرب .

وسبب ذلك أن النبي بُعث من أعلى البيوت حسباً وشرفاً حتى لا يُقال إنه يطلب بدعوى النبوة الشرف والحسب ، وقد قال هرقل لأبي سفيان لما سأله عن نسبه  : «    سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب فكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها »    ( )وعند مسلم «    في أحساب قومها »    ( ) ، فلذلك أكّده  اشد التأكيد ، وشرف الحسب والنسب لا علاقة له بالشرك والإيمان ، فقد يكون الرجل خيراً من آخر في حسبه وإن كان الآخر خيراً من الأول في إيمانه .

والتفاضل عند الله بالتقوى هذا صحيح ، وليس للمشرك شرف عند الله هذا صحيح ، أما في الدنيا فإن الحسيب حسيب وإن كان حسبه لا يغني عنه من الله شيئاً .

والاصطفاء والاختيار الوارد في النصوص ليس اصطفاء للجنة أو للنبوة وإنما هو اصطفاء واختيار وتفضيل دنيوي ، كما فضل بني آدم على سائر الخلق ، واصطفاهم واختارهم للابتلاء ودخول الجنة أو النار ، فالاصطفاء والاختيار في النصوص إنما هو بسبب الحسب والنسب ليكون الرسول خارجاً من أحسب البيوت وأنسبها ، فهذا يمكن أن يجامع الشرك بل لا علاقة له بالإيمان وعدمه ، بدليل أنّ في النصوص ذكر اصطفاء العرب واصطفاء بني هاشم واصطفاء بني عبدالمطلب وهؤلاء كلهم فيهم المشرك والمؤمن فكيف يفسر الاصطفاء بأنّه تفضيل عند الله ؟ فهذا ليس في شيء ممّا أورده ، بل المفاضلة عند الله بالتقوى والإيمان وهذا مالم تتحدّث عنه النصوص .

ومن هنا تعرف أن ما هو محل إجماع من أن المؤمن خير من المشرك أن ذلك من حيث إيمانه أو من حيث منزلته عند الله لهذا قال تعالى :               [الحجرات:13]  ولم يقل : عند الناس ، وهذا لا يمنع أن يكون المشرك في جانب من الجوانب أفضل وأعلى من حيث التفضيل الدنيوي ، فكما أن المشرك قد يكون أغنى من المسلم وأجمل منه وأفصح منه فكذلك يمكن أن يكون أحسب منه وأعلى نسباً ، بل قد يكون المسلم ولد زنى والمشرك ابن نبي فلا يمنع كون ولد الزنا المسلم أفضل من المشرك عند الله أن يكون المشرك الحسيب أفضل منه حسباً ، وبهذا تعلم خطأ السيوطي رحمه الله في فهم هذه النصوص .

ثمّ إنّ غاية ما فيه الاحتمال ، فكيف يُعارض القطعي في ثبوته ودلالته كما جاء في صحيح مسلم قوله  : «    إنّ أبي واباك في النار »    بأوهام وخيالات وظنون ؟ ! والظنّ لا يغني من الحق شيئاً ! .

فإذا عرفنا أنّ هذه النصوص غاية ما تتحدّث عنه هو التفضيل في الشرف والحسب ، فإن ذلك يهدم ما سيبنيه عليه وهو هذا الدليل المركب من مقدمتين هذه إحداها ، وسنذكر الأخرى وما فيها من باب سد كلّ الأبواب الّتي يتمسّك بها المخالف .

* قال السيوطي : «    ذكر أدلة المقدمة الثانية : قال عبد الرزاق في المصنف عن معمر عن ابن جريج قال : قال ابن المسيب : قال علي بن أبي طالب : «    لم يزل على وجه الدهر في الأرض سبعة مسلمون فصاعداً فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها »    ، هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، ومثله لا يُقال من قبل الرأي فله حكم الرفع ، وقد أخرجه ابن المنذر في تفسيره عن الدبري عن عبد الرزاق به »   ( ) .

قلت : قال عبد الرزاق في المصنف : عن ابن جريج قال : قال ابن المسيب قال ابن أبي طالب ، فذكره وفيه طول( ) ،وهذا إسناد لا تقوم به حجة ، لأن ابن جريج مدلس قبيح التدليس كما قال الدارقطني( ) فإنه يدلس عن الضعفاء والكذابين ، ولهذا اجتمعت كلمة الأئمة أن ابن جريج ثقة إذا قال أخبرنا وسمعت ، وأما ذا قال : عن أو قال فلان أو حُدثت فكما قال الإمام أحمد : جاء بمناكير( ) ، وقال أيضاً : بعض الأحاديث التي يرسلها ابن جريج موضوعة ، ولا أظن هذا الأثر إلا من مناكيره ، خصوصاً وأنه لم يسمع من ابن المسيب فروايته عنه مرسلة .

وأما قول السيوطي إنه على شرط الشيخين فقول ساقط ، فالبخاري لم يخرج لمعمر عن ابن جريج( ) ، وإنما أخرج له هذا مسلم والنسائي ، فكيف يقول إنه على شرط الشيخين ؟ وهو قد ذكر مسألة قولهم : على شرطهما وبين من نقل ابن حجر أن المراد إخراجهما للراوي عن شيخه بنفس صورة السند حيث قال ابن حجر فيما نقله السيوطي : «    فعلى من يعزو إلى شرطهما أو شرط أحدهما أن يسوق ذلك السند بنسق رواية من نسب إلى شرطه ولو في موضع من كتابه »   ( ) ، فقوله هنا فيه إيهام كبير خصوصاً وقد علمت ما في حديث ابن جريج إذا لم يصرح بالسماع .

وأما قوله إنه رواه الدبري عن عبدالرزاق فلا يغير من الواقع شيئاً ، والدبري هذا هو إسحاق بن إبراهيم الدبري صاحب عبد الرزاق ( ) .

* قال السيوطي : «     وأخرج ابن جرير في تفسيره عن شهر بن حوشب قال : لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض وتخرج بركتها إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده »   ( ).

قلت :أخرجه ابن جرير في تفسير قوله تعالى :                  [النحل:120] .. قال : حدثنا ابن حميد قال : ثنا حكام عن سعيد بن سابق عن ليث عن شهر بن حوشب به .

وهذا إسناد ضعيف : ابن حميد هو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف جداً ، قال ابن حبان : محمد بن حميد الرازي . . كان ممن ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبات ، ثم روى عن ابن وارة وأبي زرعة أنهما زارا الإمام أحمد فقال ابن وارة : يا أبا عبد الله رأيت محمد بن حميد ؟ قال : نعم ، قال : كيف رأيت حديثه ؟ قال : إذا حدث عن العراقيين يأتي بأشياء مستقيمة ، وإذا حدث عن أهل بلده . . أتى بأشياء لا تُعرف لا تدري ما هي ، قال : فقال أبو زرعة وابن وارة : صحّ عندنا أنه يكذب ، قال صالح بن أحمد : فرأيت أبي بعد ذلك إذا ذكر بن حميد نفض يده »     ( ) .

ثمّ إن غاية ما فيه أنه قولٌ لشهر بن حوشب وهو من التابعين على أنّه نفسه ضعيف الحديث ( ) .

* قال السيوطي : «    وأخرج ابن المنذر في تفسيره عن قتادة في قوله تعالى :                           [البقرة:38]  قال : «    ما زال لله في الأرض أولياء منذ هبط آدم ما أخلى الله الأرض لإبليس إلاّ وفيها أولياء له يعملون لله بطاعته  »   ( ) .

قلت : لم أجده .

* قال السيوطي : «    وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر : روى ابن القاسم عن مالك قال : بلغني عن ابن عباس أنه قال : لا يزال لله تعالى في الأرض ولي ما دام فيها للشيطان ولي »   ( ) .

 قلت : وهذا من بلاغات مالك وهي نصوص بلا أسانيد فلا تقوم بها حجة ، قال ابن الصلاح رحمه الله : «    وذكر أبو نصر السّجزي الحافظ قول الراوي : بلغني نحو قول مالك بلغني .. وقال : أصحاب الحديث يسمونه المعضل  »   ( ).

* قال السيوطي : «    وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في الزهد والخلال في كرامات الأولياء بسند صحيح على شرط الشيخين عن ابن عباس قال : «    ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله بهم عن أهل الأرض »    هذا أيضا له حكم الرفع »   ( ).

قلت : لم أجده في كتاب الزهد المطبوع ، وقدأورد المؤلف إسناده في كلامه عن الأبدال فقال : قال الإمام أحمد في الزهد : ثنا عبد الرحمن ثنا سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : «    ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله بهم عن أهل الأرض »     ( ) .

وهذا الإسناد ليس على شرط الشيخين لأن المنهال لم يخرج له مسلم أصلاً ، ولم يخرج البخاري للأعمش عن المنهال شيئاً .

ثم إن الأعمش وإن كان ثقة ثبتاً إلا أنه يدلس تدليس التسوية ، فيسقط ضعيفاً بين ثقتين ، فإذا عنعن فإنه يتوقف في روايته كما قال الذهبي : «    وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف ، فمتى قال : «    حدثنا »     فلا كلام ، ومتى قال : «    عن »     تطرق إليه احتمال التدليس »    ( ) ، وعلى هذا تعلم ما في قول السيوطي من تلبيس إذ صحح السند بل جعله على شرط الشيخين وليس كذلك البتة بل هو ضعيف لا يثبت عن ابن عباس .

* قال السيوطي : «    وأخرج الأزرقي في تاريخ مكة عن زهير بن محمد قال : لم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعداً لولا ذلك لأهلكت الأرض ومن عليها »   ( ) .  

قلت : أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة( ) ، وذكره القرطبي في تفسيره( ) ، عن زهير بن محمد من قوله ، وليس قوله حجة على النصوص الصحيحة الصريحة عن رسول الله   ، ثمّ إنّ الرّاوي عنه عثمان بن ساج وقيل بن عمرو بن ساج القرشيّ أبو ساج الجزري ، قال أبو حاتم : عثمان والوليد ابنا عمرو بن ساج يكتب حديثهما ولا يحتج بهما ، وقال العقيلي عثمان بن عمرو الحراني لا يتابع في حديثه وقال الأزدي : يتكلمون في حديثه ، وذكره بن حبان في الثقات ( ) .

* قال السيوطي : «    وأخرج الجندي في فضائل مكة عن مجاهد قال : لم يزل على الأرض سبعة مسلمون فصاعداً لولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها »   ( ) . 

قلت : لم أجده .  

قال السيوطي : «    وأخرج الإمام أحمد في الزهد عن كعب قال : «    لم يزل بعد نوح في الأرض أربعة عشر يدفع بهم العذاب »     ( ) .

قلت : لم أجده في المطبوع ، وأخرجه أبو نعيم حدثنا أبو بكر ، حدثنا عبد الله ابن أحمد ، حدثني أبي ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن كعب ( ) ،والأعمش تقدم ما في روايته إذا عنعن ، ولو صح ما زاد عن كونه قولاً لكعب وهو كعب الأحبار وغالب ما يرويه من الإسرائيليات .

* قال السيوطي : «    وأخرج الخلال في كرامات الأولياء عن زادان قال : «    ما خلت الأرض بعد نوح من اثني عشر فصاعداً يدفع الله بهم عن أهل الأرض »   ( ).

قلت : لم أجده .

* قال السيوطي( ): «    وأخرج ابن المنذر في تفسيره بسند صحيح عن ابن جريج في قوله :                 [إبراهيم:40]  قال: «    فلن يزال من ذرية إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم ناسٌ على الفطرة يعبدون الله »    وإنما وقع التقييد في هذه الآثار الثلاثة بقوله : «    من بعد نوح »    لأنه من قبل نوح كان الناس كلهم على الهدى  »   ( ) .

قلت : غاية ما فيه أنّ الله سيبقي ف ذرية إبراهيم من يعبد الله ولا يعني هذا أنّهم كلهم كذلك ، ويأتي زيادة بيان .

* قال السيوطي : «    وأخرج البزار في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في تفاسيرهم( ) والحاكم في المستدرك( ) وصححه عن ابن عباس في قوله تعالى :              [البقرة:213]  قال : «    كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا ، فبعث الله النبيين ، قال : وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود كان الناس أمة واحدة فاختلفوا »   ( ) .

قلت : أخرجه البزار( ) وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في تفاسيرهم( ) والحاكم ( ) ، ومداره على قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ، وقد صرح قتادة بالسماع في المستدرك ، فالأثر إسناده صحيح إن شاء الله .

* قال السيوطي : «    وأخرج أبو يعلى( ) ، والطبراني ( )، وابن أبي حاتم ( ) بسند صحيح عن ابن عباس في قوله كان الناس أمة واحدة قال : «    على الإسلام كلهم »    ( ) .

قلت : لم أجده في مسند أبي يعلى ، لا في تفسير ابن أبي حاتم ، وأخرجه الطبراني ( ) : حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني ثنا شيبان بن فروخ ثنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس به  ، وإبراهيم بن نائلة هو إبراهيم بن محمد بن الحارث بن نائلة الأصبهاني ، لم أجد فيه قولاً ، وقد روى ابن أبي حاتم عن أبي زرعة عن شيبان مخالفاً له في لفظه حيث قال فيه عن ابن عباس : كان الناس أمة واحدة قال : «    كانوا كفاراً »   ( ) .

* قال السيوطي : «    وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : «    ذُكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله نوحاً وكان أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض »   ( ).

قلت : أخرجه ابن أبي حاتم ( ) قال : حدثنا محمد بن يحيى أنبأ الحسن بن عمرو بياع السابري ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد عن قتادة به .

والحسن بن عمرو إمّا هو ابن سيف العبدي ، الكذّاب ، فالحديث بهذا موضوع ، وإمّا هو الحسن بن عمرو بن عمرو بن عون الباهلي فهو حسن( ) الإسناد ، لكن قتادة يقول : ذُكر لنا ، فالأثر بهذا مرسل . 

* قال السيوطي : «    وأخرج ابن سعد في الطبقات من وجه آخر عن ابن عباس قال : ما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام  »   ( ) .  

قلت : أخرجه ابن سعد( ) ومن طريقه الطبري في التاريخ ( ) قال أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن     ابن عباس ، وفي إسناده محمد بن السائب الكلبي متهم بالكذب ورُمي بالرفض ( ) .

* قال السيوطي : «    وأخرج ابن سعد من طريق سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه عن عكرمة قال : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام »   ( ) .

قلت : قال ابن سعد : أخبرنا قبيصة بن عقبة السوائي أخبرنا سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه عن عكرمة به ، وهذا إسناد حسن من أجل قبيصة فإنه مع ثقته كثير الغلط كما قال أحمد وابن معين وغيرهما( ) ، ويعتضد متنه بما روي عن ابن عباس وغيره ، لكن بطبيعة الحال لا يدخل في هذا القول القوم الذين بُعث فيهم نوح فإنهم أهل شرك ووثنية كما هو نص القرآن ، فالمراد قبل قومه بلا شك .

* قال السيوطي متحدثاً عن سام ولد نوح : «    بل ورد في أثر أنه كان نبياً ، أخرجه ابن سعد في الطبقات والزبير بن بكار في الموفقيات وابن عساكر في تاريخه عن الكلبي  »   ( ) .

قلت : لم أجده ، والكلبي كذاب متهم بالرفض ـ كما سبق ـ فحديثه ساقط لا يُحتج به ولا يُعتبر .

* قال السيوطي : «    وولده أرفخشد ـ أي ولد سام ـ صرح بإيمانه في أثر عن ابن عباس أخرجه ابن عبد الحكم في تاريخ مصر ، وفيه أنه أدرك جده نوحا وأنه دعا له أن يجعل الله الملك والنبوة في ولده  »   ( ).

قلت : لم أجده  ، وهذه الأخبار كلها إسرائيليات أو روايات معضلة قد تُقبل في سياق العرض التاريخي حيث لا يوجد غيرها ، أما الاستدلال بها في أمور غيبية أو إيجاب وقبول فضلاً عن معارضة النصوص الثابتة عن النّبيّ  فهذا خلاف المنهج الصّحيح .

* قال السيوطي : «    ولد أرفخشد إلى تارح ورد التصريح بإيمانهم في أثر ، أخرج ابن سعد في الطبقات من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس : «    أن نوحاً عليه السلام لما هبط من السفينة هبط إلى قرية فبنى كل رجل منهم بيتاً فسُميت سوق الثمانين ، فغرق بنو قابيل كلهم ، وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام ، فلما ضاقت بهم سوق الثمانين تحولوا إلى بابل فبنوها فكثروا بها حتى بلغوا مئة ألف وهم على الإسلام ولم يزالوا على الإسلام وهم ببابل حتى ملكهم نمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح فدعاهم نمروذ إلى عبادة الأوثان ففعلوا  »    هذا لفظ هذا الأثر »    ( ) .

قلت : لفظ الأثر ينتهي إلى قوله : «    وهم على الإسلام »     وليس فيه «    ولم يزالوا على الإسلام وهم ببابل حتى ملكهم نمروذ »     فهذه إضافة من السيوطي .

ثم إن الأثر من رواية ابن السائب الكلبي وهو كذاب كما سبق ، وإذا كان كذلك عرفت أن قول السيوطي : . «    فعرف من مجموع هذه الآثار أن أجداد النبي  كانوا مؤمنين بيقين من آدم إلى زمن نمروذ »    ( ) لا يمت للواقع بصلة فكيف يُكتسب اليقين من أخبار مكذوبة ، بل السيوطي نفسه من الأشاعرة ، وقد ارتضى سابقاً جواب من رد السنة لأنها أخبار آحاد وسبق الجواب عليه ، فالأشاعرة يرون أنّ أحاديث الآحاد لا تصلح في باب العلم لأنّها ظنية واليقين لا يُكسب بالظن ، هذا لو كان الخبر في أعلى درجات الصحة ، فكيف يرضى السيوطي أن يتيقن إسلام آباءه   صلى الله عليه وآله وسلم من آدم إلى نمروذ بناء على أخبار لا اقول إنها آحاد بل إمّا ضعيف وإمّا حسن بالكاد وإما موضوعات ومكذوبات ؟!  .

ثمّ انتقل السيوطي إلى ذكر الحجج على أن آزر كان عم إبراهيم وليس أبوه ، وأنّ أبا إبراهيم عليه السلام  كان مؤمناً مخالفاً نصّ التنزيل ومحكم السنة :

* قال السيوطي : «    أخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن عباس في قوله :               [الأنعام:74] قال : إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر وإنما كان تارح »   ( ) .

قلت : قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة ثنا منجاب بن الحارث أنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضّحّاك عن ابن عباس ( ) ، وفي إسناده بشر بن عمارة ضعفه البخاري والنسائي وقال الدارقطني : متروك ، ومشاه ابن عدي ( ) ، فالإسناد ضعيف كما قال .

لكنّ العجيب أنّ السيوطي ينتقي هذا الأثر بالذّات مع أنّ ابن أبي حاتم ذكر عدة آثار أصحّ منه فلماذا ؟ هنا يظهر الاحتراف في الانتقاء ، فقد تعجبت كيف حكم على الأثر بالضعف مع أنّه سكت عن عظائم كتلك التي يوردها عن الكلبي ، فتبين لي أنّه يوهم القارئ أنّ هذا الأثر أصحّ ما وجده في تفسير الآية مع أنّه ليس كذلك ، فلماذا ترك غيره ؟.

الجواب : لأنّ في تلك الآثار مع نفي كون آزر هو أبو إبراهيم تصريح بأنّ آزر اسم للصّنم ، وهذا بالطبع يهدم استدلال السيوطي الّذي يريد أن يحوّل مجرى النصوص إليه وأنّ المخاطَب في الآية هو عمّ إبراهيم واسمه آزر كما يدعي ، فالله المستعان ، وعليه فيجب التنبه إلى أنّ كلّ الآثار الّتي سيسوقها السوطي وإن نفت كون آزر اسماً لأبي إبراهيم فإنّ أحداً ممن تكلم بها لم ينفِ أن يكون المخاطب في الآيات هو أبو إبراهيم ، فكلامهم فقط عن هذه اللفظة هل هي اسم أبيه أم لا ؟ فتنبه للفرق حتى لا تقع في بحر السيوطي فتغرق .

* قال السيوطي : «    وأخرج ابن أبي شيبة( )وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق بعضها صحيح عن مجاهد قال : «    ليس آزر أبا إبراهيم »    ( ) .

قلت : أخرجه ابن أبي حاتم ( )عن أبيه عن يحيى بن المغيرة عن جرير عن ليث عن مجاهد به ، وهذا إسناد حسن ، وتابع الليث ابن أبي نجيح عند ابن جرير الطبري في تفسيره( ) ، وفي رواية عنده أيضاً عن مجاهد أن آزر اسم للصنم ، وإنّما أغفلها السيوطي لما تقدّم ، فإنّها تبطل دعواه أن آزر اسم عم إبراهيم .

* قال السيوطي : «    وأخرج ابن المنذر بسند صحيح عن ابن جريج في قوله                 [الأنعام:74] .قال : «    ليس آزر بابيه إنما هو إبراهيم بن تيرح أوتارح بن شاروخ بن ناحور بن فالخ  »   ( ) .

قلت : لم أجد التفسير ، وقد صحّ هذا أيضاً عن ابن عباس ( )لكن فيه أنّ آزر اسمٌ للصنم وهذا لا يريده السيوطي كما سبق .

* قال السيوطي : «    وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن السدي أنه قيل له : اسم أبي إبراهيم آزر ؟ فقال : بل اسمه تارح  »   ( ) .

قلت : ما أقبح الهوى بالعالم ، فإن هذا الذي نقله عن السدي له تكملة وهي قوله بعد ذلك : «    واسم الصنم آزر »    ( ) ، وقد غض الطرف عنها لأنها تعارض ما يريد تقريره من أن آزر هو عم إبراهيم .

وقبل هذا الأثر عند ابن أبي حاتم أثر عن ابن عباس لكنه تركه لأن فيه أن آزر اسم للصنم وهذا يؤكد الانتقائية التي وقع فيها السيوطي عفا الله عنا وعنه .

* قال السيوطي : «    وقد وُجّه من حيث اللغة بأن العرب تطلق لفظ الأب على العم إطلاقاً شائعاً وإن كان مجازاً ، وفي التنزيل                                                  [البقرة:133] فأطلق على إسماعيل لفظ الأب وهو عم يعقوب كما أطلق على إبراهيم وهو جده ، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يقول : الجد أب ويتلو                    ، وأخرج عن أبي العالية في قوله :               قال : سُمّي العم أباً ، وأخرج عن محمد بن كعب القرظي قال : الخال والد والعم والد ، وتلا هذه الآية ، فهذه أقوال السلف من الصحابة والتابعين في ذلك »    ( ).

قلت : دمج السيوطي قضيتين ، الأولى : أن آزر ليس اسم أبي إبراهيم ، وهذا قال به بعض السلف حقاً ، ومنهم مجاهد وابن عباس والسدي لكن هؤلاء قالوا إن آزر اسمٌ للصنم ، أما القضية الثانية التي ابتكرها السيوطي وهي أنّ عم إبراهيم عليه السلام هو المخاطب في الآيات ، فلم يقل بها أحدٌ منهم ، فنسبة القول إليهم كذب عليهم ( ).

وهذه الآثار التي أتى بها في أن العم والخال والد في اللغة ليست موضوع الكتاب ، وإنما أتى بها السيوطي يتكثّر بها وإلاّ فكلام أبي العالية والقرظي ومن قبلهم ابن عباس لا يتكلمون عن إبراهيم وأبيه أصلاً ومن المراد بالآية ، وإنّما محور كلامهم هو هذه اللفظة «    آزر »    ما معناها ؟ 

فمن قائلٍ : إنّها اسم أبي إبراهيم ، ومن قائل : إنّها اسمٌ للصّنم ، ومن قائل : إنّها لقبٌ لأبيه ، ومن قائل : إنّها سبّ وعيب ، ولم يتلفظ واحدٌ منهم بما قاله ونسبه إليهم السيوطي البتة ، والصّحيح أنّ آزر هو اسم أبيه ، وهو المُخاطب بالآية ، ولا يُعارض ذلك ما ثبت عن النسابين وعن ابن عباس وغيره أنّ اسمه تارح ، لأنّ كثيراً من الناس يكون لهم الاسم والاسمين ، والاسم واللقب ، والنبي   صلى الله عليه وآله وسلم له اسم محمد وأحمد وكلاهما في القرآن ، وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله ذكره في تفسير الآية وقال ابن كثير بعد حكايته له : «    وهذا الذي قاله جيد قوي »    ( ) .

* قال السيوطي : «    ويرشحه أيضاً ما أخرجه ابن المنذر في تفسيره بسند صحيح عن سليمان بن صرد قال : لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار جعلوا يجمعون الحطب ، حتى إن كانت العجوز لتجمع الحطب ، فلما أن أرادوا أن يلقوه في النار قال : حسبي الله ونعم الوكيل ، فلما ألقوه قال الله :                 [الأنبياء:69]  فقال عمّ إبراهيم : من أجلي دُفع عنه ، فأرسل الله عليه شرارة من النار فوقعت على قدمه فأحرقته »    ( ) .

قلت : لم ينقل لنا السيوطي إسناد الأثر من تفسير ابن المنذر لنرى حقيقة الأمر ، وقد وجدته في تفسير الطبري بإسناد صحيح لكن فيه : «   فقال ابن لوط أو ابن أخي لوط : من أجلي .. »    ( )، وذكره القرطبي رحمه الله في تفسيره وفيه : «    قال أبو لوط وكان ابن عمه : من أجلي دفع عنه »   ( )، فليس في الأثرين أنّه عم إبراهيم ، فالأثر في متنه اختلاف كما يبدو ، فلماذا اعتمد السيوطي على الرواية الأولى مع علمه بهذه الرواية ؟!

ومع هذا فليس فيه دلالة على أن المخاطب في القرآن بالشرك والكفر هو عم إبراهيم وليس أبوه ، فقول السيوطي بعد ذلك : «    فقد صرّح في هذا الأثر بعم إبراهيم »     ليس فيه كبير فائدة .

* قال السيوطي : «    وفيه فائدة أخرى وهو أنه هلك في أيام إلقاء إبراهيم في النار . وقد أخبر الله سبحانه في القرآن بأن إبراهيم ترك الاستغفار له لما تبين له أنه عدو لله ووردت الآثار بأن ذلك تبين له لما مات مشركاً وأنه لم يستغفر له بعد ذلك ، أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس قال : ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات فلما مات تبين له أنه عدو لله فلم يستغفر له »    ( ) .

قلت : إسناده كما قال ، وما ذكره هو الراجح في تفسير الآية وإن كان فيها أقوال أخرى .

* قال السيوطي : «    ثم هاجر إبراهيم عقب واقعة النار إلى الشام كما نص الله على ذلك في القرآن ، ثم بعد مدة من مهاجره دخل مصر واتفق له فيها مع الجبار ما اتفق بسبب سارة وأخدمه هاجر ، ثم رجع إلى الشام ثم أمره الله أن ينقلها وولدها إسماعيل إلى مكة فنقلهما ودعا فقال :                       إلى قوله :                     [إبراهيم:37-41] ، فاستغفر لوالديه وذلك بعد هلاك عمه بمدة طويلة ، فيستنبط من هذا أن الذكر في القرآن بالكفر والتبري من الاستغفار له هو عمه لا أبوه الحقيقي فلله الحمد على ما ألهم »    ( ) . 

قلت : أولاً : كلّ ما في كلام السيوطي إنما يُستفاد منه أن إبراهيم كان له عم كافر .

ثانياً : ما ذكره السيوطي دليل على أن وفاة والد إبراهيم تأخرت وفاته إلى ما بعد مهاجره ، بدليل أنه دعا لوالده واستغفر له مع أن النصوص تدل على أنه انتهى عن الاستغفار لوالده عندما مات .

ثالثاً : يحتاج السيوطي لينتفع بكلامه أن يثبت أنّ وفاة والد إبراهيم قبل الدعاء ، وهو مالم يأت به ، بل أتى برواية عن وجود عمٍّ لإبراهيم مات في قصة إلقائه في النار ، وليس فيها دلالة على ما يقوله السيوطي ، فإن الكلام في الآيات العديدة في القرآن عن والد إبراهيم لا تحتمل التأويل كقوله تعالى :                                                                                                                                                                             [مريم:41-47] فهل ينادي الرجل عمه بلفظ «    يا أبت »    ؟ لا شك أنه بعيد وأنه تكلف بل تحريف للكلِم ، والنبي  على حرصه وتقديره لعمه كان يناديه في مرض موته : «    يا عم »    ، ويبعد أن يقول الرجل لعمه يا أبي أو يا أبتِ .

وقد جاء في تاريخ الطبري وغيره أنّه لمّا أُلقي في النار قال : «     إلهي ليس أحد يعبدك في الأرض غيري »    ، وقالت السماوات والأرض : «    ربنا : إبراهيم ليس في أرضك أحدٌ يعبدك غيره  »    ، وجاء فيه أيضاً : أنّ بعض قوم إبراهيم استجابوا له حين رأوا ما صنع الله به وذكروا منهم لوطاً وسارة ولم يذكروا والده( )، بل جاء في تاريخ الطبري أنّ والده هاجر معه مقيماً على كفره ( )، وهذا يزيد من احتمال أن يكون دعاءه له كان قبل أن يموت ، والله تعالى أعلم .

ثم إن ذكر القصة في القرآن والسنة عشرات المرات دون أن يرد في شيء منها أنه عمه وليس أبوه يدل على بطلان ما ذكره السيوطي قطعاً ، والصحيح الذي عليه السلف الصالح ومن تبعهم من أئمة السنة أن والد إبراهيم كان كافراً ومات على الكفر ، ويدل على ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي   صلى الله عليه وآله وسلم قال : «    يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصني ، فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك ، فيقول إبراهيم : يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أبي الأبعد ، فيقول الله تعالى : إني حرمت الجنة على الكافرين ، ثم يُقال : يا إبراهيم ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بذيخ متلطّخ ( )فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار »   .( )

* قال السيوطي : «    ثم استمر التوحيد في ولد إبراهيم وإسماعيل ، قال الشهرستاني( )في الملل والنحل :كان دين إبراهيم قائماً والتوحيد في صدر العرب شائعاً، وأول من غيره واتخذ عبادة الأصنام عمرو بن لحي »    ( )ثم ذكر عدداً من النصوص فيها أن أول من غير دين إبراهيم هو عمرو بن لحي .

قلت : لا شكّ في أن أول من غير دين إبراهيم هو عمرو بن لحي ، لكن ليس في النصوص أن كل العرب وأفرادهم كانوا على التوحيد حتّى جاء عمرو وفعل ما فعل .

تغيير دين إبراهيم معناه أن عمرو بن لحي استطاع أن يجعل الشرك محل التوحيد ديناً يتدين به العرب ، بدليل قول السهيلي الذي نقله هو : «    إلا أن العرب بعد ذلك لم ترجع عما كان أحدثه لها عمرو الخزاعي من عبادة الأصنام وغير ذلك لأنهم رأوا ذلك ديناً في نفسه لا ينبغي أن يغير »    ( ) .

وأمّا أنّ بعض الناس كانوا على غير ملة إبراهيم فليس في النص ما ينفيه ، فلا يصلح هذا الكلام من السيوطي دليلاً على أن آباءه  من بعد إسماعيل إلى قصي بن كلاب كانوا على التوحيد ، وقد حدثنا القرآن على أن من أولاد الأنبياء من كفر بالله تعالى فلا يبعد أن يكون من ولد إسماعيل من كفر بالله أو كان على الشرك ، والشاهد أن هذه الفترة لا دليل للسيوطي يُعتمد عليه في أن الناس كلهم عن بكرة أبيهم على التوحيد ولم يشرك بالله أحد منهم طيلة قرون من الزمن فتطويل السيوطي بلا فائدة في الحقيقة ، وقوله بعد ذلك : «    فثبت أن آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عهد إبراهيم إلى زمان عمرو كلهم مؤمنون بيقين »    غير صحيح في غالب الظن فضلاً عن أن يكون يقيناً ، خصوصاً في مواجهة نصوص بعضها قطعي الثبوت والدلالة على كفر بعض آبائه   صلى الله عليه وآله وسلم كما سيأتي .

* ثم شرع السيوطي في الاستدلال على هذا المسلك بإثبات أنّ ذرية إبراهيم على التوحيد ، قال : «    الأمر الثاني : مما ينتصر به لهذا المسلك آيات وآثار وردت في ذرية إبراهيم وعقبه .

الآية الأولى : وهي أصرحها قوله تعالى :                                               [الزخرف:26-28]  ، أخرج عبد بن حميد في تفسيره بسنده عن ابن عباس في قوله :               قال : لا إله إلا الله باقيةٌ في عقب إبراهيم »   ( ) ثمّ ساق عدداً من الآثار .

قلت : ونحن نتفق مع السيوطي على أن الله تعالى أبقى التوحيد في ذرية إبراهيم لكن ما معنى ذلك ؟ !

غاية معناه ما قاله الأئمة الذين ذكر آثارهم أي : لا يزال في ذريته من يقولها من بعده ، وجاء هذا صريحاً عن قتادة في تفسير الطبري وغيره : «    شهادة أن لا إله إلا الله, والتوحيد لم يزل في ذرّيته من يقولها من بعده »    وفي لفظ : «    التوحيد والإخلاص, ولا يزال في ذرّيته من يوحد الله ويعبده »    ، ولا يلزم منه أن يكون أولاده وأولاد أولاده كلهم موحدين ، فلو قيل ذلك لكان معناه أن لا يشرك أحد من نسل إبراهيم وهذا مخالف للمقطوع به ضرورة فإن كثيراً من العرب مات على الكفر والشرك ، فإذا كانت دلالة الآية غاية ما فيها أن ذريته وعقبه لا يغيب منها التوحيد دون اشتراط أن يكون ذلك من نسل معين من أولاده عليه السلام فإنّ حجة السيوطي بها على أنّ آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم موحدون لأنهم من ذرية إبراهيم .

* قال السيوطي : «    الآية الثانية : قوله تعالى :                               [إبراهيم:35] أخرج ابن جرير في تفسيره عن مجاهد في هذه الآية قال : فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده فلم يعبد أحد من ولده صنماً بعد دعوته ، واستجاب الله له وجعل هذا البلد آمناً ورزق أهله من الثمرات وجعله إماماً وجعل من ذريته من يقيم الصلاة »    ( ) .

قلت : قال ابن جرير حدثني المثنى عن أبي حذيفة عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد به ، المثنى لم أجد له ترجمة ، ومعنى الأثر صحيح ، ولكن لا دلالة فيه على ما يرمي إليه السيوطي لأنّه ليس فيه أنّ كلّ ذرّيّته على التوحيد .

* قال السيوطي : «    وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن وهب بن منبه «    أنّ آدم لما أهبط إلى الأرض استوحش »    فذكر الحديث بطوله في قصة البيت الحرام وفيه من قول الله لآدم في حق إبراهيم عليهما السلام : «    واجعله أمة واحداً قانتاً بأمري داعياً إلى سبيلي أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم استجيب دعوته في ولده وذريته من بعده وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته ... »    الحديث ( ) .

قلت : أولاً : هو من قول وهب بن منبه وواضح أنه من الإسرائيليات التي لا يُعتمد عليها وإنما لا تصدق ولا تُكذب .

ثانياً : الإسناد ، قال البيهقي : أخبرنا  أبو ذر بن أبي الحسين بن أبي القاسم المذكر وأبو الحسين علي بن محمد بن علي المقرئ  قالا نا  الحسن بن محمد بن إسحاق  نا  محمد بن أحمد بن البراء  أنا  عبد المنعم بن إدريس  حدثني  أبي  عن  جده وهب بن منبه  به ، وفيه إدريس ابن بنت وهب وهو ضعيف كما قال ابن عدي( ) ، أما ولده عبدالمنعم وهو راوي الحديث عن أبيه فهو متهم بالوضع ، قال البخاري : ذاهب الحديث ( )وقال ابن حبان : يضع الحديث على أبيه وعلى غيره( ) ، فهذا الأثر تالف الإسناد لا يجوز ذكره فضلاً عن الاحتجاج به .

ثالثاً : ومع أنه كذِبٌ لا يثبت إلاّ أن السيوطي حذف منه ما يردّ استدلاله به ، وهذا من علامة سوء القصد سامحه الله وعفا عنه ، فالكلام في الأثر هكذا «    وأجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه مكرمة لنبي من ولدك يكون قبيل هذا النبي ـ يقصد محمد  ـ وهو أبوه يقال له إبراهيم ، أرفع له قواعده ، وأقضي على يديه عمارته ، وأنيط له سقايته ، وأريه حله وحرمه ومواقفه ، وأعلمه مشاعره ومناسكه ، وأجعل أمة واحدة قانتا بأمري داعيا إلى سبيلي ، وأجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم . أبتليه فيصبر ، وأعافيه فيشكر ، وآمره فيفعل ، وينذر لي فيفي ، ويعدني فينجز ، وأستجيب دعوته في ولده وذريته من بعده ، وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وحماته وسقاته وخدمه وخزنته وحجابه ، حتى يبتدعوا ويغيروا ويبدلوا .فإذا فعلوا ذلك فأنا أقدر القادرين على أن استبدل من أشاء بمن أشاء »   ( ) فالكلام صريح أن ولد إبراهيم يمكن أن يقع منهم الشرك وليس في الكلام إلا أنه متى قاموا بعهد الله وفى الله لهم بما دعا به إبراهيم ، والنص القرآني يشهد لهذا إذ قال تعالى :                     [البقرة:124] ولو كانت ذرية إبراهيم كلها على التوحيد لا تعبد الأصنام يقيناً ما كان للاستثناء محل .

ومن العجب قول السيوطي مستدلاً «    هذا الأثر موافق لقول مجاهد المذكور آنفا ولاشك أن ولاية البيت كانت معروفة بأجداد النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة دون سائر ذرية إبراهيم إلى أن انتزعها منهم عمرو الخزاعي ثم عادت إليهم ، فعرف أن كل ما ذكر عن ذرية إبراهيم فإن أولى الناس به سلسلة الأجداد الشريفة الذين خصوا بالاصطفاء وانتقل إليهم نور النبوة واحداً بعد واحد ، فهم أولى بأن يكونوا هم البعض المشار إليهم في قوله :                  [إبراهيم:40]  »   ( ) .

قلت : أثر مجاهد أصلاً لا يتحدث عن عقبه كلهم وإنما عن بنيه من صلبه  ، فلم يجعل منهم من يعبد الصنم ، قال القرطبي : «    وأراد بقوله : (بنيّ) بنيه من صلبه وكانوا ثمانية ، فما عبد أحد منهم صنماً »   ( )، ويدل عليه قوله تعالى :             [البقرة:132] .

وأما إن قصد ذريته كلها فالواقع يكذب ذلك ، فإن من ولد إسماعيل من عبد الأصنام قطعاً ، وكل ما في الآية وغاية ما دعا به إبراهيم وما استجاب الله له به أنه جعل كلمة التوحيد باقية في ذريته أي في بعضهم وكذلك جعل من ذريته أبداً من يقيم الصلاة ، كما أن أحداً من ولد إبراهيم لم يعبد صنماً أما ذريته فالأمر يخالف ما هو ثابت والله تعالى أعلم ، ثم غايته أن يكون قولاً لمجاهد معارض بما ثبت عنه  ولا كلام مع كلام النبي  .

* قال السيوطي : «    وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة( ) أنه سئل : هل عبد أحد من ولد إسماعيل الأصنام ؟ قال : لا ، ألم تسمع قوله :               [إبراهيم:35]  ، قيل : فكيف لم يدخل ولد إسحاق وسائر ولد إبراهيم ؟ قال : لأنه دعا لأهل هذا البلد أن لا يعبدوا إذا أسكنهم إياه فقال :             [إبراهيم:35] ، ولم يدعُ لجميع البلد بذلك فقال :                فيه وقد خص أهله وقال :                                   [إبراهيم:37]، فانظر إلى هذا الجواب من سفيان بن عيينة وهو أحد الأئمة المجتهدين وهو شيخ إمامنا الإمام الشافعي رضي الله عنهما»   ( ).

قلت : بحثت عنه في التفسير فلم أجده ، وعلى العموم فإنه لو صح سند هذا الأثر عن سفيان فإنه خطأ بلاشك ، وقد انتقده الآلوسي حيث قال : «    وقال سفيان بن عيينة : إن المراد ببنيه ما يشمل جميع ذريته عليه السلام وزعم أنه لم يعبد أحد من أولاد إسماعيل الصنم . . وعلى ذلك أيضاً حمل مجاهد البنين وقال : لم يعبد أحد من ولد إبراهيم عليه السلام صنماً وإنما عبد بعضهم الوثن . . وليت شعري : كيف ذهبت على هذين الجليلين ما في القرآن من قوارع تنعي على قريش عبادة الأصنام  »   ( ) ، وصدق رحمه الله ، فإن هذا القول مخالف للمعلوم بالضرورة .

قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعليقاً على هذه الآية : «    لم يبين هنا هل أجاب دعاء إبراهيم هذا ، ولكنه بين في مواضع أخر أنه أجابه في بعض ذريته دون بعض كقوله :                 [الصافات:113]  »   ( ) . 

يبقى أنه إذا ثبت أنه أجابه في بعض بنيه أي ذريته بأن جعل كلمة التوحيد باقية فيهم ، فليس في النصوص ما يدل على اختصاص آباء النبي  خاصة بالتوحيد بل يمكن هذا ويمكن خلافه ، بل ثبت بالنصوص الصريحة خلافه كما سبق عن والد إبراهيم وكما سيأتي عن آخرين .

* قال السيوطي : «    الآية الثالثة : قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام                 [إبراهيم:40] أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله :                 قال : فلن يزال من ذرية إبراهيم ناسٌ على الفطرة يعبدون الله »    ( ) .

قلت : لا يُخالف قول ابن جريج ـ لو صح عنه هذا ـ ما ثبت في النصوص من كفر بعض آباء النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنه لا يزال من ذرية إبراهيم ناس على الفطرة ، لكن ليس في كلام ابن جريج تخصيص هذا بآباء النبي  ، فإيراده من قبل السيوطي خطأ .

* قال السيوطي : «    آية رابعة : أخرج أبو الشيخ في تفسيره عن زيد بن علي قال : قالت سارة لما بشرتها الملائكة :                              [هود:72]  ، فقالت الملائكة ترد على سارة :                               قال فهو كقوله :                [الزخرف:28]  فمحمد  وآله من عقب إبراهيم داخل في ذلك »   ( ) .

قلت : نعم ، محمد وآله من عقب إبراهيم ، وليس في الآية ولا في كلام زيد بن علي أن آباءه  داخلون كلهم في رحمة الله وبركاته ، فهذا تكلف وتنطع كبير من السيوطي ، ثم إنه في النهاية قول شخص لا يُعارض به حديث النبي  المقطوع بصحّته . 

* قال السيوطي : «    وقد أخرج ابن حبيب في تاريخه عن ابن عباس قال : كان عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد على ملة إبراهيم فلا تذكروهم إلا بخير»   ( ) .

قلت : ذكره الحافظ في الفتح ولم يتكلم عليه ( ) .

قال السيوطي : «    وذكر أبو جعفر الطبري وغيره أن الله أوحى إلى أرميا أن أذهب إلى بخت نصر فأعلمه أني قد سلطته على العرب وأمر الله أرميا أن يحتمل معه معدّ بن عدنان على البراق كي لا تصيبه النقمة فإني مستخرج من صلبه نبياً كريماً أختم به الرسل ، ففعل ارميا ذلك واحتمل معد إلى أرض الشام فنشأ مع بني إسرائيل ثم عاد بعد أن هدأت الفتن »   ( ).

قلت : هذا الكلام موجود في تاريخ الطبري وغيره من كلام الإخباريين فلا يُعتمد عليه في المسائل العلمية ، ومع هذا فغاية ما في الخبر أنّ الله تعالى سيخرج من صلبه نبياً ، وليس فيه حكم بأنه مؤمن أو غير مؤمن ، وقد جاء في السيرة أنّه  قال عندما استأذنه ملك الجبال أن يطبق على أهل مكة الأخشبين : «    لا لعلّ الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله »   ( ) فهذا كهذا ، فإبقاء الله تعالى لمعدّ لكونه سيخرج من صلبه محمداً  لا دلالة فيه على إيمان معد ولا على كفره .

* قال السيوطي : «    وأخرج ابن سعد في الطبقات من مرسل عبد الله بن خالد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تسبوا مضر فإنه كان قد أسلم  »   ( ).

قلت : قال ابن سعد : أخبرنا خالد بن خداش أخبرنا عبد الله بن وهب قال أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن عبد الله بن خالد قال : قال رسول الله  :«     لاتسبوا مضر فإنه كان قد أسلم »   ( )، وهذا مرسل والمرسل ضعيف لا يُحتج به ، وذكره الحافظ في الفتح وقال : مرسل( )وضعّفه الشيخ الألباني رحمه الله ( ) .

* قال السيوطي : «    وقال السهيلي في الروض الأنف في الحديث المروي : «    لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مؤمنين »    قلت وقفت عليه مسنداً فأخرجه أبو بكر محمد بن خلف بن حيان المعروف بوكيع في كتاب الغرر من الأخبار قال : حدثنا إسحاق بن داود بن عيسى المروزي ثنا أبو يعقوب الشعراني ( )ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ثنا عثمان بن قايد( ) عن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : «    لا تسبوا ربيعة ولا مضر فإنهما كانا مسلمين »   ( ) .

قلت : إنما نقله السهيلي عن الزبير بن بكار وليس عنده مسنداً ، قال الحافظ : وقد روى أبو جعفر بن حبيب في تاريخه  المحبر من حديث ابن عباس قال : «    كان عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد على ملة إبراهيم , فلا تذكروهم إلا بخير »     ، وروى الزبير بن بكار من وجه آخر مرفوعاً : «    لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين »    وله شاهد عند ابن حبيب من مرسل سعيد بن المسيب . 

قلت : هذا الإسناد الّذي ذكره السيوطي ضعيف جداً ، فيه عثمان بن فائد قال دحيم : ليس بشيء ، وقال البخاري : في حديثه نظر ، وقال ابن عدي : قليل الحديث وعامة ما يرويه ليس بمحفوظ ، وقال ابن حبان : يأتي بالمعضلات لا يجوز الاحتجاج به ، وقال الحاكم : روى عن جماعة من الثقات المعضلات ، وقال أبو نعيم : روى عن الثقات المناكير : لا شيء( ) ، فالحديث بهذا الإسناد ضعيف جداً لا يُحتج به ولا يُعتبر ، وقد ضعفه الألباني رحمه الله ( ) .

* قال السيوطي : «    ثم قال السهيلي : «    ويُذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : «    لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمناً »    ، وذكر أنه كان يسمع في صلبه تلبية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحج »   ( ) .

قلت : هذا الأثر ذكره السهيلي بصيغة التمريض بلا إسناد ، ونحن في مجال التحقيق العلمي لا يمكن أن نعتمد على الأخبار ضعيفة الإسناد فضلاً عن الأخبار غير المسندة ، فكونه يُذكر أنه كان مؤمناً وأنه كان يسمع تلبية النبي  بالحج فهذا لا أصل له ، ولو كان كذلك وهو لم يتخلق بعد لكان أن تسمع أمّه تلبيته بعد أن يتخلق في بطنها أولى ، و لم يُنقل عنها هذا البتة.

* قال السيوطي : «    قال( ) : وكعب بن لؤي أول من جمع يوم العروبة وقيل هو أول من سماها الجمعة فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويعلمهم أنه من ولده ويأمرهم بأتباعه والإيمان به وينشد في هذا أبياتا منها قوله :

يا ليتني شاهدا فحواء دعوته إذا قريش تبغي الحق خذلانا

قال : وقد ذكر الماوردي هذا الخبر عن كعب في كتاب الإعلام له انتهى ، قلت : هذا الخبر أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة( )بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وفي آخره : وكان بين موت كعب ومبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمسمائة سنة وستون سنة »   ( ) . 

قلت : قال أبو نعيم حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا علي بن المبارك الصنعاني قال ثنا زيد بن المبارك بن( ) محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي عن محمد بن طلحة التيمي عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف مرسلاً ، ومحمد بن الحسن بن زبالة كذّبه الأئمة وتركوه ، يروي المناكير ووضع كتاباً على مالك ( )فالخبر بهذا الإسناد موضوع بلا شك .

* قال السيوطي : «    فحصل مما أوردناه أن آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عهد إبراهيم إلى كعب بن لؤي كانوا كلهم على دين إبراهيم وولد كعب مرة الظاهر أنه كذلك لأن أباه أوصاه بالإيمان »   ( ).

قلت : عرفنا أنّ قصة إيمان كعب لا تصح .

وأما قوله : إن مُرّة ولد كعب مسلمٌ لأن أباه أوصاه بذلك ، فهذا لا تقوم به حجة ، بل هو من عجائبه ، فإن وصية كعب له بذلك لا يلزم منه أنه سيلتزم بتلك الوصية ، فإذا كان كثيراً من العرب لم يؤمنوا بدعوة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة ، فهل يستقيم الحكم بإسلام شخص لمجرد أن أباه أوصاه بذلك قبل مبعثه صلى الله عليه وآله وسلم بمئات السنين ؟!

بل حتّى كعبٌ نفسه لا يدل ما ذكره على أنه كان مسلماً أو موحداً ، فإن هذا لا يكفي ، ونحن نعلم يقيناً أنّ أهل الكتاب كانوا ينتظرون نبياً يؤمنون به فلما بُعث حقاً كفروا به حسداً له .

* قال السيوطي : «    وبقي بينه وبين عبد المطلب أربعة آباء وهم كلاب وقصي وعبد مناف وهاشم ولم أظفر فيهم بنقل لا بهذا ولا بهذا »   ( ) .

قلت : وهذا يهدم ما يبنيه السيوطي أصلاً  ، ومن العجب أن الرجل على سعة اطلاعه ينكر أن يظفر فيهم بنقل بهذا أو بهذا مع أنه مشهور ، خصوصاً وهو يستدل حتى بالأخبار غير المسندة ، أما قصي وعبد مناف ، فتسمية عبدمناف تدل على أنهما كانا على الشرك ، إذ جاء أن قصي كان يقول : وُلد لي أربعة فسميت اثنين بصنميّ وواحداً بداري وواحداً بنفسي( ) فقد كان له أصنام إذاً .

وجاء أيضاً أنّ أمّ عبد مناف دفعت ولدها عبد مناف إلى مناف وكان أعظم أصنام مكّة ، تديناً بذلك ( ) .

* قال السيوطي : «    وأمّا عبد المطلب ففيه ثلاثة أقوال : أحدها وهو الأشبه أنه لم تبلغه الدعوى لأجل الحديث الذي في البخاري وغيره »   ( ). 

قلت : لم يبين مقصوده بحديث البخاري ، ولعلّه يقصد ما روي في أهل الفترة ، ومع هذا فليس في ذلك ضمانة لعبدالمطلب أنه سيكون من المطيعين ، وأما تمني بعض العلماء ذلك فكلنا نتمنى أن يكون آباؤه  وآباؤنا وكل المسلمين من أهل الجنة ، لكن الله تعالى يقول :                                                [النساء:123] .

* قال السيوطي : «    والثاني : أنه كان على التوحيد وملة إبراهيم وهو ظاهر عموم كلام الإمام فخر الدين وما تقدم عن مجاهد وسفيان بن عيينة وغيرهما في تفسير الآيات السابقة »   ( ) .

قلت : ما تقدم عن مجاهد وسفيان ليس فيه دلالة على أن عبدالمطلب كان على ملة إبراهيم ، وقد بينا سابقاً ضعف قولهما إن صحّ أصلاً .

وأما كلام الرازي فقد بان لك سابقاً أنّ السيوطي أخطأ عليه وأنّه لا يقول بهذا اصلاً ( ).

ومن الأدلّة الّتي تبطل القول بأن عبدالمطلب كان على ملة إبراهيم ما جاء في الصّحيحين وغيرهما من قصّة عرضه   الإسلام على عمّه أبي طالب ، وجاء فيه أنّه قال قبل موته : «    هو على ملّة عبدالمطّلب »    ( ) ، فدلّ ذلك دلالة واضحة على أنّ ملّة عبدالمطّلب منافية للتّوحيد وأنّها الشّرك الصّراح من وجهين :

أوّلهما : أنّه رفض النّطق بالكلمة ولو كان موحّداً أو باحثاً عن التّوحيد لسارع بها عمّه من أوّل حياته فضلاً عن يوم وفاته ، بل أنِف أن يعيّر عبدالمطّلب به وأصرّ على الكفر وقال : «    لولا أن تعيّرني قريش لأقررت بها عينك »    .

الوجه الآخر : أنّ مجالسيه المعرضين للدّعوة ومنهم أبو جهل كان يقول له : «   أترغب عن ملّة عبدالمطّلب »    ، فهذا يبيّن بوضوح أنّ ملّة عبدالمطّلب مرضيّة من هذا المشرك وهي ملّة الأصنام وعبادتها ، وإذا كان كذلك فهي خلاف ملّة التّوحيد الّتي جاءت بها الرّسل وهذا بيّن لا جدال معه .

* قال السيوطي : «    والثالث : أن الله أحياه بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى آمن به وأسلم ثم مات حكاه ابن سيد الناس ، وهذا أضعف الأقوال وأسقطها وأوهاها لأنه لا دليل عليه ، ولم يرد قط في حديث لا ضعيف ولا غيره ، ولا قال هذا القول أحد من أئمة السنة ، إنما حكوه عن بعض الشيعة ، ولهذا اقتصر غالب المصنفين على حكاية القولين الأولين وسكتوا عن حكاية الثالث ، لأن خلاف الشيعة لا يعتد به  »    ( ) .

قلت : الله أكبر ، انظر الآن إلى إظهار التحقيق والموضوعية ، وإلا فما الفرق بين القول بأن الله أحيا عبدالمطلب وبين القول بأن الله أحيا أبويه ؟ .

والحق أن القول بإيمان آباء النبي  هو من أقوال الشيعة ويشاركهم فيه غلاة الصوفية ومن تأثر بهم .

* قال السيوطي : «    قال السهيلي في الروض الأنف : وفي الصحيح : «    أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل على أبي طالب عند موته وعنده أبو جهل وابن أبي أمية فقال : يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله ، فقال له أبو جهل وابن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فقال : أنا على ملة عبد المطلب »   ، قال فظاهر هذا الحديث يقتضي أن عبد المطلب مات على الشرك »   ( ) .

قلت : وهذا هو الصحيح من ظاهر الأدلة ، فليت السيوطي رضي وأذعن للنصوص الواضحة .

* قال السيوطي : «    قال ( ): ووجدت في بعض كتب المسعودي اختلافاً في عبدالمطلب وأنه قد قيل فيه مات مسلماً لما رأى من الدلائل على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلم أنه لا يبعث إلا بالتوحيد فالله أعلم  »   ( ) . 

قلت : عجيب والله مثل هذه الاستدلال ، فهل رؤية الدلائل والبراهين تدلّ على استجابة من رآها ؟!

وإذا كان أبو طالب عمه  الذي كان مشفقاَ محباً وعمه أبو لهب العدو اللدود شاهدا براهين نبوته عياناً ومع هذا لم يسلما باتفاق أهل السنة ، بل ماتا على الكفر ، فكيف يُقال إن عبدالمطلب أسلم لأنه شاهد دلائل على نبوة محمد؟ .

* قال السيوطي : «    قال ( ) : غير أن في مسند البزار وكتاب النسائي من حديث عبد الله بن عمرو : «    أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة وقد عزّت قوماً من الأنصار عن ميتهم : لعلك بلغت معهم الكدى ؟ فقالت : لا فقال : لو كنت بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك  »    قال : وقد خرجه أبو داود ولم يذكر فيه حتى يراها جد أبيك  »   ( ) .

قلت : أخرجه أحمد( )وأبوادود( )والنسائي( )وابن حبان( ) والحاكم( )، ومداره على ربيعة بن سيف بن ماتع المعافري قال البخاري : عنده مناكير ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال : يخطىء كثيراً ، وقال بن يونس : في حديثه مناكير ، وقال البخاري في الأوسط : روى أحاديث لا يُتابع عليها( ) ، قال ابن القيم : «    وقد طعن غيره في هذا الحديث , وقالوا : هو غير صحيح , لأنّ ربيعة بن سيف ضعيف الحديث , عنده مناكير  »   ( ) ، وضعفه الحافظ عبدالحق الأزدي ، وكذلك ابن حبان( ) ، ورواية أبي داود ليس فيها نفي الزيادة بل ذكرها الجمع غير أبي داود ولفظه هو : «     وذكر فيها تشديداً  »    فليس فيها مخالفة .

* قال السيوطي : «    وفي قوله جد أبيك ولم يقل جدك تقوية للحديث الضعيف الذي قدمنا ذكره أن الله أحيا أباه وأمه وآمنا به فالله أعلم  »   ( ) .

قلت : حيرة والله ، فإن كان ما قاله السهيلي صحيحاً فإنه يدل على خطأ دعوى إسلام عبدالمطلب وهذا يهدم كل ما بناه السيوطي وتعب في إثباته بكل سبيل .

ومع هذا فإنّ ذلك لا دلالة فيه على ما قال ، لأنّ ذكر شخص بالكفر لا يدلّ على أنّ الآخر خلافه ، هذا لو كان الأمر لا نصّ فيه ، فكيف إذا كان النص جلياً قاطعاً في صحيح مسلم ثمّ يُعارض بمثل هذه التوهّمات .

وأمّا أنّ في الحديث تقوية لحديث إحياء أبويه فليس بصحيح لأنّ الحديث باطل منكر ليس بضعيف فقط هذا أوّلاً ، وثانياً : لأنّ ذكر الجدّ ليس فيه أنّ الأب خلافه في الحكم ، والنص الصّحيح القاطع على أنّ أبيها وجدّها في الحكم سواء ، قال في عون المعبود : «    قال السندي : وظاهر السوق : يفيد أَن المراد ما رأَيت أَبداً كما لم يرها فلان ، وأَن هذه الغاية من قبيل حتى يلج الجمل في سم الخياط ، ومعلوم أَن المعصية غير الشرك لا تؤَدي إِلى ذلك , فإِما أَن يحمل على التغليظ في حقها وإِما أَن يحمل على أَنه علم في حقها أَنها لو اِرتكبت تلك المعصية لأَفضت بها إِلى معصية تكون مؤَديةً إِلى ما ذكر ، والسيوطي رحمه الله مشربُه القول بنجاةِ عبدالمطلب فقال لذلك : «    أَقول لا دلالة في هذا الحديث على ما توهمه المتوهمون لأَنه لو مشت اِمرأَة مع جنازة إِلى المقابر لم يكن ذلك كفراً موجباً للخلود في النار كما هو واضح , وغاية ما في ذلك أَن يكون من جملة الكبائِر التي يعذب صاحبها ثم يكون آخر أَمره إِلى الجنة ... »    ِانتهى كلام السيوطي ( ) ، قلت ( ): القول في هذا الحديث ما قاله العلامة السندي , وأَما القول بنجاةِ عبد المطلب كما هو مذهب السيوطي فكلام ضعيف خلاف لجمهور العلماء المحققين إِلا من شذ من المتساهلين , ولا عبرة بكلامه في هذا الباب »   ( ) .

* قال السيوطي : «    قال( ) : ويحتمل أنه أراد تخويفها بذلك لأن قوله  حق ، وبلوغها معهم الكدى لا يوجب خلوداً في النار ، هذا كله كلام السهيلي بحروفه »   ( ) . 

قلت : قد بان لك أن الحديث ضعيف جداً ، وما بُني على باطل فهو باطل .

ثم لو صحّ لكان دليلاً على كفر عبدالمطلب ، وكون المراد به تخويفها لأن بلوغها الكدى لا يوجب خلوداً في النار هذا حق ، لكنه دليل على أن المخوف به حق على ظاهره ، وهو أن عبدالمطلب لن يدخل الجنة لأنه مات على الكفر والشرك ، والله المستعان .

* قال السيوطي : «    وقال الشهرستاني في الملل والنحل : ظهر نور النبي في أسارير عبد المطلب بعض الظهور وببركة ذلك النور الهم النذر في ذبح ولده وببركته كان يأمر ولده بترك الظلم والبغي ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيات الأمور ، وببركة ذلك النور كان يقول في وصاياه : إنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه وتصيبه عقوبة إلى أن هلك رجل ظلوم لم تصبه عقوبة فقيل لعبد المطلب في ذلك ففكّر وقال : والله إن وراء هذا الدار دارا يجزى فيها المحسن بإحسانه ويعاقب فيها المسيء بإساءته ، وببركة ذلك النور قال لأبرهة إن لهذا البيت رباً يحفظه ، ومنه قال وقد صعد أبا قبيس :

لا هم إن المرء يمنع 

لا يغلبن صليبهم

فانصر على آل الصليب

رحله فامنع حلالك

ومحالهم عدوا محالك

وعابديه اليوم آلك

 انتهى كلام الشهرستاني  »    ( ) .

قلت : الحجة في كلام الله تعالى وأقوال النبي  لا في كلام غيره ، وهذا الذي قاله الشهرستاني ليس حجة ، فظهور النور والبركة في شخص بسبب ولده لايدلّ على إسلامه ، فبركات النّبيّ  تظهر في الجماد ولا يوصف الجماد بإسلام ولا كفر .

والشهرستاني هذا من علماء الكلام ممن هم من أجهل الناس بالسنة والأثر لهذا تجدهم يتقبلون مثل هذه الأمور وينقلونها لأنهم لا تمييز عندهم بين الصحيح والضعيف .

ونحن الآن نناقش مسألة محددة : هل والداه  ماتا على الإيمان أم على الشرك ؟

فلا سبيل لنا إلى معرفة هذا إلاّ بنص ، والنص موجود وهو ما جاء في صحيح مسلم : «    إن أبي وأباك في النار »    ، فالخروج عن هذا والبحث في آباء النبي  من أجل إثبات قاعدة أن آباءه كلهم مسلمين فتُجعل قاعدة يُرد بها النص طريقة غير علمية ، ولا توصل إلى مطلوب ، لأن الاعتماد فيها كله مبنيٌ على أخبار واهيات وتوهمات ، بل فيها مخالفة لقواعد الشرع العامة وتأويل النصوص وردها بغير حق ولا سلف صالح في ذلك إلاّ الرافضة وغلاة الصوفية المبتدعة نسأل الله العافية .

* قال السيوطي : «    ويناسق ما ذكره ما أخرجه ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس قال كانت الدية عشراً من الإبل ، وعبد المطلب أول من سن دية النفس مائة من الإبل ، فجرت في قريش والعرب مائة من الإبل ، وأقرها رسول الله »   ( ).

قلت : انظر ما في كلامه من التلبيس ، فما علاقة هذا بهذا ؟

لقد أقر النبيّ  كثيراً من عادات العرب في الجاهلية مما لا يخالف شريعة الله كبعض الأنكحة والأحلاف مع أنّها كانت من قوم مشركين .

والدية من الأمور التي ترجع للعرف تقدير الضرر ، فلهذا أقر النّبيّ  هذا التقدير دون مراعاة صاحبه أو مبتكره ، ولم يأت عنه  أنّ إقراره سببه أنه من عبدالمطلب ، كما أنّ ذلك لا يلزم منه أنّه مات مؤمناً .

* قال السيوطي : «    وينضمّ إلى ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انتسب إليه يوم حنين فقال :

أنا النبي لا كذب

أنا ابن عبد المطلب

وهذا أقوى ما تقوى به مقالة الإمام فخر الدين ومن وافقه لأن الأحاديث وردت في النهى عن الانتساب إلى الآباء الكفار .

روى البيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي بن كعب ومعاذ بن جبل أن رجلين انتسبا على عهد رسول الله   فقال أحدهما : أنا فلان ابن فلان ، وقال الآخر : أنا فلان بن فلان ، فقال رسول الله   : «    انتسب رجلان على عهد موسى فقال أحدهما : أنا فلان بن فلان إلى تسعة ، وقال الآخر : أنا فلان بن فلان ابن الإسلام ، فأوحى الله إلى موسى : هذان المنتسبان أمّا أنت أيها المنتسب إلى تسعة آباء في النار فأنت عاشرهم في النار ، وأما أنت أيها المنتسب إلى اثنين فأنت ثالثهما في الجنة »    ( ) . 

وروى البيهقي أيضاً عن أبي ريحانة عن النبي   قال : «    من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزاّ وشرفاّ فهو عاشرهم في النار »    ( ) . 

وروى البيهقي أيضاً عن ابن عباس أن رسول الله  قال : «    لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية ، فوالذي نفسي بيده لما يُدحدِح الجعل( ) بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية »    ( ) . 

وروى البيهقي أيضاً عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «    إن الله قد أذهب عنكم عبّية( ) الجاهلية وفخرها بالآباء ، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحمٌ من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها »   ( ) . 

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وأوضح من ذلك في التقرير أن البيهقي أورد في شعب الإيمان حديث مسلم : «    إنّ في أمتي أربعاً من أمر الجاهلية ليسوا بتاركيهن الفخر في الأحساب  »    الحديث ( ) ، وقال عقبة : فإن عورض هذا بحديث النبي  في اصطفائه من هاشم فقد قال الحليمي( ) لم يرد بذلك الفخر إنما أراد تعريف منازل المذكورين ومراتبهم ، كرجلٍ يقول : كان أبي فقيهاً لا يريد به الفخر وإنما يريد به تعريف حاله دون ما عداه ، قال : وقد يكون أراد به الإشارة بنعمة الله عليه في نفسه وآبائه على وجه الشكر وليس ذلك من الاستطالة والفخر في شيء انتهى . 

فقوله : أراد تعريف منازل المذكورين ومراتبهم أو الإشارة بنعمة الله عليه في نفسه وآبائه على وجه الشكر فيه تقوية لمقالة الإمام وإجرائها على عمومها كما لا يخفى ، إذ الاصطفاء لا يكون إلا لمن هو على التوحيد »   ( ) .

قلت : قد أورد عدداً من الأحاديث في النهي عن الانتساب والفخر أقواها حديث مسلم ، الذي يدلّ بظاهره وعمومه على تحريم الانتساب والفخر بها بغض النظر عن حال من انتسب إليهم مؤمنين أم كفرة .

وعليه تتنزّل النصوص الأخرى ، فالفخر بالحسب مذموم أيا كان لأنّه لا يتعلق به إيمان ولا كفر ، والنصوص الأخرى التي جاء فيها التنصيص على تحريم الفخر بالآباء اللذين في الجاهلية لا يُفهم منها جواز الفخر بالمسلمين ، وإذا كان كذلك عرفنا أنّ ما صدر منه  انتسابٌ لا افتخار .

فأما الذي انتسب في عهد موسى فهو انتساب على سبيل المفاخرة فأحدهم انتسب وافتخر بنسبه الذي فيهم الكفرة فكان عاشرهم ، وأما الآخر فالظاهر أنه انتسب إلى المؤمنين فقط افتخاراً بإيمانهم لا بهم فكان ذلك عملاً صالحاً .

وكذلك النهي بعده عن الانتساب إلى أهل الجاهلية كله محرم لأنه انتساب على وجه المفاخرة .

وإذا كان كذلك دلّ على أنّ الانتساب منه  إلى جدّه عبدالمطلب لشهرته بين العرب به ، وأنّه انتساب وليس فخر ، فلم يفتخر بجده وإنّما ذكّرهم بأنه ابنه وعرفهم بنفسه .

وبذلك فإنّه ليس في هذا الحديث ـ أي انتسابه  لجده ـ أي دليل على إسلامه ، ولم يذكر ذلك أحدٌ من الأئمة أو العلماء من السلف وأتباعهم ، بل كان تيقّنهم بكفر عبدالمطلب سبباً في جنوحهم إلى توجيه هذا الحديث وبيان أنّه منه  على سبيل التعريف لا المفاخرة كعادة أهل الجاهلية .

ثمّ إنّ عادة أهل البدع ترك المحكم من النصوص وتتطلب المتشابه ، فغاية ما في هذا النص أنه من المتشابه المشكل فيُرد إلى المحكم الصريح في أنّ عبدالمطّلب مات على ملة الكفر والشرك .

* قال السيوطي : «    ولا شكّ أن الترجيح في عبد المطلب بخصوصه عسر جداً لأن حديث البخاري مصادم قوي ، وأن أُخِذ في تأويله لم يوجد تأويل قريب ، والتأويل البعيد يأباه أهل الأصول ، ولهذا لما رأى السهيلي تصادم الأدلة فيه لم يقدر على الترجيح فوقف وقال : فالله أعلم ، وهذا يصلح أن يعد قولاً رابعاً فيه وهو الوقف ، وأكثر ما خطر لي في تأويل الحديث وجهان بعيدان فتركتهما، وأما حديث النسائي فتأويله قريب وقد فتح السهيلي بابه وأن لم يستوفه »    ( ) .

قلت : قد بانت حيرة السيوطي ، فمع جرأته على تحريف النصوص المتقدمة الذي يسميه تأويلاً وبناء نتائج لا علاقة لها بالنصوص أيضاً ، فإنه يعترف هنا أن الترجيح صعبٌ بالنسبة لعبدالمطلب وإنما صعب عليه لأنّه تعارض عنده الهوى مع النصوص ، وإلاّ فالمؤمن المسلم لا يصعب عليه هذا الأمر لأنه يقول بما قاله  وبما فُهم عنه ، وقد دلت النصوص على أن عبدالمطلب مات مشركاً على الأقل ظاهراً حيث أحال أبو طالب خاتمته على ملة عبدالمطلب وأبانت الأدلة على أنه خالد مخلد في النار ، كما قال ابن الجوزي رحمه الله : «    ولا يختلف المسلمون أن عبدالمطلب مات كافراً »   ( ).

ولهذا اعتبر السيوطي هذا الحديث مصادماً قوياً لكل التحريفات التي يجادل بها البعض .

وأما حديث النسائي فهو يقصد حديث فاطمة المتقدم ن وهو حديث ضعيف لا يثبت كما سبق .

* قال السيوطي : «    وإنما سهل الترجيح في جانب عبد الله مع أن فيه معارضاً قوياً وهو حديث مسلم لأن ذاك سهل تأويله بتأويل قريب في غاية الجلاء والوضوح وقامت الأدلة على رجحان جانب التأويل فسهل المصير إليه والله أعلم »    ( ) .

قلت : انظر إلى هذا التناقض ، مسألة والده الّتي فيها نصٌ واضحٌ صحيح قطعاً لا لبس فيه ولا مطعن يسهل تأويله ، وعبدالمطلب الذي لا نص فيه وإنما ظاهر حديث البخاري في قصة موت أبي طالب وهو ممكن التأويل ـ لو جاء نص صحيح صريح يعارضه ـ يقول : إنه صعب .

وهذه حال أهل الأهواء للأسف ، لأنّهم يعكسون القضية دائماً ، فالمؤمن ينظر في النص ويعتقد ما فيه ويسلّم إذا دار في نفسه شيء لأنّ أحكام الله تعالى لا تخضع لمقاييس العقول البشريّة .

أمّا السيوطي رحمه الله ومن على شاكلته فإنّه يعتقدون أوّلاً ثم يذهبون يتطلبون من النصوص ما يوافق شبهتهم وهواهم ولو من وجه بعيد ، ويصادمون النصوص الصريحة بنوعٍ من التحريف يسمونه تأويلاً ، ونسأل الله العافية .

* قال السيوطي : «    ثم رأيت الإمام أبا الحسن الماوردي ( ) أشار إلى نحو ما ذكره الإمام فخر الدين إلا أنه لم يصرح كتصريحه فقال في كتابه أعلام النبوة : لما كان أنبياء الله صفوة عباده وخيرة خلقه لما كلفهم من القيام بحقه والإرشاد لخلقه استخلصهم من أكرم العناصر واجتباهم بمحكم الأواصر ... »    الخ الكلام ( ) .

قلت : هذا الكلام أصلاً كلامٌ عامٌ لا دليل فيه على ما يريده السيوطي ، فإنّ طهارة النسب والشرف أمرٌ لا يلزم منه إيمان صاحبه ، وإنما كلام الماوردي رحمه الله عن شرف النسب وطهارة النسل من دنس الفاحشة ، وهذا هو المنصوص عنه  أنّه جاء من نكاح لا من سفاح ، والنبي  ليس عاجزاً أن يقول للناس أيها الناس إنّ أبي وآبائي كلهم مؤمنون فلا تذكروهم إلاّ بخير ، والعجيب أنّ السيوطي ينقل عنه  أنّه أوصى أن لا يُسب مضر ولا تبع ولا قساً لأنّهم كانوا قد أسلموا ، فكيف يوصي بهم ويترك أن يأمر الناس بذلك ويخبرهم به في حق آبائه ، مع أنّ الداعي كان موجوداً ، وقد ثبت أنّ بعض الصحابة ربما انتقص بني هاشم فبين النبيّ  شرفهم لكن لم يخبر في نص واحد صحيح أنّ آباءه كلهم كانوا على الإيمان خصوصاً أبوه عبدالله وجده عبدالمطلب .

ثم حتى لو فهم السيوطي من كلام الماوردي شيئاً من ذلك فإنّه كلام غيرِ معصوم يحتاج إلى دليل عن المعصوم  ، فهو يُستدل له لا به .

* قال السيوطي : «    وقال أبو جعفر النحاس( ) في معاني القرآن في قوله :           [الشعراء:219] روى عن ابن عباس أنه قال : تقلبه في الظهور حتى أخرجه نبياً »   ( ) .

قلت : قد جاء ذلك في تفسير ابن أبي حاتم قال : حدثنا يعقوب بن عبيد النهرتيري البغدادي أنبأ أبو عاصم ( )  أنبأ شبيب يعني : ابن بشير( ) عن عكرمة عن ابن عباس :           قال : «    من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبياً »    .

وقال أيضاً : حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدب ثنا الحسن بن بشر بن مسلم ( ) الكوفي ثنا سعيد أنبأ عطاء عن ابن عباس في قوله :           قال : «    مازال النّبيّ  يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمّه »   ( ).

والأثر بهذين الإسنادين صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وعن أبيه ، لكن هل في لفظه هذا ما يدل على مراد السيوطي ؟

الجواب بطبيعة الحال : لا ، لأنّ النص يقول : من نبي إلى نبي ، فإذا أخذ السيوطي بظاهر هذا الأثر فهذا يعني أنّ آباءه  أنبياء وليسوا فقط مؤمنين !!.

والصحيح في معناه أنّ النّبيّ  سليل الأنبياء فهو من نسل إبراهيم وإسماعيل ومن قبلهما ومن بعدهما ، دون أن يلزم منه أن يكون جميع آبائه أنبياء ولا حتى مسلمين ، فهذا الأثر الذي استدل به السيوطي لا يسعفه للأسف الشديد حتى لو صح من حيث السند .

وإن كان هذا القول في الحقيقة لم يذكره أغلب المفسرين ومن ذكره لم يرجّحه ، بل في الآية أقوال أخرى رجحها الأئمة كابن جرير الطبري شيخ المفسرين وابن كثير والقرطبي وغيرهم لا نطيل بذكرها .

* قال السيوطي : «    وما أحسن قول الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى :

تنقل أحمد نورا عظيما

تقلب فيهم قرنا فقرنا

تلألأ في جباه الساجدينا

إلى أن جاء خير المرسلينا

وقال أيضا :

حفظ الآله كرامة لمحمد

تركوا السفاح فلم يصبهم عاره

آباءه الأمجاد صونا لاسمه

من آدم وإلى أبيه وأمه »( )

  

قلت : وهذا من ذاك فليس فيه إلاّ أنّ نسله الشريف سلمه الله من السفاح وهذه كرامة له  ومنقبة ، لكن هذا ليس فيه أنّ آباءه مسلمون مؤمنون .

وذكر بعد ذلك أبياتاً للبوصيري صاحب البردة فيها مدحٌ للنبيّ  وإن كان في بعضها غلو مذموم كقوله :

لك ذات العلوم من عالم الغيـ

ـب ومنه لآدم الأسماء

فإنّ النبي  لم تكن له ذات العلوم وإنما كان يطلعه الله على بعض الغيب كما أطلع آدم على الأسماء وعلمه إياها ، ومع هذا فإنّ هذا المديح ليس فيه أنّ آباءه كانوا على التوحيد ، ولو قال هذا صراحة فهو مردود عليه لأنّه لا دليل عنده عليه إضافة إلى مصادمته للنصوص الصحيحة الصريحة .

* قال السيوطي : «    الأمر الثالث( ) : أثرٌ ورد في أم النبي  خاصة ،

أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة بسند ضعيف من طريق الزهري عن أم سماعة بنت أبي رهم عن أمها قالت : شهدت آمنة أم رسول الله  في علتها التي ماتت فيها ومحمد غلام يفع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه ثم قالت :

بارك فيك الله من غلام

نجا بعون الملك المنعام

بمائة من إبل سوام

فأنت مبعوث إلى الأنام

تبعث في الحل وفي الإحرام

فالله أنهاك عن الأصنام

يا ابن الذي من حومة الحمام

فودى غداة الضرب بالسهام

إن صح ما أبصرت في المنام

من عند ذي الجلال والإكرام

دين أبيك البر إبراهام

أن لا تواليها مع الأقوام

ثم قالت : كل حي ميت ، وكل جديد بال ، وكل كبير يفنى ، وأنا ميتة وذكرى باقٍ ، وقد تركت خيراً ، وولدت طهراً ، ثم ماتت ، فكنا نسمع نوح الجن عليها فحفظنا من ذلك :

نبكي الفتاة البرة الأمينة

زوجة عبد الله والقرينة

وصاحب المنبر بالمدينة

ذات الجمال العفة الرزينه

أم نبي الله ذي السكينة

صارت لدى حفرتها رهينة

فأنت ترى هذا الكلام منها صريحاً في النهى عن موالاة الأصنام مع الأقوام ، والاعتراف بدين إبراهيم ويبعث ولدها إلى الأنام من عند ذي الإجلال والإكرام بالإسلام ، وهذه الألفاظ منافية للشرك وقولها تبعث بالتحقيق كذا هو في النسخة وعندي أنه تصحيف وإنما هو بالتخفيف »   ( ).

قلت : ليس هذا في المطبوع من دلائل النبوة لأبي نعيم  ، ونص على ذلك في حاشية المطبوع وأنّه ليس في الأصل الذي طُبع عليه الكتاب( ) ، وقوله بسند ضعيف يعني أنّه منكر أو موضوع كما تبين لي من تصرف السيوطي ، فإنّه متساهل جداً فيما يؤيد بدعته هذه ، فالنصوص الباطلة عنده ضعيفة والضعيفة عنده صحيحة ، والصحيح الذي يخالف قوله معلول ، وهذا من جناية الهوى على العالم .

وفي متنه نكارة ، فكيف  تشير إلى أنّه سيُبعث بالتوحيد وتنهاه عن الشرك ، فإذا كانت هي كما يزعم واضع هذا الخبر لم تكن مشركة فكيف تأمر نبياً بأن لا يوالي الأصنام ؟! وكيف عرفت الجن أنّ منبره سيكون بالمدينة ؟! مع أنّ الجن لم تكن تعرف بمبعثه كما حكى الله في سورة الجن .

وعلى العموم فالمذكور من إسناده غير معروف ، فمن هي أم سماعة ( ) بنت أبى رهم ومن هي أمّها ، فكيف نترك النصوص الصحيحة ثبوتاً الصريحة دلالةً على أنّ أمّه صلى الله عليه وآله وسلم ماتت على الكفر والشرك ثمّ نعتمد على أخبار مكذوبة أو منكرة من رواية المجاهيل والكذبة والمخلّطين ؟‍‍! .

* قال السيوطي : «    ثم إني استقرأت أمهات الأنبياء عليهم السلام فوجدتهن مؤمنات ، فأم إسحاق وموسى وهارون وعيسى وحواء أم شيث مذكورات في القرآن ، بل قيل بنبوتهن( )، ووردت الأحاديث بإيمان هاجر أم إسماعيل وأم يعقوب وأمهات أولاده وأم داود وسليمان وزكريا ويحيى وشمويل وشمعون وذي الكفل . 

ونص بعض المفسرين على إيمان أم نوح وأم إبراهيم ، ورجحه أبو حيان في تفسيره . 

وقد تقدم عن ابن عباس أنه لم يكن بين نوح وآدم والد كافر ، ولهذا قال :                     [نوح:28]  وقال إبراهيم :                     [إبراهيم:41]  ولم يعتذر عن استغفار إبراهيم في القرآن إلا لأبيه خاصة دون أمه ، فدل على أنها كانت مؤمنة  »    ( ) .

قلت : أما قسمٌ ممن ذكرهن السيوطي فإنّ الوارد نصاً أو ظاهراً على الأقل هو إيمانهن وهن : أم إسحاق ، وأمّ موسى وهرون ، ومريم أمّ عيسى ، وحواء أم شيث ، وهاجر أم إسماعيل وأم يعقوب وأمهات أولاده .

أمّا أمّ داود وأم سليمان وزكريا ويحيى وشمويل وشمعون وذي الكفل وأم نوح وأم إبراهيم فلا أدري من أين للسيوطي هذه المعلومة ، فإنّ إثبات إيمانهن من حيث الأمل والرغبة والأمنية لا بأس به ، أمّا إثباته والجزم به ليُستدل به على مخالفة النصوص فإنّه مردود على السيوطي .

* قال السيوطي  : «    وأخرج الحاكم في المستدرك ( ) وصححه عن ابن عباس قال : «    كانت الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة نوح وهود وصالح ، ولوط وشعيب وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومحمد عليهم السلام »    . 

وبنو إسرائيل كلهم كانوا مؤمنين لم يكن فيهم كافر إلى أن بعث عيسى فكفر به من كفر فأمهات الأنبياء الذين من بني إسرائيل كلهم مؤمنات »   ( ).

قلت : من أين للسيوطي هذا الجزم بأنّ بني إسرائيل لم يكن فيهم كافر حتى بُعث فيهم عيسى ؟!

هذا من أخبار الغيب التي لا يجوز أن يُقال فيها إلاّ بدليل عن الله ورسوله  ، وكم قتل اليهود من الأنبياء قبل عيسى ؟ وكم بدل اليهود بعد موت موسى وهارون ؟ بل اليهود عبدوا العجل في حياة موسى فكيف بهم بعد موته ؟!  

* قال السيوطي : «    وأيضا فغالب أنبياء بني إسرائيل كانوا أولاد أنبياء أو أولاد أولادهم ، فإن النبوة كانت تكون في سبط منهم يتناسلون كما هو معروف في أخبارهم ، وأما العشرة المذكورون من غير بني إسرائيل فقد ثبت إيمان أم نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب »    ( ) .

قلت : يريد السيوطي أن يقول : بما أنّ بني إسرائيل كانوا على الإيمان فكل أمهات أنبيائهم مؤمنات ، ونحن نقول : أثبت الأولى قبل أن تُسلّم لك الثانية ، فمن أين لك أنّ بني إسرائيل كانوا على الإيمان حتى مبعث عيسى؟ .

ثم لو ثبت أنّهم كلهم أولاد أنبياء فهل يلزم منه إيمان أمهاتهم ؟ ألم تكفر زوجة نوح وزوجة لوط وهما زوجتا نبيين أحدهما من أولي العزم ؟

ثمّ إنّه ينقض كلامه بنفسه ففي بداية الكلام يقول إنه استقرأ أمهات الأنبياء فوجدهن أمهات ، ثم هنا يعجز عن بعض الأنبياء أن يثبت فيهم شيئاً حسب كلامه هو وإلاّ فغالبهم لا دليل عنده على زعمه .

* قال السيوطي : «    وبقي أم هود وصالح ولوط وشعيب يحتاج إلى نقل أو دليل ، والظاهر إن شاء الله تعالى إيمانهن »    ( ) .

قلت : الدليل العلمي والبرهان والحجة التي تكون قاطعة في المسائل أو على الأقل في غالب الظن لا تُبنى على الأمنية ، فقوله والظاهر إن شاء الله إيمانهن مجرد أمنية وليست دليلاً .

ثمّ إن قوله في هؤلاء الأنبياء : «     يحتاج إلى نقل ودليل »    يوهم أنّ من قبلهم ممن ذكرهم قد استند فيه إلى دليل ونقل مع أنّ الحال واحد ، فكلّ ما مر توهّم وتمنٍّ من السيوطي رحمه الله لا دليل عنده عليه سوى عمومات لا تدل على مراده إلاّ بنوع من التكلّف الممجوج .

* قال السيوطي : «    فكذلك أم النبي   »    ( ) .

قلت : أي هي مؤمنة كذلك ، وهذا والله من أبطل الباطل ، فمع وهاء ما ذكره في خصوص أمهات الأنبياء إلاّ أنّه حتّى لو سُلّم له ذلك تنزّلاً فإنّ الأمر في أمّ النّبيّ  بالذات يختلف لأنّه قد جاء فيها النص الجلي الواضح بأنّه  نُهي عن الاستغفار لها ، مع أنّه طلب ذلك من ربه تعالى ، فلم يأذن له .

والأمر لا يُبنى عند الله تعالى بالمقايسات ، فالله تعالى هو العليم الحكيم الرحيم ، وهو الذي يقسم الرحمة على الخلق :             [الزخرف:32] ، فلا يجوز لمؤمن أن يقول : لماذا تكون أمّهات عامة الناس مؤمنات في الجنة وأمّه  في النار ؟ فإنّ هذا تحكم في فضله عزوجل وقد قال :                           [النساء:123]الآية ، فكون أمهات الناس بل أمهات الفسقة والفجرة والكفرة في الجنة وأمّه  في النار لا يتناقض مع حكمة الله تعالى ورحمته فالله لانسب بينه وبين خلقه ، وهو العدل سبحانه ، القرب عنده والمحبة لديه بالتقوى والإيمان لا بالنسب والحسب وقد قال  في الحديث المعروف : «    أنقذوا أنفسكم لا أملك لكم من الله شيئاً  »    فالشرك أمره يختلف عن كلّ شيء إذ لا شفاعة في خروج أهله من النار .

فقياس السيوطي أمّه   صلى الله عليه وآله وسلم على باقي أمّهات الأنبياء بجامع أنّها أمّ نبيٍّ باطل مخالف للصناعة الأصولية الّتي يفتخر هو بأنّه من أهلها ، ومخالف للنصوص الشرعية وقد اتفق العلماء على أنّه لا قياس مع النص .

* قال السيوطي : «    وكان السر في ذلك ما يرينه من النور كما ورد في الحديث ، أخرج أحمد والبزار والطبراني والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية أن رسول الله  قال : «    إني عبد الله وخاتم النبيين وأن آدم لمنجدلٌ في طينته وسأخبركم عن ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين يرين وإن أم رسول الله  رأت حين وضعته نوراً أضاءت له قصور الشام  »    ، ولا شك أن الذي رأته أم النبي  في حال حملها به وولادتها له من الآيات أكثر وأعظم مما رآه سائر أمهات الأنبياء كما سقنا الأخبار بذلك في كتاب المعجزات .

وقد ذكر بعضهم أنه لم ترضعه مرضعة إلا أسلمت ، قال ومرضعاته أربع أمه وحليمة السعدية وثويبة وأم ايمن انتهى  »    ( ) .

قلت : حديث العرباض أخرجه أحمد ( ) وابن أبي عاصم ( )والبزّار ( )وابن حبان ( )الطبري( ) والطبراني ( )والبيهقي ( )والآجري ( )والحاكم ( )والبغوي ( )وغيرهم  من طرق عن سعيد بن سويد ، وفي إسناده مقال لكن يصح بشواهده بدون هذه الزيادة التي ذكرها في آخرهر وهي : «    وكذلك أمهات النبيين يرين »    فلم يذكرها إلاّ معاوية بن صالح في حديثه عن سعيد بن سويد( ) فهي معلولة .

ومع هذا  فليس فيه دلالة على ما يريد السيوطي أن يصل إليه ، فكم من النور رآه الناس لم يكن ذلك سبباً في إيمانهم ، واليهود رأوا ذلك النور بل كانوا يعلمون حقاً أنّه رسول الله  فلم يؤمنوا ، فلو صح ما يقوله السيوطي من أنّهنّ كلهنّ رأين نوراً مع أنّه لا دليل صحيح عليه إلاّ أنّ ذلك لا يكفي في إثبات أنّهن كنّ مؤمنات .

وكذلك كون مرضعاته كلهن أسلمن ، فذلك لأنّهن بلغتهن دعوته فهداهنّ الله فآمنّ ، أمّا أمّه  فهي كسائر النساء اللواتي متن في الجاهلية على عبادة الأوثان ، وهذا قضاؤه تعالى وحكمه فليس لنا أن نعترض وأن نجادل . 

والله تعالى أرسل لنا رسوله بالهدى ودين الحق لنؤمن به ونصدقه ونعمل بشريعته ، فليس علينا أن نجادل في أمّه  هل هي في النار أو في الجنة ، ولولا أنّه صلى الله عليه وآله وسلم أخبرنا بذلك وقام بعض الناس يكذّب هذا ويتهم من يصدّق به أنّه يبغض رسول الله  ويؤذي رسول الله  لما كان لنا أن نخوض فيه ، أما وقد تكلّم البعض وقرر خلاف ما نطق به النبي ّالكريم  فأصبح من الواجب علينا بيان الحق من سنته  ونحن والله نتألّم اشدّ الألم ونحزن أشد الحزن لحزنه  ، ووالله لإسلام أمه وأبيه أحب إلينا من إسلام آبائنا وأمّهاتنا ، لكن لله في كلّ شيء حكمه فله الحمد من قبل ومن بعد .

وإذا كان  هو بنفسه قال هذا عن أمّه وأبيه فمن الواجب على كلّ مؤمن أن يسلّم به ويصدق به ولا يخوض في تحريفه وتأويله كما يفعل السيوطي في هذه المسألة ، فيفتح لأعداء الإسلام باباً يحرفون به كلام الله وكلام رسوله  بحجة التأويل وغير ذلك من الحجج التي يتذرع بها السيوطي رحمه الله وعفا عنا وعنه .

* قال السيوطي : «    فإن قلت فما تصنع بالأحاديث الدالة على كفرها وأنها في النار وهي حديث : «    أنه  قال ليت شعري ما فعل أبواي فنزلت : ولا تسال عن أصحاب الجحيم »    .

وحديث أنه استغفر لأمه فضرب جبريل في صدره وقال : «    لا تستغفر لمن مات مشركاً »    .

وحديث أنه نزل فيها :                   [التوبة:113]  ، وحديث أنه قال لابني مليكة : «    أمكما في النار»    فشقّ عليهما فدعاهما فقال : «    إن أمي مع أمكما »    ، قلت : الجواب : أن غالب ما يروى من ذلك ضعيف »   ( ) .

قلت : الحديث الأول أخرجه الطبري( )من طريقين عن موسى بن عبيدة عن محمّد بن كعب القرظي ، ومع إرساله فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف جداً .

ومن طريق ثالثة عن داود بن أبى عاصم ، وكلاهما لم يدرك زمنه  فهما ضعيفان لا تقوم بهما حجة .

فتفسير الآية بهما لا يصحّ في الحقيقة ، لكني سأذكر لك رد ثلاثة من العلماء اثنان من أئمة السلف والثالث من أئمة الأشاعرة ـ بل استدل به السيوطي نفسه ـ تدلّ على ما هو متقرر من كفر أبويه عليه الصلاة والسلام .

الأول : قول ابن جرير رحمه الله بعد أن رجح القول الآخر في تفسير الاية : «    فإن ظنّ ظانّ أن الـخبر الذي رُوي عن مـحمد بن كعب صحيح, فإن فـي استـحالة الشكّ من الرسول علـيه السلام فـي أن أهل الشرك من أهل الـجحيـم, وأن أبويه كانا منهم , ما يدفع صحة ما قاله مـحمد بن كعب إن كان الـخبر عنه صحيحاً »    ( ) .

فابن جرير هنا يقول إنّه مما يؤكد عدم صحة هذا الخبر عن محمد بن كعب أنّه يستحيل أن يشك النبيّ  في حال أبويه أصلاً لأنّهما من أهل الشرك وأهل الشرك من أصحاب الجحيم ، فانظر كيف كان هذا الأمر متقرراً عنده حتى استدل به ولم يستدل له .

أمّا الثاني فهو ابن كثير رحمه الله ، فإنّه ذكر قول ابن جرير وقال : «    فيه نظر لاحتمال أنّ هذا كان في حال استغفاره لأبويه قبل أن يعلم أمرهما ، فلمّا علم ذلك تبرأ منهما وأخبر عنهما أنّهما من أهل النار كما ثبت ذلك في الصّحيح »   ( ) .

وأمّا الثالث فهو الفخر الرازي صاحب التفسير حيث قال بعد أن ذكر القول الآخر في قراءة الآية بالجزم : «    فيها وجهان : الأول : روي أنه قال : «   ليت شعري ما فعل أبواي ؟ فنُهي عن السّؤال عن الكفرة »    ، وهذه الرواية بعيدة لأنّه عليه الصلاة والسّلام كان عالماً بكفرهم وكان عالماً بأنّ الكافر يُعذب ، فمع هذا العلم كيف يمكن أن يقول : ليت شعري ما فعل أبواي ؟ »    ( ) .

فهذه النصوص تدل على أنّ هذين الأثرين من حيث الثبوت لا يثبتان لكن عند ابن جرير والرازي من وجوه ضعفهما أنّ النبيّ  كان يعلم حال أبويه وأنّهما في النار ، وأما ابن كثير فإنه جوز أن يكون هذا قبل أن يكون علم حالهما الذي ثبت في الصحيح  ، وكلّنا يعلم من هو ابن جرير ومن هو ابن كثير ومن هو الرازي على الأقل عند السيوطي .

* قال السيوطي : «    فحديث : «    ليت شعري ما فعل أبواي »    فنزلت الآية لم يخرج في شيء من الكتب المعتمدة ، وإنما ذكر في بعض التفاسير بسند منقطع لا يحتج به ولا يعول عليه ، ولو جئنا نحتج بالأحاديث الواهية لعارضناك بحديث واهٍ أخرجه ابن الجوزي من حديث علي مرفوعاً : «    هبط جبريل علي فقال إن الله يقرئك السلام ويقول إني حرمت النار على صلبٍ أنزلك وبطنٍ حملك وحجرٍ كفلك »    ويكون من باب معارضة الواهي بالواهي إلا أنا لا نرى ذلك ولا نحتج به »   ( ) .

قلت : الحديث الذي ذكره موضوع مكذوب ( ) ، لكن كلامه هذا يوحي للقارئ أنّ السيوطي كان متحرياً في الأحاديث التي يوردها وليس الأمر كذلك بل غالبها واهيات .

* قال السيوطي بعد كلام عن الجحيم وأنّها أعظم النار وأشدّها : «   فاللائق بهذه المنزلة من عظم كفره واشتد وزره وعاند عند الدعوة وبدل وحرف وجحد بعد علم ، لا من هو بمظنة التخفيف ، وإذا كان قد صح في أبي طالب أنه أهون أهل النار عذاباً لقرابته منه صلى الله عليه وآله وسلم وبره به مع إدراكه الدعوة وامتناعه من الإجابة وطول عمره ، فما ظنك بأبويه اللذين هما أشد منه قرباً وآكد حباً وابسط عذراً وأقصر عمراً ، فمعاذ الله أن يظن بهما انهما في طبقة الجحيم وأن يشدد عليهما العذاب العظيم هذا لا يفهمه من له أدنى ذوق سليم »   ( ) .

قلت : انظر كيف التحكّم في فضل الله ، فإنّ أخف الناس عذاباً وأعظمهم عذاباً ليس بهوانا وأمانينا ومقاييسنا بل الله تعالى أعلم بعباده وقلوبهم وهو أرحم الراحمين ، ونحن لا نعلم لأي حكمة أماتهما الله قبل بلوغ دعوته ، ففي صحيح مسلم عن عائشة أم المؤمنين قالت : دُعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت : يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه ، قال : أو غير ذلك يا عائشة ، إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم  »   ( ) فإذا كان النّبيّ  يقول في غلام من المسلمين : «    وما يدريك يا عائشة  »    ، فكيف لنا أن نقيس فضل الله وعطاءه وعذابه ونقمته بمقاييسنا نحن البشر ، وما يدرينا عن فعل أبويه لو أدركا دعوته ، ثمّ إنّ أبا طالب لم يُخفَّف عنه لقرابته كما يقول ، وإنما خُفّف عنه بشفاعة النّبيّ  لما قدمه له من حماية ، فانظر عافاك الله إلى الهوى كيف يوصلان صاحبهما إلى القول على الله والاستنكار على حكمه .

* قال السيوطي : «    وأما حديث : «    أن جبريل ضرب في صدره وقال : لا تستغفر لمن مات مشركاً »    فإن البزار أخرجه بسند فيه من لا يعرف »   ( ).

قلت : أخرجه البزّار ( )عن محمّد بن جابرعن سماك بن حرب عن القاسم بن عبدالرحمن عن ابن بريدة عن أبيه قال : كنا مع رسول الله  حتى إذا كنا بودّان ـ قرية بقرب الجحفة ‏ـ‏ أو بالقبور سأل الشفاعة أمه ـ أحسبه قال ـ ‏ :‏ فضرب جبريل  صدره وقال‏ :‏ لا تستغفر لم مات مشركاً‏ .‏ 

وتابعه أيوب بن جابرأخرجه أحمد ( ) بلفظ أتم منه ولم يذكر فيه ضرب جبريل على صدره وقوله له .

ومحمد بن جابر ضعيف ، فالحديث ضعيف بلا شك إن لم يكن من تخليطاته فإنّه كما قال البخاري وغيره يأتي بمناكير ( ) .

* قال السيوطي : «    وأما نزول الآية في ذلك فضعيف أيضا والثابت في 

الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب وقوله   له : «    لاستغفرن لك مالم أنه عنك »    ( ) .

قلت : قد جاء ذلك عن عطية العوفي وبريدة بن الحصيب وابن عباس أخرجها ابن جرير ، و نحوه عن عبدالله بن مسعود ،أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير والواحدي وابن حبان والحاكم غير أنّ جميع هذه الأسانيد ضعيفة لا تقوم بها الحجة ( ) ، كيف وقد عارضها ما هو أصحّ  ، فإنّ النصوص الثابتة الصريحة في الصحيحين وغيرهما أنّ الآية نزلت في شأن عمّه أبي طالب .

* قال السيوطي : «    وأما حديث «    أمي مع أمكما »    فأخرجه الحاكم في مستدركه وقال : صحيح ، وشأن المستدرك في تساهله في التصحيح معروف وقد تقرر في علوم الحديث أنه لا يقبل تفرده بالتصحيح ، ثم إن الذهبي في مختصر المستدرك لما أورد هذا الحديث ونقل قول الحاكم صحيح قال عقبه : قلت : لا والله فعثمان بن عمير ضعفه الدار قطني ، فبيّن الذهبي ضعف الحديث وحلف عليه يميناً شرعياً وإذا لم يكن في المسالة إلا أحاديث ضعيفة كان للنظر في غيرها مجال »   ( ) .

قلت : الحديث منكر ، وقد سبق الكلام عليه( ) حيث تقدّم أنّ السيوطي ذكره واحتجّ به هناك ، بينما هنا يضعّفه ، لأنّ الحديث أوّله حجة عليه وآخره حجة له ، وهذا تناقض عجيب من السيوطي رحمه الله .

* قال السيوطي : «    الأمر الرابع : مما ينتصر به لهذا المسلك أنه قد ثبت عن جماعة كانوا في زمن الجاهلية أنهم تحنفوا وتدينوا بدين إبراهيم عليه السلام وتركوا الشرك فما المانع أن يكون أبوا النبي   سلكوا سبيلهم في ذلك »    ( ) .

قلت : سبحان الله كيف يفعل الهوى بصاحبه ؟ وهل الأمر بالقياس ؟

فلو لم يكن في الأمر نصٌّ لكان هذا الكلام من السيوطي مردوداً ، فكيف يثبت الإيمان لشخص قياساً على أنّ شخصاً آخر في زمنه كان مؤمناً؟.

خصوصاً وأن السيوطي أشعريُّ المعتقد وهو ممن لا يقول بالتحسين والتقبيح العقلي ، وانتصر في مقدمة هذا الكتاب لقول الأشاعرة في مسألة شكر المنعم وأنّه  لايجب على العبد بالعقل شيء ، بل لا يعذب حتى تقوم عليه الحجة الرسالية ، وإنما فعل هذا ليقوي قوله في المسلك الأوّل وهو أنّهما من أهل الفترة .

وهو هنا يتخلى عن هذا ويقيس الأمور برأيه ، ونحن نجيبه فنقول : ليس هناك مانع عقلاً أن يكون أبواه  سلكا نفس هذا المسلك ، لكن الذي يأبى علينا القول بذلك أنّه لم يُنقل في نص واحد يصح أنّهما فعلاً كذلك ، والدعوى بعد ذلك أنّهما كانا على التوحيد أقل ما فيها أنّها قول بلا علم والله تعالى يقول :                                     [الإسراء:36]  فكيف إذا كان في المسألة نصُّ صحيحٌ صريحٌ أنّهما في النار وأنّهما بذلك قد ماتا على الشّرك ؟ ألا يصبح الأمر بعد ذلك تدخّلاً في خصائص الرب تعالى وحكته وعلمه؟!

إذاً فلا مانع عقلاً وإنّما الذي يمنع من قبول هذا هو واجب التصديق والاستسلام لحكم الله تعالى ولما جاء به النّبيّ  تصديقاً وانقياداً .

* قال السيوطي : «    قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في التلقيح تسمية من رفض عبادة الأصنام في الجاهلية : أبو بكر الصديق ، زيد بن عمرو بن نفيل ، عبيد الله بن جحش ، عثمان بن الحويرث ورقة بن نوفل ، رياب بن البراء ، اسعد أبو كريب الحميري ، قس بن ساعدة الأيادي ، أبو قس بن صرمة انتهى . 

وقد وردت الأحاديث بتحنّف زيد بن عمرو وورقة وقس ، وقد روى ابن إسحاق وأصله في الصحيح تعليقاً عن أسماء بنت أبي بكر قالت :  «    لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مستنداً ظهره إلى الكعبة يقول يا معشر قريش ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري ثم يقول : اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلم »    ( ) .

قلت : هذا الذي ذكره السيوطي حجّةٌ عليه لو كان منصفاً ، فإذا كان التاريخ حفظ لنا سلامة هؤلاء الذين ذكرهم من الوقوع في عبادة الأصنام ، فكيف لا ينقل لنا عن أبويه  مثل ما نقل عنهم مع أنّهما أولى لقرابتهما منه  ؟ !

لماذا لم يُذكر لنا في نصٍّ واحد صحيح أنّهما سلِما من عبادة الأصنام ؟ مع أنّه يحفظ عن قس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وغيرهم ؟

وبعضهم يخبر به  مثل قس ، بل وفوق هذا يخبر النبيّ  بخلاف ذلك أنّهما في النار ، فأي تناقض أشدّ من هذا ؟!

ثمّ إنّ القصة التي رواها عن زيد بن عمرو دليل عليه ، فإنّه صريح أنّ قريشاً كلها كانت على الشرك بما فيهم عبدالمطلب الذي يدّعي هو أنّه كان موحداً وأبواه كذلك ، مع أنّه جاء فيهما النصّ الصّريح ، ومع هذا يعقب السيوطي : «    قلت وهذا يؤيد ما تقدم في المسلك الأول أنه لم يبق إذ ذاك من يبلغ الدعوة ويعرف حقيقتها على وجهها »    فكيف يدّعي  هنا أنّهما ماتا على التوحيد ؟! .

* قال السيوطي : «    وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن عمرو بن عبسة السلمي : رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية ورأيت أنها الباطل يعبدون الحجارة »   ( ) .

قلت : قال أبو نعيم : حدّثنا علي بن هارون بن محمد قال : ثنا جعفر بن محمد الفريابي قال : ثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي الحمصي قال : ثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن أبي سلام الدمشقي وعمر بن عبدالله الشيباني أنهما سمعا أبا أمامة الباهلي يحدث عن عمرو بن عبسة قال : رغبت عن عبادة آلهو قومي في الجاهلية ... »    الحديث وفيه قصة ( ) .

قلت : علي بن عمر له ترجمة في تاريخ بغداد : قال الخطيب : «    وكان أمره في ابتداء ما حدث جميلاً ثم حدث منه تخليط  »   ( ) .

وإسماعيل بن عياش فيه كلامٌ معروف ، وهو حجة إذا حدث عن أهل بلده الشاميين ، أما عن غيرهم ففيه نظر كما قال البخاري وغيره ، وروايته هنا عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني ( )أبوزرعة ، شيخ شامي ، قال عنه أحمد : ثقة ثقة ، وأبو سلام هو معاوية بن سلام بن أبي سلام ممطور الحبشي ويقال الألهاني ثقة معروف .

فالخبر لا بأس بإسناده من أجل علي بن عمر ، وباقي رجاله ثقات ، لكن ما علاقة هذا بكون أبويه  كانا على التوحيد ؟!

إذا كان في ذلك دلالة فإنه يدلّ على أن كلّ أهل الجاهلية كانوا على التوحيد لأنّ عمرو بن عبسة ثبت أنّه كان موحداً لا يعبد الأصنام ، وإن قيل : إنّ هذا لا دليل فيه على ذلك ، قلنا : ولا دلالة فيه على أن أبويه كانا كذلك .

* قال السيوطي : «    وأخرج البيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل من طريق الشعبي عن شيخ من جهينة أن عمير بن حبيب الجهني ترك الشرك في الجاهلية وصلى لله وعاش حتى أدرك الإسلام »   ( ) .

قلت : أخرجه البيهقي( ) ، ولم أجده في دلائل أبي نعيم مع التفتيش فلعله وهم ، ثمّ إنّ ما في الدلائل عند البيهقي ليس فيه تسمية الجهني ولا أنه عمير بن حبيب رضي الله عنه ، فلا أدري ما هو مصدر السيوطي في هذا .

* قال السيوطي : «    وقال إمام الأشاعرة( )الشيخ أبو الحسن الأشعري : «    وأبو بكر ما زال بعين الرضا منه »    فاختلف الناس في مراده بهذا الكلام فقال بعضهم : إنّ الأشعري يقول : إن أبا بكر الصديق كان مؤمناً قبل البعثة ، وقال آخرون : بل أراد أنه لم يزل بحالة غير مغضوب فيها عليه لعلم الله تعالى بأنه سيؤمن ويصير من خلاصة الأبرار ، قال الشيخ تقي الدين السبكي : لو كان هذا مراده لاستوى الصديق وسائر الصحابة في ذلك ، وهذه العبارة التي قالها الأشعري في حق الصديق لم تحفظ عنه في حق غيره ، فالصواب أن يُقال أن الصديق لم يثبت عنه حالة كفر بالله ، فلعل حاله قبل البعث كحال زيد بن عمرو بن نفيل وأقرانه فلهذا خصص الصديق بالذكر عن غيره من الصحابة . انتهى كلام السبكي ، قلت : وكذلك نقول في حقّ أبوي النبي  أنهما لم يثبت عنهما حالة كفر بالله فلعل حالهما كحال زيد بن عمرو بن نفيل وأبي بكر الصديق وأضرابهما مع أن الصديق وزيد بن عمرو إنما حصل لهما التحنف في الجاهلية ببركة النبي  فإنهما كانا صديقين له قبل البعثة وكانا يوادّانه كثيراً فأبواه أولى بعود بركته عليهما وحفظهما مما كان عليه أهل الجاهلية »   ( ) .

قلت :  كلام الأشعري يحتمل الوجهين اللذين ذكرهما السبكي ، ولاشكّ في ضعف الوجه الأوّل ، ولا يهمنا كثيراً أي الوجهين قصده الأشعري ، وما قاله السبكي له وجه لكنه على أي حال لا دليل عليه ، فإنّ غير أبي بكر رضي الله عنه يُقال في حقه ما قيل في أبي بكر ، فكثير من الصحابة يُمكن أن يُقال عنهم : لم يثبت عنهم حالة كفر ، وإنما يُقال فيهم غير ذلك نسبةً إلى دين قريش الذي كانت عليه من عبادة الأصنام وغيره ذلك ، وقد ثبت عن بعض من عاش في الجاهلية بالنص أنهم تركوا عبادة الأصنام  كحال زيد بن عمرو بن نفيل وأقرانه ، ولم يأت مثل ذلك عن أبي بكر ، ولو ثبت لكان نقله أولى من نقل مثله عن زيد بن عمرو وأمثاله .

وبهذا نرى أنّ ما اعتمد عليه السيوطي مجرد كلامٍ للأشعري لا يُدرى وجهه ، ولو قيل إن مراده أنّ أبا بكر لم يثبت عنه حالة كفر فإنه قولٌ بلا دليل ، ولو استطاع شخص أن يقيم الدليل على ذلك لكان خاصاً به ولا دلالة فيه على أن غيره مثله ، فضلاً عن أبويه  ، هذا لو لم يأت نص فيهما فكيف وقد جاءت النصوص الصحيحة التي لا مطعن فيها ثبوتاً ودلالة أنّهما كانا على ملة الشرك .

أمّا قوله : «    مع أن الصديق وزيد بن عمرو إنما حصل لهما التحنف في الجاهلية ببركة النبي  فإنهما كانا صديقين له قبل البعثة وكانا يوادّانه كثيراً فأبواه أولى بعود بركته عليهما وحفظهما مما كان عليه أهل الجاهلية  »    فكلام لا وزن له في ميزان العلم ، فقد قلنا إنه لا دليل على أنّ أبا بكر لم يكن على دين قريش ، ثم لو ثبت فإنّ تعليل ذلك بأنه ببركة صحبتهم للنّبيّ  قبل البعثة غير صحيح ، إذ لو كان كذلك لكان إيمان أبي طالب وأبي لهب ـ وقد عايشا دعوته ولهم قرابة به  ـ أولى وأحرى .

والأمر ليس بالبركة وإنّما الأمر توفيق الله تعالى ونعمته ومشيئته وحكمه الّذي لا رادّ ولا معقب له .

* قال السيوطي : «    فإن قلت : بقيت عقدة واحدة وهي ما رواه مسلم عن أنس : «    أن رجلاً قال : يا رسول الله أين أبي قال في النار فلما قفى دعاه فقال إن أبي وأباك في النار »    ، وحديث مسلم وأبي داود عن أبي هريرة : «    أنه صلى الله عليه وآله وسلم استأذن في الاستغفار لأمه فلم يؤذن له »    فاحلُل هذه العقدة . 

قلت : على الرأس والعين : الجواب أن هذه اللفظة وهي قوله : «    إن أبي وأباك في النار »    لم يتفق على ذكرها الرواة ، وإنّما ذكرها حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس ، وهي الطريق التي رواه مسلم منها ، وقد خالفه معمر عن ثابت فلم يذكر «    أن أبي وأباك في النار »    ولكن قال له إذا : «    مررت بقبر كافر فبشره بالنار »    ، وهذا اللّفظ لا دلالة فيه على والده  بأمر البتة ، وهو أثبت من حيث الرواية ، فإن معمر أثبت من حماد ، فإن حماداً تُكلّم في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير ، ذكروا أن ربيبه دسها في كتبه ، وكان حماد لا يحفظ فحدث بها فوهِم فيها ، ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئاً ولا خرج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت ، قال الحاكم في المدخل : ما خرج مسلمٌ لحماد في الأصول إلا من حديثه عن ثابت ، وقد خرج له في الشواهد عن طائفة ، وأمّا معمر فلم يُتكلّم في حفظه ولا استُنكِر شيء من حديثه واتّفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت  »   ( ) .

قلت : عفا الله عن السيوطي ، فقد فعل به الهوى في هذه المسألة فعلته ، حتى أوصله إلى التلبيس ، فإنّ من يقرأ كلامه هذا يظن أنّه كلام محقّقٍ نظر في الأصول وحقق تراجم الرواة ، وهذا يؤكد تعمده لهذا التحريف ، وخلاصة ما ذكره هنا أنّ الحديث جاء بروايتين : الأولى : من طريق حماد بن سلمة عن ثابت بلفظ : «    إن أبي وأباك في النار  »    ، والثانية من طريق معمر بن راشد عن ثابت بلفظ : «    إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار »    .

فنقول وبالله التوفيق : أوّلاً : قد نظرت في كل ما تحت يدي من المصادر فلم أرَ الحديث من رواية معمر بن راشد ، فلعل السيوطي وقف عليها في مصدر غير مطبوع  .

ثانياً : لو فُرض وجود الرواية كما ذكر فإنّها لا تتعارض مع الرواية الأخرى ، فيُحتمل جداً أن يكون النبيّ  ذكر اللفظين ، ويحتمل أن تكون واقعتين كما يأتي ذكره .

ثالثاً : لو فُرض التعارض فإنّ ترجيحه رواية معمر خطأ فادح وما ذكره مدلّلاً على قوله تلبيس ، فإنّ حمّاد بن سلمة وإن كان في حفظه ما ذكره فإنّ كلمة الأئمّة مجمعة أنّ حماد بن سلمة ثقة ثبت في روايته عن ثابت وذلك لطول ملازمته وإتقانه لحديثه ، وأنّه أرجح الناس فيه ، وأنّه إذا اختلف حماد وغيره فرواة حمّاد مقدّمة حتّى على معمر ، وأنا أنقل لك طرفاً ممّا قال الأئمة : ففي تهذيب التهذيب : «    قال أحمد( ) : حماد بن سلمة أثبت في ثابت من معمر  »    «    وقال ابن معين : من خالف حماد بن سلمة في ثابت فالقول قول حماد  »    «    وقال ابن المديني : لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة »    «    وقال ابن المديني : أثبت أصحاب ثابت حماد ثم سلمة ثم حماد بن زيد وهي صحاح »   ( ) .

وهذا كلّه على افتراض ندية معمر لحماد هنا ، وإلاّ فإنّ معمر بن راشد تكلّم الحفّاظ في روايته وإن كان ثقة ، وأنا أنقل لك أيضاً ما قيل عنه : «    قال أبو حاتم : ما حدّث معمر بالبصرة فيه أغاليط  »    «    يحيى بن معين يقول : إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالِفْه إلاّ عن الزهري وابن طاوس فإنه حديثه عنهما مستقيم فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا »    «    قال يحيى : وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطربٌ كثير الأوهام »   ( ) .

وبهذا نعرف : أنّ معمر بن راشد وإن كان ثقة إلاّ أنّ الأئمة تكلّموا في ضبطه لبعض حديثه ، ومنه حديثه عن ثابت البناني فكما قال يحيى : «   مضطرب كثير الأوهام »    ، فإذا كان كذلك عرفت أنّ قول السيوطي : «    وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شيء من حديثه »    كذب وتدليس أو قولٌ بلا علم ، وأحلاهما مرٌّ.

وإذا كان حديث معمر عن ثابت مضطرباً كثير الأوهام ، وحديث حمّاد بن سلمة عن ثابت صحيح بل هو أثبت الناس في ثابت ، فأيّهما يُقدّم روايته أم رواية معمر ؟ لا شكّ أنّ المنصف العاقل يعرف الجواب ، ويعرف أيضاً أنّ كلام السيوطي في تقديم لفظ معمر على لفظ حمّاد دفعٌ بالصّدر ، هذا كله على فرض أنّ اللفظين يختلفان ، وإلاّ فهما لا يتعارضان أصلاً .

* قال السيوطي : «    ثم وجدنا الحديث ورد من حديث سعد بن أبي وقاص بمثل لفظ رواية معمر عن ثابت عن أنس ، فأخرج البزار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه : «    أنّ أعرابياً قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أين أبي ؟ قال : في النار ، قال : فأين أبوك ؟ قال : حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار »    وهذا إسناد على شرط الشيخين فتعيّن الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره ، وقد زاد الطبراني والبيهقي في آخره قال : «    فأسلم الأعرابي بعدُ فقال : لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعباً ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار »   . 

وقد أخرج ابن ماجة من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : «    جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم وكان فأين هو ؟ قال : في النار ، قال : فكأنه وجد من ذلك فقال : يا رسول الله فأين أبوك ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : حيث مررت بقبر مشرك فبشره بالنار ، قال : فأسلم الأعرابي بعد قال : لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعبا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار»   ( ) .

قلت : ورد الحديث عن ثلاثة من الصّحابة وهم سعد بن أبي وقاص ، وعمران بن حصين ، وعبدالله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين .

أمّا حديث سعد فأخرجه البزّار ( ) والضياء ( ) وابن السني( ) والجورقاني ( )من طريق يزيد بن هارون والطبراني( )من طريق محمد بن موسى بن أبي نعيم الواسطي ( ) ....................................................................

والبيهقي ( ) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين ( )كلهم عن إبراهيم بن سعد عن الزهري به .

وقد أُعلّ بالإرسال فقال الدراقطني : «    يرويه محمد بن أبي نعيم والوليد بن عطاء بن الأغر( ) عن إبراهيم بن سعد( )، وغيره يرويه عن إبراهيم بن سعد عن الزهري مرسلاً وهو الصواب  »   ( ) .

وقال ابن أبي حاتم : «    سألت أبي عن حديث رواه يزيد بن هارون ومحمد بن موسى بن أبي نعيم الواسطي عن ابراهيم بن سعد عن الزهرى عن عامر بن سعد عن أبيه قال : جاء أعرابي إلى النبي  فقال : أين أبي؟ فقال : في النار ، قال : فأين أبوك ؟ قال : حيث مررت بقبر كافر فبشره بالنار »    فقال كذا رواه يزيد وابن أبي نعيم ولا أعلم أحداً يجاوز به الزهري غيرهما ، إنما يروونه عن الزهري قال : جاء أعرابي إلى النبي  ، والمرسل أشبه  »   ( ) .

قلت : رجّح الضياء وصله ، وصححه الشيخ الألباني( ) رحمهما الله ، وكلام أبى حاتم والدارقطني يُفهم منه أن الخطأ ممن دون إبراهيم بن سعد ، لكن يزيد بن هارون والوليد بن عطاء ومحمد بن أبي نعيم ثقات ، وقد جاء في ترجمة إبراهيم أنّه كان يأتي بأشياء منكرة ، وقال صالح بن محمد( )الحافظ : سماعه من الزهري ليس بذاك لأنه كان صغيراً حين سمع من الزهري ، فالذي يظهر أنّ إبراهيم رواه مرة مرسلاً ومرة مسنداً ، وبهذا تعرف ما في قول السيوطي «    وهذا إسناد على شرط الشيخين »    .

وليس في طرق الحديث تسمية السائل ولا المسؤول عنه .

وأمّا حديث عمران بن حصين فأخرجه الطبراني( ) والجورقاني ( ) عن داود بن أبي هند عن العباس بن عبدالرحمن الهاشمي عن عمران ، وأحمد( )النسائي ( ) من طريق ربعي بن حراش عن عمران بألفاظ مختصرة ومطولة والشاهد فيها قول حصين والد عمران للنّبيّ  : «     إنّ رجلاً كان يقري الضيف ويصل الرحمن مات قبلك هو أبي وأبوك ؟ فقال النّبيّ  : «    أرأيت أبي وأباك فهو في النار »    هذا لفظ الجورقاني .

وقد صحّح أسانيدَ النسائي وأحمد الحافظُ ابن حجر( ) . 

وأمّا حديث ابن عمر فرواه ابن ماجة( ) قال : حدثنا محمد بن إسمعيل بن البختري الواسطي حدثنا يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : «    جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ... »    الحديث .

قال الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله معلقاً على قول الهيثمي في الزوائد «    محمد بن إسماعيل البختري وثّقه ابن حبان والدارقطني والذهبي »    : «     لكن قال فيه الذهبي : غلط غلطة ضخمة .. قلت ( ) : فالظاهر أنّه أخطأ في إسناد هذا الحديث أيضاً فقال فيه : عن سالم عن أبيه ، والصواب عن عامر بن سعد عن أبيه كما في رواية ابن أخزم وغيره »   ( )، وعليه فإنّ الحديث لا يصحّ عن ابن عمر .

وكما يتّضح الآن أنّ حديث سعد بن أبي وقاص جاء بلفظ «    حيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار »    موافقاً لرواية معمر التي يدعيها السيوطي ، لكن أصحّ منها حديث عمران بن حصين «    أبي وأباك في النار »    وهي موافقة لِلَفظ حماد بن سلمة الذي اختاره مسلم ولاشكّ أنّ الإمام مسلم له القدح المعلّى في الانتقاء .

وعليه تعرف أيضاً أنّ قول السيوطي بعد كلامه السابق : «    فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أن هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه   ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمراً مقتضياً للامتثال فلم يسعه إلا امتثاله ، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشيء البتة ، فعُلم أن هذا اللفظ الأول من تصرف الراوي رواه بالمعنى على حسب فهمه »    خطأ محض ، فإنّ الواضح من الأحاديث أنّ الوقائع متعددة ، فقد جاء حديث أنس وسعد بن أبي وقاص مبهماً ، وجاء حديث عمران رضي الله عنه مسمياً الرجل وأنه حصين والده ، فهل الحادثة واحدة ؟

الّذي يظهر لي أنّها واقعتان لأنّ اللفظين مختلفان وإن كان معناهما واحد ومدلولهما واحداً ، وإذا كان لفظ «     حيثما مررت  »    محتملاً فإنّ اللفظ الآخر يحدد المراد والمعنى وأنّ مراده أنّهما كلاهما في النّار ، ولا يبعد لو كانت الواقعة واحدة أن يكون النّبيّ  قال له ذلك ثم أمره أن يبشر قبور الكفار بالنار فيكون الرواة بعضهم نقل هذا وبعضهم نقل هذا .

ومن المعلوم أنّ ألفاظ صحيح مسلم مقدمة حتى على صحيح البخاري لعناية الإمام مسلم رحمه الله بالألفاظ وانتقائه لأصحّها وجمعه لها في مكان واحد( ) ، وهو من أئمة الصناعة الحديثية ، فقول السيوطي بعد ذلك ضربٌ من المكابرة .

وخلاصة هذه الفقرة أنّ حديث أنس عند مسلم صحيح للغاية ولفظه مضبوط من قبل رواته .

* قال السيوطي : «    وقد وقع في الصحيحين رواياتٌ كثيرة من هذا النمط فيها لفظ تصرّف فيه الراوي وغيرُه أثبت منه ، كحديث مسلم عن أنس في نفي قراءة البسملة ، وقد أعله الإمام الشافعي رضي الله عنه بذلك وقال : إن الثابت من طريق آخر نفي سماعها ففهم منه الراوي نفي قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه فأخطأ ، ونحن أجبنا عن حديث مسلم في هذا المقام بنظير ما أجاب به إمامناالشافعي رضي الله عنه عن حديث مسلم في نفي قراءة البسملة  »   ( ) .

قلت : لا نريد أن نخرج عن موضوع الكتاب ، فنقول : هب أنّ ما قاله الإمام الشافعي صحيح ، بل نحن نسلّم أنّ كثيراً من النصوص تصرّف فيها الرواة بالمعنى ، لكن هذا التصرف ليس دائماً بما يغير المعنى هذا أوّلاً ، ثم لو فُرض أنّ ذلك حصل في نصوص معينة فهل يلزم هذا في كلّ النّصوص؟

على أنّ دعوى أنّ اللفظ المعيّن تصرّف فيه الراوي يحتاج إلى تنصيص إمّا منه وإمّا من أئمة الحديث المعتبرين ، فهي دعوى تحتاج إلى دليل لا إلى مجرد توهم معارضة اللفظ لنصوص أخرى .

ولو سًلّم هذا المسلك في التعامل مع النّصوص للسيوطي ما قام لله قائم بحجّة أبداً .

* قال السيوطي : «    ثم رأيت طريقاً أخرى للحديث مثل لفظ رواية معمر وأزيد وضوحاً ، وذلك أنه صرح فيه بأن السائل أراد أن يسأل عن أبيه صلى الله عليه وآله وسلم فعدل عن ذلك تجملاً وتأدباً ، فأخرج الحاكم في المستدرك وصححه عن لقيط بن عامر أنه خرج وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق ، فقال : قدمنا المدينة لانسلاخ رجب ، فصلينا معه صلاة الغداة فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الناس خطيباً »    فذكر الحديث إلى أن قال : «     فقلت : يا رسول الله هل أحد ممن مضى منا في جاهلية من خير ؟ فقال رجل من عرض قريش : إن أباك المنتفق في النار ، فكأنه وقع حر بين جلد وجهي ولحمي مما قال لأبي على رؤوس الناس ، فهممت أن أقول : وأبوك يا رسول الله ؟ثم نظرت فإذا الأخرى أجمل ، فقلت : وأهلك يا رسول الله ؟ فقال : ما أتيت عليه من قبر قرشي أو عامري مشرِك فقل : أرسلني إليك محمد فأبشر بما يسوءك »    هذه رواية لا إشكال فيها وهي أوضح الروايات وأبينها »   ( ) .

قلت :  قال الحاكم أخبرنا أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف القاضي ثنا محمد بن سعد العوفي ثنا يعقوب بن عيسى ثنا عبد الرحمن بن المغيرة عن عبد الرحمن بن عياش عن دلهم بن الأسود عن عبد الله بن حاجب بن عامر عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر به .

وهذا إسناد ضعيف جداً ، محمّد بن سعد العوفي قال الخطيب : «     كان ليّناً في الحديث »   ( ) .

ويعقوب بن عيسى : هو يعقوب بن محمّد بن عيسى الزهري القرشي أبو يوسف المدني ، وهو وإن كان صدوقاً في نفسه إلاّ أنّ كان يحدّث بالمناكير ، قال أبوزرعة : واهي الحديث ، وقال ابن معين : أحاديثه تشبه أحاديث الواقدي ، يعني : تركوه .( )

ودلهم بن الأسود قال الذهب : عداده في التابعين : لا يُعرف  »   ( ) .

وعبدالله بن حاجب قال الذهبي : «    لا يُعرف »   ( ) .

فانظر إلى هذا الإسناد هل يُعتمد عليه ؟! ، ولهذا قال الذهبي في التلخيص : «    يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري ضعيف »    .

ثمّ إنّ لفظ هذا الحديث حجّة عليه لو تدبّر ، فإذا كان لفظ معمر الذي ادعاه وهو قوله : «    حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار »    يحتمل تأويلاً ، فإنّ لفظ هذا الحديث فيه تعميم لا يقبل التأويل وأبواه  داخلان فيه حيث قال : «    ما أتيت عليه من قبر قرشي أو عامري مشرك فقل أرسلني إليك محمد فأبشر بما يسوءك »    وجدّه عبدالمطلب وأبوه داخلان فيه فإنّهم قرشيان .

* قال السيوطي : «    ثم لو فُرض اتفاق الرواة على اللفظ الأول كان معارضاً بما تقدم من الأدلة ، والحديث الصحيح إذا عارضه أدلةٌ أخرى هي أرجح منه وجب تأويله وتقديم تلك الأدلة عليه كما هو مقرر في الأصول »   ( ) .

قلت : الحديث الصحيح إذا عارضه أدلّة هي أرجح منه وجب تأويله وتقديم الأدلة الأخرى عليه كما هو مقرر وهذا حق ، لكن أين هو الدليل الأرجح هنا ؟ ما يرويه الإمام مسلم في كتاب هو أصحّ كتاب على الأرض بعد كتاب الله تعالى وبعد صحيح البخاري ، أم مجموعة من الأخبار المنكرة والموضوعة والباطلة ؟

فأين هو النص الّذي يرتقي لأن يكون حسناً فضلاً عن أن يكون صحيحاً حتى يقف في وجه حديث يرويه الإمام مسلم ؟!

قال السيوطي : «    تقرير آخر : ما المانع أن يكون قول السائل : «    فأين أبوك »    وقوله  في حديث أنس : «    إن أبي »    إن ثبت المراد به عمه أبو طالب لا أبوه عبد الله ، كما قال بذلك الإمام فخر الدين في أبي إبراهيم أنه عمه ، وقد تقدم نقله عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج والسدّي »   ( ).

قلت : هناك موانع كثيرة ، فمنها : أنّ هذا عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل إلاّ بعض الأخبار الموضوعة .

ومنها أنّ هذا ليس جواباً للسؤال ، فإنّ السّائل سأل عن أبيه فذكر أنّه في النّار ، فحينئذ يسأله السائل سؤالاً آخر عن شخص له نفس المنزلة وهو أبوه  ، فمن غير المناسب أن يكون المراد بأبيه هنا عمّه أبو طالب .

ثمّ إنّه يُقال : وما المانع أن يكون المراد بأبيه في حديث أنس هو والده عبدالله؟ فإنّه لا يوجد في الشّرع ما يمنع أن يكون والد النّبيّ  مشركاً وفي النّار ، ولا يستطيع السّيوطي ولا غيره أن يبرهن على أصل من أصول الإسلام تمنع أن يكون والد الرسّول مشركاً ، بل النّصوص دلّت على خلاف ذلك ، أعني النّصوص الصّحيحة الصّريحة ، ومع هذا يتملّص منها السّيوطي ويبني دلالات على نصوص موضوعة أو مكذوبة أو لا دلالة فيها أصلاً ، ويضرب بها في وجه الأدلّة الشّرعية ويخالف أئمة السّلف أجمعين . 

وأمّا قوله إنّ الفخر الرازي تعامل مع نص والد إبراهيم مثل ما فعل هو وحمل الأب على العم فخطأ محض يخالف ما هو منصوص عليه في تفسير الرازي .

وما قال لم يثبت عمّن ذكرهم من أئمة السلف كما قدمنا الكلام عليه .

* قال السيوطي : «    ويرشحه هنا أمران : الأول أن إطلاق ذلك على أبي طالب كان شائعاً في زمن النبي  ، ولذا كانوا يقولون له : قل لابنك يرجع عن شتم آلهتنا ، وقال لهم أبو طالب مرة لما قالوا له : أعطنا ابنك نقتله وخذ هذا الولد مكانه : أعطيكم ابني تقتلونه وآخذ ابنكم أكفله لكم ، ولما سافر أبو طالب إلى الشام ومعه النبي  نزل له بحيرا فقال : له ما هذا منك ؟ قال : هو ابني ، فقال : ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً ، فكانت تسمية أبي طالب أباً للنبي  شائعةً عندهم لكونه عمه وكونه رباه وكفله من صغره وكان يحوطه ويحفظه وينصره فكان مظنة السؤال عنه»   ( ) .

قلت : سنغضّ الطّرف الآن عن دعوى أنّه كان شائعاً في زمنه  إطلاق الأب على العم ونتنزّل مع السيوطي ، لكن هل يتمّ له الاستدلال بذلك ؟ 

الجواب : إنّه لا يتم له لما يلي : وهو أنّ الأصل في الألفاظ حملها على أولى المعاني إلاّ لصارف ، وهذا الصّارف لابدّ أن يكون واضحاً للسامع وقت الكلام ، فقول أبي طالب عنه : ابني وقولهم له : قل لابنك معلوم لدى السّامع المراد منه( )وأنّ المراد ليس ابنه من صلبه ، فلا إشكال ، أمّا حديث أنس وقوله  للسائل عن أبيه : «    أبي وأباك في النّار  »    فلا يحتمل ذلك لأنّه لا قرينة في حال الكلام تدل على أنّ مراد السائل العم أو مراد المجيب كذلك ، فحصين مثلاً والد وعمران سأله عن والده عبيد ، ثم سأله عن والد النّبيّ  عبدالله ، فأجابه النّبيّ  بذلك ولا قرينة في الحديث أنّه أراد عمّه ، ولا تكفي النّصوص الّتي يعتمد عليها السيوطي لصرف اللفظ لأنّها كلّها إمّا موضوع أو مكذوب أو منكر أو لا دلالة فيه أصلاً ، فلا يؤوّل النص الصّحيح الصّريح لمجرّد الهوى والأمنية لأنّ في ذلك فتح باب عريض للزّنادقة وأعداء الملّة للقول في دين الله بكلّ نقيصة تحت ستار التأويل .

وشيءٌ آخر هو أنّ حال أبي طالب لم يكن بحاجة إلى سؤال ، لأنّه عاصر الدّعوة ورفضها وأبى أن يؤمن ومات على الكفر فيبعد جداً أن يسأل صحابي عن حاله ، وإنّما سأل الرجل عن شخص حاله كحال أبيه ، أي أنّه مات قبل أن يدرك الدّعوة وهذا لا يصح إلاّ في والده  .

فيبقى اللفظ على أصل استعماله وأنّ المراد بالسؤال والجواب هو الأب أي الوالد .

ثمّ إنّ في قول بحيرا لأبي طالب ما يرد دعوى السيوطي : فإنّه فهم من كونه ابنه أنّه ولده من صلبه ولهذا استنكر عليه وقال : «    ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً »    ، ولم يقل له أبو طالب : إنّما قصدت أنه ابني مجازاً وأنّ العرب تطلق الابن على الابن بالتربية أو على ابن الأخ لأنه بمنزلة الابن ، فهذا دليلٌ عليه .

هذا كلّه على فرض صحة ما نقله السيوطي وإلاّ فكلّ هذه أخبار يرويها القصّاص لا يُعتمد عليها في نقض النّصوص الشرعيّة وتحريف معانيها .

* قال السيوطي : «    والأمر الثاني أنه وقع في حديث يشبه هذا ذكر أبي طالب في ذيل القصة ، أخرج الطبراني عن أم سلمة أن الحارث بن هشام أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم حجة الوداع فقال : يا رسول الله إنك تحث على صلة الرحم والإحسان إلى الجار وإيواء اليتيم وإطعام الضيف وإطعام المسكين وكل هذا كان يفعله هشام بن المغيرة فما ظنك به يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كل قبر لا يشهد صاحبه أن لا إله إلا الله فهو جذوة من النار ، وقد وجدت عمي أبا طالب في طمطام من النار فأخرجه الله لمكانه مني وإحسانه إليّ فجعله في ضحضاح من النار»   ( ) .

قلت : إذا جاء السيوطي بدليل يستدل به فإنّه يغض الطرف عن دراسته حديثياً إذا كان ساقطاً لا وجه له ، وإذا كان له طريق إلى التحايل لتقويته ذكر ضعفه بطريقة خفيفة يُظهر بها أنّه موضوعي ومنصف في نقد الأدلة .

فهذا الحديث الّذي يستدلّ به لا شكّ أنّه حديث منكر إن لم يكن موضوعاً ، لأنّ في إسناده طامّتان ، قال الطبراني رحمه الله( ) : «    حدثنا  محمد بن أبان ، ثنا  إسحاق بن وهب ، ثنا  إسماعيل بن أبان  ، ثنا  عمرو بن ثابت ، عن  عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن  أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام  ، عن  أم سلمة  زوج النبي  : .. »    ثم ساق الحديث وقال : «    لم يروِ هذا الحديث عن  أبي بكر بن عبد الرحمن  إلا  عبد الله بن محمد بن عقيل  ، ولا عن  ابن عقيل  إلا  عمرو بن ثابت  ، تفرد به  إسماعيل بن أبان  ولا يروى عن  أم سلمة  إلا بهذا الإسناد »    .

إذن فالحديث تفرد به عمرو بن ثابت عن عبدالله بن محمّد بن عقيل ، وقد تكلّم فيهما أئمّة الحديث ، أمذا عمرو بن ثابت فقال ابن المبارك : لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف »    ، وقال ا بن معين : هو غير ثقة ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه كان رديء الرأي شديد التشيع ، وقال أبوداود : رافضي خبيث »    ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الاثبات ( ) .

وأمّا عبدالله بن محمد بن عقيل فقد ذكره بن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة وقال : كان منكر الحديث لا يحتجون بحديثه »    وقال بشر بن عمر : «    كان مالك لا يروي عنه ، وقال أحمد بن حنبل : منكر الحديث ، وقال ابن معين : ابن عقيل لا يُحتج بحديثه  ، وقال الترمذي : صدوق وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه وسمعت محمد بن إسماعيل يقول كان أحمد وإسحاق والحميدي  يحتجون بحديث بن عقيل ( ) ، وهذا يُراد منه إذا توبع ، أمّا إذا تفرّد فحديثه ضعيف لا يُحتجّ به ، فكيف إذا تفرد عنه عمرو بن ثابت وهو من هو في ضعفه ونكارة الحديث .

وتبيّن بهذا أنّ السيوطي غامر بذكر هذا الحديث والاحتجاج به ، لكنّه غامر أكثر حين استدلّ به ، فإنّه لا دلالة فيه على حمل حديث أنس على أنه عمه ، وكأنّ السيوطي يتصور حياة النّبيّ  مجلساً واحداً لا يمكن أن تتعدد فيه الأسئلة ، مع أنّ المجلس الواحد قد تتعدد فيه الأسئلة وتتكرر فكيف بحياة حافلة مديدة أسلم فيها أعداد لا تُحصى ، وكان لكلّ منهم إشكالاته وسؤالاته ، فلا يبعد أن يتكرّر هذا السؤال على النّبيّ  مرات ويجيب بأجوبة متعددة بلفظ واحد أو بألفاظ مختلفة ، وكونه هنا ذكر عمّه مدللاً به على أنّه وهو القريب منه  والّذي أحسن إليه وكان ردءاً للدعوة في مهدها ومع هذا فإنّ غاية ما استطاعه له  أن يكون في ضحضاح من النار ، فلا يجوز أن نحمل كل النصوص على أنّ مراده بها عمّه أبو طالب .

* قال السيوطي : «    تنبيه : قد استراح جماعة من هذه الأجوبة كلها وأجابوا عن الأحاديث الواردة فيها منسوخة ، كما أجابوا عن الأحاديث الواردة في أطفال المشركين أنهم في النار ، وقالوا الناسخ لأحاديث أطفال المشركين قوله تعالى :                [الإسراء:15]  ولأحاديث الأبوين قوله تعالى :                  [الإسراء:15]  ، وهذا الجواب مختصر مفيد يغني عن كل جواب إلا أنه إنما يتأتى على المسلك الأول دون الثاني كما هو واضح ، فلهذا احتجنا إلى تحرير الأجوبة عنها على المسلك الثاني  »   ( ) .

قلت : لم يذكر لنا السيوطي من هم هؤلاء الجماعة الّذين استراحوا لنرى هل هم من أئمة السلف أم من المتأخرين ممن ليس من أهل السنّة ، لنستريح نحن أيضاً من تكلّف الاعتذار لهم ، فهذا القول الّذي قاله السيوطي لا يُعرف قائل به من أهل السّنّة البتّة .

أمّا دعوى النّسخ فإنّها من العجائب ، وذلك أنّ قوله  : «    إن أبي وأباك في النار  »    خبر ، والأخبار لا يدخلها النّسخ باتفاق العلماء ، اللهم إلاّ بعض فرق الرّافضة الّذين قالوا بجواز البداءة على الله تعالى وهذا كفر صريح .

فلو كانت الأخبار بأنّهما في الجنة وأنّهما ماتا على الإيمان صحيحة لكانت دعوى النسخ غير مقبولة ، فكيف وليس ثمّ إلاّ أخبار مكذوبة أو موضوعة أو ضعيفة على أحسن حال .

قال السيوطي : «    تتمة : قد ثبت في الحديث الصحيح أن أهون أهل النار عذاباً أبو طالب وأنه في ضحضاح من النار في رجليه نعلان يغلي منهما دماغه( ) ، وهذا مما يدل على أن أبوي النبي  ليسا في النار ، لأنهما لو كان فيها لكانا أهون عذاباً من أبي طالب لأنهما أقرب منه مكاناً وأبسط عذراً فإنهما لم يدركا البعثة ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا ، بخلاف أبي طالب وقد أخبر الصادق المصدوق أنه أهون أهل النار عذاباً فليس أبواه من أهلها ، وهذا يسمى عند أهل الأصول دلالة الإشارة  »   ( ) .

قلت : دلالة الإشارة عند الأصوليين لا تفيد هنا ، لأنّ النّبيّ  لم يصرّح في شيء من روايات الحديث أنّ علّة شفاعته لعمه وكونه أهون أهل النّار عذاباً هي كونه قريبه ، وإلاّ لكان ذلك في حق باقي أعمامه وجده عبدالمطلب كذلك ، وإنّما جاء في الحديث قول العباس للنبي  : «    ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك »    فهو إذن ما قدّمه أبو طالب للنّبيّ  من رعاية وحماية ، وليس بلازم أن يكون والداه  لو عاشا لآمنا ، بل دعوى هذا رجمّ بالغيب ، فالله أعلم بما كانا عاملين .

وكونهما لم يعاصرا الدعوة لا يعني أنّهما ليسا بكافرين ، فهما وأبوطالب سواء في الكفر ، وأبو طالب مع ذلك كان له مزيد فضل على الدّعوة في مهدها .

وقول السيوطي إنّهما أولى . .الخ هو تحكّم وتقديم بين يدي الله ورسوله  ، فكيف يستجيز مؤمن بالله ورسوله أن يردّ قول النّبيّ  وحكم الله تعالى بمثل هذا النظر العقلي والله تعالى يقول :                 [البقرة:216] .

وشيء آخر ينقض قوله من الأساس : وهو أن أبا طالب إنّما أصبح أهون أهل النّار عذاباً بشفاعته  له كما هو واضح من الحديث ، حيث قال  :  «    قال هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار »    ، وإذا كان كذلك فتكون المفاضلة بينه وبين أبويه في أيّهما أهون عذاباً محتملة ، من حيث قرابتهما به ، ولا يكون في الحديث إذن محمل لكلامه ولا تعلّق به ، وهذا كلّه تنزّل مع السيوطي ومن يوافقه وإلاّ فطريقة السّلف رحمهم الله التصديق والقبول والإذعان لما جاء عن النّبيّ  وصحّ عنه ولو خالف هوانا وأمانينا فالله تعالى يقول في شأن الجنة والنار :                 [النساء:123] .

* قال السيوطي : «    نصب ميداني جدلي : المجادلون في هذا الزمان كثير خصوصاً في هذه المسألة وأكثرهم ليس لهم معرفة بطرق الاستدلال فالكلام معهم ضائع ، غير أني أنظر الذي يجادل وأكلمه بطريقة تقرب من ذهنه فإنه أكثر ما عنده أن يقول الذي ثبت في صحيح مسلم يدل على خلاف ما تقول .

فإن كان الذي يجادل بذلك من أهل مذهبنا شافعي المذهب أقول له : قد ثبت في صحيح مسلم : «    أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم »    ( )وأنت لا تصحح الصلاة بدون البسملة ، وثبت في الصحيحين : «    أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال إنما جُعل الإمام ليُؤتم به فلا تختلفوا عليه ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : ربنا لك الحمد ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون »    ( )وأنت إذا قال : الإمام سمع الله لمن حمده تقول : سمع الله لمن حمده مثله ، وإذا صلى جالساً لعذر وأنت قادر تصلي خلفه قائماً لا جالساً ، وثبت في الصحيحين في حديث التيمم : «    إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه ضربة واحدة ومسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه »   ( ) وأنت لا تكتفي في التيمم بضربة واحدة ، ولا بالمسح إلى الكوعين فكيف خالفت الأحاديث التي تثبتت في الصحيحين أو أحدهما ؟ فلابد إن كانت عنده رائحة من العلم أن يقول : قامت أدلة أخرى معارضة لهذه فقدمت عليها ، فأقول له : وهذا مثله لا يحتج عليه إلا بهذه الطريقة فإنها ملزمة له ولأمثاله »    ، وقال مثل ذلك فيما لو كان المخالف له مالكياً أو حنفياً أو حنبلياً وأردف قائلاً : «    وثَمّ أمرٌ آخر أخاطب به كل ذي مذهب من مقلدي المذاهب الأربعة ، وذلك أن مسلماً روى في صحيحه عن ابن عباس : «    أن الطلاق الثلاث كان يُجعل واحدةً في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وصدراً من أمارة عمر »   ( ) ، فأقول لكل طالب علم : هل تقول أنت بمقتضى هذا الحديث وأن من قال لزوجته أنت طالق ثلاثاٍ تطلق واحدة فقط ، فإن قال : نعم أعرضت عنه ، وإن قال : لا ، أقول له : فكيف تخالف ما ثبت في صحيح مسلم ، فإن قال : لما عارضه ، أقول له : فاجعل هذا مثله »    ( ) .

قلت : انظر عافاك الله من منكرات الأهواء والآراء والأدواء ما يفعل الهوى بصاحبه ، فهذا الكلام الّذي قاله السيوطي هل يُستفاد منه أكثر من التّشكيك ؟ وهل توصل هذه الطريقة إلى حق ؟. 

وقد صدق رحمه الله وعفا عنا وعنه إذ قال إنّه نصْبُ ميدانٍ جدلي ، فما قاله في هذه الفقرة هو محض جدال مذموم لا يوصل إلى حق ، لأنّ هذه الطريقة لا تدل على أكثر من كون طريقة السيوطي في التعامل مع نصوص والدي النّبيّ  الصّحيحة الصريحة هي طريقة المخالف له مع نصوص الفقه الصحيحة الصريحة ، لكن هل يلزم من هذا كونها حقاً أو باطلاً ؟ الجواب لا .

كسارق ينكر عليه سارق فيقول له : ما أفعله أنا هو ما تفعله أنت ، فإنّ هذا مسكتٌ مُفحِمٌ للخصم بلا شك ، لكن هل يعني هذا صواب العمل والطريقة وكونها حقاً ؟

وهذه الطريقة تُسمى عند المناطقة الحجة الجدلية ، أي الّتي يسلّم الخصم بها بغض النظر عن كونها حقاً أو باطلاً ، وأشهر أنواع الطّرق الجدليّة ثلاثة :

1 . الطّريقة البرهانيّة : الّتي تعتمد على المقدّمات المسلّمة اليقينيّة .

2 . الطّريقة الجدليّة : الّتي تعتمد على ما يسلّم به الخصم ولو لم يكن صواباً في نفس الأمر .

3 . الطريقة الخطابيّة : الّتي تعتمد على القضايا المشهورة الّتي يعرفها كلّ النّاس ولو لم تكن يقينيّة .

والقرآن والسنّة جاءا بتقرير أصول الدّين بأعلى أنواع البيان الجدلي المعتمد على البرهان ، قال شيخ الإسلام رحمه الله : «    ونحن بعد أن تبينا عدم فائدته ـ أي علم المنطق ـ وإن كان قد يتضمن من العلم ما يحصل بدونه ، ثم تبينا أنا لو قدرنا أنه قد يفيد بعض الناس من العلم ما يفيده هو فلا يجوز أن يقال : ليس إلى ذلك العلم لذلك الشخص ولسائر بني آدم طريق إلا بمثل القياس المنطقي ،فإن هذا قول بلا علم ، وهو كذب محقق . 

ولهذا ما زال متكلمو المسلمين - وإن كان فيهم نوع من البدعة - لهم من الرد عليه وعلى أهله وبيان الاستغناء عنه وحصول الضرر والجهل به والكفر ما  ليس هذا موضعه ، وذلك يظهر بأنهم جعلوا الأقيسة خمسة : البرهاني والخطابي والجدلي والشعري والمغلطي السوفسطائي ، وهو ما يشبه الحق وهو باطل وهو الحكمة المموهة - فلا غرض لنا فيه هنا ولكن غرضنا تلك الثلاثة . 

قالوا : الجدلي : ما سلّم المخاطَب مقدماته ، والخطابي : ما كانت مقدماته مشهورة بين الناس ، والبرهاني : ما كانت مقدماته معلومة . 

وكثير من المقدمات تكون - مع كونها خطابية أو جدلية - يقينية برهانية بل وكذلك مع كونها شعرية ولكن هي من جهة التيقن بها : تسمى برهانية ومن جهة شهرتها عند عموم الناس وقبولهم لها : تسمى خطابية ومن جهة تسليم الشخص المعين لها : تسمى جدلية »   ( ) .

وقال أيضاً : «    والمتفلسفة يقولون : القرآن جاء بالطريق الخطابية والمقدمات الإقناعية التي تقنع الجمهور ويقولون : إن المتكلمين جاءوا بالطرق الجدلية ويدعون أنهم هم أهل البرهان اليقيني ، وهم أبعد عن البرهان في الإلهيات من المتكلمين والمتكلمون أعلم منهم بالعلميات البرهانية في الإلهيات والكليات ولكن للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفصيل تميزوا به بخلاف الإلهيات فإنهم من أجهل الناس بها وأبعدهم عن معرفة الحق فيها . . . والقرآن جاء بالبينات والهدى ، بالآيات البينات وهي الدلائل اليقينيات وقد قال الله تعالى لرسوله :                           [النحل:125]  والمتفلسفة يفسرون ذلك بطرقهم المنطقية في البرهان والخطابة والجدل وهو ضلال من وجوه قد بسطت في غير هذا الموضع بل الحكمة هي معرفة الحق والعمل به فالقلوب التي لها فهم وقصد تدعى بالحكمة فيبين لها الحق علما وعملا فتقبله وتعمل به . وآخرون يعترفون بالحق لكن لهم أهواء تصدهم عن اتباعه فهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل ، والوعظ أمر ونهي بترغيب وترهيب ، فالدعوة بهذين الطريقين لمن قبل الحق ومن لم يقبله فإنه يجادل بالتي هي أحسن . 

والقرآن مشتمل على هذا وهذا ولهذا إذا جادل يسأل ويستفهم عن المقدمات البينة البرهانية التي لا يمكن أحد أن يجحدها ، لتقرير المخاطب بالحق ولاعترافه بإنكار الباطل كما في مثل قوله :                     [الطور:35]  وقوله :                          [ق:15] ، وقوله :                         [يس:81]،إلى أمثال ذلك مما يخاطبهم باستفهام التقرير المتضمن إقرارهم واعترافهم بالمقدمات البرهانية التي تدل على المطلوب فهو من أحسن جدل بالبرهان ، فإن الجدل إنما يشترط فيه أن يسلم الخصم المقدمات وإن لم تكن بينة معروفة فإذا كانت بينة معروفة كانت برهانية .

والقرآن لا يحتج في مجادلته بمقدمة لمجرد تسليم الخصم بها كما هي الطريقة الجدلية عند أهل المنطق وغيرهم ، بل بالقضايا والمقدمات التي تسلمها الناس وهي برهانية ، وإن كان بعضهم يسلمها وبعضهم ينازع فيها ذكر الدليل على صحتها »    انتهى كلامه رحمه الله( ) .

أمّا قول السيوطي في جواب المخالف له : «    فلابد إن كانت عنده رائحة من العلم أن يقول قامت أدلة أخرى معارضة لهذه فقدمت عليها ، فأقول له وهذا مثله لا يحتج عليه إلا بهذه الطريقة فإنها ملزمة له ولأمثاله »    فهذا تمويه باطل ونظر معكوس ، فإنّ المخالف له إن كان مقلداً يخالف تلك الأدلّة تقليداً لإمامه وتقديماً لآراء الرجال على سنّة النّبيّ  ( )فإنّه مازال في ضلاله سواء خالفها في نصوص فقهية عملية أو في نصوص خبرية اعتقادية ، وإن كان المخالف مجتهداً عارفاً بالعلم فإنّه يقول للسيوطي : أنا خالفت ظاهر النص الصحيح الصريح لأنه قامت عندي الأدلة الّتي توازيه في الصحة والصراحة مما أوجب لي التوفيق بين النصوص والجمع بينها بوجه من أوجه الجمع المعروفة عند الأئمة أو الترجيح بينها ، ولست أستجيز لي ولا لأحد من المسلمين أن يفعل ذلك بين نصوص في الصّحيحين وغيرها صريحة في معناها ودلالتها وبين أخبار مكذوبة أو موضوعة على أحسن أحوالها ضعيفة جداً من رواية الكذّابين والدّجاجلة والهلكى من المبتدعة وغيرهم ، فإنّ هذا عمل لا يعمله إلاّ جاهل أو مبتدع صاحب هوى ، وإلاّ فكيف يخالف ظاهر حديث «     إنّ أبى وأباك في النّار »    وهو في صحيح مسلم وبهذه الصراحة ، بحديث موضوع أو مكذوب أو ضعيف أو حتى حسن ، فإنّ الحسن لا يحتمل أن يقف في وجه مثل حديث صححيح مسلم ، بل إنّ مخالفة هذا الحديث موجبة للقدح في رواية من يروي ما يخالفه إن لم يكن بقوة وثقة رواة الأوّل ، وهذا ما فعله السيوطي حيث تتبع الكتب والأجزاء والتواريخ ليلتقط مجموعة من الأخبار والقصص والأشعار والأحاديث المنكرة والشاذة والمكذوبة والموضوعة ليبني بها ما يسمّيه أدلّة تسوّغ له رد خبر المصطفى  والتّحكّم في فضل الله ومن يستحق دخول الجنة ومن يستحق دخول النّار ، نسأل الله العافية .

* ثمّ قال السيوطي بعد ذلك : «    والمقصود من سياق هذا كله أنه ليس كل حديث في صحيح مسلم يقال بمقتضاه لوجود المعارض له »   ( ) .

قلت : هذا عين الخطأ بل كلّ ما جاء عنه  يُقال بمقتضاه إذا صحّ الحديث ، وإنّما ظنّ السيوطي ذلك تبعاً لغيره من الفقهاء للأسف لأنّهم في كثير من الأحيان لم يفرّقوا بين حقيقة المقتضى وبين ما يتصوره هو مقتضى الحديث ، فإذا جاء النص عن النّبيّ  وجب الأخذ بمقتضاه ، وإنّما يترك بعض العلماء ما يظنّه آخرون مقتضى النّص لأنّ نصاً آخر أبان أنّ ما فُهم من النص الأوّل ليس هو مقتضاه في نفس الأمر أو أنّه أبان كونه منسوخاً أصلاً .

مثاله :

ما قاله هو محتجاً على الشافعي «    فإن كان الذي يجادل بذلك من أهل مذهبنا شافعي المذهب أقول له : قد ثبت في صحيح مسلم : «    أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم »    ( )وأنت لا تصحح الصلاة بدون البسملة ، وثبت في الصحيحين : «    أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال إنما جُعل الإمام ليُؤتم به فلا تختلفوا عليه ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : ربنا لك الحمد ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون »    ( )وأنت إذا قال : الإمام سمع الله لمن حمده تقول : سمع الله لمن حمده مثله ، وإذا صلى جالساً لعذر وأنت قادر تصلي خلفه قائماً لا جالساً »   ( ).

فنقول : أمّا أنّه لا يصحّح الصلاة بدون البسملة فلأنّه يعتبرها جزءاً من الفاتحة وهي كذلك في بعض القراءات المتواترة ، وقد صحّ الحديث أنّ «    من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فلا صلاة له »   ( ) ، كما أنّ الحديث تصرف فيه بعض الرواة ، فغاية ما في حديث مسلم أن الصحابي يقول لم أسمع النّبيّ  يقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم وإنّما كان يفتتح الصلاة بالحمد لله ، فأنت ترى هنا قوة المعارض ، نصوص صحيحة قوية والجمع ممكن وله وجه.

وأمّا قول سمع الله لمن حمده ، فإنّ هذا لم يخالفه الشافعي ، بل هو يرى أنّ النص ليس من مقتضاه أنّ المأموم لا يقول : سمع الله لمن حمده بل هو مسكوت عنه فيبقى على الأصل ، وهذا مذهب جلة من التابعين فهموا هذا الفهم ، فهو هنا إذن لم يخالف مقتضى النص كما يقول السيوطي .

وأمّا الصلاة خلف الإمام الجالس وهو قائم فإنّ ذلك لوجود النصوص الصّحيحة ، ففي صحيح البخاري ومسلم في قصة وفاته  أنّه صلّى بالناس جالساً وخلفه أبو بكر والناس قيام ( ) ، فالشافعي يرى أنّ حديث صلاته في مرض موته جالساً والناس خلفه قيام متأخر فيكون ناسخاً للأمر بالقعود خلف الإمام القاعد ، وكما ترى فإنّ الشافعي لم يترك دلالة الحديث الأوّل الصّحيح الصّريح إلاّ لأنّه عارضه حديث صحيح صريح ورأى أنّه لا يمكن الجمع بينهما وأحدهما متأخر فقال بالنسخ .

والخلاصة أنّك لا تجد عن أئمّة السّلف من يترك مقتضى حديث صحيح يراه هو ظاهر النص إلاّ لما هو أقوى منه إن لم يكن مساوياً له ، أمّا ما فعله السيوطي من ردّ النص الصّحيح الصريح بنصوص مكذوبة وموضوعة وضعيفة أو بنصوص متوهّمة لا دلالة فيها على المسألة أصلاً ومتوهمة فهذا ليس بمنهج أهل السّنّة .

* قال السيوطي : «    وإن كان المجادل ممن يكتب الحديث ولا فقه عنده يُقال له : قد قالت الأقدمون المحدث بلا فقه كعطار غير طبيب ، فالأدوية حاصلة في دكانه ولا يدري لماذا تصلح ، والفقيه بلا حديث كطبيب ليس بعطار يعرف ما تصلح له الأدوية إلا أنها ليست عنده .

وإني بحمد الله قد اجتمع عندي الحديث والفقه والأصول وسائر الآلات من العربية والمعاني والبيان وغير ذلك فأنا أعرف كيف أتكلم وكيف أقول وكيف أستدل وكيف أرجح ، وأما أنت يا أخي وفقني الله وإياك فلا يصلح لك ذلك لأنك لا تدري الفقه ولا الأصول ولا شيئاً من الآلات ، والكلام في الحديث والاستدلال به ليس بالهين ولا يحل الإقدام على التكلم فيه لمن لم يجمع هذه العلوم فاقتصِر على ما آتاك الله وهو أنك إذا سُئلت عن حديث تقول : ورد أو لم يرد وصححه الحفاظ وحسنوه وضعفوه ولا يحل لك في الإفتاء سوى هذا القدر وخل ما عدا ذلك لأهله »   ( ) .

قلت : هكذا بتّها السيوطي ، وهو بهذا يمثّل موقفاً معروفاً منذ القدم لأهل البدع من أهل الحديث ، وهو رميهم بقلة الفقه والنظر والجمود ، ولعمري إنّها لمقولة صلعاء لا تخرج إلاّ من الزنادقة أو من تأثّر بهم ، والسيوطي في الحقيقة أهلٌ لأن يقول مثل هذا لأنّه أشعري حتّى الثّمالة ، صوفي حتّى النّخاع ، فماذا يُرجى منه ، أمّا الوقيعة في فقه المحدّثين وأهل الأثر فهو علامة على البدعة كما عدّها بذلك أئمّة السّلف من قديم ، وسأذكر لك نتفاً مما حكاه الإمام أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ـ المتوفّى سنة 276 رحمه الله ـ في مقدمة كتابه تأويل مختلف الحديث ، قال رحمه الله : «    فإنك كتبت إلي تعلمني ما وقفت عليه من ثلبِ أهل الكلام أهلَ الحديث وامتهانهم وإسهابهم في الكتب بذمهم ، ورميهم بحمل الكذب ورواية المتناقض حتى وقع الاختلاف وكثرت النحل وتقطعت العصم وتعادى المسلمون وأكفر بعضُهم بعضاً وتعلق كل فريق منهم لمذهبه بجنس من الحديث . . قالوا وهم مع هذا أجهل الناس بما يحملون وأبخس الناس حظا فيما يطلبون .. قد قنعوا من العلم برسمِه ومن الحديث باسمه ، ورضوا بأن يقولوا فلان عارف بالطرق وراوية للحديث وزهدوا في أن يقال عالم بما كتب أو عامل بما علم . . قالوا : وكلما كان المحدث أموق كان عندهم أنفق وإذا كان كثير اللحن والتصحيف كانوا به أوثق وإذا ساء خلقه وكثر غضبه واشتد حدة وعسرة في الحديث تهافتوا عليه ولذلك »    وذكر أمثلة لكلّ دعاويهم ، ثم قال : «    وقد تدبرت رحمك الله مقالة أهل الكلام فوجدتهم يقولون على الله مالا يعلمون ، ويفتنون الناس بما يأتون ، ويبصرون القذى في عيون الناس وعيونهم تطرف على الأجذاع ، ويتهمون غيرهم في النقل ولا يتهمون آراءهم في التأويل »    .

وقال أيضاً : «    ولو أردنا رحمك الله أن ننتقل عن أصحاب الحديث ونرغب عنهم إلى أصحاب الكلام ونرغب فيهم لخرجنا من اجتماع إلى تشتت ، وعن نظام إلى تفرق ، وعن أنس إلى وحشة ، وعن اتفاق إلى اختلاف ، لأن أصحاب الحديث .. لا يختلفون في الأصول ، ومن فارقهم في شيء منها نابذوه وباغضوه وبدّعوه وهجروه .. وأما الايتساء فبالعلماء المبرزين والفقهاء المتقدمين والعباد المجتهدين الذين لا يجارَوْن ولا يُبْلغ شأوهم مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وشعبة والليث بن سعد وعلماء الأمصار وكإبراهيم بن أدهم ومسلم الخواص والفضيل بن عياض وداود الطائي ومحمد بن النضر الحارثي وأحمد بن حنبل وبشر الحافي وأمثال هؤلاء ممن قرب من زماننا ، فأمّا المتقدمون فأكثر من أن يبلغهم الإحصاء ويحوزهم العدد ، ثم بسواد الناس ودهمائهم وعوامهم في كل مصر وفي كل عصر ، فإن من أمارات الحق إطباق قلوبهم على الرضاء به ولو أن رجلاً قام في مجامعهم وأسواقهم بمذاهب أصحاب الحديث التي ذكرنا إجماعهم عليها ما كان في جميعهم لذلك منكر ولا عنه نافر ، ولو قام بشيء مما يعتقده أصحاب الكلام مما يخالفه ما ارتد إليه طرفه إلا مع خروج نفسه »    .

وقال كذلك : «    فأما أصحاب الحديث فإنهم التمسوا الحق من وجهته وتتبعوه من مظانه وتقربوا من الله تعالى باتباعهم سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطلبهم لآثاره وأخباره براً وبحراً وشرقاً وغرباً يرحل الواحد منهم راجلاً مقوياً في طلب الخبر الواحد أو السنة الواحدة حتى يأخذها من الناقل لها مشافهة ، ثم لم يزالوا في التنقير عن الأخبار والبحث لها حتى فهموا صحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها ، وعرفوا من خالفها من الفقهاء إلى الرأي فنبهوا على ذلك ، حتى نجم الحق بعد أن كان عافياً ، وبسق بعد أن كان دارساً ، واجتمع بعد أن كان متفرقاً ، وانقاد للسنن من كان عنها معرضاً ، وتنبه عليها من كان عنها غافلاً وحكم بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن كان يحكم بقول فلان وفلان وإن كان فيه خلاف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم »    .

وقال مبيناً: «    وقد يعيبهم الطاعنون بحملهم الضعيف وطلبهم الغرائب في الغريب الداء ولم يحملوا الضعيف والغريب لأنهم رأوهما حقاً بل جمعوا الغث والسمين والصحيح والسقيم ليميزوا بينهما ويدلوا عليهما وقد فعلوا ذلك  »   

وقال رحمه الله : «    وأما طعنهم عليهم بقلة المعرفة لما يحملون وكثرة اللحن والتصحيف فإن الناس لا يتساوون جميعاً في المعرفة والفضل ، وليس صنف من الناس إلا وله حشو وشوب ، فأين هذا العائب لهم عن الزهري أعلم الناس بكل فن وحماد بن سلمة ومالك بن أنس وابن عون وأيوب ويونس بن عبيد وسليمان التيمي وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد وابن جريج والأوزاعي وشعبة وعبد الله بن المبارك وأمثال هؤلاء من المتقنين ، على أن المنفرد بفنٍ من الفنون لا يُعاب بالزلل في غيره وليس على المحدث عيب أن يزل في الإعراب ، ولا على الفقيه أن يزل في الشعر ، وإنما يجب على كل ذي علم أن يتقن فنه إذا احتاج الناس إليه فيه وانعقدت له الرئاسة به ، وقد يجتمع للواحد علوم كثيرة والله يؤتى الفضل من يشاء .. ولا أعلم أحداً من أهل العلم والأدب إلا وقد أسقط في علمه كالأصمعي وأبي زيد وأبي عبيدة وسيبويه والأخفش والكسائي والفراء وأبي عمرو الشيباني وكالأئمة من قراء القرآن والأئمة من المفسرين وقد أخذ الناس على الشعراء في الجاهلية والإسلام الخطأ في المعاني وفي الإعراب وهم أهل اللغة وبهم يقع الاحتجاج فهل أصحاب الحديث في سقطهم إلا كصنف من الناس »    .

ثم بيّن رحمه الله أنّ أهل الحديث والأثر كسائر الطوائف فيها الغث والسمين قال : «    على أنا لا نخلي أكثرهم من العذل في كتبنا في تركهم الاشتغال بعلم ما قد كتبوا والتفقه بما جمعوا وتهافتهم على طلب الحديث من عشرة أوجه وعشرين وجهاً وقد كان في الوجه الواحد الصحيح والوجهين مقنع لمن أراد الله عز وجل بعلمه حتى تنقضي أعمارهم ولم يحلوا من ذلك إلا بأسفار أتعبت الطالب ولم تنفع الوارث فمن كان من هذه الطبقة فهو عندنا مضيع لحظه مقبل على ما كان غيره أنفع له منه »    ( ) .

ثمّ إنّ لقب أهل الحديث إذا أُطلق فالمراد به أئمة الحديث المتفق على جلالتهم وإمامتهم في الحديث والفقه والسنة كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وابن عيينة وابن أبي ذئب وغيرهم ممن تقدم أو تأخّر ، ولا يُراد بهم كل من انتمى إلى طائفة أهل الحديث من الكسالى والحمقى والمبتدعة وأهل الأهواء وهم في المتأخرين كثير .

وقد روى ابن حبان رحمه الله عن الإمام أحمد أنه قال حين مر على نفر من أصحاب الحديث وهم يعرضون كتاباً لهم : ماأحسب هؤلاء إلا ممّن قال رسول الله : «    لاتزال طائفة من أمتي منصورين لايضرّهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة  »    ( ) ثمّ قال : «    ومن أحقّ بهذا التأويل من قوم فارقوا الأهل والأوطان ، وقنعوا بالكسر والأطمار في طلب السنن والآثار ، وطلب الحديث والأخبار المتبعون لآثار السلف من الماضين ، والسالكون نهج محجة الصالحين وردّ الكذب عن رسول رب العالمين »    ( ) .

أمّا السيوطي فيقول : «    وإني بحمد الله قد اجتمع عندي الحديث والفقه والأصول وسائر الآلات من العربية والمعاني والبيان وغير ذلك فأنا أعرف كيف أتكلم وكيف أقول وكيف استدل وكيف ارجح »    ، قلت : هذا قوله عن نفسه ، على أنّي أقول هب أنّ ما قاله صحيح ، فهل يُستدل في معترك الجدل والمناظرة بمثل هذا ؟.

وهل يلزم من صحة الفهم والمعرفة واجتماع الآلات أن يوفق صاحبها للصواب بمجرد ذلك ؟ !

فإن كان المخالف للسيوطي من أهل الحديث الّذين لا فقه عندهم كما يقول ولا يجوز له الكلام في العلم فعلى السيوطي أن يبطل ما جاء به من النص الصحيح الصريح الواضح الّذي لا يحتاج إلى علم الأصول والمنطق ولا إلى حفظ ألفية ابن مالك ولا حتى إلى حفظ السنة ، فهو كلامٌ واضح يقول فيه النّبيّ  لأعرابي «     إن أبي وأباك في النار  »    فهل يصلح أن يقول السيوطي لمن يقول له قال رسول الله  : أنا أفهم منك وأعلم منك واجتمع عندي فنون الكلام وآلة الاجتهاد المطلق ، إلى غير هذا ممّا يوحي بأنّ الرّجل عفا الله عنه كان زهوه بنفسه يدفعه للإصرار على هذه المسألة فلعله كان معظماً ومستنكراً أن يخالفه غيره نسأل الله العافية .

* ثم قال السيوطي : «    فاقتصر على ما آتاك الله وهو أنك إذا سئلت عن حديث تقول ورد أو لم يرد وصححه الحفاظ وحسنوه وضعفوه  »   ( ) .

قلت : ليت السيوطي التزم نصحه هذا فأحجم عن الكلام فيما لا يحسن ، فقد بان بحق وحقيقة أنّه أولى بكل التهم الّتي كالها لمن افترضه من المحدثين .

فإنّ العلماء قاطبة يقرون بأنّ السيوطي في الحديث حاطب ليل ، ومن نظر في كتبه كالدر المنثور والجامع الصغير عرف كم من الأحاديث حشرها وهي من الضعيف والموضوع والباطل .

ثمّ هل سلّم السيوطي للمحدث ؟ فإنّ المحدّث قال له إنّ الحديث صحيح ثابت في صحيح مسلم وقد صححه الأئمة واجتمعت عليه الأمّة ولم يسبقك إلى الكلام فيه أحد من أئمة الحديث ، وأنّ ما تستدل به من النصوص بواطيل ومناكير وموضوعات ، ومع هذا تنافح وتكابر في سبيل تصحيحها وجعلها صالحة للاعتبار ، فهلا سلّم لأهل الحديث كما سلّم إمامه الشّافعي رحمه الله الّذي كان يقول للإمام أحمد : «    يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث فأخبرونا حتى نرجع إليه ، أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منّا ، فإذا كان خبر صحيح فأعلمني حتى أذهب إليه »   ( ).

لكنّه رحمه الله وعفا عنه ارتقى مرتقىً صعباً فراح يصحح الموضوعات والمناكير ويبطل الصحاح المشاهير مخالفاً بذلك أئمة السلف وجماهير الخلف ، والله المستعان .

* قال السيوطي : «    المسلك الثالث : أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا به ، وهذا المسلك مال إليه طائفة كثيرة من حفاظ المحدثين وغيرهم منهم ابن شاهين والحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي والسهيلي والقرطبي والمحب الطبري والعلامة ناصر الدين بن المنير وغيرهم »   ( ) .

قلت : هذا القول لم يقل به إلاّ شذّاذ من المتأخرين ، وهؤلاء الّذين ذكرهم ليس كلهم كما قال السيوطي ، أمّا ابن شاهين فإنّه ذكر هذا في كتابه الناسخ والمنسوخ ، وعادة المصنفين في مثل هذه الموضوعات رواية كل ما يجدونه بعض النظر عن الصحّة بل بغض النظر عن كونهم يتبنون ذلك أم لا ، فلا يلزم من رواية ابن شاهين ذلك أن يكون هذا قوله ، على أن ابن شاهين كما قال شيخ الإسلام رحمه الله : «    وابن شاهين يروي الغث والسمين »   ( ) ، وأمّا الخطيب فكما قال الشيخ أيضاً : «    والخطيب البغدادي هو في كتاب السابق واللاحق مقصوده أن يذكر من تقدم ومن تأخر من المحدثين عن شخص واحد سواء كان الذي يروونه صدقا أو كذبا »   ( ) ، والخطيب رحمه الله أجلّ من أن ينزلق لمثل هذا ، أمّا القرطبي والسّهيلي وابن المنير فهم من المتأخرين وليسوا من أئمة السّلف المُقتدى بهم ، وشهرتهم إنّما هي في مصنفاتهم ، وإنّي أجدها فرصة لأشير إلى نسب هذا القول المقطوع الّذي لا ينتهي به السيوطي إلى قبل القرن السادس ، وهذا أمر طبيعي إذ هذا القول ليس من أقوال أهل السّنّة ، بل هو من أقوال أهل الأهواء من ضلاّل المتصوّفة والرافضة ، ولهذا يعجز السيوطي أن يقيم دليلاً أو نسباً لما يتبناه عن أئمة السلف أو أحدهم .

* قال السيوطي : «    واستدلوا لذلك بما أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ والخطيب البغدادي في السابق واللاحق( ) والدار قطني وابن عساكر كلاهما في غرائب مالك بسند ضعيف عن عائشة قالت : «    حج بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع ، فمرّ بي على عقبة الحجون وهو باكٍ حزين مغتم فنزل فمكث عني طويلاً ثم عاد إلي وهو فرِحٌ مبتسم ، فقلت له فقال : ذهبت لقبر أمي فسألت الله أن يحييها فأحياها فآمنت بي وردها الله »   ( ) .

قلت : أخرجه الجورقاني ( ) وابن شاهين( ) وابن الجوزي ( )من طرق ، عن محمّد بن يحيى الزهري أبو غزيّة عن عبدالوهّاب بن موسى عن أبي الزّناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به ، وقد اتّفق أئمّة الحديث على أنّه خبر باطل موضوع :

قال الدّارقطني : «    منكر باطل  »   ( ) .

وقال الإمام المحدّث الحافظ أبو الفضل ابن ناصر : «    هذا حديث موضوع »   ( ) .

قال ابن الجوزي : «    هذا حديث موضوع بلا شك  »   ( ) .

وقال ابن عساكر : «    قال ابن عساكر حديث منكر  »   ( ) .

وقال الجورقاني : «    هذا حديث باطل  »    ( ) .

وقال الذّهبي في ترجمة عبدالوهاب بن موسى : «    هذا الحديث كذب »   ( ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : «    لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث ، بل أهل المعرفة متفقون على أن ذلك كذب مختلق »    ( ) .

قلت : وكيف لا يكون كذلك وهو من رواية محمد بن يحيى الزهري عن أبي الزناد ، أمّا أبو الزناد فضعيف جداً ، قال يحيى بن معين : ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث ليس بشيء ، وقال أحمد : مضطرب الحديث ، وقال ابن المديني : كان عند أصحابنا ضعيفاً ، وقال أيضاً : رأيت عبد الرحمن بن مهدي يخط على أحاديثه ، وقال النسائي : لا يحتج بحديثه ، وقال ابن عدي : هو ممن يُكتب حديثه( )، وخلاصة الكلام فيه أنّ حديثه يُكتب لكنه ضعيف جداً إذا انفرد .

أمّا محمّد بن يحيى الزهري فقال الدارقطني : متروك ، وقال أيضاً : منكر الحديث ، واتهمه بوضع الحديث فقال : «    والحمل فيه على أبي غزية والمتهم بوضعه هو أو من حدث به عنه  »    ( ) .

وقد رواه ابن شاهين من طريق محمّد بن الحسن بن زياد النقّاش عن أحمد بن يحيى الحضرمي عن محمّد بن يحيى به ، ومحمد بن الحسن هذا هو المفسّر المقرئ ، قال الخطيب : حدثني عبيدالله بن أبى الفتح عن طلحة بن محمّد بن جعفر أنّه ذكر النقّاش فقال : كان يكذب في الحديث ، وقال الخطيب أيضاً : سألت البرقاني عن النقّاش فقال : كلّ حديثه منكر ، واتهمه الذهبي بالوضع ( ) .

فالحديث سنده ظلمات بعضها فوق بعض ، هذا من حيث السّند ، أمّا من حيث المتن فهو غاية في النّكارة ، قال أبو الفضل بن ناصر : «    هذا حديث موضوع ، وأم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة ودُفنت هناك وليست بالحجون »   ( ) .

أمّا ابن الجوزي فقال : «    هذا حديث موضوع بلا شك والذى وضعه قليل الفهم عديم العلم ، إذ لو كان له علم لعلِم أن من مات كافراً لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة ، لا بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع ، ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى :            [البقرة:217]  وقوله في الصحيح : «    استأذنت ربى أن أستغفر لابي فلم يأذن لى  »   ( ) .

أمّا شيخ الإسلام رحمه الله فأنقل جوابه بطوله لأنّ فيه رداً على مالم يذكره السيوطي هنا ، وهو قول القرطبي وغيره ممن تأثر به مثل العجلوني في كشف الخفاء وابن سيد الناس في السيرة وغيرهم : قال رحمه الله وقد سُئل : «    هل صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أن الله تبارك وتعالى أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك ؟ »    فأجاب : «    لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث .. فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذباً ، كما نص عليه أهل العلم ، وليس ذلك في الكتب المعتمدة في الحديث ، لا في الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير ، وإن كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح ، لأنّ ظهور كذب ذلك لا يخفى على متدين ، فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على ، نقله فإنه من أعظم الأمور خرقاً للعادة من وجهين :  من جهة إحياء الموتى : ومن جهة الإيمان بعد الموت ، فكان نقل مثل هذا أولى من نقل غيره فلما لم يروه أحد من الثقات عُلم أنه كذب . 

.. ثم هذا خلاف الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع ، قال الله تعالى :                                                                                      [النساء:17ـ18]  ، فبين الله تعالى : أنه لا توبة لمن مات كافراً . 

وقال تعالى :                                       [غافر:85]  فأخبر أن سنته في عباده أنه لا ينفع الإيمان بعد رؤية البأس ، فكيف بعد الموت ؟ ونحو ذلك من النصوص . 

وفي صحيح مسلم :  «    أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : أين أبي ؟ قال : إن أباك في النار . فلما أدبر دعاه فقال : إن أبي وأباك في النار »    ( ) . 

وفي صحيح مسلم أيضا أنه قال :  « استأذنت ربي أن أزور قبر أمي  فأذن لي واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة »   ( ) .

 وفي الحديث الذي في المسند وغيره قال :  «  إن أمي مع أمك في النار»   ( )، فإن قيل : هذا في عام الفتح والإحياء كان بعد ذلك في حجة الوداع ولهذا ذكر ذلك من ذكره وبهذا اعتذر صاحب التذكرة وهذا باطل لوجوه :  

الأول : إن الخبر عما كان ويكون لا يدخله نسخ كقوله في أبي لهب :              [المسد:3]  وكقوله في الوليد :         [المدثر:17] ، وكذلك في :  «    إن أبي وأباك في النار »    و «    إن أمي وأمك في النار»     وهذا ليس خبراً عن نار يخرج منها صاحبها كأهل الكبائر ، لأنه لو كان كذلك لجاز الاستغفار لهما ولو كان قد سبق في علم الله إيمانهما لم ينهه عن ذلك فإن الأعمال بالخواتيم ومن مات مؤمناً فإن الله يغفر له فلا يكون الاستغفار له ممتنعاً .

الثاني : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زار قبر أمه لأنها كانت بطريقه  بالحجون  عند مكة عام الفتح ، وأما أبوه فلم يكن هناك ولم يزره إذ كان مدفوناً بالشام في غير طريقه فكيف يقال : أحياه له ؟ .

الثالث : إنهما لو كانا مؤمنين إيماناً ينفع كانا أحقّ بالشهرة والذكر من عميه : حمزة والعباس .. فلما كان من العلم المتواتر المستفيض بين الأمة خلفاً عن سلف أنه لم يذكر أبو طالب ولا أبواه في جملة من يذكر من أهله المؤمنين كحمزة والعباس وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم كان هذا من أبين الأدلة على أن ذلك كذب .

الرابع : أن الله تعالى قال :                                   إلى قوله :                     الآية  [الممتحنة:4]  ، وقال تعالى :                                          [التوبة:114]  ، فأمر بالتأسي بإبراهيم والذين معه ، إلا في وعد إبراهيم لأبيه بالاستغفار ، وأخبر أنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه والله أعلم  »    ( ) .

ولهذا قال ابن الجوزي رحمه الله : «    وأما عبدالله فإنه مات ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمل ولا خلاف أنه مات كافرا ، وكذلك آمنة ماتت ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ست سنين »   ( ) .

وبهذا يتبيّن لك أنّ هذا الحديث بل كلّ نصوص إحياء الأبوين مكذوبة موضوعة من أخبار الأفّاكين والوضّاعين .

وبعد ذلك فالعجب من قول السيوطي بعد أن أورد هذا الحديث : «    هذا الحديث ضعيفٌ باتفاق المحدثين ، بل قيل إنه موضوع لكن الصواب ضعفه لا وضعه ، وقد ألّفت في بيان ذلك جزءاً مفرداً ، وأورد السهيلي في الروض الأنف بسند قال أن فيه مجهولين عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سأل ربه أن يحيي أبويه فأحياهما له فآمنا به ثم أماتهما »   ( ) .

قلت : قد أفصح وأقرً أنّ الحديث ضعيفٌ باتّفاق المحدّثين ، فإذا كان ضعيفاً فالضّعيف لا يُحتجّ به ولا يجوز ذكره إلاّ ببيان ضعفه وأنّه لا يُحتّجّ به ، فكيف يُصادم به النّصوص الصّحيحة الصّريحة .

وأمّا قوله : «    قيل إنه موضوع  »    بصيغة التمريض وكأنّ القول بوضعه شاذ أو أنّ القائل به مغمور فهذا من تدليسه في الحقيقة ، فقد مر من حكم بوضعه وكذبه من أئمّة الحديث ، فكان عليه أن يذكرهم فهم أشهر وأجلّ ممن يسميهم ممن لا يُعتد بقولهم وخلافهم لأهل السّنّة ممن يوافقونه في الرأي .

ومثله أيضاً ما أورده السهيلي بسند فيه مجهولين فهل يجوز الاحتجاج بخبر لا يُعرف راويه ، إذاً لصحّ لكلّ مفترٍ كاذب أن يقول على الله وعلى رسوله  ما يشاء ، نسأل الله العافية .

وإذا كان الجزء الذي ألّفه في إثبات أنّ الحديث ضعيف لا موضوع فماذا ينفعه بعد ذلك ؟ ثمّ هل للسيوطي كلام بعد حكم أئمة الشأن كالذهبي وابن الجوزي وابن ناصر والجوزقاني وابن كثير وشيخ الإسلام ابن تيمية ؟ أعتقد أنّ المنصف الناظر لرشده يعرف أنّه إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل .

 * قال السيوطي : «    وقال السهيلي بعد إيراده الله : قادرٌ على كل شيء ، وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء ، ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم أهلٌ أن يختص بما شاء من فضله وينعم عليه بما شاء من كرامته »   ( ) .

قلت : الله تعالى قادرٌ على كلّ شيء ، وليس إنكار أئمة السّنّة ما جاء به السيوطي مبنياً على استبعاده وإحالته ، بل هو مبني على عدم الثبوت لأنّ النصوص الّتي جاء فيها ذلك موضوعة مختلقة هذا من جهة ، ومن جهة أخرى  فإنّ ذلك يعارض الثّابت من النّصوص الصّحيحة الصّريحة الّتي اتفق أئمة السّلف على ثبوتها وعلى الإيمان بما فيها تصديقاً وقبولاً .

وإلاّ فلكلّ دجّال أن يقول ما شاء ، فللرافضة أن تقول : أحيا الله أبا طالب فآمن به ، وليس ذلك بعيداً عن قدرة الله تعالى ،  ويقول غيرهم قد أحيا الله أبا لهب فآمن به  وليس ذلك بعيداً عن قدرة الله تعالى ، وهلمّ جرا ، وغير خافٍ على كلّ أحد أنّ دين الله تعالى مبني على الاتباع لا على الابتداع والاختراع .

* قال السيوطي : «    وقال القرطبي : لا تعارض بين حديث الإحياء وحديث النهي عن الاستغفار ، فإن إحياءهما متأخرٌ عن الاستغفار لهما ، بدليل حديث عائشة : أن ذلك كان في حجة الوداع ، ولذلك جعله ابن شاهين ناسخاً لما ذكر من الأخبار »   ( ) .

قلت : سبق جواب شيخ الإسلام رحمه الله على قول القرطبي هذا فانظره هناك( ) ، وخلاصته أنّ هذا لا يصح ، لأنّ الأخبار لا يدخلها نسخ .

* قال السيوطي : «   وقال العلامة ناصر الدين بن المنير المالكي . . وجاء في حديث : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما منع من الاستغفار للكفار دعا الله أن يحي له أبويه فأحياهما له فآمنا به وصدّقا وماتا مؤمنين »   ( ) .

قلت : هذا كذبٌ عليه  ، فليس في النصوص شيء من ذلك ، والحديث قد بينّا قبل قليل أنّه موضوع مكذوب لا يصح .

ثمّ إنّ الله تعالى لو شاء أن يستثني أبويه من سائر الناس فيقبل منهما الإيمان بعد الموت ، لكان أولى أن يستثنيهما من تحريم الاستغفار للمشركين .

ثمّ إنّ قول ابن المنيّر إقرارٌ منه أنّهما ماتا على الشرك وهذا ينقض المسلكين الأوّلين ، ومن العجب أن يدافع السيوطي عن ثلاثة مسالك ينقض بعضها بعضاً ، هل هذا إلاّ المكابرة بعينها .

قال السيوطي معلقاً على حديث النهي عن الاستغفار لأمّه  : «    على أنه يمكن فيه دعوى عدم الملازمة( ) ، بدليل أنه كان في صدر الإسلام ممنوعاً من الصلاة على من عليه دين وهو مسلم ، فلعله كانت عليها تبعات غير الكفر فمنع من الاستغفار لها بسببها »   ( ) .

قلت : بل الملازمة موجودة ، لأنّ النّبيّ  وإن كان لا يصلي على من عليه دين في أوّل الإسلام فإنّه لم يمنع غيره أن يصلي عليه ، أمّا النّبيّ  فنُهي عن الاستغفار لها ضمن النهي عن الاستغفار للمشركين ، ثمّ إنّ النهي عن الاستغفار للمؤمن غير مُتصور ، بل النّبي  كان مأموراً بالاستغفار للمؤمنين قال تعالى :         [آل عمران:159] ، وقال :          [التوبة:103]  ، أمّا أنه كان ممنوعاً من الصلاة على من عليه دين فذلك لمصلحة معقولة وهي التنفير عن الدين عندما كان في المسلمين فقر وقلة ، فلما وسع الله عليهم كان عليه الصّلاة والسّلام يصلي على كل مسلم ، وهذا حكم غير منسوخ ، فما زال يصح للعلماء والولاة أن لا يصلوا على أنواع من المسلمين من باب الزجر والردع مثل المبتدع والمحارب والباغي وهذا لعلة ذكرها الفقهاء وهي الزجر والردع كما قلنا ، فما أبعد قياس النهي عن الاستغفار لأمّه على كونه  كان في أوّل الأمر لا يصلي على من عليه دين ، ويزداد العجب حين يصدر هذا ممّن يدعي أنّه اكتملت فيه آلة الاجتهاد والفقه ويزري على من يتّبع النص الشرعي بعدم الفقه والنظر .

* قال السيوطي : «    وقال القرطبي : فضائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه قال وليس إحياؤهما وإيمانهما به يمتنع عقلاً ولا شرعاً ، فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله ، وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى ، وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام أحيا الله على يديه جماعة من الموتى ، قال : وإذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة كرامة في فضيلته »   ( ) .

قلت : هذا الكلام ملفقٌ من كلام السهيلي وابن المنير ، وقد قلنا سابقاً إنّ الشأن ليس في كون إحيائهما معجزة غير مقدورة أو كونه  يستحق هذا التفضيل ، وأيم الله لو صحّ أنّ الله تعالى أكرمه بهما وأنهما آمنا به لهو أحبّ إلينا معشر السّلفيين من آبائنا وأمّهاتنا ، ولكنّ الأمر دين ، وليس الهوى والتمني يغير شيئاً من الحقيقة الناصعة وهي قوله  : «     إن أبي وأباك في النار  »    فكيف نترك قوله هو إلى آرائنا وأهوائنا ، أليس يجب على المؤمن التصديق بكل ما يقوله ويخبر عنه من أمور الغيب ؟ فهذا من ذاك .

ثم إنّ قوله : «    وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام أحيا الله على يديه جماعة من الموتى »    لا أعلم له مستنداً ، فلم يرد أنّ الله أحيا على يديه  أحداً ، والله أعلم .

* قال السيوطي : «    وقال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس في سيرته بعد ذكر قصة الأحياء : والأحاديث الواردة في التعذيب وذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات ما حاصله : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يزل راقياً في المقامات السنية صاعداً في الدرجات العلية إلى أن قبض الله روحه الطاهرة إليه وأزلفه بما خصه به لديه من الكرامة حين القدوم عليه ، فمن الجائز أن تكون هذه درجة حصلت له صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن لم تكن ، وأن يكون الأحياء والإيمان متأخراً عن تلك الأحاديث فلا تعارض »   ( ) .

قلت : من الجائز ومن الممكن وربما ولعل ، هذه عبارات  يجوز النطق بها في وجه النصوص الصّحيحة القطعية ثبوتاً ودلالة ، فكيف يجوز هذا القول اعتماداً على نص مكذوب موضوع وضعه الدجاجلة ؟!

* قال السيوطي : «    خاتمة : وجمعٌ من العلماء لم تقو عندهم هذه المسالك فأبقوا حديثي مسلم ونحوهما على ظاهرهما من غير عدول عنها بدعوى نسخ ولا غيره ومع ذلك قالوا لا يجوز لأحد أن يذكر ذلك »   ( ) .

قلت : هذا مذهب جماهير العلماء بل هو محل اتفاق السلّف رحمهم الله يقلل منه السيوطي فينسبه إلى جمع مجهول من العلماء ، وعلى العموم فإنّ مذهب السلف التصديق بكلّ ما قاله  سواء احتملته عقولنا أم لا ، وسواءٌ وافق أهواءنا وأمنياتنا أم لا ، فكما نصدق أنّ أبا بكر وسائر العشرة رضي الله عنهم وآسيا زوجة فرعون وكل من أخبر عنهم  بأنّهم في الجنة وأنّ عمرو بن لحي وأبا لهب وأبا جهل وسائر من أخبر عنه  أنّهم في النار نصدق كذلك بأنّ أبويه  ماتا على الكفر وأنّهما في النّار.

أمّا أنّ هؤلاء العلماء قالوا : لا يجوز لأحد أن يقول ذلك فالأمر فيه تفصيل ، فأمّا أن يقوله الشخص بلا سبب ، وأن يكرره فرحاً به أو يعرّض به تنقصاً أو ينال منهما فلا شكّ أنّ ذلك هو النفاق محضاً لأنّ ذلك يؤذي النّبيّ  وأذيته من أكبر الكبائر ، وقد نهى  أن يؤذى الأحياء بسب الأموات ولو كانوا أهلاً لذلك فكيف به فدى عرضه نفسي وأهلي    ومالي .

أمّا إذا قال الرجل ذلك لسبب ، كأن يرِد الحديث فيبينه ، أو يُسأل عنه فيجيب ، وكذلك إذا رفع المبتدعة عقيرتهم مكذبين بذلك أو طاعنين فيمن يقول به كما يفعل السيوطي هنا فحينئذ يجوز بل ربّما يجب التصريح بذلك ، لأنّ النّبيّ  هو الّذي ذكر ذلك جواباً على السّؤال ، قال القاضي عياض : «   الوجه السابع أن يذكر ما يجوز على النبي  أو يختلف في جوازه عليه ، و ما يطرأ من الأمور البشرية به ، و تمكن إضافتها إليه ، أو يذكر ما امتحن به ، و صبر في ذات الله على شدته من مقاساة أعدائه ، و أذاهم له ، و معرفة ، ابتداء حاله و سيرته ، و ما لقيه من بؤس زمنه ، و مر عليه من معاناة عيشه ، كل ذلك على طريق الرواية ، و مذاكرة العلم ، و معرفة ما صحت منه العصمة للأنبياء ، و ما يجوز عليهم ـ فهذا فن خارج عن هذه الفنون الستة ، إذ ليس فيه غمص و لا نقص ، و لا إزراء و لا استخفاف ، لا في ظاهر اللفظ و لا في مقصد اللافظ»    ( ) .

وكذلك فإنّ نصرته  وتصديق سنّته والذّبّ عنها والرد على من يقدح فيها ويحرّف معانيها أولى من السكوت ، لأنّه  يتأذّى من عدم تصديقه وعدم قبول ما جاء به أكثر وأعظم من أن يُقال عن والديه أنّهما كافرين .

وهذا هو منهج السّلف الصّالح وأئمة السّنة الّذين رووا هذه النصوص وتناقلوها وصدقوا بما جاء فيها .

ثمّ إنّ النّبيّ  وهو الّذي تكلّم بهذه النّصوص وسمعها منه أصحابه وأدّوها لم يقل في نص منها إنّه لا يجوز لأحد أن يقول بما قلته ، بل إنّ الصّحابه أدّوها ونقلوها ولو كان لا يجوز لأحد أن يقول ذلك لما نقلوها أو لنُقل عنهم شيء من ذلك ، والواقع أنّه لم يُنقل عن أحد منهم المنع من القول بما قاله  وهل يجرؤ مؤمنُ بالله تعالى وبرسوله  موقّرٌ لسنته متبع لما جاء به أن يقول غير ذلك ؟!

إنّ هذه النصوص ستبقى نبراساً خالداً على ملّته  الّتي أُرسل بها والّتي أفصح بها من أوّل يوم في الحديث المشهور عن أبي هريرة قال : «    لما نزلت             [الشعراء:214]  جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً فخصّ وعمّ فقال : يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله ضراً ولا نفعاً ، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله ضراً ولا نفعاً ، يا معشر بني قصي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً ، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضراً ولا نفعاً إن لك رحما سأبلها ببلالها  »   ( ) ، فهو  لا يملك لغيره ولا لنفسه ضراً ولا نفعاً .

وأمرُ الإيمان منحة من الله والهداية ملك لله لا يملك النّبيّ  أن يهبها لأحد أو يمنعها من أحد ولو كان يملك شيئاً من ذلك لجعل عمّه أبا طالب يؤمن ، وقد قال الله له :                               [القصص:56] ، الله أكبر ، أين السيوطي ومن يقلّده مِن هذه الآية ، فمهما أحب النّبيّ  أن يؤمن والداه فهل ذلك ممكن بمجرد إرادته له ؟ الجواب في الآية .

وهل أمر الإيمان والهداية ودخول الجنان بالقرابة ؟ اللهم لا ، ولو كان ذلك لآمن قرابته كلهم ، بل قد أنزل في بعض قرابته سورة خاصة هي سورة أبي لهب وهو عمه .

ولهذا لا محاباة ولا نسب في دين الله بل هو الحق والإيمان والتقوى ، أمّا الصوفية والرافضة وأشباههم فتعلّقهم بالشخوص والأولياء صوّرَ لهم أنّه لا يمكن أن يكون جاه النّبيّ  عند الله أقلّ من أن يكرمه بإدخال أبويه الجنة ، وأن يستثنيهما الله من كلّ وعيد ، فلا تعجب حين اضطر السيوطي أن يدخل الكفرة والمشركين من أجداده  الجنة حتى يسلم له أن أبويه ماتا على الفطرة ، حتّى والد إبراهيم عليه السّلام الّذي نزلت فيه الآيات وجاء فيه النصوص الصريحة حرفها وبدل معانيها ولبّس بكلّ سبيل وأدخله الجنة حتى لا ينخرم عليه المسلك الثاني وهو أنّهما ماتا على التوحيد نسأل الله أن يلهمنا الرشد .

وبهذا كله تعرف ما في قول السهيلي في الروض الأنف بعد إيراده حديث مسلم : وليس لنا نحن أن نقول ذلك في أبويه صلى الله عليه وآله وسلم لقوله : «    لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات »   ( )وقال تعالى :                                    [الأحزاب:57]  الآية . 

وقول القاضي أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية وقد سئل عن رجل قال أن أبا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النار . فأجاب بأن من قال ذلك فهو ملعون لقوله تعالى :                                 قال : ولا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه إنه في النار  »   ( ) .فإنّ هذا جواب غافلٍ عن أنّ الّذي قال عن أبيه إنه في النار هو نفسه  . 

* قال السيوطي : «    ومن العلماء من ذهب إلى قول خامس وهو الوقف ، قال الشيخ تاج الدين الفاكهاني( ) في كتابه الفجر المنير : الله أعلم بحال أبويه »   ( ) .

قلت : هل يجوز الوقف في شيء أخبر به  ؟ وما معنى الإيمان به إذن ؟

هل يجوز الوقف في وجود الجنة والنار وفي العرش والصراط والمهدي ونزول عيسى بن مريم وعذاب القبر وغير ذلك مما أخبر به  ؟

فإن قيل تلك جاء فيها نصوص صحيحة قلنا وكذلك والديه ، فإن قيل إنما نتوقف لما جاء مما يعارضها ، قلت : لو جاز لمؤمن أن يتوقف فيما صح وثبت لمجرد وجود أخبار مكذوبة وموضوعة تعارضها : لجاز التوقف عن كثير من شرائع الإسلام ، وكان كلّما أراد مبطل أن يبطل سنة أو آية أو حكماً كذب واخترع نصاً ونسبه للنّبيّ  فيحصل على غاية ما يريد ، وهل يطلب أعداء الله منا أكثر من أن نتوقف في قبول ما يجيء به  ؟

انظر رعاك الله ما في هذا المسلك من المزلق العظيم والخطر الجسيم ، أن يصور الشكّ والتّردّد في الإيمان بما جاء به  على أنّه توقف في مسألة شرعية ورعاً عن القول بلا علم ، فهذا والله منتهى التلبيس ، بل الوقف في مثل هذه المسألة لا يجوز أبداً لأنّه قد صحّت النصوص الصّريحة وما يقابلها لا يرتقي للضعف فضلاً عن أن يكون نداً لما صحّ ، والله المستعان .

* قال السيوطي : «   وقال الباجي( ) في شرح الموطأ قال بعض العلماء : إنه لا يجوز أن يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفعل مباح ولا غيره ... »   ( ) .

قلت : لا علاقة لهذا الكلام بمسألتنا فإنّنا نتفق على أنّه لا يجوز أن يُؤذى النّبيّ  بأي فعل مباح أو غير مباح ، لكن هل يدخل في الأذى له  أن نقول بما قاله ونؤمن بما جاء عنه ونصدقه ونمر النصوص كما جاءت بالقبول والتصديق دون تحريف ؟ اللهم لا .

* قال السيوطي : «    واخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية قال : حدثنا نوفل بن الفرات وكان عاملاً لعمر بن عبد العزيز قال كان رجل من كتاب الشام مأمونا عندهم استعمل رجلا على كورة الشام وكان أبوه يزن بالمنانية فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فقال ما حملك على أن تستعمل رجلاً على كورة من كور المسلمين كان أبوه يزن بالمنانية قال : أصلح الله أمير المؤمنين وما عليّ ، كان أبو النبي صلى الله عليه وآله وسلم مشركاً فقال عمر : آه ثم سكت ثم رفع رأسه فقال : أأقطع لسانه أأقطع يده ورجله أأضرب عنقه ، ثم قال : لا تلى لي شيئا ما بقيت »   ( ) .

قلت : لم أجده وقد اشار إليه القاضي عياض في الشفا ( )، وذكر هناك أنّ سبب غضب عمر هو ذكر هذا في غير موضعه ، وهذا موضع خلاف بين العلماء أعني ذكر ه في موضع التأسي بالأنبياء ، كمن يقول إذا ليم على المعصية ، قد عصى آدم ، ونحو مقولة هذا الوالي ، والأحوط المنع لأنّ ذكر هذا لا يسلم من الغض على جانب النبوة مع أن في النصوص مندوحة عن الاستشهاد بمثل هذا ، لكن ليس فيه أن سبب إنكار عمر هو إنكاره كون والده صلى الله عليه وآله وسلم في النار إذ لو كان يرى ذلك ما تركه دون عقوبة ، فإن اتهام أي مسلم بأنه كافر موجب للعقوبة والتعزير فكيف لو كان هذا المتهم هو والد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، لاشكّ أن هذا يكون أعظم فكيف يتركه دون عقوبة وإنما فقط يعزله عن عمله ؟!.

فهذا في الحقيقة لو ثبت دليل على السيوطي من  حيث لم يشعر .

* قال السيوطي : «    حديث متعلق بهما قال البيهقي في شعب الإيمان أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا أبو جعفر الرزاز ثنا يحيى بن جعفر أنا زيد بن الحباب أنا يس بن معاذ ثنا عبد الله بن قريد عن طلق بن علي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : «    لو أدركت والديّ أو أحدهما وأنا في صلاة العشاء وقد قرأت فيها بفاتحة الكتاب تنادي يا محمد لأجبتها لبيك »    ، قال البيهقي : يس بن معاذ ضعيف »   ( ) .

قلت : هكذا نقل عن البيهقي ، وهو تساهل منه رحمه الله ، وإلاّ فياسين هذا قال يحيى بن معين : ليس حديثه بشيء ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال النسائي وابن الجنيد : متروك وقال ابن حبان : يروي الموضوعات .. وقال أبو داود : كان يذهب إلى الإرجاء ، وهو متروك الحديث ضعيف ، وهو ببيع الزيت أعلم منه بالعلم ( ) ، فمثل هذا حديثه منكر جداً إن لم يكن موضوعاً .

ثمّ إنّه لا علاقة لهذا الخبر بمسألتنا البتّة ، فغاية ما فيه وجوب بر الوالدين ، وقد اتفق العلماء على وجوب برهما ولو كانا مشركين وهذا نص القرآن ، قال تعالى :                                       [لقمان:15]  .

* قال السيوطي : «    فائدة قال الأزرقي في تاريخ مكة حدثنا محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن عمران عن هشام بن عاصم الأسلمي قال : لما خرجت قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة أحد فنزلوا بالأبواء قالت هند ابنة عتبة لأبي سفيان بن حرب : لو بحثتم قبر آمنة أم محمد فإنه بالأبواء فإن أُسر أحدكم افتديتم به كل إنسان بأرب من آرابها ، فذكر ذلك أبو سفيان لقريش فقالت قريش : لا تفتح علينا هذا الباب إذاً تبحث بنو بكر موتانا »   ( ) .

قلت : ذكره الأزرقي في الحديث عن مقابر مكة ومنها مقبرة أبي دب( )، قال : حدثني أبو الوليد حدثني محمد بن يحيى عن عبدالعزيز بن عمران عن هشام بن عاصم الأسلمي ، وعبدالعزيز بن أبي ثابت عمران بن عبدالعزيز بن عمر بن عبدالرحمن بن عوف قال ابن معين : ليس بثقة ، إنما كان صاحب شعر ، وقال أبو حاتم : متروك الحديث ، منكر الحديث جداً ، وترك حديثه ابو زرعة ( ) ، فالخبر إذن منكر جداً ، كما أنّه مرسلٌ لأنّ عاصم هذا لم يدرك زمن معركة أحد فإنّه من طبقة متأخرة ذكره ابن سعد في الطبقات .

* قال السيوطي : «    فائدة قال الإمام موفق الدين بن قدامه الحنبلي في المقنع ومن قذف أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتل مسلماً كان أو كافراً »   ( ).

قلت : بلاشكّ ، فإنّه قدح في نسبه  وقد أجمع المسلمون على شرف نسبه وأنّه عليه الصلاة والسلام لم يخالط نسبه سفاح من آدم إلى عصره ، وقد ثبتت النصوص بذلك ، فمن قذف أمّه فقد اجتمعت فيه المهالك ولا يصدر ذلك من مسلم البتّة .

لكن هذه الفروع الّتي أتى بها السيوطي لا علاقة لها بالمسألة من قريب ولا من بعيد فهذا الحكم لا يتعلّق بكونها مؤمنة أم لا ، ولا بكونها ناجية أم لا .

* قال السيوطي : «    وقد سُئلت أن أنظم في هذه المسالة أبياتاً أختم بها هذا التأليف »   ( ) ، ثمّ ذكر أبياتاً لخّص بها ما ذكره من مسالك في ثنايا الرسالة .

قلت : السيوطي رحمه الله وعفا عنه شاعر ، ولكن الحق فوق ذلك بكثير ، فالباطل باطل ولا يغير من واقعه زخرف القول وبديع النظم ، والحق في المسائل الشرعية هو ما جاءت به النصوص الصّحيحة الصريحة ، وصدق الله إذ قال :             [الشعراء:224]  .

ومن العجب قوله في نهايتها : 

هذي مسالك لو تفرد بعضها * لكفى فكيف بها إذا تتألف

فإنّ المسالك الثلاثة متناقضة : فأوّلها أنّهما من أهل الفترة الذين يُمتحنون يوم القيامة ، وثانيها أنّهما ماتا على الفطرة والتوحيد ، فكيف يجتمعان ؟ وثالثهما أنّ الله أحياهما فآمنا ، فانظر كيف تتألف هذه المسالك المتناقضة فالحق ـ إن كان منها حق ـ في أحدها فقط ، على أنّنا بيّنّا بحمدالله بطلان هذه المسالك ، ومن ثمّ بطلان ما يُبنى عليها ، نسأل الله تعالى أن يعفو عنّا وعنه وأن يهب إساءته هذه إلى إحسانه وفضله ، وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم ( ).

عدد مرات القراءة:
943
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :