آخر تحديث للموقع :

الأحد 14 رجب 1444هـ الموافق:5 فبراير 2023م 10:02:20 بتوقيت مكة

جديد الموقع

البداء ..
الكاتب : طه الدليمي ..

جميع العقائد الإمامية متشابهة الأدلة

 
عقائد أساسها المتشابه لا المحكم
لم نجد للإمامية عقيدة انفردوا بها تقوم على آية قرآنية محكمة صريحة المعنى قطعية الدلالة قط. وإنما اتبعوا في وضع عقائدهم متشابهات الأدلة. وقد ناقشنا هذا الأمر وتبين لنا واضحاً فيما سبق من عرضنا لتلك العقائد ، أهمها وأعظمها (الإمامة والعصمة) ، فما دونها يقاس عليها. والعقائد التي انفردوا بها كثيرة ، ولا أرى حاجة لمتابعتها واحدة واحدة. ولكن لا بأس في أن نتناول –على وجه الاختصار- مثالين آخرين فقط نختم بهما هما : عقيدة (البداء) وعقيدة (الرجعة) لنرى كيف أنهم ساروا فيهما على النسق نفسه من اتباع الظن أو المتشابه دون القطعي أو المحكم. وقس على ذلك بقية الاعتقادات.

البـداء

دليل البداء

أقوى ما احتجوا به قوله تعالى : }يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ{ (الرعد/39).

نقض هذه العقيدة

والآية في نسخ الأحكام الشرعية ، لا في تغيير الأخبار الاعتقادية.
والأحكام الشرعية يجوز عليها المحو والتغيير. كما قال تعالى: }مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا{ (البقرة/106).
ومن ذلك نسخ إباحة الخمر بقوله تعالى: } إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأْنصَابُ وَالأْزْلاَمُ رِجْسٌ
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ (المائدة/9). بعد قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ{ (النساء/43).
ومنه نسخ التوجه إلى بيت المقدس في الصلاة بالأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام. فهذه هي الأحكام المعرضة للنسخ. وعنده (أم الكتاب) وهو المحكم الذي لم ينسخ. وإليه نرجع ما نسخ. لأن المنسوخ أحد أفراد المتشابه كما قال تعالى: }مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ{ (آل عمران/7).
فالقول بالبداء - أي جواز أن يطرأ المحو والتغيير على ما أخبر الله به فيقع على غير ما أخبر أو وعد. فيمحو ما يشاء من الأخبار والوعود ويثبت ما يشاء - باطل، بل كفر لأنه لا يليق بصادقي المخلوقين. فكيف بالله اصدق القائلين؟! وإخلاف الوعد من صفة المنافقين. فكيف يوصم به رب العالمين؟ أليس هو القائل:
 }إن الله لا يخلف الميعاد{ (آل عمران/9).
والقائل: }وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{ (الأنعام/115).
والقائل: }ما يبدل القول لدي{ (ق/29).
   والقائل: }يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ{ (البقرة/255).
والقائل: }عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ{ (الحشر/22).
 فكيف يخبر فيكذب؟! ويعد فيخلف؟! }سبحانه وتعالى عما يقولون علواً عظيماً{.
إن القول بأن هذه الآية تدل على البداء. لا فرق بينه وبين قول المجوس: إن قوله تعالى: }وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ { (الزخرف:84). يدل على وجود إلهين اثنين. لأن كليهما استدلال على شيء معلوم فساده من الدين والقرآن علماً ضرورياً لا يجهله أحد من المسلمين عالماً كان أم جاهلاً.
والاستدلال بهذه الكيفية ليس أكثر من لعب بكتاب الله، واستهزاء بآياته. يجب أن
يتنزه عنه كل من عنده ذرة من إيمان بهذا الكتاب.
ولعل سائلاً يسأل: ما الذي يدفع الإنسان إلى النزول إلى هذا المستوى الهابط من الأقوال والاستدلال؟! والجواب هو الاضطرار أمام الإحراجات الاعتقادية التي واجهت الإمامية أكثر من مرة في تاريخهم.
فقد كانوا في البدء يقولون: إن الإمام يجب أن يكون أكبر أخوته : فقالوا بـ(إمامة) إسماعيل بن جعفر لأنه كبير أخوته. فإذا به يموت في حياة أبيه!
فماذا يفعلون؟! انقسموا إلى عدة فرق –كما مر بنا- وقد كان الكيسانية الذين يؤمنون بـ(إمامة) محمد بن الحنفية يقولون بمبدأ (البداء) الذي اخترعه لهم المختار بن أبي عبيد الثقفي تخلصاً من إحراجات كانت تواجهه حين يقع الأمر على غير ما يخبرهم به. فما كان من الإمامية إلا أن استلفوا هذا المبدأ من الكيسانية خروجاً من المأزق الذي أوقعهم فيه القدر، لينتقلوا بـ(الإمامة) إلى عبد الله الأفطح أخي إسماعيل الثاني. لكن عبد الله وقبل أن يفيقوا من هذه الصدمة يموت بعد سبعين يوماً من وفاة أبيه دونما ولد! فكان مأزقاً آخر لا يقل عن الأول! فاستعملوا الوسيلة نفسها (البداء) لينتقلوا بـ(الإمامة) وللمرة الثالثة: إلى أخيه الأصغر موسى بن جعفر!
وتكرر المأزق مع الحسن العسكري وأخيه محمد. وأعيدت المسرحية بكل تفاصيلها! كان محمد بن علي الهادي أكبر أخوته. فقال الإمامية بـ(إمامته) لكنه-مع الأسف- مات في حياة أبيه. فانتقلوا بـ(الإمامة) بواسطة (البداء) إلى أخيه الثاني الحسن العسكري. ويموت الحسن دون ولد فينقل بعضهم (الإمامة) إلى أخيه الأصغر جعفر. ومنهم من فعل كما فعل الفطحية من قبل مع عبد الله الأفطح. إذ ادعوا له ولداً سموه (محمداً). وقالوا بغيبته و(إمامته). فقالوا: إن للحسن ولداً واسمه محمد وقد غاب!
يروي الكليني بسنده عن أبي الحسن (أي علي الهادي) أنه قال: (بدا لله في أبي محمد (أي الحسن العسكري) بعد أبي جعفر (أي أخيه الأكبر محمد) ما لم يكن يعرف له كما بدا لله في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله وإن كره المبطلون) ([1]).
ثم عظموا هذا المعتقد ونسبوه (للأئمة) حتى يقبل دون نكير أو نقاش. روى الكليني بإسناده عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: (ما عظم الله بمثل البداء) ([2]).
وعن أبي جعفر (ع) أنه قـال : (إذا حدثنـاكم الحديث فجاء على ما حدثناكم به
فقولوا صدق الله. وإذا حدثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله تؤجروا مرتين) ([3]).
تأمل قوله: (فجاء على خلاف ما حدثناكم به) أي كذب الله-سبحانه- في إخباره وحديثه! تعالى الله عما يقولون علوا عظيماً! أبمثل هذا يعظم الله! وتعظيماً لا مثيل له!!
أبالكفر به ونسبة الكذب إليه يعظم الرب جل وعلا!!
ثم ما هي الفائدة المترتبة على هذا المعتقد الخطير غير محاولة التخلص من الإحراجات ! ولكن بما هو أشد منها؟! أي من أجل أن لا يتبين كذب الكذاب في خبره ينسب الخبر والكذب إلى الله! وعلى كل حال قولوا: (صدق الله! تؤجروا مرتين). والأجر مرتين ما هو إلا رشوة مقدمة للعقل كي لا يعترض أو يفكر بل يقر …ويجمد. ويقال بعد هذا: إن أصول الدين تثبت بالعقل! فأي عقل هذا الذي يثبت مثل هذا؟! (نعوذ بالله من سبات العقول).
إن العقيدة ليست مخارج وأنفاقاً للتخلص من الإحراجات والمآزق! وبأي ثمن!


([1]) أصول الكافي1/327.

([2]) أيضاً 1/146.

([3]) أيضاً1/369


عدد مرات القراءة:
831
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :