جديد الموقع

رد شيخ الإسلام ابن تيمية على غلو الشيعة في الأئمة وادعاؤهم العصمة لهم ..
رد شيخ الإسلام ابن تيمية على غلو الشيعة في الأئمة وادعاؤهم العصمة لهم

دعواهم عصمة الأئمة ومساواتهم لهم بالأنبياء:
وأما قوله: ("وأن الأئمة معصومون كالأنبياء في ذلك" فهذه خاصة الرافضة الإمامية التي لم يشركهم فيها أحد لا الزيدية الشيعة ولا سائر طوائف المسلمين إلا من هو شر منهم كالإسماعيلية... والكلام في أن هؤلاء أئمة فرض الله الإيمان بهم وتلقي الدين منهم دون غيرهم ثم في عصمتهم عن الخطأ فإن كلا من هذين القولين مما لا يقوله إلا مفرط في الجهل أو مفرط في اتباع الهوى أو في كليهما فمن عرف دين الإسلام وعرف حال هؤلاء كان عالما بالاضطرار من دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم بطلان هذا القول لكن الجهل لا حد له)([1]).
وأما قوله: (وأخذوا أحكامهم الفروعية عن الأئمة المعصومين الناقلين عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى آخره فيقال:
أولاً: القوم المذكورون إنما كانوا يتعلمون حديث جدهم من العلماء به كما يتعلم سائر المسلمين وهذا متواتر عنهم فعلي بن الحسين يروي تارة عن أبان بن عثمان([2]) بن عفان عن أسامة بن زيد... وسمع من أبي هريرة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار حتى فرجه بفرجه" أخرجاه في الصحيحين([3]) ويروي عن ابن عباس رضي الله عنه عن رجال من الأنصار: "رمي بنجم فاستنار" رواه مسلم([4]).
وأبو جعفر محمد بن علي يروي عن جابر بن عبدالله حديث مناسك الحج الطويل([5]) وهو أحسن ما روي في هذا الباب ومن هذه الطريق رواه مسلم في صحيحه).
(وأما ثانيًا: فليس في هؤلاء من أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مميز إلا علي رضي الله عنه وهو الثقة الصدوق فيما يخبر به عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما أن أمثاله من الصحابة ثقات صادقون فيما يخبرون به أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم -ولله الحمد- من أصدق الناس حديثا عنه لا يعرف فيهم من تعمد عليه كذبا... ولهذا كان الصحابة كلهم ثقات باتفاق أهل العلم بالحديث والفقه).
(وأما الحسن والحسين فمات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهما صغيران في سن التمييز فروايتهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قليلة وأما سائر الاثنى عشر فلم يدركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقول القائل: إنهم نقلوا عن جدهم إن أراد بذلك أنه أوحي إليهم ما قاله جدهم فهذه نبوة كما كان يوحى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما قاله غيره من الأنبياء وإن أراد أنهم سمعوا ذلك من غيرهم فيمكن أن يسمع من ذلك الغير الذي سمعوه منهم سواء كان ذلك من بني هاشم أو غيرهم فأي مزية لهم في النقل عن جدهم إلا بكمال العناية والاهتمام.
فإنه كل من كان أعظم اهتماما وعناية بأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتلقيها من مظانها كان أعلم بها وليس هذا من خصائص هؤلاء... فالزهري([6]) أعلم بأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحواله وأقواله وأفعاله باتفاق أهل العلم من أبي جعفر محمد بن علي وكان معاصرا له.
وأما موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي فلا يستريب من له من العلم نصيب أن مالك بن أنس وحماد بن زيد([7]) وحماد بن سلمة([8]) والليث بن سعد والأوزاعي ويحيى بن سعيد ووكيع بن الجراح([9]) وعبد الله بن المبارك([10]) والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأمثالهم أعلم بأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هؤلاء وهذا أمر تشهد به الآثار التي تعاين وتسمع)([11]).
(وأما دعوى المدعي أن كل ما أفتى به الواحد من هؤلاء فهو منقول عنده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهذا كذب على القوم رضي الله عنهم أجمعين فإنهم كانوا يميزون بين ما يروونه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين ما يقولونه من غير ذلك وكان علي رضي الله عنه يقول: (إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوالله لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إليَّ من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة)([12])، ولهذا كان يقول القول ويرجع عنه ولهذا كانوا يتنازعون في المسائل كما يتنازع غيرهم وينقل عنهم الأقوال المختلفة كما ينقل عن غيرهم وكتب السنة والشيعة مملوءة بالروايات المختلفة عنهم([13]).
وأما قوله: "إن الإمامية يتناقلون ذلك عن الثقات خلفا عن سلف إلى أن تتصل الرواية بأحد المعصومين"... ويقال ثانيا: متى ثبت النقل عن أحد هؤلاء كان غايته أن يكون كما لو سمع منه وحينئذ فله حكم أمثاله ويقال ثالثا الكذب على هؤلاء في الرافضة أعظم الأمور لا سيما على جعفر بن محمد الصادق فإنه ما كذب على أحد ما كذب عليه)([14]).
(وكذلك الغلاة في العصمة يعرضون عما أمروا به من طاعة أمرهم والاقتداء بأفعالهم إلى ما نهوا عنه من الغلو والإشراك بهم فيتخذونهم أربابا من دون الله يستغيثون بهم في مغيبهم وبعد مماتهم وعند قبورهم ويدخلون فيما حرمه الله تعالى ورسوله من العبادات الشركية التي ضاهوا بها النصارى وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال عند موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوه قالت عائشة رضي الله عنها: «ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا»([15]))([16]).
(بل المفسدة والشر الحاصل في هؤلاء [يعني الرافضة] أكثر فإنهم يدعون الدعوة إلى إمام معصوم ولا يوجد لهم أئمة ذوو سيف يستعينون بهم إلا كافر أو فاسق أو منافق أو جاهل لا تخرج رءوسهم عن هذه الأقسام... فالداعون إلى المعصوم لا يدعون إلى سلطان معصوم بل إلى سلطان كفور أو ظلوم وهذا أمر مشهور يعرفه كل من له خبرة بأحوالهم وقد قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا(([17]) فأمر الله المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله والرسول ولو كان للناس معصوم غير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأمرهم بالرد إليه فدل القرآن على أنه لا معصوم إلا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم)([18]).
(وقول هؤلاء الرافضة المنسوبين إلى شيعة علي رضي الله عنه أنه تجب طاعة غير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مطلقا في كل ما أمر به أفسد من قول من كان منسوبا إلى شيعة عثمان رضي الله عنه من أهل الشام من أنه يجب طاعة ولي الأمر مطلقا فإن أولئك كانوا يطيعون ذا السلطان وهو موجود وهؤلاء يوجبون طاعة معصوم مفقود)([19]).
(ثم إن هذا ادعى عصمة الأئمة دعوى لم يقم عليها حجة إلا ما تقدم من أن الله لم يخل العالم من أئمة معصومين لما في ذلك من المصلحة واللطف ومن المعلوم المتيقن أن هذا المنتظر الغائب المفقود لم يحصل به شيء من المصلحة واللطف... ولم يحصل بعده [يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم] أحد له سلطان تدعى له العصمة إلا علي رضي الله عنه زمن خلافته.
ومن المعلوم بالضرورة أن حال اللطف والمصلحة التي كان المؤمنون فيها زمن الخلفاء الثلاثة أعظم من اللطف والمصلحة الذي كان في خلافة علي زمن القتال والفتنة والافتراق فإذا لم يوجد من يدعي الإمامية فيه أنه معصوم وحصل له سلطان بمبايعة ذي الشوكة إلا علي وحده وكان مصلحة المكلفين واللطف الذي حصل لهم في دينهم ودنياهم في ذلك الزمان أقل منه في زمن الخلفاء الثلاثة علم بالضرورة أن ما يدعونه من اللطف والمصلحة الحاصلة بالأئمة المعصومين باطل قطعًا)([20]).
 
الرد على دعوى الرافضة أن حب علي حسنة لا تضر معها سيئة وأن بغضه سيئة لا تنفع منها حسنة وبيان أن هذا من أظهر الكذب:
قال في الرد على قول الرافضي:
(قال الرافضي ومنها ما نقله صاحب الفردوس([21]) في كتابه عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «حب علي حسنة لا تضر معها سيئة وبغضه سيئة لا ينفع معها حسنة»([22]).
والجواب: أن كتاب الفردوس فيه من الأحاديث الموضوعات ما شاء الله... وهذا الحديث مما يشهد المسلم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يقوله فإن حب الله ورسوله أعظم من حب علي والسيئات تضر مع ذلك وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يضرب عبد الله بن حمار([23]) في الخمر وقال: «إنه يحب الله ورسوله»([24]) وكل مؤمن فلا بد أن يحب الله ورسوله والسيئات تضره وقد أجمع المسلمون وعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الشرك يضر صاحبه ولا يغفره الله لصاحبه ولو أحب علي بن أبي طالب فإن أباه أبا طالب كان يحبه وقد ضره الشرك حتى دخل النار([25]) والغالية يقولون إنهم يحبونه وهم كفار من أهل النار... وحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعظم من حب علي ولو ترك رجل الصلاة والزكاة وفعل الكبائر لضره ذلك مع حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف لا يضره ذلك مع حب علي؟)([26]).
(وكذلك الحديث الذي ذكره عن ابن مسعود([27]) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «حب آل محمد يوما خير من عبادة سنة ومن مات عليه دخل الجنة»([28]) وقوله عن علي: «أنا وهذا حجة الله على خلقه»([29]) هما حديثان موضوعان عند أهل العلم بالحديث وعبادة سنة فيها الإيمان والصلوات الخمس كل يوم وصوم شهر رمضان.
وقد أجمع المسلمون على أن هذا لا يقوم مقامه حب آل محمد شهرا فضلا عن حبهم يوما... وكذلك قوله لو اجتمع الناس على حب علي لم يخلق الله النار من أبين الكذب باتفاق أهل العلم والإيمان ولو اجتمعوا على حب علي لم ينفعهم ذلك حتى يؤمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويعملوا صالحا وإذا فعلوا ذلك دخلوا الجنة وإن لم يعرفوا عليا بالكلية ولم يخطر بقلوبهم لا حبه ولا بغضه)([30]).
الرد على من يبطل الصلاة بترك الصلاة على الأئمة:
(وأما قوله ومن يبطل الصلاة بإهمال الصلاة على أئمتهم ويذكر أئمة غيرهم فإما أن يكون المراد بذلك أنه تجب الصلاة على الأئمة الاثنى عشر أو على واحد معين غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم أو من غيرهم وإما أن يكون المراد وجوب الصلاة على آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن أراد الأول فهذا من أعظم ضلالهم وخروجهم عن شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنا نحن وهم نعلم بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر المسلمين أن يصلوا على الاثنى عشر لا في الصلاة ولا في غير الصلاة ولا كان أحد من المسلمين يفعل شيئا من ذلك على عهده ولا نقل هذا أحد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا كان يجب على أحد في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتخذ أحدا من الاثنى عشر إماما فضلا عن أن تجب الصلاة عليه في الصلاة.
وكانت صلاة المسلمين صحيحة في عهده بالضرورة والإجماع فمن أوجب الصلاة على هؤلاء في الصلاة وأبطل الصلاة بإهمال الصلاة عليهم فقد غير دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبدله كما بدلت اليهود والنصارى دين الأنبياء.
وإن قيل: المراد أن يصلي على آل محمد وهم منهم قيل آل محمد يدخل فيهم بنو هاشم وأزواجه وكذلك بنو المطلب على أحد القولين وأكثر هؤلاء تذمهم الإمامية فإنهم يذمون ولد العباس لا سيما خلفاؤهم وهم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويذمون من يتولى أبا بكر وعمر وجمهور بني هاشم يتولون أبا بكر وعمر ولا يتبرأ منهم صحيح النسب من بني هاشم إلا نفر قليل بالنسبة إلى كثرة بني هاشم وأهل العلم والدين منهم يتولون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.
ومن العجب من هؤلاء الرافضة أنهم يدعون تعظيم آل محمد عليه أفضل الصلاة والسلام [كما سبق] وهم سعوا في مجيء التتر الكفار إلى بغداد دار الخلافة حتى قتلت الكفار من المسلمين ما لا يحصيه إلا الله تعالى من بني هاشم وغيرهم)([31]).
(فعلم أنه لا يشترط في الولاية من العلم والعدالة أكثر مما يشترط في الشهادة، يبين ذلك أن الإمامية وجميع الناس يجوزون أن يكون نواب الإمام غير معصومين وأن لا يكون الإمام عالما بعصمتهم بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط([32]) ثم أخبره بمحاربة الذين أرسله إليهم فأنزل الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(([33]).
وعلي رضي الله عنه كان كثير من نوابه يخونه وفيهم من هرب عنه وله مع نوابه سير معلومة فعلم أنه ليس في كون الإمام معصوما ما يمنع اعتبار الظاهر ووجود مثل هذه المفاسد وأن اشتراط العصمة في الأئمة شرط ليس بمقدور ولا مأمور ولم يحصل به منفعة لا في الدين ولا في الدنيا)([34]).
وهم يقولون: (المعصوم إنما وجبت عصمته لما في ذلك من اللطف بالمكلفين والمصلحة لهم فإذا علم أن مصلحة غير الشيعة في كل زمان خير من مصلحة الشيعة واللطف لهم أعظم من اللطف للشيعة علم أن ما ذكروه من إثبات العصمة باطل وتبين حينئذ حاجة الأئمة إلى الأمة)([35]).
الرافضة تقبل قول الإمام بأصول ثلاثة:
(وقد أصلت لها ثلاثة أصول:
أحدها: أن كل واحد من هؤلاء إمام معصوم بمنزلة النبي لا يقول إلا حقا ولا يجوز لأحد أن يخالفه ولا يرد ما ينازعه فيه غيره إلى الله والرسول فيقولون عنه ما كان هو وأهل بيته يتبرءون منه([36]).
والثاني: أن كل ما يقوله واحد من هؤلاء فإنه قد علم منه أنه قال أنا أنقل كل ما أقوله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويا ليتهم قنعوا بمراسيل التابعين كعلي بن الحسين بل يأتون إلى من تأخر زمانه كالعسكريين فيقولون كل ما قاله واحد من أولئك فالنبي قد قاله.
وكل من له عقل يعلم أن العسكريين بمنزلة أمثالهما ممن كان في زمانهما من الهاشميين ليس عندهم من العلم ما يمتازون به عن غيرهم ويحتاج إليهم فيه أهل العلم ولا كان أهل العلم يأخذون عنهم كما يأخذون عن علماء زمانهم وكما كان أهل العلم في زمن علي بن الحسين وابنه أبي جعفر وابن ابنه جعفر بن محمد فإن هؤلاء الثلاثة y قد أخذ أهل العلم عنهم كما كانوا يأخذون عن أمثالهم بخلاف العسكريين ونحوهما فإنه لم يأخذ أهل العلم المعروفون بالعلم عنهم شيئا فيريدون أن يجعلوا ما قاله الواحد من هؤلاء هو قول الرسول الذي بعثه الله إلى جميع العالمين بمنزلة القرآن والمتواتر من السنن وهذا مما لا يبني عليه دينه إلا من كان من أبعد الناس عن طريقة أهل العلم والإيمان.
وأصلوا أصلا ثالثا: وهو أن إجماع الرافضة هو إجماع العترة وإجماع العترة معصوم، والمقدمة الأولى كاذبة بيقين والثانية فيها نزاع فصارت الأقوال التي فيها صدق وكذب على أولئك بمنزلة القرآن لهم وبمنزلة السنة المسموعة من الرسول وبمنزلة إجماع الأمة وحدها.
وكل عاقل يعرف دين الإسلام وتصور هذا فإنه يمجه أعظم مما يمج الملح الأجاج والعلقم لا سيما من كان له خبرة بطرق أهل العلم لا سيما مذاهب أهل الحديث وما عندهم من الروايات الصادقة التي لا ريب فيها عن المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى فإن هؤلاء جعلوا الرسول الذي بعثه الله إلى الخلق هو إمامهم المعصوم عنه يأخذون دينهم فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه وكل قول يخالف قوله فهو مردود عندهم... إلخ)([37]).
ادعاؤهم العصمة لأئمتهم وتناقضهم في ذلك:
(فإن الأئمة الذين يدّعي فيهم العصمة قد ماتوا منذ سنين كثيرة والمنتظر له غائب أكثر من أربعمائة وخمسين سنة([38])، وعند آخرين هو معدوم لم يوجد والذين يطاعون شيوخ من شيوخ الرافضة أو كتب صنفها بعض شيوخ الرافضة وذكروا أن ما فيها منقول عن أولئك المعصومين وهؤلاء الشيوخ المصنفون ليسوا معصومين بالاتفاق ولا مقطوعا لهم النجاة.
فإذا الرافضة لا يتبعون إلا أئمة لا يقطعون بنجاتهم ولا سعادتهم فلم يكونوا قاطعين لا بنجاتهم ولا بنجاة أئمتهم الذين يباشرونهم بالأمر والنهي وهم أئمتهم حقا)([39]).
(فتبين أن الحديث لا حجة لهم فيه بحال على ثبوت العصمة)([40]).
(وهذا مما يبين تناقض قولهم في مسائل العصمة كما تقدم ولو قدر ثبوت العصمة فقد قدمنا أنه لا يشترط في الإمام العصمة ولا إجماع على انتفاء العصمة في غيرهم وحينئذ فتبطل حجتهم بكل طريق)([41]).
(ولا يطعن على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا أحد رجلين إما رجل منافق زنديق ملحد عدو للإسلام يتوصل بالطعن فيهما إلى الطعن في الرسول ودين الإسلام وهذا حال المعلم الأول للرافضة أول من ابتدع الرفض وحال أئمه الباطنية، وإما جاهل مفرط في الجهل والهوى وهو الغالب على عامة الشيعة إذا كانوا مسلمين في الباطن.
وإذا قال الرافضي: «علي كان معصوما لا يقول برأيه بل كل ما قاله فهو مثل نص الرسول وهو الإمام المعصوم المنصوص على إمامته من جهة الرسول.
قيل له: نظيرك في البدعة الخوارج كلهم يكفرون عليا مع أنهم أعلم وأصدق وأدين من الرافضة لا يسترتب في هذا كل من عرف حال هؤلاء وهؤلاء.
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال فيهم: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قرائتهم»([42]).
وقد قاتلوه في حياته وقتله واحد منهم ولهم جيوش وعلماء ومدائن، وأهل السنة ولله الحمد متفقون على أنهم مبتدعة ضالون وأنه يجب قتالهم بالنصوص الصحيحة وأن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه كان من أفضل أعماله قتاله الخوارج)([43]).
(وأيضا فإن المعصوم تجب طاعته مطلقا بلا قيد ومخالفه يستحق الوعيد والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة قال تعالى: )وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا(([44])، وقال: )وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(([45]) فدل القرآن في غير موضع على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه معصوم فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار وبين الأبرار والفجار وبين الحق والباطل وبين الغي والرشاد والهدى والضلال وجعله القسيم الذي قسم الله به عباده إلى شقي وسعيد فمن اتبعه فهو السعيد ومن خالفه فهو الشقي وليست هذه المرتبة لغيره.
ولهذا اتفق أهل العلم -أهل الكتاب والسنة- على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وهو الذي يسأل الناس عنه يوم القيامة كما قال تعالى: )فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ(([46]))([47]).
الرافضة يوجبون عصمة علي والرد على ذلك:
الرد على قول الرافضي:
(الرابع أن الله تعالى قادر على نصب إمام معصوم وحاجة العالم داعية إليه ولا مفسدة فيه فيجب نصبه وغير علي لم يكن كذلك إجماعا فتعين أن يكون الإمام هو علي... إلخ.
والجواب: أن هذا... من العجب أن الرافضة تثبت أصولها على ما تدعيه من النص والإجماع وهم أبعد الأمة عن معرفة النصوص والإجماعات والاستدلال بها بخلاف السنة والجماعة فإن السنة تتضمن النص والجماعة تتضمن الإجماع فأهل السنة والجماعة هم المتبعون للنص والإجماع ونحن نتكلم على هذا التقرير ببيان فساده وذلك من وجوه.
أحدها: أن يقال: لا نسلم أن الحاجة داعية إلى نصب إمام معصوم وذلك لأن عصمة الأمة مغنية عن عصمته وهذا مما ذكره العلماء في حكمة عصمة الأمة.
الثاني: إن أريد بالحاجة أن حالهم مع وجوده أكمل فلا ريب أن حالهم مع عصمة نواب الإمام أكمل وحالهم مع عصمة أنفسهم أكمل وليس كل ما تقدره الناس أكمل لكل منهم يفعله الله ولا يجب عليه فعله...
الثالث: أن قوله: «أن الله قادر على نصب إمام معصوم» أتريد به معصوما يفعل الطاعات باختياره والمعاصي باختياره، والله تعالى لم يخلق اختياره كما هو قولهم؟ أم تريد به أنه معصوم يفعل الطاعات بغير اختيار يخلقه الله فيه؟
فإن قالوا بالأول كان باطلا على أصلهم فإن الله عندهم لا يقدر على خلق مؤمن معصوم بهذا التفسير كما لا يقدر على خلق مؤمن وكافر عندهم بهذا التفسير فإن الله عندهم لا يقدر على فعل الحي المختار ولا يخلق إرادته المختصة بالطاعة دون المعصية.
وإن قالوا بهذا الثاني لم يكن لهذا المعصوم ثواب على فعل الطاعة ولا على ترك المعصية وحينئذ فسائر الناس يثابون على طاعتهم وترك معاصيهم أفضل منه فكيف يكون الإمام المعصوم الذي لا ثواب له أفضل من أهل الثواب؟
فتبين انتقاض مذهبهم حيث جمعوا بين متناقضين بين إيجاب خلق معصوم على الله وبين قولهم إن الله لا يقدر على جعل أحد معصوما باختياره بحيث يثاب على فعله للطاعات وتركه للمعاصي.
الوجه الرابع: أن يقال المعصوم الذي تدعو الحاجة إليه أهو القادر على تحصيل المصالح وإزالة المفاسد أم هو عاجز عن ذلك؟ الثاني ممنوع فإن العاجز لا يحصل به وجود المصلحة ولا دفع المفسدة بل القدرة شرط في ذلك فإن العصمة تفيد وجود داعية إلى الصلاح لكن حصول الداعي بدون القدرة لا يوجب حصول المطلوب)([48]).
(ففي الجملة لا مصلحة في وجود معصوم بعد الرسول إلا وهي حاصلة بدونه وفيه من الفساد مالا يزول إلا بعدمه فقولهم الحاجة داعية إليه ممنوع وقولهم المفسدة فيه معدومة ممنوع.
بل الأمر بالعكس فالمفسدة معه موجودة والمصلحة معه منتفية وإذا كان اعتقاد وجوده قد أوجب من الفساد ما أوجب فما الظن بتحقق وجوده؟)([49]).
(وأيضا فإن كان الإجماع قد يكون خطأ لم يثبت أن عليا معصوم فإنه إنما علمت عصمته بالإجماع على أنه لا معصوم سواه فإذا جاز كون الإجماع أخطأ أمكن أن يكون في الأمة معصوم غيره وحينئذ فلا يعلم أنه هو المعصوم.
فتبين أن قدحهم في الإجماع يبطل الأصل الذي اعتمدوا عليه في إمامة المعصوم وإذا بطل أنه معصوم بطل أصل مذهب الرافضة فتبين أنهم إن قدحوا في الإجماع بطل أصل مذهبهم وإن سلموا أنه حجة بطل مذهبهم فتبين بطلان مذهبهم على التقديرين)([50]).
ثم وضح أن عليا لا يعلم المستقبل وأنه يصيب ويخطئ فقال:
(ومما يبين أن عليا لم يكن يعلم المستقبل أنه ندم على أشياء مما فعلها.... وكان يقول ليالي صفين: (يا حسن يا حسن ما ظن أبوك أن الأمر يبلغ هذا لله در مقام قامه سعد بن مالك وعبد الله بن عمر إن كان برا إن أجره لعظيم وإن كان إثما إن خطره ليسير([51]) وهذا رواه المصنفون وتواتر عنه أنه كان يتضجر ويتململ من اختلاف رعيته عليه وأنه ما كان يظن أن الأمر يبلغ ما بلغ)([52]).
ومما يبين تناقضهم في دعوى العصمة لعلي أو غيره ما أوضحه شيخ الإسلام بقوله: (وهؤلاء الرافضة في احتجاجهم على أن عليا معصوم بكون غيرهم ينفي العصمة عن غيره احتجاجا لقولهم بقولهم وإثبات الجهل بالجهل.
ومن توابع ذلك ما رأيته في كتب شيوخهم أنهم إذا اختلفوا في مسألة على قولين وكان أحد القولين يعرف قائله والآخر لا يعرف قائله فالصواب عندهم القول الذى لا يعرف قائله قالوا: لأن قائله إذا لم يعرف كان من أقوال المعصوم فهل هذا إلا من أعظم الجهل؟ ومن أين يعرف أن القول الآخر وإن لم يعرف قائله إنما قاله المعصوم؟
ولو قدر وجوده أيضا لم يعرف أنه قاله كما لم يعرف أنه قاله الآخر ولم لا يجوز أن يكون المعصوم قد قال القول الذي يعرف وأن غيره قاله كما أنه يقول أقوالا كثيرة يوافق فيها غيره وأن القول الآخر قد قاله من لا يدري ما يقول بل قاله شيطان من شياطين الجن والإنس؟.
فهم يجعلون عدم العلم بالقول وصحته دليلا على صحته كما قالوا هنا عدم القول بعصمة غيره دليل على عصمته وكما جعلوا عدم العلم بالقائل دليلا على أنه قول المعصوم وهذا حال من أعرض عن نور السنة التي بعث الله بها رسوله فإنه يقع في ظلمات البدع ظلمات بعضها فوق بعض)([53]).
وبين أنهم لا يجاهدون الأعداء مدعين أن الجهاد لا يكون إلا مع المعصوم، فقال: (فإن الرافضة لا ترى الجهاد إلا مع إمام معصوم ولا معصوم عندهم من الصحابة إلا علي فهذه الآية([54]) حجة عليهم في وجوب غزو الكفار مع جميع الأمراء)([55]).

([1]) المنهاج 2/452-454.
([2]) هو أبان بن عثمان بن عفان الإمام الفقيه أبو سعد بن أمير المؤمنين أبي عمرو الأموي المدني، ت سنة 105 هـ، السير 4/351-353.
([3]) البخاري، كتاب كفارات الإيمان، باب قوله تعالى: )فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ( وأي الرقاب أزكى 7/237، مسلم، كتاب العتق، باب فضل العتق 2/1147.
([4]) مسلم، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان 4/1750-1751.
([5]) مسلم، كتاب المناسك، باب حجة النبي r 2/886-892.
([6]) سبقت ترجمته.
([7]) هو حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، قيل إنه كان ضرير، ولعله طرأ عليه لأنه صح أنه كان يكتب، ت سنة 179 هـ، التقريب/ 178، الخلاصة 1/251.
([8]) هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، وقد سبقت ترجمته.
([9]) هو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، وقد سبقت ترجمته.
([10]) هو عبد الله بن المبارك المروزي، وقد سبقت ترجمته.
([11]) المنهاج 2/454-462، انظر 5/464.
([12]) السنة لعبد الله بن أحمد 2/586.
([13]) المنهاج 2/462-463.
([14]) المنهاج 2/463-464.
([15]) انظر تخريجه ص 113.
([16]) المنهاج 2/435، انظر 3/374.
([17]) النساء/ 59.
([18]) المنهاج 3/380-381.
([19]) المنهاج 3/389.
([20]) المنهاج 3/378-379.
([21]) هو ابن شيرويه وقد سبق التعريف به.
([22]) تفسير منهج الصادقين 8/110، نقلاً عن كتاب الشيعة وأهل البيت/ 237 لإحسان إلى ظهير.
([23]) هو عبد الله بن حمار، وحمار لقبه قال البخاري: كان رجل يُسمى عبد الله ويُلقب حماراً، وكان يضحك رسول الله r، وفيه أنه قال لرجل لعنه لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله، الإصابة 2/282-283، تجريد أسماء الصحابة 1/306.
([24]) البخاري، كتاب الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج من الملة 8/14، وقد سبق تخريجه.
([25]) البخاري، كتاب الرقاق باب صفة الجنة والنار 7/203، مسلم، كتاب الإيمان باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت … والدليل على أن من مات على الشرك فهو من أصحاب الجحيم 1/54.
([26]) المنهاج 5/72-74.
([27]) لم أجده.
([28]) لم أجده.
([29]) المنهاج 5/75-76.
([30]) المنهاج 4/591-592.
([31]) المنهاج 4/591-592.
([32]) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي، له صحبة قليلة، ورواية يسيرة، وهو أخو أمير المؤمنين عثمان لأمه، من مسلمة الفتح، ولي الكوفي لعثمان، قيل مات في أيام معاوية. السير 3/412-416، طبقات ابن سعد 6/24، 7/476.
([33]) الحجرات/ 6.
([34]) المنهاج 3/398-399.
([35]) المنهاج 5/467.
([36]) أي فيقولون عن الإمام من الافتراء والكذب ما كان يتبرأ منه ذلك الإمام وأهل بيته.
([37]) المنهاج 5/164-165.
([38]) وهو الآن غائب أكثر من 1150 سنة.
([39]) المنهاج 3/488-489.
([40]) المنهاج 7/85.
([41]) المنهاج 7/85.
([42]) البخاري، كتاب المناقب، باب "علامات النبوة في الإسلام" 4/179، مسلم، كتاب الزكاة، باب "ذكر الخوارج وصفاتهم" 2/743-744.
([43]) المنهاج 6/115-116.
([44]) النساء/ 69.
([45]) الجن/ 23.
([46]) الأعراف/ 6.
([47]) المنهاج/ 190-191.
([48]) المنهاج 6/ 465-472.
([49]) المنهاج 6/474.
([50]) المنهاج 8/359.
([51]) لم أقف عليه.
([52]) المنهاج 5/ 145.
([53]) المنهاج 6/ 442.
([54]) يعني آية براءة، قوله تعالى: )فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ …( الآية (التوبة/ 5).
([55]) المنهاج 8/ 518-519.

عدد مرات القراءة:
353
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :