آخر تحديث للموقع :

الأربعاء 10 رجب 1444هـ الموافق:1 فبراير 2023م 09:02:55 بتوقيت مكة

جديد الموقع

ذو النّورين عثمان بن عفان رضي الله عنه - شيخ الإسلام ابن تيمية ..
الكاتب : شيخ الإسلام ابن تيمية ..
شبهات حول الصحابة والرّدّ عليها
 
ذو النّورين عثمان بن عفان رضي الله عنه
شيخ الإسلام ابن تيمية
ولد سنة 661 وتوفي سنة 728هـ
رحمه الله تعالى
 
جمع وتعليق
محمد مال الله
 
الطبعة الأولى
1410هـ - 1989م
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد :
أخي القارئ أقدم الجزء الرابع من هذه السلسلة، راجياً من الله تعالى أن ينفعك بها، وأن لا تبخل بالدعاء لمن قام بتأليفها وأيضاً لجامعها.
أبو عبد الرحمن
محمد مال الله
 

شذرات من مناقب عثمان رضي الله عنه
 
1 -  عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كنّا نخير بين الناس في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم فنخيّر أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم([1]).
2 -  عن سعيد بن المسيب قال: أخبرني أبو موسى الأشعري أنه توضأ في بيته ثم خرج، فقلت: لألزمنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم ولأكونن معه يومي هذا.
قال: فجاء المسجد فسأل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: خرج ووجّه هاهنا، فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس، فجلست عند الباب – وبابها من جريد – حتى قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حاجته فتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس قفّها، وكشف عن ساقيه ودلاّهما في البئر، فسلمتُ عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب، فقلت: لأكونَنّ بوّاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اليوم. فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: على رسلك، ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله! هذا أبو بكر يستأذن. فقال: ائذن له وبشره بالجنة.
فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يبشرك بالجنة.
فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معه في القفّ ودلّى رجليه في البئر كما صَنَعَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكشف عن ساقيه.
ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إنْ يُرِدِ الله بفلانٍ خيراً – يريد أخاه – يأتِ به، فإذا إنسانٌ يحرّك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب. فقلت: على رسلك، ثم جئت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسلمت عليه فقلت: عمر بن الخطاب يستأذن. فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فجئت فقلت: ادخل، وبشرك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالجنة.
فدخل فجلس مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في القفّ عن يساره ودلّ رجليه في البئر.
ثم رجعت فجلست فقلت: إنْ يُرِدِ الله بفلانٍ خيراً يأتِ به، فجاء إنسان يحرّك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت على رسلك. فجئت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبرته، فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه. فجئت فقلت له: ادخل، وبشرك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالجنة على بلوى تصيبك.
فدخل فوجد القفّ قد ملئ، فجلس وُجَاهَهُ من الشق الآخر.
قال شريك بن عبد الله: قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم([2]).
3 -  عن أبي عثمان النَّهْدي، عن أبي موسى رضي الله عنه قال:
كنت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: افتح وبشّره بالجنة، ففتحت له، فإذا هو أبو بكر، فبشرته بما قاله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فحمد الله.
ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: افتح وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم، فحمد الله.
ثم استفتح رجل، فقال لي: افتح وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فحمد الله ثم قال: الله المستعان([3]).
4 -  عن ابن شهاب أخبرني عروة أن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره أنَّ المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، قالا: ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه الوليد فقد أكثر الناس فيه؟
فقصدت لعثمان حتى خرج إلى الصلاة، قلت: إنَّ لي إليك حاجة، وهي نصيحة لك.
قال: يا أيها المرء منك – قال معمر: أراه قال: أعوذ بالله منك -.
فانصرفتُ فرجعت إليهما، إذ جاء رسول عثمان، فأتيته، فقال: ما نصيحتك؟
فقلت: إنَّ الله سبحانه بعث محمداً صلّى الله عليه وسلّم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممن استجاب لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم، فهاجرت الهجرتين، وصحبت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورأيت هَدْيَهُ. وقد أكثر الناس في شأن الوليد.
قال: أدركت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟
قلت: لا، ولكن خلص إليّ من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها.
قال: أما بعد، فإن الله بعث محمداً صلّى الله عليه وسلّم بالحق، فكنت ممن استجاب لله ولرسوله، وآمنت بما بعث به وهاجرت الهجرتين – كما قلت – وصحبت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبايعته، فوالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله. ثم أبو بكر مثله. ثم عمر مثله. ثم استخلفت، أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟
قلت: بلى.
قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسنأخذ فيه بالحق إن شاء الله. ثم دعا عليّاً فأمره أن يجلده، فجلده ثمانين([4]).
5 -  عن قتادة أن أنساً رضي الله عنه حدثهم، قال: صعد النبي صلّى الله عليه وسلّم أُحُداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف، فقال: اسكن أُحُد – أظنه ضربه برجله – فليس عليك إلا نبي وصدّيق وشهيدان([5]).
6 -  عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كُنّا في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم لا نفاضل بينهم([6]).
7 -  حدثنا عثمان هو ابن موهب قال:
جاء رجل من أهل مصر وحجّ البيت، فرأى قوماً جلوساً فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر.
قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟
قال: نعم.
فقال: هل تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟
قال: نعم.
قال الرجل: هل تعلم أنه تغيّب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟
قال: نعم.
قال: الله أكبر.
قال ابن عمر: تعال أبيّن لك:
أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له.
وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مريضة، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه.
وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيده اليمنى: هذه يد عثمان. فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان.
فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك([7]).
8 -  عن محمد بن أبي حرملة، عن عطاء وسليمان ابني يسار، وأبى سلمة بن عبد الرحمن، أنَّ عائشة قالت:
كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذِنَ له وهو كذلك، فتحدث ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسوّى ثيابه – قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد – فدخل فتحدث. فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسوّيت ثيابك؟
فقال: ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكة؟([8]).
9 -  عن يحيى بن سعيد بن العاص، أنَّ سعيد بن العاص أخبره أن عائشة زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم وعثمان حدّثاه أن أبا بكر استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف.
ثم استأذن عمر فأذن له، وهو على تلك الحال، فقضى إليه ثم انصرف.
قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك، فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت.
فقالت عائشة: يا رسول الله ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما – كما فزعت لعثمان؟
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنَّ عثمان حييٌّ وإني خشيت إنْ أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إليَّ في حاجته([9]).
10 -  عن أبي هريرة: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان على حراء هو وأبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، فتحركت الصخرة فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: اهدأ فما عليك إلا نبيٌّ، أو صديق أو شهيد([10]).
11 -  عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: لما حصر عثمان، أشرف عليهم فوق داره ثم قال:
أذكركم بالله هل تعلمون أن حراء حين انتفض قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”اثبت حراء فليس عليك إلا نبيٌّ، أو صدّيق، أو شهيد“؟
قالوا: نعم.
قال: أذكركم بالله هل تعلمون أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال في جيش العسرة: ”من ينفق نفقة متقبلة“؟ والناس مجهدون معسرون، فجهزت ذلك الجيش؟
قالوا: نعم.
ثم قال: أذكركم الله هل تعلمون أن رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن، فابتعتها، فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل؟
قالوا: اللهم نعم.
وأشياء عدها([11]).
12 -  عن عبد الرحمن بن سَمُرة قال: جاء عثمان إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بألف دينار – قال الحسن بن رافع: وفي موضع آخر من كتابي: في كمّه – حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره. قال عبد الرحمن: فرأيت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقلبها في حجره ويقول:
”ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم“ مرتين([12]).
13 -  عن ثمامة بن حزن القشيري، قال: شهدتُ الدار، حين أشرف عليه عثمان، فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم عليّ؟
قال: فجيء بهما كأنهما جملان، أو كأنهما حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان، فقال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين، بخير له منها في الجنة“.
فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها، حتى أشرب من ماء البحر!
قالوا: اللهم نعم.
فقال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
”من يشتري بُقْعَةَ آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنّة“؟
فاشتريتها من صلب مالي، وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين.
قالوا: اللهم نعم.
قال: أنشدكم بالله وبالإسلام، هل تعلمون أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر، وعمر، وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض، قال: فركضه برجله فقال:
”اسكن ثبير فإنما عليك نبي، وصدّيق، وشهيدان“.
قالوا: اللهم نعم.
قال: الله أبكر، شهدوا لي ورب الكعبة: أني شهيد ثلاثاً([13]).
14 -  عن أبي الأشعث الصنعاني: أن خطباء قامت بالشام وفيهم رجال من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم فقام آخرهم رجل يقال له: مرة ابن كعب، فقال: لولا حديث سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما قمت، وذكر الفتن فقر بها، فمر رجل مقنّع في ثوب فقال: هذا يومئذ على الهُدى، فقمتُ إليه فإذا هو عثمان بن عفان، فأقبلت عليه بوجهه فقلت: هذا؟ قال: نعم([14]).
15 -  عن عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:
"يا عثمان إنه لعلّ الله يقمصك قميصا، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم"([15]).
16 -  عن ابن عمر قال: كنا نقول ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم حي:
أبو بكر، وعمر، وعثمان([16]).
17 -  عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتنة فقال:
"يقتل هذا فيها مظلوماً" لعثمان بن عفان رضي الله عنه([17]).
18 -  عن قيس، حدثني أبو سهلة قال: قال لي عثمان يوم الدار: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد عهد إليَّ عهداً فأنا صابر عليه([18]).
19 -  عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمر بن جابان – رجل من بني تميم – وذاك أني قلت له: أرأيت اعتزال الأحنف بن قيس ما كان؟ قال: سمعت الأحنف يقول:
أتيت المدينة، وأنا حاج، فبينما نحن في منازلنا، نضع رحالنا، إذ أتى آتٍ فقال: قد اجتمعَ الناس في المسجد، فاطَّلعت فإذا يعني الناس مجتمعون، وإذا بين أظهرهم نفر قعود، فإذا هو علي بن أبي طالب، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص – رحمة الله عليهم – فلما قمت عليهم، قيل: هذا عثمان بن عفان قد جاء، قال: فجاء وعليه ملية صفراء.
فقلت لصاحبي: كما أنت، حتى أنظر ما جاء به.
فقال عثمان: أهاهنا علي؟ أهاهنا الزبير؟ أهاهنا طلحة؟ أهاهنا سعد؟
قالوا: نعم.
قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
”من يبتاع مربد بني فلان، غفر الله له“.
فابتعته، فأتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت: إني ابتعت مربد بني فلان، قال:
"فاجعله في مسجدنا، وأجره لك".
قالوا: نعم.
قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو هل تعلمون أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
”من يبتاع بئر رومة غفر الله له“.
فأتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت: قد ابتعت بئر رومة قال:
"فاجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك".
قالوا: نعم.
قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو هل تعلمون أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
”من يجهز جيش العسرة غفر الله له“.
فجهزتهم حتى ما يفقدون عقالاً، ولا خطاماً.
قالوا: نعم.
قال: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد([19]).
20 -  عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عثمان أشرف عليهم حين حصروه، فقال: أنشد بالله رجلاً سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول يوم الجبل حين اهتز، فركله برجله وقال:
”اسكن فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان“ وأنا معه.
فانتشد له رجال ثم قال: أنشد بالله رجلاً شهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم بيعة الرضوان يقول:
”هذه يد الله وهذه يد عثمان“.
فانتشد له رجال ثم قال: أنشد بالله رجلاً سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم جيش العسرة يقول:
”من ينفق نفقة متقبلة“.
فجهزت نصف الجيش من مالي، فانتشد له رجال ثم قال: أنشد بالله رجلاً سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:
”من يزيد في هذا المسجد ببيت له في الجنة“.
فاشتريته من مالي، فانتشد له رجال، ثم قال: أنشد بالله رجلاً شهد رومة تباع، فاشتريتها من مالي، فأبحتها لابن السبيل، فانتشد له رجال([20]).
21 -  عن كعب بن عجرة، قال: ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتنة فقربها. فمر رجل مقنع رأسه. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
”هذا، يومئذ على الهُدى“.
فوثبت فأخذت بضبعي عثمان، ثم استقبلت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: هذا؟ قال: هذا([21]).
22 -  عن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
”يا عثمان إن ولاّك الله هذا الأمر يوماً، فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمّصك الله فلا تخلعه“.
يقول ذلك ثلاث مرات.
قال النعمان: فقلت لعائشة: ما منعك أن تعلمي الناس بهذا؟
قالت: أنسيته([22]).
23 -  عن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مرضه:
”وددت أن عندي بعض أصحابي“ قلنا: يا رسول الله ألا ندعو لك أبا بكر؟ فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عمر؟ فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عثمان؟ قال: ”نعم“ فجاء، فخلا به، فجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم يكلمه، ووجه عثمان يتغير.
قال قيس: فحدثني أبو سهلة، مولى عثمان: أن عثمان بن عفان قال يوم الدار: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عهد إليّ عهداً، فأنا صائر إليه.
وقال عليّ في حديثه: وأنا صابر عليه.
قال قيس: فكانوا يرونه ذلك اليوم([23]).
24 -  عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات غداة بعد طلوع الشمس، فقال رأيت قبيل الفجر كأني أعطيت المقاليد والموازين، فأما المقاليد فهذه المفاتيح، وأما الموازين، فهذه التي تزنون بها، فوضعت في كفة، ووضعت أمتي في كفة، فوزنت بهم، فرجحت، ثم جيء بأبي بكر، فوزن بهم، ثم جيء بعمر، فوزن، ثم جيء بعثمان فوزن بهم، ثم رفعت([24]).
 

من أقوال الصحابة في عثمان رضي الله عنهم
 
1 -  من أقوال علي في عثمان – رضي الله عنه – وقتلته
 
1 -  عن أبي جعفر الأنصاري، قال: لما دخل على عثمان يوم الدّار: خرجت فملأت فروجي([25]) مجتازاً في المسجد، فإذا رجل قاعد في ظلّة النساء عليه عمامة سوداء، وحوله نحو من عشرة، فإذا هو عليّ. فقال: ما فعل الرجل؟ قلت: قتل: قال: تباً لهم تباً لهم آخر الدهر([26]).
2 -  عن قيس بن عباد، قال: سمعت علياً يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاؤوني للبيعة فقلت: والله إني لأستحي من الله أن أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة([27]). وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل الأرض لم يدفن بعد. فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس يسألونني البيعة. فقلت: اللهم إني لمشفق مما أقدم عليه. ثم جاء عزمة فبايعت، فلما قالوا: أمير المؤمنين فكأن صدع قلبي وانسكبت بعبرة([28]).
3 -  عن ابن عباس قال: أشهد على عليّ أنه قال في عثمان: ما قتلت، ولا أمرت، ولقد كنت له كارهاً([29]).
4 -  عن ابن عباس قال: سمعت عليّاً يقول حين قتل عثمان: والله ما قتلت ولا أمرت، ولكن غلبت. يقول ذلك ثلاث مرات([30]).
5 -  عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، قال: إن شاء الناس قمت لهم خلف مقام إبراهيم، فحلفتُ لهم بالله ما قتلت عثمان، ولا أمرت بقتله، ولقد نهيتهم فعصوني([31]).
6 -  عن علي بن ربيعة الوالبي، قال: قال علي: وددت أن بني أمية رضوا منّي بقسامة([32]) خمسين رجلاً، ما أمرت، ولا قتلت([33]).
7 -  عن خليد بن شريك، قال: سمعتُ علي بن أبي طالب، وهو على منبر الكوفة، يقول: أي بني أمية، من شاء نفلت([34]) له يميني بين المقام والركن ما قتلت عثمان ولا شركت في دمه([35]).
8 -  عن أبي صالح، قال: رأيت علي بن أبي طالب قاعداً في زرارة([36]) تحت السدرة، وانحدرت سفينة، فقرأ: { وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ }، والذي أجراها مجراها ما قتلت عثمان، ولا شايعت في قتله، ولا مالأت، ولقد غمني([37]).
9 -  عن سالم بن أبي الجعد، قال: كنا مع ابن الحنفية في الشّعب فسمع رجلاً ينتقص عثمان، وعنده ابن عباس، فقال: يا ابن عباس، هل سمعت، أو سمعت، أمير المؤمنين عشية سمع الضجة من قبل المربد فبعث، فقال: نعم عشية بعث – فلان بن فلان، فقال: اذهب فانظر ما هذا الصوت، فجاء، فقال: هذه عائشة تلعن قتلة عثمان والناس يؤمنون. فقال عليّ: وأنا ألعن قَتَلة عثمان في السهل والجبل، اللهم العن قَتَلة عثمان، اللهم العن قتلة عثمان في السهل والجبل. ثم أقبل ابن الحنفية عليه وعلينا فقال: أما فيَّ وفي ابن عباس شاهدا عدلٍ؟ قال: قلنا: بلى، قال: قد كان هذا([38]).
10 -  عن أبي جعفر قال: سمع علي بن أبي طالب صوتاً يوم الجمل تلقاء أم المؤمنين، فقال: انظروا ما يقولون. قال: يهتفون بقتلة عثمان. فقال: اللهم جلل قتلة عثمان خزياً([39]).
11 -  عن عمير بن زوذي قال: قال علي بن أبي طالب: لئن لم يدخل الجنة إلا من قتل عثمان لا أدخلها، وإن لم يدخل النار إلا من قتله لا أدخلها. فأكثر الناس في ذلك.
فقال: إنكم قد أكثرتم فيّ وفي عثمان، والله قتله وأنا معه.
قال عبّاد: يعني قتله الله ويقتلني معه([40]).
12 -  عن أم عمر بنت حسان، قالت سمعتُ أبي يقول: دخلت مسجد الأكبر، مسجد الكوفة، وعلي بن أبي طالب على المنبر، وهو يخطب، وهو ينادي بأعلى صوته: يا أيها الناس، يا أيها الناس إنكم تكثرون فيَّ وفي ابن عفان، وإن مثلي ومثله كما قال الله عز وجل: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ }([41]).
13 -  عن قرة العين بنت جون الضبّي قالت: كنت عند عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فجاء قنبر فسلّم، فقال: لا سلم الله عليك. فقلت: سبحان الله تقول هذا لمولى عمك؟ قال: إن هذا يأتي إلى أهل العراق فيقول: قال ابن عفان. وأنا سمعت عليّاً يقول: قاتل الله هؤلاء المفضلي على ابن عفان، والمفضلي ابن عفان عليّ ما أقل علمهم بالله، والله إني لأرجو أن أكون أنا وابن عفان من الذين قال الله تعالى: {إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}([42]).
14 -  عن محمد بن حاطب، عن علي، قال: عثمان منهم، من الذين قال الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ }([43]).
15 -  عن محمد بن حاطب، قال: كنت مع عليّ بالبصرة، فلما هدأت الحرب، قلت: يا أمير المؤمنين، ما أرد على قومي إذا سألوني عن قتل هذا الرجل؟ قال: أنا وعثمان مثلما وصف الله في كتابه { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ }. إذا قدمت فأبلغهم أن عثمان من الذي آمنوا ثم اتقوا، ثم آمنوا ثم اتقوا، ثم آمنوا ثم اتقوا، وعلى ربهم يتوكلون([44]).
16 -  عن رافع بن خديج، قال: قال عليّ: دخلت على بناتي وهن يبكين، فقلت: ما يبكيكين؟ فقلن: لانقطاعنا من أرضنا، ولموت – أو لقتل – ابن عفان. فقال: إني لأرجو أن أكون أنا وابن عفان ممن قال الله: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ }([45]).
17 -  عن يوسف بن سعد مولى عثمان بن مظعون قال: قال لي ابن حاطب: لو شهدت اليوم شهدت عجباً، قال: قلت: ما هو؟ قال: فإن علياً وعماراً ومالكاً وصعصعة اجتمعوا في دار نافع فذكروا عثمان، فقال علي يا أبا اليقظان([46]) لقد سبق في عثمان من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سوابق لا يعذبه الله بعدها أبداً([47]).
18 -  عن مطرف بن عبد الله قال: لقيني عليّ فقال: أحب عثمان شغلك؟ قال: فسكت لما معه من الناس، فلما رأيت منه خلوة أقبل نحوي، فقلت: أنا أحق بالسرعة إليك، قال: فحركت، فقال: إن تفعل فإنه كان أتقانا للرب وأوصانا للرحم([48]).
19 -  عن عمير بن زوذي قال: خطب عليّ عليه السلام، فقطعوا خطبته، فنـزل فدخل، فقال:
إنما مثلي ومثل عثمان مثل ثلاثة أثوار كنّ في غيضة، أبيض، وأحمر، وأسود، معهم فيها أسد، كان كلما أراد واحد منهم اجتمعن عليه، فلم يطقهم، فقال للأسود والأحمر: إن هذا الأبيض يفضحنا في غيضتنا، يرى بياضه خليا عنه كيما آكله، ثم أكون أنا وأنتما، فلوني على لونكما، وألوانكما على لوني. قال: فخليا عنه، فلم يلبث أن أكله.
قال: ثم كان كلما أراد واحداً منهما اجتمعا عليه، فلم يطقهما، فقال للأحمر: إن هذا الأسود يفضحنا في غيضتنا، يرى سواده، فخل عني كيما آكله، ثم أكون أنا وأنت، فلوني على لونك ولونك على لوني. قال: فتركه، فلم يبلث أن أكله. قال: فلبث، ثم قال يا أحمر، إني آكلك، قال: تأكلني؟ قال: نعم. قال: فخل عني أصوات ثلاثة أصوات. قال: ثم قال: ألا إني إنما أكلت يوم أكل الأبيض، ألا إنما أكلت يوم أكل الأبيض، ألا إنما أكلت يوم أكل الأبيض.
قال: ثم قال علي: وأنا إنما وهنت يوم قتل عثمان. قال ذلك ثلاثاً: ألا وإنّي وهنت يوم قتل عثمان، ألا وإني وهنت يوم قتل عثمان([49]).
20 -  عن أبي إسحاق قال: قال رجل لعلي بن أبي طالب: إن عثمان في النار، قال: ومن أين علمت؟ قال: لأنه أحدث أحداثاً، فقال له علي: أتُراك لو كانت لك بنت أكنت تزوجها حتى تستشير؟ قال: لا: أفرأي هو خير من رأي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لابنتيه؟ وأخبرني عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، أكان إذا أراد أمراً يستخير الله أو لا يستخيره؟ قال: لا، بل كان يستخيره. قال: أفكان الله عز وجل يخير له أم لا؟ قال: بل كان يخير له. قال: فأخبرني عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أخار الله له في تزويجه أم لم يخر له؟ قال: ثم قال له: لقد تجرّدت لك لأضرب عنقك، فأبى الله ذلك، أما والله لو قلت غير ذلك ضربت عنقك([50]).
21 -  عن سُويد بن غفلة قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: أيها الناس! الله الله، إياكم والغلوّ في عثمان وقولكم: حرّاق المصاحف، فوالله ما أحرقها إلا عن ملأ منا أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم، جمعنا فقال: ما تقولون في هذه القراءة التي قد اختلف فيها الناس، يلقي الرجلُ الرجلَ فيقول: قراءتي خير من قراءتك، وقراءتي أفضل من قراءتك، وهذه شبيه بالكفر، فقلنا: ما الرأي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أرى أن أجمع الناس على مصحف واحد، فإنكم إن اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشدّ اختلافاً. فقلنا: نعم ما رأيت، فأرسل إلى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص، فقال: يكتب أحدكما، ويُملي الآخر، فإذا اختلفتما في شيء فارفعاه إليّ، فكتب أحدكما وأملَّ الآخر، فما اختلفا في شيء من كتاب الله إلا في سورة البقرة، فقال أحدهما: التابوه بالهاء، وقال الآخر: التابوت بالتاء، فرفعاه إلى عثمان – رضي الله عنه -، فقال: التابوت.
قال: قال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -: والله لو وَليتُ مثل الذي وَلي لصنعتُ مثل الذي صنع.
قال: فقال القوم لسويد: الله الذي لا إله إلا هو لسمعتُ هذا من علي؟ قال: الله الذي لا إله إلا هو لسمعتُ هذا من علي – رضي الله عنه -([51]).
 

2 -  من أقوال أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في عثمان وقتلته
 
1 -  عن ابن سيرين قال: قالت عائشة: مصصتموه مصَّ الإناء ثم قتلتموه([52]).
2 -  عن أبي خالد الوالبي، قال: قالت عائشة: استتابوه حتى تركوه كالثوب الرّحيض ثم قتلوه([53]).
3 -  عن مسروق قال: قالت عائشة حين قتل عثمان: تركتموه كالثوب النقيّ من الدنس ثم قتلتموه.
فقلت: هذا عملك، كتبتِ إلى الناس تأمرينهم بالخروج إليه.
قالت: والذي آمن به المؤمنون، وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا.
قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب عنها وهي لا تعلم([54]).
4 -  عن جبير بن نفير، عن عائشة قالت:
كان الناس يختلفون إليّ في عتب عثمان، ولا أرى إلا أنها معاتبة، وأما الدم، فأعوذ بالله من دمه، فوالله لوددت أني عشت في الدنيا برصاء سالخ وإني لم أذكر عثمان بكلمة قط. وأيم الله لأصبع عثمان التي يشير بها إلى الأرض بها خير من طلاع الأرض مثل فلان([55]).
5 -  عن طلق بن خشّاف، قال: قتل عثمان فتفرقنا في أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم نسألهم عن قتله، فسمعت عائشة قالت: قتل مظلوماً، لعن الله قتلته([56]).
 

3 -  ابن عباس رضي الله عنه
 
1 -  عن زهدم الجرمي قال:
خطب ابن عباس فقال: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء([57]).
2 -  عن زياد بن أبي مليح عن أبيه عن ابن عباس قال:
لو أجمع الناس على قتل عثمان لرموا بالحجارة كما رمي قوم لوط([58]).
3 -  عن ابن عمر قال: لقيت ابن عباس، وكان خليفة عثمان عام قُتل على الموسم فأخبرته بقتله، فعظّم أمره، وقال: والله إنه لمن الذين يأمرون بالقسط. فتمنيت أن أكون قُتلت يومئذٍ([59]).
4 -  عن زهدم الجرمي قال: كنت في سمر ابن عباس، فقال: لأحدِّثكم حديثاً ليس بسرٍّ ولا علانية: إنه لما كان من أمر هذا الرجل ما كان – يعني عثمان – قلت لعلي: اعتزل هذا الأمر، فوالله لو كنت في مُجر لأتاك الناس حتى يبايعوك. فعصاني، وايمُ الله ليتأمرنّ عليه معاوية، وذلك بأن الله يقول: { وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا }([60]).
5 -  عن ابن عباس قال: لما قتل عثمان بن عفان رأيتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في منامي، فمرّ بي فسلّم عليّ، فقلت: حبيبي رسول الله ألا تقفُ حتى أشتف منك بالنظر؟ قال: إني مستعجل، إن أبي إبراهيم وأخي موسى منتظرون لي زفاف عثمان الليلة([61]).
 

4 -  حذيفة بن اليمان رضي الله عنه
 
1 -  عن زيد بن وهب عن حذيفة أنه قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن الدجال([62]).
2 -  عن زيد بن وهب عن حذيفة قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدجال، والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه، آمن به في قبره([63]).
3 -  عن محمد بن سيرين أن حذيفة بن اليمان قال: اللهم إن كان قتل عثمان بن عفان خيراً. فليس لي فيه نصيب، وإن كان قتله شراً فأنا منه بريء، والله لئن كان قتله خيراً ليحلبنه لبناً، وإن كان قتله شراً ليمتص به دماً([64]).
4 -  عن أبي عبد الله الحرّاني أن حذيفة بن اليمان في مرضه الذي هلك فيه كان عنده رجل من إخوانه وهو يناجي امرأته، ففتح عينيه، فسألهما فقالا خيراً، قال: شيئاً تسرانه دوني ما هو بخير، قال: قتل الرجل – يعني عثمان – قال: فاسترجع ثم قال: اللهم إني كنت من هذا الأمر بمعزل، فإن كان خيراً فهو لمن حضره، وأنا منه بريء، وإن كان شراً فهو لمن حضره وأنا منه بريء، اليوم تغيرت القلوب يا عثمان، الحمد لله الذي سبق بي الفتن، قادتها وعلوجها الخطى، ومن تردّى بغيره فشبع شحماً وقبل عمله([65]).
 

5 -  عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
 
1 -  عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان، فذكر محاسن عمله. قال: لعل ذاك يسؤك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله عز وجل بأنفك. قال: ثم سأله عن علي فذكر محاسن عمله، ثم قال: هو ذاك، بيته أوسط بيوت النبي صلّى الله عليه وسلّم. ثم قال: لعل ذاك يسؤك؟ قال: أجل. قال: فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجهد عليّ جهدك([66]).
2 -  عن العلاء بن عرار قال: أتيت ابن عمر، فقلت: إني أريد أن أسألك عن رجلين من أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم اختلف الناس علينا فيهم. قال: من هما؟ قلت: علي وعثمان. فقال: أما عليّ فهذه داره والله. وأما عثمان فأذنب ذنباً فيما بينه وبين الله، ذنباً عظيماً، فعفا الله عنه، وأذنب فيما بينكم وبينه ذنباً صغيراً فعمدتم إليه فقتلتموه([67]).
3 -  عن أبي حازم قال: كنت عند عبد الله بن عمر بن الخطاب، فذكر عثمان، فذكر فضله ومناقبه وقرابته حتى تركه أنقى من الزجاجة، ثم ذكر علي بن أبي طالب، فذكر فضله وسابقته وقرابته حتى تركه أنقى من الزجاجة، ثم قال: من أراد أن يذكر هذين فليذكرهما هكذا، أو فليدع([68]).
4 -   عن عبد الله بن بابيه قال: كنت مع ابن عمر فجاءه رجل سأله عن عليّ وعثمان دفعه حتى تباعد الرجل، فقال: ما حملك على هذا؟ سألتني عن رجلين كلاهما كنت أجلّه وأعظّمه، أفتراني أمدح أحدهما وأذمّ الآخر([69]).
 
6 -  سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
 
عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، سمعت أباها يقول:
ألا لعن الله من لعن عليّاً، ألا لعن الله من لعن عثمان، إنهما الفئتان التي قال الله: { حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ }([70]).
 
7 -  أنس بن مالك رضي الله عنه
 
1 -  عن حميد الطويل قال: سمعت أنس بن مالك يقول: يقولون: لا يجتمع حب علي وعثمان في قلب مؤمن. وكذبوا، والله الذي لا إله إلا هو لقد اجتمع حبهما في قلوبنا([71]).
2 -  عن حميد الطويل قال: ذكر عند أنس بن مالك أنه لا يجتمع حب عليّ وعثمان في قلب عبد أبداً. فقال أنس: كذبوا والله، إنا نحب عليّاً ونحب عثمان([72]).
3 -  عن حميد الطويل قال: قلت لأنس بن مالك: يدّعي ناس أن حبّ عليّ وعثمان لا يجتمعان في قلب واحد. فقال: كذبوا والله، لقد جمع الله حبّهم في قلوبنا([73]).
 
8 -  سعيد بن زيد رضي الله عنه
 
عن قيس بن أبي حازم عن سعيد بن زيد قال:
لقد رأيتني وإنّ عمر مُوثقي وأخته على الإسلام، ولو ارفض أحد فيما صنعتم بابن عفان كان حقيقاً([74]).
 
9 -  أبو موسى الأشعري رضي الله عنه
 
عن قتادة عن أبي موسى الأشعري قال:
لو كان قتل هدى لاحتلبت به الأمة لبناً، ولكنه كان ضلالاً فاحتلبت به الأمة دماً([75]).
 
 
10 -  ثُمامة بن عدي رضي الله عنه
 
عن أبي قلابة قال:
لما بلغ ثُمامة بن عدي قتلُ عثمان، وكان أميراً على صنعاء، وكانت له صحبة، بكى فطال بكاؤه، ثم قال:
هذا حين انتزعت خلافة النبوة من أمة محمد، فصار ملكاً وجبرية، من غلب على شيء أكله([76]).
 
11 -  أبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه
 
عن أبي الأسود قال: سمعت أبا بكرة يقول:
لأن أخرّ من السماء إلى الأرض أحبّ إليّ من أن أشرك في دم عثمان([77]).
 
12 -  سَمُرة بن جندب رضي الله عنه
 
1 -  عن الحسن عن سَمُرة قال:
إن الإسلام كان في حصن حصين، وإنهم ثلموا في الإسلام ثلمة بقتلهم عثمان، وإنّهم شرطوا شرطة، وإنهم لن يسدوا ثُلمتهم – أو لا يسدونها – إلى يوم القيامة، وإن أهل المدينة كانت فيهم الخلافة، فأخرجوها ولم تعد فيهم([78]).
 
" شبهات الشيعة الرافضة حول عثمان رضي الله عنه "
 
قال الرافضي: "وأما عثمان؛ فإنه وَلَّى أمور المسلمين من لا يصلح للولاية، حتى ظهر من بعضهم الفسوق، ومن بعضهم الخيانة، وقسَّم الولايات بين أقاربه، وعُوتب على ذلك مراراً فلم يرجع، واستعمل الوليد بن عقبة حتى ظهر منه شرب الخمر، وصلَّى بالناس وهو سكران. واستعمل سعيد بن العاص على الكوفة، وظهر منه ما أدى إلى أن أخرجه أهل الكوفة منها. وولَّى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر حتى تظلَّم منه أهلها، وكاتبه أن يستمر على ولايته سرّاً، خلاف ما كتب إليه جهراً، وأمر بقتل محمد بن أبي بكر. وولَّى معاوية الشام، فأحدث من الفتن ما أحدث. وولَّى عبد الله بن عامر([79]) البصرة ففعل من المناكير ما فعل. وولَّى مروان أمره، وألقى إليه مقاليد أموره، ودفع إليه خاتمه، فحدث من ذلك قتل عثمان، وحدث من الفتنة بين الأمة ما حدث. وكان يُؤثر أهله بالأموال الكثيرة من بيت المال، حتى أنه دفع إلى أربعة نفر من قريش – زوَّجهم بناته – أربعمائة ألف دينار، ودفع إلى مروا ألف ألف دينار. وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفّره، ولما حَكَم ضربه حتى مات. وضرب عمّاراً حتى صار به فتق. وقد قال فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم: عمَّار جلدة بين عيني تقتله الفئة الباغية، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة. وكان عمَّار يطعن عليه. وطرد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الحكم بن أبي العاص عم عثمان عن المدينة، ومعه ابنه مروان، فلم يزل هو – وابنه – طريداً في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر وعمر. فلما وَلِيَ عثمان آواه وردّه إلى المدينة، وجعل مروان كاتبه وصاحب تدبيره، مع أن الله تعالى قال: { لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ } [المجادلة: 22]. ونفى أبا ذر إلى الرَّبذة، وضربه ضرباً وجيعاً، مع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال في حقه: ما أقلّت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. وقال: إن الله أوحى إليَّ أنه يحب أربعة من أصحابي وأمرني بحبهم. فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: سيدهم عليّ وسلمان والمقداد وأبو ذر. وضيّع حدود الله فلم يقتل عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان مولى أمير المؤمنين بعد إسلامه، وكان أمير المؤمنين يطلب عبيد الله لإقامة القصاص عليه، فلحق بمعاوية. وأراد أن يعطّل حد الشرب في الوليد بن عقبة حتى حدّه أمير المؤمنين، وقال: لا يبطل حد الله وأنا حاضر. وزاد الأذان الثاني يوم الجمعة، وهو بدعة، وصار سنة إلى الآن. وخالفه المسلمون كلهم حتى قُتل، وعابوا أفعاله، وقالوا له: غبتَ عن بدر، وهربت يوم أحد، ولم تشهد بيعة الرضوان. والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى".
والجواب: أن يُقال: نُوَّاب عليّ خانوه وعصوه أكثر مما خان عمّال عثمان له وعصوه. وقد صنَّف الناس كتباً فيمن ولاّه عليٌّ فأخذ المال وخانه، وفيمن تركه وذهب إلى معاوية. وقد ولَّى عليٌّ رضي الله عنه زياد بن أبي سفيان أبا عبيد الله بن زياد قاتل الحسين، وولَّى الأشتر النخعي وولَّى محمد بن أبي بكر وأمثال هؤلاء.
ولا يشك عاقل أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان خيراً من هؤلاء كلهم.
ومن العجب أن الشيعة ينكرون على عثمان ما يدَّعن أن عليّاً كان أبلغ فيه من عثمان، فيقولون: إن عثمان ولَّى أقاربه من بني أمية. ومعلوم أن عليّاً ولَّى أقاربه من قِبَلِ أبيه وأمه، كعبد الله وعبيد الله ابني العباس. فولَّى عبيد الله بن عباس على اليمن، وولَّى على مكة والطائف قثم بن العباس وأما المدينة فقيل إنه ولَّى عليها سهل بن حُنَيْف. وقيل: ثمامة بن العباس. وأما البصرة فولَّى عليها عبد الله بن عباس([80]). وولَّى على مصر ربيبه محمد بن أبي بكر الذي ربَّاه في حجره.
ثم إن الإمامية تدَّعي أن عليّاً نص على أولاده في الخلافة، أو على ولده، وولده على ولده الآخر، وهَلُمَّ جرّاً.
ومن المعلوم أنه إن كان تولية الأقربين منكراً، فتولية الخلافة العظمى أعظم من إمارة بعض الأعمال، وتولية الأولاد أقرب إلى الإنكار من تولية بني العم. ولهذا كان الوكيل والولي الذي لا يشتري لنفسه لا يشتري لابنه أيضاً في أحد قولي العلماء، والذي دفع إليه المال ليعطيه لمن يشاء لا يأخذه لنفسه ولا يعطيه لولده في أحد قوليهم.
وكذلك تنازعوا في الخلافة: هل للخليفة أن يُوصي بها لولده؟ على قولين. والشهادة لابنه مردودة عن أكثر العلماء. ولا ترد الشهادة لبني عمه. وهكذا غير ذلك من الأحكام.
وذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ”أنت ومالك لأبيك“([81]) وقال: ”ليس لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما وهبه لولده“([82]).
فإن قالوا: إن عليّاً رضي الله عنه فعل ذلك بالنص.
قيل أولاً: نحن نعتقد أن عليّاً خليفة راشد، وكذلك عثمان. لكن قبل أن نعلم حجة كل منهما فيما فعل، فلا ريب من تطرق الظنون والتهم إلى ما فعله عليّ أعظم من تطرّق التهم والظنون إلى ما فعله عثمان.
وإذا قال القائل: لعليّ حجة فيما فعله.
قيل له: وحجة عثمان فيما فعله أعظم. وإذا ادُّعِيَ لعليّ العصمة ونحوها مما يقطع عنه ألسنة الطاعنين، كان ما يُدَّعى لعثمان من الاجتهاد الذي يقطع ألسنة الطاعنين أقرب إلى المعقول والمنقول.
فإن الرافضي يجيء إلى أشخاص ظهر بصريح المعقول وصحيح المنقول أن بعضهم أكمل سيرة من بعض، فيجعل الفاضل مذموماً مستحقاً للقدح، ويجعل المفضول معصوماً مستحقاً للمدح، كما فعلت النصارى: يجيئون إلى الأنبياء صلوات الله عليهم، وقد فضّل الله بعضهم على بعض، فيجعلون المفضول إلهاً والفاضل منقوصاً دون الحواريين الذين صحبوا المسيح، فيكون ذلك قلباً للحقائق. وأعجب من ذلك أنهم يجعلون الحواريين الذين ليسوا أنبياء معصومين من الخطأ، ويقدحون في بعض الأنبياء كسليمان وغيره.
ومعلوم أن إبراهيم ومحمداً أفضل من نفس المسيح صلوات الله وسلامه عليهم بالدلائل الكثيرة، بل وكذلك موسى. فكيف يُجعل الذين صحبوا المسيح أفضل من إبراهيم ومحمد؟
وهذا من الجهل والغلو الذي نهاهم الله عنه. قال تعالى: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ } [النساء: 171].
وكذلك الرافضة موصوفون بالغلو عند الأمة، فإن فيهم من ادّعى الإلهية في عليّ([83]). وهؤلاء شرٌّ من النصارى، وفيهم من ادّعى النبوة فيه. ومن أثبت نبيّاً بعد محمد فهو شبيه بأتباع مسيلمة الكذَّاب وأمثاله من المتنبئين، إلا أن عليّاً رضي الله عنه بريء من هذه الدعوة، بخلاف من ادّعى النبوة لنفسه كمسيلمة وأمثاله.
وهؤلاء الإمامية يدَّعون ثبوت إمامته بالنص، وأنه كان معصوماً هو وكثير من ذريته، وأن القوم ظلموه وغصبوه.
ودعوى العصمة تضاهي المشاركة في النبوة. فإن المعصوم يجب اتّباعه في كل ما يقول، لا يجوز أن يُخالَف في شيء. وهذه خاصة الأنبياء، ولهذا أمرنا أن نؤمن بما أنزل إليهم فقال تعالى: { قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [البقرة: 136]، فأمرنا أن نقول: آمنا بما أوتي النبيون.
وقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].
وقال تعالى: { وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ } [البقرة: 177].
فالإيمان بما جاء به النبيون مما أمرنا أن نقوله ونؤمن به. وهذا مما اتفق عليه المسلمون: أنه يجب الإيمان بكل نبي، ومن كفر بنبي واحد فهو كافر، ومن سبَّه وجب قتله باتفاق العلماء.
وليس كذلك من سوى الأنبياء، سواء سمُّوا أولياء أو أئمة أو حكماء، أو علماء أو غير ذلك. فمن جعل بعد الرسول معصوماً يجب الإيمان بكل ما يقوله فقد أعطاه معنى النبوة، وإن لم يعطه لفظها.
ويقال لهذا: ما الفرق بين هذا وبين أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا مأمورين باتّباع شريعة التوراة؟
وكثير من الغلاة في المشايخ يعتقد أحدهم في شيخه نحو ذلك. ويقولون: الشيخ محفوظ، ويأمرون باتّباع الشيخ في كل ما يفعل، لا يُخالف في شيء أصلاً. وهذا من جنس غلو الرافضة والنصارى والإسماعيلية: تدَّعي في أئمتها أنهم كانوا معصومين.
وأصحاب ابن تُومرت([84]) الذي ادّعى أنه المهدي يقولون: إنه معصوم، ويقولون في خطبة الجمعة: الإمام المعصوم والمهدي المعلوم، ويُقال: إنهم قتلوا بعض من أنكر أن يكون معصوماً.
ومعلوم أن كل هذه الأقوال مخالفة لدين الإسلام: للكتاب والسُّنّة وإجماع سَلَف الأمة وأئمتها. فإن الله تعالى يقول: { أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } الآية [النساء: 59]، فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول، فمن أثبت شخصاً معصوماً غير الرسول، أوجب ردّ ما تنازعوا فيه إليه، لأنه لا يقول عنده إلا الحق كالرسول. وهذا خلاف القرآن.
وأيضاً فإن المعصوم تجب طاعته مطلقاً بلا قيد، ومخالفه يستحق الوعيد. والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة. قال تعالى: { وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا } [النساء: 69]. وقال: { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } [الجن: 23] فدلّ القرآن في غير موضع على أن مَن أطاع الرسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر.
ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد، وإن قُدِّر أنه أطاع مَن ظنّ أنه معصوم، فالرسول صلّى الله عليه وسلّم هو الذي فرّق الله به بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الأبرار والفجّار، وبين الحق والباطل، وبين الغيّ والرّشاد، والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسم الله به عباده إلى شقيّ وسعيد، فمن اتّبعه فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقي. وليست هذه المرتبة لغيره.
ولهذا اتفق أهل العلم – أهل الكتاب والسُّنَّة – على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويُترك، إلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يُوحى، وهو الذي يُسأل الناس عنه يوم القيامة كما قال تعالى: { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ } [الأعراف: 6].
وهو الذي يُمتحن به الناس في قبورهم، فيُقال لأحدهم: مَن ربك؟ وما دينك؟ ومَن نبيك؟ ويُقال: ما تقول في هذا الرجل الذي بُعثَ فيكم؟ فيثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول: هو عبد الله ورسوله، جاءنا بالبيّنات والهُدى فآمنّا به واتّبعناه. ولو ذكر بدل الرسول من ذكره من الصحابة والأئمة والتابعين والعلماء لم ينفعه ذلك، ولا يُمتحن في قبره بشخص غير الرسول.
والمقصود هنا أن ما يُعتذر به عن عليّ فيما أنكر عليه يُعتذر بأقوى منه عن عثمان، فإن عليّاً قاتل على الولاية، وقُتِلَ بسبب ذلك خلقٌ كثير عظيم، ولم يحصل في ولايته لا قتال للكفار، ولا فتح لبلادهم، ولا كان المسلمون في زيادة خير، وقد ولَّى من أقاربه من ولاّه، فولاية الأقارب مشتركة، ونوَّاب عثمان كانوا أطوع من نوَّاب عليّ وأبعد عن الشر.
وأما الأموال التي تأوَّل فيها عثمان، فكما تأوَّل عليّ في الدماء. وأمر الدماء أخطر وأعظم.
ويقال ثانياً: هذا النصّ الذي تدّعونه أنتم فيه مختلفون اختلافاً يُوجب العلم الضروري بأنه ليس عندكم ما يُعتمد عليه فيه، بل كل قوم منكم يفترون ما شاءوا.
وأيضاً فجماهير المسلمين يقولون: إنّا نعلم علماً يقيناً، بل ضرورياً، كذب هذا النصّ، بطرق كثيرة مبسوطة في مواضعها.
ويقال ثالثاً: إذا كان كذلك ظهرت حجة عثمان؛ فإن عثمان يقول: إن بني أمية كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستعملهم في حياته، واستعملهم بعده من لا يُتهم بقرابة: فيهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه. ولا نعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمّال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أكثر من بني عبد شمس، لأنهم كانوا كثيرين، وكان فيهم شرف وسؤدد، فاستعمل النبي صلّى الله عليه وسلّم في عزّة الإسلام على أفضل الأرض: "مكة" عتّاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية، واستعمل على نجران أبا سفيان بن حرب بن أمية، واستعمل أيضاً خالد بن سعيد بن العاص على صدقات بني مذحج وعلى صنعاء اليمن، فلم يزل عليها حتى مات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واستعمل عثمان بن سعيد بن العاص على تيماء وخيبر وقرى عُرَيْنة، واستعمل أبان بن سعيد بن العاص على بعض السرايا، ثم استعمله على البحرين فلم يزل عليها بعد العلاء بن الحضرمي حتى تُوفي النبي صلّى الله عليه وسلّم، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط حتى أنزل الله فيه: { إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ }... الآية [الحجرات: 6].
فيقول عثمان: أنا لم استعمل إلا من استعمله النبي صلّى الله عليه وسلّم منهم ومن جنسهم ومن قبيلتهم، وكذلك أبو بكر وعمر بعده، فقد ولَّى أبو بكر يزيد بن أبي سفيان بن حرب في فتوح الشام، وأقرَّه عمر، ثم ولَّى عمر بعده أخاه معاوية.
وهذا النقل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في استعمال هؤلاء ثابت مشهور عنه، بل متواتر عند أهل العلم، ومنه متواتر عند علماء الحديث، ومنه ما يعرفه العلماء منهم، ولا ينكره أحد منهم.
فكان الاحتجاج على جواز الاستعمال من بني أمية بالنصّ الثابت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أظهر عند كل عاقل من دعوى كَون الخلافة في واحدٍ معيّن من بني هاشم بالنصّ، لأن هذا كذب باتفاق أهل العلم بالنقل، وذاك صدق باتفاق أهل العلم بالنقل.
وأما بنو هاشم فلم يستعمل النبي صلّى الله عليه وسلّم منهم إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه على اليمن. وولَّى أيضاً على اليمن معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري، وولَّى جعفر بن أبي طالب على قتال مؤتة، وولَّى قبل جعفر زيد بن حارثة مولاه، وقيل: عبد الله بن رواحة. فهذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقدِّم في الولاية زيد بن حارثة مولاه، وهو من كَلب، على جعفر بن أبي طالب. وقد رُوى أن العباس سأله ولايةً فلم يولّه إياها.
وليس في بني هاشم بعد عليّ أفضل من حمزة وجعفر وعبيدة بن الحارث بن المطلب الذي قُتِلَ يوم بدر، فحمزة لم يتولّ شيئاً، فإنه قُتل يوم أحد شهيداً رضي الله عنه.
وما ينقله بعض الترك، بل وشيوخهم، من سيرة حمزة ويتداولونها بينهم، ويذكرون له حروباً وحصارات وغير ذلك، فكله كذب، من جنس ما يذكره الذاكرون من الغزوات المكذوبة على علي بن أبي طالب، بل وعلى النبي صلّى الله عليه وسلّم. من جنس ما يذكره أبو الحسن البكري صاحب "تنقُّلات الأنوار" فيما وضعه من السيرة([85])، فإنه من جنس ما يفتريه الكذّابون من سيرة داهمة والبطّالين والعيّارين ونحو ذلك.
فإن مغازي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معروفة مضبوطة عند أهل العمل، وكانت بضعاً وعشرين غزوة، لكن لم يكن القتال منها إلا في تسع مغازٍ: بدر، وأحد، والخندق، وبني المصطلق، والغابة، وفتح خيبر، وفتح مكة، وحُنين، والطائف، وهي آخر غزوات القتال. لكن لما حاصر الطائف، وكان بعدها غزوة تبوك، وهي آخر المغازي وأكثرها عدداً وأشقها على الناس، وفيها أنزل الله سورة براءة، لكن لم يكن فيها قتال.
وما يذكره جهّال الحجاج من حصار تبوك كذب لا أصل له، فلم يكن بتبوك حصن ولا مقاتلة. وقد أقام بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشرين ليلة، ثم رجع إلى المدينة النبوية.
وإذا كان جعفر أفضل بني هاشم بعد عليّ في حياته، ثم مع هذا أمَّر النبي صلّى الله عليه وسلّم زيد بن حارثة – وهو من كلب – عليه، عُلم أن التقديم بفضيلة الإيمان والتقوى، وبحسب أمور أخر، بحسب المصلحة لا بالنسب. ولهذا قدَّم النبي صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر وعمر على أقاربه، لأنه رسول الله يأمر بأمر الله، ليس من الملوك الذين يقدِّمون بأهوائهم لأقاربهم ومواليهم وأصدقائهم. وكذلك كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما حتى قال عمر: "من أمَّر رجلاً لقرابة أو صداقة بينهما، وهو يجد في المسلمين خيراً منه، فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين".
والقاعدة الكلية في هذا أن لا نعتقد أن أحداً معصوم بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم، بل الخلفاء وغير الخلفاء يجوز عليهم الخطأ، والذنوب التي تقع منهم قد يتوبون منها، وقد تُكَفَّر عنهم بحسناتهم الكثيرة، وقد يُبتلون أيضاً بمصائب يكفّر الله عنهم بها، وقد يكفّر عنهم بغير ذلك.
فكل ما يُنقل عن عثمان غايته أن يكون ذنباً أو خطاً. وعثمان رضي الله عنه قد حصلت له أسباب المغفرة من وجوه كثيرة، منها سابقته وإيمانه وجهاده وغير ذلك من طاعاته.
وقد ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم شهد له، بل بشّره بالجنة على بلوى تصيبه([86]).
ومنها أنه تاب من عامة ما أنكروه عليه، وأنه ابتُلِيَ ببلاء عظيم، فكفَّر الله به خطاياه، وصبر حتى قُتل شهيداً مظلوماً. وهذا من أعظم ما يكفِّر الله به الخطايا.
وكذلك عليّ رضي الله عنه: ما تنكره الخوارج وغيرهم عليه غايته أن يكون ذنباً أو خطأً، وكان قد حصلت له أسباب المغفرة من وجوه كثيرة. منها سابقته وإيمانه وجهاده، وغير ذلك من طاعته، وشهادة النبي صلّى الله عليه وسلّم له بالجنة. ومنها أنه تاب من أمور كثيرة أنكرت عليه وندم عليها، ومنها أنه قُتِلَ مظلوماً شهيداً.
فهذه القاعدة تغنينا أن نجعل كل ما فعل واحد منهم هو الواجب أو المستحب من غير حاجة بنا إلى ذلك. والناس المنحرفون في هذا الباب صنفان: القادحون الذين يقدحون في الشخص بما يغفره الله له. والمادحون الذين يجعلون الأمور المغفورة من باب السعي المشكور. فهذا يغلو في الشخص الواحد حتى يجعل سيئاته حسنات. وذلك يجفو فيه حتى يجعل السيئة الواحدة منه محبطة للحسنات.
وقد أجمع المسلمون كلهم – حتى الخوارج – على أن الذنوب تُمحى بالتوبة، وأن منها ما يُمحى بالحسنات. وما يمكن أحدٌ أن يقول: إن عثمان أو عليّاً أو غيرهما لم يتوبوا من ذنوبهم. فهذه حجة على الخوارج الذين يكفِّرون عثمان وعليّاً، وعلى الشيعة الذين يقدحون في عثمان وغيره، وعلى الناصبة الذين يخصُّون عليّاً بالقدح.
ولا ريب أن عثمان رضي الله عنه تقابلت فيه طائفتان: شيعته من بني أمية وغيرهم، ومبغضوه من الخوارج والزيدية والإمامية وغيرهم.
لكن شيعته أقل غلواً فيه من شيعة عليّ، فما بلغنا أن أحداً منهم اعتقد فيه بخصوصه إلاهيّةً ولا نبوة، ولا بلغنا أن أحداً اعتقد ذلك في أبي بكر وعمر.
لكن قد يكون بعض من يغلو في جنس المشايخ، ويعتقد فيهم الحلول أو الاتحاد أو العصمة، يقول ذلك في هؤلاء، لكن لا يخصهم بذلك.
ولكن شيعة عثمان، الذين كان فيهم انحراف عن عليّ، كان كثير منهم يعتقد أن الله إذا استخلف خليفة يقبل منه الحسنات ويتجاوز له عن السيئات، وأنه يجب طاعته في كل ما يأمر به. وهو مذهب كثيرٍ من شيوخ الشيعة العثمانية وعلمائها.
ولهذا لما حجَّ سليمان بن عبد الملك، وتكلم مع أبي حازم في ذلك، قال له أبو حازم: يا أمير المؤمنين؛ إن الله تعالى يقول: { يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } [سورة ص: 26]. وموعظة أبي حازم لسليمان معروفة([87]).
ولَمّا تولَّى عمر بن عبد العزيز أظهر من السُّنَّة والعدل ما كان قد خفي، ثم مات، فطلب يزيد بن عبد الملك أن يسير سيرته، فجاء إليه عشرون شيخاً من شيوخ الشيعة العثمانية، فحلفوا له بالله الذي لا إله إلا هو أن الله إذا استخلف خليفة تقبَّل منه الحسنات وتجاوز له عن السيئات، حتى أمسك عن مثل طريقة عمر بن عبد العزيز.
ولهذا كانت فيهم طاعة مطلقة لمتولّي أمرهم، فإنهم كانوا يرون أن الله أوجب عليهم طاعة ولي أمرهم مطلقاً، وأن الله لا يؤاخذه على سيئاته، ولم يبلغنا أن أحداً منهم كان يعتقد فيهم أنهم معصومون، بل يقولون: إنهم لا يؤاخَذون على ذنب، كأنهم يرون أن سيئات الولاة مكفَّرة بحسناتهم، كما تكفّر الصغائر باجتناب الكبائر.
فهؤلاء إذا كانوا لا يرون خلفاء بني أمية، معاوية فمن بعده، مؤاخذين بذنب، فكيف يقولون في عثمان – مع سابقته وفضله وحسن سيرته وعدله، وأنه من الخلفاء الراشدين؟
وأما الخوارج، فأولئك يكفِّرون عثمان وعليّاً جميعاً. ولم يكن لهم اختصاص بذم عثمان. وأما شيعة عليّ فكثير منهم – أو أكثرهم يذم عثمان، حتى الزيدية الذين يترحّمون على أبي بكر وعمر، فيهم من يسبّ عثمان ويذمّه، وخيارهم الذي يسكت عنه فلا يترحّم عليه ولا يلعنه.
وقد كان من شيعة عثمان من يسبّ عليّاً، ويجهر بذلك على المنابر وغيرها، لأجل القتال الذي كان بينهم وبينه. وكان أهل السنة من جميع الطوائف تُنكر ذلك عليهم، وكان فيهم من يؤخّر الصلاة عن وقتها، فكان المتمسك بالسُّنّة يُظهر محبة عليّ وموالاته، ويحافظ على الصلاة في مواقيتها. حتى رُئِيَ عمرو بن مرَّة الجملي، وهو من خيار أهل الكوفة: شيخ الثوري وغيره، بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بحب عليّ بن أبي طالب، ومحافظتي على الصلاة في مواقيتها.
وغلت شيعة عليّ في الجانب الآخر، حتى صاروا يصلّون العصر مع الظهر دائماً قبل وقتها الخاص، ويصلّون العشاء مع المغرب دائماً قبل وقتها الخاص، فيجمعون بين الصلاتين دائماً في وقت الأولى. وهذا خلاف المتواتر من سُنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإن الجمع إنما كان يفعله لسبب، لا سيما الجمع في وقت الأولى، فإن الذي تواتر عند الأئمة أنه فعله بعرفة. وأما ما فعله بغيرها ففيه نزاع. ولا خلاف أنه لم يكن يفعله دائماً لا في الحَضر ولا في السفر، بل في حجة الوداع لم يجمع إلا بعرفة ومزدلفة. ولكن رُوِيَ عنه الجمع في غزوة تبوك. ورُوِيَ أيضاً أنه جمع بالمدينة، لكن نادراً لسبب. والغالب عليه ترك الجَمْع. فكيف يُجمع بين الصلاتين دائماً؟
وأولئك إذا كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر، فهو خير من تقديم العصر إلى وقت الظهر. فإن جمع التأخير خير من جمع التقديم. فإن الصلاة يفعلها النائم والناسي قضاءً بعد الوقت. وأما الظهر قبل الزوال فلا تُصلّى بحال.
وهكذا تجد في غالب الأمور بدع هؤلاء أشنع من بدع أولئك. ولم يكن أحد منهم يتعرَّض لأبي بكر وعمر إلا بالمحبة والثناء والتعظيم، ولا بلغنا أن أحداً منهم كفَّر عليّاً، كما كفّرته الخوار الذي خرجوا عليه من أصحابه. وإنما غاية من يعتدي منهم على عليٍّ رضي الله عنه أن يقول: كان ظالماً، ويقولون: لم يكن من الخلفاء، ويروون عنه أشياء من المعاونة على قتل عثمان، والإشارة بقتله في الباطن، والرضا بقتله.
وكل ذلك كذب على عليٍّ رضي الله عنه. وقد حَلَفَ رضي الله عنه – وهو الصادق بلا يمين – أنه لم يقتل عثمان، ولا مالأ على قتله، بل ولا رضي بقتله، وكان يلعن قتلة عثمان([88]).
وأهل السنة يعلمون ذلك منه بدون قوله. فهو أتقى لله من أن يُعين على قتل عثمان، أو يرضى بذلك.
فما قالته شيعة عليّ في عثمان أعظم مما قالته شيعة عثمان في عليّ؛ فإن كثيراً منهم يكفّر عثمان. وشيعة عثمان لم تكفِّر عليّاً. ومن لم يكفِّره يسبُّه ويبغضه أعظم مما كانت شيعة عثمان تبغض عليّاً.
وأهل السُّنّة يتولون عثمان وعليّاً جميعاً. ويتبرؤون من التشيع والتفرّق في الدين، الذي يوجب موالاة أحدهما ومعاداة الآخر. وقد استقرّ أمر أهل السنة على أن هؤلاء مشهود لهم بالجنة، ولطلحة والزبير، وغيرهما ممن شهد له الرسول بالجنة، كما قد بُسط في موضعه. وكان طائفة من السّلف يقولون: لا نشهد بالجنة إلا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم خاصة. وهذا قول محمد بن الحنفية والأوزاعي وطائفة أخرى من أهل الحديث، كعليّ بن المديني وغيره، يقولون: هم في الجنة، ولا يقولون: نشهد لهم بالجنة.
والصواب أنّا نشهد لهم بالجنة كما استقر على ذلك مذهب أهل السُّنَّة. وقد ناظر أحمد بن حنبل لعليّ بن المديني في هذه المسألة.
وهذا معلوم عندنا بخبر الصادق. وهذه المسألة لبسطها موضع آخر. والكلام هنا فيما يُذكر عنهم من أمور يُراد بها الطعن عليهم.
فطائفة تغلو فيهم فتريد أن تجعلهم معصومين أو كالمعصومين. وطائفة تريد أن تسبهم وتذمهم بأمور، إن كانت صدقاً فهم مغفور لهم، أو هم غير مؤاخذين بها، فإنه ما ثمَّ إلا ذنب أو خطأ في الاجتهاد. والخطأ قد رفع الله المؤاخذة به عن هذه الأمة. والذنب لمغفرته عدة أسباب كانت موجودة فيهم. وهما أصلان: عام وخاص. أما العام فإن الشخص الواحد يجتمع فيه أسباب الثواب والعقاب عند عامة المسلمين، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين.
والنـزاع في ذلك مع الخوارج والمعتزلة الذين يقولون: ما ثمَّ إلا مُثَاب في الآخرة أو معاقَب، ومن دخل النار لم يخرج منها: لا بشفاعة ولا غيرها، ويقولون: إن الكبيرة تُحبط جميع الحسنات، ولا يبقى مع صاحبها من الإيمان شيء.
وقد ثبت بالنصوص المستفيضة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم إخراج قومٍ من النار بعدما امتُحشوا. وثبت أيضاً شفاعة النبي صلّى الله عليه وسلّم لأهل الكبائر من أمته. والآثار بذلك متواترة عند أهل العلم بالحديث، أعظم من تواتر الآثار بنصاب السرقة، ورجم الزاني المحصن، ونصب الزكاة، ووجوب الشفعة، وميراث الجدة، وأمثال ذلك.
لكن هذا الأصل لا يُحتاج إليه في مثل عثمان وأمثاله ممن شُهد له بالجنة، وأن الله رضي الله عنه، وأنه لا يعاقبه في الآخرة، بل نشهد أن العشرة في الجنة، وأن أهل بيعة الرضوان في الجنة، وأن أهل بدر في الجنة، كما ثبت الخبر بذلك عن الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وقد دخل في الفتنة خلق من هؤلاء المشهود لهم بالجنة، والذي قتل عمَّار بن ياسر هو أبو الغادية([89]) وقد قيل: إنه من أهل بيعة الرضوان، ذكر ذلك ابن حزم.
فنحن نشهد لعمَّار بالجنة، ولقاتله إن كان من أهل بيعة الرضوان بالجنة. وأما عثمان وعليّ وطلحة والزبير فهم أجلّ قدراً من غيرهم، ولو كان منهم ما كان، فنحن لا نشهد أن الواحد من هؤلاء لا يذنب، بل الذي نشهد به أن الواحد من هؤلاء إذا أذنب، فإن الله لا يعذّبه في الآخرة، ولا يُدخله النار، بل يُدخله الجنة بلا ريب، وعقوبة الآخرة، تزول عنه: إما بتوبته منه، وإما بحسناته الكثيرة، وإما بمصائبه المكفِّرة، وإما بغير ذلك، كما قد بسطناه في موضعه.
فإن الذنوب مطلقاً من جميع المؤمنين هي سبب العذاب، لكن العقوبة بها في الآخرة في جهنم تندفع بنحو عشرة أسباب.
السبب الأول: التوبة؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. والتوبة مقبولة من جميع الذنوب: الكفر، والفسوق، والعصيان. قال الله تعالى: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ } [الأنفال: 38] وقال تعالى: { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ } [التوبة: 11].
وقال تعالى: { لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [المائدة: 73-74].
وقال: { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ } [البروج: 10]. قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود، فتنوا أولياءه وعذّبوهم بالنار، ثم هو يدعوهم إلى التوبة.
والتوبة عامة لكل عبد مؤمن، كما قال تعالى: { وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً، لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } [الأحزاب: 72-73].
وقد أخبر الله في كتابه عن توبة أنبيائه ودعائهم بالتوبة، كقوله: { فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [البقرة: 37].
وقول إبراهيم وإسماعيل: { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [البقرة: 127-128].
وقال موسى: { أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ، وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ } [الأعراف: 155، 156].
وقوله: { رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [القصص: 16].
وقوله: { تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } [الأعراف: 143].
كذلك ما ذكره في قصة داود وسليمان وغيرهما.
وأما المأثور عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من ذلك فكثير مشهور. وأصحابه كانوا أفضل قرون الأمة، فهم أعرف القرون بالله، وأشدهم له خشية، وكانوا أقوم الناس بالتوبة في حياته وبعد مماته.
فمن ذكر ما عيب عليهم ولم يذكر توبتهم، التي بها رفع الله درجتهم، كان ظالماً لهم، كما جرى من بعضهم يوم الحديبية، وقد تابوا منه، مع أنه كان قصدهم الخير. وكذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة تاب منها، بل زانيهم كان يتوب توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، كما تاب ماعز بن مالك وأتى إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى طهَّره بإقامة الحد عليه([90]). وكذلك الغامدية بعده. وكذلك كانوا زمن عمر وغيره إذا شرب أحدهم الخمر أتى إلى أميره، فقال: طهِّرني وأقم عليَّ الحد. فهذا فعل من يأتي الكبير منهم حين يعلمها حراماً، فكيف إذ أتى أحدهم الصغيرة أو ذنباً تأوَّل فيه ثم تبين له خطؤه؟
وعثمان بن عفّان رضي الله عنه تاب توبة ظاهرة من الأمور التي صاروا ينكرونها، ويظهر له أنها منكر. وهذا مأثور مشهور عنه رضي الله عنه وأرضاه.
وكذلك عائشة رضي الله عنها ندمت على مسيرها إلى البصرة، وكانت إذا ذكرته تبكي حتى تبل خمارها.
وكذلك طلحة ندم على ما ظن من تفريطه في نصر عثمان وعلى غير ذلك. والزبير ندم على مسيره يوم الجمل.
وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ندم على أمور فعلها من القتال وغيره، وكان يقول:
لقد عجزتُ عجزة لا أعتذر   سوف أكيس بعدها وأستمر
وأجمع الرأي الشتيت المنتشر
وكان يقول ليالي صفِّين: "لله درّ مقام قامه عبد الله بن عمر وسعد بن مالك؛ إن كان برّاً إن أجره لعظيم، وإن كان إثماً إن خطره ليسير" وكان يقول: "يا حسن يا حسن! ما ظنَّ أبوك أن الأمر يبلغ إلى هذا، ودّ أبوك لو مات قبل هذا بعشرين سنة".
ولما رجع من صفّين تغيّر كلامه، وكان يقول: "لا تكرهوا إمارة معاوية، فلو قد فقدتموه لرأيتم الرؤوس تتطاير عن كواهلها". وقد روي هذا عن عليّ رضي الله عنه من وجهين أو ثلاثة. وتواترت الآثار بكراهته الأحوال في آخر الأمر، ورؤيته اختلاف الناس وتفرّقهم، وكثرة الشر الذي أوجب أنه لو استقبل من أمره ما استدبر ما فعل ما فعل.
وبالجملة ليس علينا أن نعرف كل واحد تاب، ولكن نحن نعلم أن التوبة مشروعة لكل عبدٍ: للأنبياء ولمن دونهم، وأن الله سبحانه يرفع عبده بالتوبة، وإذا ابتلاه بما يتوب منه، فالمقصود كمال النهاية لا نقص البداية، فإنه تعالى يحب التوّابين ويحبّ المتطهرين، وهو يُبدِّل بالتوبة السيئات حسنات.
والذنب مع التوبة يوجب لصاحبه من العبودية والخشوع والتواضع والدعاء وغير ذلك، ما لم يكن يحصل قبل ذلك. ولهذا قال طائفة من السّلف: إن العبد ليفعل الذنب فيدخل به الجنة، ويفعل الحسنة فيدخل بها النار. يفعل الذنب فلا يزال نصب عينيه، إذا ذكره تاب إلى الله ودعاه وخشع له فيدخل به الجنة، ويفعل الحسنة فيُعجب بها فيدخل النار.
وفي الأثر: "لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أعظم من الذنب، وهو العُجب". وفي أثر آخر "لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه".
وفي أثر آخر: "يقول الله تعالى: أهل ذكي أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، فإن الله يحب التّوابين ويحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهّرهم من المعايب". والتائب حبيب الله سواء أكان شاباً أو شيخاً.
السبب الثاني: الاستغفار؛ فإن الاستغفار هو طلب المغفرة، وهو من جنس الدعاء والسؤال، وهو مقرون بالتوبة في الغالب ومأمور به، لكن قد يتوب الإنسان ولا يدعو، وقد يدعو ولا يتوب. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما يرويه عن ربه عزَّ وجلَّ أنه قال: ”أذنب عبدٌ ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال الله تبارك وتعالى: أذنبَ عبدي ذنباً فعلم أن له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي ربِّ، اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنباً فعلم أن له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي ربِّ؛ اغفر لي ذنبي. فقال تعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. قد غفرتُ لعبدي“ وفي رواية لمسلم: ”فليفعل ما شاء“([91]).
والتوبة تمحو جميع السيئات، وليس شيء يغفر جميع الذنوب إلا التوبة، فإن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. وأما التوبة فإنه تعالى قال: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [الزمر: 53] وهذه لمن تاب. ولهذا قال: { لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ } بل توبوا إليه، وقال بعدها: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ} [الزمر: 54]. وأما الاستغفار بدون التوبة، فهذا لا يستلزم المغفرة، ولكن هو سبب من الأسباب.
السبب الثالث: الأعمال الصالحة؛ فإن الله تعالى يقول: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ } [هود: 114]. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ بن جبل يوصيه: ”يا معاذ؛ اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بِخُلق حسن“([92]).
وفي الصحيح عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفَّارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر“ (أخرجاه في الصحيحين)([93]).
وفي الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه“([94]).
وقال: ”من حَجَّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه“([95]).
وقال: ”أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهراً غمراً يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل كان يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا. قال: كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطابا كما يمحو الماء الدرن“ وهذا كله في الصحيح([96]).
وقال: ”الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار“ رواه الترمذي وصححه([97]).
وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الصف: 10-12].
وفي الصحيح: ”يُغفر للشهيد كل شيء إلا الدَّيْنَ“([98]). وما روى: أن ”شهيد البحر يُغفر له الدَّيْن“. فإسناده ضعيف([99]). والدَّيْن حق لآدمي فلابد من استيفائه.
وفي الصحيح: ”صوم يوم عرفة كفَّارة سنتين، وصوم يوم عاشوراء كفَّارة سنة“([100]). ومثل هذه النصوص كثير، وشرح هذه الأحاديث يحتاج إلى بسط كثير.
فإن الإنسان قد يقول: إذا كُفِّر عني الصلوات الخمس، فأيّ شيء تكفر عني الجمعة أو رمضان، وكذلك صوم يوم عرفة وعاشوراء؟ وبعض الناس يجيب عن هذا بأنه يكتب لهم درجات إذا لم تجد ما تكفّره من السيئات.
فيقال: أولاً: العمل الذي يمحو الله به الخطايا ويكفّر به السيئات هو العمل المقبول.
والله تعالى إنما يتقبَّلُ من المتقين.
والناس لهم في هذه الآية وهي قوله تعالى: { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } [المائدة: 27] ثلاثة أقوال: طرفان ووسط. فالخوارج والمعتزلة يقولون: لا يتقبل الله إلا ممن اتقى الكبائر. وعندهم صاحب الكبيرة لا يُقبل منه حسنة بحال. والمرجئة يقولون: من اتّقى الشرك. والسلف والأئمة يقولون: لا يتقبل إلا مما اتّقاه في ذلك العمل ففعله كما أمر به خالصاً لوجه الله تعالى.
قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } [هود: 7] قال: أخلصه وأصوبه. قيل: يا أبا عليّ ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
فصاحب الكبائر إذا اتّقى الله في عمل من الأعمال تقبّل الله منه، ومن هو أفضل منه إذا لم يتق الله في عمل لم يتقبله منه، وإن تقبل منه عملاً آخر.
وإذا كان الله إنما يتقبل ممن يعمل العمل على الوجه الأمور به، ففي السنن عن عمَّار عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”إن العبد لينصرف عن صلاته ولم يُكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، حتى قال: إلا عشرها“([101]).
وقال ابن عباس: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها.
وفي الحدث: ”رب صائم حظه من صيامه العطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر“([102]). وكذلك الحج والجهاد وغيرهما.
وفي حديث معاذ موقوفاً ومرفوعاً، وهو في السنن: ”الغزو غزوان: فغزو يُبتغى به وجه الله، ويُطاع فيه الأمير، وتُنفق فيه كرائم الأموال، ويُياسر فيه الشريك، ويجتنب فيه الفساد، ويُتقى فيه الغلول، فذلك الذي لا يعدله شيء. وغزو لا يُبتغى به وجه الله، ولا يُطاع فيه الأمير، ولا تُنفق فيه كرائم الأموال، ولا يُياسر فيه الشريك، ولا يُجتنب فيه الفساد، ولا يُتّقى فيه الغلول، فذاك حسب صاحب أن يرجع كفانا"([103]).
وقيل لبعض السلف: الحاجّ كثير. فقال: الداج كثير، والحاج قليل. ومثل هذا كثير.
فالمحو والتكفير يقع بما يُتقبّل من الأعمال. وأكثر الناس يقصِّرون في الحسنات، حتى في نفس صلاتهم. فالسعيد منهم من يُكتب له نصفها، وهم يفعلون السيئات كثيراً. فلهذا يُكفَّر بما يُقبل من الصلوات الخمس شيء، وبما يُقبل من الجمعة شيء، وبما يُقبل من صيام رمضان شيء آخر. وكذلك سائر الأعمال، وليس كل حسنة تمحو كل سيئة، بل المحو يكون للصغائر تارة، ويكون للكبائر تارة، باعتبار الموازنة.
والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله، فيغفر الله له به كبائر. كما في الترمذي وابن ماجه وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”يُصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فيُنشر عليه تسعة وتسعون سجلاً، كل سِجِلٍّ منها مدّ البصر. فيقال: هل تنكر من هذا شيئاً؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: لا ظلم عليك. فتخرج له بطاقة قدر الكف، فيها شهادة أن لا إله إلا الله، فيقول: أين تقع هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فتوضع هذه البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، فثقلت البطاقة وطاشت السجلات“([104]).
فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص. وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله ولم يترجّح قولهم على سيئاتهم، كما ترجّح قول صاحب البطاقة.
وكذلك في الصحيحين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه فيها العطش، فوجد بئراً، فنـزل فيها فشرب. ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش. فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنـزل البئر فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه حتى رقى، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له“([105]).
وفي لفظ في الصحيحين: ”إن امرأة بغيّاً رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر قد أُدلع لسانه من العطش، فنزعت له موقها، فسقته به، فغُفر لها“([106]). وفي لفظ في الصحيحين أنها كانت بغيّاً من بغايا بني إسرائيل([107]).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ”بينما رجل يمشي في طريق وجد غصن شوكٍ على الطريق فأخَّره فشكر الله له، فغفر له“([108]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ”دخلت امرأة النار في هرّة، ربطتها: لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت“([109]).
فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كلّ بغيّ سقت كلباً يغفر لها. وكذلك هذا الذي نحّى غصن الشوك عن الطريق، فعله إذ ذاك بإيمان خالص، وإخلاص قائم بقلبه، فغفر له بذلك. فإن الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص، وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحداً، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، وليس كل من نحّى غصن شوك عن الطريق يغفر له.
قال الله تعالى: { لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ } [الحج: 37]. فالناس يشتركون في الهدايا والضحايا، والله لا يناله الدم المهراق ولا اللهم المأكول، والتصدّق به، لكنه يناله تقوى القلوب.
وفي الأثر: أن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحداً، وبين صلاتيهما كما بين المشرق والمغرب.
فإذا عرف أن الأعمال الظاهرة يعظم قدرها ويصغر قدرها بما في القلوب، وما في القلوب يتفاضل، لا يعرف مقادير ما في القلوب من الإيمان إلا الله – عرف الإنسان أن ما قاله الرسول صلّى الله عليه وسلّم كله حق، لم يضرب بعضه ببعض.
وقد قال تعالى: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } [المؤمنون: 60].
وفي الترمذي وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله: أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف أن يعاقب؟ قال: لا يا ابنة الصديق، بل هو الرجل بصوم ويصلي ويصدّق ويخال أن لا يتقبل منه([110]).
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه“([111]).
وذلك أن الإيمان الذي كان في قلوبهم حين الإنفاق في أول الإسلام وقلة أهله، وكثرة الصوارف عنه، وضعف الدواعي إليه لا يمكن أحداً أن يحصل له مثله ممن بعدهم. وهذا يعرف بعضه من ذاق الأمور، وعرف المحن والابتلاء الذي حصل للناس، وما يحصل للقلوب من الأحوال المختلفة.
وهذا مما يُعرف به أن أبا بكر رضي الله عنه لن يكون أحد مثله، فإن اليقين والإيمان الذي كان في قلبه لا يساويه فيه أحد. قال أبو بكر بن عيَّاس: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه.
وهكذا سائر الصحابة حصل لهم بصحبتهم للرسول صلّى الله عليه وسلّم، مؤمنين به مجاهدين معه، إيمان ويقين لم يشركهم فيه من بعدهم.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه رفع رأسه إلى السماء، وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: "النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهبت أصحابي أتى أمتي ما يوعدون"([112]).
وفي الصحيح عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”ليأتين على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيُقال: هل فيكم من صحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فيقال: نعم، فيُفتح لهم“ وفي لفظ: ”هل فيكم من رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فيقولون: نعم. فيُفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيُقال: هل فيكم من صحب من صحب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم“([113]). هذا لفظ بعض الطرق، والثلاثة الطبقات متفق عليها في جميع الطرق، وأما الطبقة الرابعة فهي مذكورة في بعضها.
وقد ثبت ثناء النبي صلّى الله عليه وسلّم على القرون الثلاثة في عدة أحاديث صحيحة، من حديث ابن مسعود، وعمران بن حصين يقول فيها: ”خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم“ ويشك بعضه الرواة هل ذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة([114]).
والمقصود أن فضل الأعمال وثوابها ليس لمجرد صورها الظاهرة، بل لحقائقها التي في القلوب. والناس يتفاضلون في ذلك تفاضلاً عظيماً. وهذا مما يحتج به من رجّح كل واحد من الصحابة على كل واحد ممن بعدهم، فإن العلماء، متفقون على أن جملة الصحابة أفضل من جملة التابعين، لكن هل يفضّل كل واحد من الصحابة على كل واحد ممن بعدهم، ويفضل معاوية على عمر بن عبد العزيز؟
ذكر القاضي عياض وغيره في ذلك قولين، وأن الأكثرين يفضِّلون كل واحد من الصحابة، وهذا مأثور عن ابن المبارك، وأحمد بن حنبل وغيرهما.
ومن حجة هؤلاء أن أعمال التابعين وإن كانت أكثر، وعدل عمر بن عبد العزيز أظهر من عدل معاوية، وهو أزهد من معاوية، لكن الفضائل عند الله بحقائق الإيمان الذي في القلوب. وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه“.
قالوا: فنحن قد نعلم أن أعمال بعض من بعدهم أكثر من أعمال بعضهم، لكن من أين نعلم أن ما في قلبه من الإيمان أعظم مما ي قلب ذلك، والنبي صلّى الله عليه وسلّم يخبر أن جبل ذهب من الذين أسلموا بعد الحديبية لا يساوي نصف مُدّ من السابقين. وملوم فضل النفع المتعدّي بعمر بن عبد العزيز: أعطى الناس حقوقهم وعدل فيهم، فلو قُدِّر أن الذي أعطاهم ملكه، وقد تصدَّق به عليهم، لم يعدل ذلك مما أنفقه السابقون إلا شيئاً يسيراً. وأين مثل جبل أحد ذهباً حتى ينفقه الإنسان، وهو لا يصير مثل نصف مدّ؟
ولهذا يقول من يقول من السلف: غبار دخل في أنف معاوية مع روسل الله صلّى الله عليه وسلّم أفضل من عمل عمر بن عبد العزيز([115]).
وهذه المسألة تحتاج إلى بسط وتحقيق ليس هذا موضعه، إذ المقصود هنا أن الله سبحانه مما يمحو به السيئات الحسنات، وأن الحسنات تتفاضل بسبب ما في قلب صاحبها من الإيمان والتقوى. وحينئذ فيُعرف أن من هو دون الصحابة قد تكون له حسنات تمحو مثل ما يُذم من أحدهم فكيف الصحابة؟؟.
السبب الرابع: الدعاء للمؤمنين، فإن صلاة المسلمين على الميّت ودعاءهم له من أسباب المغفرة. وكذلك دعاؤهم واستغفارهم في غير صلاة الجنازة. والصحابة مازال المسلمون يدعون لهم.
السبب الخامس: دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم واستغفاره في حياته وبعد مماته، كشفاعته يوم القيامة، فإنهم أخصّ الناس بدعائه وشفاعته في محياه ومماته.
السبب السادس: ما يُفعل بعد الموت من عمل صالح يُهدى له، مثل من يتصدَّق عنه، ويحج عنه ويصوم عنه. فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ذلك يصل إلى الميت وينفعه، وهذا غير دعاء ولده، فإن ذلك من عمله.
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له“ رواه مسلم([116]). فولده من كسبه، ودعاؤه محسوب من عمله، بخلاف دعاء غير الولد: فإنه ليس محسوباً من عمله، والله ينفعه به.
السبب السابع: المصائب الدنيوية التي يكفِّر الله بها الخطايا. كما في الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”ما يصيب المؤمن من وَصَب ولا نصب، ولا غم ولا هم، ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكّها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه“([117]).
وفي الصحيحين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تفيِّئها الرياح، تقومها تارة وتميلها أخرى. ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزة، لا تزال ثابتة على أصلها، حتى يكون انجعافها مرة واحدة“([118]).
وهذا المعنى متواتر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في أحاديث كثيرة. والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يُبتلون بالمصائب الخاصة، وابتلوا بمصائب مشتركة، كالمصائب التي حصلت في الفتن، ولو لم يكن إلا أن كثيراً منهم قُتلوا، والأحياء أصيبوا بأهليهم وأقاربهم، وهذا أصيب في ماله، وهذا أصيب بجراحته، وهذا أصيب بذهاب ولايته وعزّه، إلى غير ذلك، فهذه كلها مما يكفِّر الله بها ذنوب المؤمنين من غير الصحابة، فكيف الصحابة؟ وهذا مما لابد منه.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألته أن لا يُهلك أمتي بسنة عامة، فأعطانيها وسألته أن لا يُسلّط عليهم عدواً من غيرهم فيجتاحهم، فأعطانيها. وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها“([119]).
وفي الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه لما نزل قوله تعالى: { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ } [الأنعام: 65] قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”أعوذ بوجهك“ { أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”أعوذ بوجهك“ { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ } قال: ”هذا أهون وأيسر“([120]).
فهذا الأمر لابد منه للأمة عموماً. والصحابة رضي الله عنهم كانوا أقل فتناً من سائر من بعدهم، فإنه كلما تأخّر العصر عن النبوة كثر التفرق والخلاف.
ولهذا لم تحدث في خلافة عثمان بدعة ظاهر، فلما قُتل وتفرّق الناس حدثت بدعتان متقابلتان: بدعة الخوارج المكفّرين لعليّ، وبدعة الرافضة المدّعين لإمامته وعصمته، أو نبوته أو إلاهيته.
ثم لما كان في آخر عصر الصحابة، في إمارة ابن الزبير وعبد الملك، حدثت بدعة المرجئة والقدرية. ثم لما كان في أول عصر التابعين في أواخر الخلافة الأموية حدثت بدعة الجهمية المعطِّلة والمشبِّهة الممثِّلة. ولم يكن على عهد الصحابة شيء من ذلك.
وكذلك فتن السيف، فإن الناس كانوا في ولاية معاوية رضي الله عنه متفقين يغزون العدو، فلما مات معاوية قُتل الحسين، وحوصر ابن الزبير بمكة، ثم جرت فتنة الحرَّة بالمدينة.
ثم لما مات يزيد جرت فتنة بالشام بين مروان والضحّاك بمرج راهط.
ثم وثب المختار على ابن زياد فقتله وجرت فتنة.
ثم جاء مصعب بن الزبير فقتل المختار وجرت فتنة.
ثم ذهب عبد الملك إلى مصعب فقتله وجرت فتنة.
وأرسل الحجّاج إلى ابن الزبير فحاصره مدة ثم قتله وجرت فتنة.
ثم لما تولى الحجّاج العراق خرج عليه ابن الأشعث مع خلق عظيم من العراق وكانت فتنة كبيرة، فهذا كله بعد موت معاوية.
ثم جرت فتنة ابن المهلَّب بخراسان، وقُتل زيد بن عليّ بالكوفة، وقتل خلق آخرون.
ثم قام أبو مسلم وغيره بخراسان وجرت حروب وفتن يطول وصفها، ثم هَلُمَّ جرّاً.
فلم يكن من ملوك المسلمين ملك خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيراً منهم في زمن معاوية، إذا نُسبت أيامه إلى أيام من بعده. وأما إذا نُسبت إلى أيام أبي بكر وعمر ظهر التفاضل.
وقد روى أبو بكر الأثرم، ورواه ابن بطَّة من طريقه، حدَّثنا محمد بن عمرو بن جبلة، حدثنا محمد بن مروان، عن يونس، عن قتادة قال: لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثرهم: هذا المهدي.
وكذلك رواه ابن بطّة بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش عن مجاهد قال: لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدي([121]).
ورواه الأثرم: حدثنا محمد بن حواش حدثنا أبو هريرة المكتب قال: كنا عند الأعمش، فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا في حلمه؟ قال: لا والله بل في عدله.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق قال: لما قدم معاوية فرض للناس على أعطية آبائهم حتى انتهى إليَّ، فأعطاني ثلاث مئة درهم.
وقال عبد الله، أخبرنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الثقفي، عن أبي إسحاق، يعني السّبيعي، أنه ذكر معاوية فقال: لو أدركتموه أو أدركتم أيامه لقلتم: كان المهدي.
وروى الأثرم، حدثنا محمد بن العلاء، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق قال: ما رأيت بعده مثله، يعني معاوية.
وقال البغوي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا ضمام بن إسماعيل، عن أبي قيس قال: كان معاوية قد جعل في كل قبيل رجلاً، وكان رجل منّا يكنّى أبا يحيى، يصبح كل يوم فيدور على المجالس: هل وُلد فيكم الليلة ولد؟ هل حدث الليلة حدث؟ هل نزل اليوم بكم نازل؟ قال: فيقولون: نعم، نزل رجل من أهل اليمن بعياله، يسمُّونه وعياله، فإذا فرغ من القبيل كله أتى الديوان، فأوقع أسماءهم في الديوان.
وروى محمد بن عوف الطائي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي مريم، عن عطية بن قيس قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يخطبنا يقول: إن في بيت مالكم فضلاً بعد أعطياتكم، وإني قاسمه بينكم، فإن كان بيأتينا فضل عاماً قابلا قسمناه عليكم، وإلا فلا عتبة عليّ، فإنه ليس بمالي، وإنما هو مال الله الذي أفاء عليكم.
وفضائل معاوية في حسن السيرة والعدل والإحسان كثيرة. وفي الصحيح أن رجلاً قال لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ إنه أوتر بركعة؟ قال: أصاب إنه فقيه([122]).
وروى البغوي في معجمه بإسناده، ورواه ابن بطّة من وجه آخر كلاهما عن سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، عن قيس بن الحارث، عن الصنابحي، عن أبي الدرداء قال: ما رأيت أحداً أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من إمامكم هذا. يعني معاوية([123]).
فهذه شهادة الصحابة بفقهه ودينه، والشاهد بالفقه ابن عباس، وبحسن الصلاة أبو الدرداء، وهما هما. والآثار الموافقة لهذا كثيرة([124]).
هذا ومعاوية ليس من السابقين الأوّلين، بل قد قيل: إنه من مسلمة الفتح. وقيل: أسلم قبل ذلك. وكان يعترف بأنه ليس من فضلاء الصحابة. وهذه سيرته مع عموم ولايته، فإنه كان في ولايته من خراسان إلى بلاد إفريقية بالمغرب، ومن قبرص إلى اليمن.
ومعلوم بإجماع المسلمين أنه ليس قريباً من عثمان وعليّ، فضلاً عن أبي بكر وعمر. فكيف يُشبَّه غير الصحابة بهم؟ وهل توجد سيرة أحد من الملوك مثل سيرة معاوية رضي الله عنه؟
والمقصود أن الفتن التي بين الأمة، والذنوب التي لها بعد الصحابة، أكثر وأعظم. ومع هذا فمكفِّرات الذنوب موجودة لهم. وأما الصحابة فجمهورهم وجمهور أفاضلهم ما دخلوا في فتنة.
قال عبد الله بن الإمام أحمد، حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل، يعني ابن عليّة، حدثنا أيوب يعني السختياني، عن محمد بن سيرين قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشرة آلاف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين. وهذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض. ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقه، ومراسيله من أصح المراسيل.
وقال عبد الله، حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل حدثنا منصور بن عبد الرحمن قال: قال الشعبي: لم يشهد الجمل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غير عليّ وعمّار وطلحة والزبير، فإن جاءوا بخامس فأنا كذّاب.
وقال عبد الله بن أحمد، حدثنا أبي، حدثنا أميّة بن خالد قال: قيل لشعبة: إن أبا شيبة روى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: شهد صفّين من أهل بدر سبعون رجلاً. فقال: كذب والله، لقد ذاكرت الحكم بذلك، وذاكرناه في بيته، فما وجدناه شهد صفّين من أهل بدر غير خُزَيمة بن ثابت.
قلت: هذا النفي يدل على قلة من حضرها، وقد قيل: إنه حضرها سهل بن حنيف وأبو أيوب. وكلام ابن سيرين مقارب فما يكاد يذكر مائةً واحدٌ.
وقد روى ابن بطّة عن بكير بن الأشج قال: أما إن رجالاً من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم.
السبب الثامن: ما يُبتلى به المؤمن في قبره من الضغطة وفتنة المَلَكين.
السبب التاسع: ما يحصل له في الآخرة من كرب أهوال يوم القيامة.
السبب العاشر: ما ثبت في الصحيحين أن المؤمنين إذا عبروا الصراط، وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقتصّ لبعضهم من بعض فإذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذن لهم في دخول الجنة([125]).
فهذه الأسباب لا تفوت كلها من المؤمنين إلا القليل، فكيف بالصحابة رضوان الله عليهم، الذين هم خير قرون الأمة؟ وهذا في الذنوب المحقَّقة، فكيف بما يُكذب عليهم؟ فكيف بما يُجعل من سيئاتهم وهو من حسناتهم؟
وهذا كما ثبت في الصحيح أن رجلاً أراد أن يطعن في عثمان عند ابن عمر، فقال: إنه قد فرّ يوم أحد، ولم يشهد بدراً، ولم يشهد بَيْعة الرضوان. فقال ابن عمر: أمَّا يوم أحد فقد عفا الله عنه. وفي لفظ: فرّ يوم أحد فعفا الله عنه، وأذنب عندكم ذنباً، فلم تعفوا عنه. وأما يوم بدر فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم استخلفه على ابنته، وضرب له بسهمه. وأما بيعة الرضوان فإنما كانت بسبب عثمان، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعثه إلى مكة وبايع عنه بيده، ويد النبي صلّى الله عليه وسلّم خير من يد عثمان([126]).
فقد أجاب ابن عمر بأن ما يجعلونه عيباً ما كان منه عيباً، فقد عفا الله عنه، والباقي ليس بعيب، بل هو من الحسنات. وهكذا عامة ما يُعاب به على سائر الصحابة هو إما حسنة وإما معفو عنه.
 
حول تولية عثمان بعض الولاة
 
وحينئذ فقول الرافضي: إن عثمان ولَّى من لا يصلح للولاية. إما أن يكون هذا باطلاً، ولم يولّ إلا من يصلح. وإما أن يكون ولَّى من لا يصلح في نفس الأمر، لكنه كان مجتهداً في ذلك، فظن أنه كان يصلح وأخطأ ظنه، وهذا لا يقدح فيه.
وهذا الوليد بن عقبة الذي أنكر عليه ولايته قد اشتهر في التفسير والحديث والسِّيَرِ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولاّه على صدقات ناسٍ من العرب فلما قرب منهم خرجوا إليه، فظن أنهم يحاربونه فأرسل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم يذكر محاربتهم له، فأراد النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يرسل إليهم جيشاً، فأنزل الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [الحجرات: 6].
فإذا كان حال هذا خَفِيَ على النبي صلّى الله عليه وسلّم، فكيف لا يخفى على عثمان؟!
وإذا قيل: إن عثمان ولاّه بعد ذلك؟
فيقال: باب التوبة مفتوح. وقد كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح ارتد عن الإسلام، ثم جاء تائباً، وقَبِل النبي صلّى الله عليه وسلّم إسلامه وتوبته بعد أن كان أهدر دمه.
وعليّ رضي الله عنه تبيّن له من عمَّاله ما لم يكن يظنه فيهم. فهذا لا يقدح في عثمان ولا في غيره. وغاية ما يُقال: إن عثمان ولَّى من يعلم أن غيره أصلح منه، وهذا من موارد الاجتهاد.
أو يقال: إن محبته لأقاربه ميَّلته إليهم، حتى صار يظنهم أحق من غيرهم، أو أن ما فعله كان ذنباً، وقد تقدّم أن ذنبه لا يُعاقب عليه في الآخرة.
 
كان عثمان يؤدب الولاة إذا ظهر منهم ما يوجب ذلك
 
وقوله: حتى ظهر من بعضهم الفسق، ومن بعضهم الخيانة.
فيقال: ظهور ذلك بعد الولاية لا يدل على كونه كان ثابتاً حين الولاية، ولا على أن المولَّي علم ذلك. وعثمان رضي الله عنه لما علم أن الوليد بن عقبة شرب الخمر طلبه وأقام عليه الحد. وكان يعزل من يراه مستحقاً للعزل، ويقيم الحدّ على من يراه مستحقاً لإقامة الحد عليه.
 
ذهب الفقهاء إلى أنَّ سهم ذوي القربى لقرابة الإمام
 
وأما قوله: وقسَّم المال بين أقاربه.
فهذا غايته أن يكون ذنباً لا يُعاقب عليه في الآخرة، فكيف إذا كان من موارد الاجتهاد؟ فإن الناس تنازعوا فيما كان للنبي صلّى الله عليه وسلّم في حياته: هل يستحقه وليّ الأمر بعده، على قولين. وكذلك تنازعوا في وليّ اليتيم: هل له أن يأخذ من مال اليتيم إذا كان غنياً أجرته مع غناه، والترك أفضل، أو الترك واجب؟ على قولين. ومن جوَّز الأخذ من مال اليتيم مع الغني، جوَّزه للعامل على بيت مال المسلمين، وجوَّزه للقاضي وغيره من الولاة. ومن قال لا يجوز ذلك من مال اليتيم، فمنهم من يجوّزه من مال بيت المال، كما يجوّز للعامل على الزكاة الأخذ مع الغنى، فإن العامل على الزكاة يجوز له أخذ جعالته مع غناه.
ووليّ اليتيم قد قال تعالى فيه: { وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } [النساء: 6].
وأيضاً فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن سهم ذوي القربى هو لقرابة الإمام، كما قال الحسن وأبو ثور، وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يعطي أقاربه بحكم الولاية، وسقط حق ذوي قرباه بموته. كما يقول ذلك كثير من العلماء كأبي حنيفة وغيره، ثم لما سقط حقه بموته، فحقه الساقط قيل: إنه يُصرف في الكراع والسلاح والمصالح، كما كان يفعل أبو بكر وعمر. وقيل: هو لمن وَلِيَ الأمر بعده. وقيل: إن هذا مما تأوَّله عثمان. ونُقل عن عثمان رضي الله عنه نفسه أنه ذكر هذا، وأنه يأخذ بعمله، وأن ذلك جائز. وإن كان ما فعله أبو بكر وعمر أفضل، فكان له الأخذ بهذا وهذا، وكان يعطي أقرباءه مما يختص به، فكان يعطيهم لكونهم ذوي قربى الإمام، على قول من يقول ذلك.
وبالجملة فعامة من تولى الأمر بعد عمر كان يخص بعض أقاربه: إما بولاية، وإما بمالٍ. وعليّ ولّى أقاربه أيضاً.
وأما قوله استعمال الوليد بن عقبة حتى ظهر منه شرب الخم، وصلى بالناس وهو سكران([127]).
فيقال: لا جرم طلبه وأقام عليه الحد بمشهد من عليّ بن أبي طالب، وقال لعليّ: قم فاضربه. فأمر عليّ الحسن بضربه، فامتنع. وقال لعبد الله بن جعفر: قم فاضربه، فضربه أربعين. ثم قال: أمسك، ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنَّةٌ، وهذا أحب إليّ" رواه مسلم وغيره([128]).
فإذا أقام الحدّ برأي عليّ وأمره، فقد فعل الواجب.
 
الوالي قد يذنب والخليفة لا يعلم
 
وكذلك قوله: أنه استعمل سعيد بن العاص([129]) على الكوفة، وظهر منه ما أدّى إلى أن أخرجه أهل الكوفة منها.
فيقال: مجرد إخراج أهل الكوفة لا يدل على ذنب يوجب ذاك، فإن القوم كانوا يقومون على كلّ والٍ([130]). وقد قاموا على سعد بن أبي وقاص، وهو الذي فتح البلاد، وكسر جنود كسرى، وهو أحد أهل الشورى، ولم يتول عليهم نائب مثله. وقد شكوا غيره مثل عمَّار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم. ودعا عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: اللهم إنهم قد لبَّسوا عليَّ فلبِّس عليهم.
وإذا قُدَّر أنه أذنب ذنباً، فمجرد ذلك لا يوجب أن يكون عثمان راضياً بذنبه، ونواب عليّ قد أذنبوا ذنوباً كثيرة. بل كان غير واحدٍ من نواب النبي صلّى الله عليه وسلّم يذنبون ذنوباً كثيرة. وإنما يكون الإمام مذنباً إذا ترك ما يجب عليه من إقامة حد، أو استيفاء حق، أو اعتداء ونحو ذلك.
وإذا قُدِّر أن هناك ذنباً، فقد عُلم الكلام فيه.
 
دور ابن سبأ في الفتنة
 
وأما قوله: وولَّى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر حتى تظلَّم منه أهلها، وكاتبه أن يستمر على ولايته سرّاً، خلاف ما كتب إليه جهراً([131]).
والجواب: أن هذا كذب على عثمان. وقد حلف عثمان أنه لم يكتب شيئاً من ذلك، وهو الصادق البار بلا يمين، وغاية ما قيل: إن مروان كتب بغير علمه، وأنهم طلبوا أن يُسلم إليهم مروان ليقتلوه، فامتنع. فإن كان قَتْلُ مروان لا يجوز، فقد فعل الواجب، وإن كان يجوز ولا يجب، فقد فعل الجائز، وإن كان قتله واجباً، فذاك من موارد الاجتهاد؛ فإنه لم يثبت لمروان ذنب يوجب قتله شرعاً، فإن مجرد التزويد لا يوجب القتل. وبتقدير أن يكون تَرَكَ الواجب فقد قدَّمنا الجواب العام.
 
عثمان رضي الله عنه لا يأمر بقتل معصوم الدم
 
وأما قوله: أمر بقتل محمد بن أبي بكر
فهذا من الكذب المعلوم على عثمان. وكل ذي علمٍ بحال عثمان وإنصاف له، يعلم أنه لم يكن ممن يأمر بقتل محمد بن أبي بكر ولا أمثاله، ولا عرف منه قط أنه قتل أحداً من هذا الضرب، وقد سعوا في قتله، ودخل عليه محمد فيمن دخل، وهو لا يأمر بقتالهم دفعاً عن نفسه، فكيف يبتدئ بقتل معصوم الدم؟
وإن ثبت أن عثمان أمر بقتل محمد بن أبي بكر، لم يُطعن على عثمان. بل عثمان إن كان أمر بقتل محمد بن أبي بكر أولى بالطاعة ممن طلب قتل مروان، لأن عثمان إمام هُدى، وخليفة راشد، يجب عليه سياسة رعيته، وقتل من لا يُدفع شرّه إلا بالقتل. وأما الذين طلبوا قتل مروان فقوم خوارج مفسدون في الأرض، ليس لهم قتل أحدٍ، ولا إقامة حد. وغايتهم أن يكونوا ظُلموا في بعض الأمور، وليس لكل مظلوم أن يقتل بيده كل من ظلمه، بل ولا يقيم الحد.
وليس مروان أولى بالفتنة والشر من محمد بن أبي بكر، ولا هو أشهر بالعلم والدين منه. بل أخرج أهل الصحاح عدة أحاديث عن مروان وله قول مع أهل الفتيا، واختلف في صحبته.
ومحمد بن أبي بكر ليس بهذه المنـزلة عند الناس، ولم يدرك من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا أشهراً قليلة: من ذي القعدة إلى أول شهر ربيع الأول، فإنه ولد بالشجرة لخمسٍ بقين من ذي القعدة عام حجة الوداع. ومروان من أقران ابن الزبير، فهو قد أدرك حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم ويمكن أنه رآه عام فتح مكة، أو عام حجة الوداع.
والذي قالوا: لم ير النبي صلّى الله عليه وسلّم قالوا: إن أباه كان بالطائف، فمات النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبوه بالطائف، وهو مع أبيه، ومن الناس من يقول: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم نفى أباه إلى الطائف، وكثير من أهل العلم ينكر ذلك، ويقول إنه ذهب باختياره، وإن نفيه ليس له إسناد.
وهذا إنما يكون بعد فتح مكة، فقد كان أبوه بمكة مع سائر الطلقاء، وكان هو قد قارب سن التمييز.
وأيضاً فقد يكون أبوه حج مع الناس، فرآه في حجة الوداع، ولعله قدم إلى المدينة. فلا يمكن الجزم بنفي رؤيته للنبي صلّى الله عليه وسلّم.
وأما أقرانه، كالمسور بن مخرمه، وعبد الله بن الزبير، فهؤلاء كانوا بالمدينة. وقد ثبت أنهم سمعوا من النبي صلّى الله عليه وسلّم.
 
عمر بن الخطاب هو الذي ولَّى معاوية الشام
 
وأما قوله: "ولّى معاوية الشام، فأحدث من الفتن ما أحدثه".
فالجواب: أن معاوية إنما ولاّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لما مات أخوه يزيد بن أبي سفيان ولاّه عمر مكان أخيه. واستمر في ولاية عثمان، وزاده عثمان في الولاية. وكان سيرة معاوية مع رعيته من خيار سير الولاة، وكان رعيته يحبونه.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضوكم، وتلعنونهم ويلعنونكم“([132]).
وإنما ظهر الأحداث من معاوية في الفتنة لما قُتل عثمان، ولما قُتل عثمان كانت الفتنة شاملة لأكثر الناس، لم يختص بها معاوية، بل كان معاوية أطلب للسلامة من كثير منهم، وأبعد عن الشر من كثير منهم.
ومعاوية كان خيراً من الأشتر النخعي، ومن محمد بن أبي بكر، ومن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، ومن أبي الأعور السلمي، ومن هاشم بن هاشم بن هاشم المرقال، ومن الأشعث بن قيس الكندي، ومن بُسْر بن أبي أرطاة، وغير هؤلاء من الذين كانوا معه ومع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما.
 
عبد الله بن عامر أحد قواد الإسلام
 
وأما قوله: "وولّى عبد الله بن عامر البصرة، ففعل من المناكير ما فعل"([133]).
فالجواب: أن عبد الله بن عامر له من الحسنات والمحبة في قلوب الناس ما لا ينكر، وإذا فعل منكراً فذنبه عليه. فمن قال: إن عثمان رضي بالمنكر الذي فعله؟
 
مسـألة تولية مروان بن الحكم
 
وأما قوله: "وولّى مروا أمره، وألقى إليه مقاليد أموره، ودفع إليه خاتمه، وحدث من ذلك قتل عثمان([134])، وحدث من الفتنة بين الأمة ما حدث".
فالجواب: أن قتل عثمان والفتنة لم يكن سببها مروان وحده، بل اجتمعت أمور متعددة، من جملتها أمور تنكر من مروان. وعثمان رضي الله عنه كان قد كبر، وكانوا يفعلون أشياء لا يُعلمونه بها، فلم يكن آمراً لهم بالأمور التي أنكرتموها عليه، بل كان يأمر بإبعادهم وعزلهم، فتارة يفعل ذلك، وتارة لا يفعل ذلك، وقد تقدم الجواب العام.
ولما قدم المفسدون الذين أرادوا قتل عثمان، وشكوا أموراً، أزالها كلها عثمان([135])، حتى أنه أجابهم إلى عزل من يريدون عزله، وإلى أن مفاتيح بيت المال تعطى لمن يرتضونه، وأنه لا يعطي أحداً من المال إلا بمشورة الصحابة ورضاهم، ولم يبق لهم طلب.
ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: "مصصتموه كما يمص الثوب، ثم عمدتم إليه فقتلتموه"([136]).
وقد قيل: أنه زور عليه كتاب بقتلهم، وأنهم أخذوه في الطريق، فأنكر عثمان الكتاب وهو الصادق. وأنهم اتهموا به مروان، وطلبوا تسليمه إليهم، فلم يسلمه([137]).
وهذا بتقدير أن يكون صحيحاً، لا يبيح شيئاً مما فعلوه بعثمان، وغايته أن يكون مروان قد أذنب في إرادته قتلهم، ولكن لم يتم غرضه، ومن سعى في قتل إنسان ولم يقتله، لم يجب قتله. فما كان يجب قتل مروان بمثل هذا. نعم ينبغي الاحتراز ممن يفعل مثل هذا، وتأخيره وتأديبه. ونحو ذلك. أما الدم فأمر عظيم.
 
إحسان عثمان شمل الجميع
 
وأما قوله: "وكان يؤثر أهله بالأموال الكثيرة من بيت المال، حتى أنه دفع إلى أربعة نفر من قريش، زوَّجهم بناته، أربعمائة ألف دينار، ودفع إلى مروان ألف ألف دينار".
فالجواب: أولاً أن يقال: أين النقل الثابت بهذا؟ نعم كان يعطي أقاربه عطاءً، ويعطي غير أقاربه أيضاً، وكان محسناً إلى جميع المسلمين. وأما هذا القدر الكثير فيحتاج إلى نقل ثابت.
ثم يقال: ثانياً: هذا من الكذب البيّن، فإنه لا عثمان ولا غيره من الخلفاء الراشدين أعطوا أحداً ما يقارب هذا المبلغ. ومن المعلوم أن معاوية كان يعطي من يتألّفه أكثر من عثمان. ومع هذا فغاية ما أعطى الحسن بن عليّ مائة ألفه أو ثلاثمائة ألف درهم. وذكروا أنه لم يعط أحداً قدر هذا قط.
نعم كان عثمان يعطي بعض أقاربه ما يعطيهم من العطاء الذي أنكر عليه، وقد تقدم تأويله في ذلك، والجواب العام يأتي على ذلك، فإنه كان له تأويلان في إعطائهم، كلاهما مذهب طائفة من الفقهاء: أحدهما: أنه ما أطعم الله لنبيٍّ طعمة إلا كانت طعمة لمن يتولّى الأمر بعده، وهذا مذهب طائفة من الفقهاء، ورووا في ذلك حديثاً معروفاً مرفوعاً([138])، وليس هذا موضع بسط الكلام في جزئيات المسائل.
وقالوا إن ذوي القربى في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم ذوو قرباه، وبعد موته هم ذوو قربى من يتولّى الأمر بعده. وقالوا: إن أبا بكر وعمر لم يكن لهما أقارب كما كان لعثمان، فإن بني عبد شمس من أكبر قبائل قريش، ولم يكن من يوازيهم إلا بنو مخزوم. والإنسان مأمور بصلة رحمه من ماله، فإذا اعتقدوا أن ولي الأمر يصله من مال بيت المال مما جعله الله لذوي القربى، استحقوا بمثل هذا أن يوصلوا من بيت المال ما يستحقونه، لكونهم أولي قربى الإمام. وذلك أن نصر ولي الأمر والذب عنه متعين، أقاربه ينصرونه ويذبون عنه ما لا يفعله غيرهم([139]).
وبالجملة، فلابد لكل ذوي أمر من أقوام يأتمنهم على نفسه، ويدفعون عنه من يريد ضرره. فإن لم يكن الناس مع إمامهم كما كانوا مع أبي بكر وعمر، احتاج الأمر إلى بطانة يطمئن إليهم، وهم لابد لهم من كفاية. فهذا أحد التأويلين.
والتأويل الثاني: أنه كان يعمل في المال. وقد قال الله تعالى: { وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } [التوبة: 60]. والعامل على الصدقة الغني له أن يأخذ بعمالته باتفاق المسلمين.
والعامل في مال اليتيم قد قال الله تعالى فيه: { وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } [النساء: 6]. وهل الأمر للغني بالاستعفاف أمر إيجاب أو أمر استحباب؟ على قولين.
ووليّ بيت المال وناظر الوقف هل هو كعامل الصدقة أو كوليّ اليتيم؟ على قولين. وإذا جعل ولي الأمر كعامل الصدقة استحق مع الغني. وإذا جعل كولي اليتيم ففيه القولان. فهذه ثلاثة أقوال، وعثمان على قولين: كان له الأخذ مع الغني. وهذا مذهب الفقهاء، ليست كأغراض الملوك التي لم يوافق عليها أحد من أهل العلم.
ومعلوم أن هذه التأويلات إن كانت مطابقة فلا كلام، وإن كانت مرجوحة فالتأويلات في الدماء التي جرت من عليّ ليست بأوجه منها. والاحتجاج لهذه الأقوال أقوى من الاحتجاج لقول من رأى القتال.
 
عبد الله بن مسعود وجمع القرآن
 
وأما قوله: "وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفّره".
فالجواب: أن هذا من الكذب البيّن على ابن مسعود، فإن علماء أهل النقل يعلمون أن ابن مسعود ما كان يكفّر عثمان، بل لما وَلِيَ عثمان وذهب ابن مسعود إلى الكوفة قال: "ولينا أعلانا ذا فوق ولم نأل".
وكان عثمان في السنين الأوَل من ولايته لا ينقمون منه شيئاً ولما كانت السنين الآخرة نقموا منه أشياء بعضها هم معذورون فيه، وكثير منها كان عثمان هو المعذور فيه.
من جملة ذلك أمر ابن مسعود؛ فإن ابن مسعود بقي في نفسه من أمر المصحف، لما فوَّض كتابته إلى زيد دونه، وأمر الصحابة أن يغسلوا مصاحفهم. وجمهور الصحابة كانوا على ابن مسعود مع عثمان، وكان زيد بن ثابت قد انتدبه قبل ذلك أبو بكر وعمر لجمع المصحف في الصحف، فندب عثمان من ندبه أبو بكر وعمر، وكان زيد بن ثابت قد حفظ العرضة الأخيرة، فكان اختبار تلك أحب إلى الصحابة، فإن جبريل عارض النبي صلّى الله عليه وسلّم بالقرآن في العام الذي قُبض فيه مرتين([140]).
وأيضاً فكان ابن مسعود أنكر على الوليد بن عقبة لما شرب الخمر([141])، وقد قدم ابن مسعود إلى المدينة، وعرض عليه عثمان النكاح([142]).
وهؤلاء المبتدعة غرضهم التكفير أو التفسيق للخلفاء الثلاثة بأشياء لا يُفسَّق بها واحد من الولاة، فكيف يفسَّق بها أولئك؟ ومعلوم أن مجرد قول الخصم في خصمه لا يوجب القدح في واحد منهما، وكذلك كلام أحد المتشاجِرَيْن في الآخر.
ثم يُقال: بتقدير أن يكون ابن مسعود طَعَن على عثمان رضي الله عنهما فليس جعل ذلك قدحاً في عثمان بأولى من جعله قدحاً في ابن مسعود.
وإذا كان كل واحد منهما مجتهداً فيما قاله أثابه الله على حسناته وغفر له خطأه، وإن كان صدر من أحدهما ذنب، فقد علمنا أن كلاً منهما وليٌّ لله، وأنه من أهل الجنة، وأنه لا يدخل النار، فذنب كل واحد منهما لا يعذّبه الله عليه في الآخرة.
وعثمان أفضل من كل من تكلَّم فيه.
هو أفضل من ابن مسعود، وعمَّار، وأبي ذر، ومن غيرهم من وجوه كثيرة، كما ثبت ذلك بالدلائل الكثيرة.
فليس جعل كلام المفضول قادحاً في الفاضل بأولى من العكس، بل إن أمكن الكلام بينهما بعلمٍ وعدل، وإلا تكلم بما يُعلم من فضلهما ودينهما، وكان من شجر بينهما وتنازعا فيه أمره إلى الله.
ولهذا أوصوا بالإمساك عما شَجَرَ بينهم، لأنا  نُسأل عن ذلك.
كما قال عمر بن عبد العزيز: "تلك دماء طهَّر الله منها يدي، فلا أحب أن أخضّب بها لساني".
وقال آخر: { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [البقرة: 134].
لكن إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل، فلابد من الذّبّ عنهم، وذكر ما يبطل حجته بعلمٍ وعدل.
وكذلك ما نقل من تكلّم عمّار في عثمان، وقول الحسن فيه، ونقل عنه أنه قال: "لقد كَفَر عثمان كفرة صلعاء" وأن الحسن بن عليّ أنكر ذلك عليه، وكذلك عليّ، وقال له: "يا عمار أتكفر بربّ آمن به عثمان؟".
وقد تبيّن أن الرجل المؤمن الذي هو ولي لله قد يعتقد كفر الرجل المؤمن الذي هو وليّ لله، ويكون مخطئاً في هذا الاعتقاد، ولا يقدح هذا في إيمان واحدٍ منهما وولايته. كما ثبت في الصحيح أن أسيد بن حضير قال لسعد بن عبادة بحضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم: "إنك منافق تجادل عن المنافقين"، وكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لحاطب بن أبي بلتعة: "دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق"، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم“.
فعمر أفضل من عمّار، وعثمان أفضل من حاطب بن أبي بلتعة بدرجات كثيرةٍ.
وحجة عمر فيما قال لحاطب أظهر من حجة عمّار.
ومع هذا فكلاهما من أهل الجنة، فكيف لا يكون عثمان وعمّار من أهل الجنة، وإن قال أحدهما للآخر ما قال؟! مع أن طائفة من العلماء أنكروا أن يكون عمّار قال ذلك([143]).
 
لأمير المؤمنين تأديب رعيته
 
وأما قول: "إنه لما حكم ضرب ابن مسعود حتى مات".
فهذا كذب باتفاق أهل العلم، فإنه لَمّا وَلى أقرّ ابن مسعود على ما كان عليه من الكوفة، إلى أن جرى من ابن مسعود ما جرى، وما مات ابن مسعود من ضرب عثمان أصلاً.
وفي الجملة فإذا قيل إن عثمان ضرب ابن مسعود أو عمَّاراً، فهذا لا يقدح في أحد منهم؛ فإنا نشهد أن الثلاثة في الجنة، وأنهم من أكابر أولياء الله المتقين. وقد قدَّمنا أن وليَّ الله قد يصدر منه ما يستحق عليه العقوبة الشرعية، فكيف بالتعزيز؟
وقد ضرب عمر بن الخطاب أُبَيْ بن كعب بالدِّرَّة لما رأى الناس يمشون خلفه. فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع.
فإن كان عثمان أدّب هؤلاء، فإما أن يكون عثمان مصيباً في تعزيرهم لاستحقاقهم ذلك، أ, يكون ذلك الذي عُزِّروا عليه تابوا منه، أو كفِّر عنهم بالتعزير وغيره من المصائب، أو بحسناتهم العظيمة، أو بغير ذلك.
وإما أن يقال: كانوا مظلومين مطلقاً، فالقول في عثمان كالقول فيهم وزيادة، فإنه أفضل منهم، وأحق بالمغفرة والرحمة.
وقد يكون الإمام مجتهداً في العقوبة مثاباً عليها، وأولئك مجتهدون فيما فعلوه لا يأثمون به، بل يثابون عليه لاجتهادهم. مثل شهادة أبي بكرة على المغيرة، فإن أبا بكرة رجل صالح من خيار المسلمين، وقد كان محتسباً في شهادته معتقداً أنه يُثاب على ذلك، وعمر أيضاً محتسب في إقامة الحدّ عليه مثاب على ذلك.
فلا يمتنع أن يكون ما جرى من عثمان في تأديب ابن مسعود وعمَّار من هذا الباب.
وإذا كان المقتتلون قد يكون كل منهم مجتهداً مغفوراً له خطؤه فالمختصمون أولى بذلك.
وإما أن يقال: كان مجتهداً وكانوا مجتهدين. فمثل هذا يقع كثيراً: يفعل الرجل شيئاً باجتهاده، ويرى ولي الأمر أن مصلحة المسلمين لا تتم إلا بعقوبته، كما أنها لا تتم إلا بعقوبة المتعدّي، وإن تاب بعد رفعه إلى الإمام.
فالزاني والسارق والشارب إذا تابوا بعد الرفع إلى الإمام وثبوت الحد عليهم، لم يسقط الحد عنهم بالتوبة، بل يعاقبون مع كونهم بالتوبة مستحقّين للجنة، ويكون الحد مما يثابون عليه ويؤجرون عليه، ويكفّر الله به ما يحتاج إلى التكفير.
ولو أن رجلاً قتل من اعتقده مستحقّاً لقتله قصاصاً، أو أخذ ما لا يعتقد أنه له في الباطن، ثم ادّعى أهل المقتول وأهل المال بحقهم عند ولي الأمر، حكم لهم به، وعاقب من امتنع من تسليم المحكوم به إليهم، وإن كان متأولاً فيما فعله، بل بريئاً في الباطن.
وأكثر الفقهاء يحدون من شرب النبيذ المتنازع فيه، وإن كان متأوّلاً. وكذلك يأمرون بقتال الباغي المتأوّل لدفع بغيه، وإن كانوا مع ذلك لا يفسِّقونه لتأويله.
وقد ثبت في الصحيح أن عمّار بن ياسر لما أرسله عليّ إلى الكوفة هو والحسن ليعينوا على عائشة، قال عمّار بن ياسر: إنّا لنعلم أنها زوجة نبيّكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها لينظر: إياه تطيعون أم إياها؟([144]).
فقد شهد لها عمّار بأنها من أهل الجنة زوجة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الآخرة، ومع هذا دعا الناس إلى دفعها بما يمكن من قتال وغيره.
فإذا كان عمّار يشهد لها بالجنة ويقاتلها، فكيف لا يشهد له عثمان بالجنة ويضربه؟
وغاية ما يُقال: إن ما وقع كان هذا وهذا وهذا مذنبين فيه. وقد قدّمنا القاعدة الكلية أن القوم مشهود لهم بالجنة وإن كان لهم ذنوب.
 
حبّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم لعمار بن ياسر
 
وأما قوله: "وقال فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”عمّار جلدة بين عَيْنَي، تقتله الفئة الباغية، لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة“.
فيقال: الذي في الصحيح: ”تقتل عمَّار الفئة الباغية“. وطائفة من العلماء ضعفوا هذا الحديث، منهم الحسين الكرابيسي وغيره، ونقل ذلك عن أحمد أيضاً.
وأما قوله: "لا أنالهم الله شفاعتي" فكذب مزيد في الحديث، لم يروه أحد من أهل العلم بإسناد معروف.
وكذلك قوله: "عمَّار جلدة بين عيني" لا يعرف له إسناد.
ولو قيل مثل ذلك، فقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: ”إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها“.
وفي الصحيح عنه أنه قال: ”لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها“.
وثبت عنه في الصحيح أنه كان يحب أسامة، ثم يقول: ”اللهم إني أحبه وأحب من يحبه“([145]).
ومع هذا لما قتل ذلك الرجل أنكر عليه إنكاراً شديداً، وقال: ”يا أسامة أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله“ قال: فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ"([146]).
وثبت عنه في الصحيح أنه قال: ”يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً، يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً“. الحديث.
وثبت عنه في عبد الله حمار أنه كان يضربه على شرب الخمر مرة بعد مرة، وأخبر عنه أنه يحب الله ورسوله.
وقال في خالد: ”سيف من سيوف الله“ ولَمّا فعل في بني جذيمة ما فعل قال: ”اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد“.
وثبت عنه أن قال لعليّ: ”أنت مني وأنا منك“.
ولما خطب بنت أبي جهل قال: ”إن بني المغيرة استأذنوني في أن يزوِّجوا ابنتهم عليّاً، وإني لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلِّق ابنتي ويتزوج ابنتهم، والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد“.
وفي حديث آخر أنه رأى أبا بكر يضرب عبده وهو مُحْرِم، فقال: ”انظروا ما يفعل بالمحرم“([147]) ومثل هذا كثير.
فكون الرجل محبوباً لله ورسوله، لا يمنع أن يُؤَدَّب بأمر الله ورسوله، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ”ما يصيب المؤمن من وَصَبٍ ولا نَصَب، ولا هَمٍّ ولا حزن، ولا غمّ ولا أذى، حتى الشوكة يشاكّها إلا كفَّر الله بها من خطاياه“ أخرجاه في الصحيحين.
ولما نزل قوله تعالى: { مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } [النساء: 123]. قال أبو بكر: يا رسول الله قد جاءت قاصمة الظهر. فقال: ”ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فهو مما تُجزون به“ رواه أحمد وغيره([148]).
وفي الحديث: ”الحدود كفَّارات لأهلها“([149]).
وفي الصحيحين عن عبادة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا ولا تسرقوا، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفَّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه، فأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له“([150]).
فإذا كانت المصائب السماوية التي تجري بغير فعل بشر مما يكفر الله بها الخطايا، فما يجري من أذى الخلق والمظالم بطريق الأولى، كما يصيب المجاهدين من أذى الكفار، وكما يصيب الأنبياء من أذى من يكذبهم، وكما يصيب المظلوم من أذى الظالم.
وإذا كان هذا مما يقع معصية لله ورسوله، فما يفعله ولي الأمر من إقامة حد وتعزير يكون تكفير الخطايا به أولى.
وكانوا في زمن عمر إذا شرب أحدهم الخمر جاء بنفسه إلى الأمير وقال: "طهّرني".
وقد جاء ماعز بن مالك والغامدية إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وطلبا منه التطهير.
وإذا كان كذلك، فكون الرجل وليّاً لله لا يمنع أن يحتاج إلى ما يكفر الله به سيئاته، من تأديب ولي الأمر الذي أمَّره الله عليه، وغير ذلك.
وإذا قيل: هم مجتهدون معذورون فيما أدَّبهم عليه عثمان، فعثمان أولى أن يقال فيه: كان مجتهداً معذوراً فيما أدّبهم عليه، فإنه إمام مأمور بتقويم رعيته. وكان عثمان أبعد عن الهوى، وأولى بالعلم والعدل فيما أدّبهم عليه، رضي الله عنهم أجمعين.
ولو قدح رجل في عليّ بن أبي طالب بأنه قاتل معاوية وأصحابه وقاتل طلحة والزبير.
لقيل له: عليّ بن أبي طالب أفضل وأولى بالعلم والعدل من الذين قاتلوه، فلا يجوز أن يَجْعَلَ الذين قاتلوه هم العادلين، وهو ظالم لهم.
كذلك عثمان فيمن أقام عليه حدّاً أو تعزيراً هو أولى بالعلم والعدل منهم. وإذا وجب الذّبّ عن عليّ لمن يريد أن يتكلم فيه بمثل ذلك فالذّبّ عن عثمان لمن يريد أن يتكلم فيه بمثل ذلك أولى.
 
قصة نفي الحكم ليست في الصحاح وسندها ضعيف
 
وقوله: "وطرد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الحكم بن أبي العاص عم عثمان عن المدينة، ومعه ابنه مروان، فلم يزل هو وابنه طريدين في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر وعمر، فلما وَلِيَ عثمان آواه وردّه إلى المدينة، وجعل مروان كاتبه وصاحبه تدبيره. مع أن الله قال: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22].
والجواب: أن الحكم بن أبي العاص كان من مسلمة الفتح، وكانوا ألفَيْ رجل، ومروان ابنه كان صغيراً إذ ذاك، فإنه من أقران ابن الزبير والمسور بن مخرمة، عمره حين الفتح سن التمييز: إما سبع سنين، أو أكثر بقليل، أو أقل بقليل، فلم يكن لمروان ذنب يطرد عليه على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم. فإن كان قد طرده، فإنما طرده من مكة لا من المدينة، ولو طرده من المدينة لكان يرسله إلى مكة. وقد طعن كثير من أهل العلم في نفيه، وقالوا: هو ذهب باختياره([151]).
وقصة نفي الحكم ليست في الصحاح، ولا لها إسناد يعرف به أمرها.
ومن الناس من يروي أنه حاكى النبي صلّى الله عليه وسلّم في مشيته، ومنهم من يقول غير ذلك، ويقولون: إنه نفاه إلى الطائف.
والطلقاء ليس فيهم من هاجر، بل قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية“([152]).
ولما قدم صفوان بن أمية مهاجراً أمره النبي صلّى الله عليه وسلّم بالرجوع إلى مكة. ولَمّا أتاه العباس برجل ليبايعه على الهجرة وأقسم عليه، أخذ بيده وقال: إني أبررت قسم عمِّي، ولا هجرة بعد الفتح.
وكان العباس قد خرج من مكة إلى المدينة قبل وصول النبي صلّى الله عليه وسلّم إليها عام الفتح، فلقيه في الطريق. فلم تكن الطلقاء تسكن المدينة. فإن كان قد طرده فإنما طرده من مكة لا من المدينة، ولو طرده من المدينة لكان يرسله إلى مكة.
وقد طعن كثير من أهل العلم في نفيه كما تقدم، وقالوا: هو ذهب باختياره.
والطرد هو النفي، والنفي قد جاءت به السنة في الزاني وفي المخنَّثين، وكانوا يعزرون بالنفي. وإذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم قد عزَّر رجلاً بالنفي، لم يلزم أن يبقى منفياً طول الزمان، فإن هذا لا يعرف في شيء من الذنوب، ولم تأت الشريعة بذنب يبقى صاحبه منفياً دائماً، بل غاية النفي المقدر سنة، وهو نفي الزاني والمخنث حتى يتوب من التخنيث، فإن كان تعزير الحاكم لذنب يتوب منه، فإذا تاب سقطت العقوبة عنه، وإن كانت على ذنب ماضٍ فهو أمر اجتهادي لم يقدر فيه قدر، ولم يوقت فيه وقت.
وإذا كان كذلك، فالنفي كان في آخر الهجرة، فلم تطل مدته في زمن أبي بكر وعمر. فلما كان عثمان طالت مدته، وقد كان عثمان شفع في عبد الله بن أبي سرح إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكان كاتباً للوحي، وارتد عن الإسلام، وكان النيب صلّى الله عليه وسلّم قد أهدر دمه فيمن أهدر، ثم جاء به عثمان فقبل النبي صلّى الله عليه وسلّم شفاعته فيه وبايعه، فكيف لا يقبل شفاعته في الحكم؟!
وقد رووا أن عثمان سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يردَّه فأذن له في ذلك، ونحن نعلم أن ذنبه دون ذنب عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وقصة عبد الله ثابتة معروفة بالإسناد الثابت.
وأما قصة الحكم فعامة من ذكرها إنما ذكرها مرسلة، وقد ذكرها المؤرخون الذين يكثر الكذب فيما يروونه، وقل أن يسلم لهم نقلهم من الزيادة والنقصان، فلم يكن هنا نقل ثابت يوجب القدح فيمن هو دون عثمان.
والمعلوم من فضائل عثمان، ومحبة النبي صلّى الله عليه وسلّم له، وثنائه عليه، وتخصيصه بابنتيه، وشهادته له بالجنة، وإرساله إلى مكة، ومبايعته له عنه لما أرسله إلى مكة، وتقديم الصحابة له باختيارهم في الخلافة، وشهادة عمر وغيره له بأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مات وهو عنه راض، وأمثال ذلك مما يوجب العلم القطعي بأنه من كبار أولياء الله المتقين، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، فلا يدفع هذا بنقل لا يثبت إسناده، ولا يعرف كيف وقع، ويجعل لعثمان ذنب بأمرٍ لا يعرف حقيقته، بل مثل هذا مثل الذين يعارضون المحكم بالمتشابه، وهذا من فعل الذين في قلوبهم زيغ، الذين يبتغون الفتنة.
ولا ريب أن الرافضة من شرار الزائغين الذين يبتغون الفتنة الذين ذمهم الله ورسوله.
وبالجملة فنحن نعلم قطعاً أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يأمر بنفي أحدٍ دائماً ثم يردُّه عثمان معصيةً لله ورسوله، ولا ينكر ذلك عليه المسلمون. وكان عثمان رضي الله عنه أتقى لله من أن يُقْدِم على مثل هذا، بل هذا مما يدخله الاجتهاد، فلعل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يرداه لأنه لم يتبين لهما توبته، وتبين ذلك لعثمان. وغاية ما يقدر أن يكون هذا خطأ من الاجتهاد أو ذنباً، وقد تقدم الكلام على ذلك.
وأما استكتابه مروان، فمروان لم يكن له في ذلك ذنب، لأنه كان صغيراً لم يجر عليه القلم، ومات النبي صلّى الله عليه وسلّم ومروان لم يبلغ الحلم باتفاق أهل العلم، بل غايته أن يكون له عشر سنين أو قريب منها، وكان مسلماً باطناً وظاهراً، يقرأ القرآن ويفقه في الدين، ولم يكن قبل الفتنة معروفاً بشيء يعاب به، فلا ذنب لعثمان في استكتابه.
وأما الفتنة فأصابت من هو أفضل من مروان، ولم يكن مروان ممن يحاد الله ورسوله.
وأما أبوه الحكم فهو من الطلقاء، والطلقاء حسن إسلام أكثرهم وبعضهم فيه نظر. ومجرد ذنب يعزر عليه لا يوجب أن يكون منافقاً في الباطن.
والمنافقون تجري عليهم في الظاهر أحكام الإسلام، ولم يكن أحد من الطلقاء بعد الفتح يظهر المحادة لله ورسوله، بل يرث ويورث، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، وتجرى عليه أحكام الإسلام التي تجرى على غيره.
وقد عرف نفاق جماعة من الأوس والخزرج كعبد الله بن أُبَيّ بن سلول وأمثاله، ومع هذا كان المؤمنون يتعصبون لهم أحياناً، كما تعصب سعد بن عبادة لابن أُبَيّ بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال لسعاد بن معاذ: ”والله لا تقتله ولا تقدر على قتله“.
وهذا وإن كان ذنباً من سعد لم يخرجه ذلك عن الإيمان، بل سعد من أهل الجنة، ومن السابقين الأولين من الأنصار. فكيف بعثمان إذا آوى رجلاً لا يعرف أنه منافق؟!
ولو كان منافقاً لم يكن الإحسان إليه موجباً للطعن في عثمان فإن الله تعالى يقول: { لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [الممتحنة: 8].
وقد ثبت في الصحيح أن أسماء بنت أبي بكر قالت: يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: ”نعم صِلي أمك“([153]).
وقد أوصت صفية بنت حيي بن أخطب لقرابة لها من اليهود.
فإذا كان الرجل المؤمن قد يصل أقاربه الكفّار، ولا يخرجه ذلك عن الإيمان، فكيف إذا وصل أقاربه المسلمين، وغاية ما فيهم أن يتهموا بالنفاق؟!
وأم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب كان أبوها من رؤوس اليهود المحادين لله ورسوله، وكانت هي امرأة صالحة من أمهات المؤمنين المشهود لهم بالجنة، ولما ماتت أوصت لبعض أقاربها من اليهود([154])، وكان ذلك مما تُحمد عليه لا مما تذم عليه.
وهذا مما احتج به الفقهاء على جواز صلة المسلم لأهل الذمة بالصدقة عليهم والوصية لهم. فكيف بأمير المؤمنين إذا أحسن إلى عمّه المظهر للإسلام؟!
وهذا حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين بأخبار النبي صلّى الله عليه وسلّم عام الفتح، وقد أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه من أهل الجنة لشهوده بدراً والحديبية، وقال لمن قال: "إنه منافق": ”ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم“.
وأين حاطب من عثمان؟ فلو قدر – والعياذ بالله – أن عثمان فعل مع أقاربه ما هو من هذا الجنس، لكان إحساننا القول فيه والشهادة له بالجنة أولى بذلك من حاطب بن أبي بلتعة.
 
السبب الحقيقي في اعتزال أبي ذر
 
وأما قوله: "إنه نفي أبا ذر إلى الرَّبذة وضربه ضرباً وجيعاً، مع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال في حقه: ما أقلَّت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. وقال: إن الله أوحى إليّ أنه يحب أربعة من أصحابي وأمرني بحبهم. فقيل له: من هم يا رسول الله؟ قال: عليّ سيدهم، وسلمان، والمقداد، وأبو ذر"([155]).
فالجواب: أن أبا ذر سكن الربذة ومات بها لسبب ما كان يقع بينه وبين الناس([156])، فإن أبا ذر رضي الله عنه كان رجلاً صالحاً زاهداً، وكان من مذهبه أن الزهد واجب، وأن ما أمسكه الإنسان فاضلاً عن حاجته فهو كنـز يكوى به في النار، واحتج على ذلك بما لا حجة فيه من الكتاب والسنة احتج بقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } [التوبة: 34]، وجعل الكنـز ما يفضل عن الحاجة، واحتج بما سمعه من النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو أنه قال: ”يا أبا ذر ما أحب أن لي مثل أُحُد ذهباً يمضي عليه ثالثة وعندي منه دينار، إلا ديناراً أرصده لديه“ وأنه قال: ”الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا“([157]).
ولما توفي عبد الرحمن بن عوف وخلف مالاً، جعل أبو ذر ذلك من الكنـز الذي يعاقب عليه، وعثمان يناظره في ذلك، حتى دخل كعب ووافق عثمان، فضربه أبو ذر، وكان قد وقع بينه وبين معاوية بالشام بهذا السبب.
وافق أبا ذر على هذا طائفة من النّسّاك، كما يذكر عن عبد الواحد بن زيد ونحوه، ومن الناس من يجعل الشبلي من أرباب هذا القول. وأما الخلفاء الراشدون وجماهير الصحابة والتابعين فعلى خلاف هذا القول([158]).
فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنه قال: ”ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة“([159]). ففي الوجوب فيما دون المائتين، ولم يشترط كون صاحبها محتاجاً إليها أم لا.
وقال جمهور الصحابة: الكنـز هو المال الذي لم تؤدّ حقوقه، وقد قسَّم الله تعالى المواريث في  القرآن، ولا يكون الميراث إلا لمن خلف مالاً. وقد كان غير واحد من الصحابة له مال على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، من الأنصار، بل ومن المهاجرين. وكان غير واحد من الأنبياء له مال.
وكان أبو ذر يريد أن يوجب على الناس ما لم يوجب الله عليهم، ويذمهم على ما لم يذمهم الله عليه، مع أنه مجتهد في ذلك، مثاب على طاعته رضي الله عنه، كسائر المجتهدين من أمثاله.
وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم ليس فيه إيجاب، إنما قال: ”ما أحب أن يمضي عليَّ ثالثة وعندي من شيء“ فهذا يدل على استحباب إخراج ذلك قبل الثالثة لا على وجوبه. وكذا قوله: ”المكثرون هم المقلون“ دليل على أن من كثر ماله قلت حسناته يوم القيامة إذا لم يكثر الإخراج منه، وذلك لا يوجب أن يكون الرجل القليل الحسنات من أهل النار، إذا لم يأت كبيرة ولم يترك فريضة من فرائض الله.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقوم رعيته تقويماً تاماً، فلا يعتدي لا الأغنياء ولا الفقراء، فلما كان في خلافة عثمان توسّع الأغنياء في الدنيا، حتى زاد كثير منهم على قدر المباح في المقدار والنوع، وتوسع أبو ذر في الإنكار حتى نهاهم عن المباحات. وهذا من أسباب الفتن بين الطائفتين.
فكان اعتزال أبي ذر لهذا السبب، ولم يكن لعثمان مع أبي ذر غرض من الأغراض.
وأما كون أبي ذر من أصدق الناس، فذاك لا يوجب أنه أفضل من غيره، بل كان أبو ذر مؤمناً ضعيفاً، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال له: ”يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحل لنفسي. لا تأمّرنّ على اثنين، ولا تولين مال يتيم“([160]).
وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: ”المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير“([161]).
وأهل الشورى مؤمنون أقوياء، وأبو ذر وأمثاله مؤمنون ضعفاء. فالمؤمنون الصالحون لخلافة النبوة، كعثمان وعليّ وعبد الرحمن بن عوف، أفضل من أبي ذر وأمثاله.
والحديث المذكور بهذا اللفظ الذي ذكره الرافضي ضعيف، بل موضوع، وليس له إسناد يقوم به.
 
مسـألة قتل الهرمزان
 
وأما قوله: "إنه ضيّع حدود الله، فلم يقتل عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان مولى أمير المؤمنين بعد إسلامه، وكان أمير المؤمنين يطلب عبيد الله لإقامة القصاص عليه، فلحق بمعاوية. وأراد أن يعطل حدّ الشرب في الوليد بن عقبة، حتى حدّه أمير المؤمنين. وقال: لا تبطل حدود الله وأنا حاضر".
فالجواب: أما قوله: "إن الهرمزان كان مولى عليّ".
فمن الكذب الواضح، فإن الهرمزان كان من الفرس الذي استنابهم كسرى على قتال المسلمين، فأسره المسلمون وقَدِموا به على عمر، فأظهر الإسلام، فمنَّ عليه عمر وأعتقه، فإن كان عليه ولاء فهو للمسلمين، وإ، كان الولاء لمن باشر العتق فهو لعمر، وإن لم يكن عليه ولاء، بل هو كالأسير إذا منّ عليه فلا ولاء عليه، فإن العلماء تنازعوا في الأسير إذا أسلم: هل يصير رقيقاً بإسلامه؟ أم يبقى حرّاً يجوز المن عليه والمفاداة كما كان قبل الإسلام؟ مع اتفاقهم على أنه عَصَم بالإسلام دمه.
وفي المسألة قولان مشهوران، هما قولان في مذهب أحمد وغيره. وليس لعليّ سعي لا في استرقاقه ولا في إعتاقه. ولما قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان الذي قتله أبو لؤلؤة الكافر المجوسي مولى المغيرة بن شعبة وكان بينه وبين الهرمزان مجانسة، وذُكر لعبيد الله بن عمر أنه رُؤِيَ عند الهرمزان حين قتل عمر، فكان ممن اتهم بالمعاونة على قتل عمر([162]).
وقد قال عبد الله بن عباس لما قُتل عمر، وقال له عمر: قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة. فقال: إن شئت أن نقتلهم. فقال: "كذبت، أما بعد إذ تكلموا بلسانكم، وصلُّوا إلى قبلتكم"([163]).
فهذا ابن عباس وهو أفقه من عُبَيْد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير يستأذن عمر في قتل علوج الفرس مطلقاً الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموهم بالفساد اعتقد جواز مثل هذا، فكيف لا يعتقد عبد الله جواز قتل الهرمزان؟ فلما استشار عثمان الناس في قتله، فأشار عليه طائفة من الصحابة أن لا تقتله، فإن أباه قُتل بالأمس ويُقتل هو اليوم، فيكون في هذا فساد في الإسلام، وكأنهم وقعت لهم شبهة في عصمة الهرمزان، وهل كان من الصائلين الذين كانوا يستحقون الدفع؟ أو من المشاركين في قتل عمر الذين يستحقون القتل؟
وقد تنازع الفقهاء في المشركين في القتل إذا باشر بعضهم دون بعض. فقيل: لا يجب القود إلا على المباشر خاصة. وهو قول أبي حنيفة. وقيل: إذا كان السبب قوياً وجب على المباشر والمتسبب كالمكرِه والمكرَه، وكالشهود بالزنا والقصاص إذا رجعوا وقالوا: تعمدنا. وهذا مذهب الجمهور كمالك والشافعي وأحمد. ثم إذا أمسك واحد وقتله الآخر، فمالك يوجب القَوَد على الممسك والقاتل، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. والرواية الأخرى: يُقتل القاتل ويُحبس الممسك حتى يموت، كما رُوي عن ابن عباس. وقيل: لا قود إلى على القاتل، كقول أبي حنيفة والشافعي.
وقد تنازعوا أيضاً في الآمر الذي لم يُكرِه، إذا أمر من يعتقد أن القتل محرّم، هل يجب القو على الآمر؟ على قولين.
وأما الردء فيما يحتاج فيه إلى المعاونة كقطع الطريق، فجمهورهم على أن الحدّ يجب على الردء والمباشر جميعاً. وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد. وكان عمر بن الخطاب يأمر بقتل الربيئة([164]) وهو الناطور([165]) لقطّاع الطريق.
وإذا كان الهرمزان من أعان على قتل عمر جاز قتله في أحد القولين قصاصاً. وعمر هو القائل في المقتول بصنعاء: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به".
وأيضاً فقد تنازع الناس في قتل الأئمة: هل يقتل قاتلهم حدّاً أو قصاصاً؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره. أحدهما: أنهم يقتلون حدّاً، كما يقتل القاتل في المحاربة حدّاً، لأن قتل الأئمة فيه فساد عام أعظم من فساد قطّاع الطريق، فكان قاتلهم محارباً لله ورسوله، ساعياً في الأرض فساداً. وعلى هذا خرّجوا فعل الحسن بن علي رضي الله عنهما لما قتل ابن ملجم قاتل عليّ، وكذلك قتل قتلة عثمان.
وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر كان من المفسدين في الأرض المحاربين، فيجب قتله لذلك. ولو قُدِّر أن المقتول معصوم الدم يحرم قتله، لكن كان متأوّلاً يعتقد حلّ قتله لشبهة ظاهرة، صار ذلك شبهة تدرأ القتل عن القاتل. كما أن أسامة بن زيد لما قتل ذلك الرجل بعدما قال: لا إله إلا الله، واعتقد أن هذا القول لا يعصمه، عزَّره النبي صلّى الله عليه وسلّم بالكلام ولم يقتله لأنه كان متأولاً، لكن الذي قتله أسامة كان مباحاً قبل القتل، فشك في العاصم.
وإذا كان عبيد الله بن عمر متأولاً يعتقد أن الهرمزان أعان على قتل أبيه، وأنه يجوز له قتله، صارت هذه شبهة يجوز أن يجعلها المجتهد مانعة من وجوب القصاص، فإن مسائل القصاص فيها مسائل كثيرة اجتهادية.
وأيضاً فالهرمزان لم يكن له أولياء يطلبون دمه وإنما وليّه وليّ الأمر. ومثل هذا إذا قتله قاتل كان للإمام قتل قاتله، لأن وليّه، وكان له العفو عنه إلى الدّية لئلا تضيع حقوق المسلمين. فإذا قدّر أن عثمان عفا عنه، ورأى قدر الدّيّة أن يعطيها لآل عمر، لما كان على عمر من الدَّين، فإنه كان عليه ثمانون ألفاً، وأمر أهله أن يقضوا دينه من أموال عصبته عاقلة الرجل هم الذين يحملون كلَّه، والدّيّة لو طالب بها عبيد الله، أو عصبة عبيد الله إذا كان قتله خطأ أو عفا عنه إلى الدية فهم الذين يؤدُّون دَيْن عمر، فإذا أعان بها في دَين عمر كان هذا من محاسن عثمان التي تُمدح بها لا يُذم.
وقد كانت أموال بيت المال في زمن عثمان كثيرة، وكان يعطي الناس عطاءً كثيراً أضعاف هذا، فكيف لا يعطي هذا لآل عمر؟
وبكل حال فكانت مسألة اجتهادية، وإذا كانت مسألة اجتهادية، وقد رأى طائفة كثيرة من الصحابة أن لا يُقتل، ورأى آخرون أن يُقتل، لم يُنكر على عثمان ما فعله باجتهاده، ولا علي عليّ ما قاله باجتهاده.
وقد ذكرنا تنازع العلماء في قتل الأئمة: هل هو من باب الفساد الذي يجب قتل صاحبه حتماً، كالقاتلين لأخذ المال؟ أم قتلهم كقتل الآحاد الذين يقتل أحدهم الآخر لغرض خاص فيه، فيكون على قاتل أحدهم القود؟ وذكرنا في ذلك قولين، وهما قولان في مذهب أحمد وغيره، وذكرهما القاضي أبو يعلى وغيره.
فمن قال: إن قتلهم حدٌّ. قال: إن جنايتهم توجب من الفتنة والفساد أكثر مما يوجبه جناية بعض قطّاع الطريق لأخذ المال، فيكون قاتل الأئمة من المحاربين لله ورسوله، الساعين في الأرض فساداً.
ويدل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرِّق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان“.
فأمَرَ بقتل الواحد المريد لتفريق الجماعة، ومن قتل إمام المسلمين فقد فرّق جماعتهم.
ومن قال هذا قال: إن قاتل عمر يجب قتله حتماً، وكذلك قتلة عثمان قتلهم حتماً، وكذلك قاتل عليّ يجب قتله حتماً.
وبهذا يُجاب عن ابنه الحسن بن عليّ وغيره من يعترض عليهم، فنقول: كيف قتلوا قاتل عليّ، وكان في ورثته صغار وكبار، والصغار لم يبلغوا؟
فيجاب عن الحسن بجوابين: أحدهما: أن قتله كان واجباً حتماً، لأن قتل عليّ وأمثاله من أعظم المحاربة لله ورسوله والفساد في الأرض.
ومنهم من يجيب بجواز انفراد الكبار بالقود، كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين.
وإذا كان قتل عمر وعثمان وعليّ ونحوهم من باب المحاربة، فالمحاربة يشترط فيها الردء والمباشر عند الجمهور. فعلى هذا من أعان على قتل عمر، ولو بكلام، وجب قتله. وكان الهرمزان ممن ذُكر عنه أنه أعان على قتل عمر بن الخطاب.
وإذا كان الأمر كذلك كان قتله واجباً، ولكن كان قتله إلى الأئمة فافتات عبيد الله بقتله، وللإمام أن يعفو عمن افتات عليه.
وأما قوله: إن عليّاً كان يريد قتل عبيد الله بن عمر. فهذا لو صح كان قدحاً في علي.
والرافضة لا عقول لهم، يمدحون بما هو إلى الذم أقرب؛ فإنها مسألة اجتهاد، وقد حكم حاكم بعصمة الدم، فكيف يحل لعليّ نقضه؟ وعليّ ليس ولي المقتول، ولا طلب وليّ المقتول القَوَد. وإذا كان حقه لبيت المال، فللإمام أن يعفو عنه. وهذا مما يُذكر في عفو عثمان، وهو أن الهرمزان لم يكن له عصبة إلا السلطان، وإذا قُتل من لا وليّ له، كان للإمام أن يقتل قاتله، وله أن لا يقتل قاتله، ولكن يأخذ الدّية، والدِّية حق للمسلمين، فيصرفها في مصارف الأموال. وإذا ترك لآل عمر دية مسلم، كان هذا بعض ما يستحقونه على المسلمين.
وبكل حال فلم يكن بعد عفو عثمان وحكمه بحقن دمه يباح قتله أصلاً. وما أعلم في هذا نزاعاً بين المسلمين، فكيف يجوز أن يُنسب إلى عليّ مثل ذلك؟
ثم يقال: يا ليت شعري متى عزم عليٌّ على قتل عبيد الله؟ ومتى تمكن عليّ من قتل عبيد الله؟ أو متى تفرّغ له حتى ينظر في أمره؟
وعبيد الله كان معه ألوف مؤلفة من المسلمين مع معاوية، وفيهم خير من عبيد الله بكثير. وعليّ لم يمكنه عزل معاوية، وهو عزل مجرد. أفكان يمكنه قتل عبيد الله؟!
ومن حين مات عثمان تفرّق الناس، وعبد الله بن عمر الرجل الصالح لحق بمكة، ولم يبايع أحداً، ولم يزل معتزل الفتنة حتى اجتمع الناس على معاوية، ومع محبته لعليّ، ورؤيته له أنه هو المستحق للخلافة، وتعظيمه له، وموالاته له، وذمّه لمن يطعن عليه. ولكن كان لا يرى الدخول في القتال بين المسلمين، ولم يمتنع عن موافقة عليّ إلا في القتال.
وعبيد الله بن عمر لحق معاوية بعد مقتل عثمان، كما لحقه غيره ممن كانوا يميلون إلى عثمان وينفرون عن عليّ. ومع هذا فلم يُعرف لعبيد الله من القيام في الفتنة ما عُرف لمحمد بن أبي بكر والأشتر النخعي وأمثالهما، فإنه بعد القتال وقع الجميع في الفتنة. وأما قبل مقتل عثمان فكان أولئك ممن أثار الفتنة بين المسلمين.
ومن العجب أن دم الهرمزان المتهم بالنفاق، والمحاربة لله ورسوله، والسعي في الأرض بالفساد، تُقام فيه القيامة، ودم عثمان يُجعل لا حرمة له، وهو إمام المسلمين المشهود له بالجنة، الذي هو – وإخوانه – أفضل الخلق بعد النبيين!
ومن المعلوم بالتواتر أن عثمان كان من أكفِّ الناس عن الدماء، وأصبر الناس على من نال من عرضه، وعلى من سعى في دمه فحاصروه وسعوا في قتله، وقد عُرف إرادتهم لقتله، وقد جاءه المسلمون من كل ناحية ينصرونه ويشيرون عليه بقتالهم، وهو يأمر الناس بالكف عن القتال، ويأمر من يطيعه أن لا يقاتلهم. ورُوي أنه قال لمماليكه: من كفَّ يده فهو حر. وقيل له: تذهب إلى مكة؟ فقال: لا أكون ممن ألحد في الحرم. فقيل له: تذهب إلى الشام؟ فقال: لا أفارق دار هجرتي. فقيل له: فقاتلهم. فقال: لا أكون أول من خلف محمداً في أمته بالسيف.
فكان صبر عثمان حتى قُتل من أعظم فضائله عند المسلمين. ومعلوم أن الدماء الكثيرة التي سُفكت باجتهاده عليّ ومن قاتله لم يُسفك قبلها مثلها من دماء المسلمين. فإذا كان ما فعله عليّ مما لا يوجب القدح في عليّ، بل كان دفع الظالمين لعليّ من الخوارج وغيرهم من النواصب القادحين في عليّ واجباً، فلأن يجب دفع الظالمين القادحين في عثمان بطريق الأولى والأحرى، إذ كان بُعد عثمان عن استحلال دماء المسلمين أعظم من بعد عليّ عن ذلك بكثير كثير، وكان من قدح في عثمان بأنه كان يستحل إراقة دماء المسلمين بتعطيل الحدود، كان قد طرق من القدح في عليّ ما هو أعظم من هذا، وسوَّغ لمن أبغض عليّاً وعاداه وقاتله أن يقول: إن علياً عطَّل الحدود الواجبة على قتلة عثمان. وتعطيل تلك الحدود إن كانت واجبة أعظم فساداً من تعطيل حدٍّ وجب بقتل الهرمزان.
وإذا كان من الواجب الدفع عن عليّ بأنه كان معذوراً باجتهاد أو عجز، فلأن يُدفع عن عثمان بأنه كان معذوراً بطريق الأولى.
 
عثمان رضي الله عنه كان ينفذ الحدود
 
وأما قوله: "أراد عثمان تعطيل حد الشرب في الوليد بن عقبة، حتى حدّه أمير المؤمنين".
فهذا كذب عليهما، بل عثمان هو الذي أمر عليّاً بإقامة الحد عليه، كما ثبت ذلك في الصحيح([166])، وعليّ خفف عنه وجَلَده أربعين، ولو جلده ثمانين لم ينكر عليه عثمان.
 
لم يكن عليٌّ عاجزاً عن تطبيق الحدود
 
وقول الرافضي: "إن عليّاً قال: لا يبطل حدُّ الله وأنا حاضر" فهو كذب. وإن كان صدقاً فهو من أعظم المدح لعثمان؛ فإن عثمان قَبِلَ قول عليّ ولم يمنعه من إقامة الحد، مع قدرة عثمان على منعه لو أراد، فإن عثمان كان إذا أراد شيئاً فعله، ولم يقدر عليّ على منعه. وإلا فلو كان عليّ قادراً على منعه مما فعله من الأمور التي أنكرت عليه ولم يمنعه مما هو عنده مُنْكَرٌ مع قدرته، كان هذا قدحاً ي عليّ. فإذا كان عثمان أطاع عليّاً فيما أمره به من إقامة الحدّ، دلّ ذلك على دِين عثمان وعدله.
وعثمان ولّى الوليد بن عقبة هذا على الكوفة، وعندهم أن هذا لم يكن يجوز. فإن كان حراماً وعليٌّ قادر على منعه، وجب على عليٍّ منعه، فإذا لم يمنعه دلّ على جوازه عند عليّ، أو على عجز عليّ. وإذا عجز عن منعه عن الإمارة، فكيف لا يعجز عن ضربه الحد؟ فعُلم أن عليّاً كان عاجزاً عن حدّ الوليد، لولا أن عثمان أراد ذلك، فإذا أراده عثمان دلّ على دينه.
وقائل هذا يدّعي أن الحدود مازالت تبطل وعليٌّ حاضر، حتى في ولايته يدّعون أنه كان يدع الحدود خوفاً وتقيّة. فإن كان قال هذا لم يقله إلا لعلمه بأن عثمان وحاشيته يوافقون على إقامة الحدود، وإلا فلو كان يتقي منهم لما قال هذا. ولا يُقال: إنه كان أقدر منهم على ذلك، فإن قائل هذا يدّعي أنه كان عاجزاً لا يمكنه إظهار الحق بينهم.
ودليل هذا أنه لم يمكنه عندهم إقامة الحد على عبيد الله بن عمر وعلى نوّاب عثمان وغيرهم.
والرافضة تتكلم بالكلام المتناقض الذي ينقض بعضه بعضاً.
 
الصحابة يوافقون عثمان على اجتهاده
 
وأما قوله: "إنه زاد الأذان الثاني يوم الجمعة، وهو بدعة، فصار سنة إلى الآن".
فالجواب: أن عليّاً رضي الله عنه كان ممن يوافق على ذلك في حياة عثمان وبعد مقتله. ولهذا لما صار خليفة لم يأمر بإزالة هذا الأذان، كما أمر بما أنكره من ولاية طائفة من عمّال عثمان، بل أمر بعزل معاوية وغيره. ومعلوم أن إبطال هذه البدعة كان أهون عليه من عزل أولئك ومقاتلتهم التي عجز عنها، فكان على إزالة هذه البدعة، من الكوفة ونحوها من أعماله، أقدر منه على إزالة أولئك، ولو أزال ذلك لعلمه الناس ونقلوه.
فإن قيل: كان الناس لا يوافقونه على إزالتها.
قيل: فهذا دليل على أن الناس وافقوا عثمان على استحبابها واستحسانها، حتى الذي قاتلوا مع عليّ، كعمّار وسهل بن حنيف وغيرهما من السابقين الأوّلين. وإلا فهؤلاء الذين هم أكابر الصحابة لو أنكروا ذلك لم يخالفهم غيرهم، إن قُدِّر أن في الصحابة من كان ينكر هذا ومنهم من لا ينكره، كان ذلك من مسائل الاجتهاد، ولم يكن هذا مما يُعاب به عثمان.
وقول القائل: هي بدعة. إن أراد بذلك أنه لم يكن يُفعل قبل ذلك، فكذلك قتال أهل القبلة بدعة، فإنه لم يُعرف أن إماماً قاتل أهل القبلة قبل عليّ. وأين قتال أهل القبلة من الأذان؟!
فإن قيل: بل البدعة ما فعل بغير دليل شرعي.
قيل لهم: فمن أين لكم أن عثمان فعل هذا بغير دليل شرعي؟ وأن عليّاً قاتل أهل القبلة بدليل شرعي؟
وأيضاً فإن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أحدث في خلافته العيد الثاني بالجامع، فإن السنة المعروفة على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر وعمر وعثمان أنه لا يُصلَّى في المصر إلا جمعة واحدة، ولا يُصلّى يوم النحر والفطر إلا عيد واحد. والجمعة كانوا يصلونها في المسجد، والعيد يصلونه بالصحراء. وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يخطب يوم الجمعة وعرفة قبل الصلاة، وفي العيد بعد الصلاة. واختُلف عنه في الاستسقاء.
فلما كان على عهد عليّ قيل له: إن بالبلد ضعفاء لا يستطيعون الخروج إلى المصلّى، فاستخلَفَ عليهم رجلاً صلّى بالناس بالمسجد. قيل: إنه صلَّى ركعتين بتكبير، وقيل: بل صلّى أربعاً بلا تكبير.
وأيضاً فإن ابن عباس عرّف في خلافة عليّ بالبصرة، ولم يُرو عن عليّ أنه أنكر ذلك.
وما فعله عثمان من النداء الأول اتفق عليه الناس بعده: أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، كما اتفقوا على ما سنّه أيضاً عمر من جمع الناس في رمضان على إمام واحد.
وأما ما سنّه عليّ من إقامة عيدين فتنازع العلماء فيه وفي الجمعة على ثلاثة أقوال. قيل: إنه لا يُشرع في المصر إلا جمعة واحدة وعيد واحد، كقول مالك وبعض أصحاب أبي حنيفة، لأنه السنة. وقيل: بل يُشرع تعدد صلاة العيد في المصر دون الجمعة، كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. لكن قائل هذا بناه على أن صلاة العيد لا يُشترط لها الإقامة العدد كما يشترط للجمعة. وقالوا: إنها تُصلّى في الحضر والسفر. وهذا خلاف المتواتر من سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسنة خلفائه الراشدين. وقيل: بل يجوز عند الحاجة أن تُصلّى جمعتان في المصر. كما صلّى عليّ عيدين للحاجة. وهذا مذهب أحمد بن حنبل في المشهور عنه، وأكثر أصحاب أبي حنيفة، وأكثر المتأخرين من أصحاب الشافعي. وهؤلاء يحتجون بفعل علي بن أبي طالب لأنه من الخلفاء الراشدين.
وكذلك أحمد بن حنبل جوّز التعريف بالأمصار، احتج بأن ابن عباس فعله بالبصرة. وكان ذلك في خلافة عليّ، وكان ابن عباس نائبه بالبصرة. فأحمد بن حنبل وكثير من العلماء يتّبعون عليّاً فيما سنّه، كما يتّبعون عمر وعثمان فيما سنّاه. وآخرون من العلماء، كمالك وغيره، لا يتّبعون عليّاً فيما سنّه، وكلهم متفقون على اتّباع عمر وعثمان فيما سنّاه. فإن جاز القدح في عمر وعثمان فيما سنّاه، وهذا حاله، فلأن يُقدح في عليّ فيما سنّه – وهذا حاله – بطريق الأولى.
وإن قيل بأن ما فعله عليّ سائغ لا يُقدح فيه، لأنه باجتهاده، أو لأنه سنّة يُتّبع فيه، فلأن يكون ما فعله عمر وعثمان كذلك بطريق الأولى.
ومن هذا الباب ما يُذكر مما فعله عمر، مثل تضعيف الصدقة، التي هي جزية في المعنى، على نصارى بني تغلب، وأمثال ذلك.
ثم من العجب أن الرافضة تنكر شيئاً فعله عثمان بمشهد من الأنصار والمهاجرين، ولم ينكروه عليه، واتبعه المسلمون كلهم عليه في آذان الجمعة، وهم قد زادوا في الأذان شعاراً لم يكن يُعرف على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا نَقَل أحدٌ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بذلك في الأذان، وهو قولهم: "حيّ على خير العمل".
وغاية ما ينقل إن صح النقل، أن بعض الصحابة، كابن عمر رضي الله عنهما، كان يقول ذلك أحياناً على سبيل التوكيد، كما كان بعضهم يقول بين النداءين: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، وهذا يسمّى نداء الأمراء، وبعضهم يسمّيه التثويب ورخّص فيه بعضهم، وكرهه أكثر العلماء، ورووا عن عمر وابنه وغيرهما كراهة ذلك.
ونحن نعلم بالاضطرار أن الأذان، الذي كان يؤذنه بلال وابن أم مكتوم في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة، وأبو محذورة بمكة، وسعد القرظ في قباء، لم يكن فيه هذا الشعار الرافضي. ولو كان فيه لنقله المسلمون ولم يهملوه، كما نقلوا ما هو أيسر منه. فلما لم يكن في الذين نقلوا الأذان مَنْ ذَكَر هذه الزيادة عُلم أنها بدعة باطلة.
وهؤلاء الأربعة كانوا يؤذنون بأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم، ومنه تعلموا الأذان، وكانوا يؤذنون في أفضل المساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد قباء. وأذانهم متواتر عند العامة والخاصة.
ومعلوم أن نقل المسلمين للأذان أعظم من نقلهم إعراب آية، كقوله: (وأرجلكم) ونحو ذلك. ولا شيء أشهر في شعائر الإسلام من الأذان، فنقله من نقل سائر شعائر الإسلام.
وإن قيل: فقد اختلف في صفته.
قيل: بل كل ما ثبت به النقل فهو صحيح سنّة، ولا ريب أن تعليم النبي صلّى الله عليه وسلّم أبا محذورة الأذان، وفيه الترجيع والإقامة مثناة كالأذان. ولا ريب أن بلالاً أمر أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، ولم يكن في أذانه ترجيع. فنقل أفراد الإقامة صحيح بلا ريب، ونقل تثنيتها صحيح بلا ريب، وأهل العلم بالحديث يصححون هذا وهذا.
وهذا مثل أنواع التشهدات المنقولات. ولكن اشتهر بالحجاز آخرا إفراد الإقامة التي عليها النبي صلّى الله عليه وسلّم بلالا. وأما الترجيع فهو يقال سرّاً.
وبعض الناس يقول: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم علّمه لأبي محذورة ليثبّت الإيمان في قلبه، لا أنه من الأذان. فقد اتفقوا على أنه لقّنه أبا محذورة، فلم يبق بين الناس خلاف في نقل الأذان المعروف.
 
خطأ الساعين في قتل عثمان وبغيهم
 
وأما قوله: وخالفه المسلمون كلهم حتى قتل. وعابوا أفعاله، وقالوا له: غبت عن بدر، وهربت يوم أحد، ولم تشهد بيعة الرضوان. والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى.
فالجواب: أما قوله "وخالفه المسلمون كلهم حتى قتل".
فإن أراد إنهم خالفوه خلافاً يبيح قتله، أو إنهم كلهم أمروا بقتله، ورضوا بقتله، وأعانوا على قتله. فهذا مما يعلم كل أحد أنه من أظهر الكذب، فإنه لم يقتله إلا طائفة قليلة باغية ظالمة([167]).
قال ابن الزبير: "لعنت قتلة عثمان، خرجوا عليه كاللصوص من وراء القرية، فقتلهم الله كل قتلة، ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب"، يعني هربوا ليلاً، وأكثر المسلمين كانوا غائبين، وأكثر أهل المدينة الحاضرين لم يكونوا يعلمون أنهم يريدون قتله حتى قتلوه.
وإن أراد أن كل المسلمين خالفوه في كل ما فعله، أو في ما أنكر عليه. فهذا أيضاً كذب. فما من شيء أنك عليه إلا وقد وافقه عليه كثير من المسلمين، بل من علمائهم الذين لا يتهمون بمداهنة، والذين وافقوا عثمان على ما أنكر عليه أكثر وأفضل عند المسلمين من الذين وافقوا عليّاً على ما أنكر عليه بعض الأمور، وأما في غالبها، وبعض المسلمين أنكر عليه بعض الأمور، وكثير من ذلك يكون الصواب فيه مع عثمان، وبعضه يكون فيه مجتهداً، ومنه ما يكون المخالف له مجتهداً: إما مصيباً وإما مخطئاً.
وأما الساعون في قتله فكلهم مخطئون، بل ظالمون باغون معتدون. وإن قُدِّر أن فيهم من قد يغفر الله له، فهذا لا يمنع كون عثمان قُتل مظلوماً.
والذي قال له: غبتَ عن بدر وبيعة الرضوان، وهربتَ يوم أحد، قليل جداً من المسلمين. ولم يعيّن منهم إلا اثنان أو ثلاثة أو نحو ذلك. وقد أجابهم عثمان وابن عمر وغيرهما عن هذا السؤال، وقالوا: يوم بدر غاب بأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم ليخلفه عن ابنة النبي صلّى الله عليه وسلّم، فضرب له النبي صلّى الله عليه وسلّم بسهمه وأجره.
ويوم الحديبية بايع النبي صلّى الله عليه وسلّم عن عثمان بيده. ويد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خير له من يده لنفسه، وكانت البيعة بسببه، فإنه لما أرسله النبي صلّى الله عليه وسلّم رسولاً إلى أهل مكة بلغه أنهم قتلوه، فبايع أصحابه على أن لا يفروا وعلى الموت، فكان عثمان شريكاً في البيعة، مختصّاً بإرسال النبي صلّى الله عليه وسلّم له، وطلبت منه قريش أن يطوف بالبيت دون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، فامتنع من ذلك، وقال: حتى يطوف به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أراد أن يرسل عمر، فأخبره أنه ليس له بمكة شوكة يحمونه، وأن عثمان له بمكة بنو أمية، وهم من أشراف مكة، فهم يحمونه.
وأما التّولّي يوم أحد، فقد قال الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } [آل عمران: 155] فقد عفا الله عن جميع المتولّين يوم أحد، فدخل في العفو من هو دون عثمان، فكيف لا يدخل هو فيه مع فضله وكثرة حسناته؟!
 
المحتوى
الموضوع                                                                          الصفحة
شذرات من مناقب سيدنا عثمان رضي الله عنه ...................................  
من أقوال الصحابة رضي الله عنهم في عثمان رضي الله عنه ........................  
  1. من أقوال الإمام عليّ في عثمان وقَتَلَتِهِ ...................................  
  2. من أقوال أم المؤمنين عائشة في عثمان وقَتَلَتِهِ .............................  
  3. من أقوال ابن عباس في عثمان رضي الله عنهما ..........................  
  4. من أقوال حذيفة بن اليمان في عثمان ...................................  
  5. من أقوال عبد الله بن عمر في عثمان ....................................  
  6. من أقوال سعد بن أبي وقاص ...........................................  
  7. من أقوال أنس بن مالك ................................................  
  8. من أقوال سعيد بن زيد ................................................  
  9. من أقوال أبي موسى الأشعري ..........................................  
  10. من أقوال ثمامة بن عدي ................................................  
  11. من أقوال أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي ..............................  
  12. من أقوال سَمُرَة بن جندب .............................................  
شبهات الرافضة حول عثمان رضي الله عنه والرد عليها ............................  
  • جملة الشبهات التي أوردها الرافضة  .........................................  
  • من العجب أن الشيعة ينكرون على عثمان ما يدّعون أن عليّاً كان أبلغ فيه من عثمان                                                                                         
  • هل للخليفة أن يوصي بالخلافة لولده ؟ .....................................  
  • الرافضة موصوفون بالغلو عن الأمة .........................................  
  • دفع دعوى أئمة الرافضة والإسماعيلية ........................................  
  • بيان أن كل شخص سوى الرسول صلّى الله عليه وسلّم يُؤخذ من قوله ويترك.
  • نواب عثمان كانوا أطوع من نواب عليّ ....................................  
  • بيان أن عثمان لم يستعمل إلا من استعمله النبي صلّى الله عليه وسلّم ..........  
  • الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يستعمل من بني هاشم إلا علي بن أبي طالب...
  • التقديم يكون بفضيلة الإيمان والتقوى .......................................  
  • القاعدة الكلية: لا أحد معصوم بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم ................  
  • المسلمون مجمعون على أن الذنوب تمحى بالتوبة .............................  
  • شيعة عثمان أقل غلواً فيه من شيعة عليّ .....................................  
  • الخوارج يكفرون عثمان وعليّاً جميعاً ........................................  
  • ما قالته شيعة علي في عثمان أعظم مما قالته شيعة عثمان في عليّ ..............  
  • أهل السنة يتولون عثمان وعليّاً جميعاً .......................................  
  • بيان أن الذنوب من جميع المؤمنين هي سبب العذاب ولكن العقوبة في الآخرة تندفع بعشرة أسباب .............................................................  
    • السبب الأول: التوبة .....................................................  
*  توبة عثمان من الأمور التي أنكرت عليه ................................  
  • السبب الثاني: الاستغفار ..................................................  
  • السبب الثالث: الأعمال الصالحة ..........................................  
     *  العمل المقبول يمحو الله به الخطايا ......................................  
  • السبب الرابع: الدعاء للمؤمنين ...........................................  
  • السبب الخامس: دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم واستغفاره لشفاعته ........  
  • السبب السادس: ما يُفعل بعد الموت من عمل صالح .......................  
  • السبب السابع: المصائب الدنيوية تكفر الذنوب ............................  
  • السبب الثامن: ضغطة القبر وفتنة الملكين ..................................  
  • السبب التاسع: ما يحصل له في الآخر من كرب أهوال يوم القيامة ..........  
  • السبب العاشر: الصراط سبب دخول الجنة ................................  
حول تولية عثمان رضي الله عنه بعض الولاة ..................................  
تأديب عثمان الولاة إذا ظهر منهم ما يوجب ذلك ............................  
بيان أن عثمان لم يقسم المال بين أقاربه .......................................  
استعمال عثمان للوليد بن عقبة ...............................................  
    *  تحليل لشخصية الوليد بن عقبة .........................................  
الوالي قد يذنب والخليفة لا يعلم ..............................................  
  • استعمال عثمان لسعيد بن العاص ...........................................  
  • سيرة المجاهد سعيد بن العاص ...............................................  
  • عزل عثمان لسعيد لم يكن من ذنب أتاه ....................................  
دور ابن سبأ في الفتنة ..........................................................  
لم يأمر عثمان بقتل معصوم الدم ...............................................  
   *  بيان أن عثمان لم يأمر بقتل محمد بن أبي بكر ..............................  
عمر بن الخطاب ولّى معاوية الشام .............................................  
عبد الله بن عامر أحد قواد الإسلام .............................................  
مسألة تولية مروان بن الحكم ...................................................  
   *  لم يكن مروان سبب الفتنة وحده .........................................  
   *  إثارة الفتنة كان من بعض الموتورين .......................................  
   *  كان تأديب مروان واجباً .................................................  
إحسان عثمان شمل الجميع .....................................................  
عبد الله بن مسعود وجمع القرآن ................................................  
  • بين عثمان وابن مسعود ....................................................  
  • مسألة جمع القرآن تكتب بمداد من ذهب لعثمان .............................  
  • لماذا لم يكن ابن مسعود في لجنة جمع المصحف ؟ .............................  
  • إنكار ابن مسعود على الوليد بن عقبة .......................................  
  • تطاول الموتورين على والي الكوفة الجديد ...................................  
  • معاوية يثني الموتورين عن الفتنة .............................................  
  • عثمان أفضل من كل من تكلم فيه ..........................................  
  • عثمان كان من أحرص الناس ألا يجرح شعور أي صحابي ....................  
  • حقيقة قصة عمار في الرواية الصحيحة ......................................  
لأمير المؤمنين تأديب رعيته .....................................................  
  • عثمان يشهد لعمار بالجنة ..................................................  
حب الرسول صلّى الله عليه وسلّم لعمار بن ياسر ...............................  
  • كون الرجل محبوباً لله ورسوله لا يمنع أن يُؤدَّب بأمر الله ورسوله .............  
*  الحدود كفارة لأهلها ...................................................  
قصة نفي الحكم ليست في الصحاح ............................................  
  • عثمان شفع في الحكم ......................................................  
  • كان مروان مسلماً ظاهراً وباطناً ............................................  
  • جاز صلة المسلم لأهل السنة ................................................  
السبب الحقيقي في اعتزال أبي ذر ...............................................  
  • سبب اعتكاف أبي ذر في الربذة .............................................  
  • أبو ذر أوجب ما لم يوجبه الله على الناس ...................................  
مسألة قتل الهرمزان ............................................................  
  • الهرمزان ساعد على قتل عمر ...............................................  
  • وليّ الهرمزان هو وليّ الأمر، وله العفو عنه إلى الدية ..........................  
  • للإمام أن يعفو ............................................................  
  • دم عثمان أعظم حرمة من غيره .............................................  
عثمان رضي الله عنه – كان ينفذ الحدود .......................................  
لم يكن الإمام عليّ عاجزاً عن تطبيق الحدود .....................................  
  • الرافضة تتكلم بالكلام المتناقض .............................................  
الصحابة يوافقون عثمان على اجتهاده ..........................................  
  • النداء الأول في الجمعة اتفق عليه الناس ......................................  
  • اجتهاد الخلفاء الراشدين ....................................................  
خطأ الساعين في قتل عثمان وبغيهم ............................................  
  • خطبة عثمان الجامعة يوم التروية لبيان حقيقة من ثار بالفتنة ..................  
المحتوى ........................................................................  
 
    تم الكتاب ولله الحمد.

([1])  رواه البخاري (فتح الباري 7/16).
([2])  رواه البخاري (الفتح 7/26)، مسلم (شرح النووي 15/171-172).
([3])  رواه البخاري (الفتح 7/43، 53، 10/597)، مسلم (بشرح النووي 15/170).
([4])  رواه البخاري (الفتح 7/53، 187، 263).
([5])  رواه البخاري (الفتح 7/53).
([6])  رواه البخاري (الفتح 7/54).
([7])  رواه البخاري (الفتح 7/54)، الترمذي (صحيح الترمذي للألباني) 3/210-211، مسند الإمام أحمد ج8 رقم 5772 و6011 .
([8])  رواه مسلم (بشرح النووي 15/168).
([9])  رواه مسلم (بشرح النووي 15/169).
([10])  رواه الترمذي ج3 ص208 .
([11])  رواه الترمذي 3/208 .
([12])  رواه الترمذي 3/208-209 .
([13])  رواه الترمذي 2/209، والنسائي (صحيح النسائي للألباني) 2/766-767 .
([14])  رواه الترمذي 3/210 .
([15])  رواه الترمذي 3/210 .
([16])  رواه الترمذي 3/210 .
([17])  رواه الترمذي 3/210 .
([18])  رواه الترمذي 3/212 .
([19])  رواه النسائي 2/764-765 .
([20])  رواه النسائي 2/767 .
([21])  رواه ابن ماجه (صحيح ابن ماجه للألباني) 1/24 .
([22])  رواه ابن ماجه 1/25 .
([23])  رواه ابن ماجه 1/25 .
([24])  رواه أحمد في مسنده ج7 رقم 4569 .
([25])  جمع فرج وهو ما بين الرجلين.
([26])  عثمان بن عفان لابن عسكر ص460، مختصر تاريخ دمشق 16/250-251، البداية والنهاية 7-193، أنساب الأشراف للبلاذري ق4 ج1 ص594 .
([27])  انظر: فتح الباري ج7 ص55، مسلم بشرح النووي ج15 ص169 .
([28])  عثمان بن عفان لابن عساكر ص462، مختصر تاريخ دمشق 16/252، البداية والنهاية 8/193 .
([29])  عثمان لابن عساكر ص462، مختصر تاريخ دمشق 16/252 .
([30])  عثمان لابن عساكر ص462، أنساب الأشراف للبلاذري ق4 ج1 ص595 .
([31])  عثمان لابن عساكر ص463، البداية والنهاية 7/193 .
([32])  القسامة: في عرف الشرع: حلف معين عند التهمة بالقتل على الإثبات أو النفي (القاموس الفقهي ص303 للشيخ سعدي أبو جيب) وللوقوف على معنى القسامة انظر "فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه موازناً بفقه أشهر المجتهدين" للدكتور رويعي الرحيلي ص365-434 .
([33])  عثمان لابن عساكر ص463، مختصر تاريخ دمشق 16/252 .
([34])  قال الخطابي في "غريب الحديث" 2/150: قوله نفلناهم: أي حلفنا لهم خمسين منا على البراءة من دمه، والنفل أصله النفي. يقال: نفلت الرجل عن نسبه نفلاً ونفالة، وانتفل الرجل من نسبه إذا تبرأ منه.
([35])  عثمان لابن عساكر ص464، مختصر تاريخ دمشق 16/253 .
([36])  محلة بالكوفة.
([37])  عثمان لابن عساكر ص464، مختصر تاريخ دمشق 16/253 .
([38])  عثمان لابن عساكر ص467، مختصر تاريخ دمشق 16/254 .
([39])  عثمان لابن عساكر ص468 .
([40])  عثمان لابن عساكر ص468، مختصر تاريخ دمشق 16/254 .
([41])  عثمان لابن عساكر ص469، مختصر تاريخ دمشق 16/254 .
([42])  عثمان لابن عساكر ص469-470، مختصر تاريخ دمشق 16/255، البداية والنهاية 7/193 .
([43])  عثمان لابن عساكر ص471، تاريخ الإسلام للذهبي 3/285 .
([44])  عثمان لابن عساكر ص474، مختصر تاريخ دمشق 16/256 .
([45])  عثمان لابن عساكر ص474، مختصر تاريخ دمشق 16/256، البداية والنهاية 7/193 .
([46])  كنية عمار رضي الله عنه.
([47])  عثمان لابن عساكر ص477 .
([48])  عثمان لابن عساكر ص480 .
([49])  عثمان لابن عساكر 482، مختصر تاريخ دمشق 16/257-258، البداية والنهاية 7/194 .
([50])  مختصر تاريخ دمشق ج16 ص122 .
([51])  "التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان" لابن أبي بكر المالقي الأندلسي ص63، تحقيق الدكتور محمود يوسف زايد، ط. دار الثقافة بالدوحة. قطر، الطبعة الأولى 1405ه‍.
([52])  عثمان لابن عساكر 495 ، البداية والنهاية 7/195 .
([53])  عثمان لابن عساكر 495 .
([54])  عثمان لابن عساكر 496، مختصر تاريخ دمشق 16/261، البداية والنهاية 7/195، أنساب الأشراف للبلاذري ق4 ج1 ص597 .
([55])  عثمان لابن عساكر 496، مختصر تاريخ دمشق 16/261-262 .
([56])  عثمان لابن عساكر 497، مختصر تاريخ دمشق 16/262، البداية والنهاية 7/195 .
([57])  عثمان لابن عساكر 459، البداية والنهاية ج7 ص193 .
([58])  عثمان لابن عساكر 459، مختصر تاريخ دمشق ج16 ص250 .
([59])  مختصر تاريخ دمشق ج16 ص161 .
([60])  مختصر تاريخ دمشق ج16 ص260، تاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص286 .
([61])  مختصر تاريخ دمشق ج16 ص273 .
([62])  البداية والنهاية لابن كثير ج7 ص192، عثمان لابن عساكر ص458 بلفظ آخر: أول الفتن الدار وآخرها الدجال.
([63])  البداية والنهاية لابن كثير ج7 ص192، عثمان لابن عساكر 459 وفي آخره: "آمن به في فترة"، مختصر تاريخ دمشق ج16 ص250 .
([64])  البداية والنهاية لابن كثير ج7 ص192، عثمان لابن عساكر 487، أنساب الأشراف للبلاذري ق4 ج1 ص584 .
([65])  البداية والنهاية ج7 ص192 .
([66])  عثمان لابن عساكر 506-507 .
([67])  المصدر السابق 507 .
([68])  المصدر السابق 507 .
([69])  المصدر السابق 507 .
([70])  عثمان لابن عساكر 485، مختصر تاريخ دمشق ج16 ص259 .
([71])  عثمان لابن عساكر ص508 .
([72])  المصدر السابق 508 .
([73])  المصدر السابق 509 .
([74])  عثمان لابن عساكر ص485، البداية والنهاية 7/194 .
([75])  عثمان لابن عساكر 489، البداية والنهاية 7/193، مختصر تاريخ دمشق ج16 ص260 .
([76])  عثمان لابن عساكر 491، تاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص286، أنساب الأشراف للبلاذري ق4 ج1 ص596 .
([77])  عثمان لابن عساكر 492، البداية والنهاية 7/194 .
([78])  عثمان لابن عساكر ص493 .
([79])  هو عبد الله بن عامر بن كُريز بن ربيعة الأموي، أبو عبد الرحمن رضي الله عنه ولي البصرة في أيام عثمان (29ه‍) ولد بمكة سنة 4ه‍ وتوفي بها سنة 59، وهو ابن خالة عثمان بن عفان. انظر: الكامل لابن الأثير 3/206، الإصابة 2/320-321، الأعلام 4/228 .
([80])  قال أبو عبد الرحمن: انظر عقيدة الرافضة في ابن عباس رضي الله عنهما ص90-97 من كتابنا "الشيعة والمتعة" حيث اتهم باللصوصية والزيغ والضلال.
([81])  الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه في: سنن ابن ماجه 2/769 (كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده). وجاء في التعليق: "في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات على شرط البخاري". وأورد الهيثمي الحديث في كتاب البيوع في باب مال الولد 4/154-155 من عدة طرق وبألفاظ متقاربة وتكلم عليه. وقال السيوطي في "الجامع الصغير" عن الحديث إن ابن ماجه رواه عن جابر، وإن الطبراني رواه عن سمرة وابن مسعود. وصحح الألباني الحديث في "صحيح الجامع الصغير" 2/25 وتكلم كلاماً مفصلاً على طرقه وألفاظه في "إرواء الغليل" 3/323-330 (رقم 838).
([82])  الحديث عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم في: سنن أبي داود 3/394-395 (كتاب البيوع والإجارات، باب الرجوع في الهبة) ونصه: "لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي لولده، ومثل الذي يُعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه". والحديث بألفاظ مقاربة في :سنن الترمذي 3/299 (كتاب الولاء والهبة، باب ما جاء في كراهية الرجوع في الهبة) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، سنن النسائي 6/222-223 (كتاب الهبة، باب جوع الوالد فيما يعطي ولده)، المسند (ط. المعارف) الأرقام: 2119، 4810، 5493 وصحح أحمد شاكر رحمه الله الحديث.
([83])  قال أبو عبد الرحمن: هم السبئية الذين ادَّعوا الألوهية في عليّ رضي الله عنه وأحرقهم بالنار.
وذكر الكشي في رجاله ص101: عن مسمع بن عبد الله أبي سيار عن رجل عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن علياً عليه السلام لما فرغ من قتال أهل البصرة أتاه سبعون رجلاً من الزَّطّ فسلّموا عليه وكلموه بلسانهم وقال لهم: إني لست كما قلتم، أنا عبد الله مخلوق. قال: فأبوا عليه وقالوا له: أنت أنت هو. فقال لهم: لئن لم ترجعوا عمّا قلتم فيّ وتتوبوا إلى الله لأقتلنكم. قال: فأبوا أن يرجعوا أو يتوبوا. فأمر أن يحفر لهم آبار، فحُفرت ثم خرق بعضها إلى بعض ثم فرقهم فيها ثم طمّ رؤوسها ثم ألهب النار في بئر ليس فيها أحد فدخل الدخان عليهم فماتوا.
([84])  هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت المصمودي البربري، الملقب بالمهدي، أو بمهدي الموحّدين. مؤسس دولة الموحدين التي قامت على أنقاض دولة المرابطين. اختلف في سنة مولده. ولكنه توفي سنة 524ه‍ وعمره يتراوح بين 51 عاماً، 55 عاماً. من كتبه كتاب "أعز ما يُطلب". وقد نشره جولدتسيهر (الجزائر، 1903) وكتاب "كنـز العلوم" وهو مخطوط. و"المرشدة" وهي رسالة صغيرة طبعت ضمن بعض الكتب عدة مرات. وقد نشره الأستاذ عبد الله كنون حديثاً ضمن كتاب "نصوص فلسفية مهداة إلى الدكتور إبراهيم مدكور" ص114-115، القاهرة 1976 انظر عن حياة ابن تومرت ومذهبه: بحث الأستاذ عبد الله كنون المشار إليه، ص99-115، كتاب "تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية" للدكتور يحيى هويدي 1/223-243. وانظر أيضاً: وفيات الأعيان 4/137-146، الكامل لابن الأثير 10/201-205، الأعلام 7/104-105.
قال أبو عبد الرحمن: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في "مجموع الفتاوى" ج‍35 ص142-143: ولهذا اختار كل مبطل أن يأتي بمخاريق لقصد إصلاح العامة، كما فعل "ابن التومرت" الملقب بالمهدي، ومذهبه في الصفات مذهب الفلاسفة لأنه كان مثلها في الجملة، ولم يكن منافقاً مكذباً للرسل معطلاً للشرائع، ولا يجعل للشريعة العملية باطناً يخالف ظاهرها، بل كان فيه نوع من رأي الجهمية الموافق لرأي الفلاسفة، ونوع من رأي الخوارج الذين يرون السيف ويكفِّرون بالذنب.
([85])  تكلم ابن تيمية على البكري في غير موضع، فذكره في "تلخيص كتاب الاستغاثة في الرد على البكري" ص7، ط. السلفية، 1346م، وذكره في "فتاوى الرياض" 18/351. وهو أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن محمد البكري المتوفي حوالي سنة 250ه‍. قال عنه الذهبي في "ميزان الاعتدال" 1/112: "ذاك الكذاب الدجال واضع القصص التي لم تكن قط... ويقرأ له في سوق الكتبيين كتاب "ضياء الأنوار".. انظر ترجمته أيضاً في: لسان الميزان 1/202، الأعلام 1/148-149 .
([86])  الحديث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في: البخاري 5/8-9، 12-13، 13-14. (كتاب فضائل أصحاب النبي..، باب حدثنا الحميدي، باب مناقب عمر بن الخطاب، باب مناقب عثمان بن عفان) وأول الحديث.. أخبرني أبو موسى الأشعري أنه توضأ في بيته... ولفظ النبي صلّى الله عليه وسلّم: "ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه..." الحديث. وهو في: مسلم 4/1867-1869 (كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل عثمان)؛ سنن الترمذي 5/294-295، (كتاب المناقب، مناقب عثمان بن عفان، باب رقم 81 حديث رقم 3794)، المسند (ط. الحلبي) 4/393، 406، 407 .
([87])  أبو حازم هو سلمة بن دينار المخزومي، أبو حازم الأعرج، عالم المدينة وقاضيها كان عابداً زاهداً، توفي سنة 140ه‍. انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب 4/143-144، تذكرة الحفاظ 1/133-134، الأعلام 3/171-172. وانظر موعظته لسليمان بن عبد الملك في: حلية الأولياء 3/234-237، صفة الصفوة 2/89-90 .
([88])  قال أبو عبد الرحمن: انظر "عثمان بن عفان" لابن عساكر ص460-483. حيث ذكر ابن عساكر رحمه الله تعالى أقوال علي رضي الله عنه في قتلة عثمان رضي الله عنه. وانظر مقدمة هذا الجزء.
([89])  هو أبو الغادية الجهني. قال ابن الأثير في "أسد الغابة" 6/237: "اختلف في اسمه فقيل: يسار بن أزيهر، وقيل: اسمه مسلم" وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب" هامش 4/150: "فقيل: يسار بن سبع، وقيل: يسار بن أزهر، وقيل: اسمه مسلم" وقال ابن حجر في "الإصابة" 4/150: "سكن الشام... أبو الغادية الجهني قاتل عمار له صحبة، وفرق بينه وبين أبي الغادية المزني. انظر الإصابة 3/627، 4/150-151، الاستيعاب 3/629، 4/150-151، أسد الغابة 5/513، 6/237. وقال الذهبي في "العبر" 1/42 إنه شهد صفين مع معاوية أبو غادية الجهني سنة 37ه‍، وذكره ابن حزم في "جوامع السيرة" مرتين، ص308، 322 ضمن الصحابة رواة الحديث.
([90])  حديث إقامة الحد على ماعز بن مالك جاء من وجوه كثيرة وهو في البخاري ومسلم، ولكن النص على أنه تاب وأن الله قبل توبته جاء في حديث عن سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه في: مسلم 3/1321-1323 (كتاب الحدود، باب مَن اعترف على نفسه بالزنا) وفيه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال عنه: "لقد تاب توبةً لو قُسمت بين أمّة لوسعتهم".
([91])  الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه في: البخاري 9/145 (كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: { يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ } (الفتح: 15]، مسلم 4/2112-2113 (كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب)، المسند (ط. المعارف) 15/92-93 (وانظر تعليق المحقق).
([92])  جاء الحديث بهذا اللفظ (بدون عبارة: يا معاذ) عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه في: سنن الترمذي 3/239 (كتاب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس) وقال الترمذي: "وفي الباب عن أبي هريرة. هذا حديث حسن صحيح" ثم ذكر الترمذي حديثاً بعده (ص240) وأول سنده: حدثنا محمود بن غيلان... عن معاذ بن جبل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نحوه. قال محمود: "والصحيح حديث أبي ذر". وجاء حديث أبي ذر في: سنن الدارمي 2/323 (كتاب الرقاق، باب في حسن الخلق)؛ المسند (ط. الحلبي) 5/153. وفي آخره: "وقال وكيع: وقال سفيان مرة عن معاذ، فوجدت في كتابي عن أبي ذر وهو السماع الأول". وجاء الحديث مرة أخرى 5/158. وجاء الحديث عن أبي ذر فقط 5/177. وجاء الحديث وأوله "يا معاذ" عن معاذ في المسند (ط. الحلبي) 5/228، 236 وحسّن الألباني الحديث عن أبي ذر ومعاذ وأنس في "صحيح الجامع الصغير" 1/86 .
([93])  الحديث – مع اختلاف في الألفاظ – عن أبي هريرة رضي الله عنه في: مسلم 1/209 (كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس..)، سنن الترمذي 1/138 (كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل الصلوات الخمس) وقال الترمذي: "وفي الباب عن جابر وأنس وحنظلة الأسيدي، حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح".
([94])  الحديث بهذا اللفظ فقط أو مع زيادة: "ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه" عن أبي هريرة رضي الله عنه في: البخاري 1/12 (كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان)، 3/26 (كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيماناً واحتساباً ونية)، 3/45-46 (كتاب فضل ليلة القدر، باب فضل ليلة القدر)، مسلم 1/523-524 (كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان..)، سنن أبي داود 2/66-67 (كتاب تفريع أبواب شهر رمضان، باب في قيام شهر رمضان).
([95])  الحديث – مع اختلاف في اللفظ. عن أبي هريرة رضي الله عنه في: البخاري 2/133 (كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور)؛ مسلم 2/983 (كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة يوم عرفة). والحديث في سنن الترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي والمسند.
([96])  الحديث بدون كلمة "غمرا" عن أبي هريرة رضي الله عنه في: البخاري 1/108 (كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلوات الخمس كفّارة)، مسلم 1/462-463 (كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة..) وأما كلمة "غمرا" فجاءت في حديث آخر بمعناه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه في: مسلم 1/463 ونصه: "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غَمْرٍ على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات" قال: قال الحسن: وما يبقى ذلك من الدرن؟ وروى الإمام أحمد هذا الحديث في مسنده (ط. المعارف) 18/143 (رقم 9501) عن جابر رضي الله عنه ثم في الحديث الذي بعده 18/144 (رقم 9502) عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مثله. والحديث عن جابر في: المسند (ط. الحلبي) 3/317. وجاء حديث ثالث عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في: المسند (ط. المعارف) 3/67-68 أوله: عن عامر بن سعد بن أبي وقاص: سمعت سعداً أو ناساً من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقولون: كان رجلان أخوان... وفيه: فقال (النبي صلّى الله عليه وسلّم): ألم يكن يصلي؟... وفيه: إنما مثل الصلاة كمثل نهر جار بباب رجل غَمْرٍ عذب، يقتحم فيه.. الحديث. وفي الشرح: الغمر – بفتح الغين وسكون الميم: الكثير، أي يغمر من دخله ويغطيه.
([97])  الحديث عن معاذ بن جبل رضي الله عنه في: سنن الترمذي 4/124-125 (كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة) وأوله: "كنت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في سفر.. فقلت: يا رسول الله؛ أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار. قال: "لقد سألتني عن شيء عظيم، وإنه ليسير على من يسّره الله عليه.... الحديث وفيه: "والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ المار النار.." وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وجاء حديث معاذ أيضاً في: سنن ابن ماجه 2/1314-1315 (كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة). وجاءت هذه العبارات أيضاً في حديث آخر عن كعب بن عجرة رضي الله عنه في: سنن الترمذي 2/61-62 (كتاب الجمعة: السفر، باب في فضل الصلاة) وأوله: "أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون من بعدي.. الحديث وفيه: "والصوم جنة والصدقة تُطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار" وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب..." كما جاءت هذه العبارات في حديث ثالث عن أنس بن مالك رضي الله عنه في: سنن ابن ماجه 2/1408 (كتاب الزهد، باب الحسد) وأوله: "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار". وحديث معاذ بن جبل في المسند (ط. الحلبي) 5/231، 237، 248، وحديث كعب بن عجرة في المسند (ط. الحلبي) 3/321، 399 .
([98])  الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما – مع اختلاف في اللفظ – في: مسلم 3/1502 (كتاب الإمارة، باب من قُتل في سبيل الله..)؛ المسند (ط. المعارف) 12/13 .
([99])  هذه العبارة جزء من حديث عن أبي أمامة رضي الله عنه في: سنن ابن ماجه 2/928 (كتاب الجهاد، باب فضل غزو البحر) وأوله.. سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "وشهيد البحر مثل شهيدي البر.. الحديث وفيه: "ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدَّيْن، ولشهيد البحر: الذنوب والدَّيْن". وقال الألباني في: "ضعيف الجامع الصغير" 2/151: "موضوع" وتكلم عليه في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" 2/222-223 .
([100])  الحديث في "إرواء الغليل" 4/111-112 بلفظ "صوم يوم عرفة يكفّر سنتين ماضية ومستقبلة، وصوم عاشوراء يكفّر سنة ماضية". وقال الألباني: رواه الجماعة إلا البخاري ولم يخرجه النسائي في سننه الصغرى والظاهر أنه في سننه الكبرى. وهذا الحديث عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه في: مسلم 2/818-819 (كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر..) وأوله: رجل أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: كيف تصوم؟ الحديث... وفيه: ... صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله" وانظر كلام الألباني عليه في "إرواء الغليل" 4/108-110 (رقم 952) وما ذكره من وجود الحديث في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه والمسند وسنن البيهقي بروايات مختلفة.
([101])  الحديث عن عمار بن ياسر رضي الله عنه في: سنن أبي داود 1/294 (كتاب الصلاة، باب ما جاء في نقصان الصلاة) ولفظه: "إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، ربعها، ثلثها، نصفها". وحسن الألباني الحديث في "صحيح الجامع الصغير" 2/65 .
([102])  الحديث – مع اختلاف في اللفظ – عن أبي هريرة رضي الله عنه في: سنن ابن ماجه 1/539 (كتاب الصيام، باب ما جاء في الغيبة والرفث للصائم)، وجاء الحديث فيه بلفظ "رب صائم ليس له من صيامه ... إلخ. وهو في سنن الدارمي 2/301 (كتاب الرقاق، باب في المحافظة على الصوم) ولفظه: "كم من صائم ... وجاء الحديث في المسند (ط. المعارف) 17/35 وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إسناده صحيح 18/204 وصححه أيضاً، وصحح الألباني الحديث بروايتين له في "صحيح الجامع الصغير" 3/174 .
([103])  الحديث – مع اختلاف في الألفاظ – عن معاذ به جبل رضي الله عنه في: سن أبي داود 3/20 (كتاب الجهاد، باب فيمن يغزو ويلتمس الدنيا)؛ سنن النسائي 6/41 (كتاب الجهاد، باب فضل الصدقة في سبيل الله عز وجل)، 7/139 (كتاب البيعة، باب التشديد في عصيان الأمير)؛ سنن الدارمي 2/208 (كتاب الجهاد، باب الغزو غزوان)؛ المسند (ط. الحلبي) 5/234 .
([104])  الحديث – مع اختلاف في الألفاظ – عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في: سنن الترمذي 4/123-124 (كتاب الإيمان، باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله) وأوله فيه: "إن الله سيُخلّص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة.. الحديث. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". وهو في: سنن ابن ماجه 2/1437 (كتاب الزهد، باب ما يُرجى من رحمة الله يوم القيامة)؛ المسند (ط. المعارف) 11/197-200. وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: "إسناده صحيح". وقال إن الحاكم رواه في المستدرك 1/529... وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي. ونقله المنذري في "الترغيب والترهيب".. وقال: "رواه الترمذي.. وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي..".. السجل: بكسر السين وتشديد اللام: هو الكتاب الكبير، قال ابن الأثير. البطاقة: بكسر الباء الموحّدة وتخفيف الطاء المهملة...: الرقعة، وأهل مصر يقولون للبطاقة: رقعة.
([105])  الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه في: البخاري 3/111-112 (كتاب الشرب والمساقاة، باب فضل سقي الماء)، 3/132-133 (كتاب المظالم، باب الآبار على الطرق إذا لم يُتأذّ بها)؛ مسلم 4/1761 (كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها)؛ سنن أبي داود 3/33 (كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم)؛ الموطأ 2/929-930 (كتاب صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم، باب جامع ما جاء في الطعام والشراب)؛ والحديث في المسند.
([106])  الحديث – مع اختلاف في اللفظ – عن أبي هريرة رضي الله عنه في: البخاري 4/173 (كتاب الأنبياء، باب حدثنا أبو اليمان...) ونصه فيه: بينما كلب يطيف بِرَكيَّة كاد يقتله العطش إذ رأته بغيٌّ من بغايا بني إسرائيل فنـزعت موقها فسقته فُغفر لها به" والموق: الخف. والحديث في مسلم 4/1761 (كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها) وأوله فيه: "إن امرأة بغياً.. إلخ" المسند (ط. الحلبي) 2/507 .
([107])  في البخاري 4/173؛ مسلم 4/1761. وأدلع لسانه: أدلع ودلع لغتان: أي أخرجه من شدة العطش. الموق: الخف.
([108])  هذا هو الجزء الأول من حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه في: البخاري 1/128 (كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل إزالة الأذى عن الطريق)؛ سنن أبي داود 4/490 (كتاب الأدب، باب في إماطة الأذى عن الطريق)؛ سنن الترمذي 3/230 (كتاب البر والصلة، باب ما جاء في إماطة الأذى عن الطريق). والحديث في الموطأ والمسند.
([109])  الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما في: البخاري 4/130 (كتاب بدء الخلق، باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم) وهو في موضعين آخرين في البخاري؛ مسلم 4/2022-2023 (كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها..) والحديث في موضعين آخرين في مسلم. والحديث في سنن النسائي وابن ماجه والدارمي وفي مواضع كثيرة من المسند.
([110])  لم أعرف مكن الحديث في سنن الترمذي.. ووجدت الحديث بألفاظ مقاربة عن عائشة رضي الله عنها في سنن ابن ماجه 2/1404 (كتاب الزهد، باب التوقي على العمل)، المسند (ط. الحلبي) 6/159، 205 .
قال أبو عبد الرحمن: صدق المحقق رحمه الله تعالى وغفر له، فإن هذا الحديث ليس في سنن الترمذي، ولكن ورد بألفاظ مقاربة: (صحيح الترمذي بشرح الإمام ابن العربي المالكي ج12 ص39-40، أبواب التفسير، ومن سورة المؤمنون): حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان حدثنا مالك بن مغول عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني أن عائشة زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم، قالت: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن هذه الآية: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } قالت عائشة: هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: لا يا بنت الصديق ولكنهم يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات.
قال: وقد روى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن سعيد عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نحو هذا. اهـ وقد صحح الحديث العلامة الألباني في: صحيح سنن الترمذي ج3 ص79-80، صحيح ابن ماجه ج2 ص409، سلسلة الأحاديث الصحيحة ج1 ص255 وقال: أخرجه الترمذي (12/201) وابن جرير (18/26) والحاكم (2/393-394) والبغوي في تفسيره (6/25) وأحمد (6/19 و205)، وتكلم العلامة الألباني على الحديث وأسانيده، فمن شاء الاستزادة فليراجع كلام العلامة الألباني ص256-257.
([111])  الحديث – مع اختلاف في الألفاظ – عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في: البخاري 5/8 (كتاب أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لو كنت متخذاً خليلاً).
مسلم 4/1967-1968 (كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة).
سنن أبي داود 4/297-298 (كتاب السنة، باب في النهي عن سب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم).
سنن الترمذي 5/357-358 (كتاب المناقب، باب في من سب أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم).
المسند (ط. الحلبي) 3/11، 54، 63-64 .
سنن ابن ماجه 1/57 (المقدمة، باب فضل أهل بدر).
وفي اللسان: "المد ضرب من المكاييل وهو ربع صاع، وهو قدر مد النبي صلّى الله عليه وسلّم والصاع خمسة أرطال. وقال النووي (شرح مسلم 16/93): وقال أهل اللغة: النصيف النصف... ومعناه: لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهب ما بلغ ثوابه في ذلك ثواب نفقة أحد أصحابي مداً ولا نصف مدّ".
([112])  جاء هذا الحديث في المسند (ط. الحلبي) 4/398-399 عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري، ولكنه في مسلم عن أبي بردة عن أبيه (وهو ابن لأبي موسى الأشعري اسمه الحارث، وقيل: عامر، وقيل: اسمه كنيته. انظر: تهذيب التهذيب 12/18-19؛ تذكرة الحفاظ 1/95). ونص الحديث في: مسلم 4/1961 (كتاب فضائل الصحابة، باب بيان أن بقاء النبي صلّى الله عليه وسلّم أمان لأصحابه...)؛ قال: صلينا المغرب مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلّي معه العشاء. قال: فجلسنا، فخرج علينا، فقال: "ما زلتم هاهنا؟" قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال: "أحسنتم أو أصبتم" قال: فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء فقال: النجوم أمنة للسماء.. الحديث. وقال النووي ف شرحه على مسلم 16/83: "قال العلماء: الأمنة: بفتح الهمزة والميم، والأمن والأمان بمعنى. ومعنى الحديث أن النجوم مادامت باقية فالسماء باقية، فإذا انكدرت النجوم وتناثرت في القيامة وهنت السماء فانفطرت وانشقت وذهبت. وقوله صلّى الله عليه وسلّم: "وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون" أي من الفتن والحروب وارتداد من ارتد من الأعراب واختلاف القلوب نحو ذلك مما أنذر به صريحاً، وقد وقع كل ذلك. قوله صلّى الله عليه وسلّم: "وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون": معناه ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن فيه وطلوع قرن الشيطان وظهور الروم وغيرهم عليهم، وانتهاك المدينة ومكة وغير ذلك، وهذه كلها من معجزاته صلّى الله عليه وسلّم".
([113])  الحديث – مع اختلاف في الألفاظ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في: البخاري 4/37 (كتاب الجهاد، باب من استعان بالضعفاء والصالحين)، 4/197 (كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام)، 5/2 (كتاب فضائل أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، الباب الأول)؛ مسلم 4/1962 (كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم..)؛ المسند (ط. الحلبي) 3/7 .
([114])  قال أبو عبد الرحمن: ذكر ابن تيمية في منهاج السنة ج2 ص35: وتواتر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
وعلق المحقق رحمه الله تعالى على هذه الرواية فقال:
يذكر ابن تيمية هذا الحديث بهذا اللفظ الذي بدأ بعبارة: وخير القرون قرني.. أو "خير القرون القرن.. إلخ في كثير من كتبه. وقد بحثت عن هذه الرواية بهذه الألفاظ طويلاً فلم أجدها.
وقد جاء الحدث عن عدد كبير من الصحابة منهم:
أبو هريرة وعبد الله بن مسعود وعمران بن حصين وعائشة والنعمان بن بشير وبريدة الأسلمي رضي الله عنهم. وجاء بألفاظ مختلفة منها: خيركم قرني، خير الناس قرني، خير أمتي القرن.. خير هذه الأمة القرن الذي أنا فيهم. بعثت في خير قرون آدم، أي الناس خير؟ قال أنا والذين معي.
انظر: البخاري: 3/171 (كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد)، 5/2-3، 3/7 (كتاب فضائل أصحاب النبي، باب فضائل أصحاب النبي ومن صحب النبي صلّى الله عليه وسلّم أو رآه)، 8/91 (كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا) 8/134 (كتاب الأيمان والنذور، باب إذا قال أشهد بالله)، 8م141-142 (كتاب الأيمان والنذور، باب إثم من لا يفي).
مسلم 4/1962 (كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم..).
سنن النسائي (بشرح السيوطي) 7/17 (كتاب الأيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر).
سنن الترمذي (بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان) 3/339-340 (كتاب الفتن، باب ما جاء في القرن الثالث)، 3/376 (كتاب الشهادات)، 5/357 (كتاب المناقب، باب ما جاء في فضل من رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم).
سنن أبي داود 4/297 (كتاب السنة، باب في فضل أصحاب رسول الله..).
سنن ابن ماجه 2/791 (كتاب الأحكام، باب كراهية الشهادة لمن لم يستشهد).
ترتيب مسند أبي داود الطيالسي، تحقيق الشيخ محمد عبد الرحمن البنا (ط. المنيرية بالأزهر، 1353/1934) 2/198-199 (كتاب الفضائل، باب ما جاء في فضل القرون الأولى).
المسند (ط. المعارف) 5/209، 6/29، 86، 116، 12/90، 15/106، المسند (ط. الحلبي) 2/340، 373، 410، 416، 417، 479، 4/267 276، 277، 278، 426، 427، 436، 440، 5/350، 357، 6/156 .
([115])  قال أبو عبد الرحمن: سئل المعافي بن عمران: أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فغضب وقال للسائل: أتجعل رجلاً من الصحابة مثل رجل من التابعين؟ معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله (تاريخ بغداد ج1 ص209، البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص139) وكان عمر بن عبد العزيزر حمه الله تعالى يضرب بالسوط الذي يتناول من معاوية رضي الله عنه وذلك لأن ابن عبد العزيز رحمة الله عليه يعرف مكانة معاوية رضي الله عنه، عن إبراهيم بن ميسرة قال: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنساناً قط إلا إنساناً شتم معاوية، فإنه ضربه أسواطاً. (البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص139).
وسوف يرد بإذن الله تعالى بعد صفات كلام بعض الأئمة في شأن معاوية رضي الله عنه، وأيضاً في الجزء الخاص بمعاوية رضي الله عنه ضمن هذه السلسلة.
([116])  الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه في: مسلم 3/1255 (كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته)؛ سنن أبي داود 3/159 (كتاب الوصايا. باب ما جاء في الصدقة عن الميت) سنن الترمذي 2/418 (كتاب الأحكام، باب ما جاء في الوقف) وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح"؛ سنن النسائي 16/210 (كتاب الوصايا، باب فضل الصدقة عن الميت)، سنن ابن ماجه 1/88 (المقدمة، باب ثواب معلم الناس الخير)؛ المسند (ط. المعارف) 17/28-29 .
([117])  جمع ابن تيمية هنا بين حديثين، الأول عن عائشة رضي الله عنها ونصه: "ما من مصيبة يُصاب بها المسلم إلا كُفِّر بها عنه حتى الشوكة يشاكها". والحديث – مع اختلاف في الألفاظ – في: مسلم 4/1992 (كتاب البر والصلة والآداب ثواب المؤمن فيما يصيبه...) وجاءت أحاديث أخرى عنها وعن غيرها من الصحابة في الباب نفسه مقاربة في المعنى واللفظ. والحديث أيضاً في سنن الترمذي 2/220 (كتاب الجنائز، باب ما جاء في ثواب المرض) وقال الترمذي: "حديث عائشة حديث حسن صحيح". والحديث الثاني في نفس المكان في: سنن الترمذي ونصه: "ما من شيء يصيب المؤمن من نَصَب ولا حزن ولا وَصَب حتى الهم يَهُمُّه إلا يكفّر الله به عن سيئاته" وهذا الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن في هذا الباب... وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم". وجاء الحديث عنهما في: مسلم 4/1992-1993 .
كما جاء عن أبي سعيد الخدري في: المسند (ط. الحلبي) ¾، 24، 38، 61 .
([118])  انجعافها: أي انقلاعها. والحديث عن أبي هريرة وكعب بن مالك رضي الله عنهما بألفاظ مختلفة في: البخاري 9/137-138 (كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة)؛ مسلم 4/2163-2164 في خمسة مواضع في (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب مثل المؤمن كالزرع ومثل الكافر كشجر الأرز)؛ سنن الدارمي 2/310 (كتاب الرقائق، باب مثل المؤمن مثل الزرع)؛ المسند (ط. المعارف) 12/178، 14/221. والحديث بمعناه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه في المسند (ط. الحلبي 3/349 وعن كعب بن مالك في المسند (ط. الحلبي) 6/286 .
([119])  الحديث بألفاظ مقاربة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه في: المسند (ط. الحلبي) 5/247 ونصه: "عن معاذ قال: صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلاة فأحسن فيها القيام والخشوع والركوع والسجود وقال: "إنها صلاة رغب ورهب، سألت الله فيها ثلاثاً فأعطاني اثنتين وزوى عني واحدة. سألته أن لا يبعث على أمتي عدواً من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيه، وسألته أن لا يبعث عليهم سنة تقتلهم جوعاً فأعطانيه، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردّها عليّ". وذكر السيوطي الحديث في "الجامع الصغير" بألفاظ مقاربة وفيه: "سألته أن لا يستحكم بعذاب أصابه من كان قبلكم فأعطانيها، وسألته أن لا يسلّط على بيضتكم عدواً فيجتاحها فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها". قال السيوطي (ع = مسند أبي يعلى، طب = الطبراني في الكبير، والضياء) عن خالد الخزاعي، (حم، ت، ن، حب، والضياء) عن خباب) وصحح الألباني (صحيح الجامع الصغير 2/309-310) الحديث. وروى مسلم في صحيحه حديثاً عن ثوبان وآخر عن سعد بن أبي وقاص معناهما مقارب. انظر: مسلم 4/2215-2216 (كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض). وجاء حديث ثوبان في: سنن أبي داود 4/138-139 (كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها)؛ سنن الترمذي 3/319-320 (كتاب الفتن، باب سؤال النبي صلّى الله عليه وسلّم ثلاثاً في أمته) وروى الترمذي أيضاً حديثاً عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: "هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن سعد وابن عمر. وجاء حديث سعد رضي الله عنه في: المسند (ط. المعارف) 3/60-61، 86. والسنة العامة: القحط الذي يعمّ بلاد الإسلام.
([120])  الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه مع اختلاف في اللفظ في: البخاري 6/56 (كتاب التفسير، سورة الأنعام، قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ..}، 9/101 (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول الله تعالى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً}، سنن الترمذي 4/327 (كتاب التفسير، باب ومن سورة الأنعام)، المسند (ط. الحلبي) 3/309، تفسير الطبري (ط. المعارف) 11/422، 423، 425 (وانظر التعليقات).
([121])  ذكر الهيثمي هذا الخبر في "مجمع الزوائد" 9/357 ونسبه إلى الأعمش ونصه: "وعن الأعمش قال: لو رأيتم معاوية لقلتم: هذا المهدي. رواه الطبراني مرسلاً وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف".
قال أبو عبد الرحمن: وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ج8 ص135 بلفظ: لو رأيتم...
([122])  هذا الأثر عن ابن عباس في: البخاري 5/28-29 (كتاب فضائل أصحاب النبي..، باب ذكر معاوية رضي الله عنه) ونصه: "هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟. قال: إنه فقيه".
([123])  الأثر في "مجمع الزوائد" للهيثمي 9/357 وقال: "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير قيس بن الحارث المذحجي، وهو ثقة".
([124])  ومن ذلك ما رواه الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/357 عن عبد الله بن عمرو وأن معاوية كان يكتب بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. رواه الطبراني بإسناد حسن. ومن ذلك ما رواه الهيثمي 9/356-357 وجاء أيضاً في "فضائل الصحابة" 2/913-915 عن العرباض بن سارية وغيره أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب". وجاء الحديث من عدة طرق ضعيفة أو مرسلة ولكن يقوي بعضها بعضاً. وانظر ما ذكره ابن العربي في "العواصم من القواصم" وتعليق الأستاذ محب الدين الخطيب على كلامه، ص202-211، ط. السلفية، القاهرة، 1371 .
([125])  الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في: البخاري 3/28 (كتاب المظالم والغصب، باب قصاص المظالم) ونصه: "إذا خلص المؤمنون من النار حُبِسوا بقنطرة بني الجنة والنار فيتقاصّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نُقُّوا وهُذِّبوا أذن لهم بدخول الجنة، فوالذي نفس محمد صلّى الله عليه وسلّم بيده لأحدهم بمسكنه في الجنة أدلُّ بمنـزله في الدنيا".
وجاء الحديث مرة أخرى في البخاري 8/111 (كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة). وهو في المسند (ط. الحلبي) 3/13، 57، 63، 74 .
([126])  الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما في: البخاري 5/15 (كتاب فضائل أصحاب النبي...، باب مناقب عثمان..)، 5/98-99 (كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ...}؛ سنن الترمذي 5/293-294 (كتاب المناقب، مناقب عثمان بن عفان)؛ المسند (ط. المعارف) 8/130-131، 251-252 .
([127])  قال أبو عبد الرحمن: كان الوليد رحمه الله تعالى من القادة المجاهدين في سبيل الله تعالى، وكن من خير الولاة على الكوفة وكان ضحية وشاية قام بها بعض الناقمين عليه لأه أقام حدود الله تعالى في بعض أبنائهم.
وللعلامة محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى تحليل قيّم لشخصية الوليد بن عقبة وما رُم] به من اقتراف شرب الخمر، وأنقل كلامه بتمامه لما اشتمل عليه من تحقيق دقيق لهذه الحادثة.
قال العلامة محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى في تعليقه على "العواصم من القواصم" ص94 وما بعدها:... أما الوليد بن عقبة المجاهد الفاتح العادل المظلوم (الذي كان منه لأمته كل ما استطاعه من عمل طيب، ثم رأى بعينه كيف يبغي المبطلون على الصالحين وينفذ باطلهم فيهم، فاعتزل الناس بعد مقتل عثمان في ضيعة له منطقعة عن صخب المجتمع، وهي تبعد خمسة عشر ميلاً عن بلدة الرقة من أرض الجزيرة التي كان يجاهد فيها ويدعو نصاراها إلى الإسلام في خلافة عمر) فقد آن لدسائس الكذابين فيه أن ينكشف عنها عوارها. ولا يضير هذا الرجل أن يتأخر انكشاف الحق فيه ثلاثة عشر قرناً، فإن الحق قديم ولا يؤثر في قدمه احتجابه. أراد الوليد بن عقبة – منذ ولى الكوفة لأمير المؤمنين عثمان – أن يكون الحاكم المثالي في العدل والنبل والسيرة الطيبة مع الناس، كما كان المحارب المثالي في جهاده وقيامه للإسلام بما يليق بالذائدين عن دعوته، الحاملين لرايته، الناشرين لرسالته. وقد لبث في إمارته على الكوفة خمس سنوات وداره – إلى اليوم الذي زايل فيه الكوفة – ليس لها باب يحول بينه وبين الناس ممن يعرف أو لا يعرف، فكان يغشاها كل من شاء، متى شاء، من ليل أو نهار، ولم يكن بالوليد حاجة لأن يستر عن الناس:
فالستر دون الفاحشات ولا         يلقاك دون الخير من ستر
وكان ينبغي أن كون الناس كلهم محبين لأميرهم الطيب لأنه أقام لغربائهم دور الضيافة، وأدخل على الناس خيراً حتى جعل يقسم المال للولائد والعبيد، ورد على كل مملوك من فضول الأموال في كل شهر ما يتسعون به من غير أن ينقص مواليهم من أرزاقهم. وبالفعل كانت جماهير الشعب متعلقة بحب هذا الأمير المثالي طول حكمه. إلا أن فريقاً من الأشرار وأهل الفساد أصاب بنيهم سوط الشريعة بالعقاب على يد الوليد، فوقفوا حياتهم على ترصد الأذى له. ومن هؤلاء رجال يسمى أحدهم أبا زينب بن عوف الأزدي، وآخر يسمى أبا مورع، وثالث اسمه جندب أبو زهير، قبضت السلطات على أبنائهم في ليلة نقبوا بها على ابن الحيسمان داره وقتلوه، وكان نازلاً بجواره رجل من أصحاب رسول الله ومن أهل السابقة في الإسلام وهو أبو شريح الخزاعي حامل راية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على جيش خزاعة يوم فتح مكة فجاء هو وابنه من المدينة إلى الكوفة ليسيرا مع أحد جيوش الوليد بن عقبة التي كان يواصل توجيهها نحو المشرق للفتوح ونشر دعوة الإسلام، فشهد هذا الصحابي وابنه في تلك الليلة سطو هؤلاء الأشرار على منـزل ابن الحيسمان وأدى شهادته هو وابنه على هؤلاء القتلة السفاحين. فأنفذ الوليد فيهم حكم الشريعة على باب القصر في الرحبة، فكتب آباؤهم العهد على أنفسهم للشيطان بأن يكيدوا لهذا الأمير الرحيم. وبثوا عليه العيون والجواسيس ليترقبوا حركاته، وكان بيته مفتوحاً دائماً. وبينما كان عنده ذات يوم ضيف له من شعراء الشمال كان نصرانياً في أخواله من تغلب بأرض الجزيرة وأسلم على يد الوليد، فظن جاسيس الموتورين أن هذا الشاعر الذي كان نصرانياً لابد أن يكون مِمَّن يشرب الخمر ولعل الوليد أن يكرمه بذلك فنادوا أبا زينب وأبا المورع وأصحابهما، فاقتحموا الدار على الوليد من ناحية المسجد، ولم يكن لداره باب، فلما فوجئ بهم نحى شيئاً أدخله تحت السرير. فأدخل بعضهم يده فأخرجه بلا إذن من صاحب الدار، فلما أخرج ذلك الشيء من تحت السرير إذا هو طبق عليه تفاريق عنب، وإنما نحاه الوليد استحياء أن يروا طبقه ليس عليه إلا تفاريق عنب، فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون من الخجل، وسمع الناس بالحكاية فأقبلوا يسبونهم ويلعنونهم. وقد ستر الوليد عليهم ذلك وطواه عن عثمان وسكت عن ذلك وصبر. ثم تكررت مكايد جندب وأبي زينب وأبي المورع، وكانوا يغتنمون كل حادث فيسيئون تأويله ويفترون الكذب. وذهب بعض الذين كانوا عمالاً في الحكومة ونحاهم الوليد عن أعمالهم لسوء سيرتهم فقصدوا المدينة وجعلوا يشكون الوليد لأمير المؤمنين عثمان ويطلبون منه عزله عن الكوفة. وفيما كان هؤلاء في المدينة دخل أبو زينب وأبو المورع دار الإمارة بالكوفة مع من يدخلها من غمار الناس وبقيا فيها إلى أن تنحى الوليد ليستريح، فخرج بقية القوم، وثبت أبو زينب وأبو المورع إلى أن تمكنا من سرقة خاتم الوليد من داره وخرجا. فلما استيقظ الوليد لم يجد خاتمه، فسأل عنه ززجتيه – وكانت في مخدع تريان منه زوار الوليد من وراء ستر – فقالتا أن آخر من بقي في الدار رجلان، وذكرتا صفتهما وحليتهما للوليد. فعرف أنهما أبو زينب وأبو المورع، وأدرك أنهما لم يسرقا الخاتم إلا لمكيدة بيّتاها، فأرسل في طلبهما فلم يوجدا في الكوفة، وكان قد سافرا تواً إلى المدينة. وتقدما شاهدين على الوليد بشرب الخمر (وأكبر ظني أنهما استلهما شهادتهما المزورة من تفاصيل الحادث الذي سبق وقوعه لقدامة بن مظعون في خلافة عمر) فقال لهما عثمان: كيف رأيتما؟ قالا: كنا من غاشية، فدخلنا عليه وهو يقيء الخمر. فقال عثمان: ما يقئ الخمر إلا شاربها. فجيء بالوليد من الكوفة فحلف لعثمان وأخبره خبرهم، فقال عثمان: نقيم الحدود. ويبوء شاهد الزور بالنار.
هذه قصة اتهام الوليد بالخمر كما في حوادث سنة 30 من تاريخ الطبري وليس فيها – على تعدد مصادرها القديمة – شيء غير ذلك. وعناصر الخبر عند الطبري أن الشهود على الوليد اثنان من الموتورين الذين تعددت شواهد غلهم عليه، ولم يرد في الشهادة ذكر الصلاة من أصلها فضلاً من أن تكون اثنتين أو أربعاً. وزيادة ذكر الصلاة هي الأخرى أمرها عجيب، فقد نقل خبرها عن الحضين بن المنذر (أحد أتباع عليّ) أنه كان مع عليّ عند عثمان ساعة أقيم الحد على الوليد، وتناقل الناس عنه هذا الخبر فسجله مسلم في صحيحه (كتاب الحدود ب8 ح5 ص126) بلفظ شهدت عثمان بن عفان وأتى بالوليد قد صلى الصبح (ركعتين) ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ". فالشاهدان لم يشهدا بأن الوليد صلى الصبح ركعتين وقال أزيدكم، بل شهد أحدهما بأنه شرب الخمر وشهد الآخر بأنه تقيأ، أما صلاة الصبح ركعتين وكلمة أزيدكم فهي من كلام حضين، ولم يكن حضين من الشهود، ولا كان في الكوفة وقت الحادث المزعوم، ثم أنه لم يسند هذا العنصر من عناصر الاتهام إلى إنسان معروف. ومن العجيب أن نفس الخبر الذي في صحيح مسلم وارد في ثلاثة مواضع من مسند أحمد مروياً عن حضين، والذي سمعه من حضين في صحيح مسلم هو الذي سمعه منه في مسند أحمد بمواضعه الثلاثة، فالموضعان الأول والثاني (ج1 ص82 و140 الطبعة الأولى – ج2 رقم 624 و1184 الطبعة الثانية) ليس فيهما ذكر للصلاة عن لسان حضين فضلاً عن غيره، فلعل أحد الرواة من بعده أدرك أن الكلام عن الصلاة ليس من كلام الشهود فاقتصر على ذكر الحد. وأما في الموضع الثالث من مسند أحمد (ج1 ص144-145 الطبعة الأولى – ج2 رقم 1229) فقد جاء فيه على لسان حضين "أن الوليد صلى بالناس الصبح أربعاً" وهو يعارض ما جاء على لسان حضين نفسه في صحيح مسلم، ففي إحدى الروايتين تحريف الله أعلم بسببه. وفي الحالتين لا يخرج ذكر الصلاة عن أنه من كلام حضين، وحضين ليس بشاهد، ولم يرو عن شاهد، فلا عبرة بهذا الجزء من كلامه. وبعد أن علمت بأمر الموتورين فيما نقله الطبري عن شيوخه، أزيدك علماً بأمر حمران، وهو عبد من عبيد عثمان كان قد عصى الله قبل شهادته على الوليد فتزوج في مدينة الرسول امرأة مطلقة ودخل بها وهي في عدتها من زوجها الأول، فغضب عليه عثمان، لهذا ولأمور أخرى قبله فطرده من رحابه وأخرجه من المدينة، فجاء الكوفة يعيث فيها فساداً، ودخل على العابد الصالح عامر بن عبد القيس فافترى عليه الكذب عند رجال الدولة وكان سبب تسييره إلى الشام.
وأنا أترك أمر هذا الشاهد والشاهدين الآخرين قبله إلى ضمير القارئ يحكم به عليهم بما يشاء، وفي اجتهادي أن مثل هؤلاء الشهود لا يقام بهم حد الله على ظنين من السوقة والرعاع، فكيف بصحابي مجاهد وضع الخليفة في يده أمانة قطر وقيادة جيوش فكان عند الظن به من حسن السيرة في الناس وحسن الرعاية لأمانات الله، وكان موضع الثقة عند ثلاثة من أكمل خلفاء الإسلام: أبي بكر وعمر وعثمان. وأن قرابة الوليد من عثمان التي يزعم الكذبة أنها سبب المحاباة منه لهم إنما كانت بسبب التسامح من عثمان في عزلهم والقسوة عليهم لئلا يقول السفهاء أن له هوى في ذوي قرابته. وقد رأينا الذين يتسلون بأعراض الناس يتفكهون بأبيات ستة منسوبة إلى ماجن خسيس النفس وردت في ص85 من ديوانه، ولا تحملهم سليقة النقد على الشهور بما في هذه الأبيات من التضارب والتعارض، فأين مدحه فيها للوليد بقوله:
ورأوا شـمائل ماجد أنف   يعطي على الميسور والعسر
فنـزعت مكذوباً عليك ولم   تردد إلى عـوز ولا فقـر
من بقية الأبيات التي فيها:
نادى وقد تمت صلاتهـم   أأزيدكم ثملاً وما يـدري
فالذي يقول البيت الأخير لا يقل أن يقول معه البيتين الأولين فيكون مادحاً وذاماً في قطعة واحدة لا تزيد على ستة أبيات. وقد كانت لي مقالة مطولة عن "التخليط في الشعر" ضربت فيها الأمثلة على دس أبيات غريبة في قصائد من وزنها ورويها لغير ناظمها.
وعلى كل حال فالشهود الذين شهدوا بين يدي عثمان لم يدّعوا حكاية الصلاة، مع أنهم لم يكونوا ممن يخاف الله واليوم الآخر. والآن أقلها لوجه الله صريحة مدوية: إن الوليد لو كان من رجال التاريخ الأوربي كالقديس لويس الذي أسرناه في دار ابن لقمان بالمنصورة لعدّوه قديساً. لأن لويس التاسع لم يحسن إلى فرنسا كإحسان الوليد بن عقبة إلى أمته، ولم يفتح للنصرانية كفتح الوليد للإسلام، والعجب لأمة تسيء إلى أبطالها، وتشوه جمال تاريخها، وتهدم أمجادها كما يفعل الأشرار منها، ثم ينتشر كيد هؤلاء الأشرار حتى يظن الأخيار أنه هو الحق. اهـ.
قال أبو عبد الرحمن: ذكر المالقي في "التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان" ص57 أن البيت الأخير قاله أبو مورِّع ونحله الحطيئة ليعاب به، وذكر خمسة أبيات هي:
شهد الحطيئة حين يلقي ربه   إن الوليد أحق بالغدر
نادى وقد نفدت صلاتهم   أأزيدكم ثملاً وما يدري
ليزيدهم خيراً لو قبلوا   منه لزادهم على العشر
فأبوا، أبا وهب ولو قبلوا   لقرنت بين الشفع والوت
خلعوا عنانك إذ جريت ولو   تركوا عنانك لم تزل تجري
وقد أفاض في دحض هذه الفرية بأسلوب لا يقل روعة عما ذكره العلامة الخطيب رحمه الله تعالى فضيلة العلامة الشيخ محمد الصادق العرجون رحمه الله تعالى رحمة واسعة وجزاه الله خير الجزاء عن رجال هذه الأمة الذين دافع عنهم وأوضح الحقيقة التاريخية بعد أن كانت فقط مبثوثة في ثنايا المتون التاريخية فقد ذكر العلامة العرجون رحمه الله تعالى في كتابه "الخليفة المفترى عليه عثمان بن عفان" 104-109 ملابسات هذه الفرية ونقد بعض الروايات الواهية والأقوال المكذوبة في قضية اتهام الوليد بن عقبة بشرب الخمر.
وللحقيقة لم تقع عيناي على مؤلفات في تحليل الروايات التاريخية لا سيما في بيان مواقف رجالات الإسلام الذين يشار إليهم بالبنان مثل مؤلفات هذا العالم الجليل لا سيما كتابيه "خالد بن الوليد" و"عثمان بن عفان" ودع عنك ما كتبه المغرضون والسبئيون الذي يحاولون تشوية أمجاد وتاريخ سلف هذه الأمة.
([128])  مسلم 3/1331-1332 (كتاب الحدود، باب حد الخمر)، وجاء هذا الأثر بمعناه في: سنن أبي داود 4/228 (كتاب الحدود، باب الحد في الخمر)، سنن ابن ماجه 2/1858 (كتاب الحدود، باب حد السكران).
([129])  قال أبو عبد الرحمن: أن من يقرأ سيرة هذا المجاهد يتعجب من كرم أخلاقه وجوده وجهاده في سبيل الله تعالى، ورغم هذه المكارم إلا أننا نجد أحفاد ابن سبأ يحاولون إظهار شخصيته بمظهر المتهالك على حطام الدنيا وأنَّ أفعاله مشينة لا يمكن أن يتصف بها رجل يدين بالإسلام، ولا نعرف أي إسلام هذا الذي يزن الرجال الأفذاذ بميزان الخسة والنذالة، إلا أن يكون إسلام المجوس الذي يتسترون به، ولا عجب في ذلك فإن صفوة الخلق بعد الأنبياء عليهم السلام نالتهم سهام المجوس، أفيكون ابن العاص بعيداً عن تلك السهام؟
وأضع بين يدي القراء الكرام ترجمة لهذا القائد المسلم وذلك من المراجع الإسلامية، وبعد ذلك أدع له الحكم عليه، وصراحة أننا لا نستطيع وضع الرجال الأفذاذ في المكانة التي يستحقونها إذا كانت مراجعنا في ذلك مؤلفات المسعودي واليعقوبي وابن أبي الحديد وغيرهم من المؤرخين الذين اكتووا بالأحقاد أو على أقل تقدير تأثرهم بعقائد المجوس الرافضة في تقييم الرجال من سلف هذه الأمة.
قال عنه الذهبي (سير أعلام النبلاء ج3 ص445): وكان أميراً، شريفاً، جواداً، ممدّحاً، حليماً، وقوراً، ذا حزم، وعقل، يصلح للخلافة. وَلِيَ إمرة المدينة غير مرة لمعاوية، وقد وَلِيَ إمرة الكوفة لعثمان بن عفان، وقد اعتزل الفتنة، فأحسن، ولم يقاتل مع معاوية. اهـ.
وكان رحمه الله تعالى ممن أقيمت عربية القرآن الكريم على لسانه لأنه أشبههم لهجة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم (انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ج3 ص448-449، مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ج9 ص310، والوافي بالوفيات للصفدي ج15 ص228) وكان كريماً إلى حد كبير حتى أنه لقب بأكرم العرب والذي لقبه به هو سيد البشر صلّى الله عليه وسلّم، فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما جاءت امرأة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ببرد فقالت: إني نويت أن أعطي هذا الثوب أكرم العرب، فقال: أعطيه هذا الغلام – يعني سعيد بن العاص – وهو واقف. فلذلك سميت الثياب السعدية (انظر: الوافي بالوفيات 15/228، البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص84).
وحكايات كرمه وجوده أكثر من أن تحصى، حتى أنني عندما اطلعت على ترجمته في ثنايا المراجع التي ترجمت له كدت لا أصدق أن يكون بهذه الصورة من الكرم والجود، ولكن بشارة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم ووصفه بأكرم العرب. ويقول ابن كثير في البداية 8/84: وقد كان حسن السيرة، جيد السيريرة، وكان كثيراً ما يجمع أصحابه في كل جمعة فيطعمهم ويكسوهم الحلل، ويرسل إلى بيوتهم بالهدايا والتحف والبر الكثير، وكان يصر الصرر فيضعها بين يدي المصلين من ذوي الحاجات في المسجد.
ولأن المجال لا يتسع لأكثر مما ذكر، فمن أراد الوقوف على حقيقة هذا الأمير رحمه الله تعالى فليرجع إلى المراجع التالية لتتضح له الصورة بكاملها من النبع الصافي لا من المستنقعات الآسنة التي يقبع فيها أحفاد ابن سبأ:
سير أعلام النبلاء للذهبي ج3 ص444-449 .
التاريخ الكبير للإمام البخاري ق1 ج2 ص502 ترجمة رم 1672 .
طبقات ابن سعد 5/30-35 .
البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص83-87 .
أنساب الأشراف للبلاذري، القسم الرابع، الجزء الأول ص433-441 .
مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ج9 ص305-318 .
الوافي بالوفيات للصفدي ج15 ص227-230 .
الخليفة المفترى عليه "عثمان بن عفان" للشيخ محمد الصادق العرجون 109-112 ففي هذه الصفحات تحليل وتدقيق لولاية سعيد بن العاص على الكوفة.
وغير ذلك من المراجع الإسلامية، وللدكتور محمد الصباغ حفظه الله تعالى بحثاً قيماً حول هذا القائد المجاهد رحمه الله تعالى.
([130])  قال أبو عبد الرحمن: إن عزل عثمان رضي الله عنه لسعيد بن العاص لم يكن من ذنب أتى به سعيد، ولكن لما قامت الفتنة في الكوفة بقيادة بعض الموتورين أمثال الأشتر وغيره من دعاة الفتنة واستنفار العامة، وإصرار الغوغاء على عزل سعيد بن العاص، وذلك لما ذهب ابن العاص إلى عثمان رضي الله عنه يطلعه على حقيقة الوضع في الكوفة وما اكتنفه من فوضى وعدم انضباط، فاستغل دعاة الفتنة فرصة غياب سعيد بن العاص عن الكوفة وبثّوا الأكاذيب والأراجيف، والذي تولاها مالك بن الأشتر بعد الإعداد والتخطيط بمشاركة النفر الذين كانوا في صف عبد الله بن سبأ.
وصل الأشتر للكوفة ووقف على المسجد وقال – وهو كاذب مفتر فيما قال -:
أيها الناس، قد جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان، وتركت سعيداً يريده على نقصان نسائكم إلى مائة درهم، ورد أهل البلاء منكم إلى ألفين، ويقول: ما بال أشراف النساء وهذه العلاوة بين هذين العدلين، ويزعم أن فيئكم بستان لقريش، فقد سايرته مرحلة، فما زال يرتجز بذلك حتى فراقته، يقول:
ويل لأشـرف النسـاء مني         صمحمح كأنـي من جـنّ
فاستخف الناس فأصغوا إليه، وقام عقلاء الكوفة ينهونهم عن الخروج ونبذ الجماعة، ولكن أنّى للعقول التي اعتراها الطمع والثأر لمصالحهم الشخصية أن يستمعوا إلى نداء العقل.
وخرجوا إلى خارج الكوفة ونزلوا مكاناً يقال له الجرعة وهو بالقرب من الكوفة وقابلوا هناك سعيداً بن العاص وقالوا له: لا حاجة لنا بك، فقال سعيد: أما اختلفتم إلا بي؟ إنما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلاً، أو تضعوا له رجلاً، وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل؟ وانصرف عنهم.
وكتب الموتورون إلى عثمان رضي الله عنه بأن يولي عليهم أبا موسى الأشعري رضي الله عنه فاستجاب لهم.
وللتفصيل انظر: التمهيد والبيان للمالقي 72-76، تاريخ الطبري ج4 ص330-332 .
ويقول الدكتور محمد السيد الوكيل في كتابه "جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين" ص410-411 عن الأشتر وذلك لتتضح الصورة للقارئ الكريم حقيقة هذا الثائر المتردد الذي يهوى الفتن ولو بالكذب والبهتان ليستهوي قلوب العامة والغوغاء:
فقد كان يرى نفسه كفؤاً لإدارة أعمال المسلمين وكان يعتقد أنه أحق بالولاية من غيره ممن ولاهم أمير المؤمنين عثمان – رضي الله عنه – ولما لم يول ثار وحرض وارتكب الجرائم العظام حتى قتل عثمان، وكان من أوائل المبايعين لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – ومن أكبر أعوانه أملاً أن ينال منه ما لم ينل في عهد عثمان ولكنه لم ينل مأربه حتى في عهد عليّ، لأنه ليس الرجل الذي يتحمل عن المسلمين. وليس أدل على تطلعه إلى الولاية وغضبه لنفسه إذ لم يول من قوله وقد ولي عليّ ابن عمه عبد الله بن عباس البصرة، ولم يكد الخبر يطير إلى آذان الأشتر حتى غضب وقال: علام قتلنا الشيخ، إذ اليمن لعبيد الله والحجاز لقثم والبصرة لعبد الله والكوفة لعليّ.
وهكذا يعرّض الأشتر بولاة الخليفة الجديد الذي أسرع في بيعته، وتفانى في خدمته أملاً أن يصيبه شيء من الأمر الذي كان يعمل جاهداً للوصول إليه، فلما وجد أمير المؤمنين عليّاً عدل عنه وولاها الأكفاء من أبناء عمه تماماً كما فعل عثمان ثار وغضب، وركب دابته وفارق الخليفة ولولا أن أدركه الإمام، وأغذّ السير حتى لحق به، ما كان يدري إلا الله ماذا كان سيعمل هذا الثائر المتمرد. إن غضبة هذا وأمثاله لم تكن في ساعة من الساعات خالصة لوجه الحق، ولم يرد بها قط تقويم الخليفة وإعادته إلى الجادة التي سلكها صاحباه من قبل، ولكنها كانت لهوى النفس، ونفثة من الشيطان.
([131])  قال أبو عبد الرحمن: ولاية عبد الله بن سعد على مصر إنما كانت رغبة من دعاة الفتنة أتباع عبد الله بن سبأ، وذلك أن في ولاية عمرو بن العاص رضي الله عنه لم يستطيعوا أن يبثوا معتقداتهم وأكاذيبهم ووقف منهم موقفاً حازماً، لذا اجتمعوا على الكتابة إلى عثمان رضي الله عنه بأن يولّي عليهم عبد الله بن سعد. ويذكر لنا المالقي في "التمهيد والبيان" ص88-89 تفاصيل ذلك فيقول:
لما خرج ابن السوداء (ابن سبأ) إلى مصر اعتمر فيهم فأقام، فنـزل على كنانة بن بشر مرة وعلى سودان بن حمران مرة وانقطع. فشجعه الغافقي، فتكلم. وأطاف به خالد بن ملجم وعبد الله بن زريرة وأشباه لهم، فصرف لهم القول فلم يجدهم يجيبون إلى شيء مما يجيبون إلى الوصية، فقال لهم: عمرو ناب العرب وحجرهم، ولسنا من رجاله، فأروه أنكم تزرعون، ولا تزرعون العام شيئاً حتى تنكسر مصر، فيشكونه فيعزل عنكم، ونسأل من هو أضعف منه، ونخلوا بما نريد، ونظهر الأمر بالمعروف. فكان أسرعهم إلى ذلك وأعملهم فيه محمد بن أبي حذيفة، وهو ابن خال معاوية وكان يتيماً في حجر عثمان رضي الله عنه. فلما ولي استأذنه في الهجرة إلى بعض الأمصار فخرج إلى مصر. وكان الذي دعاه إلى ذلك أنه سأل العمل فقال: لست هناك. فعملوا ما أمرهم به ابن السوداء. ثم أنهم خرجوا ومن شاء الله منهم، فشكوا عمرو بن العاص، واستعفوا منه، فكلما نهنه عثمان عن عمرو قوماً وسكنهم وأرضاهم وقال: إنما هو أمين، انبعث آخرون بشيء آخر، وكلهم يطلب عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فقال لهم عثمان رضي الله عنه: أما عمرو فسننـزعه عنكم لما زعمتم أنه أفسد، وأما الحرب فسنقره عليها ونولي من سألتم. فولى عبد الله بن سعد خراج مصر وترك عمراً على صلاتهم، فمشى في ذلك سودان بن حمران، وكنانة بن بشر وخارجة وأشباههم فيما بين عمرو وعبد الله بن سعد وأغروا بينهما، حتى احتمل كل واحد منهما على صاحبه، وتكاتبا على قدر ما أبلغوا كل واحد منهما، فكتب عبد الله بن سعد: أنّ خراجي لا يستقيم مادام عمرو على الصلاة، وخرجوا فصدقوه واستعفوا من عمرو، وسألوا عبد الله. فكتب عثمان رضي الله عنه إلى عمرو: أنه لا خير لك في صحبة من يكرهوك، فأقبل. وجمع مصر لعبد الله صلاتها وخراجها. فقدم عمرو، فقال له عثمان رضي الله عنه: أبا عبد الله، ما شأنك؟ أستحيل رأيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين دعني، فوالله ما أدري من أين أتيت، وما أتهم عبد الله بن سعد، وإن كنت لأهل عملي كالوالدة، وما قدر العارف الشاكر على معونتي. اهـ.
وأما قصة الكتاب فالروايات مضطربة لا أساس لها، وأنها من اختراع المتمردين وقد كشفها عليّ رضي الله عنه ومحمد بن مسلمة رضي الله عنه، وللوقوف على حقيقة هذا الزعم الباطل انظر: الخليفة المفترى عليه للعلامة محمد الصادق عرجون رحمة الله عليه ص117-126، حركات ومؤامرات مناهضة في تاريخ الإسلام للأستاذ الدكتور أحمد الحفناوي ص177-182 .
([132])  الحديث عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه في:
مسلم 3/1481 (كتاب الإمارة، باب خيار الأئمة وشرارهم)، سنن الدارمي 2/324 (كتاب الرقاق، باب في الطاعة ولزوم الجماعة)، المسند (ط. الحلبي) 6/24 .
وجاء جزء من حديث آخر بمعنى آخر معنى هذا الحديث عن عمر رضي الله عنه في: سنن الترمذي 3/360 (كتاب الفتن، باب حدثنا موسى بن عبد الرحمن الكندي) وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد ومحمد يُضعف من قبل حفظه.
([133])  قال أبو عبد الرحمن: عبد الله بن عامر أبو عبد الرحمن من القادة الذين فتحوا إقليم خراسان وأطراف فارس وكثير من المناطق الرازحة تحت سيطرة ملك الفرس يزدجرد، ولذا فإن عداوة الفرس المجوس ومن يدين بدينهم يبغضونه أشد البغض، وينتحلون من الأكاذيب والأساطير ما يحاولون به تشويه سيرته التي قضاها فاتحاً وعادلاً في رعيته. إضافة إلى قضائه ومحاربته للموتورين من أتباع عبد الله بن سبأ، لا سيما وأنه هو الذي طرد ابن سبأ من البصرة وأيضاً قاطع الطريق حكيم بن جبلة فيذكر لنا الطبري في تاريخه ج4 ص326-327 :
لما مضى من إمارة ابن عامر ثلاث سنين، بلغه أن في عبد القيس رجلاً نازلاً على حكيم بن جبلة، وكان حكيم بن جبلة رجلاً لصاً إذا قفل الجيش خنس عنهم، فسعى في أرض فارس، فيغير على أهل الذمة، ويتنكر لهم، ويفسد في الأرض، ويصيب ما شاء ثم يرجع. فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان. فكتب إلى عبد الله بن عامر: أن احبسه، ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة حتى تأنسوا منه رشداً، فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها. فلما قدم ابن السوداء نزل عليه واجتمع إليه نفر فطرح لهم ابن السوداء ولم يصرح، فقبلوا منه، واستعظموه، وأرسل إليه ابن عامر، فسأله: من أنت؟ فأخبره أنه رجل من أهل الكتاب، رغب في الإسلام، ورغب في جوارك، فقال: ما يبلغني ذلك، اخرج عني. فخرج حتى أتى الكوفة فأخرج منها فاستقر بمصر، وجعل يكاتبهم ويكاتبونه، ويختلف الرجال بينهم.
وقد أثنى على ابن عامر كثير من علماء هذه الأمة ومؤرخيها فيقول الذهبي في سير أعلام النبلاء ج3 ص21 :
وكان من كبار ملوك العرب، وشجعانهم وأجوادهم، وكان فيه رفق وحلم.
ويقول ابن كثير في البداية والنهاية ج8 ص88 :
ولد في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتفل في فيه، فجعل يبتلع ريق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: "إنه لمسقاه"، فكان لا يعالج أرضاً إلا ظهر له الماء، وكان كريماً ممدحاً ميمون النقيبة.... وهو أول من اتخذ الحياض بعرفة وأجرى عليها الماء المعين والعين.
ويقول العلامة محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى في تعليقه على "العواصم" ص84 :
فلم يزل ملك أولاده (يقصد أول ملوك الفرس والمسمى جيومرت) منتظماً على سياق إلى أن كان القضاء الأخير عليه بسلطان الإسلام في خلافة أمير المؤمنين بجهاد هذا العبشمي الآباء الهاشمي الخئولة عبد الله بن عامر بن كريز، وهي حرقة في قلوب أهل النـزعة المجوسية على الإسلام، وعلى عثمان، وابن كريز، فهم يحقدون على هؤلاء ويحاربونهم إلى اليوم بسلاح الكذب، والبغض والدسائس وسيستمر ذلك إلى يوم القيامة.... ونحن لا ندعي العصمة لأحد بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونتوقع الخطأ من كل إنسان، صحابياً كان أو من التابعين أو الذين يتبعونهم بإحسان. ولكن الذين ملأوا الدنيا بالحسنات كأنها الجبال فإن الذي يعمى عنها، ويدس أنفه في مرمى القاذورات ليستخرج منها ما يذم العظماء به، وإن لم يجد يختلق ويكذب، فإن من كرامة المسلم على نفسه أن يترفع عن الإصغاء لأمثال هؤلاء والانخداع لهم. ودع عنك فتوح عبد الله بن عامر بن كريز التي وصلت إلى أقصى المشارق، وتقويضه آخر أمل للإمبراطورية المجوسية، فإن حسناته الإنسانية أيضاً جديرة بالتسجيل.
([134])  قال أبو عبد الرحمن: أن استشهاد الخليفة رضي الله عنه لم يكن من جراء ذلك، بل من قبل حفنة من المتورين والحاقدين والذين أصابهم سوط الشريعة بخروجهم عن جادة الصواب، وقد تقدم بيان ذلك.
([135])  قال أبو عبد الرحمن: وذلك حينما أراد الموتورون إثارة الفتنة بطرح بعض الأحداث التي أحدثها – على حد زعمهم – عثمان رضي الله عنه. وقدموا إلى المدينة بتخطيط مسبق مع بعضهم البعض، فاجتمع رؤسائهم وقرروا مواجهة الخليفة رضي الله عنه ببعض التهم، ليمكن بعد ذلك إشاعة تلك المقولات وإيهام الناس بأن الخليفة قد أقرهم على ما طرحوه من المؤاخذات وأنه قد وعد بالرجوع عنها. وهدفهم من ذلك التأكد على ما زرعوه في قلوب الناس ثم يرجعون إليهم فيزعمون لهم أنهم قرروه بها، فلم يتب منها ولم يظهر الندم على ما وقع منه والتوبة، وبعد ذلك يخرجون كأنهم يريدون الحج ويعرضون على عثمان رضي الله عنه الخلع فإن لم يستجب قاتلوه.
ولما علم عثمان رضي الله عنه حقيقة أولئك القوم أرسل إليهم ونادى: الصلاة جامعة، وهم عنده في أصل المنبر، فأقبل أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى أحاطوا بهم، فحمد الله وأثنى عليه، وأخبرهم خبر القوم، وقام الرجلان، فقالوا جميعاً: اقتلهم، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله فاقتلوه". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا أحل لكم إلا ما قتلتموه وأنا شريككم. فقال عثمان: بل نعفو ونقبل ونبصرهم بجهدنا، ولا أحد أحداً حتى يركب حداً، أو يبدي كفراً. أن هؤلاء ذكروا أموراً قد علموا منها مثل الذي علمتم، إلا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها عليّ عند من لا يعلم.
وقالوا: أتم الصلاة في السفر، وكانت لا تتم، ألا وإني قدمت بلداً فيه أهلي، فأتممت لهذين الأمرين. أو كذلك؟ قالوا: اللهم نعم.
وقالوا: وحميت حمى، وإني والله ما حميت، حمى قبلي، والله ما حموا شيئاً لأحد ما حموا إلا غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعاية أحدا، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثم ما منعوا ولا نحوا منها أحداً إلا من ساق درهما، ومالي من بعير غير راحلتين، وما لي ثاغية ولا راغية، وإني قد وليت إني أكثر العرب بعيراً وشاءً، فمالي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجي، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم.
وقالوا: إني رددت الحكم وقد سَيَّرهُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والحكم مكي، سيره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مكة إلى الطائف، ثم ردّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرسول الله صلّى الله عليه وسلّم سيره، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم ردّه، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم.
وقالوا: استعملت الأحداث. ولم أستعمل إلا مجتمعاً محتملاً مرضياً، وهؤلاء أهل عملهم، فسلوهم عنه، وهؤلاء أهل بلده، ولقد ولّى من قبلي أحدث منهم، وقيل في ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أشد مما قيل لي في استعماله أسامة، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم، يعيبون الناس ما لا يفسرون.
وقالوا: إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه، وإني إنما نفلته خمس ما أفاء الله عليه من الخمس، فكان مائة ألف وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك، فرددته عليهم وليس ذاك لهم، أكذلك؟ قالوا: نعم.
وقالوا: إني أحب أهل بيتي وأعطيهم، فأما حبي فإنه لم يمل معهم على جور، بل أحمل الحقوق عليهم، وأما إعطاؤهم فإني ما أعطيتهم من مالي، ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي، وفني عمري وودعت الذي لي في أهلي، قال الملحدون ما قالوا، وإني والله ما حملت على مصر من الأمصار فضلاً فيجوز ذلك لمن قاله، ولقد رددته عليهم، وما قدم عليّ إلا الأخماس، ولا يحل لي منها شيء، فولى المسلمون وضعها في أهلها دوني، ولا يتلفت من مال الله بفلس فما فوق، وما أتبلغ منه ما آكل إلا مالي.
وقالوا: أعطيت الأرض رجالاً، وأن هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتتحت، فمن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله، ومن رجع إلى أهله لم يذهب ذلك ما حوى الله له، فنظرت في الذي يصيبهم مما أفاء الله عليهم فبعته لهم بأمرهم، انظر: تاريخ الطبري 4/346-348، التمهيد والبيه للمالقي 104-106 .
([136])  قال أبو عبد الرحمن: انظر مقدمة هذا الجزء حيث أوردنا أقوال عائشة رضي الله عنها في عثمان رضي الله عنه وفي قتلته.
([137])  قال أبو عبد الرحمن: لا يشك من لديه عقل في تزوير الكتاب، وأنه من نسج المتمردين ليتخذه ذريعة في إثارة الفتنة.
ولقد تكلم حول هذا الموضوع بعض النقاد مثل:
العلامة محمد الصادق العرجون في كتاب "الخليفة المفترى عليه" 117-126 .
ومسألة تزوير الكتب فهي أقدم من هذا الحادث وقد زور معن بن زائدة كتاباً ادّعى أنه من قبل عمر رضي الله عنه وأصاب بذلك الكتاب المزوّر مالاً من خراج الكوفة.
ومن أشهر المزوّرين محمد بن أبي حذيفة – ربيب عثمان رضي الله عنه وأحد الموتورين الحاقدين – الذي زوّر الكتب على لسان أمهات المؤمنين رضي الله عنهن جميعاً وخاصة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
([138])  الحديث في سنن أبي داود 3/198 (كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في صفايا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الأموال) ونصه: عن أبي الطفيل قال: جاءت فاطمة رضي الله عنها إلى أبي بكر رضي الله عنه تطلب ميراثها من النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: فقال أبو بكر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "إن الله عز وجل إذا أطعم نبيّاً طعمة فهي للذي يقوم بعده".
والحديث – مع اختلاف يسير في اللفظ – في المسند (ط. المعارف) 1/160 وصحح أحمد شاكر رحمه الله الحديث.
([139])  قال أبو عبد الرحمن: أن بذل عثمان رضي الله عنه إنما كان من ماله الخاص، وقد بيّن رضي الله عنه ذلك في خطبته التي ذكرناها قبل صفحات.
ويقول العلامة العرجون في "الخليفة المفترى عليه" ص99: حب عثمان لأقاربه، وإحسانه إليهم، وعطفه عليهم، ورفع شأن ذوي النبوغ منهم والاستعانة بأهل القوة والمقدرة على العمل فيهم ليس غريباً عن أوضاع الحياة وطبيعتها، بل الغريب من مألوف الحياة ومعهودها ألا يحبهم ولا يكرمهم، ولا يرفع من شأنهم، وقد أذلهم في أول الدعوة الإسلامية تقاعسهم عن السيف إلى الإسلام، واعتزازهم بمعزات الجاهلية لياً بأبصارهم عن بلج الحق، وسبقهم غيرهم ممن كان لا يلحق بهم في أولياتهم الجاهلية إلى عزة الإسلام، فانزوى بعضهم، ولج في العناد آخرون حتى احتوشهم الإيمان بجحافله، فدخلوا إلى ساحة الإسلام طائعين وكارهين، وقد وجدوا في نبيلهم عثمان بن عفان ركناً شديداً يأوون إليه بعد الإيمان بالله ورسوله، وقد أعطاه الإسلام قيادة وولاه المسلمون أمرهم عن رضا ومشورة منهم.
([140])  قال أبو عبد الرحمن: أن مسألة جمع القرآن من قبل عثمان رضي الله عنه من المآثر والمناقب التي يجب أن تكتب بمداد من الذهب في سجل تاريخ هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه، لا أن تنقلب هذه المأثرة والمنقبة إلى مثلبة يتفوه بها ويسطرها الحاقدون في ثنايا بحثهم عن حياة عثمان رضي الله عنه ويروجون لها ويجعلونها من المطاعن.
وأما الباعث على إقدام عثمان رضي الله عنه على جمع القرآن، فيروي البخاري في صحيحه (الفتح 9/11): أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالمصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرّهط من القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا. حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق (عثمان بن عفان رضي الله عنه ص234 وما بعدها) رواية أخرى: عن محمد وطلحة قالا: وصرف حذيفة من غزو الرّي إلى غزو الباب مدداً لعبد الرحمن بن ربيعة، وخرج معه سعيد بن العاص فبلغ معه أذربيجان – وكذلك كانوا يصنعون، يجعلون للناس ردءاً (العون والناصر) – فأقام حتى قفل حذيفة ثم رجعا. فقال له حذيفة: إني سمعت في سفرتي هذه أما لئن ترك الناس ليضلن القرآن ثم لا يقومون عليه أبداً. قال: وما ذاك؟ قال: رأيت أمداد أهل الشام حين قدموا علينا، فرأيت أناساً من أهل حمص يزعمون لأناس من أهل الكوفة أنهم أصوب قراءة منهم، وأن المقداد أخذها من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويقول الكوفيون مثل ذلك. ورأيت من أهل دمشق قوماً يقولون لهؤلاء: نحن أصوب منكم قراءة، وقرآنا، ويقول هؤلاء لهم مثل ذلك. فلما رجع الكوفة دخل المسجد فتقوّض إليه الناس فحذرهم ما سمع في غزاته تلك، وحذّرهم ما يخاف، فساعده على ذلك أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومن أخذ عنهم وعامة التابعين.
وقال له أقوام ممن قرأ على عبد الله: وما تنكر؟ ألسنا نقرأ على قراءة ابن أم عبد، وأهل البصرة يقرؤون على قراءة أبي موسى ويسمونها لباب الفؤاد، وأهل حمص يقرؤون على قراءة المقداد وسالم؟ فغضب حذيفة من ذلك وأصحابه وأولئك التابعون وقالوا: إنما أنتم أعراب، وإنما بعث عبد الله إليكم ولم يبعث إلى من هو أعلم منه، فاسكتوا فإنكم على خطأ. وقال حذيفة: والله لئن عشت حتى أتي أمير المؤمنين لأشكون إليه ذلك، ولأمرنه، ولأشيرن عليه أن يحول بينهم وبني ذلك حتى ترجعوا إلى جماعة المسلمين، والذي عليه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة. وقال الناس مثل ذلك. فقال عبد الله: والله إذاً ليصلينّ الله وجهك نار جهنم. فقال سعيد بن العاص: أعلى الله تألّى (أي تحلف وتحكم) والصواب مع صاحبك؟ فغضب سعيد فقام، وغضب ابن مسعود فقام، وغضب القوم فتفرقوا، وغضب حذيفة فرحل إلى عثمان حتى قدم عليه فأخبره بالذي حدث في نفسه من تكذيب بعضهم بعضاً بما يقرأ، ويقول أنا النذير العريان (مثل يضرب في التحذير من خطر محدق بدلائل واضحة مكشوفة) فأدركوا. فجمع عثمان الصحابة وأقام حذيفة فيهم بالذي رأى وسمع، وبالذي عليه حال الناس، فأعظموا ذلك ورأوا جميعاً مثل الذي رأى، وأبوا أن يتركوا ويمضي هذا القرن لا يعرب القرآن. فسأل عثمان: ما لباب الفؤاد؟ فقيل: مصحف كتبه أبو موسى – وكان قرأ على رجال كثير ممن لم يكن جمع على النبي صلّى الله عليه وسلّم، وسأل عن مصحف ابن مسعود، فقيل له: قرأ على مجمع بن جارية. وخباب بن الأرت جمع القرآن بالكوفة فكتب مصحفاً. وسأل عن المقداد، فقيل له: جمع القرآن بالشام، فلم يكونوا قرؤوا على النبي صلّى الله عليه وسلّم، إنما جمعوا القرآن في أمصارهم. فاكتتبت المصاحف وهو بالمدينة – وفيها الذين قرؤوا القرآن على النبي صلّى الله عليه وسلّم – وبثّها في الأمصار، وأمر الناس أن يعمدوا إليها، وأن يدعوا ما تعلم في الأمصار، فكل الناس عرف فضل ذلك، أجمعوا عليه وتركوا ما سواه، إلا ما كان من أهل الكوفة فإن قرّاء قراءة عبد الله نزوا في ذلك حتى كادوا يتفضلون على أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وعابوا الناس، فقام فيهم ابن مسعود فقال: ولا كل هذا، إنكم والله قد سبقتم سبقاً بينا، فأربعوا على ظلعكم (أي أرفقوا على أنفسكم فيما تحاولونه).
ولما قدم المصحف الذي بعث به عثمان على سعيد واجتمع عليه الناس، وفرح به أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، بعث سعيد إلى ابن مسعود يأمره أن يدفع إليه مصحفه، فقال: هذا مصحفي، تستطيع أن تأخذ ما في قلبي؟ فقال له سعيد: يا عبد الله، والله ما أنا عليك بمسيطر، إن شئت تابعت أهل دار الهجرة وجماعة المسلمين، وإن شئت فارقتهم. وأنت أعلم. اهـ.
ولقد عزّ على ابن مسعود رضي الله عنه أن لا يكون ضمن اللجنة التي كلفها عثمان رضي الله عنه، ولعثمان رضي الله عنه من الأعذار في ذلك الشيء الكثير، ويقول الأستاذ الفاضل عبد الستار الشيخ في كتابه القيّم "عبد الله بن مسعود" ص122-125: وعثمان كان له العذر في ذلك لأمور عدة:
1 -  تم الجمع بالمدينة المنورة، وابن مسعود عندئذ بالكوفة، والأمر لا يحتمل التأخير ريثما يرسل إليه عثمان ليحضر الجمع.
2 -  ثم إن عثمان إنما أراد نسخ الصحف التي كانت في عهد أبي بكر، وأن يجعلها مصحفاً واحداً، وكان الذي نسخ ذلك في عهد أبي بكر هو زيد بن ثابت لكونه كان كاتب الوحي، فكانت له في ذلك أولية ليست لغيره.
3 -  وزيد – شهد – بيقين – العرضة الأخيرة التي بيّن فيها ما نسخ وما بقي، وكتبها لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقرأها عليه، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولا يضيره أنه كان في صلب رجل كافر عندما كان ابن مسعود يحفظ بضعاً وسبعين سورة.
4 -  ثم إن ابن مسعود قد أخذ من في النبي صلّى الله عليه وسلّم بضعاً وسبعين سورة، واستكمل القرآن من الصحابة فيما بعد، بينما حفظ زيد القرآن كله والنبي صلّى الله عليه وسلّم حيّ، وهذا مما يضاف إلى مبررات عثمان بالاعتماد على زيد.
5 -  ثم أن زيداً كان يكتب الوحي لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهو إمام في الرسم، وابن مسعود إمام في الأداء، وجمع عثمان كان يقتضي الميزة التي عند زيد، لذا أمر بالكتابة، وأمر سعيد بالإملاء عليه، وسعيد أشبه الناس لهجة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتوفّرت للجمع العثماني كافة الشروط: الرسم والإملاء، وهذا يعني أن عدم حضور ابن مسعود لن يحدث خللاً في كفاءة وتكامل لجنة الجمع العثماني.
6 -  ثم إن ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ بلهجة هذيل، والمصحف كتب بلغة قريش عند الاختلاف، وليس لعبد الله أن يحمل الأمة على أن يقرؤوا بلهجته، بل لهجة النبي صلّى الله عليه وسلّم أولى بذلك، علماً بأن لعبد الله قراءات شاذة مثل (عتى حين) بدلاً من (حتى حين).
7 -  وناحية هامة هي أن رضى الصحابة رضي الله عنهم جميعاً بصنيع عثمان في تحريق المصحف دليل خيرية ذلك الفعل وصوابه، فأمة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا تجتمع على ضلالة. ومما يؤكد هذه الناحية إجماع الخلفاء الراشدين على جمع المصحف، واتفاق آخر خليفتين منهم على تحريق ما سوى المصحف الإمام. وفعلهم هذا واجب الاقتداء به كما قال عليه السلام: ”عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي“.
8 -  زد على ذلك أنه علم الصحابة بموقف عبد الله ذاك، وأنه أمر بغلّ المصاحف، كرهوا ذلك منه، وما رضوه فقد قال الزهري: "فبلغني أن ذلك كرهه من قول ابن مسعود رجال من أصحاب رسول الله".
وينقل ابن كثير عن علقمة قال: قدمت الشام فلقيت أبا الدرداء فقال: كنا نعد عبد الله حناناً، فما باله يواثب الأمراء.
ولكن لا يفهم من ذلك كله أن زيداً مقدم على ابن مسعود، فليس رابط بين هذا وذاك، وعبد الله أفضل من زيد، وفي ذلك يقول أبو بكر الأنباري: ولم يكن لاختيار زيد من جهة أبي بكر وعمر وعثمان على عبد الله بن مسعود في جمع القرآن – وعبد الله أفضل من زيد، وأقدم في الإسلام، وأكثر سوابق، وأعظم سوابق، وأعظم فضائل – إلا لأن زيد كان أحفظ للقرآن من عبد الله، إذ وعاه كلّه ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم حيّ، والذي حفظه عنه عبد الله في حياة الرسول صلّى الله عليه وسلّم نيّف وسبعون سورة، ثم تعلّم الباقي بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلّم. فالذي ختم القرآن وحفظه ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم حيّ أولى بجمع المصحف وأحق بالإيثار والاختيار. ولا ينبغي أن يظن جاهل أن في هذا طعناً على عبد الله بن مسعود، لأن زيداً إذا كان أحفظ للقرآن منه، فليس ذلك موجباً لتقدّمه عليه، لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كان زيد أحفظ منهما للقرآن، وليس هو خيراً منهما، ولا مساوياً لهما في الفضائل والمناقب.
وأما بالنسبة للمنهج الذي اتبعته اللجنة فيمكن تلخيصه على النحو التالي (باختصار عن "الجمع الصوتي الأول للقرآن الكريم" للأستاذ لبيب السعيد ص71 وما بعدها).
1 -  الاعتماد على عمل اللجنة الأولى التي تولّت الجمع على عهد أبي بكر، أي على ربعة حفصة والتي هي مستنده إلى الأصل المكتوب بين يدي النبي صلّى الله عليه وسلّم.
2 -  أن يتعاهد اللجنة خليفة المسلمين نفسه.
3 -  أن يأتي كل من عنده شيء من القرآن سمعه من الرسول صلّى الله عليه وسلّم بما عنده، وأن يشترك الجميع في علم ما جمع، فلا يغيب عن جمع القرآن أحد عنده منه شيء، ولا يرتاب أحد فيما يودع المصحف، ولا يشك في أنه جمع عن ملأ منهم.
4 -  إذا اختلفوا في أية آية، قالوا: هذه أقرأها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلاناً، فيرسل إليه، وهو على رأس ثلاث من المدينة، فيقال له: كيف أقرأك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آية كذا وكذا؟ فيقول: كذا وكذا... فيكتبونها، وقد تركوا لذلك مكاناً.
5 -  يقتصر – عند الاختلاف – على لغة قريش.
6 -  والمقصود من الجمع على لغة واحدة: الجمع على القراءة المتواترة المعلوم عند الجميع ثبوتها عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإن اختلفت وجوهها، حتى لا تكون فرقة واختلاف، فإن ما يعلم أنّه قراءة ثابتة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يختلفون فيها، ولا ينكر أحد منهم ما يقرأه الآخر.
7 -  وعند كتابة لفظ تواتر – عن النبي صلّى الله عليه وسلّم – النطق به، على أكثر من وجه، تُبقي اللجنة هذا اللفظ خالياً من أية علامة تقصر النطق به على وجه واحد، لتكون دلالة اللفظ الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسوغين شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المنقولين المفهومين.
8 -  وخشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد، يمنع عن كتابة ما يأتي، فضلاً عن قراءته وسماعه:
( أ )  ما نسخت تلاوته.
( ب )  وما لم يكن في العرضة الأخيرة.
( ج )  وما لم يثبت من القراءات، وما كانت روايته آحاداً.
( د )  وما لم تعلم قرآنيته، أو ما ليس بقرآن، كالذي كان يكتبه بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصة، شرحاً لمعنى أو بياناً لناسخ أو منسوخ أو نحو ذلك.
9 -  فيما خلا ما يختلف فيه أعضاء اللجنة، وما تصدر تعليمات الخليفة المعبّرة عن رأي الصحابة صريحة الاقتصار فيه على لغة قريش، يشتمل الجمع على الأحرف التي نزل عليها القرآن وذلك على النحو التالي:
( 1 )  الكلمات التي اشتملت على أكثر من قراءة تجعل خالية من أية علامات ضابطة تحدد طريقة واحدة للنطق بها، وبذلك تكون هذه الكلمات محتملة لما اشتملت عليه من القراءات، وتكتب برسم واحد في جميع المصاحف.
( 2 )   الكلمات التي تضمنت قراءتين أو أكثر، والتي لم تنسخ في العرضة الأخيرة، والتي لا يجعلها تجريدها من العلامات الضابطة محتملة لما ورد فيها من القراءات لا تكتب برسم واحد في جميع المصاحف، بل ترسم في بعض المصاحف برسم يدلّ على قراءة، وفي بعضها برسم آخر يدلّ على القراءة الأخرى.
10 -  في شأن ترتيب آيات كل سورة يلتزم ما كان النبي صلّى الله عليه وسلّم قد اتّبعه في العرضة الأخيرة، في السنة التي توفي فيها، ويعتبر هذا الترتيب توقيفاً من الله.
وكذلك تلتزم اللجنة في ترتيب السور ما كان في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وما لم يكن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد أفصح بأمر سورة براءة، ولم تكن مبدوءة بالبسملة، وهي علامة بدء كل سورة، فإن هذه السورة تضاف إلى الأنفال اجتهاداً من الخليفة.
11 -  بعد الفراغ من كتابة المصحف الإمام، وقبل حمل الناس على كتابة المصحف على نمطه، يراجعه زيد بن ثابت رضي الله عنه ثلاث مرات، ثم يراجعه خليفة المسلمين بنفسه، أماناً من النسيان والخطأ.
وقد حدث بعد المراجعة الأولى من زيد رضي الله عنه أنه لم يجد فيه آية (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً) قال زيد رضي الله عنه: فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها، فلم أجدها عند أحد منهم، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها، فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدتها عند خزيمة بن ثابت، فكتبتها).
وبعد المراجعة الثانية، لم يجد زيد رضي الله عنه هاتين الآيتين: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم" إلى آخر السورة، قال زيد أيضاً: فاستعرضت المهاجرين، فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدتها مع رجل آخر يدعى خزيمة أيضاً، فأثبتها في آخر براءة.
أما المراجعة الثالثة فلم تكشف عن شيء.
([141])  قال أبو عبد الرحمن: هذا غير صحيح، ولم تذكر كتب التاريخ هذا، بل وقعت مشادة كلامية بين ابن مسعود – رضي الله عنه – والوليد بن عقبة إثر افتراء جندب، ورهط من الموتورين أمثاله الذين نال أبنائهم القصاص العادل لاقترافهم جريمة القتل لابن الحيسمان الخزاعي.
ذكر الطبري (4/274)، والمالقي في "التمهيد" ص53: عن الغصن بن القاسم، عن عمر بن عبد الله، قال: جاء جندب ورهط معه إلى ابن مسعود، فقالوا: الوليد يعتكف على الخمر، وأذاعوا ذلك حتى طرح على ألسن الناس، فقال ابن مسعود: من استترعنا بشيء لم نتتبع عورته، ولم نهتك ستره، فأرسل (أي الوليد بن عقبة) إيى ابن مسعود فأتاه فعاتبه في ذلك، وقال أيرضى من مثلك بأن يجيب قوماً موتورين بما أجبت عليّ، أي شيء أستتر به؟ إنما يقال هذا للمريب، فتلاحيا وافترقا على تغضب لم يكن بينهما أكثر من ذلك.
ومما يدل على عمق أواصر المحبة والتقدير بين ابن مسعود – رضي الله عنه – والوليد بن عقبة – رحمه الله تعالى -، أن الثاني كان يستشير الأول في كثير من الأمور لا سيما التي تحتاج إلى سعة فقه وتفكير مثل حادثة الساحر الذي كان بالكوفة، وذلك أن بعض الناس أتوا إلى الوليد وقالوا له: إنَّ بالكوفة رجلاً يمارس السحر، فما كان من الوليد إلا أن طلب الإتيان به، فلما حضر بين يديه، أرسل إلى ابن مسعود – رضي الله عنه – يسأله عن حَدِّه.
وما كان لابن مسعود رضي الله عنه أن يفتي بأمر حتى يقفَ على حقيقته، لا سيما إذا كانت تلك الفتوى متعلقة بالحدود.
فقال له الوليد: زعم هؤلاء النفر – الذين جاءوا بالساحر – أنه ساحر.
قال ابن مسعود – رضي الله عنه -: وما يدريكم أنه ساحر؟
قالوا: يزعم ذاك. فقال ابن مسعود – رضي الله عنه – للرجل: أساحر أنت؟ قال: نعم، وثار إلى حمار، فجعل يركبه من قِبَلِ ذنبه، ويريهم أنه يخرج من فمه وأسته!!
وبعد هذه المشاهدة قال ابن مسعود – رضي الله عنه – للوليد: فاقتله. فانطلق الوليد، فنادوا في المسجد أن رجلاً يلعب بالسحر عند الوليد، ولا يقصدون بذلك مسامرة ومجالسة الوليد لذلك الساحر، بل يقصدون أن الحكم قد صدر ضد ذلك الرجل بالقتل لفتوى ابن مسعود – رضي الله عنه -، وانتهز جندب هذا الأمر وأظهر غيرةً متناهية في تطبيق الحدود، لا لاستحقاق ذلك الرجل، وإنما لظنه السيئ، وحرصه الشديد لاقتناص أدنى فرصة للانتقام من الوليد – رحمه الله تعالى -.
فانطلق جندب وهو يصيح: أين هو؟ أين هو؟ حتى أريه، ثم ضرب ذلك الرجل ضرباً أوجعه، فما كان من ابن مسعود رضي الله عنه، والوليد بن عقبة إلا أن اجتمعا على حبس جندب.
ثم كتب الوليد إلى عثمان رضي الله عنه، فأجابه أن استحلفوه بالله ما علم برأيكم فيه. وإنه لصادق بقوله فيما ظنّ من تعطيل حده. وعزّروه، وخلّوا سبيله. وتقدم إلى الناس في ألا يعملوا بالظنون، وألا يقيموا الحدود دون السلطان، فإنا نقيد المخطئ، ونؤدب المصيب.
ففعل الوليد ما أمره عثمان – رضي الله عنه -، وعاقب جندباً جزاء فعلته وتطاوله، واستهتاره في قضايا الحدود، وذلك لو أن كل إنسان أقام الحدود بنفسه – لانتشرت الفوضى في المجتمع، وإن إقامة الحدود فقط لإمام المسلمين أو من ينوب عنه.
وبعد التعزير ثار وغضب جندب وأصحابه، فخرجوا إلى المدينة ومن أعضاء ذلك الوفد: أبي خشة الغفاري، وجثامة بن الصعب بن جثامة ومعهم جندب، وكان سبب خروجهم إلى المدينة – عاصمة الخلافة – الطلب من أمير المؤمنين عثمان – رضي الله عنه – أن يقيل الوليد من إمارة الكوفة، وقد أدرك عثمان – رضي الله عنه – سبب طلبهم في ذلك الاستعفاء، فما كان – رضي الله عنه – إلا أن قال لهم: تعملون بالظنون، وتخطئون في الإسلام، وتخرجون بغير إذن، وارجعوا.
وبعد رجوعهم إلى الكوفة اجتمع إليهم كل موتور وكل حاقد، وبعد ذلك حاكوا قضية شرب الوليد رحمه الله تعالى للخمر، وقد سبق في هذا الجزء بيان المؤامرة، وتم لهم ما أرادوا من عزل الوليد (انظر الطبري ج4 ص274-275، التمهيد والبيان 53-54).
ولكن في عهد الوالي الجديد على الكوفة "سعيد بن العصا رضي الله عنه"، حاول الموتورون من أتباع جندب، والأشتر، وعمير بن ضابئ، وصعصعة بن صوحان، وابن الكواء، أن يثيروا المتاعب من جديد، لكن سعيد رضي الله عنه قضى على تلك المتاعب بالحلم والصفح.
لكن أنّى لهؤلاء أن يستكينوا وهم يريدون إشعال الفتنة والنيل من الخليفة وواليه، وكان من أمر أولئك أن ضربوا صاحب الشرطة في الكوفة عبد الرحمن الأسدي، وعبد الرحمن بن خنيس، ولم يكن لذلك الضرب من سبب، سوى مخالفة السدي وابن خنيس للموتورين في بعض القضايا المطروحة للمناقشة في ذلك السمر في سكن ابن العاص رضي الله عنه.
وبعد ضربهما قامت القبائل، وبنو أسد بمحاصرة قصر الوالي من أجل تسليم الأشتر وصحبه للاقتصاص منهم على يد الوالي، وكان الموتورون قد احتموا بابن العاص رضي الله عنه لحمايتهم من تلك الغضبة، وحاول سعيد – رضي الله عنه – أن يهدّئ الوضع، فقال: أيها الناس، قوم تنازعوا وتهاووا، وقد رزق الله العافية.
وقابل المتورون صنيع سعيد بهم بالإساءة إليه وإلى خليفة المسلمين عثمان – رضي الله عنه -، فإنهم قعدوا في بيوتهم، ونشروا الأكاذيب، وتطاولوا على سعيد، وعثمان رضي الله عنهما.
ولم يأبه سعيد رضي الله عنه بتلك الأراجيف ولكن أشراف الكوفة ووجهائها ضاقوا بهذا الأمر ذرعاً، واستأذنوا سعيداً – رضي الله عنه – بالكتابة إلى أمير المؤمنين عثمان – رضي الله عنه – بإخراجهم من الكوفة وجاء الجواب من عثمان رضي الله عنه: إذا اجتمع ملؤكم على ذلك فألحقوهم بمعاوية.
فأخرجوهم، فذلّوا وانقادوا حتى أتوه – وهو بضعة عشر – فكتبوا بذلك إلى عثمان – رضي الله عنه – وكتب عثمان إلى معاوية رضي الله عنهما: إنّ أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفرا خلقوا، فارعهم وقم عليهم، فإن آنست منهم فاقبل منهم، وإن أعيوك فارددهم عليهم.
وحلّ وفد الفتنة على معاوية – رضي الله عنه – وأنزلهم كنيسة مريم، وعمل بما أمره أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه من الإحسان إليهم ورعاية مصالحهم، فكان رضي الله عنه ملازماً لهم فيتعشى معهم، وحاول رضي الله عنه بكل ما أوتي من العرب لكم أسنان وألسنه، وقد أدركتم بالإسلام شرفاً وغلبتم الأمم وحويتم مراتبهم ومواشيهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشاً، وإن قريشاً لو لم تكن عدتم أذلة كما كنتم، إن أئمتكم لكم إلى اليوم جُنّة فلا تشذّوا عن جُنتكم، وإن أئمتكم يصبرون لكم على الجور، ويحتملون منكم المؤونة، والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاء لهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد موتكم.
فقال رجل من القوم: أما ذكرت من قريش، فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا، وأما ما ذكرت من الجُنّة فإنَّ الجُنَّة إذا اختُرِقَتْ خلصَ إلينا.
فقال معاوية رضي الله عنه: عرفتكم الآن، علمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول، وأنت خطيب القوم، لا أرى ل عقلاً، أعظم عليك أمر الإسلام، وأذكرك به، وتذكرني الجاهلية، وقد وعظتك. وتزعم لما يجنّك أنه يخترق، ولا ينسب ما يخترق إلى الجنّة، أخز الله أقواماً أعظموا أمركم، ورفعوا إلى خليفتكم، افقهوا – ولا أظنكم تفقهون – أن قريشاً لم تعزّ في جاهلية ولا إسلام إلا بالله عز وجل، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدّهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحساباً، وأمحضهم أنساباً، وأعظمهم أخطاراً، وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس يأكل بعضهم بعضاً إلا بالله الذي لا يستذل من أعزّ، ولا يوضع من رفع، فبوأهم حرماً آمناً يتخطف الناس من حولهم، هل تعرفون عرباً أو عجماً أو سوداً أو حمراً إلا قد أصابه الدهر في بلده وحرمته بدولة، إلا ما كان من قريش، فإنه لم يردهم أحد من الناس بكيد إلا عل الله خدّه الأسفل، حتى أراد الله أن يتنقّذ من أكرم واتّبع دينه من هوان الدنيا وسوء مرد الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثم ارتضى له أصحاباً فكان خيارهم قريشاً، ثم بنى هذا الملك عليهم، وجعل هذه الخلافة فيهم، ولا يصلح ذلك إلا عليهم، فكان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم بالله، افتراهُ لا يحوطهم وهم على دينه وقد حاطهم في الجاهلية من الملوك الذين كانوا يدينونكم، أفّ: لك ولأصحابك، ولو أن متكلماً غيرك تكلم، ولكنك ابتدأت.
فأما أنت يا صعصعة فإن قريتك شر قرى عربية، أنتنها نبتاً، وأعمقها وادياً، وأعرفها بالشرّ، وألامها جيراناً، لم يسكنها شريف قط ولا وضيع إلا سبّ فيها، وكانت عليه هجنة، ثم كانوا أقبح العرب ألقاباً، وألامه أصهاراً، نزّاع الأمم، وأنتم جيران الخطّ وفعلة فارس، حتى أصابتكم دعوة النبي صلّى الله عليه وسلّم ونكبتك دعوته، وأنت نزيع شطير في عمان، لم تسكن البحرين فتشركهم في دعوة النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأنت شرّ قومك، حتى إذا أبرزك الإسلام، وخلطك بالناس، وحملك على الأمم التي كانت عليك، أقبلت تبغي دين الله عوجاً، وتنـزع إلى اللآمة والذلّة. ولا يضع ذلك قريشاً، ولن يضرّهم ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم، إن الشيطان عنكم غير غافل، قد عرفكم بالشرّ من بين أمتكم، فأغرى بكم الناس، وهو صارعكم. لقد علم أنه لا يستطيع أن يرد بكم قضاء قضاهُ الله، ولا أمراً أراده الله، ولا تدركون بالشرّ أمراً أبداً إلا فتح الله عليكم شراً منه وأخزى.
ولقد حاول معاوية رضي الله عنه أن يثنيهم عن الفتنة وبيّن لهم مغبة ذلك ولكنهم لم ينصاعوا إلى نصائحه، وخرجوا إلى حمص حيث كان الوالي هناك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وذلك بعد أن كتب معاوية إلى عثمان – رضي الله عنهما - بشأن تلك الشرذمة.
وللاستزادة حول هذا الموضوع انظر: تاريخ الطبري ج4 ص317-326، التمهيد والبيان 68-72 .
([142])  قال أبو عبد الرحمن: روى البخاري (فتح الباري ج9 ص106): عن علقمة قال: كنت مع عبد الله، فلقيه عثمان بمنى، فقال: يا أبا عبد الرحمن إن لي إليك حاجة فخليا، فقال عثمان: هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوجك بكراً تُذكرك ما كنت تعهد؟ فانتهيت إليه وهو يقول: أما لئن قلت ذلك لقد قال لنا النبي صلّى الله عليه وسلّم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".
([143])  قال أبو عبد الرحمن: إن عثمان رضي الله عنه لم تغب عنه مكانة عمار رضي الله عنه وكذلك فضله وسابقته في الإسلام، وكان رضي الله عنه من أحرص الناس على أن لا يجرح شعور أي صحابي، ولكن إذا كانت المسألة تتعلق بحد أو تعزير فإنه لا تأخذه في ذلك لومة لائم، وقد نسج القصاصون والإخباريون حول العلاقة التي كانت بين عثمان وعمار رضي الله عنهما أكاذيباً فاقت الخيال، وصوروا الصحابيين رضي الله عنهما بمظهر العداوة والبغضاء، مع أن الحقيقة خلاف ذلك، ولقد كانت المودة والمحبة سائدة بينهما رضي الله عنهما. ولكي تتضح الصورة الحقيقية حول الإفك المتداول في كتب القصاصين والإخباريين من أن عثمان ضرب عماراً رضي الله عنهما، نذكر بعض أقوال أهل العلم في ذلك.
يقول ابن أبي بكر المالقي في المهيد ص190-191: فإن قيل: بأن عثمان (رضي الله عنه) ضرب عماراً، قيل: هذا لا يثبت، ولو ثبت فإن للإمام أن يؤدب بعض رعيته بما يراه وإن كان خطأ. ألا ترى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقصّ من نفسه وأقاد، وكذلك أبو بكر وعمر (رضي الله عنهما) أدّبا رعيتهما باللطم والدّرّة وأقادا من أنفسهما. وذلك لما أصاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بطن رجل بخشبة فجرحه. فرفع قميصه وقال: تعال فاقتصّ، فعفا عنه. وجاء رجل إلى أبي بكر (رضي الله عنه) يستحمله فلطمه، فأنكر ذلك الناس، فقال أبو بكر (رضي الله عنه): إنه استحملني فحملته، فبلغني أنه باعه، ثم قال له: دونك فاستقد. فعفا عنه. وضرب عمر (رضي الله عنه) جارية لسعد بالدرة فساء ذلك سعداً، فناوله عمر (رضي الله عنه) الدرة، وقال له: اقتصّ، فعفا. فإن قيل: عثمان (رضي الله عنه) لم يقد من نفسه، قيل له: كيف ذلك؟ وقد بذلك من نفسه ما لم يبذله أحد خصوصاً يوم الدار، فإنه قال: يا قوم، إن وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في قيد فضعوهما. وقد ذكرنا أن عماراً تقاذف هو ورجل فجلدهما عثمان (رضي الله عنه) حدّ القذف.
ولم أجد من أدلى بدلوه في هذه القضية من العاصرين خيراً من فضيلة العلامة محمد الصادق عرجون – رحمه الله تعالى – وجزاه الله تعالى عن صحابة النبي صلّى الله عليه وسلّم خير الجزاء وجعل ذلك في ميزان حسناته يوم القيامة، فإنه رحمه الله تعالى فندّ كثيراً من الشبهات التي أثيرت حول تلك القضية، ولنفاسة ما خطّته أنامله أنقل للقراء الكرام ما هو متصل بموضوعنا، فيقول رحمه الله تعالى في كتابه "الخليفة المفترى عليه" ص138 وما بعدها:
وفي هذه الهنات التي أحصوها على عثمان قصة تتلاقى مع قصة أبي ذر في تقدير بطل روايتها، وإن اختلفت عنها في موضعها، وتلك قصة عقد المنحرفون عروتها بناصية رجل من السابقين الأولين، وذلك هو عمار بن ياسر رضي الله عنه.
روى أبو بكر بن أبي شيبة عن الأعمش قال: كتب أصحاب عثمان عيبه وما ينقم الناس عليه في صحيفة، فقالوا: من يذهب بها إليه؟ قال عمار: أنا أذهب بها إليه، فلما قرأها عثمان قال: أرغم الله أنفك، قال عمار: وأنف أبي بكر وعمر، فقام عثمان إلى عمار فوطئه حتى غشيَ عليه، ثم ندم عثمان، وبعث إليه طلحة والزبير يقولون له: اختر إحدى ثلاث: إما أن تعفو وإما أن تأخذ الأرش، وإما أن تقتص، فقال عمار: والله ما قبلت واحدة منها حتى ألقى الله، قال ابن أبي شيبة: فذكرت هذا الحديث لحسن بن صالح فقال: ما كان على عثمان أكثر مما صنع.
هذه الرواية أمثل ما تعلق به المنحرفون في قصة عمار، وهي تدل على أن عماراً حمل إلى عثمان رسالة تعيبه، وتحصى عليه أموراً نقمها الناس منه، ولا شك أن ذلك مما يسوء عثمان ويغضبه، وعثمان إنسان يغضب مما يسوءه كما يغضب الناس، فنال من عمار – كما زعموا – بلسانه ويده، ثم ندم فبعث إلى عمار رجلين من خيرة أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم وقادة المسلمين ليسترضيه بكل ما يحتمله مقام الاسترضاء، فأبى عمار وأصر على أن يظل مغاضباً لعثمان حتى يلقى الله تعالى.
فماذا كان على عثمان في حق عمار رضي الله عنهما بعد ذلك؟ لم يكن عليه – كما قال الحسن بن صالح – أكثر مما صنع.
وهناك رواية أخرى كان عليها معول المنحرفين في قصة عمار تقول: اجتمع من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خمسون رجلاً من المهاجرين والأنصار، فكتبوا أحداث عثمان وما نقموا عليه في كتاب، وقالوا لعمار: أوصل هذا الكتاب إلى عثمان ليقرأ، فلعله أن يرجع عن هذا الذي ننكره. وخوفوه أنه إن لم يرجع خلعوه واستبدلوا به غيره، فلما قرأ عثمان الكتاب طرحه، فقال عمار: لا ترم الكتاب وانظر فيه، فإنه كتاب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإني لك والله ناصح، وخائف عليك، فقال له عثمان: كذبت يا ابن سمية، وأمر غلمانه فضربوه حتى وقع لجنبه وأغمى عليه، ثم قام عثمان فوطئ بطنه ومذاكيره حتى أصابه الفتق وأغمى عليه أربع صلوات، قضاها بعد الإفاقة، واتخذ لنفسه تباناً (سراويل صغيره تستر العورة) تحت ثيابه لأجل الفتق، فغضب لذلك بنو مخزوم، وقالوا: والله لئن مات عمار من هذا لنقتلن من بني أمية شيخاً عظيماً، ويعنون عثمان.
أشرنا فيما سبق أن تدوين التاريخ الإسلامي بأسلوب القصص دون نقد وتمحيص يرد الأشباه إلى نظائرها والأمور إلى مصادرها – كان بلية عظيمة على الحقائق في سيرة رجالات الإسلام خصوصاً في مراحل الاضطرابات والانقلابات السياسية، وقد كان لسيرة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه من ذلك الحظ الأوفر، ورواية قصة عمار على هذا النهج الملتوي بعض ما نال السرة النيرة من تحريف المنحرفين وتشويه الثائرين. وأخلاق عثمان في سنه وإيمانه وحيائه ولين عريكته، ودماثة طبعه وسابقته وجليل مكانه في الإسلام – أجلّ من أن تنزل به إلى هذا الدرك من التصرف مع رجل من أجلاء النبي صلّى الله عليه وسلّم، يعرف له عثمان سابقته وفضله مهما كان بينهما من اختلاف في الرأي.
أفيرضى عثمان لنفسه، وهو الذي أبى على الناس أن يقاتلوا دونه، ورضي بالموت قتلاً صابراً محتسباً اتقاء الفتنة العامة، أن يصنع بعمار بن ياسر – وهو أعرف الناس بمكانه في الإسلام – ما زعمته هذه الرواية الباطلة؟ يأمر غلمانه بأن يضربوه حتى يغمى عليه، ثم يقوم عثمان في هذه الحال فيطأ بطنه ويصنع به ما تحكيه هذه الرواية السقيمة الفاسدة؟
أو ترضى أخلاق عثمان وحياؤه أن يعير عماراً بأنه ابن سمية، وهو الذي يعرف شرف انتساب عمار إلى سمية أول شهيدة في الإسلام؟ وأي شرف أشرف لعمار من أنه ابن سمية، وهي من عرف الناس قوة إيمانها ويقينها وشرفها في الإسلام ومكانتها في الإسلام يعنون بنقد هذه الروايات وتبيين زيفها، بتطبيقها على ما عرف من خصائص أولئك الإعلام، إذن كان لهم أصدق ميزان في النقد وأبرعه في الكشف عن دخائل الوضاعين المفترين.
وقصة عمار في حقيقتها كما يحدثنا بها سيدنا عثمان نفسه في الرواية الصحيحة أنه قال: جاء عمار وسعد إلى المسجد، وأرسلا إليّ أن ائتنا فإنّا نريد أن نذكرك أشياء فعلتها، فأرسلت إليهما: إني عنكما اليوم مشغول فانصرفا وموعدكما يوم كذا، فانصرف سعد وأبى عمار أن ينصرف، فأعدت إليه رسولي، فأبى، ثم أعدته إليه فأبى، فتناوله رسولي بغير أمري، والله ما أمرته ولا رضيت بضربه، وهذه يدي لعمار فليقتص مني إن شاء.
وفي هذه الرواية الصحيحة أمور تكشف عن وجه الحق في موقف عثمان رضي الله عنه من قصة عمار:
الأمر الأول: أن عمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص – بما لهما من المكانة وعليهما من واجب النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم – وقد وصل إلى علمهما ما تهامس به الناس في مجالسهم – أرسلا إلى الخليفة أن يوافيهما بالمسجد ليذاكراه في أشياء تحدث بها الناس في غير رضاء عنها واطمئنان إليها، وقد أرادا من مذاكرة عثمان في هذه الأمور تعرف وجه المصلحة فيها، وتبين قصد الخليفة منها، وإبلاغه صدى ما يتردد على ألسنة الناس حتى يتدارك الأمر قبل أن يضطرب حبل الأمن ويستفحل الخطب، وهذا واجب كل مسلم، مؤكد في حق العلماء والقادة وذوي الرأي.
الأمر الثاني: أن الخليفة اعتذر إلى سعد وعمار من عدم استطاعته مقابلتهما في يومها، وحدّد لهما موعداً يوماً عيّنه لهما، وذلك أقل ما يتصور في حق الأفراد من عامة الناس، بله الخليفة الأعظم، فانصرف سعد، وكان انصرافه مفهوماً ومعقولاً، وأبى عمار، وكان إباؤه مخالفاً لصاحبه محل ريبة وحذر، فأعاد أمير المؤمنين إليه الرسول يؤكد إليه الاعتذار مرة أخرى وهو يأبى إلا أن يأتيه أمير المؤمنين إلى المسجد في يومه وساعته، وهنا قد يتدخل الخيال، أو يجب أن يتدخل، ليفصل ما أجملته موقف عمار وإصراره على أن يجيء له عثمان، على رغم تكرار الاعتذار مع تحديد موعد آخر للملاقاة. ويستطاع في يسر أن يتصور ما في الإصرار الذي انفرد به عمار عن صاحبه من الإحراج، ولا يخلو موقف كهذا من مقاولة ومجادلة بين عمار ورسول عثمان، قد تعنف وتشتد وقد يلقى فيها رسول عثمان من عمار رضي الله عنه عنيفاً قد يتعداه إلى دائرة الخلافة وأعمالها ونظام الحكم في الأمة وسيرة الولاة والعمال والأمراء مما يتصل بالأمور التي جاء عمار وصاحبه لمذاكرة الخليفة فيها، وحينئذ يسهل أن يتصور استفزاز رسول عثمان بما عسى أن يكون قد لحقه من أذى في نفسه أو حمية لأمير المؤمنين، فتناول عماراً بغير إذن عثمان ولا رضاه. ونحن في جهالة من هذا الرسول، من يكون لنحكم على فعله حكماً متصلاً بالخليفة يحمله ثقله وتبعاته؟ أما أن هذا الذي وقع من الرسول منكر – إن كان قد وقع – فهو ما لا يستطيع مسلم إنكاره، ولكن ما ذنب عثمان وما حيلته؟.
الأمر الثالث: إن عثمان رضي الله عنه خلف حين عوتب أنه ما أمر رسوله يتناول عمار، وإنه ما رضي ذلك بل كرهه إذ بلغه، وليس في شرائع الله تعالى طريق لتبرئة عثمان من تبعة فعل رسوله غير ذلك لو أنصف التاريخ واستقامة موازين العقول.
الأمر الرابع: إن أمير المؤمنين لم يقف من عمار عند هذا الحد، بل أسرع إليه بأبلغ ما يقع به التراضي في أشد الخصومات، فقال على سمع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وهذه يدي لعمار فليقتص مني إن شاء. وفي ذلك تقدير من عثمان لعمار، لأنه كافأه بنفسه إذ جعل القصاص منه ولم ويجعله من رسوله إلى عمار، وبتدبر هذه الأمور ندرك مدى ما تصنع الروايات الزائفة في تشويه التاريخ وندرك حقيقة موقف عثمان رضي الله عنه فيما أخذوه عليه.
([144])  الحديث – مع اختلاف في الألفاظ – عن عمّار بن ياسر رضي الله عنه في: البخاري 5/29 (كتاب فضائل أصحاب النبي...، باب فضل عائشة ...)، 9/55-56 (كتاب الفتن؛ باب حدثنا عثمان بن الهيثم...)؛ المسند (ط. الحلبي) 4/265 .
([145])  لم أجد الحديث بهذا اللفظ، ولكن جاءت أحاديث كثيرة عن حب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم له. انظر: سنن الترمذي 5/342 (كتاب المناقب، باب مناقب أسامة)، مجمع الزوائد للهيثمي 9/286، فضائل الصحابة 2/384-386، ترتيب مسند أبي داود الطيالسي، تأليف أحمد عبد الرحمن البنا 2/140، ط المنيرية بالأزهرية، 1372، المسند (ط. الحلبي) 5/205، 210 وفيه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يأخذه والحسن ويقول: "اللهم إني أحبهما فأحبهما".
([146])  الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه في: البخاري 4/6-7 (كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب) وأوله: قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين أنزل الله عز وجل عليه: {وأنذر عشيرتك الأقربين} قال: "يا عشر قريش – أو كلمة نحوها – اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً... يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً... ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئتِ من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً: والحديث في: البخاري 6/112 (كتاب التفسير، سورة الشعراء، باب "وأنذر عشيرتك الأقربين" [سورة الشعراء: 214])، سنن النسائي 6/208 (كتاب الوصايا، باب إذا أوصى لعشيرته الأقربين)، سنن الدارمي 2/305 (كتاب الرقاق، باب وأنذر عشيرتك الأقربين).
([147])  الحديث عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها في: سنن أبي داود 2/223 (كتاب المناسك، باب المحرم يؤدِّب غلامه) ولفظه: خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حُجَّاجاً... وكانت زِمَالَةُ أبي بكر وزمالة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع غلام لأبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يَطْلُعَ عليه، فطلع وليس معه بعيره، قال: أين بعيرك؟ قال: أضللته البارحة. قال: فقال أبو بكر: بعير واحد تضلُّه؟ قال: فطفق يضربه ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يبتسم ويقول: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع". قال ابن أبي رزمة: فما يزيد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أن يقول "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع" ويبتسم. والحديث في: سن ابن ماجه 2/978 (كتاب المناسك، باب التوفي في الإحرام) وذكر الحديث ابن الأثير في جامع الأصول 3/432، وقال المحقق رحمه الله: "قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه، وفي إسناده محمد بن إسحاق".
([148])  هذا حديث منقطع رواه أبو بكر بن أبي زهير الثقفي (من صغار التابعين) عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في: المسند (ط. المعارف) 1/181-182 الأرقام 68-71، وهو في: تفسير الطبري (ط. المعارف) 9/341-243 (وانظر تعليق الأستاذ محمود شاكر ص243)، تفسير ابن كثير 2/370 والحديث في المستدرك وفي سنن البيهقي وغير ذلك. قال أحمد شاكر رحمه الله: "اللأواء: الشدة وضيق المعيشة... وهو في المستدرك 3/74-75 وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو عجب منهما فإن انقطاع سنده بيّن!".
([149])  لم أجد حديثاً بهذا اللفظ ولكني وجدت أن الهيثمي في كتابه "مجمع الزوائد" 6/265-266 قد خصص باباً بعنوان "باب هل تكفر الحدود الذنوب أم لا؟" أورد فيه حديثاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "ما أدرى الحدود كفَّارات أم لا؟" ثم قال: "رواه البزار بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح غير أحمد بن منصور الرمادي، وهو ثقة" ثم أورد أحاديث تفيد أن الحدود كفارات، منها: عن خزيمة بن ثابت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "أيما عبد أصاب شيئاً مما نهى الله عنه، ثم أقيم عليه حده كفّر عنه ذلك الذنب"، وفي رواية: "من أصاب ذنباً وأقيم عليه حد ذلك الذنب كفارته". ثم قال الهيثمي: "رواه الطبراين وأحمد بنحوه، وفيه راوٍ لم يسم، وهو ابن خزيمة، وبقية رجاله ثقات، ورواه موقوفاً. وذكر أحاديث أخر أكثرها ضعيف.
([150])  الحديث – مع اختلاف في اللفظ – عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه في: البخاري 1/8-9 (كتاب الإيمان، باب حدثنا أبو اليمان..)، 5/55 (كتاب مناقب الأنصار، باب وفود الأنصار إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بمكة وبيعة العقبة) 8/159، 162 (كتاب الحدود، باب الحدود كفارة، باب توبة السارق)، مسلم 3/1333-1334 (كتاب الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها)، سنن النسائي 7/144 (كتاب البيعة، باب ثواب من وفى بما بايع عليه)، سنن الدارمي 2/220 (كتاب السير، باب في بيعة النبي صلّى الله عليه وسلّم).
([151])  قال أبو عبد الرحمن: انظر "الخليفة المفترى عليه" للعلامة محمد الصادق عرجون 114-116 .
([152])  الحديث عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم في: البخاري 4/15 (كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير)، مسلم 3/1487 (كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة...)، سنن الترمذي 3/74-75 (كتاب السير، باب ما جاء في الهجرة) وقال الترمذي: "وفي الباب عن أبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن حُبشي"، المسند (ط. المعارف) 3/307-308، 4/127، 321.
والحديث في مواضع أخرى في البخاري والنسائي وابن ماجه والدارمي والمسند.
([153])  الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما في: البخاري 3/164 (كتاب الهبة، باب الهدية للمشركين)، مسلم 2/696 (كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج...)، سنن أبي داود 2/170 (كتاب الزكاة، باب الصدقة على أهل الذمة)، المسند (ط. الحلبي) 6/344، 347 .
([154])  في: سنن الدارمي 2/427 (كتاب الوصايا، باب الوصية لأهل الذمة): "حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن صفية أوصت لنسيب لها يهودي".
([155])  قال أبو عبد الرحمن: ذكر الدكتور محمد رشاد سالم رحمه الله تعالى في تعليقه على "منهاج السنة" ج6 ص276 حول هذه الرواية: "وإن الله أوحى إليّ... إلخ، فلم أجده". فالرواية بهذا اللفظ لم أجدها أنا أيضاً رغم البحث والتنقيب، ولكنني وجدت رواية قريبة منها ذكرها الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ج2 ص61: شريك، عن أبي ربيعة الإيادي، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أمرت بحب أربعة، وأخبرني الله تعالى أنه يحبهم" قلت: من هم يا رسول الله؟ قال: علي، وأبو ذر، وسلمان، والمقداد بن الأسود.
وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تعليقه: أخرجه أحمد 5/351، وأبو ربيعة الإيادي، قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث.
([156])  قال أبو عبد الرحمن: إن أبا ذر رضي الله عنه سكن الربذة باختياره دون إكراه من عثمان رضي الله عنه وللمزيد حول ذلك انظر:
سير أعلام النبلاء للذهبي ج2 ص60، 63، 67، 68، 72 .
وقد فصّل القول في ذلك تفصيلاً دقيقاً من المعاصرين:
العلامة محمد الصادق العرجون رحمه الله تعالى في كتابه "الخليفة المفترى عليه" ص36-40، 134-138 .
والأستاذ الفاضل علي بن ثائب العمري في كتابه القيم "النبذة في ترجمة أبي ذر وتاريخ الربذة" 160-177 .
([157])  هذان جزءان من حديث واحد عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه مع اختلاف في الألفاظ في: البخاري 3/116 (كتاب الاستقراض، باب أداء الديون)، 8/94-95 (كتاب الرقاق، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: ما أحب أن لي مثل أحد ذهباً)، 8/60-61 (كتاب الاستئذان، باب من أجاب بلبيك وسعديك)، مسلم 2/687-688 (كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة).
([158])  قال أبو عبد الرحمن: انظر قول المفسرين للآيتين 34، 35 من سورة التوبة للوقوف على معنى الكنـز، لا سيما: تفسير الطبري وابن كثير والقرطبي وأضواء البيان للشنقيطي.
([159])  الحديث – مع اختلاف في الألفاظ – عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في: البخاري 2/107 (كتاب الزكاة، باب ما أدى زكاته ليس بكنـز)، مسلم 2/673-675 (كتاب الزكاة، أول الكتاب)، سنن أبي داود 2/127 (كتاب الزكاة، باب ما تجب فيه الزكاة)، المسند (ط. الحلبي) 3/6، 30، 44-45. والحديث في سنن الترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي.
([160])  الحديث عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه في: مسلم 3/1457-1458 (كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة)، سنن أبي داود 3/154، 155 (كتاب الوصايا، باب ما جاء في الدخول في الوصايا).
([161])  الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه في: مسلم 4/2052 (كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز...)، سنن ابن ماجه 1/31 (المقدمة، باب في القدر)، 2/1395 (كتاب الزهد، باب التوكل واليقين)، المسند (ط. الحلبي) 2/336، 370 .
([162])  قال أبو عبد الرحمن: انظر "الخليفة المفترى عليه" للعلامة الصادق عرجون ص142-151 .
([163])  هذه العبارات في الحديث الذي جاء عن عمرو بن ميمون رضي الله عنه في: البخاري 5/15-18 (كتاب فضائل أصحاب النبي....، باب قصة البيعة) وهذه العبارات في ص16 .
([164])  في لسان العرب: "ربأ القوم يربؤهم ربأ، وربأ لهم: اطلع لهم على شَرَفٍ. وربأتهم أي رقبتهم، وذلك إذا كنت لهم طليعة فوق شرف... والربيئة: الطليعة".
([165])  في "اللسان": "الناطر والناطور، من كلام أهل السواد: حافظ الزرع والتمر والكرم. قال بعضهم: وليست بعربية محضة. وقال أبو حنيفة: هي عربية" وفي "اللسان" أيضاً: "والناظر: الحافظ. وناظور الزرع والنخل وغيرهما: حافظه، والطاء نبطيّة".
([166])  الأثر عن حُضين بن المنذر في: مسلم 3/1331 (كتاب الحدود، باب حد الخمر) ونصه قال: شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد قد صلّى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حُمران: أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ. فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها. فقال: يا عليّ قم فاجلده. فقال عليّ: قم يا حسن فاجلده. فقال الحسن: ولِّ حارّها من تولَّى قارَّها (فكأنه وجد عليه... إلخ الأثر، وهو في سنن أبي داود 4/227-228 (كتاب الحدود، باب الحد من الخمر)؛ سنن ابن ماجه 2/858 (كتاب الحدود، باب حد السكران). وقد ناقش الأستاذ محب الدين الخطيب هذا الخبر في "العواصم من القواصم" ص94-99، 100 وهو يرى: "أن الشهود على الوليد اثنان من الموتورين الذين تعددت شواهد غلهم عليه" ويقول: "أما صلاة الصبح ركعتين وكلمة "أزيدكم" فهي من كلام حضين ولم يكن حضين من الشهود، ولا كان في الكوفة وقت الحادث المزعوم، ثم إنه لم يسند هذا العنصر من عناصر الاتهام إلى إنسان معروف.. إلخ وانظر باقي كلام الأستاذ الخطيب، وانظر كلامه عن استبعاده أن يكون قوله تعالى: {إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ...} قد نزلت في الوليد بن عقبة (العواصم ص90-93).
([167])  قال أبو عبد الرحمن: قد أدرك ذو النورين رضي الله عنه حقيقة الطائفة الموتورة، وكشف عن حقيقتهم في كتابه الذي قُرئ على حجاج بيت الله الحرام قبل يوم التروية بيوم ولأهمية هذا الخطاب والذي تجاهله كثير من الذين يدّعون الموضوعية في تناول الأحداث، ولبيان حقيقة الزمرة الباغية التي قامت بالفتنة، نذكر هذا الخطاب بنصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين والمسلمين. سلام عليكم، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو.
أما بعد ..
فإني أذكركم بالله جل وعز الذي أنعم عليكم وعلمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر، وأراكم البينات، وأوسع عليكم من الرزق، ونصركم على العدو، وأسبغ عليكم نعمته، فإن الله عز وجل يقول وقوله الحق: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } [إبراهيم: 34]. وقال عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا } إلى قوله: { لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [آل عمران: 102-105]. وقال وقوله الحق: { وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } [المائدة: 7].
وقال وقوله الحق: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ } إلى قوله: { فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [الحجرات: 6-8]، وقوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً } إلى {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [آل عمران: 77]. وقال وقوله الحق: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } إلى { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [التغابن: 6].
وقال وقوله الحق: { وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } إلى قوله: { وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [النحل: 91-96]. وقال وقوله الحق: { أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } إلى { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } [النساء: 59].
وقال وقوله الحق: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } إلى قوله: { وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [النور: 55]. وقال وقوله الحق: { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ } إلى { فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [الفتح: 10].
أما بعد، فإن الله عز وجل رضي لكم السمع والطاعة والجماعة، وحذّركم المعصية والفرقة والاختلاف، ونبأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، وتقدّم إليكم فيه ليكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة الله عز وجل واحذروا عذابه، فإنكم لن تجدوا أمة هلكت إلا من بعد أن تختلف، إلا أن يكون لها رأس يجمعها، ومتى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعاً، وسلط عليكم عدوكم، ويستحلّ بعضكم حرم بعض، ومتى يفعل ذلك لا يقم لله سبحانه دين، وتكونوا شيعاً، وقد قال الله جل وعز لرسوله صلّى الله عليه وسلّم: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } [الأنعام: 159].
وإني أوصيكم بما أوصاكم الله، وأحذركم عذابه، فإن شعيباً صلّى الله عليه وسلّم قال لقومه: { وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ } إلى قوله: { رَحِيمٌ وَدُودٌ } [هود: 89، 90].
أما بعد، فإن أقواماً ممن كان يقول في هذا الحديث، أظهروا للناس إنما يدعون إلى كتاب الله عز وجل والحقّ، ولا يريدون الدنيا ولا منازعة فيها، فلما عرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى، منهم آخذ للحق، ونازغ عنه حين يعطاه، ومنهم تارك للحق ونازل عنه في الأمر، يريد أن يبتزّه بغير الحقّ، طال عليهم عمري، وراث عليهم.
أملهم الإمرة، فاستعجلوا القدر، وقد كتبوا إليكم أنهم رجعوا بالذي أعطيتهم، ولا أعلم أنّي تركت من الذي عادتهم عليه شيئاً، كانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود، فقلت: أقيموها على من علمتم تعدّاها في أحد، أقيموها على من ظلمكم من قريب أو بعيد.. قالوا: كتاب الله يتلى، فقلت: فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل الله في الكتاب.
وقالوا: المحروم يُرزق، والمال ليُوفّى ليستن فيه السنة الحسنة، ولا يُعتدى في الخُمس ولا في الصدقة، ويُؤمّر ذو القوة والأمانة، وتردّ مظالم الناس إلى أهلها. فرضيت بذلك واصطبرت له، وجئت نسوة النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى كلمتهن، فقلت: ما تأمرنني؟ فقلن: تؤمر عمرو بن العاص وعبد الله بن قيس وتدع معاوية، فإنما أمره أمير قبلك، فإنه مصلح لأرضه، وأرض جنده، واردد عمراً، فإن جنده راضون به، وأمره فليصلح أرضه. فكل ذلك فعلت. وإنه اعتدي عليّ بعد ذلك، وعُدي على الحق.
كتبت إليكم وأصحابي الذين زعموا في الأمر، واستعجلوا القدر، ومنعوا مني الصلاة، وحالوا بيني وبين المسجد، وابتزّوا ما قدروا عليه بالمدينة.
كتبت إليكم كتابي هذا، وهم يخيّرونني إحدى ثلاث: إما يقيدونني بكل رجل أصبته خطأ أو صواباً، غير متروك منه شيء، وإما أعتزل الأمر فيؤمرّون آخر غيري، وإما يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من الذي جعل الله سبحانه لي عليهم من السمع والطاعة.
فقلت لهم: أما إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب، فلم يستقيد من أحد منهم، وقد علمت أنما يريدون نفسي، وأمّا أن أتبرأ من الإمارة فلأن يلبوني أحبّ إليّ من أن أتبرأ من عمل الله عز وجل وخلافته. وأما قولكم: يرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من طاعتي، فلست عليكم بوكيل، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة، ولكن أتوها طائعين، يبتغون مرضاة الله عز وجل وإصلاح ذات البين، ومن يكن منكم إنما يبتغي الدنيا بنائل منها إلا ما كتب الله عز وجل له، ومن يكن إنما يريد وجه الله والدار الآخرة وصلح الأمة وابتغاء مرضات الله عزّ وجل والسّنّة الحسنة التي استنّ بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والخليفتان من بعده رضي الله عنهما، فإنما يجزي بذلكم الله، وليس بيدي جزاؤكم، ولو أعطيتكم الدنيا كلها لم يكن في ذلك ثمن لدينكم. ولم يغن عنكم شيئاً، فاتقوا الله واحتسبوا ما عنده، فمن يرض بالنّكث منكم فإني لا أرضاه له، ولا يرضي الله سبحانه أن تنكثوا عهده.
وأما الذي يخيّرونني فإنما كله النـزع والتأمير. فملكت نفسي ومن معي، ونظرت حكم الله وتغيير النعمة من الله سبحانه، وكرهت سنّة السوء وشقاق الأمة وسفك الدماء، فإني أنشدكم بالله والإسلام ألا تأخذوا إلا الحق وتعطوه مني وترك البغي على أهله، وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم الله عز وجل، فإني أنشدكم الله سبحانه الذي جعل عليكم العهد والمؤازرة في أمر الله، فإن الله سبحانه قال وقوله الحق: { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } [الإسراء: 34]، فإن هذه معذرة إلى الله ولعلكم تذكرون.
أما بعد، فإني لا أبرئ نفسي { إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [يوسف: 53]، وإن عاقبت أقواماً فما ابتغي بذلك إلا الخير، وإني أتوب إلى الله عز وجل من كل عمل عملته، وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب إلا هو، إن رحمة ربي وسعت كل شيء، إنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضالون، وإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما يفعلون. وأنا أسأل الله عز وجل أن يغفر لي ولكم، وأن يؤلف قلوب هذه الأمة على الخير ويكرّه إليها الفسق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيها المؤمنون والمسلمون.
انظر: الطبري ج4 ص407-411 .

عدد مرات القراءة:
2309
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :