آخر تحديث للموقع :

الأربعاء 10 رجب 1444هـ الموافق:1 فبراير 2023م 09:02:55 بتوقيت مكة

جديد الموقع

التعريف بآل البيت والصحابة وبيان مكانة وفضل كل منهم وحقوقهم - عثمان الخميس ..
الكاتب : عثمان الخميس ..

الحلقة الأولى من سلسلة آل البيت والصحابة

التعريف بآل البيت والصحابة وبيان مكانة وفضل كل منهم

 
الحمدُ لله ربِّ العالمين ، الحمدُ لله حمدَ الشاكرين ، الحمدُ لله حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين نبيِّنا وإمامِنا وحبيبِنا وقدوتِنا وقُرَّةِ عيننا وسيِّدنا محمدِ بنِ عبد الله وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعين ، أما بعد :
فقد رأى إخوانُكم في إدارةِ مساجدِ العاصمةِ أنْ تكونَ سلسلةُ دروسٍ تخصُّ أصحابَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وآلَ بيتهِ ، واختاروا أنْ تكونَ هذه الدُّروسُ مقسَّمةً على اثني عشرَ درساً .
سنتناولُ مسائلَ الآلِ والأصحابِ ، وستكونُ كالآتي :
الدَّرس الأول : سيكونُ الحديثُ فيه عن التَّعريفِ بآلِ البيتِ والصَّحابةِ وبيان مكانةِ وفَضْلِ كلٍّ منهم .
الدَّرس الثاني : سيكونُ عن حقوقِ آل البيتِ وحقوقِ الصَّحابةِ وحُكْم محبَّتهم وحُكْم بُغضهم .
والدَّرس الثالث : سيكونُ عن العلاقةِ بين آلِ البيتِ والصَّحابةِ ، وهو مقسَّم إلى مسألتين :
المسألة الأولى : وهي الثَّناء المتبادل بين آلِ البيتِ وبين الصَّحابةِ .
 والمسألة الثانية : تتعلَّق بالأسماءِ والمصاهراتِ بين آلِ البيتِ والصَّحابةِ .
هذه أربعةٌ كاملةٌ
 ثم ثمانية دروس اخترنا فيها شخصيات منْ آلِ البيتِ وشخصيَّات منَ الصَّحابةِ ، والشَّخصيات التي اخترناها منَ الصَّحابةِ هم : أبو بكر وعمر وعثمان والزبير ، وذلك لأنَّ كلَّ واحدٍ منْ هؤلاءِ الأربعة يجمعُ الأمرين ، يجمعُ الصُّحبةَ ويجمعُ العلاقةَ مع آلِ البيتِ .
وأربعة منْ آل البيت : وهم عليّ وابن العباس وفاطمة وعائشة ، وهؤلاء كذلك يجمعون الصُّحبةَ ويجمعون أنهم منْ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وبهذا تكملُ هذه الدروس ، أسألُ الله تبارك وتعالى أنْ يُيَسِّرَها .
 
ابتداءً نقولُ كما قالَ القحطاني في نونيَّته ، يقولُ :
 
قلْ خيرَ قولٍ في صحابةِ أحمدٍ *** وامدحْ جميعَ الآلِ والنّسوانِ
دعْ ما جرى بين الصَّحابةِ في الوغى*** بسيوفِهم يومَ التقى الجمعانِ
فقتيلُهم منهم وقاتلُهم لهم ***وكلاهما في الحشرِ مرحومانِ
واللهُ يومَ الحشرِ ينزعُ كلَّ ما *** تحوي  صدورُهمُ منَ الأضغانِ
حُبُّ الصَّحابةِ والقَرابةِ سُنَّةٌ *** ألقى بها ربي إذا أحياني
فكأنما آلُ النبيِّ وصحبُه *** رُوحٌ يضمُّ جميعَها جسدانِ
فئتانِ عَقدُهما شريعةُ أحمد ***بأبي وأمي ذانك الفئتانِ
فئتان سالكتان في  سُبُلَ الهدى *** وهما بدينِ الله قائمتانِ
 
هاتان الفئتان أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وآل بيته هما محور هذه الأحاديثِ التي ستكونُ بيننا إنْ شاءَ الله تبارك وتعالى خلالَ هذه الأسابيع .
نبدأ  أوَّل ما نبدأ بالتَّعريف .
 مَنْ همُ الصَّحابةُ ؟
مَنْ هم آلُ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؟
عندما نرجعُ إلى اللُّغةِ فالصَّاحبُ مَنْ صحبَك وتابعَك ولازمَك ولقيَك فيقالُ له صاحب .
 والصَّحابيُّ في الاصطلاح هو مَنْ لقيَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فخصَّصنا اللِّقاءَ بالنبيِّ لأننا نتكلَّم عن صحابةِ النبيِّ ، و إلا كلّ واحدٍ منَّا له أصحابٌ ، ما في إنسان إلا وله أصحابٌ ، لكنْ نحن نتكلَّم عن أصحابٍ خاصِّين ..عن أصحابِ رجلٍ بعينهِ هو محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ، ولذلك لما نأتي لتعريف هؤلاءِ الصَّحابةِ لا بدَّ أنْ ننبِّه إلى هذا الرَّجل ، فيقولون الصَّحابيُّ هو كلُّ مَنْ لقيَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم
سواءً لقيَه مدةً طويلةً أو وسطاً أو أقلّ أو مرَّة واحدةً ، وهذه تُطلقُ في اللُّغةِ على الصُّحبةِ ، وإنْ كانَ بعضُ أهلِ اللُّغةِ يطلقون كلمةَ الصَّاحبِ على مَنْ لازمَ وصحبَ مدَّة طويلةً ، ولكنْ أيضاً يطلقون في اللُّغةِ على مَنْ لقيَ مرَّة ، ولذلك اختارَ أهل العلم التَّعريفَ للصَّحابيِّ : هو كلُّ مَنْ لقيَ النبيَّ ولو مرَّة واحدةً ، ولقيَه ولو لم يره كالأعمى مثلاً .
هناك بعضُ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم غير مبصرين كابن أمِّ مكتوم مثلاً ، وهو صحابيٌّ لأنه لقيَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مؤمناً به ، إذاً لا بدَّ منَ اللُّقيا ولا بدَّ منَ الإيمانِ ، لقيَ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأنَّ هناك مِنَ الناسِ مَنْ كانَ في الشَّامِ أو في مِصْرَ أو اليمنِ أو غيرها منْ جزيرةِ العربِ ، آمنَ ولم يلقَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم
.. آمنَ في بلادهِ ، جاءَ ليُبايعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ما تيسَّر له السَّفر ، ثم النبيُّ قد تُوُفِّيَ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فلا يُقالُ له صحابيّ يقال له مخضرم ، لأنه عاشَ فترةَ البعثةِ وعاشَ بعدَها فيقال له مخضرم لكنْ لا يقالُ له صحابيّ ، لأنَّ شرفَ الصُّحبةِ هي لُقيا النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فهذا لم ينلْ هذا الشَّرفَ وهو لُقيا النبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم مؤمناً به ، وقالوا مؤمناً به حتى يخرج الكفار لأنَّ الكفارَ لقوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وجلسوا معه ، لعلَّ منهم منْ أقاربهِ كأبي لهب مثلاً ، ومنهم مَنْ قاتلَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، ومنهم مَنْ نافقَ وأظهرَ الإسلامَ وهو غير ذلك ، هؤلاء لقوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لكنْ غير مؤمنين فلا يدخلون في الصَّحابة .. لا يدخلون في الصَّحابةِ ، إذًا لا بدَّ أنْ يكونَ لقيَ النبيَّ ولا بدَّ أنْ يكونَ مؤمناً به يومَ لقيَه وماتَ على ذلك ، ليخرجَ المرتدُّون ، لأنَّ المرتدِّين لقوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وآمنوا به ولكنهم بعد وفاتهِ ارتدُّوا عن دين الله تبارك وتعالى ، فهؤلاء لا يُقالُ لهم صحابة .
لماذا ؟
لأنهم لم يموتوا على الإسلام ، ارتدُّوا عن دينِ الله تبارك وتعالى .
إذًا هذا تعريفُ الصَّحابيِّ ، وليسَ هناك خلافٌ كبيرٌ في تعريفِ الصَّحابيِّ وإنما الخلافُ في تعريفِ آلِ البيتِ .
عندما ننتهي منْ تعريفِ الصَّحابيِّ نأتي إلى تعريفِ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فمَنْ هم آلُ بيتِ النبيِّ صلواتُ ربي وسلامُه عليه ؟
هناك أربعةُ أقوالٍ في آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم :
 
 *القول الأول : أنَّ آلَ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هم أزواجُه وذريَّته ، هؤلاء هم آلُ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وأخذوا ذلك منَ اللُّغةِ ، قالوا : آلُ الرَّجُلِ أهلُه ، وأصلُ آل أهل ، ولذلك نحن نقولُ فلان تأهَّل يعني تزوَّج .
و قالَ الله عن موسى : " وَسَارَ بِأَهْلِهِ (29) " سورة القصص ، أي بزوجتهِ ، وقالَ : " .... رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ...(73) " سورة هود ، إبراهيم وزوجته ، فأهلُ الرَّجُلِ زوجتُه وذريَّته ، وأخذوا ذلك منْ قولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في التَّشَهُّد ، نحن الآن في تشهُّدنا ماذا نقولُ ؟
" اللهمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آلِ محمَّد كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيم " هناك بعض ألفاظ التَّشَهُّد في البخاري بدلَ اللهمَّ صَلِّ على محمَّد تقول : "  اللهمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى أزواجه وذريته كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيم "
فقالوا : قوله : " اللهمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى أزواجهِ وذريته " هي تفسير لقولهِ : " اللهمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد "
فقالوا : إذًا آلُ الرَّجُلِ هم زوجتُه وذريته ، هؤلاء هم آلُ الرَّجل ، إذاً هؤلاء هم آل بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
ولذلك عائشة رضيَ الله عنها لما سُئِلَتْ عن طعام النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في  البيت فقالتْ : "  كانَ طعامُ آلِ محمَّد قوتاً " .
( يعني الشيء اليسير ، وسمَّت بيتَها بيتَ آلِ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ) .
وكانَ النبيُّ إذا دخلَ بيتَه أحياناً يقولُ : السَّلام عليكم أهلَ البيتِ ، لزوجتهِ عائشة أو حفصة أو... يسلِّم عليهنَّ بلفظِ أهلِ البيتِ .
فهذا إذًا القول الأول أنَّ الأهلَ هم الزَّوجة والذُّرية ، وكلُّنا يعلمُ قولَ الله تبارك وتعالى عن امرأةِ العزيز لما جاءَ زوجُها قالتْ : " .... مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا ....(25) " سورة يوسف ، تعني نفسَها أنها زوجة العزيز .
*القول الثاني : أنَّ آلَ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هم بنو هاشم ، أقارب النبيِّ منْ هاشم ، نحن نعرفُ الآنَ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم هم محمَّد بنُ عبد الله بنِ عبد المطلب بنِ هاشم ، فقالوا : كلّ مَنْ يرجعُ نسبُه إلى هاشم فهو منْ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، كلّ مَنْ يرجعُ نسبُه إلى هاشم فهو منْ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 *- ومنْ ذلك أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم جاءَه اثنان وهما الفضل ابن العباس بن عبد المطلب ، والمطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، إذاً الفضل بن العباس ، العباس عمّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذاً هذا ابن عمِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، والمطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أيضاً أبوه الذي هو ربيعة ابن عمِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فهذا ابنُ ابنِ عمِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، إذاً كلاهما جدُّهما عبد المطلب ، ومعروف أنَّ هاشماً ليس له منَ الأولاد إلا عبد المطلب وأسد ، هذان ابنا هاشم ، عبد المطلب وأسد ، أما أسد فانقطعتْ ذُرِّيتُه ، عنده بنت التي هي فاطمة بنت أسد أمّ عليّ بن أبي طالب رضيَ الله عنه وعنها لأنها أسلمتْ ولم تبقَ له ذرية ، إذاً كلّ ذرية هاشم في عبد المطلب الآن ، ذرية هاشم هم ذرية عبد المطلب ، إذاً نستطيعُ أنْ نقولَ : آلُ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هم ذرية عبد المطلب ، هم ذرية عبد المطلب ، لكن الصحيح ذرية هاشم حتى تدخل فاطمة بنت أسد لأنها منْ بني هاشم ، فالشَّاهدُ منْ هذا أنه لما جاءَ الفضلُ بن العباس بن عبد المطلب والمطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، لما أتيا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وطلبا منه أنْ يجعلَهما على الصَّدقةِ ، الله تبارك وتعالى يقولُ ماذا ؟ يقول : " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ ... "
أي الزكاة
" إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عليها ..... (60) "سورة التوبة.
 إذًا العاملون على الزكاة و هم الذين يجبون الزكاةَ ويقسِّمونها ويُوصلونها إلى مَنْ يستحقُّها يجوزُ أنْ يُعْطَوا منَ الزَّكاةِ ، فجاءَ الفضلُ بنُ العباس والمطلب بنُ ربيعة بنِ الحارث أتيا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالا : يا رسولَ الله اجعلْنا على الصَّدقةِ ، منَ العاملين عليها حتى يأخذا منَ الزَّكاةِ .
فماذا قالَ لهما النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؟
قالَ : " إنها لا تحلُّ لمحمَّد ولا لآلِ محمَّد "
فدلَّ هذا على أنهما منْ آل محمَّد .
فحرَّم عليهما الزَّكاةَ ، لأنَّ الزَّكاةَ لا تحلُّ لمحمَّد ولا لآلِ محمَّد ، فلما حرَّم عليهما الزَّكاةَ واستدلَّ بقولهِ : " لا تحلُّ لمحمَّد ولا لآلِ محمَّد " دلَّ على أنَّ هذين منْ آلِ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم .
*- وكذلك لما قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في حديثِ زيدِ بنِ أرقم المشهور قالَ : " أذكِّرُكم الله أهلَ بيتي ، أذكِّرُكم الله أهل بيتي ، أذكِّرُكم الله أهل بيتي " فَسُئِلَ زيدُ بنُ أرقم مَنْ أهلُ بيتهِ ؟
طيب هو يذكِّرنا أهلَ بيتهِ ، مَنْ هؤلاء ؟
قالَ : مَنْ أهلُ بيتهِ ؟
قالَ : مَنْ حُرِمَ الصَّدقةَ .
أي كلّ مَنْ تحرمُ عليه الصَّدقةُ فهو منْ أهلِ بيتهِ
ثم قالَ زيدٌ وهم : آلُ عليّ وآلُ عباس وآلُ عقيل وآلُ جعفر .
آل عليّ ، آل العباس ، آل عقيل وآل جعفر .
طيب ما الذي يجمعُ هؤلاء الأربعة عليّ وعقيل وجعفر ؟ أبناء أبي طالب ، والعباس أخو أبي طالب .
طيب والمطلب بن الربيعة بن الحارث ، الحارث أخو أبي طالب وأخو العباس ، والفضل بن العباس ، ما الذي يجمعُ هؤلاء كلّهم ؟
كلّهم هؤلاء أبناء عبد المطلب ،كلّ هؤلاء أبناء عبد المطلب .
*- وكذا الحسن بن عليّ لما أرادَ أنْ يأكلَ منَ الصَّدقةِ قالَ له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : "  إنها لا تحلُّ لمحمَّد ولا آل محمَّد " فمنعَه منها .
فما الذي يجمعُ هؤلاء كلّهم ؟
قالوا : الذي يجمعُ هؤلاء كلّهم هو أنهم أبناءُ عبد المطلب وبالتالي أبناء هاشم .
فقالوا : كلّ هؤلاء حُرِّمَتْ عليهمُ الزَّكاةُ وأدخلَهم النبيُّ بلفظِ آلِ محمَّد .
فقالوا : إذاً آلُ النبيُّ هم أولادُ هاشم ، أقارب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم منْ هاشم ، هذا القولُ الثاني .
إذاً
*- القول الأول أنَّ آلَ النبي هم أزواجُه وذريته
*- القول الثاني آل النبيّ هم أقاربُه فقط منْ بني هاشم .
*- القول الثالث : أنَّ آلَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هم جميعُ المؤمنين .
جميعُ المؤمنين آلُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لأنهم تابعوه وناصروه ووقفوا معه ، فهؤلاء هم آلُه ، كما قالَ الله تبارك وتعالى : { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46) } سورة غافر ، و ليس المقصود بآلِ فرعون أقارب فرعون وإنما المقصود أتباع فرعون على دينه .
فقالوا : إذا سمَّى  أتباعه آلاً ، سمَّى أتباعه آلاً له
إذاً آلُ الرَّجُلِ هم مَنْ يتبعُه على دينهِ .
ولذلك قالَ عبد المطلب الذي هو جدُّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لما جاءَ أبرهةُ ليهدمَ الكعبةَ ، عندما قصدَ أبرهةُ لهدمِ الكعبةِ قامَ عبد المطلب وقالَ أبياتاً منَ الشِّعر ، قالَ في هذه الأبياتِ :
لاهم..
لاهم يعني اللهمَّ
                                قال :
لاهمَّ إنَّ العبد يمنعُ رحلَه فامنعْ رِحَالَكْ
لا يغلبنَّ صليبُهم ومِحَالُهم غِدْواً مِحَالَكْ
 يعني يقولُ اهزمْ هؤلاء الذين أرادوا  هَدْمَ الكعبةِ .
لاهم إنَّ العبدَ يمنعُ رحلَه فامنعْ رحالَكْ .
عبد المطلب لما دخلَ على أبرهة قالَ : أنا ربُّ الإبلِ وللبيتِ ربٌّ يحميهِ فالآن يسأل الله أنْ يحميَ هذا البيت .
يقول :
لاهم إنَّ العبدَ - يعني نفسَه - يمنعُ رحلَه فامنعْ رحالَكْ
هذا بيتُك يا ربّ ، هذا بيتك
لاهمَّ إنَّ العبدَ يمنعُ رحلَه فامنعْ رِحَالَكْ
لا يغلبنَّ صليبُهم ومِحَالُهم غِدْواً مِحَالَكْ
وانصرْ على آلِ الصَّليبِ .. على آل الصليب
وانصرْ على آل الصَّليبِ وعابديهِ اليومَ آلَكْ
وانصرْ على آل الصَّليبِ وعابديهِ اليومَ آلَكْ
فسمَّاهم آل الله
وقالَ عن أتباع الصَّليب آل الصَّليب
فقالوا : كلّ مَنْ تبعَ شيئاً صارَ منْ آلهِ
إذاً هذه ثلاثةُ أقوالٍ .
كما ترون أنَّ جميعَ الأقوالِ هذه لها وجهٌ منْ حيثُ اللُّغةِ ولها وجهٌ منْ حيثُ النُّصوص ، والأقربُ - والعلمُ عند الله تبارك وتعالى - أنَّ آلَ الرَّجُلِ زوجتُه وذُرَّيته لا شكَّ في هذا ، لكنْ آل الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم بذاتهِ هم بنو هاشم بالأصالة لأنهم أقاربُه الأقربون صلَّى الله عليه وسلَّم ، ويدخلُ أزواجُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالتبعيَّة لما تزوجهنَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم .
هناك قولٌ رابعٌ ضعيفٌ جِدّاً وهو ما يتبنَّاه الشيعةُ في هذا الأمر ، وهو أنهم قالوا : إنَّ آلَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هم أصحابُ الكساءِ ، يعنون عليّاً وفاطمةَ والحسنَ والحسين فقط ، يقولون إنَّ هؤلاء آلُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
قالوا : لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم جلَّلهم بالكساءِ ، وذلك أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم دعى عليّاً وفاطمة والحسن والحسين وغطَّاهم بالكساء - اللي هو البشت ، العباءة - غطَّاهم ثم قالَ : " اللهمَّ هؤلاءِ أهلُ بيتي ، اللهمَّ أذهب عنهم الرِّجسَ وطهِّرهم تطهيراً " .
نقولُ : نعم هذا دليلٌ على أنَّ هؤلاء منْ آلهِ لأنَّ فاطمةَ ابنتُه وعلي منْ أولاد عبد المطلب والحسن والحسين أبناء عليّ وأبناء فاطمة ، فطبيعي جِدّاً أنهم منْ آلِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لكنْ ليس في الحديثِ أنَّ هؤلاء فقط هم آلُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
فالحديثُ يدلُّ على أنَّ هؤلاء منْ آلِ النبيِّ ، ولا يعني أبداً أنَّ هؤلاء فقط هم آلُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فالرَّاجحُ - والعلمُ عند الله تبارك وتعالى - أنَّ آلَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هم أبناءُ هاشم وأزواجُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، أمَّا أبناءُ هاشم فهم الذين حُرِّمَتْ عليهمُ الزَّكاةُ ، و أمَّا أزواجُه فباقترانهِ بهنَّ ، وإلا قبلَ زواجهِ بهنَّ لم يكنَّ منْ آلِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
يعني منْ آخر مَنْ تزوَّج النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ميمونة قبل أنْ يتزوَّجها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ما كانتْ منْ آلِ البيتِ ، وعائشة قبل أنْ يتزوَّجها النبيُّ ما كانتْ منْ آلِ البيتِ ، كانتْ منْ آلِ أبي بكر ، وكذا حفصة ، وكذلك أم حبيبة ، وكذلك جويرية ، وصفية ، لم يكنَّ أبداً في يومٍ منَ الأيام منْ آلِ البيتِ قبلَ زواجِ النبيِّ بهنَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فلمَّا تزوَّجهنَّ صِرْنَ أهلَه وصِرْنَ بعد ذلك منْ آلِ بيتِ النبيِّ صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
بعد هذه المقدِّمة .
نحن الآن في المقدِّمة ..طيب..
بعد هذه هذه المقدمة ندخلُ في بيانِ فضلِ ومكانةِ أصحابِ النبيِّ وآلِ بيتهِ .
أما أصحابُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فوردتْ فيهم نصوصٌ ، ويدخلُ في أصحاب النبيِّ آل البيت الذين صحبوه  كعليّ وفاطمة وعائشة وأمّ حبيبة  والعباس وعبد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر وجعفر .. لأنَّ هؤلاء جمعوا الحسنين .
جمعوا القرابةَ وجمعوا الصُّحبةَ ، يعني عليّ بن أبي طالب كمثال صحابيّ ومنْ آلِ البيت ، عائشة صحابيَّة ومنْ آلِ البيت ، فاطمة صحابيَّة ومنْ آل البيت ، عبد الله بن عباس صحابيّ ومنْ آلِ البيت ، حمزة صحابيّ ومنْ آل البيت ، العباس صحابيّ ومنْ آلِ البيت ، عبد الله بن جعفر صحابيّ ومنْ آلِ البيت ، جعفر بن أبي طالب صحابيّ ومنْ آلِ البيت وهكذا .
فإذًا آلُ البيتِ الذين سنتكلَّم عنهم الذين جمعوا الشَّرفين ، جمعوا شرفَ الصُّحبةِ وجمعوا شرفَ القَرابةِ .
والصَّحابةُ الذين سنتكلَّم عنهم هم الذين جمعوا شرفَ الصُّحبةِ فقط وما أجملَ ما قالَ شريك بنُ عبد الله ، يقولً : لو جاءني أبو بكر وعليّ وكلاهما طلبَ مني حاجةً - يعني أبو بكر طلبَ مني شيئاً وعليّ طلبَ مني شيئاً - لقدَّمتُ عليّاً على أبي بكر ، وأبو بكر أفضل .
طيب .. لماذا قدَّمتَ عليّاً ؟
قالَ : لقرابتهِ منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
إكراماً لقرابتهِ منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
فعندما نتكلَّم عن فضلِ أصحابِ النبيِّ يدخلُ القرابةُ وعندما نتكلَّم عن فضلِ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  لا يدخلُ الصَّحابةُ .
فمنْ ذلك قولُ الله تبارك وتعالى : " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً(29) " سورة الفتح
شوفوا هذا الوصفَ العظيمَ منَ الله تبارك وتعالى ، يصفُ محمَّداً وأصحابَه .
هذا متى هذا ؟؟؟
 هذا في الحديبيةِ في السَّنةِ السَّابعةِ منَ الهجرة ، في آخرِ السادسةِ منَ الهجرة أوَّل السابعةِ منَ الهجرة ، يصفُ الله هؤلاء يقولُ : " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً " هذه عادتُهم " يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً " لا رياء  لا سمعة وإنما يريدون ما عند الله " يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ " ، و السِّيما هي النورُ الذي يكونُ في الوجهِ
" سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ "
 ثم قالَ : " ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ "
أي أنهم مذكورون في التوراةِ ثم قالَ :" وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ " فلا يغتاظُ منهم إلا الكفار ، وسنأتي إنْ شاءَ الله تعالى عن حُكْمِ مُبغضهم ومحبِّهم إن شاءَ الله تعالى في الدَّرسِ القادمِ .
" وَعَدَ اللَّهُ  " الآن النَّتيجة ، بعد أنْ وصفَهم الله بما وصفَهم بهِ منَ الخيرِ والصَّلاحِ جاءتِ النَّتيجةُ " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً " ، هكذا يخبرُ الله تعالى عن هؤلاءِ القومِ
ويقولُ جلَّ وعلا في الحديبية أيضاً لما بايعوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بيعةَ الرِّضوان قالَ الله تباركَ وتعالى : "  لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... (18) " سورة الفتح ، وهذه البيعةُ تُسَمَّى بيعةَ الرِّضوان ، لما بايعوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم على أنْ لا يفرُّوا و على أنهم ينصرونه .
و قالَ بعضُ الصَّحابةِ : بايعناه على الموتِ .
" لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ... "   فكانتِ النَّتيجةُ   " ... فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً... " هل يمكنُ أنْ يكونَ علمَ ما في قلوبهم منَ النِّفاقِ فيُنزلُ عليهمُ السَّكينةَ ويرزقُهم فتحاً قريباً ؟!
لا يمكنُ أبداً
وإنما علمَ ما في قلوبهم منَ التَّقوى والدِّين والمحبَّة لله ورسولهِ والنُّصرة وغير ذلك منَ الأمورِ الطَّيِّبةِ التي يحبُّها الله تباركَ وتعالى .
ولذلك أعلنَ الله على الملأ رِضَاهُ عنهم سبحانه وتعالى
" لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ ..."  والله لا يرضى إلا عمَّن يعلمُ أنه يموتُ واللهُ راضٍ عنه ، وإلا الله يعلمُ ما في قلوبِ المنافقين منْ نفاقٍ ، و لذلك لا يُثني عليهم الله أبداً ثم يذمُّهم .
فالقصدُ أنَّ الله تباركَ وتعالى أعلنَ رِضَاهُ عن أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
وقالَ جلَّ وعلا عن أصحابِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وكما قلنا يدخلُ فيهم آلُ بيتِ النبيِّ الذين عاشوا معه منْ أصحابهِ يقولُ الله لهم : " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ "
" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ "
فُضِّلَتْ على سائرِ الأممِ السَّابقةِ منْ أتباع إبراهيم وموسى وعيسى وزكريا ويحيى ويونس وهود وغيرهم منَ الأنبياء .
هذه الأمَّةُ هي خيرُ الأُمَمِ ، وبيَّن الله السَّبَبَ في ذلك : " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ .... (110) "سورة آل عمران
فوصفَهم الله بما هم عليه منَ الخيرِ ، وقالَ الله جلَّ وعلا في وصفِهم : " لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)" سورة الحشر
هكذا يقولُ عنهم الله جلَّ وعلا ، هؤلاء المهاجرون ، ثم يُثنِّي جلَّ وعلا بذكرِ الأنصارِ فيقولُ سبحانه وتعالى : " وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ - هؤلاء الأنصار - يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) " سورة الحشر
فنجد أنَّ الله تبارك وتعالى يُثني على المهاجرين ويُثني على  الأنصار سبحانه وتعالى .
بلْ قالَ الله جلَّ وعلا : "  لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ...(10)" سورة الحديد لأنَّ الصَّحابةَ يتفاضلون كما أنَّ الأنبياءَ يتفاضلون .
" تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ...(253)" سورة البقرة
حتى الصَّحابةُ يتفاضلون ، الملائكة يتفاضلون ، فالصَّحابةُ إذاً هناك مَنْ هو أفضلُ منْ غيره ، لا يمكنُ أبداً أنْ نسوِّي صحابي أسلمَ وتابعَ النبيَّ في بدايةِ الدَّعوةِ وتحمَّل ما تحمَّل وآخر تأخَّر إسلامُه ولعلَّه قاتلَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم  وتأخَّر إسلامُه ، فهناك فرقٌ بين هذا وذاك .
ولذلك الله تبارك وتعالى لم يسوِّ بينهم .
فقالَ سبحانه وتعالى : مع أنهم جميعاً منْ أهلِ الجنة ، جميعهم أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لكنْ ولو ، الأمرُ يختلف يقولُ الله تباركَ وتعالى : " لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا...(253)" سورة البقرة
لماذا ؟
لأنَّ الذين أنفقوا منْ قبل الفتح وقاتلوا منْ قبل الفتح ، والفتح على المشهور هو صلح الحديبية ، وليكنْ فتح مكة ، لكنَّ الذين أنفقوا وقاتلوا منْ قبل الفتح  وهو صلح الحديبية على الصحيح  أولئك أنفقوا وقاتلوا يومَ كانَ الإسلامُ بحاجةٍ ، ولذلك يقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " لو أنفقَ أحدُكم مثلَ أُحُدٍ ذَهَباً ما بلغَ مُدَّ أحدِهم ولا نصيفَه "
لأنَّ الذي يُنفقُ وقتَ الحاجةِ ليس كالذي يُنفقُ والناسُ في رخاءٍ وعدم الحاجة .. الذين قاتلوا والإسلامُ يُعادى منْ كلِّ مكانٍ ليس كالذي يقاتلُ والإسلامُ استتبَّ أمرُه وانتشرَ صيتُه ، يختلفُ الوضعُ .
ولذلك الله تباركَ وتعالى لم يسوِّ بين الطرفين و إنْ في النهايةِ قالَ سبحانه وتعالى : " وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى .... (253)" سورة البقرة
يعني كلّهم منْ أهلِ الجنَّة " وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى " ، لكنْ لا يستوون عند الله تباركَ وتعالى ، ويقولُ جلَّ وعلا عن أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم : " إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) " سورة الأنبياء .
أي عن النَّار ، والذين سبقتْ لهمُ الحسنى منَ الله هم أصحابُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، ولذلك قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : "  لنْ يدخلَ النارَ أحدٌ بايعَ تحتَ الشَّجرةِ " التي هي بيعة الرِّضوان .
 ولما سُئِلَ جابر رضيَ الله عنه عن عددِهم يومَ بايعوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بيعةَ الرِّضوان قالَ : كانوا أربعَ عشرةَ مئة أو خمس عشرة مئة  ، يعني ألف وأربع مئة أو ألف وخمس مئة .
هؤلاء هم أصحابُ النبيِّ الذين رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهم
وقدَّر الله أنه في هذه البيعةِ كانَ قد خرجَ مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم رجلٌ منَ المنافقين يُقالُ له الجِدّ بن قيس ، فلمَّا جاءَ الصَّحابةُ يبايعون النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم تحتَ الشَّجرةِ بيعةَ الرِّضوان .. البيع على الموت .. البيع على النصرة .. اختبأ خلفَ جملٍ له أحمر ولم يبايعْ ، فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " لنْ يدخلَ النَّارَ أحدٌ بايعَ تحت الشَّجرةِ إلا صاحب الجمل الأحمر " يعني الجِدّ بن قيس الذي اختبأ خلفَ جملهِ ، وإلا هنا بمعنى لكنْ ، لكنْ صاحب الجمل الأحمر هذا  لنْ يدخلَ الجنةَ لأنه كانَ منافقاً ولم يكنْ منْ أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، والله تباركَ وتعالى يقولُ عن أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : "  وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ(100) "سورة التوبة  لما ذكر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار عمَّهم جميعا ً قالَ : والسَّابقون الأولون منَ المهاجرين والأنصار جميعهم بلا استثناء .
والتابعون ؟
قالَ : لا ، ليسوا كلّ التابعين
إذاً مَنْ ؟
قالَ : " وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ " لأنَّ التَّابعين فيهم المحسن وفيهم غير المحسن ، فاختارَ المحسنين منهم .
أمَّا الصحابة فكلُّهم محسنٌ ، ولذلك جاءَ الخِطابُ عامّاً شاملاً لهم جميعاً .
والله تباركَ وتعالى لما ذكرَ أصحابَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم  في أحداثِ السِّيرةِ قالَ الله جلَّ وعلا عنهم  في بدر : " إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ َلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11) "سورة الانفال.
 فنجدُ أنَّ الله تباركَ وتعالى هنا جلَّ وعلا أنزلَ عليهم منَ السَّماءِ ماءً ، ثم أخبرَ أنه طهَّرهم ، وأخبر أنه أذهبَ عنهم رِجْسَ الشَّيطان كما قالَ في آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : "  إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(33) " سورة الاحزاب ، قالها كذلك في أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
كذلك يقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن أهلِ بدر : " لعلَّ الله اطَّلعَ على أهلِ بدر  فقالَ : إني قد غفرتُ لكم ، افعلوا ما شئتم " .
وهذا خبرٌ منَ النبيِّ الصَّادقِ صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
 في الخندق ..في الأحزاب ، ماذا قالَ عنهم ؟
قالَ : " وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا(22) "سورة الأحزاب .
وكذلك في الحديبية قال : " لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... (18) " سورة الفتح .
وأما آلُ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع أنهم اشتركوا  مع الصَّحابةِ فيما ذُكِرَ ، فعليّ شارك في بدر ، وشارك في الأحزاب ، وشارك في بيعةِ الرِّضوان ، وكذلك عبد الله بن العباس ، وكذلك العباس ، وكذلك غيرهم منْ أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم شاركوا في هذه الأحداثِ فنالوا فضلَ الصُّحبةِ وفضلَ القرابةِ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلا أنَّ الله خصَّهم بفضلٍ كذلك وذلك في قولِ الله تباركَ وتعالى : " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56) "سورة الأحزاب .
إلى هنا
فقالَ أصحابُ النبيِّ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : عرفنا كيف نسلِّم عليك فكيف نصلِّي عليك ؟؟؟
قالَ : " قولوا اللهمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آلِ محمَّد " .
فبيَّن صلواتُ ربي وسلامُه عليه فضلَهم وأنه قرنهم باسمهِ صلواتُ ربي وسلامُه عليه ، وكذلك لما قالَ الله تباركَ وتعالى في ذِكْرِ نساءِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ : "  إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(33) " سورة الاحزاب ، وقالَ الله تباركَ وتعالى : " النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ " ، فذكرَ آلَ بيتهِ وهنَّ أزواجه أنهنَّ أمَّهات المؤمنين جميعاً .
ولذلك مَنْ لم يرضَ بزوجةٍ منْ زوجاتِ النبيِّ أنها أمٌّ له فهو ليس منَ المؤمنين لأنَّ الله تباركَ وتعالى يقولُ : " النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ ... " عمَّ الأزواجَ كلهنَّ قالَ : " وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ " فهنَّ أمَّهاتٌ المؤمنين .
وأما ما جاءَ في السُّنة في فضلِ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وآلِ بيتهِ فمِنْ ذلك قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم :" النجومُ أَمَنَةٌ للسَّماءِ فإذا ذهبتِ النجومُ أتى السَّماءَ ما تُوعد ، وأنا أَمَنَةٌ لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعدون ، و أصحابي  أَمَنَةٌ لأمتي فإذا ذهبَ أصحابي أتى أمتي ما تُوعد ".
ويقولُ صلواتُ ربي عليه : " خيرُ الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم
وقالَ صلواتُ ربي وسلامُه عليه : " لا تسبُّوا أصحابي فلو أنَّ أحدَكم أنفقَ مثلَ أُحُدٍ ذهباً ما بلغَ مُدَّ أحدِهم ولا نصيفَه " .
وأمَّا آلُ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالَ فيهم : " أذكِّركم الله أهل بيتي ، أذكِّركم الله أهل بيتي  ، أذكِّركم الله أهل بيتي " .
فلا بد إذاً أنْ نعرفَ لأصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قَدْرَهم ولآلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قَدْرَهم ، وأنْ نتقرَّب إلى الله بحبِّهم فإنهم أناسٌ اصطفاهم الله تباركَ وتعالى اختارَهم .
والفرقُ بين الصَّحابةِ وآلِ البيتِ في مسألةٍ مهمَّة جداً وهو أنَّ أصحابَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يمكننا أنْ نكرمَهم لأنهم قد تُوُفُّوا الآن إلا بالسَّلام عليهم وذِكْرِهم بكلِّ خيرٍ ، لأنه لا يوجدُ الآنَ صحابيٌّ منْ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، أما آلُ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فما يزالون يعيشون بين ظهرانينا ، فكلُّ مَنْ يلتقي بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم اليوم عن طريق هاشم بن عبد مناف فهو منْ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فالصَّالحُ منهم نحبُّه ونتقرَّب إلى الله بحبِّه ونكرمُه .
وسيأتينا إنْ شاءَ الله حقوق آل البيت وحقوق الصَّحابة رضيَ الله عنهم لكنْ أحببتُ أنْ أفرِّقَ بين الصَّحابةِ وآلِ البيتِ ، أنَّ الصَّحابةَ ليسَ لهم منا الآن إلا الثناء والذِّكْر الحَسَن أما آلُ البيتِ فيمكنُ أنْ يستمرَّ إكرامُهم لأنهم مستمرون معنا ، لا أعني أنَّ عليّاً وفاطمةّ موجودون لكنْ أعني ذرية آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم سواء ذرية العباس أو ذرية أبي طالب أو ذرية الحارث أو ذرية أبي لهب ، لأنَّ هؤلاء هم الذين لهم ذرية اليوم ، ذرية هؤلاء المسلم منهم التقي فهذا له منَ التقدير والمحبة ما يستحقُّه لقرابتهِ منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
                       و أختمُ بقولِ الشاعرِ :
إني أحبُّ أبا حفصٍ وشيعته *** كما أحبُّ عتيقاً صاحبَ الغارِ
وقد رضيتُ عليّاً قُدوةً عَلَماً *** وما رَضِيْتُ بقتلِ الشَّيخِ في الدارِ
والله أعلى وأعلم وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّد .
 
 
تم تفريغ الدروس بواسطة الأخوات
فاعلة خير و  نازك  و عبق
شبكة المنهج تحت إشراف الشيخ //:
عثمان بن محمَّد الخميس حفظه الله

الحلقة الثانية من سلسلة آل البيت والصحابة
حقوق آل البيت والصحابة وحكم محبتهم وبغضهم رضوان الله عليهم
 
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمدُ لله رَبِّ العالمين ، الحمدُ لله وليّ الصالحين ، الحمدُ لله إله الأوَّلين والآخرين ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين نبيِّنا وإمامِنا وسيِّدنا وحبيبِنا وقُرَّةِ عينِنا محمَّد بنِ عبدِ الله  وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعين .
ما زلنا مع هذه السِّلسةِ المباركةِ وهو حديثنا عن أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعن آلِ بيتهِ ، وذكرْنا أنَّ هذا الحديثَ سَيُسْرَدُ خلالَ اثنتي عشرةَ محاضرةً ، وقسَّمنا هذه المحاضراتِ إلى ما يلي :
المحاضرة الأولى : التَّعريف بآلِ البيتِ وأصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  وبيانِ مكانتِهم وفضلِهم ، وهذه قد مرَّت
ثم المحاضرة الثانية : محاضرة هذه الليلة  وهي عن بيانِ حقوقِ آلِ البيتِ وأصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وحُكْم محبَّتهم وبغضِهم .
والمحاضرة الثالثة : عن العلاقةِ بين آلِ البيتِ وأصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم منَ المصاهراتِ والأسماءِ  .
والمحاضرة الرابعة : هي عن حالِ آلِ البيتِ مع الصَّحابةِ منْ حيثُ الثَّناء المتبادَل بينهم والعلاقة الوطيدة .
ثم المحاضرات الثَّمَان الأخرى :  قلنا أربع محاضراتٍ نختارُ فيها أربعةً منَ الصَّحابةِ لهم علاقةٌ بآلِ البيتِ وهم : أبو بكر وعمر وعثمان والزُّبير .
وأربع شخصيَّاتٍ منَ الصَّحابةِ الذين هم منْ آلِ البيتِ وهم : عليّ وعائشة وفاطمة وابن عباس .
هذه تقريباً مجملُ هذه المحاضراتِ  .
واللَّيلةُ إنْ شاءَ الله تعالى نتكلَّم عن المحاضرةِ الثَّانيةِ وهي :  
حقوق آل البيت والصَّحابة وكذلك حُكْم محبَّتنا لهم أوحُكْم مبغضهم
سنقسمُ هذه المحاضرةَ إلى قسمين :
 *- قسم يخصُّ الصَّحابةَ 
*- وقسم يخصُّ آلَ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
 ونبدأُ بآلِ بيتِ النبيِّ إكراماً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، واتِّباعاً لهديِ سلفِنا الصَّالحِ كما ذكرنا هذا عن شَريك وغيرهِ منْ أهلِ العِلْمِ أنه قالَ : " لو جاءَني أبو بكر وعمر وعليّ وكلٌّ سألني حاجةً لقدَّمتُ حاجةَ عليٍّ لقربهِ منْ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبو بكر وعمر أفضلُ " لكنْ يُقَدَّمُ عليّ لقربهِ منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، ولذلك فنسيرُ على هدي سلفِنا الصَّالحِ رحمهم الله تباركَ وتعالى فنتكلَّم ابتداءً عن حقوقِ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
حقوقُ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تنقسمُ إلى قسمين :
 *- حقوق معنويَّة
                           *- وحقوق ماليَّة
أشياء معنويَّة وأشياء ماليَّة .
 
*- ونبدأُ بالأشياءِ المعنويَّةِ لأنها أهمّ ..
 نبدأُ بالأشياءِ المعنويَّةِ لأنها أهمّ ، وهذه المعنويَّة تتمثَّل أوَّلاً في محبَّتهم وتوقيرِهم وتقديرِهم و تقديمهم و احترامِهم ، كلُّ هذا لقُربِهم منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فإكرامُنا لهم هو إكرامٌ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 ويُكْرَمُ شيخُ القبيلةِ فَتُكْرَمُ  القبيلةُ كلُّها ، ويُكْرَمُ فردٌ منَ القبيلةِ إكراماً لهذا الشَّيخِ
ولأجلِ عينٍ ألفُ عينٍ تُكْرَمُ
 فنُكْرِمُ هذا الجيلَ أو هذه المجموعةِ لقُربِهم منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومحبَّتهِ لهم ومحبَّةِ الله لهم سبحانه وتعالى .
 والفرقُ في كلامِنا عن آلِ البيتِ وعن أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في مسألةٍ مهمَّةٍ جِدّاً ألا وهي أنَّ أصحابَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم غيرُ موجودين الآن ، عاشوا في فترةٍ معيَّنةٍ وانتهى دورُهم في هذه الحياةِ .
 أمَّا آلُ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فينقسمون إلى قسمين :
* إلى قسمٍ تُوُفِّيَ وقضى نَحْبَهُ
*وإلى قسمٍ ما زالَ موجوداً وسيستمرُّ موجوداً إلى أنْ يشاءَ الله تباركَ وتعالى
فهذا فرقٌ جوهريٌّ في كلامِنا عن أصحابِ النبيِّ وعن آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، أنَّ أصحابَه مَنِ التقَوا به أمَّا آلُ بيتهِ كلُّ مَنْ يمتُّ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بصلةِ قرابةٍ إلى يومِنا هذا ؛ إلى أنْ يشاءَ الله جلَّ وعلا .
فأوَّل حقٍّ لآلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم منَ الحقوقِ المعنويَّةِ هو حقُّ محبَّتِهم وتوقيرِهم وتقديرِهم واحترامِهم وتقديِمهم على غيرِهم في المجالسِ وغيرِها ، وهذا اتِّباعاً لوصيَّةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عندما قالَ : " أذكِّرُكم اللهَ أهلَ بيتي ، أذكِّرُكم الله أهلَ بيتي ،  أذكِّرُكم الله أهلَ بيتي " .
فنبَّه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على أهميَّةِ رعايةِ هذه الأسرةِ التي تنتسبُ إلى هذا النَّسَبِ الشَّريفِ ، وجاءَ في الحديثِ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قالَ لعليٍّ ( خاصة ) رضيَ الله عنه : " إنه لا يحبُّك إلا مؤمنٌ ولا يُبغضُك إلا منافقٌ " .
فلأجلِ هذا نحن نحبُّ آلَ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم سواء كانَ عليّاً أو فاطمة أو العباس أو ابن عباس أو أزواج النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وغيرهم .
وقد ذكرنا في المحاضرةِ السَّابقةِ أنَّ آلَ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هم كلُّ مَنْ ينتسبُ إلى هاشم ..كلُّ مَنْ يرجعُ نسبُه إلى هاشم هم آلُ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
  وقلنا إنَّ نَسَبَ هاشم يرجعُ إلى عبد المطَّلب ، ونَسَبُ عبد المطَّلب  يرجعُ إلى أربعةٍ : إلى العباس ، وإلى الحارث ، وإلى أبي طالب ، وإلى أبي لهب الذي هو عبد العُزَّى ، هؤلاء الأربعة منْ أولادِ عبد المطَّلب هم الوحيدون الذين ما زالَ لهم  نَسْلٌ ، أمَّا جميعُ وَلَدِ عبد المطَّلب : عبد الله والزُّبير وحجل وعبد الكعبة وضرار والمقوِّم والحمزة كلّ هؤلاء انقطعَ نَسْلُهم  ، وإنما بقيَ نَسْلُ أربعةٍ منْ أولادِ عبد المطَّلب وهم كما قلنا : أبو طالب والعباس والحارث وأبو لهب ، هؤلاء ما زالَ نَسْلُهم موجوداً .
فكلُّ مَنِ انتسبَ إلى واحدٍ منْ هؤلاءِ الأربعةِ فإنه منْ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم .
وقلنا كذلك آل بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يدخلُ فيهم أزواجُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فأزواجُ النبيِّ منْ آلِ بيتهِ كما في قولنا في التَّشَهُّد : " اللَّهم صَلِّ على محمَّد وعلى آلِ محمَّد " ، وفي الصَّحيحين : " اللَّهم صَلِّ على محمَّد وعلى أزواجهِ وذُرَّيتهِ " .
فدلَّ على أنَّ هؤلاءِ منْ أهلِ بيتهِ ، وهذا هو أصلُ الكلمةِ كما ذكرنا ذلك في المرَّة السَّابقةِ .
إذًا هذا هو منْ حيثُ التَّعريف وقد فصلناه .
إذًا المحبَّةُ لهم والتَّقديرُ والتَّوقيرُ .
يقولُ ابنُ تيمية رحمه الله تباركَ وتعالى : يجبُ محبَّتهم وموالاتُهم ورعايةُ حقوقِهم ، وهذان الثَّقلان اللذان وصَّى بهما النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم "
 في الحديثِ الذي ذكرناه قريباً وهو عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " إني تاركٌ فيكم ثقلينِ " ثم قالَ : " أوَّلهما كتاب الله " ، فذكَّر بكتابِ الله وأمرَ بالتَّمَسُّك به وحَثَّ عليه ، ثم قالَ :" وأهل بيتي ، أُذكِّرُكم الله أهلَ بيتي ، أُذكِّرُكم الله أهلَ بيتي ، أُذكِّرُكم الله أهلَ بيتي  " .
فالقرآنُ ثقلٌ وأهلُ البيتِ الثقل الآخر .
يقولُ القرطبيُّ رحمه الله : وجوبُ احترامِ أهله وإبرارِهم وتوقيرِهم ومحبَّتِهم وجوب الفُروضِ المؤكَّدة .
يعني هذا واجبٌ ليس منَ السُّنَنِ .. ليس منَ المستحبَّات إنْ فعلَه الإنسانُ أُجِرَ وإنْ لم يفعلْه لم يأثم ، لا .. بل واجبٌ .. محبَّةُ آل النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  منَ الأمورِ الواجبةِ التي إذا قصَّر فيها الإنسانُ أَثِمَ على هذا الفعلِ .
 ولذلك قالَ أبو بكر رضيَ الله عنه بعد أنْ سمعَ قولَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " أُذكِّرُكم الله أهلَ بيتي "
قالَ أبو بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه : والذي نفسي بيدهِ لَقَرَابَةُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أحبُّ إليَّ أنْ أَصِلَ منْ قرابتي .
يقدِّم قرابةَ النبيِّ على قرابةِ نفسهِ ، وهكذا يجبُ علينا نحن جميعاً أنْ تكونَ قرابةُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الأحياء منهم والميِّتين .. أنْ يكونوا أحبَّ إلينا منْ قراباتِنا الذين ينتسبون وننتسبُ إليهم .
ويقولُ الحافظُ ابنُ كثيرٍ رحمه الله تباركَ وتعالى : لا نُنكرُ الوصايا بأهلِ البيتِ والأمرِ بالإحسانِ إليهم واحترامِهم وإكرامِهم فإنهم منْ ذُرِّيةٍ طاهرةٍ .. مِنْ أشرفِ بيتٍ وُجِدَ على وجهِ الأرضِ فَخْراً وحَسَباً ونَسَباً  ولا سيَّما إذا كانوا متَّبعين للسُّنةِ النبويَّةِ الصَّحيحةِ الواضحةِ الجليَّةِ كما كانَ عليه سلفُهم كالعباس وبنيهِ وعليّ وأهلِ بيتهِ وذُرِّيتهِ .
 إذًا هذه القضية الأولى أو هذا هو الحقُّ الأوَّل ، وهو حقٌّ معنويٌّ محبَّتهم وذِكْرهم بكلِّ خيرٍ وتوقيرهم وتقديرهم واحترامهم .
وهذا بالنِّسبةِ لمنْ سَلَفَ يكونُ بالحبِّ والثَّناءِ والذِّكْرِ الحَسَنِ ، أمَّا بالنَّسبةِ لمنْ هو يعيشُ معنا في زمانِنا هذا فإننا نحبُّهم لقرابتِهم منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. نقرِّبهم .. نقدِّمهم .. نقدِّم حاجاتهم على حاجاتِ غيرهم .. إذا كانوا معنا في المجالسِ  يُصدَّرون في المجالسِ لقُربِهم منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. يُقدَّمون في الإطعامِ .. في الشَّرابِ .. في غيرِ ذلك منَ الأمورِ .. إذا كانتْ لهم حاجاتٌ تُسَدُّ هذه الحاجاتُ .
كلُّ هذا إكراماً لهذا الرَّجُلِ الذي له فضلٌ علينا جميعاً صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
هذا الحقُّ الأول المعنويُّ .
الحقُّ الثاني : الصَّلاة عليهم
وذلك أنَّ الله تباركَ وتعالى قالَ في كتابهِ العزيزِ : " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56) " سورة الأحزاب .
أصحابُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم جاؤوا إليه ، ككعب بن عجرة وأبي حُمَيْد السَّاعدي  وغيرهم منْ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
أتوا إليه فقالوا : يا رسولَ الله عرفنا كيف نسلِّم عليك فكيف نصلِّي عليك ؟
لأنَّ الله يقولَ : "  صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً " فجاؤوا يستفسرون عن هذه الصَّلاةِ .
قالوا : كيف نُصلِّي عليك ؟
قالَ : قولوا : اللَّهمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آلِ محمَّد كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم ، اللَّهمَّ باركْ على محمَّد وعلى آلِ محمَّد كما باركتَ على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم "
فإذاً منْ حقِّهم علينا أنْ نُصلِّيَ عليهم ، فإذا صلَّينا على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قلنا صلَّى الله عليه وآلهِ وسلَّم ، أو صلَّى الله عليه وعلى آلهِ وصحبهِ ، أو صلَّى الله عليه وعلى أزواجهِ وذُرِّيتهِ ، أو نقولُ الصَّلاة الإبراهيميَّة كاملةً ، اللَّهمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آلِ محمَّد كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم ، اللَّهمَّ باركْ على محمَّد وعلى آلِ محمَّد كما باركتَ على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم .. المهم أننا نُصلِّي عليهم .
ولذلك قالَ بعضُ أهلِ العِلْمِ :
يا آلَ بيتِ رسولِ الله حُبُّكمُ *** فرضٌ منَ الرَّحمنِ في القرآنِ أنزلَهُ
يكفيكمُ فَخْراً عند اللهِ أنكمُ ***  مَنْ لم يُصَلِّ عليكم لا صلاةَ لهُ
 
وهذه مسألةُ خِلافيَّةٌ بين أهلِ العِلْمِ ؛ قضيَّة الصَّلاة على النبيِّ وآلهِ هل هي ركنٌ منْ أركانِ الصَّلاةِ أو ليس كذلك ؟
بعضُ أهلِ العِلْمِ قالَ : إنَّ الصَّلاةَ على النبيِّ وحدَه تكفي ، لو قلتَ مثلاً في التَّحيَّات " التَّحيَّات لله والصَّلوات والطَّيِّبات ، السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله  وبركاته ، السَّلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصَّالحين أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه .. اللَّهمَّ صَلِّ على محمَّد "
 قالوا : يكفي  .
وقالَ بعضُ أهلِ العِلْمِ : لا يكفي حتى تقولَ :  اللَّهمَّ صَلِّ على محمَّد  وعلى آلِ محمَّد ..  معه .
فالقصدُ إذاً أنَّ الصَّلاةَ عليهم مِنْ حقِّهم علينا .. أنْ نُصلِّيَ عليهم إذا ذكرناهم  أو ذكرنا النبيِّ صلَّى الله عليه و آلهِ و سلم .
هذا بالنِّسبةِ للحقوقِ المعنويَّةِ ..  الحبُّ ، التَّقديرُ ، الذِّكْرُ الحَسَنُ ، الثَّناء ، ومعرفة فضلِهم ومكانتهم وقدرِهم ونسبِهم الذي ينتسبون به إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أو إلى هاشم كما قلنا .
 
*- الحقوق الأخرى هي حقوقٌ ماليَّةٌ ..
حقوقٌ ماليَّةٌ ، وهذه الحقوقُ الماليَّةُ تنقسمُ إلى قسمين : الزَّكاة والخُمس
الله تباركَ وتعالى أكرمَ هذه الأسرةَ بأنْ حرَّم عليها الزَّكاةَ .
 ولذلك قالَ أهلُ العِلْمِ : تحريمُ الزَّكاةِ عليهم لا مِنْ بابِ الحرمانِ بل منْ بابِ الإكرامِ .
يعني ما حرَّم الله عليهم الزَّكاةَ حرماناً وإنما حرَّم عليهمُ الزَّكاةَ إكراماً ، لأنَّ الله تباركَ وتعالى يقولُ : " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا (103)" سورة التوبة .
 فالزَّكاةُ إذا أُخْرِجَتْ منَ المالِ طَهُرَ ، وإذا لم تُخْرَجْ منَ المالِ خَبُثَ هذا المالُ ، فهذه إذاً التي هي اثنان ونصف في المئة ، هذه إذا بقيتْ في المالِ خَبُثَ هذا المالُ ، وإذا أُخْرِجَتْ مِنَ المالِ زَكَا هذا المالُ وطَهُرَ .
إذاً عندما نُخْرِجُها يَطْهُرُ المالُ .
إذًا ما هي هذه التي أخرجناها ؟؟
يقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " هذه أوساخُ النَّاسِ"
أوساخُ النَّاسِ
لأنها إذا أُخْرِجَتْ طَهُرَ المالُ وإذا بقيتْ خَبُثَ المالُ ، فهي أوساخٌ يُخْرِجُها النَّاسُ منْ أموالهم حتى تَطْهُر .
الله تباركَ وتعالى أكرمَ هذه الأسرةَ بأنها لا تأخذُ أوساخَ النَّاسِ .. لا تأخذُ أوساخَ النَّاسِ ، إكراماً لها .
ولذلك النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ عن الصَّدَقَةِ :" لا تحلُّ لمحمَّدٍ ولا لآلِ محمَّدٍ " ، وقالَ : " إنما هي أوساخُ النَّاسِ " .
ولما جاءَ الفضلُ بنُ العبَّاسِ والمطَّلب بنُ ربيعةَ بنِ الحارث بنِ عبد المطَّلب - وهما أبناء عمِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم – جاءا يسألان النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يجعلَهما منَ العاملينَ على الزَّكاةِ  ليأخذوا منَ الزَّكاةِ .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " إنها لا تحلُّ لمحمَّدٍ ولا لآلِ محمَّدٍ " وقالَ : " إنما هي أوساخُ النَّاسِ " .
ولما أرادَ الحَسَنُ بنُ عليّ أنْ يأخذَ تمرةً منَ الصَّدقةِ أخذَها منه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقالَ : " إنها لا تحلُّ لمحمَّدٍ ولا لآلِ محمَّدٍ " .
فإذاً محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم وآلُ بيتهِ سواءً كانَ هؤلاءِ منْ نسائهِ أو منْ أقاربهِ فلا تحلُّ لهم الزَّكاةُ ، منْ بابِ الإكرامِ لا منْ بابِ الحِرمانِ فتَحْرُمُ عليهمُ الزَّكاةُ .
واختلفَ أهلُ العِلْمِ مَنِ الذين تَحْرُمُ عليهمُ الزَّكاةُ ؟
بعضُ أهلِ العلمِ أو أكثرُ أهلِ العلم على عن أنهم بنو هاشم .
بعضُ أهل العلمِ أدخلَ مع بني هاشم بني المطَّلب لأنهم أبناءُ عمومةٍ لبني هاشم لأنَّ المطَّلب أخو هاشم .
والصَّحيحُ الذي عليه أكثرُ أهلِ العِلْمِ أنَّ هذا خاصٌّ ببني هاشم ، هم الذين تَحْرُمُ عليهم الزَّكاةُ .
طيِّب ..
حَرُمَتْ عليهمُ الزَّكاةُ
 طيب ..
الصَّدقةُ ؟؟ التي هي صدقةُ التَّطَوُّع  ليستِ الزَّكاةُ ؟؟؟
لأنك تُخْرِجُ مالكَ على ثلاثةِ أصنافٍ :
إمَّا أنْ تُخْرِجَ زكاةً
وإمَّا أنْ تُخْرِجَ صدقةً
وإمَّا أنْ تُخْرِجَ هديَّةً
*- الزَّكاةُ أمرٌ واجبٌ تُخْرِجُهُ منْ مَالِكَ ، وتُعطى لثمانيةِ أصنافٍ ذكرَهمُ الله تباركَ وتعالى في كتابهِ : " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ .....(60) " سورة التوبة . هؤلاء أهلُ الزَّكاةِ .
 
*- ثم هناك الصَّدقةُ التي هي الصَّدقة غير الواجبة .. الصَّدقة المستحبَّة .. التَّبرُّعات نسمِّيها ، هذه يجوزُ تعطيها لأيِّ أحدٍ حتى للكافر .
ولذلكَ قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " في كلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجرٌ " بل حتى تُعطي للحيوان ، هذه هي صدقةُ التَّطَوُّع تُعطى لكلِّ أحدٍ .
 
*- الثالثة الهديَّة ، والهديَّة هذه عادةُ الإنسانِ يُعطيها ليتقرَّب منْ إنسانٍ  يحبُّه فيعطيه هذه الهديَّة منَ المالِ أو غيرهِ .
بالاتِّفاق أنَّ الهديَّة تجوزُ لمحمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ ، وبالاتِّفاق أنَّ الزَّكاةَ محرَّمةٌ على محمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ .
بقيَ النِّصفُ وهي الصَّدقةُ هذه ، صدقةُ التَّطوُّع أو التَّبرُّع هذه ، هل تجوزُ لمحمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ أو لا تجوزُ ؟
أمَّا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم فالصَّحيحُ أنها لا تحلُّ له صلَّى الله عليه وسلَّم ، ولذلك لما جاءَ سلمانُ الفارسيُّ لِيُسْلِمَ 
قالوا له : لهذا النبيُّ له ثلاثُ صفاتٍ منها أنه لا يقبلُ الصَّدَقَةَ أو لا يأكلُ الصَّدقةَ ويأكلُ الهديَّةَ .
 فجاءَ سلمانُ يختبرُ ، فأعطى النبيَّ طعاماً .
فقالَ له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : ما هذا الطَّعامُ ؟
قالَ : صَدَقَة .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابهِ : تعالوا فكُلُوا .
ولم يأكلْ صلَّى الله عليه وسلَّم
فقالَ سلمانُ : هذه واحدةٌ .
ثم جاءَ بعد أيامٍ وقدَّم للنبيِّ طعاماً
فقالَ له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : ما هذا الطعامُ ؟
قالَ : هديَّة .
فأكلَ منه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ودعا أصحابَه فأكلُوا
فقالَ : هذه الثَّانيةُ .
إذاً النبيُّ لا يأكلُ الصَّدقةَ صلَّى الله عليه وسلَّم وإنْ كانتْ مستحبَّةً ليستْ واجبة ، لكنه لا يأكلُها صلَّى الله عليه وسلَّم .
 طيب ..
آل بيتهِ هل هم كحالهِ أو لا ؟
اختلفَ أهلُ العِلْمِ
جمهورُ أهلِ العِلْمِ على أنَّ الصَّدقةَ تحلُّ لآلِ البيتِ وإنما تحرمُ عليهم الزَّكاةُ الواجبةُ ، أمَّا الصَّدقةُ فيجوزُ أنْ يأخذوا منها .
 وذهبَ بعضُ أهلِ العِلْمِ كأبي حنيفة وغيره أنه تحرمُ عليهم حتى الصَّدقةُ اقتداءً بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
والأظهرُ والعِلْمُ عند الله تباركَ وتعالى أنَّ
*- الصَّدقة المفروضة وهي الزَّكاة لا تحلُّ للنبيِّ ولا لآلِ بيتهِ .
*- الصَّدقة المستحبَّة التي هي تبرعُ لا تحلُّ للنبيِّ و تحلُّ لآلِ بيتهِ .
*-الهديَّة تحلُّ للنبيِّ وآلِ بيتهِ صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
 
متى يأخذون منَ الزَّكاةِ ؟
قالَ أهلُ العِلْمِ : يأخذون منَ الزَّكاةِ إذا احتاجوا .
طيب ..
آل بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليس بالضَّرورةِ يكونون كلّهم أغنياء كما أنَّ عامَّة النَّاسِ فيهم الغنيّ وفيهم الفقير ، كذلك آل بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيهم الغنيُّ وفيهم الفقيرُ فكيف يفعلون إذا احتاجوا إلى المالِ وهم فقراء ؟
قالَ بعضُ أهلِ العِلْمِ : يأخذون منَ الزَّكاةِ إذا لم يجدوا سبيلاً آخرَ .
مع أنَّ الواجبَ أنْ يُغْنَوا .. يعني يجبُ على وليِّ أمرِ المسلمين أنْ يُغنيَهم .
يعني في الكويت عندنا مثلاً يجبُ أنْ يكونَ تخصيصٌ منْ وزارةِ الماليَّةِ لهذه الأُسَرِ إذا ثبتتْ أنسابُها ؛ أنهم إذا احتاجوا يأخذون منها ولا يلجؤون إلى الزَّكاةِ إكراماً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لا يأخذون منَ الزَّكاةِ وإنما يُصْرَفُ لهم منْ بيتِ المالِ مبلغاً وقَدْرُهُ حتى لا ينزلوا إلى الزَّكاةِ ، لكنْ إذا احتاجوا ولم يُصْرَفْ لهم منْ بيتِ المالِ .
طيب ماذا يفعلون ؟
يموتون ؟
لا .. يأخذون منَ الزَّكاةِ .. عند ذلك يجوزُ لهم أنْ يأخذوا منَ الزَّكاةِ .
 وإنْ كانَ  بعضُ أهلِ العِلْمِ قالَ : يأخذُ بعضُهم منْ زكاةَ بعضٍ .
يعني يأخذون منْ زكاةِ بني هاشم وليس منْ زكاةِ عامَّة النَّاسِ ، أصلاً هذا الكلامُ لا دليلَ عليه ، والصَّحيحُ أنهم إذا حرموا .. يعني منْ بيتِ المالِ لم يُعطوا حقَّهم فإنهم يأخذون  منَ الزَّكاةِ ولا شيءَ عليهم .
طبعاً الله تباركَ وتعالى لما حرَّم عليهمُ الزَّكاةَ أعطاهمُ البَدَلَ .. أعطاهم البديلَ وهو ما يُسَمَّى بالخُمس ، وهذا الخُمسُ يكونُ في الجهادِ .. هذا الخُمسُ يكونُ في الجهادِ .
 يقولُ الله تباركَ وتعالى : " وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْء فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ .....  (41) " سورة الأنفال .
 
هؤلاء خمسة ، خمسة أصناف " وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْء فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ " هذا خمس " وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ " .
 ويقولُ في الآيةِ الأخرى : " مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ....(7) " سورة الحشر  .
فالله تباركَ وتعالى جعلَ ذوي القربى لهم نصيباً في الخُمسِ .
 وذلك أنَّ المسلمين إذا جاهدوا في سبيلِ الله تباركَ وتعالى يغنمون .. تكونُ هناك غنيمة .
 هذه الغنيمةُ تُقَسَّمُ إلى خمسةِ أخماسٍ .. الغنيمةُ في الجهادِ تُقَسَّمُ إلى خمسةِ أخماسٍ ، أربعةِ أخماسٍ التي هي ثمانون في المئة تُقَسَّمُ على الذين شاركوا في القتالِ .. الجندُ الذين شاركوا في القتالِ .
يبقى خُمُسٌ الذي هو عشرون في المئة .. هذا الخمسُ الذي هو عشرون في المئةِ يُقَسَّمُ خمسةِ أخماسٍ : لله والرسولِ خمسٌ ، لذوي القربى خمسٌ ، لليتامى خمسٌ ، للمساكين خمسٌ ، لابنِ السَّبيلِ خمسٌ .. يعني أربعة بالمئة ، أربعة بالمئة ، أربعة بالمئة ، أربعة بالمئة ، أربعة بالمئة ، فهذه الأربعةُ بالمئةِ تُغنيهم عن الزَّكاةِ .. الأربعة بالمئة هذه التي هي خمس الخُمس تُغنيهم عن زكاةِ النَّاسِ ، ويكونون بذلك غير محتاجين لأموالِ النَّاسِ .
وهذا الخمسُ الذي هو أربعة بالمئة يُقَسَّمُ على آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ،كلُّ مَنْ أثبتَ نسبَه إلى هاشم فإنه يُعطى منْ هذه الأربعةِ بالمئةِ .
وعندما يُعْطَون منْ هذه الأربعةِ بالمئةِ يُعطى الذَّكَرُ كالأنثى ، والصَّغير والكبير ، والغنيُّ والفقيرُ ، يعني لا تُعطى للفقراءِ منهم ، يعني هذه الأربعة بالمئة أحياناً تصلُ ملايين أو دون أو حول .. يعني حَسَب المبلغ الذي غنمناه في الجهادِ .
فهذه المبالغُ تُوْضَعُ في مكانٍ ثم تكونُ أسماءُ أقاربِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  منْ آلِ بيتهِ معروفةً فينادَون بأسمائِهم للرِّجالِ والنِّساءِ ، الذُّكور والإناث ، الصِّغار والكبار ، الأغنياء والفقراء ، يُعْطَون منْ هذا الخُمس حتى يُغْنَوا عن الزَّكاةِ وغيره ، وهذا منْ حقِّهم .
وكانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لما أتاه خمس خيبر قسَّمَه على أقاربهِ .
الخمس هنا .. ذكرَ أكثرُ أهلِ العِلْمِ أنه لا يُقَسَّمُ على بني هاشم فقط وإنما يُقَسَّمُ على بني المطَّلب أيضاً .
 وذلك أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لما جاءَه خمسُ خيبر أعطى بني هاشم وأعطى بني المطَّلب ، وبنو المطلب غير عبد المطلب ، المطَّلب عمّ عبد المطَّلب أخو هاشم .
فالمهمّ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أعطى بني هاشم وأعطى بني المطَّلِب .
طبعاً بنو المطَّلب منهم الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى ، يقالُ له الإمام المطَّلبيّ لأنه ينتسبُ إلى المطَّلب أخي هاشم ، فالشَّاهدُ أنَّ  النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أعطى بني المطَّلب وأعطى بني هاشم .
 فجاءَ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عثمان بن عفان  وجبير  بن مُطْعِم .
جبير بن مطعم يرجعُ نسبُه إلى نوفل  .. جبير بن مطعم يرجعُ نسبُه إلى نوفل
عثمان بن عفان يرجعُ نسبُه إلى  عبد شمس .
عبد شمس ونوفل وهاشم والمطَّلب أخوان .. إخوة .. كانوا أربعة إخوة ، إذاً المطَّلب وهاشم وعبد شمس ونوفل إخوة .
عبد شمس والمطَّلب وهاشم أشقَّاء .
ونوفل أخوهم مِنْ أبيهم .
لكن إخوة .. أربعة أخوة .
فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أعطى بني هاشم وأعطى بني المطَّلب ولم يعطِ بني عبد شمس  ولم يعطِ بني نوفل .
عثمان منْ بني عبد شمس وجبير بن مطعم من بني نوفل فأتيا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 قالا : يا رسولَ الله ، جاءتك هذه الأموالُ أعطيتً بني هاشم ..لا تتكلَّم يعني هؤلاء أقربُ لك نَسَباً ، ولكنْ أعطيتَ بني المطَّلب ونحن والمطَّلب سواء .. نحن وبني المطَّلب سواء ، ما فيه فرقٌ بيننا وبين المطَّلب ، فقالَ له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " لا .. إنَّ بني هاشم والمطَّلب لم يفترقوا في جاهليَّة ولا إسلام " ، وشَبَّكَ بين أصابعهِ صلَّى الله عليه وسلَّم .
لماذا ؟ لأنَّ بني المطَّلب حتى قبل الإسلام ، لما قُوْطِعَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم المقاطعةَ المشهورةَ التي استمرَّت ثلاثَ سنواتٍ ؛ لما خرجَ بنو هاشم والمسلمون إلى شِعْبِ أبي طالب لمدَّة ثلاثِ سنواتٍ أكلوا ورقَ الشَّجَرَ .. حتى نقضت الصَّحيفة ،  في القِصَّةِ المشهورةِ في السِّيرةِ ، لما خرجتْ بنو هاشم خرجَ المسلمون والكفار منْ بني  هاشم منْ باب فزعة لأبناءِ عمومتِهم .. فزعة للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فخرجتْ بنو هاشم كلُّها ما عدا أبي لهب عمِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  مع أنه منْ بني هاشم لم يخرج ، وخرجَ بنو المطَّلب مؤمنُهم وكافرُهم كذلك مع بني هاشم ، أما بنو عبد شمس وبنو نوفل خرجَ المسلمون منهم فقط ولم يخرجِ الكفَّارُ منهم
فعلاقةُ هاشم مع المطَّلب أقوى منْ علاقةِ نوفل وعبد شمس معهما .
فلذلك النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لما جاءَ خمسُ خيبر أعطى بني هاشم وأعطى بني المطَّلب وقالَ : " لم   يفترقوا في جاهلية ولا إسلام " .
ولذلك يقولُ أهلُ العِلْمِ : أعطي بني هاشم لقرابتِهم وأعطي بني المطلب لنصرتِهم .
يعني لو كانَ أعطاهم للقرابةِ كانَ أعطى بني عبد شمس وأعطى بني نوفل ، لأنَّ القرابةَ واحدةٌ ، ولكنْ قدَّمهم لنصرتِهم ، لأنهم نصروا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم  وإنْ لم يُؤمنوا به صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
إذًا الحقُّ  الماليُّ الذي لهم هو الخمسُ
 نؤكِّد
*- الحقّ الأوَّل معنويّ وينقسمُ إلى قسمين
 توقيرهم واحترامهم وذكرهم بكلِّ حَسَنٍ
ثم الثاني وهو الصَّلاة عليهم .
*-  الحقّ الماليّ ينقسم إلى قسمين
حقّ حرمان وهو الزَّكاة إكراماً لهم
والثاني حقّ عطاء وهو الخمسُ في الغنائم ، وقلنا هو خمسُ الخمسِ .
طيب ..
مَنْ الذي يُعْطَى ؟؟؟
أو كما يقالُ : ما شروطُ الاستحقاقِ ؟؟
هل كلُّ مَنْ هَبَّ ودَبَّ يأخذُ ؟؟؟
 أو هناك شروطٌ للاستحقاقِ ؟؟؟
 
هناك شرطان أساسيَّان
*الشَّرط الأوَّل : الإسلام ، أنْ يكونَ مسلماً .
يعني لو جاءَنا إنسانٌ وأثبتَ نسبَه إلى هاشم مثلاً ..سواء الحارث أو أبي لهب أو أبي طالب أو العباس ، وأثبتَ هذا النَّسَبَ ولكنه كافرٌ لا يُؤمنُ بالله تباركَ وتعالى ، لا يُعْطَى ، لا حقّ الاحترام ولا التَّقدير ولا التَّبجيل ولا التَّقديم ولا الصَّلاة ولا الخُمس .. أبداً .. لأنه لا بُدَّ لمنْ يستحقُّ هذا الحقَّ أنْ يكونَ مسلماً ، أنْ يكونُ موحداً لله تباركَ وتعالى .
ولذلك ما نفعتْ أبا لهب قرابتُه منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 إذًا لا بُدَّ منَ الإسلام ، والله تباركَ وتعالى لو ترون في كتابهِ العزيزِ ما ذكرَ أحداً باسمهِ ذمّاً غير أبي لهبٍ ممنْ عاصرَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع امرأته : " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (4)" سورة المسد  .
وذلك أنَّ هؤلاء لقرابتهم منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يجبُ أنْ يكونوا  قدوةً .
ولذلك الله تباركَ وتعالى لما ذكرَ نساءَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ : " يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ...(30) " سورة الأحزاب  .
لماذا ؟؟
لأنك غير .. أنتِ غير
" يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ(32) " سورة الأحزاب .
فقرابةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم غير .
ولذلك قالَ الحسنُ بنُ عليّ - وقيلَ إنه الحسن بنُ الحسن بنِ عليّ بنِ أبي طالب - أيّاً كانَ المهم أنه قالَ : أحبُّونا لله ، فإنْ أطعنا الله فأحبُّونا ، وإنْ عصينا الله فأبغضونا ، لو كانَ اللهُ نافعاً لقرابةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بغيرِ عملٍ لنفعَ بذلك مَنْ هو أقرب إليه منَّا - يعني أبا لهب - والله إني أخافُ أنْ يُضَاعِفَ الله المعاصي عليَّ ضعفين "
يعني في العذاب .
لماذا ؟
لأنه يجبُ أنْ يكونَ أبعدَ و أنزهَ و أتقى لقرابتهِ منَ النبيِّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم .
إذاً
*-  الشَّرط الأوَّل للاستحقاق : هو الإسلام ، أنْ يكونَ مسلماً .
طيب .. إنْ كانَ مسلماً فاسقاً ، عنده معاصي .. عنده تقصير .. عنده كذا ؟
نحبُّه بقدرِ إيمانهِ ونُبغضُه بقدرِ فِسْقِهِ ، ونُقدِّره لقرابتهِ منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
*الشَّرط الثاني للاستحقاق : هو ثبوت النَّسَب
 يعني ليس كلّ مَنْ جاءَ وادَّعى قالَ أنا منْ أقاربِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أو أنا يرجعُ نسبي إلى أبي طالب أو إلى أبي لهب أو إلى العباس أو إلى الحارث نقولُ له تم !
صحيح النَّاس مؤتمنُّون على أنسابِهم ، هذا أصل .. النَّاسُ مؤتمنون على أنسابِهم ، ولكن هذا النَّسَب الشَّريف مَنِ ادَّعاه يجبُ عليه أنْ يُثْبِتَ بهذه الدَّعوى الأدلَّة لينالَ الإكرامَ والتَّقدير ثم بعد ذلك ينال الخمس أو العطاء منْ بيتِ المالِ إذا كانَ يحتاجُ وهو منْ أهلِ الزَّكاةِ .
ولذلك يقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " ليسَ منْ رجلٍ ادَّعى لغير أبيه وهو يعلمُه إلا كفرَ بالله ، ومَنِ ادَّعى قوماً ليسَ له فيهم نسبٌ فليتبوَّأ مقعده منَ النَّارِ "
فالقضيَّةُ حرجةٌ جِدّاً .
ولذلك الإمام مالك رحمه الله تباركَ وتعالى قالَ : " مَنِ انتسبَ إلى بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وليس كذلك فإنه يضربُ ضرباً وجيعاً ويُشَهَّر ويحبس طويلاً حتى تظهر توبتُه لأنه استخفافٌ بحقِّ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم " ،  هكذا يقولُ الإمامُ مالك رحمه الله تباركَ وتعالى .
إذًا شرطان :
 الأوَّل : الإسلام ثم ثبوت النَّسب ، هذا بالنِّسبةِ لحقوقِ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
أمَّا حقوقُ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
فأوَّلاً : محبَّتهم
الله تباركَ وتعالى يقولُ في كتابهِ العزيز : " لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) " ، سورة الحشر
ثم قالََ :" وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) " ، سورة الحشر
 ثم قالَ : " وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) " ، سورة الحشر
إذاً مَنْ جاءَ بعد أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم الذين ذُكروا بالآيتين الأوليين يجبُ أنْ يقولَ هذا الكلامَ : " وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا "
فإنْ لم يجعلْ في قلوبنا غِلا فما هو بدل الغِلّ ؟
الحبّ ..
لذلك يجبُ أنْ نحبَّ أصحابَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم سواء كانوا منْ أهلِ بيتهِ أو منْ غيرِ أهلِ بيتهِ .
وقالَ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الأنصارِ : " الأنصار حبُّهم إيمانٌ وبُغضُهم نفاقٌ
إذاً لا بُدَّ أنْ نحبَّ أصحابَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فإذا كانَ المهاجرون أفضل منَ الأنصار فحبُّهم منْ باب أولى .
كذلك لا بُدَّ أنْ نعرفَ لهم قَدْرَهم  وفَضْلَهم لأنهم نقلةُ الكتابِ والسُّنةِ .. فهمُ الذين نقلوا لنا الكتابَ والسُّنةَ .
كيف أكرمَنا الله بالكتابِ ؟
كيف أكرمَنا الله بالسُّنة ؟
عن طريق هؤلاء .. هم الذين أوصلوا هذا الخيرَ لنا ... أوصلوه للتابعين ..  أوصلوه لأتباع التابعين .. أوصلوه لأتباع أتباع التابعين .. ولمنْ بعدهم ، وهكذا حتى وصلَ إلينا هذا الخيرَ .
فلا بُدَّ أنْ نعرفَ لهم فضلَهم وقَدْرَهم حيثُ إنَّ لهم علينا فضلاً عظيماً .
كذلك أنْ نَذُبَّ عنهم وأنْ نردَّ على كلِّ مَنْ أرادَ أنْ يطعنَ فيهم لأنَّ الطَّعْنَ فيهم في النهايةِ هو طعنٌ في الدِّين الذي نقلوه ؛ ليس طعناً فيهم لذاتهم وإنما هو طعنٌ في الدِّين الذي نقلوه .
لماذا ؟؟
لأننا إذا قلنا إنهم كفَّار أو فَسَقَة أو فجَّار أو أو أو غيرها منَ الألفاظِ القبيحةِ .. إذا قلنا أنهم بهذا الوصفِ السيئ إذاً كيف يُؤتمنون على القرآن والسُّنة ؟؟؟!!!!
لا نأتمنُهم على القرآن والسُّنة إذا كانوا سيِّئين .
بل ائتمنَّاهم وائتمنَهم الله جلَّ وعلا قبلنا على الكتابِ والسُّنة لأنهم أمناء .
ولذلك يقولُ أبو زرعة الرَّازي رحمه الله تباركَ وتعالى : إذا رأيتَ الرَّجُلَ ينتقصُ منْ أصحابِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فاعلمْ أنه زنديق ، وذلك أنَّ القرآنَ عندنا حقٌّ والسُّنَن عندنا حقٌّ وإنما نقلَ لنا القرآنَ والسُّنَنَ أصحابُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وهؤلاء (يعني الطاعنين) يريدون أنْ يجرِّحوا شهودَنا.. النَّقَلَة .. الصَّحابة الذين نقلوا القرآنَ والسُّنة .. وهؤلاء يريدون أنْ يجرحوا شهودَنا .. لماذا ؟؟
ليُبطلوا القرآنَ والسُّننَ ، والجرحُ بهم أولى وهم زنادقة ( أي الذين يطعنون بأصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ) .
منْ حقِّهم علينا أنْ نذكرَهم بالثَّناءِ الحَسَنِ وأنْ نشكرَ لهم سَعْيَهم رضيَ الله عنهم وأرضاهم .
الكفّ عمَّا شجرَ بينهم لأنهم بشرٌ يُصيبون ويخطئون سواء كانوا منْ أصحابِ النبيِّ أو منْ آلِ بيتهِ .. يُصيبون ويخطئون فنكفّ ألسنتَنا
كما قالَ عمرُ بنُ عبد العزيز والشَّافعيّ وغيرهما : تلك فتنةٌ عصمَ الله منها سيوفَنا فلنعصمْ منها ألسنتَنا .
فنكفّ عما شجرَ بينهم ونقولُ : " تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(134)(141) " ، سورة البقرة
فلا نخوضُ في هذا إلا بخيرٍ أو نسكت ونكفّ ولا نتكلَّم في أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
بعد هذا كلّه فمَنْ جاءَنا اليومَ وتنقَّص أصحابَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أو آل بيتهِ وسبَّهم وتعرَّض لهم
فنقولُ : هؤلاء ينقسمون إلى قسمين : إذا كانوا منْ أصحابِ النبيِّ وآلِ بيتهِ ، يعني جمعوا الصُّحبةَ والقَرابةَ أو الصُّحبةَ فقط فهؤلاء لهم حُكْم ، ومَنْ جمعوا القرابةَ فقط ولم يكنْ لهم شرفُ الصُّحبةِ ممنْ هم في زمانِنا أو منْ قبلِ زمانِنا أو بعد زماننا هؤلاء أيضاً لهم حُكْمٌ آخر .
فمَنْ تشرَّف بصُحبةِ النبيِّ سواء كانَ منْ قرابتهِ أو منْ غيرِ قرابتهِ فهؤلاء لهم حُكْمٌ .
يقولُ القاضي عياض : نقطعُ بتكفيرِ كلِّ قائلٍ قولاً يتوصَّل به إلى تضليلِ الأُمَّةِ وتكفيرِ جميعِ الصَّحابةِ .
وذُكِرَ عند مالك رجلٌ يتنقَّصُ الصَّحابةَ رضيَ الله عنهم ..
 فقرأ الإمامُ مالك قولَ الله تباركَ وتعالى : " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ.....(29) " سورة الفتح .
" بِهِمُ ".." مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ "
 فقالَ الإمامُ مالك : فمَنْ أبغضَهم فقد كفرَ لأنَّ الله قالَ " لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ "  فلا يغتاظُ منْ أصحابِ نبيِّنا إلا الكفَّار .
وسُئِلَ الإمام أحمد عن رَجُلٍ يشتمُ أبا بكر وعمر وعائشة فقالَ : ما أراه على الإسلام .. ما أراه على الإسلام .
طيب ..
فما حُكْمُ سَبَّهم إذًا ؟
يقولُ أهلُ العِلْمِ : *- إذا قالَ بكفرِهم ، أطلقَ القولَ بِكُفْرٍ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم جملةً فهذا كافرٌ قولاً واحداً .
*- وإذا قالَ بِكُفْرِ أغلبِهم فهذا كافرٌ .
 *- وإذا قالَ بِكُفْرِ أبي بكرٍ وعمرَ وعليّ وعائشةَ كافرٌ بلا كلامٍ .
*- أو طعنَ في عرضِ أمَّهاتِ المؤمنين فهذا كافرٌ بلا كلامٍ .
لكنْ مَنْ سبَّهم بغيرِ هذا ..كانَ سَبَّ أبا بكر كان اتهمه بالزِّنا أو عمر بالسَّرقةِ أو بالجبنِ ، اتَّهمَ عليّاً بالخوفِ أو البُخْلِ أو غير ذلك ، اتَّهمَ غيرَهم منَ الصَّحابةِ .. المهم اتَّهمَ الصَّحابةَ بأشياءَ دون الكُفْرِ فما حُكْمُ هذا ؟
اختلفَ أهلُ العِلْمِ هنا
 فبعضُهم قالَ :كافر كسابقهِ .
وبعضُهم قالَ : فاسق وليس بكافرٍ ، وهذا هو الصَّحيحُ ، لأنَّ الله فرَّق
قالَّ الله تباركَ وتعالى عن الذين يُؤذون الرَّسولَ ، فقالَ :" إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) " سورة الأحزاب .
ولا يُذْكَرُ العذابُ المهينُ إلا للكفَّار ، فدلَّ على أنَّ مَنْ آذى الله ورسولَه  فإنه كافرٌ .
لكنْ لما ذكرَ أذيَّةَ المؤمنين - والصَّحابةُ على رأسِ هؤلاء المؤمنين - قالَ : " وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58) " سورة الاحزاب .
لم يذكرِ اللَّعنَ ولم يذكرِ العذابَ المهينَ .
ففرَّق .. فدلَّ على أنَّ سَبَّ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليس بِكُفْرٍ إلا إذا سَبَّ أمَّهاتِ المؤمنين بالزِّنا لأنَّ هذا سَبٌّ للنبيِّ ، لأنهنَّ عِرْضُ النبيِّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم .
فالقصدُ إذاً أنَّ بُغْضَ أصحابِ النبيِّ وبُغْضَ آلِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا شكَّ أنه نفاقٌ .
 ولذلك قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الأنصارِ : " الأنصار حبُّهم إيمانٌ وبُغضُهم نفاقٌ "
وقالَ عن عليّ : " لا يحبُّك إلا مؤمنٌ ولا يُبغضُك إلا منافقٌ " .
إذاً ما هو الواجبُ علينا ؟؟
الواجبُ علينا أنْ نُحِبَّهم ، وأنْ نُكْرِمَ ذِكرَهم ، وأنْ نذكرَهم بكلِّ خيرٍ ومَنْ عاشَ منهم اليوم منْ أقاربِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فنعرفُ لهم قَدْرَهم الذي ذكرناه لهم .
وأمَّا البُغْضُ والسَّبُّ فهذا ليس منْ دينِنا وللهِ الحمدُ والمِنَّةُ .
والله أعلى وأعلمُ ، وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على نبيِّنا محمَّد .
 
تم تفريغ الدروس بواسطة الأخوات
فاعلة خير و  نازك  و عبق
شبكة المنهج تحت إشراف الشيخ //:
عثمان بن محمَّد الخميس حفظه الله
 
 

الحلقة الثالثة من سلسلة آل البيت والصحابة
العلاقة بين آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمدُ لله ربِّ العالمين ، الرَّحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين نبيِّنا وإمامِنا وحبيبِنا وقُرَّةِ عينِنا محمَّد بنِ عبد الله وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعين أمَّا بعد :
فما يزالُ حديثُنا مستمرّاً عن
 آلِ بيتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابهِ والعلاقةِ التي كانتْ بينهم
 وقد تكلَّمنا في المحاضرةِ الأولى عن معنى آلِ البيتِ ومعنى الصَّحابةِ والتَّعريفِ بهما وبيانِ مكانتِهما وفضلِهما .
ثم تكلَّمنا في المحاضرةِ الثَّانيةِ عن حقوقِ آلِ بيتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابهِ ، وعن حُكْمِ محبَّتهم وبُغْضِهِم .
 وفي هذه اللَّيلةِ نتكلَّم عن العلاقةِ بين آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابهِ ، هذه العلاقة التي شهدَ القرآنُ والسُّنةُ والتَّاريخُ والعقلُ لها بأنها كانتْ متينةً طيِّبةً بخلافِ دعاوى البعضِ في أنه كانَ يبغضُ بعضُهم بعضاً أو يلعنُ بعضُهم بعضاً ، فهذا كلُّه منَ الكَذِبِ والافتراءِ .
وقد تكلَّمنا عن رَدِّ القرآنِ لهذه الفِرْيَةِ و رَدِّ السُّنةِ لها ، وها نحن اليوم نتكلَّم عن رَدِّ التَّاريخِ لها .
وقلنا إنَّ رَدَّ التَّاريخِ لهذه الفِرْيَةِ يتمثَّلُ في ثلاثةِ أمورٍ :
أمَّا الأمرُ الأوَّل :  فهو علاقاتُ المصاهرةِ التي تمَّتْ بين هذين البيتينِ الكريمينِ .. بيتِ أصحابِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم و ذُرِّيَّتِهم وبيتِ آلِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
والأمرُ الثاني : الأسماء .. حيثُ إنَّ الإنسانَ لا يُسَمِّي أولادَه إلا بمنْ يحبُّ رجاءَ أنْ يجعلَهمُ الله تباركَ وتعالى على دربِ مَنْ يحبُّ .
ولذا تجدُ أنَّ أكثرَ اسمٍ في الوجودِ هو اسمُ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم اقتداءً به صلواتُ ربي وسلامُه عليه ومحبَّةً له يُسَمِّي النَّاسُ أولادَهم باسمهِ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 وهذه المسألةُ وتلك وهي المصاهراتُ والأسماءُ ستكونُ محورَ حديثِنا في الدَّرسِ القادمِ إنْ شاءَ الله تعالى .
وأمَّا في هذه اللَّيلةِ فسنتكلَّم عن
المحور الثالث : ألا وهو الثَّناء المتبادَل بين هذين البيتينِ الكريمينِ مما يدلُّ على شِدَّةِ المحبَّةِ والولاءِ اقتداءً بأمرِ الله تباركَ وتعالى : " إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا (55) " سورة المائدة .
فتولَّى المؤمنون المؤمنين ، وأحبَّ المؤمنون المؤمنين ، وصافى المؤمنون المؤمنين .
 
*- ونبدأُ بِذِكْرِ ثناءِ الصَّحابةِ على آلِ البيتِ
*- ثم نُثَنِّي بثناءِ آلِ البيتِ على الصَّحابةِ
*- ثم نختمُ بعقيدةِ أهلِ السُّنةِ في هذه القضيَّةِ .
 
أمَّا ثناءُ الصَّحابةِ على آلِ بيتِ النبيِّ الكريمِ صلواتُ ربي وسلامُه عليه فهو عبارةٌ عن نُقولاتٍ .. سننقلُ نُقولاتٍ منْ أقوالِ الصَّحابةِ ، وكذلك أشياءَ منْ أفعالِهم وتصرُّفاتِهم تدلُّ على نظرتِهم إلى أهلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كيفَ هيَ .
*- ونبدأُ برأسِ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو أبو بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه ؛ حيثُ إنه لما جاءته فاطمةُ تطلبُ ميراثَها منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأخبرها أنَّ النبيَّ لا يُوْرَثُ صلواتُ ربي وسلامُه عليه ، فرأى الحزنَ في وجهِ فاطمةَ رضيَ الله عنها ، ولكنه ما كانَ يملكُ إلا أنْ يستجيبَ لأمرِ الله وأمرِ رسولهِ .
 ولكنه قالَ تلك الكلمةَ : " والذي نفسي بيدهِ لقرابةُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أحبُّ إليَّ أنْ أصلَ منْ قرابتي" .
وهو البارُّ الصَّادقُ رضوانُ الله عليهِ
" والذي نفسي بيدهِ لقرابةُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أحبُّ إليَّ أنْ أصلَ منْ قرابتي " .
وكذا ثبتَ عنه رضيَ الله عنه أنه قالَ لأصحابهِ : " اِرْقَبُوا محمداً في آلِ بيتهِ "
و ذلك أنه بعد وفاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا بُدَّ أنْ نُراعيَه حتى بعد موتهِ ، كيفَ وقد قالَ صلواتُ الله وسلامُه عليه منبِّهاً : " أُذكِّركمُ الله أهلَ بيتي" ، وأعادَها ثلاثاً " أُذكِّركمُ الله أهلَ بيتي ، أُذكِّركمُ الله أهلَ بيتي " .
فما كانَ منْ أبي بكر الصِّدِّيق في ولايتهِ إلا أنْ ذكَّر النَّاسَ بما ذكَّرهم به رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فقالَ : " اِرْقَبُوا - أي راقبوا - محمَّداً في أهلَ بيتهِ " ، لا تنسوا وصيَّته صلواتُ ربي وسلامُه عليهِ .
*- ومَرَّ يوماً أبو بكر ومعه عليّ وإذا الأولادُ يلعبون وفيهمُ الحسنُ بنُ عليّ بنِ أبي طالب ، وكانَ عمرُه قد ناهزَ الثامنةَ ، فحملَه أبو بكر
 وقالَ للحَسَنِ : " بأبي شبيهٌ بالنبيِّ ، ليسَ شبيهاً بعليّ " .
 وذلك أنَّ الحسنَ كانَ منْ أشبهَ النَّاسِ برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم 
كيف وهو جَدُّهُ صلواتُ ربي وسلامُه عليهِ
فيقولُ أبو بكر وهو يُلاعبُ الحسنَ : " بأبي شبيهٌ بالنبيِّ ، ليس شبيهاً بعليّ " ، وعليٌّ معه يضحكُ رضيَ الله عنهم أجمعين .
*- وهذه أمُّنا أمُّ المؤمنين عائشةُ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنها تقولُ : " ما رأيتُ أحداً أصدقَ لهجةً منْ فاطمةَ إلا أنْ يكونَ الذي أَوْلَدَهَا "
تعني رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
*- وكانتْ تُخبرُ عنها أنها إذا جاءتْ كانتْ مِشيتُها كمِشيةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وكانتْ أشبهَ النَّاسِ برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم هَدْياً ودَلّاً .
*- وتذكرُ مكانتَها منْ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حيثُ قالتْ : " كانتْ إذا دخلتْ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قامَ إليها وقبَّل بين عينيها وأجلسَها في مكانهِ " صلواتُ ربي وسلامُه عليهِ .
*- وهذا أبو هريرةَ رضيَ الله عنه  ، يمرُّ الحسنُ على مجلسٍ فيه أبو هريرةَ فيُسَلِّمُ عليهم ، فيردُّ النَّاسُ عليه السَّلامَ ويسكتُ أبو هريرةَ حتى تجاوزَهم الحسنُ .
فقامَ إليه أبو هريرة و التزمَه وقالَ : " وعليك السَّلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه يا سيِّدي " .
فقالوا له : أوَ تقولُ له ذلك ؟؟! أي أنه سيّدك
قالَ : نعم .. سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ : " إنَّ ابني هذا سيِّد "
           *- ويأتيهِ يوماً فيقولُ له :  اكشفْ لي عن سُرَّتك .
 يقولُ للحسنِ بنِ عليّ
فيقولُ له الحسنُ : ومالكَ و لها ؟
ماذا تريدُ منْ سُرَّتي ؟
قالَ : أريدُ أنْ أراها .
فكشفَ له الحسنُ عن سُرَّتهِ فقبَّلها أبو هريرةَ  ثم قالَ: رأيتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يفعلُ ذلك .
أي يقبِّل سُرَّةَ الحسنِ بنِ عليّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه وعن أبيه وعن أبي هريرةَ وعنكم أجمعين .
*- وكذلك جاءَ عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه ، لما ماتَ الحسنُ بنُ عليّ رضيَ الله عنه أنه
كانَ يمرُّ بين النَّاسِ ويقولُ : يا أيُّها النَّاسُ ابكوا فقد ماتَ اليومَ سيِّدُ المسلمين ، وكانَ يبكي رضيَ الله عنه وأرضاه لموتِ الحسنِ بنِ عليّ .
*- أمَّا عمرُ بنُ الخطاب فإنه لما طعنَه ذلك المجوسيُّ الحاقدُ أبو لؤلؤة
قالوا له : استخلفْ .
 فقال: لا .. ولكنْ أُشِيرُ عليكم بهؤلاءِ السِّتة الذين ماتَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو عنهم راضٍ ، ثم سمَّى :" عليّاً وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير وطلحة "
فقد ذَكَرَ عليّاً بل صدَّره ، ذكرَه أوَّل واحدٍ في هؤلاءِ السِّتةِ .
 *- ولما جاءتِ الملابسُ والكسا صارَ يُوَزِّعُها على أصحابِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبناء المهاجرين والأنصار ولم يعطِ الحسن والحسين شيئًا .
 ثم التفتَ وقالَ : كلُّ هذه لا تليقُ بالحسن والحسين ، ثم أمرَ أنْ يُشْتَرَى للحسن والحسين منَ اليمنِ كسوتين تليقانِ بهما رضيَ الله عنه وعنهما .
وعندما يُعطى  النَّاسُ منْ أموالِ الدَّولةِ مِنَ الخيرِ الذي يأتيهما منَ الجهاد وغيره كانَ عمرُ يُعطي المهاجرين والأنصار منْ أصحابِ رسولِ صلَّى  الله عليه وسلَّم أكثرَ ممَّنْ هم دونهم وهكذا .
كانَ يُفاضلُ بحَسَبِ فضلِ الإنسانِ ومكانتهِ ، والذي حصلَ أنَّ عمرَ كانَ يُعطي الحسنَ والحسينَ كما يُعطي أباهما عليّاً ، زيادةً على أمثالِهما ممنْ هم في سِنِّهما أو دون أو فوق ذلك .
*-  حتى جاءَه ولدُه - ابنُ عمرَ - فقالَ له : يا أبتِ -  يقولُ لعمرَ- يا أميرَ المؤمنين أنا أكبرُ سِنّاً منَ الحسن والحسين فلماذا تُفضِّلهما عليَّ في العطاءِ ؟!
فقالَ :جدُّهما رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فَمَنْ جَدُّكَ ؟!
يقولُ لابنهِ
 قالَ : جدُّهما رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فمَنْ جَدُّك أنتَ ؟!
 فكانَ يُكْرِمُهُمَا إكراماً لرسولِ الله صلواتُ ربي وسلامُه عليهِ .
 *- وكانَ أيضاً يميِّز عبدَ الله بنَ العبَّاس ويُدخلُه مع مَشْيَخَةِ قريش
حتى قالَ له عبدُ الرَّحمن بنُ عوف: إنَّ في أولادِنا مَنْ هم في سِنِّهِ فلماذا تُقدِّمه دون أولادنا ؟؟!!
فقالَ له عمرُ : إنه مَنْ قد علمتَ .
أي شرفاً و نَسَباً بل و عِلْماً .
  ثم أرادَ عمرُ أنْ يُظهرَ فضلَ ابنِ عبَّاس فسألَ الحاضرين ما تقولون في قولِ الله تباركَ وتعالى : " إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2)فسبح فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) " سورة النصر .
ففسَّروها على ظاهرِها .
 أنَّ الله تباركَ وتعالى يأمرُ نبيَّه محمَّداً صلَّى الله عليه وسلَّم إذا جاءَ النَّصرُ وجاءَ الفتحُ واستقرَّتِ الأمورُ أنْ يُكثرَ منَ التَّسبيحِ والاستغفارِ . قالَ : صدقتم ..ثم التفتَ إلى ابنِ عبَّاس
وقالَ له : أهكذا تقولُ ؟
يعني أرأيُك مثل رأيِهم ؟
قالَ : لا .
قالَ : فما تقولُ إذاً .
قالَ : هذا خبرٌ منَ الله لنبيِّه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم باقترابِ أجلهِ .
خلص .. المهمَّة التي طُلِبَتْ منك أدَّيتَها ، جاءَ نصرُ الله .. جاءَ الفتحُ ما بقيَ لك يا محمَّد إلا أنْ تُكثرَ منْ ذِكْرِ الله وأنْ تستغفرَ لأنَّ مهمَّتك قَدِ انتهتْ .
قالَ : هذا الذي أفهمُه أنه إيذانٌ منَ الله لرسولهِ باقترابِ أجلهِ .
فالتفتَ عمرُ إلى النَّاسِ وقالَ : " والله لا أعلمُ منها إلا كما قالَ ابنُ عبَّاس "
فعرفَ النَّاسُ قَدْرَ ابنِ عبَّاس رضيَ الله  تباركَ وتعالى عنه .
كيف والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد قالَ عنه و له : " اللهم فقِّهه في الدِّين وعلِّمه التأويلُ " .
*-  وكذا لما دَوَّنَ عمرُ الدَّواوينَ ، وهو أوَّل مَنْ دَوَّنَ الدَّواوينُ وكتبَ أسماءَ النَّاسِ والجُنْدِ
 فقالَ يستشيرُ النَّاسَ : بِمَنْ نبدأُ ؟
مَنْ أوَّل اسمٍ في دواوينِنا ؟
نبدأُ بِمَنْ ؟
 وكانَ عمرُ في ذلك الوقتِ أفضلَ إنسانٍ على وجهِ الأرضِ بعد موتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وموتِ أبي بكرٍ
 يقولُ للنَّاسِ : بِمَنْ نبدأُ ؟
قالوا : نبدأُ بكَ أنت ، فأنتَ خيرُنا وسيِّدُنا وأميرُ المؤمنين .
فقالَ : لا ، بل نبدأُ بآلِ بيتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
نبدأُ بالعبَّاسِ عَمِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
لا يفعلون ذلك إلا إكراماً لنبيِّهم صلَّى الله عليه وسلَّم .
 
*-  ولذلك قالها عمرُ مُدَوِّيةً للعبَّاس بنِ عبد المطَّلب : مَهْ يا عبَّاس  والله لإسلامُك حين أسلمتَ كانَ أحبَّ إليَّ منْ إسلامِ الخطَّاب لو أسلمَ.
وذلك لمحبَّة رسولِ الله لذلك .
 لأنك عَمُّ الرَّسولِ ، لكنَّ الخطاب بعيد جِدّاً عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم منْ حيثُ النَّسَبِ ، لكنْ أنتَ عمُّ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم  وكانَ يفرحُ لإسلامِك ففرحتُ لفرحهِ صلواتُ ربي وسلامُه عليهِ .
 
*- وكذلك جاءَ الحسينُ يوماً ليدخلَ على عمرَ ، يطرحُ عليه مسألةً..يستأذنُه في شيءٍ .. يطلبُ منه شيئاً .. الله أعلمُ ماذا كانَ يريدُ
 فجاءَ الحسينُ إلى عمرَ
فقيلَ له : إنه خالٍ بمعاويةَ يعني بينه وبين معاوية مسألةٌ يكلِّمه .
لأنَّ معاوية كان والياً على الشَّام
 فقالوا : هو خالٍ بمعاوية ، يعني بينه وبين معاوية كلامٌ .. انتظرْ 
فظلَّ ينتظرُ ، وكانَ ينتظرُ قبلَه عبدُ الله بنُ عمر ، أيضاً عبدُ الله كانَ يريدُ والدَه بأمرٍ وينتظرُ حتى ينتهيَ عمرُ منْ معاوية .
فانتظرَ الحسين ، ثم بعد ذلك عبد الله بن عمر رأى أنْ يُؤَجِّلَ موضوعَه حيث إنَّ عمرَ أطالَ مع معاويةَ ، فانصرفَ عبدُ الله بنُ عمر ، ثم انصرفَ الحسينُ .
 فلما انتهى عمرُ منْ حديثهِ مع معاوية
قالوا له : جاءَ عبدُ الله بنُ عمرَ وانتظرَ ثم انصرفَ
قالَ : وبعد
 قالوا : جاءَ الحسينُ بنُ عليّ وانتظرَ ثم انصرفَ .
قالَ : نادوه
فنادوا الحسين ، فدخلَ على عمرَ
 فقالَ له :  لماذا انصرفتَ ؟؟
لماذا لم تنتظرْ حتى أقضي حاجتك التي أردتها ؟
قالَ : رأيتُ ابنَ عمرَ انصرفَ ولم يُؤْذَنْ له فقلتُ أنا أولى أنْ أنصرفَ ولم يُؤْذَنْ لي
قالَ : لا ، أنتَ أحقُّ منِ ابنِ عمرِ أنْ تدخلَ عليَّ
 يقولُ : أنتَ أحقّ منِ ابنِ عمرِ أنْ تدخلَ عليَّ لو جئتَ ودخلتَ .. والله ما أنبتَ الإسلامُ في قلوبنا إلا أنتم .
أنتم منْ هذه الشَّجرةِ المباركةِ شجرةِ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم .
 
*-  وأمَّا ابنُ عمرَ فإنه جاءَه رجلٌ فقالَ له : إني أُبْغِضُ عليّاً
فقالَ ابنُ عمرَ : أَبْغَضَكَ الله .. تُبْغِضُ رجلاً سابقةٌ منْ سوابقهِ خيرٌ منَ الدُّنيا وما فيها ؟؟!!!!
مَنْ أنتَ ؟
مَنْ تكونُ ؟
تبغضُ رجلاً سابقةٌ منْ سوابقهِ - واحدة فقط منْ سوابقهِ - خيرٌ منَ الدُّنيا وما فيها ؟؟!!!!
*- ولما جاءَه رجلٌ منَ العراقِ يسألُه ، يسألُ عبدَ الله بنَ عمر عن قتلِ الذُّباب في المسجدِ للمحرَّمِ ؟
 فقالَ له ابنُ عمرَ : منْ أيِّ البلادِ أنتَ ؟
قالَ : منَ العراقِ .
قالَ : منَ العراقِ ؟؟!!
قالَ : نعم .
قالَ : عجبتُ لكم يا أهلَ العراق ، تقتلون ابنَ بنتِ رسولِ الله – يعني الحسين – تقتلون ابنَ بنتِ رسولِ الله وتسألون عن قتلِ الذُّبابِ في المسجدِ ؟؟!!!!
 وقد سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ عن الحسن والحسين : " هما ريحانتاي منَ الدُّنيا " .
*- وكانَ يقولُ ابنُ عمرَ لعبدِ الله بنِ جعفرَ بنِ أبي طالب ..
 وجعفر بن أبي طالب أخو عليّ وابن عمِّ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم هاجرَ إلى الحبشةِ الهجرتين ، وجاءَ إلى المدينةِ مهاجراً مع فتحِ خيبر ؛ فلم يمكثْ إلا قليلاً حتى خرجَ إلى مؤتة يقاتلُ عن دينِ الله تباركَ وتعالى ، فاستُشهدَ في مؤتة .
 وكانَ قد أمسكَ الرَّايةَ فقُطعتْ يدُه ، فأمسكَها بيدهِ الثَّانيةِ فقُطعتْ ، فاحتضنَها حتى سقطَ ميتاً رضيَ الله عنه وأرضاه
فكانَ ابنُ عمرَ إذا رأى ابنَه عبدَ الله بنَ جعفر يقولُ له : السَّلامُ عليكَ يا ابنَ ذي الجناحين .
وذلك أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد أخبرَ أنَّ الله أبدلَ جعفرَ بنَ أبي طالب بيديه جناحين .
ولذلك يقالُ له : جعفر الطَّيَّار رضيَ الله عنه وأرضاه .
 
*- جاءَ رجلٌ فتكلَّم على عليٍّ رضيَ الله عنه بين يدي معاوية ، فزجرَه معاويةُ
استغربَ الرَّجلُ !!
 أنتَ يا معاويةُ كانَ بينك وبين عليّ قتالٌ في صِفِّين والآن بينكما خصومة ، و تزجرُني عندما أتكلَّم !!  المفروض تفرح إذا سببتُ عليّاً أو تكلَّمتُ عليه .
زجرَه معاويةُ ولم يسمحْ له أنْ يتكلَّم على عليّ .
حتى إنَّ رجلاً كانَ حاضراً في المجلسِ  سافرَ إلى عليّ رضيَ الله عنه وذكرَ له هذه القِصَّةَ
قالَ : رأيتُ أمراً عَجَباً
فقالَ له عليّ : وماذا رأيتَ ؟!
قالَ : تكلَّم فيك رجلٌ عند معاوية ، فزجرَه معاويةُ ، فأنكرتُ ذلك .
ما توقَّعتُه يعني
 فقالَ له عليّ : أوَ ما علمتَ لمَ صنعَ معاويةُ ذلك ؟
قالَ : لا .
قالَ : لأجلِ المنافيَّة .
والمنافية : هي الصِّلَةُ التي تربطُ معاويةَ بعليّ بنِ أبي طالب ،  إذْ إنَّ عليّاً ومعاويةَ منْ بني عبدِ مناف .
 فعليُّ بنُ أبي طالب بنِ عبدِ المطَّلب بنِ هاشم بنِ عبدِ مناف .
 ومعاويةُ بنُ أبي سفيان بنِ حرب بنِ أميَّةَ بنِ عبدِ شمس بنِ عبدِ مناف .
وهو ابنُ عمِّه في النِّهاية .
قالَ :  لأجلِ المنافية .
لأجلِ إنه ابنُ عمِّي .
 *- يأتي زيد بنُ ثابت على بغلتهِ فيُمسكُ عبدُ الله بنُ عبَّاس له البغلةَ ويمسكُ له الرِّكاب .. مكانَ وضعَ القدمَ إكراماً لزيدٍ ، حتى إنَّ زيداً رضيَ الله عنه يُفاجأ بهذا الفعلِ .
مِمَّنْ ؟
منْ ترجمانِ القرآنِ ؟؟!!!
منِ ابنِ عمِّ رسولِ الله ؟؟!!!
 منْ عبدِ الله بنِ العبَّاسِ ؟؟!!!
 فقالَ له : يا ابنَ عمِّ رسولِ الله ..
- ولم يقلْ له يا عبدَ الله بنَ عبَّاس ، و إنما يذكرُ أجملَ ما يحبُّ -
يا ابنَ عمِّ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إنه لا يليقُ بكَ ذلك .. ارفعْ يدكَ
فيقولُ عبدُ الله بنُ عبَّاس بكلِّ أدبٍ : هكذا أُمِرْنا أنْ نصنعَ بعلمائِنا .
 أدباً مع العلماءِ .. فما كانَ منْ زيدٍ إلا أنْ نزلَ منْ دابَّته وأخذَ بيدِ ابنِ عبَّاس وقبَّلها
وقالَ : و هكذا أُمِرْنا أنْ نصنعَ بآلِ بيتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
ولولا ضيقُ الوقتِ لتوسَّعتُ في ذِكْرِ هذه الأمورِ ولكنْ ما ذكرناه فيه كفاية .
ننتقلُ الآنَ إلى الموقفِ الآخر وهو موقف آلِ البيتِ منَ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
*- فهذا سيِّدُ أهلِ البيتِ في زمنهِ وهو عليُّ رضيَ الله عنه لما يسألُه ولدُه محمَّد
فيقولُ له : مَنْ خيرُ النَّاسِ بعد رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ؟
فيقولُ عليٌّ بكلِّ فخرٍ : أبو بكر .
فيقولُ له ابنُه محمَّد : ثم أنت ؟
قالَ : ثم عمر .
فيقولُ له ولدُه : ثم أنت ؟
قالَ : إنما أنا رجلٌ منَ المسلمين .
 
*- بل جاءَ عنه أنه قالَ في مسجدِ الكوفةِ : مَنْ فضَّلني على أبي بكر وعمر جلدتُه حَدَّ المفتري .
سمَّاه افتراءً ، وحكمَ بجلدِ مَنْ يقولُ مثلَ هذا الكلام ، يرى أنَّ هذا الكلامَ يستحقُّ صاحبُه الجلدَ .
مَنْ فضَّلني على أبي بكر وعمر جلدتُه حَدَّ المفتري .
 
*- وكذلك جاءَ عنه رضيَ الله عنه لما طُعِنَ عمرُ ، لما طعنَه ذلك المجوسيُّ الحاقدُ اكتنفَه النَّاسُ يسلِّمون عليه ويبشِّرونه بالجنَّة وغير ذلك منَ الأمور .
يقولُ عبدُ الله بنُ عبَّاس :"  فما انتبهتُ إلا و رجلٌ قد وضعَ يدَه على كتفي .
يستندُ على كتفِ عبدِ الله بنِ عبَّاس وهو ينظرُ إلى عمر
ثم قالَ : ما خلَّفت أحداً – يقولُ لعمرَ – ما خلَّفت أحداً أحبّ إليَّ أنْ ألقى الله بمثلِ عملهِ منكَ .
يقولُ لعمرَ أتمنى أنْ ألقى الله بمثلِ عملِك .
عليّ يقولُها لعمرَ
ثم يقولُ له : وايمُ الله - أي يحلفُ- إنْ كنتُ لأظنُّ أنْ يجعلكَ الله مع صاحبيك .
يعني النبيَّ وأبا بكر
ثم قالَ : فإني كثيراً ما كنتُ أسمعُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ : "  ذهبتُ أنا و أبو بكر وعمر ، ودخلتٌ أنا وأبو بكر وعمر ، وخرجتٌ أنا و أبو بكر وعمر "
يعني اسمك كانَ يتردَّد كثيراً في فمِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعلى لسانهِ .
*- ويقولُ عبدُ الله بنُ جعفر بنِ أبي طالب رضيَ الله عنه : وَلِيَنَا أبو بكر فكانَ خيرَ خليفةٍ و أرحمه بنا و أحناه علينا .
 
*- وهذا الباقر محمَّد بنُ عليّ بنِ الحسين بنِ عليّ بنِ أبي طالب رضيَ الله عنه يسألُه رجلٌ عن أبي بكر وعمر أتولاهما ؟
 فيقولُ له الباقر : تولَّهما فما كانَ منهما منْ إثمٍ فهو في عنقي .
إذا كان في هذا التولِّي إثمٌ ففي عنقي ، تولَّهما يقولُ له الباقر رحمه الله تعالى .
*- وهذا سالم بنُ أبي حفصة يسألُ الصَّادقَ والباقرَ
 الباقر هو محمَّد بنُ عليّ بنِ الحسين بنِ علي بنِ أبي طالب ، والصادق هو ابنُه جعفر
 يسألُهما عن أبي بكر وعمر هل يتولاهما ؟
فقالا له : يا سالم تولَّهما و ابرأ منْ أعدائهما فإنهما كانا إمامي هدى .
 
*- ويقولُ عليّ يومَ الجمل عن عثمانَ بنِ عفَّان رضيَ الله تباركَ وتعالى  عنه وأرضاه  .. يقولُ : اللهمَّ إني أبرأُ إليكَ منْ دمِ عثمانَ ، اللهمَّ خُذْ مني لعثمانَ حتى ترضى .
وكانَ يقرأ قولَ الله تباركَ وتعالى : " إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ... (101) " سورة الأنبياء
ثم يقولُ : منهم عثمان سبقتْ له الحسنى منَ الله جلَّ و علا .
 
*- ولما قُتِلَ الزُّبيرُ بنُ العَوَّام كانَ يقولُ عليّ رضيَ الله عنه لما جاءه الرَّجلُ ويخبرُه أنه قتلَ الزُّبيرَ
فيقولُ : لا تفرحْ كثيراً
يقولُها لابنِ جرموز قاتلِ الزُّبير رضيَ الله عنه
قالَ له : لا تفرحْ كثيراً فإني سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ : " بشِّر قاتلَ ابن صفيَّة بالنار " .
وابنُ صفيَّة هو الزُّبير ، وصفيَّة أمّ الزُّبير هي عَمَّةُ رسولِ الله صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم .
*-  وقالَ عليّ رضيَ الله عنه كذلك عن مجموعِ أصحابِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، يقولُ هذه الكلمات لأهلِ الكوفةِ
 يقولُ : لقد رأيتُ أصحابَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فما أرى أحداً منكم يُشبهُهم - ما رأى أحداً منهم يُشبهُهم - كانوا يُصْبِحُون شُعْثاً غُبْراً وقد باتوا سُجَّداً وقياماً ، يراوحون بين جباههم وأرجلهم ، إذا ذكروا الله هملتْ أعينُهم حتى تبلّ جيوبهم ، و مادوا كما يميدُ الشَّجَرُ في اليومِ العاصفِ رجاءَ الثَّوابِ وخوفَ العِقَابِ .
هكذا يقولُ عليّ رضيَ الله عنه وأرضاه عن أصحابِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
 
*- ويقولُ عن عمرَ خاصَّة : لله بلاءُ فلانٍ ، لقد قوَّم الأَوَدَ ، و داوى العمد ، و أقامِ السُّنة ، و خلَّف الفِتنة ، و ذهبَ نقيَّ الثَّوبِ ، قليلَ العيشِ ، أصابَ خيرَها و سبقَ شرَّها ، أدَّى إلى الله طاعتَه واتَّقاه بحقِّه .
هذا كلامٌ يقولُه عليٌّ عن عمرَ رضيَ الله عنهما .
 
*-  و أمَّا الحسنُ بنُ عليّ فكانَ منْ ضِمْنِ المجموعةِ التي دخلتْ مع عثمانَ في الدَّارِ تُدافعُ عنه رضيَ الله عنه وأرضاه ، وما رجعَ حتى أمرَه عثمانُ أنْ يرجعَ إلى بيتهِ ، هو و عبد الله بن عمر و عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت وغيرهم ، وأبو هريرةَ ، كانوا مع عثمانَ بالدَّارِ يُدافعون عنه رضيَ الله عنه خوفاً من أولئك الخوارج أنْ يدخلوا عليه ويقتلوه .
 
*- وقالَ جعفر الصَّادق ، جعفر بنُ محمَّد بنِ عليّ بنِ الحسين بنِ
عليّ بنِ أبي طالب ، قالَ : كانَ أصحابُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم اثني عشر ألفاً ، ثمانية آلاف منَ المدينة ( أي منَ المهاجرين والأنصار ) ، وألفان منْ مَكَّةَ ، وألفان منَ الطُّلقاء ، لم  يُرَ فيهم قدريّ ولا مُرجئ ولا حروريّ ولا معتزليّ ولا صاحب رأي ،كانوا يبكون اللَّيلَ والنَّهارَ .
هكذا يصفُ جعفر الصَّادق أصحابَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأين الذي يكذبُ على جعفر وعلى أبيه الباقر فيقولُ : ارتدَّ أصحابُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلا ثلاثة !!!
أين ذاك منْ هذا ؟؟؟!!
وهو يعدُّ اثني عشر ألفاً منْ أصحابِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ويصفُهم بهذا الوصفِ .
وأمَّا ما وقعَ منْ خلافٍ بين أصحابِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وآلِ بيتهِ فهذا كذبٌ و زورٌ ، إذْ لم يخالف الصَّحابةُ آلَ البيتِ لأنهم آلُ البيتِ وإنما هي أمورٌ عاديَّة جداً تحصلُ في البيتِ الواحدِ .
فإنْ ذكروا فَدَكَ وقالوا إنَّ أبا بكر حرمَ فاطمةَ منْ فَدَك نقولُ إنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم هو الذي أخبرَ بذلك ، وجاءَ بعد أبي بكر عمر ثم عثمان ثم عليّ ثم الحسن ، ولم يُعطِ أحدٌ منهم فدك لا لفاطمة ولا لأولادها .. أبداً لم يحصل شيءٌ منْ ذلك .
فلم تكنِ القضيَّةُ بين الصَّحابةِ و آلِ البيتِ ، أبداً
 وأمَّا إذا ذكروا الجملَ وصِفِّين ففي الجمل مع عليّ جماعةٌ منَ الصَّحابةِ وكذا في صِفِّين كانَ مع عليّ جماعةٌ منَ الصَّحابةِ ، فليستِ القضيَّةُ قضيَّةَ آلَ بيتٍ و صحابةٍ .
وأمَّا ما يدَّعونه منَ الكذبِ والبهتانِ منْ أنَّ بني أميَّة كانوا يحقدون على بني هاشم أو بني عبد شمس كانوا عداوة لبني هاشم فهذا منَ الكذبِ والزُّور والبهتان ،إذْ إنَّ الأمرَ لم يكنْ كذلك .
فكما أنه كانَ منْ بني هاشم مَنْ تابعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وآمنَ به في أوَّل الدَّعوة كعبيدة بن الحارث وعليّ بن أبي طالب وجعفر بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطّلب ؛ فكذلك كانَ منْ بني عبدِ شمس مَنْ تابعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في أوَّل الدَّعوة كعثمان بنِ عثمان وسعيد بن العاص .
وإنْ كانَ قد كفرَ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم منْ بني عبدِ شمس ك شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة فقد كفرَ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  و عاداه منْ بني هاشم كأبي لهب و عقيل بن أبي طالب .
 فلم تكنِ القضيَّةُ بين بني هاشم و بني عبدِ شمس أبداً وإنما كانتِ القضيَّةُ قضيَّةَ كُفْرٍ وإيمانٍ ، بغضِّ النَّظر عن الأنساب ، ما كانَ النَّظر في الأنساب وإنما كانَ النَّظرُ في الدَّعوةِ إلى الله تباركَ وتعالى .
 
*- سألَ رجلٌ شَريكَ بنَ عبد الله بنِ أبي نمر - وكانَ يُوصفُ بأنه شيعيٌّ - فقالَ هذا الرَّجلُ لشَريك : أيُّهما أفضلُ أبو بكر أم عليّ ؟
فقالَ شَريك : أبو بكر أفضلُ منْ عليّ .
فقالَ الرَّجلُ : تقولُ هذا وأنتَ شيعيٌّ ؟!
كيف تقولُ هذا الكلام ؟!
الشِّيعةُ لا يمكنُ أنْ يقولوا هذا الكلامَ ؟؟!!
 قالَ : تقولُ هذا وأنتَ شيعيٌّ ؟؟!!
قالَ : نعم ، إنما الشِّيعيُّ مَنْ قالَ مثلَ هذا .
 يقولُ شريك : والله لقد رَقِيَ عليٌّ رضيَ الله عنه  هذه الأعواد ( يعني المنبر في الكوفة ، منبر عليّ في الكوفة ) ، والله لقد رَقِيَ عليٌّ هذه الأعواد فقال : إنَّ خيرَ هذه الأمَّة بعد نبيِّها أبو بكر .
عليٌّ يقولُ هذا.
ثم قالَ له شَريك : ثم عمر .
ثم رَدَّ عليه : أفكنَّا نردُّ قولَه ؟! أكنَّا نُكذِّبه ؟!
 والله ما كانَ كذَّاباً .
عليٌّ ما كانَ كذَّاباً عندما قالَ : إنَّ أبا بكر وعمرَ أفضلُ منه رضيَ الله عنهم أجمعين .
*- وقالَ سالمُ بنُ أبي حفصةَ لجعفر الصَّادق : ألا تسبُّ أبا بكر ؟
 فقالَ جعفر : يا سالم ، أبو بكر جَدِّي ، أيسبُّ الرَّجلُ جَدَّه ؟؟!!
 أيسبُّ الرَّجلُ جَدَّه ؟؟!!
 أيسبُّ الرَّجلُ جَدَّه ؟؟!!
 والله الذي لا إله إلا هو الآن هؤلاء القوم الذين يسبُّون أبا بكر إنما يسبُّون جَدَّ جعفر الصَّادق .
أيسبُّ الرَّجلُ جَدَّه ؟؟!!
 
*- وكانَ جعفرُ الصَّادق يقولُ : وَلَدَني أبو بكر مرَّتين .
أي إنَّ أبا بكر جَدِّي منْ طريقين ، وذلك أنَّ أمَّ جعفر هي أمّ فروة فاطمة بنت القاسم بنِ محمد بنِ أبي بكر الصِّدِّيق ، أمُّه وجدَّته هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق .
أيسبُّ الرَّجلُ جَدَّه ؟؟!!
أيليقُ  للرَّجلِ أنْ يسبَّ جَدَّه ؟؟!!
ومَنْ هذا الجدُّ ؟؟
إنه أبو بكر رضيَ الله عنه وأرضاه
ثم قالَ : لا نالتني شفاعةُ محمَّد إنْ لم أكنْ أتولاهما ( يعني أبا بكر وعمر) وأتبرَّأ منْ عدوِّهما .
 
نسمعُ كثيراً فرقة الزَّيديةِ في اليمن وغيرها .
ما هذه الفرقةُ ؟ فرقة الزَّيدية ؟
تُنْسَبُ إلى رجلٍ هو زيد بن عليّ بنِ الحسين بنِ عليّ بنِ أبي طالب ، جَدُّه الحسين بن عليّ بنِ أبي طالب .
*- جاءه جماعةٌ ممنْ يدَّعون أنهم أتباعٌ له .
فجاؤوه فقالوا له : ما تقولُ في أبي بكر وعمر ؟؟
فذكرَهما بخيرٍ
فقالوا : ألا تبرأُ منهما ؟!
قالَ : لا .. إنهما وزيرا جَدِّي .. وزيرا رسولِ الله ، كيف أبرأ منهما ؟؟!!!
قالوا : إذاً نرفضُك .. لا نكونُ معك .
قالَ : اذهبوا فأنتمُ الرَّافضةُ .
فعُرفوا بالرَّافضةِ منذ ذلك اليوم لما رفضَ زيدٌ رضيَ الله عنه أنْ يُوافقَهما على قولهما ، وصارَ مَنْ بقيَ مع زيدٍ يُقالُ لهمُ الزَّيدية لأنهم لم يرفضوا أبا بكر ولا عمر رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهم أجمعين ، أعني أبا بكر وعمر وزيد بن عليّ وأباه .
*- وهذا عليّ بنُ الحسين سمعَ جماعةً يتكلَّمون في أبي بكر وعمر
فقالَ لهم : أيُّها القومُ
- لأن في ذلك الوقت بدأتِ الفتنةُ و بدأَ الكلامُ –
فقالَ لهم عليّ بنُ الحسين بنِ عليّ بنِ أبي طالب ، جَدُّه عليّ بن أبي طالب ، قالَ لهم : يا قومُ إنَّ الله تباركَ وتعالى يقولُ في كتابهِ العزيزِ لما قسَّم المسلمين : "  لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) " سورة الحشر
هل أنتم منْ هؤلاء ؟
قالوا : لا ، هذه في المهاجرين .
قالَ : فإنَّ الله قالَ بعدها : " وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) " سورة الحشر
فهل أنتم منْ هؤلاء ؟
قالوا : لا ، هؤلاء الأنصار .
قالَ : أمَا والله إنكم قد تبرَّأتم أنْ تكونوا منَ الأوَّلين - أي المهاجرين - ومنَ الآخرين - وهم الأنصار – فوَ الله إنْ لم تكونوا منْ هؤلاء ولا منْ أولئك فلستم ممنْ قالَ الله فيهم : "  وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) " سورة الحشر
أشهدُ أنكم لستم منْ هؤلاء .
هكذا يستنبطُ عليّ بنُ الحسين رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه وأرضاه
ثم قالَ لهم : اخرجوا منْ مجلسي فعلَ الله بكم و فعلَ .
فطردَهم رضيَ الله عنه وأرضاه .
 
 *- أمَّا ابنُه الباقر محمَّد بن عليّ بنِ الحسين بنِ عليّ بنِ أبي طالب ، فسألَه رجلٌ عن حِلْيَةِ السَّيف هل يجوزُ أنْ نحلِّي السَّيفَ بالذَّهبِ ؟
فقالَ له : حلَّى أبو بكر الصِّدِّيق سيفَه .
استغربَ الرَّجلُ !!
قالَ : أوَ تقولُ عنه الصِّدِّيق ؟؟!!
يعني تلقِّبه بهذا اللَّقب ؟؟ الصِّدِّيق ؟!!
أوَ تقولُ عنه الصِّدِّيق؟؟!!
فقامَ الباقر منْ مكانهِ ..قالَ : إي والله الصِّدِّيق .. لا صَدَّقَ الله مَنْ لا يقلْ له ذلك ، ولا نالته شفاعةُ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم .
هكذا كانوا ينظرون لأصحابِ رسولِ الله صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم .
 
 أمَّا مَنْ جاءَ بعدههم منْ سَلَفِ هذه الامة وكيف كانوا يتعامولون مع آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
*-  فهذا أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي وهو منْ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فهو جَدُّه عبدُ الله بن العبَّاس بنِ عبد المطَّلب فأساءَ إلى الإمام مالك وضربَه
 فقيلَ للإمام مالك : ألا تدعو عليه
يعني أقلّ شيء تفعلُه تدعو عليه .. آذاكَ وضربكَ بدونِ وجهِ حقٍّ وظلمَك .. أوَ لا تدعو عليه ؟
فسكتَ الإمامُ مالك وقالَ : والله إني لأستحيي أنْ يُعَذَّبَ رجلٌ منْ آلِ بيتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بسببِ دعائي .
ثم أبى أنْ يدعوَ عليه
 إكراماً لمنْ ؟؟؟
لأبي جعفر ؟؟؟
لا .. إكراماً لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
 إكراماً لهذه الشَّجرةِ المباركةِ شجرةِ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم .
 
وتوالى أهلُ العلمِ على هذا الأمرِ ، ولذلك لا يُصَنَّفُ كتابٌ في عقيدةِ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ إلا و يُبَيِّنُ صاحبُ الكتابِ عقيدةَ أهلِ السُّنةِ في أصحابِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وفي آلِ بيتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، ويذكرون أنَّ حبَّهم إيمانٌ و أنَّ بُغْضَهم كُفْرٌ ونفاقٌ
 
*-   ونختمُ بمقولةِ الآجُرّيّ رحمه الله تباركَ وتعالى ، يقولُ رحمه الله ويمثِّل بقولهِ هذا أهلَ السُّنةِ والجماعةِ حيثُ نقلَه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله جلَّ وعلا مُقِرّاً له على ذلك القولِ
قالَ الآجُرّيّ : على مَنْ قتلَ الحسينَ بنَ عليّ لعنة الله ولعنة اللَّاعنين وعلى مَنْ أعانَ على قتلهِ وعلى مَنْ سَبَّ عليّ بنَ أبي طالب وسَبَّ الحسين والحسن أو آذى فاطمة أو آذى أهلَ بيتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فعليه لعنةُ الله وغضبُه ، لا أقامَ الله الكريمُ له وزناً ، ولا نالته شفاعةُ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم .
 فهذه هي إذاً العلاقةُ الصَّحيحةُ بين آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وبين أصحابِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وجرى على ذلك عملُ أهلُ السُّنةِ والجماعةِ .
وفي الدَّرسِ القادمِ إنْ شاءَ الله تعالى سَنُبَيِّنُ مزيداً منْ ذلك منْ خلالِ المصاهرات التي تمَّت بين هذين البيتين الكريمين والأسماء التي استُخدِمتْ بين هذين البيتينِ الكريمينِ .
والله أعلى وأعلم ، وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على نبيِّنا محمَّد .
 
تم تفريغ الدروس بواسطة الأخوات
فاعلة خير و  نازك  و عبق
شبكة المنهج تحت إشراف الشيخ //:
عثمان بن محمَّد الخميس حفظه الله
 

الحلقة الرابعة من سلسلة آل البيت و الصحابة
الأسماء والمصاهرات بين آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابهِ رضوان الله عليهم
 
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ، الحمدُ لله ربِّ العالمين ، وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على نبيِّنا محمَّد وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعين :
ما زلنا مع سلسلةِ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وآلِ بيتهِ ، وقلنا إننا سنقسمُ هذه السِّلسلةَ إلى اثني عشر درساً
 وتكلَّمنا في الدَّرس الأوَّل عن التَّعريفِ بالصَّحابيِّ والتَّعريفِ بآلِ البيتِ ، وبيان مكانةِ كلٍّ منهم وفضلهم
 ثم تكلَّمنا في الدَّرس الثَّاني عن حقوقِ أصحابِ النبيِّ وحقوقِ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم
 ثم تكلَّمنا في الدَّرس الثَّالث عن العلاقةِ بين آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  و أصحابهِ ، وقلنا هذه العلاقة يمكنُ تقسيمُها إلى ثلاثةِ أجزاءَ :
والجزءُ الأوَّل هو الثَّناءُ المتبادلُ ، ثناءُ الصَّحابةِ على آلِ البيتِ وثناءُ آلِ البيتِ على الصَّحابةِ
والجزءُ الثَّاني المصاهرات التي تمَّت بين أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وآلِ بيتِ النبيِّ صلواتُ ربي وسلامُه عليه 
والجزءُ الثَّالث وهو الأسماء ، حيثُ سمَّى آلُ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أسماءَ أولادِهم بأسماءِ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
وذلك أنَّ تهمةً قد وُجِّهَتْ إلى أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، مفادُ هذه التُّهمةِ أنَّ أصحابَ النبيِّ صلواتُ ربي وسلامُه عليه كانوا يبغضون عليّاً وفاطمةَ والحسنَ والحسينَ وغيرهم منْ أقاربِ النبيِّ صلواتُ ربي وسلامُه عليه وهي تهمةٌ باطلةٌ لا شكَّ ولا ريبَ .
على  كلِّ حالٍ تفنيدُ هذه التُّهَم لا يكونُ إلا بالعلمِ لا بمجرَّد الدَّعاوى الباطلة التي لا تستندُ إلى دليلٍ .
الأصلُ في الإنسانِ أنه إذا صاهرَ فإنه يُصاهرُ مَنْ يفتخرُ بهم بحيثُ يقولُ هؤلاء أخوالُ أولادي ، ولذلك يفتخرُ عليّ بنُ أبي طالب مثلاً بأنه تزوَّج فاطمةَ بنتَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، ويفتخرُ عثمانٌ بأنه تزوَّج رقيَّة بنتَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وهكذا غيرهم في غيرهم يفتخرُ الإنسانُ أحياناً - بل هذا هو الأصلُ - بأخوالِ أولاده ، ويعتزُّ بهم ، ويحرصُ الرَّجلُ على أنْ يختارَ الزَّوجةَ الصَّالحةَ .
 
ولذلك كانَ عمرُ رضيَ الله عنه قد جاءَه رجلٌ يشتكي ولدَه
فقالَ لعمرَ : إنَّ ابني يعقُّني .
 فاستدعى عمرُ رضيَ الله عنه  الولدَ
 وقالَ له : إنَّ أباكَ يشكوك ويقولُ إنك تعقُّه .
 فماذا كانَ جوابُ الولدِ ؟؟
قالَ لأميرِ المؤمنين عمرَ رضيَ الله عنه : يا أميرَ المؤمنين ، ما حقِّي على أبي ؟؟؟
هو الآن يريدُ حقَّه ... أبي يريدُ حقَّه
 أنا ماذا حقِّي على أبي ؟
فقالَ عمرُ : حقُّك عليه أنْ يحسنَ اختيارَ أمِّك ، وأنْ يحسنَ اختيارَ اسمِك ، وأنْ يعلِّمك القرآنَ .. هذا حقُّك عليه
فقالَ الغلامُ لعمرَ رضيَ الله عنه : أمَّا القرآنُ فما علَّمني منه حرفاً ، وأمَّا أمِّي فأمَة  - متزوِّج أمَة .. عبدة – وأمَّا اسمي فجُعَل .. سماني جُعَلا .
فالتفتَ عمرُ إلى الرَّجلِ وقالَ له : عققْته في الصِّغَرِ فعقَّك في الكِبَرِ .
فجعلَ عدمَ اختيارِ الأمِّ التي يرفعُ الإنسانُ بها رأسَه منَ العقوقِ .
ولذلك جاءَ في الحديثِ - وإنْ كانَ ضعيفاً منْ حيثُ الإسنادِ - : " إذا جاءَكم مَنْ ترضون  دينَه وخُلُقَه فزوِّجوه "
فالإنسانُ دائماً يحرصُ على أنْ يُزَوِّجَ ابنتَه بالرَّجلِ الصَّالحِ ، ويحرصُ كذلك على أنْ يختارَ المرأةَ الصَّالحةَ . 
 
جاءتنا دعوى تقولُ : إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كانَ يُبغضُ أصحابَه ، وكانَ يخشى منهم ويخافُهم ، ويرى أنهم غيرُ مؤتمنين على هذا الدِّين ، وأنهم كذلك كانوا يُبطنون النِّفاقَ ، ويكيدون لآلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، ويُبغضون كما ذكرتُ قبلَ قليلٍ عليّاً وفاطمةَ والحسنَ والحسينَ وجعفراً وعبد الله بنَ جعفر والعبَّاس وابنَ العبَّاس وغيرهم منْ أهلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 
نقولُ : تعالوا نعرضُ هذا على العلمَ المبثوثَ في الكتبِ ، فهل هذا العلمُ المبثوثُ في الكتبِ يُصَدِّقُ هذه الدَّعوى أو يُكذِّبها ؟؟
أوَّلاً ننظرُ في أصهارِ النبيِّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم
 
ملاحظة/
 الشيخ حفظه الله يشرح على شاشة عرض أمام الحضور
 
*- الآن عندنا هؤلاء أمَّهات المؤمنين وأصهار النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
1- هذه أمُّ حبيبة زوج النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم نجدُ أنها ترتبطُ مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  في عبد مناف ، نسبُها مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في عبدِ مناف .
وهي أمُّ حبيبة بنتُ أبي سفيان صخر بن حرب بنِ أُمَيَّة بنِ عبد شمس بنِ عبد مناف .
فأمُّ حبيبة هي أقربُ نساءِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم به نَسَباً .. أقربُ واحدةٍ نَسَباً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 فلو ننظرُ في هاشم ، لم يتزوَّج النبيُّ منْ بني هاشم أبداً صلَّى الله عليه وسلَّم بل أقربهنَّ نسباً ما بعد هاشم ، و هي منْ عبد مناف ، أخت معاوية ، وهي أمُّ حبيبة بنتُ أبي سفيان .
2- ثم بعد ذلك تأتي بعدها خديجةُ بنتُ خويلد ، تلتقي مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في قُصَيّ .
3- ثم تأتي بعدها عائشةُ ، تلتقي مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في مُرَّة بنِ كعب .
 4- ثم بعد ذلك أمُّ سلمة ، تلتقي مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كذلك في مُرَّة بنِ كعب .
5- ثم تأتي حفصة بنت عمر ، وهي تلتقي مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في كعب .
6-  ثم تأتي سودة بنتُ زَمْعَة ، وتلتقي مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في لؤي
7- ثم تأتي زينبُ بنتُ جحش ، وهي تلتقي مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في أسدِ خزيمة ، يعني بعيدة جداً ، مع أنَّ زينبَ بنتُ عمَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، يعني أمّها قريبة جداً منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لكنْ منْ أبيها  بعيدة جداً حيثُ تلتقي مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في خزيمة .
 8 و 9- ثم بعد ذلك ميمونة وزينب أمَّهات المؤمنين ، وهما تلتقيان مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في إسماعيل عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ، يعني بعيدة جداً عن النبيِّ صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
هؤلاء تسعُ زوجاتٍ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، بقيَ عندنا :
10- جويرية بنت الحارث المصطلقية ، وهي منْ قحطانَ ، لأنَّ كلَّ زوجاتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. هؤلاء كلهنَّ منْ عدنان ما عدا جويرية منْ قحطان .

  1.  ثم بعد ذلك صفيَّة أمّ المؤمنين ، فهي تلتقي مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في إبراهيم عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ، لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم  منْ نَسْلِ إسماعيل وصفيَّة  منْ نَسْلِ إسحاق ، فتلتقي مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في إبراهيمَ صلواتُ ربي وسلامُه عليه .

 
فنجدُ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذاً صاهرَ أصحابَه فتزوَّج منهم
فنجدُ أنه 
*- تزوَّج بنتَ أبي بكر رضيَ الله عنهما .
*- تزوَّج بنتَ عمر رضيَ الله عنهما .
*- تزوَّج بنتَ أبي سفيان رضيَ الله عنهما .
  وهؤلاء هم أصحابُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ،  البقيَّة أكثرُهنَّ آباؤهنَّ لم يُدركوا الإسلام .
هذا منْ حيثُ زواج النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 
*- أمَّا منْ حيثُ تزويج النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لبناتهِ
نجدُ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كذلك إنما زوَّج بناته صلَّى الله عليه وسلَّم لمنْ يحبُّ ، فنجدُ هنا
 أوَّلاً بالنِّسبةِ للخلفاءِ الرَّاشدين  قلنا إنه تزوَّج عائشةَ بنتَ أبي بكر وحفصةَ بنتَ عمر رضيَ الله عنهم  .
ثم إذا نظرنا  لبناتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم نجدُ أنه
*- زوَّج رقيَّة لعثمانَ بنِ عفَّان ، فلما تُوُفِّيَتْ زوَّجه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَّ كلثوم أختها ، وجاءَ في بعضِ الرِّوايات – وإنْ كانتْ لا تصحُّ - أنه بعد أنْ ماتتْ أمُّ كلثوم في السَّنةِ التَّاسعةِ منَ الهجرةِ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ : " لو كانتْ عندنا ثالثة لزوَّجناكها " .
 بل ذكرَ ابنُ إسحاق وغيره منْ أهلِ السِّيَرِ أنه لا يُعْرَفُ رجلٌ على وجهِ الأرضِ تزوَّج بِنتيْ نبيٍّ غير عثمان بنِ عفَّان ، نعم  هناك مَنْ تزوَّج بنتَ نبيٍّ وهم كُثُرٌ لأنَّ بنات الأنبياء يتزوَّجن ، لكن شخص تشرَّف بأنْ يتزوَّج بنتي نبيٍّ هذا لم يقع إلا لعثمانَ بنِ عفَّان رضيَ الله عنه ، حيثُ تزوَّج رُقيَّة بنت النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فلمَّا تُوُفِّيَتْ تزوَّج أختَها أمَّ كلثوم .
*- ثم كذلك نجدُ أنَّ فاطمةَ بنتَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تزوَّجها عليّ بنُ أبي طالب .
*- بقيتْ زينبُ بنتُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، تزوَّجها أبو العاص بنُ الرَّبيع ، وكذلك أبو العاص هذا منْ أصحابِ النبيِّ صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
فدلَّت هذه المصاهراتُ على أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يحبُّ هؤلاء النَّاس ، وإلا لو لم يكنْ يحبُّهم ما زوَّجهم بناته ، ولا ألقى بأيديهنَّ إلى التَّهلكةِ .
وذلك أنَّ الإنسانَ مسؤولٌ عن بناتهِ ، يُحاسبُه الله تباركَ و تعالى عن كلِّ مَنْ كانتْ تحتَ ولايتهِ سواء كانتْ بنتاً أو أختاً ، بل حتى  أمّاً ، وهو مسؤولٌ عنها في تزويجها ، فيجبُ عليه أنْ يختارَ لها الأصلحَ ، وهكذا فعلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم حين تزوَّج وحين زوَّج صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
هذا بالنِّسبةِ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بذاتهِ .
 
*- الآن نتكلَّم عن بني هاشم بشكلٍ عام الذين يُدَّعَى أنَّ أصحابَ النبيِّ كانوا يعادونهم فنرى هل هذه الدَّعوى دعوى المعاداةِ صحيحة أوكاذبة ؟؟
 
*- نجدُ هنا مثلاً هذه المصاهرات التي تمَّت بين آلِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وآلِ الصِّدِّيقِ خصوصاً .
 
*- لو ترون هنا  نجدُ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم تزوَّج عائشةَ  وهي منْ آلِ الصِّدِّيقِ ، فهذا أوَّلُ الخيرِ .
 
*- ثم بعد ذلك نجدُ أنَّ الحسنَ بنَ عليّ بن أبي طالب تزوَّج  حفصةَ بنتَ عبد الرِّحمن بن أبي بكر ، هذه حفصة بنت عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق
فلو قيلَ : إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ما كانَ يعرفُ نفاقَ أبي بكر كما يدَّعون كَذِباً و زُوْراً أو أنَّ أبا بكر ارتدَّ بعد ذلك
نقولُ : فما بالُ الحسن بن عليّ يتزوَّج حفيدةَ أبي بكر الصِّدِّيقِ ؟!
فتزوَّج حفصةَ بنت عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق .
 
 *- كذلك نجدُ هنا مثلاً إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، جعفر أخو عليّ بن أبي طالب ، حفيدة إسحاق يتزوَّج أمَّ حكيم بنت   القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق ، هذه كذلك المصاهرة إنْ دلَّت على شيءٍ  فإنما تدلُّ على محبَّةٍ ومودَّةٍ .
 
*- هذا إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يتزوَّج أمَّ حكيم بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق .
 
*- نجدُ هنا محمَّداً الباقر الذي هو محمَّد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وهو  عند الشِّيعة الإمام الخامس المعصوم ، عندهم : علي ، الحسن ، الحسين ، علي بن الحسين ، ثم محمَّد الباقر
محمَّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب تزوَّج أمَّ فَرْوَة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق ، فهذا إنْ دلَّ على شيءٍ فإنما يدلُّ على محبَّةٍ يُكنُّها محمَّد لهذا البيتِ الكريمِ بيتِ أبي بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه .
  وقد رزقَ الله محمَّداً الباقر منْ أمِّ فَرْوَة هذه جعفر الصَّادق ، جعفر بن محمَّد الصَّادق هو ابنُ أمِّ فَرْوَة و ابن محمَّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب .
 وكانَ جعفرُ رحمه الله تباركَ وتعالى يقولُ : " وَلَدَني أبو بكر مرَّتين " ويفتخرُ بهذا " وَلَدَني أبو بكر مرَّتين " ، يفتخرُ بنسبهِ إلى أبي بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه .
 وذلك أنَّ أمَّه ( أمّ جعفر الصَّادق ) هي أمّ فَرْوَة  فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق .. هذه أمّ الصَّادق .
جَدَّةُ الصَّادق ..جَدَّته مَنْ هيَ ؟!
جدَّته أسماء بنت عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق .. جَدَّةُ جعفر الصَّادق .
ولذلك كانَ يقولُ : " وَلَدَني أبو بكر مرَّتين " ، أي أصلُ إلى أبي بكرٍ عن طريق أمِّي و أصلُ إلى أبي بكر عن طريق جَدَّتي ..كِلا هذين الطَّريقين يُوصلني إلى أبي بكر الصِّدِّيق .
 
*- ثم كذلك نجدُ هنا موسى الجَوْن بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ،.. جدُّه عليّ بن أبي طالب .
تزوَّج مَنْ ؟؟؟
 تزوَّج أمَّ سَلَمَة بنت محمَّد بن طلحة بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق .
 
*- وكذلك إسحاق بن عبد الله بن عليّ بن الحسين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب تزوَّج كَلْثَم بنت إسماعيل بن عبد الرَّحمن بن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق .
فهذه المزاوجاتُ إنْ دلَّت على شيءٍ فإنما تدلُّ على العلاقةِ الطَّيِّبةِ بين هذين البيتين  الكريمين وحبّ مُصَاهَرَةِ كلِّ بيتٍ للآخر .
  هذا بالنسبة لأبي بكر الصِّدِّيق وأسرتهِ .
طبعاً قلنا رأس هذه المصاهرات هي مصاهرةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لعائشةَ  من أبي بكر الصِّدِّيق .
 
 *- نأتي لعمرَ بنِ الخطَّاب رضيَ الله عنه وأرضاه .
كذلك هذا البيت الكريم بيت عمر بن الخطاب أيضاً صاهرَ آلَ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
فنجدُ شخصاً اسمُه زيد بن عمر بن الخطاب .. زيد بن عمر بن الخطاب .
 هذا زيد كانَ يقولُ كلمةً وهي : " أنا ابنُ الخليفتين "
كانَ زيدٌ هذا ابن عمر يقولُ : " أنا ابنُ الخليفتين " يفتخر أمامَ النَّاسِ ،  يقولُ :" أنا ابنُ الخليفتين "
مَنْ هما الخليفتان ؟؟؟
الخليفة الأوَّل : أبوه الذي هو عمر بن الخطاب رضيَ الله عنه
الخليفة الثاني : هو جدُّه عليّ بن أبي طالب رضيَ الله عنه ، لأنَّ عمرَ تزوَّج أمَّ كلثوم بنت عليّ  وبنت فاطمة رضيَ الله عنهم .
يعني عليّ رُزِقَ منْ فاطمةَ أربعة أولاد ( زينب ، وأم كلثوم ، والحسن ،  والحسين )
*- أمّ كلثوم بنت علي وبنت فاطمة تزوَّجها عمرُ بنُ الخطاب وأنجبتْ له زيداً
وكانَ زيدٌ هذا يقولُ : " أنا ابنُ الخليفتين " يفتخرُ على النَّاسِ في ذلك .
فلو كانَ عمرُ كما يقولون مُبْغِضاً لعليّ وعليّ كانَ مُبْغِضاً لعمرَ ؛ وكما يدَّعون كَذِباً و زُوْراً أنَّ عمرَ كَسَرَ ضِلْعَ الزَّهراءِ وأسقطَ جنينَها فهل يُقْدِمُ عليٌّ وفاطمةُ على  تزويجِ عمرَ أمّ كلثوم ؟
 صحيح فاطمة قد تُوُفِّيَتْ ؛ لأنها تُوُفِّيَتْ في عهدِ أبي بكر ، و زواجُ عمر لأمِّ كلثوم في خلافتهِ هو ،  ولكن القصدَ أنَّ عمرَ عندما يتزوَّج أمَّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب هل يُعقل أنْ يكونُ قتلَ أخاها وكسرَ ضِلْعَ أمِّها وتسبَّب في وفاتها ؟؟؟!!!
هذا كلُّه كذبٌ و زُوْرٌ ..كذبٌ و زُوْرٌ ، وإنما الأمرُ كما كانَ يقولُ زيدٌ : " أنا ابن الخليفتين "  ابن عمر وجَدِّي عليّ بن أبي طالب رضيَ الله عنهم أجمعين .
 
*- بعد أبي بكر وعمر  يأتينا عثمانُ بنُ عفَّان رضيَ الله عنه
 ونرى ما هي العلاقة التي كانت بين هذين البيتين ، بيتِ عثمان و بيتِ بني هاشم .
أوَّلاً : عثمان بنُ عفان لو نرى اسمه الآن .. كما ترون الآن .. عثمان هو ابنُ عفَّان بن أبي العاص بن أُمَيَّة بن عبد شمس ، وهذا عليّ بن أبي     طالب بن عبد المطلب بن هاشم .
وهنا نجدُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو محمَّد بن عبد الله أيضاً بن عبد المطَّلب بن هاشم ،  يعني في درجة عليّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، ابن عمِّه عليّ .
 فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذاً ابنُ عبد الله بنِ عبد المطَّلب بنِ هاشم وعثمان هو ابنُ عفَّان بنِ أبي العاص بنِ أُمَيَّة بنِ عبدِ شمس .
عبد شمس وهاشم أخوان شقيقان ، منْ أمّ وأب ،  أبوهما عبد مناف .. أبوهما عبد مناف .
إذاً عثمان هو ابنُ عمِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، صحيح عليّ بن أبي طالب أقرب لأنه يلتقي مع النبيِّ في عبد المطَّلب ؛ لكن عثمان بعده بجدَّين الذي هو هاشم  يأتي عبد مناف على طول يلتقي مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
ننظرُ إلى المصاهراتِ بين هذين البيتين الكريمين .
*- لو نظرنا أوَّل هذه المصاهرات بين النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعثمان فقلنا إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم  زوَّج رقيَّة لعثمان فلمَّا تُوُفِّيَتْ زوَّجه أمَّ كلثوم ، تزوَّجها أيضاً عثمانُ بنُ عفان رضيَ الله عنه ، هذه أوَّل  أول مصاهرةٍ تمَّت بين هذين البيتين .
*- ثم نجدُ عبدَ الله هنا .. عبد الله  بن عمرو بن عثمان .
إذاً عثمان ماذا يكونُ له ؟؟؟
يكونُ جَدَّه .. فهو عبد الله بنُ عمرو بنِ عثمان .
مَنْ تزوَّج عبدُ الله بنُ عمرو بنِ عثمان ؟؟؟
فاطمة بنت الحسين بن عليّ .
إذاً ماذا يكونُ لها عليّ ؟؟؟
جَدُّها .
فحفيدُ عثمان تزوَّج حفيدةَ عليّ ، كما نرى هنا .. حفيد عثمان يتزوَّج حفيدةَ عليّ ، حفيدُ عثمانَ هو عبدُ الله بنُ عمرو بنِ عثمان يتزوَّج حفيدةَ عليّ فاطمة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب .
فهل كانتْ عداوةٌ بين عليّ وعثمان ؟؟؟
 أبداً .
هل الحسين كانَ يكرهُ عثمانَ ؟؟؟؟
 زوَّج حفيدَ عثمان ابنتَه فاطمةَ .
*- بل أخوه زيد بن عمرو بن عثمان تزوَّج أختَها سُكَيْنة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب أيضاً .
إذاً حفيدا عثمان تزوَّجا حفيدتي عليّ رضيَ الله عنهم أجمعين .
هذه مصاهرةٌ .
 أيضاً نجدُ منَ المصاهراتِ بين هذين البيتين الكريمين
*- نجدُ هنا مروان بن أَبَان بن عثمان .. هذا مروان بن أَبَان بن عثمان بن عفان أيضاً جدُّه عثمان بن عفان ، تزوَّج أمَّ القاسم بنت الحسن بن  الحسن بن عليّ بن أبي طالب .
إذاً حفيدُ عثمان تزوَّج حفيدةَ عليّ منْ جهةِ الحسن .
إذاً أحفادُ عثمان ثلاثةٌ تزوَّجوا ثلاثاً منْ حفيدات عليّ بن أبي طالب رضيَ الله تعالى عنهم أجمعين .
العكس الآن
*-  نجدُ أنَّ إبراهيمَ بنَ عبدِ الله بنِ الحسن بن الحسنِ تزوَّج رُقَيَّةَ بنتَ محمَّد بنِ عبدِ الله بنِ عمرو بنِ عثمان  ، يعني حفيد عليّ إبراهيم تزوَّج حفيدةَ عثمان رُقيَّة .
*- ثم كذلك نجدُ هنا عائشة بنت عمر بن عاصم بن عمر بن عثمان بن عفان تزوَّجها إسحاق بن عبد الله بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب .
على ماذا تدلُّ هذه المصاهراتُ ؟؟
إنْ دلَّت على شيءٍ فإنما تدلُّ على العلاقةِ الوطيدةِ بين هذين البيتين .
*- بل هذا أَبَان بن عثمان مباشرةً .. أَبَان بن عثمان تزوَّج أمَّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، يعني عمّها عليّ بن أبي طالب رضيَ الله عنهم أجمعين .
فكلُّ هذه المصاهراتِ إنْ دلَّت على شيءٍ فإنما تدلُّ على ماذا ؟
على محبَّةٍ ومودَّةٍ بين هذين البيتين الكريمين .
هذه مجرَّد أمثلةٍ .
الآن هذا الزُّبير بنُ العَوَّام الذي كما يُقالُ قاتلَ عليّاً في الجمَل وأنه توجدُ عداوةٌ بينه وبين عليّ .
ترى ماذا يكونُ الزُّبيرُ لعليّ ؟؟
وماذا يكونُ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؟؟
هذا الزُّبيرُ بنُ العَوَّام حواري النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
*- أوَّل شيءٍ هو ابنُ عمَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، أمُّه صفيَّة بنتُ عبد المطَّلب عمَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وعثمان كذلك جدَّته عمَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. الزُّبير أمُّه عمَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
إذاً الزُّبير أوَّلاً منْ جهةِ أمِّه بنت عبد المطَّلب ، إذاً عبدُ المطَّلب جَدُّ الزُّبير .
عبد المطَّلب جَدُّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كانَ يقولُ : " أنا ابنُ عبد المطلب " ، كذلك الزُّبير يقولُ : أنا ابنُ عبد المطَّلب ، لكنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يكونُ عبدُ المطَّلب جَدُّه لأبيهِ والزُّبير عبدُ المطَّلب جَدُّه لأمِّه ، فالزُّبير إذاً ابنُ عمَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هذه منْ جهةٍ .
*- الجهة الثانية أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كما هو معلومٌ تزوَّج عائشةَ بنتَ أبي بكر والزُّبير تزوَّج أسماء بنت أبي بكر ، إذاً الزُّبير ماذا يكونُ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؟
يكونُ عديلاً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، هو والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم  تزوَّجا أختين ، هو أخذَ أسماءَ والنبيُّ عائشةَ صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
 
*- خديجةُ أمُّ المؤمنين زوجةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تكونُ عمَّة     الزُّبير بن العَوَّام أيضاً رضيَ الله عنه .
 فإذاً العلاقةُ بين هذين البيتين .. بيتِ الزُّبير بن العَوَّام وآل البيت  قويَّة جَدّاً ، وسيأتينا أنَّ هذا البيتَ بالذَّاتِ بيت   الزُّبير بن العَوَّام هو أكثرُ بيتٍ تزوَّج منْ بني هاشم .. أكثر بنات بني هاشم تزوَّجهنَّ أولادُ الزُّبير بن العوام ..  أكثر بنات بني هاشم ذهبنَ إلى هذا البيتِ الكريم وهو بيت الزُّبير بن العَوَّام ابن عمَّة النبيِّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم .
كذلك منَ المصاهراتِ التي تمَّت ، عندنا بيتان الآن كما قلنا قبل قليل عبد شمس وهاشم .
الآن عندنا هذا هاشم وهذا عبد شمس .
قلنا هما أخوان شقيقان أبوهما عبد مناف ، إذاً عبد شمس وهاشم أخوان شقيقان  أبوهما عبد مناف ، عبد شمس عنده أميَّة وعنده حبيب وعنده عبد العُزَّى ؛ هؤلاء أولاد عبد شمس ، بينما هاشم ليس عنده إلا عبد المطلب ، وعبد المطلب صارَ له أولاد كُثُر بعد ذلك .
تعالوا ننظر إلى المصاهراتِ بين هذين البيتين الكريمين ، طبعاً هناك دعوى عريضة مكذوبة تقولُ إنَّ بني عبد شمس أعداء ألدَّاء لبني هاشم قبل البِعثة  وبعد البِعثة ، في حياةِ النبيِّ وبعد وفاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
ويمثِّلون لهذا بأنَّ عبدَ شمس أكثرُهم كفروا بالنبيِّ ولم يتابعوه في البدايةِ وقاتلوه ، فكانَ أبو سفيان هو رأس الكفر الذي قاتل ، لأنَّ أبا سفيان منْ عبد شمس ، ثم بعد أبي سفيان معاوية مع عليّ ، ثم بعد معاوية يزيد مع الحسين ، قالوا واستمرَّت هذه العَداوةُ .
وهذا منَ الكَذِبِ و الزُّوْرِ ، فكما أنَّ بني هاشم منهم مَنْ تابعَ النبيَّ وأسلمَ منْ بدايةِ الدَّعوةِ كحمزة وعبيدة بن الحارث وكعلي بن أبي طالب وجعفر بن أبي طالب ، أسلموا بدايةَ الدَّعوةِ .
كذلك عبد شمس فيهم مَنْ أسلمَ منْ بدايةِ الدَّعوةِ سعيد بن العاص      وأبان بن سعيد ، وكذلك عثمان بن عفان ، أبو العاص بن الرَّبيع تأخَّر إسلامُه قليلاً ، لكن هؤلاء أسلموا وتابعوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهم منْ بني عبد شمس  .
وإنْ كانَ منْ بني عبد شمس مَنْ آذى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كعتبة بن ربيعة  والوليد بن عتبة وشيبة بن ربيعة وأبي سفيان قبل أنْ يُسْلِمَ وأمّ جميل حمالة الحطب ، هؤلاء منْ عبد شمس ، وعادوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، نقولُ أيضاً منْ بني هاشم مَنْ عادى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في بدايةِ الدَّعوة أبو لهب ، وعقيل بن أبي طالب عادى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب عادى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؛ بل هجا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. فكما أنَّ منْ أولئك مسلمون متابعون منْ أولئك كذلك مسلمون متابعون ، معاندون معاندون
فالقضيةُ لم تكنْ قضيَّة أنسابٍ وإنما كانتِ القضيَّةُ قضيَّةَ إيمانٍ وكُفْرٍ .. هناك مَنْ يتابعُ ويُسلمُ وهناك مَنْ يُعاندُ ويكفرُ .
 لكنَّ الشَّاهدَ منْ هذا هم يقولون هناك عداوات بين بني عبد شمس  وبني هاشم !!!
نقولُ تعالوا ننظر إلى التاريخ حتى ننظر إلى هذه العداواتِ مقابلَ المصاهرات التي تمَّت بين هذين البيتين الكريمين .
 
*- فنبدأ أوَّلاً بأميَّة 
هذا أميَّة بن عبد شمس الذي هو جدّ بني أميَّة ، أميَّة عنده حرب وعنده أبو العاص .
أبو العاص أمير  الدولة المروانية وحرب أمير الدولة الأمويَّة .
هذان الشخصان
 *- نرى المصاهرات التي تمَّت بين هذين البيتين وبين بني هاشم
 
*- نبدأ بالبيت الأوَّل وهو بيت حرب ، حرب الذي هو والد أبي سفيان لأنَّ أبي سفيان صخر بن حرب ، لو تلاحظون هنا ، هذا حرب الآن .
*- أوَّلاً هذه أمُّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان .
مَنْ تزوَّجها ؟؟؟
تزوَّجها النبيُّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم ، إذاً هذه أوَّل مصاهرة .. سيِّدةُ المصاهراتِ ؛ وهي مصاهرةُ النبيِّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم .
 
*- المصاهرة الثانية لهذا البيت نجدُ هنا مثلاً يزيد بن معاوية ، يزيد بن معاوية الذي هو عندهم أكفر خَلْقِ الله ، يسبُّونه ويلعنونه ليلَ نهارَ .
تُرَى مَنْ تزوَّج هذا اليزيدُ ؟؟
 مَنْ زوجةُ يزيد بن معاوية ؟؟
هذه زوجةُ يزيد بن معاوية كما ترون أمّ محمَّد بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، إذاً زوجةُ يزيد بن معاوية هي أمّ محمَّد بنت عبد الله بن جعفر ، عمُّها عليّ بن أبي طالب .
 زوجةُ يزيد عمُّها عليّ بن أبي طالب ، وهي أمّ محمَّد بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب .. هذه زوجةُ يزيد بن معاوية  ، يقولون يعني إنَّ يزيدَ ابنُ زنا وغيره وكلام فاضي هذا زوَّجه جعفرُ بنُ أبي طالب أو عبد الله بن جعفر لأنَّ جعفر كان قد تُوُفِّيَ رحمه الله تعالى و رضيَ عنه ، فعبدُ الله بنُ جعفر رضيَ  يزيد زوجاً لابنتهِ أمِّ محمَّد .
 
 *- بل نرى هنا حفيدَ يزيد ، حفيد يزيد عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان .
حفيد يزيد بن معاوية مَنْ تزوَّج ؟؟؟
انظرْ مَنْ تزوَّج .. نَفِيسة بنت عُبيد الله بن العبَّاس بن عليّ بن أبي طالب ، جدُّها عليّ بن أبي طالب ، تزوَّجها حفيدُ يزيد بن معاوية ، فلو كانَ ليزيد مثلاً كما يقولون .. لوكان ليزيد دخلٌ في مقتلِ الحسين ، لأنَّ العبَّاس بنَ عليّ بنِ أبي طالب هذا قُتِلَ مع الحسين في الطَّفّ في كربلاء ، فلو قلنا إنَّ يزيد هو الذي قتلَ العبَّاس ، فهل يأتي ابنُه عُبيدُ الله ويزوِّج ابنتَه نفيسة لحفيدِ قاتلِ أبيه إذا كانَ متعمِّداً ؟؟!!
لا يمكنُ أنْ يحدثَ هذا أبداً .. أبداً لا يحدثُ هذا .
بل نجدُ أنَّ عُبيدَ الله بنَ العبَّاس بنِ عليّ بن أبي طالب لم يجدْ غضاضةً في أنْ يزوِّج مَوْلِيَّته وابنته نفيسة لعبدِ الله بنِ خالد بنِ يزيد بنِ معاوية ، ولم يجدْ في هذا أيَّ طعنٍ عليه ولا عيب .
*- وهذا كذلك الوليد بن عتبة بن أبي سفيان .. يكونُ معاويةُ عمّه .
معاوية عمّ الوليد بن عتبة ، أخو معاوية عتبة .
الوليدُ هذا تزوَّج مَنْ ؟؟؟؟
 تزوَّج لبابة بنت عُبيد الله بنِ العبَّاس بنِ عبد المطَّلب .. جدُّها العبَّاس بنُ عبد المطِّلب عمّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 زوَّج عُبيدُ الله بنُ العبَّاس أخو عبد الله بن العبَّاس ابنتَه لبابة للوليد بن عتبة بن أبي سفيان .
فهل بين هذا وهذا عداوةٌ ؟؟!! حتى يزوِّجه ابنتَه لُبابة !!
 هذا لا يقولُه إلا كذَّاب .. أبداً .
 ولم يكونوا في السَّابق يتساهلون في قضيَّة الزَّواج بل كانوا فعلاً يختارون الرَّجلَ المناسبَ لزواجِهم .
 
*- نأتي لبيتِ أبي العاص .. هذا بيت أبي العاص الذي  هو أخو حرب .
أوَّلاً أبو العاص عنده ولدان الحكم  وعفَّان .
 
*- أوَّلهما عثمان ، وعثمان كما هو معلوم تزوَّج بنتي النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  .
وقلنا أحفاد عثمان كما مرَّ بنا قبل قليل .
*- تزوَّج زيد بن عمرو بن عثمان  وعبد الله  بن عمرو بن عثمان تزوَّجا حفيدتي عليّ بن أبي طالب .
 
نجدُ هنا أوَّلاً عثمان قلنا هذا تكلَّمنا عنه بالتفصيل .
*- معاوية بن مروان بن الحكم أخو عبد الملك بن مروان ، هم يقولون الشَّجرة الملعونة  هي شجرة مروان بن الحكم .. يقولون  هذه هي الشَّجرة الملعونة في القرآن .
بينما نجدُ أنَّ معاويةَ هذا ابن مروان بن الحكم .. معاوية بن مروان بن الحكم مَنْ يتزوَّج هنا ؟؟؟
يتزوَّج رملة بنت عليّ بن أبي طالب .. ابن مروان بن الحكم معاوية يتزوَّج بنت عليّ بن أبي طالب .
 فلو كانتْ هذه الشَّجرةُ ملعونةً فهل يزوِّجها عليّ بن أبي طالب رضيَ الله عنه و أرضاه ؟؟؟!!!!
فهذا عليّ رضي الله عنه يُزَوِّجُ ابنتَه رملةَ لمعاويةَ بنِ مروان بنِ الحكم .
 
 *- كذلك عبد الملك بن مروان بن الحكم الخليفة الأموي ،عبد الملك بن مروان نجدُ أنه يتزوَّج أمَّ أبيها بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب .
هذا عبد الملك بن مروان أيضاً يتزوَّج حفيدة جعفر بن أبي طالب ، ولم يجد عبد الله بن جعفر غضاضةً في أنْ يُزَوِّجَ ابنتَه أم أبيها لعبدِ الملك بنِ مروان الذي يتَّهمونه في دينهِ .
 
*- الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان أخو عمر بن عبد العزيز .. عمر بن عبد العزيز له أخٌ اسمُه الأصبغ .
الأصبغ هذا مَنْ تزوَّج ؟؟؟
هذا الأصبغ هنا تزوَّج سُكَيْنة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب .. سُكَيْنة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب تزوَّجها الأصبغ بن عبد العزيز أخو عمر بن عبد العزيز .
قد يقولُ قائلٌ : كأنك ذكرتَ قبل قليلٍ أنَّ سُكَيْنة تزوَّجها حفيدُ عثمان ؟؟
سُكَيْنة تزوَّجت سِتَّة ، سيأتينا إنْ شاءَ الله الكلام عليها  .
سُكَيْنة تزوَّجت سِتَّة (  الذي يطِّلقها الذي يموت...) يعني ما تجلس ،  متى ما طُلِّقَتْ أو تُوُفِّي زوجُها تقدَّم لها آخر ، فمِمَّنْ تزوَّجها حفيدُ عثمان وكذلك حفيدُ مروان ، وهو الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم .
 
*- الوليد بن عبد الملك الخليفة الأمويّ .
 الوليد بن عبد الملك الخليفة الأمويّ تُرَى مَنْ تزوَّج ؟؟؟
 تزوَّج زينب بنت الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب .. حفيدة عليّ تزوَّجها الوليد بن عبد الملك الخليفة الأمويّ .
*- وتزوَّج بنت عمِّها  نفيسة بنت زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب .
يعني الوليد بن عبد المطَّلب الخليفة الأمويّ تزوَّج حفيدتي الحسن بن عليّ بن أبي طالب ،  ولم يجدِ الحسنُ أو أولادُ الحسن في هذا غضاضةً أبداً بل رأوه رَجُلاً كفؤاً وزوَّجوه بنتيهما .
فهذا بالنِّسبةِ لهذا البيتِ .
طبعاً عندنا سليمان بن هشام بن عبد الملك .. أيضاً هشام بن عبد الملك الخليفة الأمويّ أو المروانيّ  نفس الشيء .
*- تزوَّج سليمان رملةَ بنت محمَّد بن جعفر بن أبي طالب ، تزوَّجها سليمان بن هشام بن عبد الملك .
هذه المصاهراتُ تدلُّ على حكمةٍ وهي أنَّ هؤلاء يحبُّ بعضُهم بعضاً وإلا ما تمَّت هذه المصاهراتُ ، وأنا سأنبِّه إلى شيءٍ قريبٍ الآن .
 الآن هنا عندنا الذي هو طرف عبد العزى بن عبد شمس هذا كذلك كانَ له نصيبٌ في المصاهراتِ .
 
*- هنا نرى أمامة بنت أبي العاص بن الرَّبيع .. وأبو العاص بن الرَّبيع هذا تزوَّج بنت النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  زينب .
ابنتُه أمامة مَنْ تزوَّجها ؟؟؟
تزوَّجها عليّ بن أبي طالب .. عليّ بن أبي طالب تزوَّج أمامة بنت أبي العاص بن الرَّبيع .
وهنا يأتي السُّؤال: هم الآن يقولون يوجد عداوات !!!
طيب ..
 إذا كانتْ هناك عداوات لماذا تتمُّ هذه المصاهراتُ ؟؟؟؟!!!
 النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كانَ له أصحابٌ ، نجدُ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم صاهرَ أصحابه ، فتزوَّج بنت أبي بكر وبنت عمر ، وزوَّج عثمان وزوَّج عليّاً ، ثم أحفاد النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأحفاد عليّ بن أبي طالب .. نظرنا كيف تمَّت كلُّ هذه المصاهراتِ بينهم .
طيب ..
الآن عليّ بن أبي طالب له أصحابٌ و الحسن له أصحابٌ ، و الحسين له أصحابٌ ، و عليّ بن الحسين له أصحابٌ  .. تلاميذ ، و الباقر ، و جعفر الصَّادق الخ .
نقولُ أعطونا واحداً فقط تزوَّج بنتَ واحدٍ منْ هؤلاء ؟؟؟
يعني ألا يُكْرِمُ عليٌّ أصحابَه ؟؟!!! خاصة أنَّ  عليّ بن أبي طالب عنده عشرون بنتاً ، بنات عليّ بن أبي طالب عشرون .
و لا واحدة زوَّجها شِيعيّا ؟؟!!
ولا واحدة ؟؟!!!!
منْ تلاميذه الذين يزعمون أنهم تلاميذُ عليّ بن أبي طالب !!!!!
ولا واحدة زوَّجها لهم !!!!!!
بينما النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُصاهرُ أصحابه
الحسين بني عليّ .. ولا واحدة منْ بناته !!!!!
انظروا  .. سُكَيْنة على سبيل المثال ،  وسيأتينا إنْ شاء الله تعالى .
أُخرجُ لكم فقط الحسين بن علي بن أبي طالب .
هذا أولاد الحسين.. الحسين كما نشاهدُ هنا كمثال :
سُكَيْنة بنت الحسين ..هذه سُكَيْنة بنت الحسين
*- تزوَّجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفَّان
*- وتزوَّجها عبد الله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب
*- وتزوَّجها مصعب بن الزُّبير بن العَوَّام
 *- وتزوَّجها إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف
*- وتزوَّجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حِزام
*- وتزوَّجها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان الذي هو أخو عمر بن عبد العزيز .
أين أصحابُ الحسين والذين خرجوا معه وقالوا نقاتلُ معه ؟؟؟!!!!
ولا واحد تزوَّج سُكَيْنة بنت الحسين؟؟؟!!!!
ما فكَّر الحسين يزوِّج واحد منهم!!! يُعطيه سُكَيْنة
ولا واحد !!!!
 
كذلك فاطمة بنت الحسين .. نجدُ أنَّ فاطمةَ بنتَ الحسين أيضاً
*- تزوَّجها عبد الله بن عمرو  بن عثمان
*- وتزوَّجها الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب .
أين أصحابُ الحسين؟؟!!!
لماذا لم يُزوِّجهم ؟؟؟؟
لأنهم لم يكونوا أصحاباً له في يومٍ منَ الأيام لذلك لم يُزَوِّجهم .
 
نأتي لعليّ بن الحسين ... أين بناتُ عليّ بن الحسين ؟؟؟؟
عند أبناءِ الصَّحابة .
محمَّد الباقر مَنْ تزوَّج ؟؟؟
تزوَّج حفيدةَ أبي بكر .
لماذا لم يتزوَّج منَ الشِّيعةِ ؟؟؟!!!
لماذا لم يتزوَّج بنات أصحابه ؟؟!!!!
ما تزوَّج .
هل زوَّج بناته لأصحابهِ ؟؟؟؟
لا ..  لم يُزَوِّجهم .
إذاً هؤلاء في دعواهم أنهم أصحابُ محمَّد الباقر كَذِبٌ و زُوْرٌ .
لأنه لو كانوا أصحاباً له لكانَ زوَّجهم وتزوَّج منهم كما فعلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 
كذلك جعفر الصَّادق أين بناته ؟؟؟؟
مَنْ تزوَّج ؟؟؟؟
تزوَّج كله منْ قريش وزوَّج بناته لقريش .
لماذا ؟؟؟؟
 لأنه يعرف مَنْ يُناسبُ .. يعرفُ مَنْ يُصاهرُ .. فقضيَّةُ اختيار الزَّوج لابنتي أو اختيار الزَّوجة لنفسي هذه المسألةُ تدلُّ على شيءٍ .. تدلُّ على اختيار هذا البيتِ سواء أتزوَّج منهم أو أُزَوِّجُهم ، هذا بالنِّسبةِ لهذه المصاهراتِ .
 
هذا البيت الذي قلتُ لكم هو أكثر بيتٍ تمَّت فيه المصاهراتُ بين آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع  هذا البيتِ الكريمِ
*- وهو بيت الزُّبير بن العَوَّام.. بيت الزُّبير بن العَوَّام أكثر بيت تمَّت فيه مصاهراتٌ مع بني هاشم ، خاصَّة زواج هؤلاء منْ بني هاشم.. يعني هم يتزوَّجون منْ بني هاشم أكثر .
يعني لو نلاحظ هنا ..  هذا الزُّبير بن العَوَّام وهذا عليّ بن أبي طالب .
انظروا المصاهرات التي تمَّت بين هذين البيتين الكريمين
 
*- فهذا عندنا عبيدة بن الزُّبير بن العَوَّام .. ابنه المنذر تزوَّج فاطمة بنت الحسن بن عليّ .
*- مصعب بن الزُّبير تزوَّج بنات الحسن والحسين .
*- المنذر بن الزُّبير تزوَّج بنت الحسن و ( المنذر ومحمَّد وفليح ) أولاده منها وتزوَّجوا بنات عبد الله والحسن والحسين.. المنذر وحمزة أنجبا أمينة والحسين .
وهكذا تجدُ هذا البيت بالذَّات أكثر البيت مصاهرات لآلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم ، وأكثر بيت تزوَّج منْ بناتِ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. فما كانوا يزوِّجون هذا البيت إلا ويرونه بيتاً كريماً .
 أين زرارة بن أَعْيَن ؟؟؟!!!
أين جابر الجعفي ؟؟؟!!!
أين هؤلاء الذين يزعمون أنهم أنصارٌ لآلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؟؟؟!!!
لماذا لم يُزَوِّجوهم ؟؟؟!!!
ما زوَّجوهم لأنهم ليسوا بأهلٍ لهذا الزَّواج .
 
هذا بالنِّسبةِ للزَّواج والمسألة حقيقةً تطولُ وكنتُ أريدُ  أتوَّسع أكثر لكن الوقت لعلَّه  يُضايقُنا .
 
*- أنتقلُ فقط إلى الأسماء .
 
عادةً الإنسانُ إذا أرادَ أنْ يُسَمِّي ولداً منْ أولادهِ فإنما يُسَمِّي أولادَه بالأسماءِ الحسنةِ ، ولذلك الآن لما تكلَّمنا عن قضيَّة أكثر اسم موجود على الأرض .. اسم مَنْ ؟؟؟
محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم
لماذا يُسَمِّي النَّاسُ محمَّداً ؟؟؟؟
لأجلِ أنَّ الله يحشرُ هذا الإنسانَ مع محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم .. يقتدي بمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم .. يعني هذا الاسم اسم مبارك .. اسم النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. فلذلك النَّاسُ دائماً يحبُّون هذه الأسماء الطيبة فيُسمُّون أولادَهم بهذه الأسماء .
لو كانَ عليٌّ رضيَ الله عنه كما يقولون يكرهُ أصحابَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. تعالوا نشوف أسماء أولاد علي بن أبي طالب وأحفاده .
*- هذا عندنا أوَّلاً عليّ بن أبي طالب نفسه ...هذا عليّ بن أبي طالب .
لنرى  مَنْ هم أولاد  عليّ بن أبي طالب .. هؤلاء أولاد  عليّ بن أبي طالب : " عمر بن عليّ بن أبي طالب ، عثمان بن عليّ بن أبي طالب ، أبو بكر بن عليّ بن أبي طالب ".
لماذا سمَّى أبا بكر  وعمر وعثمان ؟؟؟؟
مع أنَّ عليّاً ما سمَّى هؤلاء إلا بعد وفاةِ أبي بكر وعمر .. لماذا يُسَمِّي بأسمائِهم ؟؟؟؟
لأنه يحبُّهم رضيَ الله عنهم .
فما سمَّى بأسماءِ هؤلاء النَّاسِ إلا وهو يحبُّهم رضيَ الله عنه وأرضاه .
 
*- كذلك لما نأتي للحسن بن عليّ بن أبي طالب هنا .. ننظر لأبناء الحسن " بعمر و أبو بكر  " بل كان يُكَنَّى بأبي بكر الحسن بن عليّ بن أبي طالب.
 
*- الحسين بن عليّ بن أبي طالب عنده ولد اسمه " عمر " .
 
*-عليّ بن الحسين عنده ولد اسمه " عمر " وعنده ولد اسمه " عثمان " .
 
ثم بعد ذلك نصعدُ قليلاً .
*- هذا جعفر الصَّادق عنده بنت اسمها " عائشة " .. جعفر الصَّادق عنده بنت اسمُها عائشة .
 
*-كذلك موسى بن جعفر عنده ولد اسمه جعفر وبنته اسمها " عائشة " .. حفيدته عائشة ..وموسى بن جعفر عنده كذلك "عمر" وعنده "أبو بكر" .
 
*-عليّ الرِّضا ..عليّ الرِّضا عنده بنت اسمها " عائشة " .
 
*- كذلك عندما نأتي لعليّ الهادي الذي هو العاشر عندهم كذلك عنده بنت اسمها " عائشة " .
لماذا يُسَمُّون هذه الأسماء ؟؟؟؟
ما سموا هذا إلا لأنهم يحبُّون هذه الأسماء ويحبُّون مَنْ تُنْسَبُ له هذه الأسماء رضيَ الله عنهم أجمعين .
 
إذاً دعوى أنه كانت بينهم عداواتٌ أو أنه كانَ يكرهُ بعضُهم بعضاً هي دعوى كاذبةٌ يُكذِّبها العقلُ ويُكذِّبها التَّاريخُ ويُكذِّبها الثَّناءُ المتبادَلُ بينهم .  والله أعلى وأعلم وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على نبيِّنا محمَّد .
 
تم تفريغ الدروس بواسطة الأخوات
فاعلة خير و  نازك  و عبق
شبكة المنهج تحت إشراف الشيخ //:
عثمان بن محمَّد الخميس حفظه الله
 

الحلقة الخامسة من سلسلة آل البيت و الصحابة
أبو بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه وأرضاه
الجزء الاول
إنَّ الحمدَ لله نحمدُه ونستيعنُه ونستغفرُه ، ونعوذُ بالله منْ شُرورِ أنفسِنا ومنْ سيِّئاتِ أعمالِنا ، مَنْ يهدهِ الله فلا مُضِلَّ له ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله  وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه ، أمَّا بعد :
فإنَّ خيرَ الكلامِ كلامُ الله وخيرَ الهدْي هديُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وإنَّ شرَّ الأمورِ مُحدثاتُها ، وكلّ مُحْدَثةٍ بدعةٌ ، وكلّ بدعةٍ ضَلالةٌ ، وكلّ ضَلالةٍ في النَّارِ .
 
ما زالَ حديثُنا مستمرّاً عن الصَّحْبِ والآلِ ، وقد ذكرنا في
 المحاضرةِ الأولى معنى الصَّحْبِ والآلِ ومكانة كلٍّ منهم وفضلهم
 ثم بعد ذلك تكلَّمنا في الدَّرس الذي تبعَه عن العلاقةِ بين آلِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
ثم تكلَّمنا عنِ الثَّناءِ المتبادلِ بينهم
ثم تكلَّمنا عنِ الأسماءِ والمصاهراتِ
وبقيَ لنا ثماني محاضرات ، قلنا هذه المحاضرات الثَّمان سيكونُ حديثُنا فيها عن شخصيَّاتٍ منَ الأصحاب وشخصيَّاتٍ منَ الآل ، ونبدأُ هذه اللَّيلةِ بأوَّل شخصيَّة منْ هذه الشخصيات ، وقلنا إنَّ هذه الشَّخصيات أردنا أنْ تكونَ جمعتْ ، يعني صحابة لهم علاقة بالآل أوآل يكونون منَ الصحابة ،  وأوَّل شخصيَّةٍ نبدأ بها هيَ أفضلُ شخصيَّةٍ بعد رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .. حديثُنا هو عن
 عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو التَّيْمِيّ المشهور بأبي بكر الصِّدِّيق
 
هذا الرَّجلُ الذي تابعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأسلمَ ونصرَ الله تباركَ وتعالى به هذا الدِّين ونصرَ به رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّم حتى قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " لو كنتُ مُتَّخِذاً منْ أهل الأرضِ خليلاً  لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلاً " .
يلتقي أبو بكر مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في مُرَّة بنِ كعب ، وهو قرشيٌّ والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قرشيٌّ كذلك .
أبو بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه هو أوَّل مَنْ أسلمَ وتابعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم منَ الرِّجالِ ، إذْ كانَ صديقاً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قبلَ مَبعثهِ ، وبينه وبين النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم سنتان ، النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أكبر سِنّاً منْ أبي بكر الصِّدِّيق بسنتين ، وذلك أنَّ النبيَّ صلواتُ ربي وسلامُه عليه وُلِدَ عامَ الفيل وأبو بكر وُلِدَ بعد عام الفيلِ بسنتين  .
وكانَ صديقاً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فلمَّا بُعِثَ صلَّى الله عليه وسلَّم أخبرَ المقرَّبين ومنهم أبو بكر ، فأسلمَ ولم يتردَّد ، ولذلك قالها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لعمرَ يوماً : " أرسلني الله إليكم فقلتم كذبتَ وقالَ أبو بكر صدقَ ، و واساني بنفسهِ ومالهِ ، فهل أنتم تاركو لي صاحبي " .
فهذا الرَّجلُ له تميُّز .. أوَّل تميُّز له هو أنه أوَّل مَنْ أسلمَ وتابعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم منَ الرِّجالِ .. نعم أسلمَ قبل أبي بكر خديجة وهي منَ النِّساءِ ، وخديجةُ هي أوَّل مخلوقٍ آمنَ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. أوَّل إنسانٍ آمنَ وتابعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم خديجة رضيَ الله تباركَ وتعالى عنها .
ولكن أوَّل رجلٍ آمنَ وتابعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم هو أبو بكر الصِّدِّيق .. أبو بكر الصِّدِّيق هذا اللَّقب " الصِّدِّيق " جاءَ منْ عندِ الله جَلَّ و علا ، وذلك أنه صدَّق النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مباشرةً .. لم يتلكَّأ .. لم يتردَّد ، بمجرَّد أنْ قالَ له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم :  إني أُرْسِلَ إليَّ و أخبِرتُ أني نبيّ .
قالَ : صدقتَ .
وتابعَه وأسلمَ وشهدَ له بالرِّسالةِ 
ولذلك لما عُرِجَ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم جاءَ إلى قريش بعد أنْ أُسْرِيَ به إلى بيتِ المقدسِ ثم عُرِجَ به إلى السَّماءِ ، وأخبرَهم بالإسراءِ في بعضِ ليلةٍ ، فاستكبروا الأمرَ .
إذْ إنهم يُسافرون الأيَّام واللَّيالي منْ مكَّة إلى الشَّام ويرجعون الأيَّام واللَّيالي فكيف يتسنَّى لمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يُغادرَ مكَّة إلى الشَّام ثم يعود إلى مكَّة في بعضِ ليلةٍ ؟؟!!
فاستكبروا ذلك واستعظموه .
وكانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أوَّل ما رجعَ في هذه اللَّيلةِ المباركةِ في ليلةِ الإسراءِ والمعراجِ لم يرَ أبا بكر وإنما رأى بعضَ كفَّار قريش وأخبرَهم بالذي رآه ، فاستعظموا الأمرَ ، فذهبَ بعضُهم إلى أبي بكرٍ مباشرةً يريدون أنْ يُثنوا أبا بكر عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
 فقالوا له : أوَ ما علمتَ ما قالَ صاحبُك ؟؟؟
قالَ : وما قالَ ؟؟
قالوا : إنه يقولُ إنه أُسْرِيَ به منْ مكَّةَ إلى بيتِ المقدسِ ثم رجعَ في اللَّيلةِ ذاتها !!!!
قالَ : لعلَّكم تَكْذِبون عليه ؟؟
قالوا : لا والله لقد قالها .
قالَ : لئنْ قالها لقد صدقَ .
هم الآن يريدون أبا بكر أنْ يتركَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعد هذا الخبرِ الغريبِ الذي لا يمكنُ أنْ يُصَدَّقَ إذا نظرَ الإنسانُ في معطياتِ البشرِ وقُدُراتهم فقالَ : إنْ كانَ قالها فقد صدقَ .
قالوا: أوَ تُصَدِّقُهُ في هذه ؟؟!!
هذا أمرٌ عظيمٌ كبيرٌ كيف تُصَدِّقُه به ؟؟
 أوَ تُصَدِّقُهُ في هذه ؟؟؟
قالَ: إني أصدِّقه فيما هو أعظم منْ ذلك ، إني أصدِّقه بالخبرِ يأتيهِ منَ السَّماءِ منْ ليلٍ أو نهارٍ .
قالوا : و منْ ذلك اليوم سُمِّيَ أبو بكر بالصِّدِّيق أو لُقِّبَ بالصِّدِّيق .
 
وكانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يحبُّ أنْ يُناديَه بهذا الاسمِ أو بهذا اللَّقبِ ، فكانَ إذا نادى عائشةَ قالَ لها : " يا ابنةَ الصِّدِّيق " .
وفيه - و العلمُ عند الله تباركَ وتعالى - نزلَ قولُ الله تباركَ وتعالى : " وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ....(33) " سورة الزمر  ، الذي جاءَ بالصِّدْقِ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم و صدَّق به أبو بكر رضيَ الله عنه .
وكانَ عليٌّ رضيَ الله عنه يُقسمُ بالله أنَّ الله هو الذي سمَّى أبا بكر بالصِّدِّيق ..كانَ يُقسمُ بالله لَاسمُ الصِّدِّيق نزلَ منَ السَّماءِ .. لقبٌ منَ الله إكراماً لهذا الرَّجلِ لما قامَ به في نُصْرَةِ هذا الدِّينِ العظيمِ  ونُصْرَةِ النَّبيِّ الكريمِ صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
وكانَ لأبي بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه دورٌ عظيمٌ في الدَّعوةِ إلى الله تباركَ وتعالى .
يكفيهِ شَرَفاً أنَّ أفضلَ خلقِ الله بعد الأنبياءِ كما هو معلومٌ العشرةُ المبشَّرون بالجنَّة .
والعشرةُ هؤلاء هم ذُكرو ا في حديثٍ واحدٍ ، قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " أبو بكر في الجنة ، وعمر في الجنة ، وعثمان في الجنة ، وعليّ في الجنة ، وعبد الرَّحمن بن عوف في الجنة ، وأبو عبيدة في الجنة ، والزُّبير في الجنة ، وسعد في الجنة - سعد بن مالك ، سعد بن أبي وقاص  - قال : "  وطلحة في الجنة ، يقول سعيد بن زيد راوي الحديث : وصاحبُكم في الجنَّة " يعني هو العاشر .
هؤلاء يُقالُ لهم العشرة المبشَّرون بالجنَّة .. بشَّرهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم
يقولُ أهلُ العِلْمِ : هؤلاء أفضل أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 
أرأيتم هؤلاء العشرة  منهم عثمان وطلحة والزُّبير وعبد الرَّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ، هؤلاء الخمسة منَ العشرة كلّهم أسلموا على يدِ أبي بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه .
النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ : " مَنْ سَنَّ سُنَّة حسنةً فله أجرُها وأجرُ مَنْ عملَ بها "
 تُرى هؤلاء الخمسة كم عملوا منَ الخير ؟؟
كم لهم منَ التَّقوى ؟؟
كم لهم منَ الجهاد والبَذْلِ ؟؟
كلّ صالحاتهم يُشاركُهم فيها أبو بكر .. هو الذي دلَّهم على هذا الخير ، فبهذا ترتفعُ درجةُ هذا الرَّجل ، وهو رضيَ الله عنه أصدقُهم جميعاً إيماناً .
ولذلك يقولُ بكر المزني : والله ما فاقَ أبو بكر أصحابَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بكثرةِ صلاةٍ ولا كثرةِ صيامٍ ولكنْ بشيءٍ وَقَرَ في قلبهِ .
إيمان .. تقوى .. دِين ..  وقرَ في قلبِ أبي بكر ، مع أنه لم يقصِّر في الأعمال الأخرى .
ولذلك النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في يومٍ منَ الأيام كانَ أصحابُه قدِ اجتمعوا عنده
فقالَ لهم : مَنْ أصبحَ منكم اليومَ صائماً ؟
فقالَ أبو بكر  : أنا .
قالَ : مَنْ تصدَّق منكم اليوم ؟
قالَ أبو بكر : أنا .
قالَ : مَنْ عادَ مريضاً ؟
قالَ أبو بكر: أنا .
قالَ : مَنْ تبعَ جنازةً ؟
قالَ أبو بكر : أنا .
سبَّاق إلى الخير .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : ما اجتمعتْ في امرئ إلا دخلَ الجنَّة .
رجلٌ كانَ عابداً و داعيةً إلى الله تباركَ وتعالى وغير ذلك منَ الأمور كثير سنتطرَّق إلى ذِكْرِ بعضه بحسبِ ما يتيسَّر لنا منَ الوقتِ .
 أبو بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه وأرضاه كما قالَ عمَّار بنُ ياسر :"  رأيتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم  وما معه إلا خمسة أَعْبُد و امرأتان وأبو بكر "
ولذلك قلنا إنَّ أبا بكر الصِّدِّيق أوَّل مَنْ أسلمَ منَ الرِّجال الذين تابعوا النبيَّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم .
 في بدايةِ الدَّعوةِ لما بدأ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم  يدعو إلى الله تباركَ وتعالى منَ الطَّبيعيّ جِدّاً وهذا معلومٌ لدى الجميع أنه تعرَّض للتَّكذيب وتعرَّض أيضاً للأذى ، فمنْ ذلك :
  أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في يومٍ منَ الأيام كانَ يدعو النَّاسَ فجاءَه عقبةُ بنُ أبي مُعَيْط منْ خلفهِ ، فقامَ هذا الخبيثُ عقبةُ و وضعَ العمامةَ على عُنُقِ النبيِّ وخنقَه ، أرادَ أنْ يخنقَ النبيَّ منْ خلفهِ ، فصارَ يخنقُ النبيَّ صلَّى الله عليه و سلَّم منْ خلفهِ ، فما كانَ منْ أبي بكر الصِّدِّيق إلا أنْ جاءَ مسرعاً ودفعَ عقبةَ بنَ أبي مُعَيْط عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، ثم قرأ قولَ الله تباركَ وتعالى :".... أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ.... (28) " سورة غافر ، وهذا الحديثُ أخرجَه الإمامُ البخاريُّ في صحيحهِ .
 
 وفي يومٍ منَ الأيام قامَ أبو بكر يدعو مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقامَ المشركون إلى أبي بكر وإلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فامتدَّت أيديهم إلى أبي بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه وأرضاه وصاروا يضربونه ، وكانَ أكثرُ مَنْ قامَ بضربِ أبي بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه عُتبة بن ربيعة ، حتى سقطَ أبو بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه مغشيّاً عليه .. حتى ظنَّ البعضُ أنه قد ماتَ .
وقالتْ بنو تَيْم قبيلة أبي بكر الصِّدِّيق : لنقتلنَّ عتبة .
 لأنَّ قريشاً قبيلة وهي تجمعُ مجموعةً منَ الأفخاذِ " بنو تيم ، بنو عدي ، بنو أسد ، بنو خزيمة ، بنو مخزوم ، بنو زُهرة ، بنو هاشم ، بنو أميَّة .... أفخاذ " هذه كلُّها تحت مظلَّة قريش ، وهي قبيلةٌ واحدةٌ .
وكانتْ تيم قبيلة أبي بكر الصِّدِّيق أو فخذ أبي بكر الصِّدِّيق منْ أضعف الأفخاذ ، فتجرَّأت عليه  قريش ولم يتجرؤوا على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأنَّ فخذ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بنو هاشم منْ أقوى الأفخاذ في قريش فلم يتجرؤوا عليه،  فضُرِبَ أبو بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه حتى سقطَ مغشيّاً عليه حتى ظنَّت تيم أنَّ أبا بكر قد قُتِلَ .. قد ماتَ .
 فقالوا :  لنقتلنَّ عتبة ، لأنَّ عتبةَ هو أكثر مَنْ ساهمَ في هذه الجريمةِ .
ثم حُمِلَ أبو بكر الصِّدِّيق لا يعلمون  حيّ أو ميِّت  حتى رجعَ إليه وَعيُه ، فلمَّا رجعَ إليه وَعيُه أوَّل ما فتحَ عينَه قالَ : ما صنعَ رسولُ الله ؟؟؟
كانَ يظنُّ أنَّ الرَّسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم ضُرِبَ معه وأنه حصلَ للرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم كما حصلَ له رضوانُ الله عليه ، وقد يكونُ الرَّسولُ ماتَ صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
فقالَ : ما صنعَ رسولُ الله ؟؟
قالوا : هو سالم .. هو سالم .
وأحضروا له الدَّواءَ والطَّعامَ
قالَ : لا والله لا آكلُ طعاماً ولا أشربُ شراباً حتى أرى رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فقالوا : ندعوه لك ؟؟
فقالَ : لا بل تحملوني إليه .
فَحُمِلَ أبو بكر الصِّدِّيق لا يكادُ يمشي إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى نظرَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : لو أتيناك يا أبا بكر .
قالَ : الآنَ الآن .
يعني الآن اطمأنَّ قلبي أنك بخير  .
ثم رجعَ ومرض حتى شوفي و عُوفي رضيَ الله عنه وأرضاه .
أبو بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه بدأ الدَّعوةَ مع النبيِّ صلواتُ ربي وسلامُه عليه
تُرى قد يقولُ قائلٌ : لماذا اختارَ النبيُّ صلواتُ ربي وسلامُه عليه أبا بكر الصِّدِّيق رضوانُ الله عليه صديقاً قبل البِعثةِ ؟
وخليلاً بعد البِعثةِ ؟
أنا قلتُ في البدايةِ إنه ما اتَّخذَ خليلاً صلَّى الله عليه وسلَّم .. لكنَّ صداقتَه مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تُشابهُ الخِلَّة .
قُربُه منَ النبيِّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم ما سببُه ؟؟
ما سببُ هذا القُرب ؟؟؟
تقولُ عائشةُ رضيَ الله عنها : لما اشتدَّ المشركون على المسلمين في بدايةِ الدَّعوةِ أمرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعضَ المسلمين أنْ يُهاجروا إلى الحبشةِ .
وقالَ : " إنَّ بها ملكاً صالحاً لا يُظْلَمُ عنده أحدٌ "
- مع أنه كانَ نصرانيّاً لكنه كانَ عدلاً -
فذهبَ إليه بعضُ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  ومنهم عثمان بن عفان ورقيَّة بنت النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وجعفر بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقَّاص ، وعبد الله بن مسعود ؛ هاجروا الهجرةَ الأولى إلى الحبشةِ .
بعد هذه الهجرة وجدَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أيضاً ضِيقاً وأذى منْ قريش عندما يدعوهم إلى الله تباركَ وتعالى ، فاستأذنَ أبو بكر النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يخرجَ و يدعو إلى الله تباركَ وتعالى خارجَ هذا الإقليم الضَّيِّق .. خارج قريش كما سيصنع النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مثل ذلك أيضاً عندما يذهبُ إلى الطَّائف ، فخرجَ أبو بكر ، وكانَ أبو بكر تاجراً منْ تجار مكَّة ولكنه في هذه المرَّة خرجَ بغير تجارةٍ ، ليس معه إلا زاد المركب ، فلمَّا بلغَ في طريقهِ مكاناً يُقالُ له بَرْك الغِمَاد لقيَه أميرُ هذه البقعةِ  ويُقالُ له ابن الدُّغُنَّة ، عرفَه .. لأنَّ ابنَ الدُّغنَّة له علاقة مع قريش ، يأتي إلى مكَّة ، وأهل مكَّة عندما يخرجون للتِّجارة يمرُّون عليه ، ويعرفُ أبا بكر ويعرف أنه منْ تجَّار مكَّة ، لكن هيأته الآن .. صورته الآن ليستْ صورة تاجرٍ وليس معه أحدٌ ، وليس معه إلا زاد الراكب ، فاستنكرَ ابنُ الدُّغنَّة الوضعَ !!!
 فقالَ له : أبو بكر ؟؟
قالَ : نعم .
قالَ : ما لكَ ؟؟ ما الذي حدثَ ؟؟؟
قالَ : منعني قومي أنْ أدعوَ إلى الله فخرجتُ أسيحُ في الأرضِ أعبد الله سبحانه وتعالى .
فقالَ ابنُ الدُّغنَّة لأبي بكر : إنَّ مثلَك لا يَخرجُ ولا يُخْرَجُ  .
يعني ألا يعقلُ هؤلاء ؟؟!!
كيف يُخرجون مثلَك ؟؟؟!!!
أنت وجودُك تتشرَّف به قريش
فكيف يُخرجونك ؟؟!!
أمَا لهم أحلام ؟؟؟؟!!
أمَا لهم عقول ؟؟؟!!
ارجعْ و ادعُ في مكَّة فإني جارٌ لكَ .. إنك تصلُ الرَّحِم ، وتحملُ الكَلَّ ، وتُقْرِي الضَّيفَ ، وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ .
هذه صفاتٌ يصفُ بها ابنُ الدُّغنَّة أبا بكر الصِّدِّيق " تصلُ الرَّحِم .. تحملُ الكَلَّ - الضَّعيف تُساعدُه - .. تُقْرِي الضَّيفَ - تُكرم الضَّيفَ - ..تُعينُ على نوائبِ الحقِّ - مصائب الدُّنيا - .
وكانَ أبو بكر الصِّدِّيق معروفاً بتحمُّل الدِّيات ، أي أحد يقتلُ أو كانتْ تكونُ عليه دِية أبو بكر يأتي ويتبرَّع بهذه الدِّية ، كانَ يحملُ الدِّيات ، قالَ : و تُعينُ على نوائبِ الحقِّ .
تعالوا نسترجعُ أوَّل ما بُعِثَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، ماذا قالتْ له خديجة لما جاءَها وقالَ لها : زمِّلوني زمِّلوني ؟؟
قالتْ له : لا والله لا يُخزيك الله أبداً ، فإنك تصلُ الرَّحِم ، وتحملُ الكَلَّ ، وتُقْرِي الضَّيفَ ، وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ .
الصِّفاتُ التي وصفتْ بها خديجةُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم هي ذاتُ الصِّفاتِ التي وصفَ بها ابنُ الدُّغنَّة أبا بكر الصديق .
فأيُّ قُربٍ بعد هذا مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؟!
ولذلك قيلَ إنَّ الطُّيورَ على أشكالِها تقعُ ، فما اختارَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أبا بكرٍ عبثاً ولا عبطاً وإنما لتقارُبٍ بين هذين الرَّجلين في أخلاقِهما قبل مَبْعَثِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؛ و إنْ كانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يُوازيهِ أحدٌ في كمالِ الأخلاقِ ، ولكنْ في أصلِ الأخلاقِ فإنَّ أبا بكر يُشاركُه في كثيرٍ منها .
رجعَ أبو بكر الصِّدِّيق مع ابنِ الدُّغنَّة إلى مكَّة ، فدخلَ ابنُ الدُّغنَّة على أهلِ مكَّة .. على كُبَرَائِها " أبو سفيان ، عقبة بن أبي مُعَيْط ، صفوان بن أميَّة ، أميَّة بن خلف ، أبيّ بن خلف ، شيبة بن ربيعة ، عتبة بن ربيعة ، أبو جهل ، أبو لهب " وغيرهم منْ جبابرةِ ذلك الزَّمان ، دخلَ عليهم ابنُ الدُّغنَّة .
و ابنُ الدُّغنَّة له مكانةٌ عند قريش .. وهو سيِّد قومهِ
فقالَ لهم : يا معشرَ قريش أينَ ذهبت أحلامُكم ؟؟!!!
أمِِثْلَ أبي بكر يُخْرَج ؟؟!!
فأنا جارٌ  له
 يدخلُ في جواري .. أنا أجيرُ أبا بكر ، تقبلون جواري أو لا تقبلون جواري ؟؟؟
مشكلة .. هذا الرَّجل له قدرٌ عندهم .
فقالوا له : قبلنا جوارَك ولكنْ لا يُسمعُنا ما نكرهُ .
ماذا يكرهون ؟؟؟
يكرهون سماعَ القرآن .
قالوا : لا يُسمعُنا ما نكرهُ .. لا يُسمعُنا القرآنَ .
وكانَ أبو بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه يخرجُ يصلِّي عند بيتهِ فيأتي النَّاسُ يجتمعون إليه يسمعون قراءته ويعجبون لهذا القرآن العظيم  ويتأثَّرون.
 قالوا : أهمّ شيء لا يُسمعُنا ما نكرهُ ..لا يدعو .. لا يقرأ القرآن جهراً .
 قالَ ابنُ الدُّغنَّة : لكم هذا .
لكنْ لا تغيظونا .. لا تهيِّجونا .. لا تتعرَّضوا لنا .
قالوا : نعم .. في جوارك  لا نفعلُ شيئاً .
رجعَ ابنُ الدُّغنَّة إلى بلدهِ ورجعَ أبو بكر إلى بلدهِ .
أبو بكر لم يتحمَّل .. لا يستطيعُ أنْ يجلسَ بدونِ أنْ يدعوَ إلى الله تباركَ وتعالى  فصارَ يقومُ اللَّيلَ خارجَ بيتهِ فيجتمعُ عليه النَّاسُ ويسمعون قراءتَه ويعجبون منْ هذا القرآنِ .
 فاغتاظتْ قريش ، ولكنهم لا يستطيعون أنْ يفعلوا شيئاً مع أبي بكر لأنَّ هناك اتَّفاقاً مع ابنِ الدُّغنَّة .
 فأرسلوا إلى ابنِ الدُّغنَّة : تعال نريدُك .
فجاءَ ابنُ الدُّغنَّة إلى قريش .. إلى مكَّة .
قالوا له : لم يفِ بما وعدَ .
قالَ : ماذا ؟
قالوا : يُسمعنا ما نكرهُ .. لا نريدُ أنْ نسمعَ القرآنَ .
 فجاءَ ابنُ الدُّغنَّة إلى أبي بكر ، قالَ : يا أبا بكر إنَّ قومكَ يقولون : إنَّك تُسمعُهم ما يكرهون .
قالَ : إنه كلامُ ربي .
قالَ : فأمسكْ عنه .
قالَ : لا أستطيع .. لا أقدر .. لا أستطيع .
هنا شعرَ ابنُ الدُّغنَّة بشيءٍ منَ الحرج .. لأنه لما قبلوا جِوارَه اشترطوا عليه أنْ لا يُسمعَهم أبو بكر ما يكرهون ، وهنا ما تحقَّق هذا الشَّرط .
فقالَ ابنُ الدُّغنَّة لأبي بكر : رُدَّ عليَّ جِواري .
يعني لا تُحرجني معهم .. رُدَّ عليَّ جِواري .
قالَ : رددتُ عليك جِوارك ، يكفيني جوارُ الله .
وبعدها ظلَّ أبو بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه يدعو إلى الله تباركَ وتعالى في مكَّة ولم يخرجْ إلا مُهاجراً مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 
منْ أيِّ الأطرافِ ومنْ أيِّ الأماكنِ والجهاتِ نأتي لنتكلَّمَ عن شخصيَّةِ أبي بكر الصِّدِّيق رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه وأرضاه ، يكفينا منْ هذا كلِّه أنَّ هذا الرَّجلَ تميَّز بأمرٍ عظيمٍ ألا وهو :
أن له مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصيَّة .. اختصاص .. لا يشاركُه فيه أحدٌ .. أمور هو والنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
ولذلك لما تنظر في قولِ الله تباركَ وتعالى عن نبيِّه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم مخاطباً أصحابَه : " إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا... (40) "سورة التوبة 
" ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ " هذه التَّثنية لأبي بكر مع النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ
قالَ أهلُ العِلْمِ : تظهرُ هذه في مجالاتٍ كثيرةٍ .. الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم بعده أبو بكر مباشرةً رضيَ الله عنه .. مجالات كثيرة جداً .. أوَّل هذه المجالات وأعظمها :
*- العِلْم .. لا يختلفُ أحدٌ أبداً أنَّ أعلمَ النَّاسِ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
مَنْ يأتي بعدَ رسولِ الله ؟؟
                             أبو بكر .. مباشرة .
- دعوا عنكم الأنبياء .. لا أتكلَّم عن الأنبياء أتكلَّمُ عن زمنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى يومِنا هذا -
ودليلُ هذا أمورٌ كثيرةٌ منها وأشهرُها حديثُ أبي سعيد الخدريّ
يقولُ أبو سعيد الخدريّ : خرجَ علينا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً قُبيلَ وفاته - يعني قبلَ وفاتهِ بأيام - فصعدَ المنبر
 ثم قالَ : " إنَّ رجلاً خيَّره الله تباركَ وتعالى بين الدُّنيا وزهرتها وبين ما عند الله فاختارَ ما عند الله " .
يقولُ أبو سعيد : فبكى أبو بكر
وقالَ : فديناك بآبائنا وأمَّهاتنا يا رسولَ الله .
أبو سعيد يقولُ : فعجبنا له .. يُخبرُ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن رجلٍ خُيِّرَ ويبكي أبو بكر !!!
يعني : " فديناك بآبائنا وأمَّهاتنا  " ما دخلُها في قولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " إنَّ رجلاً خيِّر بين الدُّنيا وزهرتها وبين ما عند الله " ؟؟؟؟
بعد مدَّة عرفَ النَّاسُ مَنْ أرادَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، ولذلك النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فهمَ أنَّ أبا بكر أدركَ المعنى فقالَ مباشرةً لما قالَ أبو بكر :  فديناك بآبائنا وأمَّهاتنا يا رسولَ الله .
قالَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :" إنَّ أَمَنَّ النَّاس عليَّ بنفسهِ ومالهِ أبو بكر ، ولو كنتُ متَّخذاً منْ أهلِ الأرضِ خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكر خليلاً "
ثم قالَ : " ألا لا تبقين خَوْخَة في المسجد إلا سُدَّتْ إلا خَوْخَة أبي بكر" .
يقول أبو سعيد : فكانَ رسولُ الله هو المخيَّر وكانَ أبو بكر أعلمنا .
نعم كانَ أبو بكر أعلمَ أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بلا استثناء .
 
*-  ويكفيه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لما جاءته امرأةٌ تسألُه
فقالتْ : يا رسولَ الله ، أرأيتَ إنْ جئتُ منَ العام القادم ( أي لأسألك ) فلم أجدْك - تقصد الموت -  فإلى مَنْ ؟؟؟
أذهبُ إلى مَنْ ؟؟؟
قالَ: اِئتي أبا بكر"
 ائتي أبا بكر .
 
*- ويقولُ صلَّى الله عليه وسلَّم : " مُرُوا أبا بكر فليُصلِّ بالنَّاسِ ، مُرُوا أبا بكر فليُصلِّ بالنَّاسِ " .
فقيلَ له : إنَّ أبا بكر رجلٌ أسيفٌ .. حزين .. إذا قامَ يُصَلِّي لا يُسْمِعُ النَّاسَ منْ بكائهِ .
قالَ : " يأبى الله والنبيُّون إلا أبا بكر " .
 القضيَّة ليستْ مجرَّد واحد يسدُّ المكانَ .. لا ، الرَّجلُ مقصودٌ .. الرَّجلُ مطلوبٌ .
قالَ : " يأبى الله والنبيُّون إلا أبا بكر "
 وفي رواية : " يأبى الله ورسولُه والمؤمنون إلا أبا بكر " .
فقُدِّم أبو بكر .
 
*- أثبتُ النَّاسِ عند المصيبةِ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، بعدَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أبو بكر
ولذلك نجدُ أنَّ أعظمَ مصيبةٍ أُصيبتْ بها البشريةُ منذ آدم حتى تقوم السَّاعةُ   هي وفاة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
بل جاءَ  في الحديثِ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : "  إذا أُصِيبَ أحدُكم بمصيبةٍ فليتذكَّر مصيبته فيَّ فإنها أعظمُ المصائبِ " .
أعظمُ مصيبةٍ هي وفاةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وإنما يظهرُ الجلَدُ ويظهرُ الإيمانُ وتظهرُ القوَّة عند المصائبِ .. هنا يبينُ المعدنُ .
النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم رأى امرأةً تبكي عند القبر لم تصبر .. لم تتحمَّل فجاءَها وقالَ : " اصبري أمةَ الله "
ولم تعرفْ أنَّ هذا هو الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم
فقالتْ : إليك عني فإنك لم تُصَبْ بمصيبتي .
تركَها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لأنَّ هذا ليس وقت نقاش وجدال ، تركَها صلَّى الله عليه وسلَّم .
جاءَها أبو بكر مباشرةً  قالَ لها : ويحكِ أوَ ما تدرين مَنْ تكلِّمين ؟؟؟
كيف تتكلَّمين مع رسولِ الله هكذا ؟؟!!
 قالتْ : هذا رسول الله ؟؟؟
قالَ : نعم .
قالتْ : والله ما عرفتُه .
وكانَ الرَّسولُ قد ذهبَ إلى بيتهِ ، فذهبتْ إلى بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أو إلى مسجدهِ .
تقولُ : فما وجدتُ بوَّاباً .
 فدخلتُ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
قالتْ : والله يا رسولَ الله ما عرفتك ، فأنا أصبرُ الآن .
قالَ : " إنما الصَّبرُ عند الصَّدمةِ الأولى "
هذا الصَّبر عند الصَّدمة .
الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ : " ليس الشَّديدُ بالصُّرعة - الذي يصرع النَّاسَ ويغلبُهم ، لا ، لا - الشَّديد الذي يملكُ نفسَه عند الغضبِ " .
لما أُخْبِرَ النَّاسُ بوفاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ماذا حدثَ لهم ؟
بعضُهم ما يكادُ يستطيعُ أنْ يقفَ منَ المصيبةِ
بعضُهم جلسَ في بيتهِ
بعضُهم لم يصدِّق الخبرَ
الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم ماتَ ؟؟!!!
الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم  تُوُفِّي ؟؟!!!
الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم ذهبَ ؟؟!!
ليس هناك رسول الله بعد اليوم ؟؟؟!!
صدمةٌ ما بعدَها صدمة
 وكانَ أبو بكر رضيَ الله عنه قد استأذنَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في ذلك اليوم .. لأنَّ أبا بكر كانَ يصلِّي في النَّاسِ صلاةَ الفجرِ .
 فخرجَ إليهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، يقولُ أنس : فلما رأيناه فكأنَّ وجهه قمر .
فبعدَ الصَّلاةِ استأذنَ أبو بكر النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يذهبَ إلى زوجتهِ حبيبة بنت خارجة في العُلا قريب منَ المدينة أنْ يذهبَ إليها  لأنه منْ مدَّة لم يأتها ، فأذنَ له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وذلك فجر الاثنين ، قدَّر الله تباركَ وتعالى أنه تُوُفِّيَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم آخر الضُّحى .
 فأُرْسِلَ رسولٌ إلى أبي بكر تُوُفِّيَ رسولُ الله ، فجاءَ أبو بكر مسرعاً .
 والرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم تُوُفِّيَ في بيتِ عائشةَ رضيَ الله عنها ، فدخلَ أبو بكر وإذا الرَّسولُ مُسَجَّى وغُطِّيَ وجهُه صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
فكشفَ عن وجهِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ثم قبَّل بين عينيه على جبهتهِ
 ثم قالَ : طِبتَ بأبي أنت وأمي يا رسولَ الله حيّاً وميتاً ، والله لا يجمع الله عليك موتتين أبداً ، أمَّا الموتة الأولى فقد متَّها.
ثم خرجَ إلى النَّاسِ وإذا النَّاسُ فوضى ، كما يُقالُ :
لا يصلحُ النَّاسُ فوضى لا سُرَاةَ لهم
كانوا كذلك
وإذا عمر رضيَ الله عنه يصيحُ بالنَّاسِ : مَنْ قالَ إنَّ محمَّداً قد ماتَ قتلتُه بسيفي هذا ، والله ما ماتَ .
لأنه ما كانَ أحدٌ يتمنَّى أنْ يموتَ رسولُ الله ، كلُّهم كانوا يتمنَّون أنْ يموتوا في حياةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فقالَ : " مَنْ قالَ إنَّ محمَّداً قد ماتَ قتلتُه بسيفي هذا ، والله ما ماتَ ، وإنما غابَ كما غابَ موسى - لما ذهبَ موسى إلى ميقاتِ ربِّه - ولَيرجِعَنَّ فلَيقطعَنَّ أيديَ وألسنةَ رجالٍ منَ المنافقين " يعني الذين فرحوا بموتهِ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 فخرجَ أبو بكر منْ عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وإذا عمر يصيحُ بالنَّاسِ والنَّاسُ منْ حولِ عمر ساكتين واجمين ، طبعاً والمنافقون فرحون .
فجاءَ أبو بكر إلى عمر قالَ : هوِّن عليك يا عمر ، أدخلْ سيفَك في غِمدهِ .
فعمرُ أيضاً لا يلتفتُ إلى أبي بكر .. منهار .. مصيبة عظيمة جداً
فتركَه أبو بكر رضيَ الله عنهما  ثم صعدَ المنبر
ثبات.. المصيبةُ تحتاجُ إلى ثباتٍ فكانَ الثَّباتُ منْ أبي بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه.
ثم قالَ للناس بعد أنْ صعدَ المنبر وحمدَ الله وصلَّى على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
 ثم قالَ: يا أيها النَّاسُ مَنْ كانَ يعبدُ محمَّداً فإنَّ محمَّداً قد ماتَ ، ومَنْ كانَ يعبدُ الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموتُ ، ثم قرأ عليهم قولَ الله تباركَ وتعالى : " وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) " سورة آل عمران
يقولُ ابنُ عبَّاس ويقولُ أنس :"  فلمَّا قرأها أبو بكر هدأ النَّاسُ
حتى قالَ ابنُ عبَّاس : " والله لكأنَّنا أوَّل مرَّة نسمع هذه الآية .
وهي نازلةٌ في سورةِ آلِ عمران .
يقولُ أنس : فصارَ النَّاسُ يُرَدِّدون هذه الآية .
أيقنوا الآن أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد تُوُفِّيَ صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
فثبتَ أبو بكر رضيَ الله عنه عند هذه المصيبة .
والوقتُ قد ضايقَنا ولا أظنّ أنه يمكننا أنْ نُكملَ سيرةَ هذا الرَّجلِ رضيَ الله عنه في مثلِ هذه الجلسةِ لذلك أكملُ الحديثَ عن أبي بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه في الجلسةِ القادمةِ إنْ شاءَ الله .
 والله أعلى وأعلم ، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد .
 
تم تفريغ الدروس بواسطة الأخوات
فاعلة خير و  نازك  و عبق
شبكة المنهج تحت إشراف الشيخ //:
عثمان بن محمَّد الخميس حفظه الله
 
 
 

الحلقة السادسة من سلسة آل البيت والصحابة رضوان
أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه الجزء الثاني
 
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمدُ لله ربِّ العالمين ، الحمدُ لله وليّ الصَّالحين والصَّلاةُ والسَّلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين نبيِّنا وإمامنا وحبيبِنا وقرَّة عينِنا وسيِّدنا محمَّد بن عبد الله وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعين ، أمَّا بعد :
فما زلنا مع هذه السِّلسلةِ المباركةِ منَ الحديثِ عن آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصحبهِ ، وقدَّمنا بأربعِ محاضراتٍ عن التَّعريفِ بالصَّحابةِ وآلِ البيتِ وبيانِ مكانتِهم وفضلِهم ، وتحدَّثنا كذلك عن حقوقِهم ، وتحدَّثنا عن شخصيَّات في هذين البيتين الكريمين بيتِ الصَّحابةِ وبيتِ آلِ البيتِ ، واخترنا ثماني شخصيَّات ، وما زلنا مع الشَّخصيَّة الأولى وهي شخصيَّة
 
 أبي بكر الصِّدِّيق رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه
 
وهو يمثِّل رأسَ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
وذكرنا أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق هو أوَّلُ مَنْ أسلمَ منَ الرِّجال ، وكانَ صاحباً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قبلَ بِعثتهِ ، وصاحباً له بعد بِعثتهِ ، وصاحباً له حتى توفَّاه الله تباركَ وتعالى ، وصاحباً له بعد وفاته حيثُ دُفِنَ بجانبِ النبيِّ صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
أبو بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه تميَّز عن سائرِ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بخصيصةٍ ، وهذه الخصيصة تضمَّنت أموراً كثيرةً .
يقولُ الله تباركَ وتعالى عن نبيِّه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم مخاطباً أصحابَ النبيِّ ومعاتباً ؛ قالَ جلَّ وعلا : " إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ... (40) " سورة التوبة .
 وذكرنا أنَّ أهلَ العِلْمِ يقفون طويلاً عند هذه الآيةِ
عند قولهِ تباركَ وتعالى : " ثَانِيَ اثْنَيْنِ "
وقد نبَّه كثيرٌ منْ أهلِ العِلْمِ على أنَّ قولَ الله تباركَ وتعالى : " ثَانِيَ اثْنَيْنِ "
ليستِ القضيةُ قضيَّةً عدديَّةً ، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم واحدٌ ، فإذا كانَ أبو بكر رضيَ الله عنه مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  صارا اثنين .. لا ، بل إنَّ التَّثنيةَ مقصودةٌ منْ وجوهٍ شتَّى ، ونذكرُ هذه الوجوهَ على سبيلِ السُّرعةِ ثم نفصِّل في بعضِها .
 هذه التَّثنيةُ التي تميَّز بها أبو بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه تشملُ ابتداءً
 
*- " ثَانِيَ اثْنَيْنِ " في الدَّعوةِ إلى الله .. فهو أوَّل مَنْ أسلمَ وتابعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ودعا إلى الله معه  .
 
*- ثم هو " ثَانِيَ اثْنَيْنِ " في الأخلاقِ .. إذْ إنَّ صفاته تُشبهُ صفات النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم منْ حيثُ الأصل لا منْ حيثُ التفاصيل ، وذكرنا مثالاً على ذلك قول خديجة أمّ المؤمنين رضوان الله عليها للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لما أتاهُ الوحيُ وخافَ ورجعَ إليها ترتعدُ فرائصُه
 فقالتْ له : والله لا يُخزيكَ الله أبداً ، فإنك تَصِلُ الرَّحِم ، وتحملُ الكَلَّ ، وتُقري الضَّيفَ ، وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ .
ولما خرجَ أبو بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه منْ مكَّةَ مهاجراً لقيَه ابنُ الدُّغُنَّة وحاولَ أنْ يمنعَ أبا بكر الصِّدِّيق منَ الهجرةِ ، ووصفَه بأوصافٍ منها
أنه قالَ له:  إنك تَصِلُ الرَّحِم ، وتحملُ الكَلَّ ، وتُقري الضَّيفَ ، وتعين على نوائبِ الحقِّ .
فالوصفُ الذي وصفتْ به خديجةُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم هو الوصفُ الذي وصفَ به ابنُ الدُّغُنَّة أبا بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه .
 
*-  ثم هو " ثَانِيَ اثْنَيْنِ " في مشورةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. إذْ كانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يستشيرُه دائماً  ، وأشهر ما في ذلك لما تأيَّمتْ حفصةُ بنتُ عمر ، أي لما تُوُفِّيَ زوجُها ، عرضَها عمرُ على عثمانَ بنِ عفَّان حتى يتزوَّجها .
فقالَ عثمانُ رضيَ الله عنه : أنظرُ في أمري اللَّيلةَ وأخبرُك غداً .
فجاءَ عثمانُ منَ الغَدِ فقالَ لعمرَ : أرى أني لا أتزوَّج .
فعرضَها عمرُ على أبي بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنهما فسكتَ ولم يردّ عليه .
ثم خطبَها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم  .
 عندها ذهبَ أبو بكر إلى عمرَ وقالَ له : لعلَّك أخذتَ عليَّ إذْ لم أردّ عليكَ ؟؟
قالَ : إي نعم .. إي والله لقد أخذتُ .
قالَ : والله ما منعني أنْ أقبلَها إلا أني سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يذكرُها .
والرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم  كانَ يستشيرُه في أمثالِ هذه الأمورِ رضيَ الله عنه وأرضاه
 
*- " ثَانِيَ اثْنَيْنِ " عند النَّاس كلِّهم .. يعلمون منزلةَ أبي بكر منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بل منَ الإسلام .
وذلك أنه في غزوةِ أحد لما أشاعَ ابنُ قَميئة أنه قتلَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عندها توقَّف القتالُ ، فلمَّا توقَّف القتالُ وكانتْ قريش قد أصابتْ منَ المسلمين عدداً لا بأسَ به ، حيث قتلوا عدداً قريباً منْ سبعين ، وكانوا يظنُّون بناءً على دعوى ابنِ قميئة أنَّ النبيَّ قد قُتِلَ صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
وهذا بحدِّ ذاتهِ  هو المطلبُ الرئيسيُّ الذي كانتْ تطلبُه قريش ، عندها صاحَ أبو سفيان ليتأكَّد منْ هذا الخبر بعد أنْ توقَّف القتالُ .
 صاحَ بالمسلمين قائلاً : أفيكم محمَّد ؟؟
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : لا تجيبوه .
فأعادَها ثانيةً : أفيكم محمَّد ؟؟
والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم  يقولُ : لا تجيبوه .
أفيكم محمَّد ؟؟
والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم  يقولُ : لا تجيبوه .
ثم ماذا قالَ أبو سفيان ؟؟؟
قالَ : أفيكم أبو بكر ؟؟
أفيكم أبو بكر ؟؟
أفيكم أبو بكر؟؟
ثم لما  انتهى قالَ : أفيكم عمر ؟؟
أفيكم عمر ؟؟
أفيكم عمر ؟؟
والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ : لا تجيبوه .
عندها فرحَ أبو سفيان ظنّاً منه أنَّ النبيَّ وأبا بكر وعمر قد قُتِلُوا .
فقالَ : أمَّا هؤلاء فقد كُفيتموهم .. يعني قُتِلُوا .
فلم يتحمَّل عمرُ رضيَ الله عنه
فصاحَ وقالَ : بل أبقى الله لكَ ما يُخزيك يا عدوَّ الله ، فهذا رسولُ الله وهذا أبو بكر وأنا عمر .
فقالَ أبو سفيان لعمرَ : آلله !!!
يعني تُقسمُ بالله أنَّ محمَّداً لم يُقتلْ ولا أبو بكر وأنتَ عمر ؟؟ ..  هو عرفَه على كلِّ حالٍ منْ صوتهِ .
قالَ : آلله .. أي أقسمُ بالله
عندها قالَ أبو سفيان : والله يا عمرُ لأنتَ أصدقُ عندي منِ ابنِ قَميئة .
الذي ادَّعى أنه قتلَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم
 
*- " ثَانِيَ اثْنَيْنِ " في الصَّلاةِ  .. لما مرضَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم
قالَ : " مُرُوا أبا بكر فليُصلِّ بالنَّاسِ "
ليسَ كلّ أحد .. أبو بكر  هو الذي يصلِّي بالنَّاس .. حتى إنَّ أمَّنا عائشةَ رضيَ الله عنها حاولتْ أنْ تعتذرَ لأبي بكر حبّاً في أبيها ، وذلك أنها خشيتْ أنَّ النَّاسَ قد يكرهون أبا بكر .. كيف يُصلِّي بهم والنبيُّ موجودٌ صلَّى الله عليه وسلَّم ؟؟؟!!
فيتضايقون منْ ذلك .
فقالتْ شفقةً على أبيها :  يا رسولَ الله إنَّ أبا بكر رجلٌ أسيفٌ ..
 أسيف يعني حزين ، كما قالَ يعقوبُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ : " ....  يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ... (84) " سورة يوسف ،   أي واحزناه .
.. إنَّ أبا بكر رجلٌ أسيفٌ إذا قامَ يصلِّي لا يُسْمِعُ النَّاسَ منْ بكائهِ ، وهو يقرأ " .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " مُرُوا أبا بكر فليُصلِّ بالنَّاسِ " .
وفي روايةٍ أنهم قدَّموا عمرَ فقامَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم
وقالَ : " مُرُوا أبا بكر أنْ يصلِّي بالنَّاسِ ، يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " .
القضيَّة ليست اختياريَّة .. عندما يقدِّم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أبا بكر للصَّلاةِ .
 
*- " ثَانِيَ اثْنَيْنِ "  في الحجِّ .. لما فتحَ الله مكَّة لنبيِّه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم في رمضانَ منَ السَّنةِ الثَّامنةِ رجعَ إلى حُنين ومنْ ثم رجعَ إلى المدينةِ ، وأمَّر عتَّاب بنَ أسيد على مكَّة وحجَّ بالنَّاسِ .
ثم كانتِ الحجَّة التي بعدها في السَّنةِ التَّاسعةِ ، وخرجَ المسلمون منَ المدينةِ للحجِّ .. أمَّرَ أبا بكر على الحجِّ صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
 
*- " ثَانِيَ اثْنَيْنِ "  في العِلْمِ  .. هو أعلمُ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  بلا استثناء .
وقد أخبر أبو سعيد الخدريّ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قبل وفاتهِ بأيَّام .. بالضَّبط قالوا إنه في يوم الخميس وهو قد تُوُفِّيَ في يوم الاثنين صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
وجدَ في نفسهِ خِفَّة ( أي صِحَّة منَ المرض ) فخرجَ صلواتُ ربي وسلامُه عليه ثم حدَّث النَّاسَ قائلاً : " إنَّ رجلاً خيَّره الله بين زهرةِ الحياة الدُّنيا وبين ما عندَ الله فاختارَ ما عندَ الله " .
 يقولُ أبو سعيد :  فبكى أبو بكر ..
 وقالَ : فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسولَ الله .
قال أبو سعيد : فعجبنا له !! يخبرُ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن رجلٍ خيِّر .. ويبكي أبو بكر !!
يعني ما دخلُ هذا بهذا .
بعد مدَّة فهمَ أبو سعيد كما فهمَ غيرُه أنَّ المخيَّر هو رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
يقولُ أبو سعيد : فكانَ رسولُ الله هو المخيَّر وكانَ أبو بكر أعلمَنا .
نعم ..كانَ أعلمَ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  .. كانَ النَّاسُ في زمنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا اختلفوا في شيءٍ رجعوا إلى النبيِّ صلواتُ ربي وسلامُه عليه فيفصلُ بينهم ويحكمُ  وينتهي الخلافُ وينقضي .
فلمَّا تُوُفِّيَ صلواتُ ربي وسلامُه عليه قامَ مكانَه أبو بكر ، فكانَ الأمرُ كما هو في زمنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ،  ما اختلفوا في شيءٍ إلا فصلَ فيه أبو بكر وينتهي الخلاف ،  لا يفصلُ إلزاماً ويبقى في النفوسِ شيءٌ .. لا ، وإنما يفصلُ وينتهي الخلافُ .
 وضربَ أهلُ العِلْمِ بذلك أمثلة .. منْ ذلك :
*- اختلفوا في وفاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. أين يُدْفَنُ ؟؟
 تُوُفِّيَ في بيتِ عائشةَ صلواتُ ربي وسلامُه عليه ورضوان الله عليها  .
أين يُدْفَنُ ؟؟
 يعني تصوَّروا أنتم أناس أوَّل مرة يعيشُ بين ظهرانيهم  نبيّ
وهذا نبيٌّ ليسَ كسائرِ البشرِ .  
هل ندفنُه في البقيع مع عامَّة المسلمين ؟؟؟
هل  نجعلُ له مقبرةً خاصَّة ندفنُه فيها ؟؟
هل ندفنُه في مكانهِ ؟؟؟
 ماذا نصنعُ ؟؟؟
أوَّل مرَّة يموتُ بين أيدينا نبيّ ..فكانَ الحكَمُ الفَصْلُ بينهم أبا بكر رضيَ الله عنه وأرضاه .
فقالَ : سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ : " الأنبياءُ يُدفنون حيثُ  يموتون " .
فحرَّكوا سريرَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وحفروا تحته ودفنوه في بيتهِ  صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
 
*- اختلفوا بعد وفاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في جيشِ أسامة ، النبيُّ صلواتُ ربي وسلامُه عليه كانَ قد جهَّز جيشَ أسامة لغزوِ العربِ الخونةِ  الذين وقفوا مع الرُّوم في معركةِ مؤتة .. حيثُ استُشهدَ هناك زيدُ بنُ حارثة ، جعفر بن أبي طالب ، عبد الله بن رواحة ، وكانَ نصارى العرب قدِ اتَّحدوا مع نصارى الرُّوم وغدروا بالمسلمين .
فأرادَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يُؤدِّب نصارى العربِ ، فجهَّز جيشاً بقيادةِ أسامة بنِ زيد ،  بينما الجيشُ يتجهَّز وهو أيضاً لا يريدُ أنْ يتحرَّك حتى يطمئنَّ على حالِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حيثُ إنَّ النبيَّ كانَ مريضاً قُبيلَ وفاتهِ صلواتُ الله وسلامُه عليه باثني عشرَ يوماً .
فكانوا يتردَّدون على النبيِّ صلواتُ الله وسلامُه عليه ، حتى كانَ يوم الأحد والنبيُّ تُوُفِّيَ يوم الاثنين صلواتُ ربي وسلامُه عليه ، في يوم الأحد جاءَ أسامةُ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يودِّعه أنهم سيسافرون للجهادِ
يقولُ أسامةُ رضيَ الله عنه : فرأيتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم  ينظرُ إلى السَّماءِ فعلمتُ أنه يدعو لي .
وكانَ أسامةُ حِبَّ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ..  يحبُّه كثيراً صلَّى الله عليه وسلَّم .
يقولُ : فرأيته ينظر إلى السَّماءِ فعلمتُ أنه يدعو لي صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
فخرجَ أسامةُ يومَ الأحدِ ، ثم عسكروا في الحُرُقَات ( مكان قريب من المدينة ) حتى يجتمعَ الجيشُ كلُّه ثم ينطلقون ، فباتوا هناك على أنْ ينطلقوا منَ الصَّباحِ ثم جاءَ خبرُ وفاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يتحرَّكِ الجيشُ .
فلمَّا تُوُفِّيَ صلواتُ ربي وسلامُه عليه قالوا ماذا نفعلُ ؟؟
هل نُسيِّر الجيشَ كما أرادَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أو نُبقيهِ في المدينةِ لأننا سمعنا عن قضيَّة ارتداد ؟؟؟
هناك منْ قبائلِ العربِ مَنِ ارتدَّ عن دينِ الله تباركَ وتعالى وقد نحتاجُ إلى هذا الجيشِ ليدافعَ عن المدينةِ .
فهل نسيِّر الجيشَ  أو نُبقيهِ خطَّ دفاعٍ في المدينةِ ؟؟
لأنَّ الأمورَ تغيَّرت .. لأنَّ هؤلاء المرتدِّين ما أظهروا رِدَّتهم إلا بعد وفاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فإذا أضفنا إلى المرتدِّين وجود قبائل العرب المشركة ، وأضفنا إلى المرتدِّين وجود جماعة منَ المنافقين يعيشون بين ظهرانيهم ، وإذا أضفنا إلى المرتدِّين  جماعات منَ اليهود كانوا قريبين جدّاً منَ المدينةِ ؛ وجدنا أنَّ الأمرَ فيه خطورةٌ .
فقالَ بعضُ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم :  بل يبقى الجيشُ حتى تستقرّ الأمورُ ثم بعد ذلك نُسيِّر هذا الجيشَ .
فقامَ فيهم أبو بكر .. قالَ : والله لرايةٌ عقدَها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما كانَ لأبي بكر أنْ يُنزلَها ، بل يذهب الجيشُ .
وفعلاً خرجَ الجيشُ وأدَّب العربَ وألقى الله الرُّعبَ في قلوبِ المرتدِّين والمنافقين واليهود والمشركين .
وذلك أنهم قالوا في أنفسِهم : إذا كانوا يُخرجون جيشاً في مثلِ هذه الظُّروفِ إذاً الذي بقيَ أقوى منْ هذا الجيشِ .
وذلك استجابةً لما أرادَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 
*-  اختلفَ أصحابُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في قتالِ المرتدِّين
هل نقاتلُهم أو نتألَّف قلوبَهم ؟؟
فأبى أبو بكر إلا أنْ يُقاتلَهم ، وحاولَ عمرُ أنْ يثنيَ أبا بكر عن قتالِ مانعي الزَّكاةِ الذين انضمُّوا إلى المرتدِّين في تمرُّدهم
حتى قالَ عمرُ لأبي بكر الصِّدِّيق : كيف تقاتلُهم وقد قالَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :"  أمِرْتُ أنْ أقاتلَ النَّاسَ حتى يقولوا لا إله إلا الله " وهؤلاء قد قالوها .
 يعني الذين منعوا الزَّكاةَ
فقالَ أبو بكر : والله لأقاتلنَّ مَنْ فرَّق بين الصَّلاةِ والزَّكاةِ ، فإنَّ الزَّكاةَ حقُّ المال ، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدُّونه إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لقاتلتُهم عليه .
والعِقالُ هو حبلُ النَّاقةِ .
وفي رواية : لو منعنوني عَنَاقاً ( أي سخلة صغيرة )كانوا يؤدُّونها إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لقاتلتُهم عليها .
ثم بعد ذلك أنارَ الله قلوبَ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأرشدها إلى قولِ أبي بكر ،  وإلى اليوم يحمد النَّاسُ رأي أبي بكر رضيَ الله عنه في قتالهِ للمرتدِّين.. إلى اليوم .
 
 *- أعلمُ النَّاسِ أبو بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه ، لما جاءته فاطمةُ بنتُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تُطالبُ بميراثها أخبرَها أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ : " لا نُوْرَثُ ما تركناه فهو صدقة " .
ما تقومُ مسألةٌ إلا و يُنهيها أبو بكر رضيَ الله تباركَ وتعالى عليه .
 
نعودُ إلى الثُّنائيَّة .. هو
*- " ثَانِيَ اثْنَيْنِ "  في هجرته .. كلَّما جاءَ أحد أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إليه  يستأذنُه بالهجرةِ
قالَ : نعم.. فاذهبْ إنْ شئتَ .. نعم هاجر ..
إلا اثنين .. منعَ عليَّ بنَ أبي طالب ومنعَ أبا بكر ..  يستئذنان في الهجرة فيقولُ : لا
حتى جاءَ اليومُ الذي أذِنَ الله فيه لأبي بكر أنْ يُهاجرَ
فجاءَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أبي بكر فقالَ : إنَّ الله قد أذِنَ لي بالهجرةِ
 فقالَ أبو بكر رضيَ الله عنه  : الصُّحبة يا رسولَ الله ( أي أسألُك الصُّحبةَ )  الصُّحبة يا رسولَ الله .
 قالَ : نعم  .
ثم أتى عليّاً فأمرَه أنْ يبقى في مكَّة ليؤدِّي الأمانات إلى أهلها .
 إذْ إنَّ قريشاً على خُبثها وكُفرها واتِّهامها للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأنه كذَّاب ومجنون وساحر وكاهن وشاعر وغير ذلك منَ الاتهامات ما تضعُ  أماناتها إلا عند رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، أبداً .. لا يضعون الأمانات إلا عنده صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
 فكانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد أبقى عليّاً ليردَّ الأمانات ولم يأخذها له صلواتُ ربي وسلامُه عليه ، لأنه مربِّي صلَّى الله عليه وسلَّم ، وقد قالَ لنا :" أدِّ الأمانة  لمن ائتمنك ولا تخنْ مَنْ خانك " .
الله جَلَّ وعلا يقولُ : " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا  (58) " سورة النساء
فأدَّى الأمانات ، طلبَ منْ عليّ أنْ يبقى في مكَّة شرَّفها الله ليؤدِّي الأمانات إلى أهلِها ، فهاجرَ أبو بكر مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وتشرَّف بهذه الصُّحبةِ .
 
*- " ثَانِيَ اثْنَيْنِ "  في الخلافة .. لما جاءتِ امرأةٌ للنبيِّ صلَّى الله عليه و سلَّم تسألُه عن مسائلَ فأجابها ثم أمرَها أنْ تعودَ منَ العام القادم .
فقالتِ المرأةُ : أرأيتَ - تقولُ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم - أرأيتَ إنْ جئتُ منَ العام القادم فلم أجدك فإلى مَنْ ؟؟
يعني أذهبُ إلى مَنْ إذا لم أجدك .
فقالَ : " ائتي أبا بكر "
وقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لعائشةَ  : " ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَاباً فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ أَنَا أَوْلَى وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلا أَبَا بَكْرٍ " ، فهو " ثَانِيَ اثْنَيْنِ "  في الخلافة  ..
 ولذلك قالها عمرُ لأهلِ السَّقيفةِ : أيُّكم تطيبُ نفسُه أنْ يتأمَّر على قومٍ فيهم أبا بكر ؟؟!!
 لا يمكنُ
 
*- أبو بكر " ثَانِيَ اثْنَيْنِ "  في الفضل .. لما جاءَ عمرو بن العاص رضيَ الله عنه وأرضاه إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
فقالَ له : مَنْ أحبُّ النَّاسِ إليك ؟؟
قالَ : عائشة .
قالَ : ومنَ الرِّجالِ ؟؟
قالَ : أبوها .
ولما سُئِلَ عليٌّ رضيَ الله عنه وأرضاه مَنْ خيرُ النَّاسِ بعد رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ؟
قالَ : أبو بكر .
فهو " ثَانِيَ اثْنَيْنِ " في الخيريَّةِ والفضلِ والمكانةِ
 
*- " ثَانِيَ اثْنَيْنِ " في الرِّفقة  .. كانَ مرافقاً للنبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وكثيراً ما يجلسُ معه ويُسامرُه
حتى قالَ عليٌّ رضيَ الله عنه وأرضاه : إنني كثيراً ما كنتُ أسمعُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ : " كنتُ أنا وأبو بكر وعمر ، وجئتُ أنا وأبو بكر وعمر ، وخرجتُ أنا وأبو بكر وعمر " ، فكانَ ملازماً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
وفي الحديثِ المشهورِ ، حديثِ أبي موسى الأشعريّ لما جاءَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فدخلَ حائطاً ( والحائطُ هو البستانُ الصَّغيرُ المحوَّط بِسُورٍ )
يقولُ : فدخلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم حائطاً فكانَ في الحائطِ بئرٌ صغيرٌ ، فجلسَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على حافَّة البئرِ و دلَّى  رجليهِ .
فقالَ أبو موسى رضيَ الله عنه : لأكوننَّ اليوم بوَّاب رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلا يدخلُ عليه حتى يأذنَ .
أتدرون أوَّل مَنْ جاءَ ؟؟
إنه أبو بكر .. جاءَ ليدخلَ حيثُ قد علمَ أنَّ النبيَّ قد دخلَ إلى هذا المكانِ
فقالَ أبو موسى الأشعريّ : مكانك أنا البوَّاب في هذا اليوم ، مكانك حتى أستأذن لك رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
لعلَّه يريدُ أنْ يجلسَ وحدَه .. لعلَّه يريدُ أنْ يخلوَ بنفسهِ .
قالَ : حتى أستأذن لكَ .
فوقفَ أبو بكر..
 ودخلَ أبو موسى الأشعريّ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
فقالَ : يا رسولَ الله ، هذا أبو بكر عند البابِ .
قالَ : " ائذنْ له وبشِّره بالجنَّة " .
فجاءَ أبو بكر ، وقالَ له أبو موسى هذا الكلام ، فحمدَ الله جَلَّ وعلا ، وجاءَ وجلسَ على يمين النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم و دلَّى رجليه في البئر .
ثم جاءَ عمرُ ، وأيضاً قالَ له كما قالَ لأبي بكر ، فجلسَ عن يسارِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
ثم جاءَ عثمانُ ولكنْ لأنَّ محيطَ البِئر ( قطر البئر ) كانَ صغيراً فلم يكفِ لعثمانَ فجلسَ جانباً ، رضيَ الله عنهم جميعاً .
وأوَّله بعضُهم بقبورِهم .. قبر النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقبر أبي بكر وقبر عمر رضيَ الله عنهما أنهم بجانب بعض .
 
*- أبو بكر الصِّدِّيق " ثَانِيَ اثْنَيْنِ " بالمكانة .. ويذكرُ أبو الدَّرداء رضيَ الله عنه أنه حصلتْ مُشادَّة بين أبي بكر وعمر ، فأبو بكر رضيَ الله عنه في طبعهِ حِدَّة ..حادّ الطَّبع ، حادَّ الطبع يعني يغضبُ بسرعةٍ .
هذه أطباع .. فكانَ طبعُ أبي بكر هكذا يغضبُ بسرعةٍ .. فقالَ عمرُ كلمةً و قالَ أبو بكر كلمةً ..  بينهما ..  فقالَ أبو بكر كلمةً لم تُرضِ عمرَ ، لم تُذكرْ هذه الكلمةُ ، ثم ندمَ  أبو بكر .
فقالَ لعمر : اغفرْ لي .
سامحني يعني على هذه الكلمة التي خرجتْ مني .
  وعمر غضبَ على هذه الكلمةِ التي قيلتْ له
فقالَ : لا اغفرُ لكَ
لنْ أسامحَك ، ثم خرجَ عمرُ وتركَ أبا بكر .
حزنَ أبو بكر .. كيف أغضبَ أخاه ؟؟!! حاولَ أنْ يعتذرَ منه لم يقبلْ عمرُ .. فذهبَ يشتكي عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وهو مقبلٌ - سبحانَ الله الإنسان تظهرُ على تعابير وجههِ حالتُه - فلمَّا رآه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم   مقبلاً قالَ لمنْ عنده ومنهم أبو الدَّرداء : " أمَّا صاحبُكم فقد غامر " .
يعني عنده مشكلة صاحبكم هذا .
فأقبلَ أبو بكر على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم و في وجههِ الحزنُ والكآبةُ والضِّيقُ .
فقالَ له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " مالكَ يا أبا بكر ؟؟ " .
قالَ : يا رسولَ الله ، كانَ بيني وبين عمر حديثٌ ، فأسرعتُ إليه - أنا المخطئُ - أسرعتُ إليه في الكلام .. فقلتُ له اغفرْ لي فلم يغفرْ لي .. هذا ما يضايقني ، لم يغفرْ لي .
ماذا قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم  لأبي بكر ؟؟؟
قالَ له : يغفرُ الله لكَ يا أبا بكر ، يغفرُ الله لكَ يا أبا بكر ، يغفرُ الله لكَ يا أبا بكر " .
استغفرَ له ثلاثاً صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
لم ينتهِ الحديثُ .
يقولُ أبو الدَّرداء : فندمَ عمرُ أنه لم يغفر لأبي بكر فرجعَ لأبي بكر ليقولَ له : قد غفرتُ لكَ ، لكنه لم يجده في بيته ، فذهبَ إلى مجلسِ رسولِ الله ، وإذا أبو بكر موجودٌ ، يريدُ أن يقولَ له قد غفرتُ لكَ .
يقولُ أبو الدَّرداء : فلمَّا أقبلَ عمرُ قامَ إليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم   مغضباً .
فجثا أبو بكر على ركبتيه وقالَ : يا رسولَ الله ، أنا كنتُ أظلم .. أنا كنتُ أظلم .. أنا المخطئُ يا رسولَ الله ، لا تغضبْ منْ عمر .. أنا المخطئُ .. أنا كنتُ أظلم .
يقولُ : والنبيُّ لا يلتفتُ إليه .
فأقبلَ إلى عمر فقالَ له : يا عمر..
 قبلَ أنْ يتكلَّم عمرُ ، لم يسمح له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
قالَ : يا عمرُ ، أرسلني الله إليكم فقلتم كذبتَ وقالَ أبو بكر صَدَقَ ...
 - أوَّل واحد صدَّقني .. أوَّل مَنْ آمنَ بي .. أوَّل مَنْ نصرَني .. أوَّل مَنْ وقفَ معي -
أرسلني الله إليكم فقلتم كذبتَ وقالَ أبو بكر صَدَقَ ، و واساني بنفسهِ ومالهِ فهل أنتم تاركو لي صاحبي "
عندها قالَ أبو الدَّرداء : فما أوذِيَ أبو بكر بعدها .
عرفَ النَّاسُ كلُّهم قَدْرَ هذا الرَّجلِ عند رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
يقولُ :  فما أوذِيَ أبو بكر بعدها .
 
فالثُّنائيَّة عند هذا الرَّجلِ تجدُها في أمورٍ كثيرةٍ .
*- يعني في أسرى بدر .. النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقعَ عنده مجموعةٌ منَ الأسرى قريب منْ سبعين .
فاستشارَ الصَّحابة :  ماذا نفعلُ بهؤلاء الأسرى ؟؟؟
أوَّل مَنْ يجيبُ أبو بكر .. أوَّل مَنْ يتكلَّم بين يدي النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أبو بكر .. أوَّل مَنْ يُستشار ويُطلب منه الرَّأي أبو بكر رضيَ الله عنه .
فقالَ : قومك  وعشيرتك .. أرى أنْ تُفاديهم يا رسولَ الله .
اختارَ النبيُّ قولَ أبي بكر صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
 
 *- أختمُ الثُّنائيةَ بالحديبية .. في الحديبية لما تمَّ الصُّلْحُ بين النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وسهيلِ بنِ عمرو منْ طرفِ قريش ، تعلمون جميعاً أنَّ بنودَ الصُّلْحِ كانَ منْ ضِمنها أنه مَنْ خرجَ منَ المشركين إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ثم طالبتْ به قريش فإنَّ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يردَّه إليهم ، وأنَّ مَنْ خرجَ منَ المسلمين إلى قريش وطلبه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فليسَ على قريش أنْ تردَّه .
يعني هذا الشَّرط واضح .. أنتَ يا محمَّد تردُّ الذي نطلبُه ونحن لا نردُّ الذي تطلبُه  ، ظاهرُ الشَّرط أنَّ فيه إجحافاً في حقِّ المسلمين  ، ثم طُبِّقَ واقعاً .
أثناء الاتفاق جاءَ ابنُ سهيل بن عمرو ، أبو جندل ، وكانَ مسلماً وأبوه سهيل كانَ حبسَه في البيتِ لأنه أسلمَ ، فهربَ منَ البيتِ لما علمَ أنَّ النبيَّ قريبٌ منْ مكَّة صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديبية ، هربَ منَ البيتِ بقيودهِ ثم جاءَ وطرحَ نفسَه بين يدي النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فالتفتَ النبيُّ إلى أبي جندل .
 فقالَ سهيلُ بنُ عمر : يا محمَّد هذا أوَّل واحد أطالبُ فيه تردّه إلينا الآن .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم  لسهيل :  بل تتركه لي .
قالَ : لا .. تردُّه إلينا .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : بل تتركه لي .
فقالَ سهيل : إمَّا أنْ تردَّه وإمَّا لا يوجد اتفاق .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لسهيل : خُذه إذاً .
بعضُ الصَّحابةِ استغربَ منْ هذا الجواب منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم !!!
والنبيُّ لا يغدرُ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وإذا قالَ كلمةً التزمَ بها صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
 فقالَ : خُذه .
حتى إنَّ بعضَ أصحابهِ يقولُ فاقتربتُ منْ أبي جندل أقرِّب له السَّيف
( يعني ليأخذ السَّيف يقتل به أباه أو يقتل له أحد منهم حتى يفلتَ منهم لأنه غير داخل في العهد )
فتمَّ الاتفاقُ و سُجِّلَتِ المعاهدةُ و أخذ أبو جندل .
بعضُ الصَّحابةِ تضايقَ .. منْ هؤلاء عمر رضيَ الله عنه ، جاءَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
فقالَ له : يا رسولَ الله ، ألستَ نبيَّ الله ؟؟
قالَ : بلى .
قالَ : ألسنا المسلمين ؟؟
قالَ : بلى .
قالَ : أليسوا الكافرين ؟؟
قالَ : بلى .
قالَ : ألسنا على الحقِّ .
قالَ : بلى .
قالَ : أليسوا على الباطلِ ؟؟
قالَ : بلى .
قالَ : علامَ نقبلُ الدَّنية في ديننا ؟؟!!!
لماذا نرضى بهذا الشَّرط ؟؟!!
هم لا يردُّون إلينا ونحن نردُّ ؟؟!!!
 علامَ نقبلُ الدَّنية في ديننا ؟؟؟!!!
 
فماذا كانَ جوابُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؟؟
قالَ : يا عمرُ ، إني رسولُ الله وإنَّ الله لنْ يضيِّعني .
قالَ : يا رسولَ الله ، أوَ لستَ قلتَ لنا أنَّا نخرجُ و نعتمرُ ؟؟
لأنَّ النبيَّ كانَ قد أخبرَهم أنه رأى رؤيا أنه يعتمر .. هم محرمون أصلاً في الحديبية .
قالَ : أوَ لستَ أخبرتنا أنا نعتمرُ ونطوفُ بالبيتِ ؟؟
قالَ : بلى .. أوَ قلتُ لك هذا العام ؟؟
قالَ :  لا .
قالَ : فإنك آتٍ البيتَ ومطوِّف به .
سكتَ عمرُ  .. فكَّر عمرُ في نفسهِ مَنْ أقربُ النَّاسِ إلى رسولِ الله ؟؟
مَنْ يستطيعُ أنْ يؤثِّر على رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ؟؟
مَنْ له رأي يسمعُه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بكلِّ ارتياح ؟؟
أبو بكر .. فذهبَ إلى أبي بكر كأنه يريدُ أنْ يدفعَه إلى كلام النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فُوجيءَ عمرُ .
جاءَ إلى أبي بكر قالَ : يا أبا بكر أليس رسول الله ؟؟
قالَ : بلى .
قالَ : ألسنا المسلمين ؟؟
قالَ : بلى .
قالَ : أليسوا الكافرين ؟؟
قال : بلى .
قالَ : ألسنا على الحقِّ ؟؟
قالَ : بلى .
قالَ : أليسوا على الباطلِ ؟؟
قالَ : بلى .
قالَ : علامَ نقبلُ الدَّنية منْ ديننا ؟؟؟!!
قالَ : يا عمرُ ، إنه رسولُ الله وإنَّ الله لنْ يُضيِّعه .
نفس الكلام .. مع أنَّ أبا بكر ما كانَ حاضراً بين عمر والنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لكنْ وُفِّقَ إلى الإجابة ذاتها .
قالَ : إنه رسولُ الله وإنَّ الله لنْ يُضيِّعه ... يا عمرُ الزمْ غَرْزَه .. اتَّبعه .
قالَ: يا أبا بكر أوَ ليسَ أخبرَنا أننا نعتمرُ ؟؟؟
قالَ : بلى.. أوَ أخبرَك أنك تعتمرُ هذا العام ؟
قال : لا .
قال : فإنك آتٍ البيتَ ومطوِّف فيه .
بالله عليكم هذا الكلام هل يقوله أحدٌ إلا وقد وفَّقه الله إلى أنْ يقولَ ما قالَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
فهذه التَّثنيةُ في حياةِ هذا الرَّجلِ مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
*- وخُتمتْ هذه التَّثنيةَ بأنْ تُوُفِّيَ أبو بكر رضيَ الله عنه بعد سنتين منْ وفاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وأبو بكر كانَ قد وُلِدَ بعد ولادةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بسنتين ، فماتَ وعمرُه وعُمر النبيّ واحد !!
ودُفِنَ بجانبِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، ويُحشر مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
هذا هو أبو بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه وأرضاه .
فهذه بعضُ المواقفِ منْ سيرةِ هذا الرَّجلِ ، أعني أبا بكر الصِّدِّيق رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه وأرضاه ، وإنْ كانتِ المواقفُ أكثرَ منْ هذا بكثيرٍ ، ولكن هذا ما أحببتُ أنْ أنبِّه عليه ، وهي قضيَّة خصوصيَّة هذا الرَّجل مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
نرجعُ إلى الآية .. يقولُ الله تباركَ وتعالى معاتباً المؤمنين كما قالَ عليٌّ رضيَ الله عنه : " إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ....(40) " سورة التوبة
انظروا " إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا " .
 ماذا تعني هذه الكلمةُ ؟؟
الله جَلَّ وعلا قالَ : " .... مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) " سورة المجادلة
ويقولُ الله تباركَ وتعالى :" هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْـزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)" سورة الحديد .. هذه معيَّة ،  وهذه معيَّة ، هنا قالَ " وَهُوَ مَعَكُمْ "  " إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ " وهنا قالَ "  إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا " .
هل هذه كهذه ؟؟
لا..  تختلف .
هنا لما يقول الله تبارك وتعالى : " مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ " كانوا مسلمين كانوا كفاراً ، مهما يكونون معهم فهذه المعيَّةُ معيَّةٌ علميَّةٌ .
لما يقول الله تبارك وتعالى : " يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْـزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ " علميَّة ، أي بالعلم ، يعلمُ أحوالكم وأقوالكم وأموركم كلّها ، فلا فضلَ لأحدٍ فيها ،  لأنه يستوي فيها الكافرُ والمسلمُ ، التقيّ والفاجر ، الإنس والجن ، بل حتى البهائم ؛ لأنَّ هذه معيَّة علميَّة ، أي أنَّ علمَ الله محيطٌ بكلِّ شيءٍ سبحانه وتعالى " إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " " وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " .
ختم هاتين الآيتين " إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " " وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "
ذكر الله المعيَّة في كتابه فقالَ : :" إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ...(128) " سورة النحل
وقالَ : " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "سورة البقرة 195، سورة المائدة 13
وقالَ : ".... إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153 ) "سورة البقرة.
ذكرَ أيضاً المعيَّة لهؤلاء .. هذه أصناف ، كلُّ مَنِ اتَّصفَ بهذا الوصفِ صارَ منْ هذا الصِّنف فيكونُ الله معه .
لكن تُرى هل قالها الله لشخصٍ بعينه أنا معك ؟؟
قالها لموسى وهارون :"... إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(46) "سورة طه ، معكما أنتما أسمعُ وأرى .
وقالَ موسى لما فرَّ منْ فرعون ؛ قالَ : :" قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) "سورة الشعراء
هذه معيَّة خاصَّة يقولُ أهلُ العِلْمِ .. خاصَّة بموسى .. خاصَّة بهارون ، لم تحدثْ لأحدٍ منَ البشر منْ غير الأنبياء إلا لأبي بكر الصديق : " إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا " مع أنَّ بين النبيِّ و أبي بكر وبين الكفار أشبار .
الكفَّار على باب الغار والنبيّ وأبو بكر في الغار ويقولُ له " إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا " معي أنا وأنت : " يَا أَبَا بَكْر مَا ظَنّك بِاثْنَيْنِ اللَّه ثَالِثهمَا " ، " لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا " ، فهذه معيَّة خاصَّة ما ذكرها الله لأحدٍ منَ البشر دون الأنبياء إلا لهذا الرَّجلِ .
إلا لأبي بكر الصِّدِّيق رضيَ الله عنه و أرضاه .
فهو متميِّز إذاً ، متميِّز عن سائر البشر رضوانُ الله تبارك وتعالى عليه وأرضاه .
واستُخلِفَ بعد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كما قلنا لمدَّة سنتين وثلاثة أشهر ثم وافاهُ الأجلُ .
وهو على فراشِ الموتِ جاءته ابنتُه أمُّ المؤمنين ، ابنته وأمُّه عائشةُ رضيَ الله عنها ، فلمَّا رأتِ النَّزعَ وسكرات الموت قالتْ عن أبيها وهو يُقاسي النَّزعَ
قالتْ :
 لعمرك ما يُغني الثَّراءُ عنِ الفتى  *** إذا حشرجتْ يوماً وضاقَ بها الصَّدرُ
فالتفتَ إليها
 - وهو في مثلِ هذه الحالِ –
فقالَ : يا بنيَّة هلَّا قلتِ : " وجاءتْ سكرةُ الموتِ بالحقِّ "
 هذه سكرة
 قيلَ له : ألا نأتيك بالطَّبيب ؟؟
قالَ : إنَّ الطَّبيبَ قد رآني .
قالوا : فماذا قالَ لكَ ؟؟
قالَ : قالَ لي : إني فعَّال لما أريدُ " .
يعني الله تبارك وتعالى
 وافته المنيَّة رضيَ الله عنه ودُفِنَ بجانبِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
هذه بعضُ الكلماتِ في حقِّ هذا الصَّحابيِّ الجليلِ ، أعني أبا بكر الصِّدِّيق رضيَ الله تبارك وتعالى عنه وأرضاه ، والله تعالى أعلى وأعلم ، وصلَّى الله وباركَ على نبيِّنا محمَّد .
 
تم تفريغ الدروس بواسطة الأخوات
فاعلة خير و  نازك  و عبق
شبكة المنهج تحت إشراف الشيخ //:
عثمان بن محمَّد الخميس حفظه الله
 
 

الحلقة السَّابعة من سلسلة آل البيت والصَّحابة رضوان الله عليهم
عليّ بن أبي طالب رضيَ الله عنه
الجزء الأوَّل
السَّلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه
إنَّ الحمدَ لله ، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ، ونعوذُ بالله منْ شُرورِ أنفسِنا ومنْ سيِّئاتِ أعمالِنا ، مَنْ يهدهِ الله فهو المهتدي ومَنْ يُضللْه فلنْ تجدَ له وليّاً مُرشداً وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه ، أمَّا بعد :
فإنَّ حديثَنا في هذه اللَّيلةِ متَّصلٌ بأحاديثَ سابقةٍ تكلَّمنا فيها عن آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصحبهِ ، ثم انطلقنا إلى تراجم أهلِ البيتِ وأصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وبدأنا بسيرةِ الصِّدِّيقِ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه وأرضاه ، وفي هذه اللَّيلةِ نأخذُ سيرةَ رجلٍ منْ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، بل نأخذُ سيرةَ أفضل أهلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعد رسولِ الله صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
إنَّ حديثَنا عن العالِم الرَّبَّاني .. إنَّ حديثَنا عن الزَّاهد .. إنَّ حديثَنا عن العالِم الإمام
 
عليّ بن أبي طالب رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه وأرضاه .
 
عليّ رضيَ الله عنه وأرضاه هو وأخوه جعفر وأخوه عقيل يُعتبرون أوَّل رجالٍ منْ بني هاشم ، أمُّهم هاشميَّة ، فبنُو هاشم كانوا يتزوَّجون منْ غيرِ بني هاشم و يُزوِّجون غيرَ بني هاشم ، حتى تزوَّج أبو طالب بنتَ عمِّه فاطمةَ بنتَ أسد فكانَ أوَّل هاشميّ يتزوَّج هاشميَّة
فهو أبو طالب بن عبد المطَّلب بن هاشم ، وهي فاطمة بنت أسد بن هاشم فتزوَّجها أبو طالب ، فأنجبت له عقيلاً وجعفر وعليّاً ، وقد ذكرَ بعضُ أهلِ السِّير أنَّ بين كلِّ واحدٍ منهم والآخر عشر سنواتٍ ، فعقيل هو الأكبر ، ثم جاءَ بعده جعفر بعشر سنواتٍ ، ثم جاءَ بعده عليّ بعشر سنواتٍ .. والله تعالى أعلم .
لكنْ على كلِّ حالٍ إنَّ حديثَنا هو عن عليّ بن أبي طالب ، وهو هاشميٌّ وأمُّه هاشميَّة ، فجمعَ الشَّرفَ منْ حيثُ أبوه ومنْ حيثُ أمّه رضيَ الله عنه وعن أمِّه وذلك أنَّ أمَّه أسلمتْ وهي فاطمة بنت أسد رضي الله عنها .
تميَّز عليٌّ رضيَ الله عنه بأنه تربَّى في بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم منذ نعومةِ أظفاره .
وذلك أنَّ أبا طالب قد أحسنَ إلى النبيِّ صلََّى الله عليه وسلَّم ؛ إذْ ربَّاه في صغره ، كما هو معلوم أنَّ والدَ النبيِّ عبد الله تُوُفِّيَ والنبيُّ حملٌ في بطنِ أمِّه فولدَ يتيماً صلَّى الله عليه وسلَّم ، فاعتنتْ به أمُّه ، وفي السَّادسةِ منْ عُمُرهِ تُوُفِّيَتْ أمُّه صلواتُ ربي وسلامُه عليه ، فاعتنى به جدُّه عبد المطَّلب ، ولما بلغَ الثَّامنةَ منْ عُمُرهِ تُوُفِّيَ عبدُ المطَّلب ، فكفلَه عمُّه أبو طالب ، فنشأ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في كَنَفِ عمِّه أبي طالب حتى بلغَ سِنَّ الرِّجالِ .
ثم بعد ذلك يسَّر الله له وتزوَّج ، تزوَّج خديجةَ بنتَ خويلد .
وفي يومٍ منَ الأيام جلسَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع عمِّه العبَّاس
 فقالَ : له يا عمّ ، أنتَ ترى حالةَ أبي طالب .
- حيثُ إنَّ أبا طالب كانَ فقيراً -
قالَ : أنتَ ترى حالةَ أبي طالب ، فما رأيك أنْ نعرضَ عليه أنْ نأخذَ بعضَ ولدهِ نكفيهِ مُؤْنتهم ؟؟
فقالَ العبَّاس : نِعْمَ الرَّأيُ .
فذهبَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعمّه العبَّاس إلى أبي طالب
فقالا له : أعطِنا بعضَ ولدكَ نكفلُه لكَ ونكفيك مُؤْنته .
فسكتَ أبو طالب قليلاً ثم قالَ : إنْ تركتم لي عقيلاً فخذوا مَنْ شئتم .
 المهمّ دعوا عقيلاً .
فقالَ العبَّاس : فإني آخذٌ جعفراً .
وقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : فإني آخذٌ عليّاً .
فأخذَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليّاً وهو صغيرٌ قريبٌ منَ الخامسةِ منْ عُمُرهِ أو السَّادسةِ ،  فتربَّى عليٌّ في بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فكانَ كواحدٍ منْ أولاده .
عندما بلغَ عليٌّ الثَّامنةَ منْ عُمرهِ وقيلَ العاشرةَ منْ عُمرهِ بُعِثَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. لما بُعِثَ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه عرضَ الإسلامَ على النَّاسِ يدعوهم إلى الله تباركَ وتعالى وكانَ عَرْضُهُ مقتصراً على الخاصَّة ، وهذه الفترةُ تسمَّى فترة النبَّوة قبلَ فترةِ الرِّسالةِ ، فصارَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يعرضُ الإسلامَ على الخاصَّة .
فكانَ ممنْ عرضَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليه الإسلامَ عليّ بن أبي طالب .
 جاءَه النبيُّ وقالَ : يا عليُّ ، أعرضُ عليك هذا الإسلامَ و لكنْ لا تستعجلْ حتى تستشير أباك .
فَذُكِرَ أنَّ عليّاً أتى أباه وعرضَ عليه الأمرَ فأذنَ له أنْ يتابعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، عندها أسلمَ عليٌّ رضيَ الله عنه .
ولذلك يُقال عن عليّ هو أوَّل مَنْ أسلمَ منَ الصِّبيان ( يعني منَ الصِّغار الذين لم يبلغوا الحلم ) .
وكانتْ خديجةُ رضيَ الله عنها هي أوَّل مَنْ أسلمَ منَ النَّاسِ كلِّهم ، بل منَ الإنسِ والجنِّ رضيَ الله عنها .. أوَّل مَنْ أسلمَ  وتابعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم خديجة .
ثم أسلمَ أبو بكر فكانَ أوَّل مَنْ أسلمَ منَ الرِّجالِ .
وأسلمَ زيد بنُ حارثة وكانَ أوَّل مَنْ أسلمَ منَ الموالي .
وأسلمَ بلال بنُ رباح فكانَ أوَّل مَنْ أسلمَ منَ العبيد .
فكانَ هؤلاء الخمسة " خديجة و أبو بكر وعليّ وبلال و زيد " هؤلاء أوَّل مَنْ أسلمَ وتابعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم  .
بعدما أسلمَ عليٌّ رضيَ الله عنه منَ الطَّبيعيِّ لصِغَر سِنِّه لم يكنْ له ذاك الأثر في الدَّعوةِ إلى الله في مكَّة ، ولكنَّه كانَ مُتابعاً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 وكانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُحبُّه حبّاً شديداً ، حتى جاءَ وقتُ هجرةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وذلك بعد ثلاث عشرة سنة منَ البِعثة ( يعني عندما بلغَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الثالثة والخمسين منْ عُمُره ) أُذِنَ له بالهجرةِ .
وكانَ عليٌّ في ذلك الوقتِ قد ناهزَ الواحد والعشرين منْ عُمرهِ ؛ فناداه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم
 وقالَ له : يا عليّ إنَّ الله قد أذنَ لي بالهجرةِ فإني مهاجرٌ .
فقالَ : الصُّحبة يا رسولَ الله ؟؟
أصاحبُك في الهجرة ؟؟
قالَ : لا .. ولكنْ هذه أماناتُ قريش تردُّها إليهم .
وهذا يدلُّ على أخلاقِ هذا النبيِّ الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم كيف أنَّ قريشاً اتهمته بالجنون والكذبِ والسِّحر والكهانةِ والشِّعر وغير ذلك وآذتْ مَنْ آذتْ منْ أصحابهِ ، بل آذته هو صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، ومع هذا لا يهاجرُ حتى يردّ الأمانات إلى أهلها ، فأعطى الأمانات إلى عليّ بن أبي طالب .
قالَ : " تبقى أنتَ حتى تردّ الأمانات إلى أهلها ".
*- هذه الأولى ..
 
*- والثانية .. قالَ : " يا عليّ ، إني مهاجرٌ ليلاً وهم قد أرادوا قتلي ؛ فأريدُك أنْ تنامَ في فِراشي حتى يظنّ القومُ أني في الفِراش وأخرج ليلا ".
قالَ : أفعلُ .
فقبلَ عليٌّ الأمرين .. قبلَ أنْ يستلمَ الأماناتِ ليردَّها إلى أهلِها ، وقبلَ أنْ ينامَ في فِراشِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حتى يُلبسَ على قريش في هجرةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، و كانَ الأمرُ كذلك .
وخرجَ النبيُّ مهاجراً صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، وظلَّ عليٌّ رضيَ الله عنه في فِراشهِ ، فكانوا كلَّما نظروا منْ كُوَّة البابِ وجدوا مَنْ يظنُّون أنه النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وظلُّوا كذلك حتى قطعَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم شوطاً في رحلتهِ ، فلمَّا أصبحَ النَّاسُ دخلوا عليه يريدون قتلَه و إذا هو عليّ بن أبي طالب !!
قالوا : أين صاحبُك ؟؟!!
قالَ : لا أدري .
ثم جلسَ عليٌّ رضيَ الله عنه في مكَّة يردُّ الأماناتِ إلى أهلِها حتى إذا فرغَ منْ ذلك كلِّه تبعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهاجرَ حيثُ هاجرَ النبيُّ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
هاجرَ عليٌّ .. وصلَ المدينةَ .
وفي السَّنةِ الثَّانيةِ منَ الهجرةِ ناداه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وزوَّجه ابنتَه فاطمةَ .
وقد ذُكِرَ أنَّ أبا بكر وعمر رضيَ الله عنهما عرضا على عليّ ذلك .. لماذا  لا تتزوَّج ابنةَ عمِّك بنت النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فاطمة رضوانُ الله عليها ؟؟!!
فقالَ رضيَ الله عنه : ولكنْ لا مالَ عندي .
فقالَ له عثمانُ رضيَ الله عنه  : مهرُك عليَّ.. فاقدمْ .
وفعلاً تقدَّم عليٌّ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وطلبَ يدَ فاطمة بنتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم سيِّدة نساءِ العالمين .. خير بنات النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فزوَّجه صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
 تزوَّج عليٌّ سيِّدةَ نساءِ العالمين .. تزوَّج بنتَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فأكرمَ الله هذه الأسرةَ المباركةَ بأربعةِ أولادٍ ؛ ذكرين و أنثيين " الحسن ثم الحسين ثم أم كلثوم ثم زينب " أربعة أولاد أنجبتهم فاطمةُ لعليّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهما ، واستمرَّ هذا الزَّواجُ المباركُ زواج عليّ منْ فاطمة .
أنجبتْ أوَّل ما أنجبتْ حسناً ، فجاءَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لما ولدتْ فاطمةُ فأخذَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم
 قالَ : ما أسميتموه ؟؟
فقالَ عليٌّ : أسميتُه أسداً .
 فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : بل هو حسن .
وفي روايةٍ أنه قالَ : أسميتُه حربا .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : بل هو حسن .
لا أسد ولا حرب ، حسن .. فسمَّاه النبيُّ حسناً .
وذلك أنَّ عليّاً رضيَ الله عنه كانَ اسمُه أسداً ، أوَّل ما وُلِدَ لم يكنْ أبو طالب موجوداً فسمَّته أمُّه فاطمةُ بنتُ أسد على اسم أبيها
فقالتْ : أسد .
فلمَّا جاءَ أبو طالب قالَ : أين ولدي ؟؟
قالتْ : هذا ولدُك .
قالتْ : سمَّيته.
قالَ : وماذا أسميتهِ ؟؟
قالتْ : أسداً على اسم أبي .
قالَ : بل هو عليّ .
 ولذلك عليّ رضيَ الله عنه سيأتينا إنْ شاءَ الله تعالى عندما يقاتلُ مرحباً اليهوديّ يقولُ :
أنا الذي سمَّتني أمي حيدرة
يعني : أسد ..حيدرة هو الأسد
فالشَّاهدُ منْ هذا فسمَّاه النبيُّ حسناً ، فلما ولدتْ فاطمةُ الحسين جاءَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم  إلى عليّ
قالَ : ما أسميتَه ؟
قالَ : أسد .
وفي رواية : حرب .
 فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " لا ، بل هو حسين " .
فسمَّاه حسيناً صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
فهذان الحسن والحسين هما أوَّل حفيدين أو سِبطين للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم منِ ابنتهِ فاطمة ، وذلك أنَّ زينبَ تزوَّجها أبو العاص بنُ الربيع لكنْ لم تُنجبْ له إلا متأخِّرة ، وكذلك رقيَّة تزوَّجها عثمانُ فلم تُنجبْ له ، ثم تزوَّج بعدها أمَّ كلثوم في السَّنةِ الثَّالثةِ منَ الهجرةِ أو في آخر السَّنةِ الثَّانيةِ منَ الهجرةِ فأنجبتْ له ولداً وماتَ .
لكن ذرِّية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم صارتْ منْ ظهرِ عليّ ، وهؤلاء يُنسبون إلى النبيِّ
فيقالُ : حسن ابن النبيِّ .. أنا سِبطُ النبيِّ .. أنا ابنُ بنتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وإلى اليوم هذه تُعتبرُ أشرف أسرةٍ على وجهِ الأرض ؛ وهي التي تنتسبُ إلى عليّ بن أبي طالب منْ حيثُ الأبِ إلى فاطمة منْ حيثُ الأم .
عاشَ عليٌّ رضيَ الله عنه مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم العشر سنوات التي كانتْ في المدينةِ ، خلالَ هذه الفترةِ وهي العشر سنوات وقعتْ أحداثٌ كثيرةٌ جداً ظهرَ فيها فضلُ عليٍّ رضيَ الله عنه ومكانته عند النبيِّ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
عندما نتكلَّم عن عليّ بن أبي طالب رضيَ الله عنه سنتكلَّم عنه منْ خلالِ مباحثَ :
 *- المبحث الأوَّل : سنتكلَّم عن مكانتهِ عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
*- المبحث الثَّاني : سنتكلَّم عن فضائل عليّ رضيَ الله عنه ، وفضائلُ عليّ تنقسمُ إلى ثلاثةِ أقسام  إلى :
*- فضائل خاصَّة به .
*- فضائل مشتركة مع آلِ البيتِ .
*- فضائل مشتركة مع أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 ثم نتكلَّم بعد ذلك عن حياةِ عليٍّ رضيَ الله عنه سواء في زمنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومواقفهِ أو بعد وفاةِ النبيِّ إلى وفاتهِ رضيَ الله عنه في أربعين منَ الهجرة .
أوَّلاً مكانة عليّ منَ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
كانَ عليٌّ رضيَ الله عنه منْ أقربِ النَّاس إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وهو أقربُ النَّاس نسباً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  بعد العبَّاس .
 فالعبَّاسُ عمُّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو أقربُ منْ عليّ ، عليّ ابنُ عمِّه هو وجعفر وعبد الله بن العبَّاس والفضل بن العبَّاس هؤلاء في درجةٍ واحدةٍ منْ حيثُ القرابة مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؛ يلتقون مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في عبد المطَّلب ، أقرب منه فاطمة حيث إنها بِنتُه مع زينب و أمّ كلثوم ورقية ، أقرب منه الحسن والحسين حيثُ إنهما سِبطا النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
لكنْ منْ حيثُ آلِ البيتِ بشكل عام هو أفضلُهم ، هو أفضلُ منَ العبَّاس وأفضلُ منْ جعفر ، وأفضلُ منْ عقيل ؛ حتى الحسن والحسين هو أفضلُ منهم رضيَ الله تباركَ تعالى عليهم ، فهو أفضلُ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
مكانتُه عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومكانةُ النبيِّ عنده
أمَّا مكانتُه فتظهرُ منْ خلالِ إبراز النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لذلك الأمر منْ خلالِ ما سنذكرُه منْ فضائلهِ ، وأمَّا مكانةُ النبيِّ عنده فكانَ محبّاً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  بشكلٍ لا يمكنُ أنْ نصفَه بكلماتنا هذه القصيرة في مثلِ هذا الوقتِ القصيرِ .
يدلُّنا على ذلك أمرٌ ألا وهو في أحُد كيف إنه لما قصدَ المشركون قتلَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كيف وقفَ عليٌّ رضيَ الله عنه مدافعاً عن النبيِّ ؛ وكذا الأمر في حُنين ، وهذا سيأتي في وقتهِ إنْ شاءَ الله تعالى ، ولكنْ نذكرُ الآنَ مسألةً واحدةً في الحديبية .
*- لما خرجَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى العُمرةِ في السَّنةِ السَّادسةِ منَ الهجرةِ ثم منعته قريش ؛ وكانَ أنْ حدثَ صلحُ الحديبية ، فكانَ كاتبُ الصُّلْحِ هو عليّ بن أبي طالب رضيَ الله عنه ، هو الذي كتبَ الصُّلْحَ بين النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وبين سهيل بن عمرو منْ قبل قريش .
حدثتْ حادثةٌ ..
وبما أنه قالَ النبيُّ لعليّ : اكتبْ باسم الله الرَّحمن الرَّحيم .
( يكتبون  الآن الصُّلح )
 فقالَ سهيل : أعترضُ ، اكتبْ كما كانَ يكتبُ آباؤك باسمك اللهمَّ ، لا نعرفُ الرَّحمن الرَّحيم .
فالتفتَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى عليّ قالَ : امحُها واكتبْ باسمكَ اللهمَّ .
النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يريدُ أنْ يتمَّ هذا الصُّلْحُ حتى يتوقَّف نزيفُ الدِّماءِ .
فقالَ : اكتبْ باسمك اللهمَّ .
فكتبَ باسمكَ اللهمَّ .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم :  اكتبْ يا عليّ ، هذا ما صالحَ عليه محمَّد بنُ عبدِ الله رسولُ الله سهيلَ بنَ عمرو .
فقالَ سهيل بن عمرو : أعترض .
قالَ : تعترضُ على ماذا ؟
قالَ : لا تكتبْ رسولَ الله ، إذا كتبتَ رسولَ الله وأنا وقَّعتُ في الأسفلِ كأني أقِرُّ لكَ رسول الله ؛ وأنا لا أؤمن بك أنك رسولُ الله.. لا تكتبْ رسولَ الله ، اكتبْ اسمكَ واسمَ أبيك .. صُلْح بين محمَّد بنِ عبدِ الله وبين سهيلِ بنِ عمرو ، لا تكتبْ رسولَ الله ، لأني لا أوافقُ أنك رسولُ الله .
لأنَّ سهيلاً كانَ كافراً في ذلك الوقتِ ، لم يُسلمْ بعدُ ، هو أسلمَ بعد ذلك ، ولكنْ في هذه المرحلةِ لم يكنْ قد أسلمَ .
فقالَ : اكتبْ اسمَك واسمَ أبيك ولا تكتبْ رسولَ الله .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : نعم .. يا عليّ امحُ رسولَ الله .
فقالَ : لا أمحوها ...
لأنه يرى أنَّ هذا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وكيف لسهيل بن عمرو أنْ يعترضَ على مثلِ هذا الأمرِ ؟؟!!
قالَ : لا  أمحوها ..
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : امحُها..
قالَ : لا أمحوها ..
هو لا يقولُ هذا عناداً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولكنه لا يقبلُ أنْ يُصدرَ سهيلُ بنُ عمرو أوامرَه أو شروطَه على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
قالَ : لا أمحوها ..
والنبيُّ صلواتُ ربِّي عليه أمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتبُ ولا يدري أيُّها رسول الله في المكتوب .
فقالَ : يا عليّ ، ضعْ يدي عليها .
أين هي رسول الله  في هذا الكلام الذي كتبتَه ؟؟
أين كلمةُ رسول الله ؟؟
فوضعَ يدَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليها فمحاها بيدهِ صلَّى الله عليه وسلَّم .. هذا يدلُّنا على مكانةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في قلبِ عليّ مع أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم
 يقولُ له  : امحُها
وهو يقولُ : لا أمحوها .
لا عناداً ولكنْ كما قلنا محبَّةً في النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وإقراراً وتصديقاً بأنه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
 
نأتي للكلام عن فضائلِ هذا الرَّجلِ رضيَ الله عنه ..كما قلنا إنَّ فضائلَ عليّ رضيَ الله عنه يمكنُ أنْ نقسمَها إلى ثلاثةِ أقسام ، إلى :
 
*- فضائل خاصَّة .. هذه الفضائل الخاصَّة لها أمثلة كثيرة  ولكنْ لا يسعُ المجالُ لذكرِها كلِّها وإنما سنختارُ :
*-  منْ أفضلِ هذه الأمورِ ما ذكرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً في خيبر ، إذْ خرجَ النبيُّ إلى خيبر ، ثم حاصرَ خيبر فترةً منَ الزَّمَنِ ، ولم يستطعْ أنْ يفتحَها صلَّى الله عليه وسلَّم ، هو ما زالَ محاصراً لهم
فقالَ : " لأعطينَّ الرَّايةَ غداً رجلاً يحبُّ الله ورسولَه ويحبُّه الله ورسولُه "
هذه الكلماتُ منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تزكية لهذا الرَّجلِ أنه صادق الايمان بحيثُ إنه يحبُّ الله ورسولَه ، وحيثُ إنه وليٌّ منْ أولياءِ الله يحبُّه الله ويحبُّه رسولُه ، فهو صلَّى الله عليه وسلَّم أثبتَ له الأمرين : إيماناً صادقاً ومكانةً عند الله تباركَ وتعال وعند رسولهِ .
 
فلمَّا صلَّى النبيُّ الغداةَ ، أي الفجر .. أصبحَ كلُّ واحدٍ منَ الصَّحابةِ يُبرزُ نفسَه ، يريدُ أنْ يقولَ أنا هنا ، لعلِّي أنا المقصود .
فصارَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ينظرُ في وجوه الصَّحابةِ  ، كلُّ واحدٍ يُبرزُ نفسَه يقولُ أنا .
حتى قالَ عمرُ : والله ما تمنَّيتُ الإمارةَ إلا في ذلك اليوم
عندها قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : أين عليّ ؟؟!!
ما أرى عليّاً بين النَّاسِ ؟؟؟!!
ما صلَّى معنا الفجر ؟؟!!
أين عليّ ؟؟!!
فقالوا : يشكو عينيه ، وذلك أنه قد أصابَه رمدٌ في عينيه .
فقالَ : عَلَيَّ به .
نادُوه ...فأتي بعليّ .
وهذه خيبر بعد صُلْح الحديبية بشهرين فقط .. في محرَّم ، وصُلْح الحديبية كانَ في ذي القعدة ، في بداية السَّنةِ السَّابعةِ كانَ فتحُ خيبر ، و في آخر السَّنةِ السَّادسةِ كانَ صُلْح الحديبية .
قالَ صلَّى الله عليه وسلَّم : عَلَيَّ بعليّ .
فأتي به أرمد يُقاد ( يعني لا يستطيعُ أنْ يرى .. يقودونه ) ، فوقفَ بين يدي النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فتفلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في عينيه فأبصرَ رضيَ الله عنه .. كأنه لم يكنْ أرمداً في يومٍ منَ الأيام ، ثم أعطاه الرَّايةَ صلَّى الله عليه وسلَّم .
فأخذَ عليٌّ الرَّايةَ فَرِحاً بها بعد أنْ بُلِّغَ بما قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
فأخذَ الرَّايةَ .. فقالَ : يا رسولَ الله ، والله لأقاتلنَّهم حتى يَكونوا مِثلَنا.
قالَ : يا عليّ ، لئنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك منْ حُمر النَّعَم."
حُمُر النَّعَم هي الإبل الحمراء ، وكانتْ عزيزةً على العربِ في ذلك الوقتِ .
فأخذَ الرَّايةَ عليٌّ رضيَ الله عنه .
أمَّا ماذا حدثَ في خيبر .. فهذا نُؤجِّلُه إلى حديثنا عن شجاعةِ عليّ رضيَ الله عنه وأرضاه .. المهم نريدُ الآنَ هنا مكانته عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وشهادة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم له بأنه يحبُّ الله ورسولَه ويحبُّه الله   ورسولُه .
 
*- الحادثة الثانية : خرجَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى تبوك وترك عليّاً في المدينةِ رضيَ الله عنه ليرعى شؤون أهلهِ في المدينةِ .. أزواج النبيّ .. أقارب النبيّ ..نساء النبيّ منْ أقاربه .. يرعى شؤونهنَّ جميعاً عليٌّ رضيَ الله عنه وأرضاه .
وخرجَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى تبوك ، فتكلَّم بعضُ المنافقين وقالوا ما تركَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليّاً إلا استثقالاً له.. يعني لا يريدُه معه .. مستثقله ، فبلغَ  الكلامُ عليّاً رضيَ الله عنه فتضايقَ أنْ يقالَ له مثل هذا الكلام فتبعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى خارج المدينة .
لأنَّ هذا الجيشَ عسكرَ خارجَ المدينة ينتظرون المتأخِّرين حتى ينطلقوا ، فلحقَهم عليٌّ إلى خارج المدينة ، فأدركَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم
قالَ : يا رسولَ الله ، تتركُني مع النِّساء والصِّبية ؟؟!!
يعني وأنا الفارسُ المغوار الشُّجاع المقاتل الحريص .. تتركُني مع النِّساء والصِّبية ؟؟!!!
فقالَ له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم تطييباً لقلبهِ قالَ : يا عليّ ، أمَا ترضى أنْ تكونَ مني بمنزلةِ هارون منْ موسى إلا أنه لا نبيَّ بعدي ؟؟
أي إنَّ موسى صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه لما خرجَ إلى ميقاتِ ربِّه أبقى هارون أخاه ، ولم يكنْ في إبقائهِ لهارون منقصة على هارون صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .. وكذلك أنا عندما أبقيك يا عليّ ليس في هذا منقصة عليك ، ولكنِ انتبه لا نبيَّ بعدي .
لأنه قد يظنُّ البعضُ أنَّ النبيَّ إذا تركَ عليّاً وشبَّه تركَه له كتركِ موسى لهارون قد يظنُّ بعضُ الغُلاةِ أنَّ عليّاً نبيٌّ كما أنَّ هارون  نبيٌّ .. فنبَّه النبيُّ إلى هذا صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، قالَ : " إلا أنه لا نبيَّ بعدي "
وفي هذا يقولُ سعد بن أبي وقَّاص : ما أزالُ أحبُّ عليّاً رضيَ الله عنه لثلاثٍ سمعتهنَّ منْ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وذكرَ منها لما أعطى الرَّايةَ في خيبر قالَ النبيُّ : " لأعطينَّ الرَّايةَ غداً رجلاً يحبُّ الله ورسولَه ويحبُّه الله  ورسولُه " ، وذكرَ منها أنه لما خرجَ إلى تبوك قالَ لعليّ : " يا عليّ ، ألا ترضى أنْ تكونَ مني بمنزلةِ هارون منْ موسى إلا أنه لا نبيَّ بعدي " .
" بمنزلة هارون منْ موسى" هكذا يقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن عليّ رضيَ الله عنه وأرضاه
*- أمَّا الثالثة .. فإنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمرَ خالدَ بنَ الوليد أنْ يذهبَ إلى اليمن ، حاصرَ أهلَ اليمن خالدُ بنُ الوليد لكنْ لم يُسلموا ، فبعدَ ذلك ظهرَ عليهم خالدُ بنُ الوليد ، فأرسلَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
 فقالَ : يا رسولَ الله ، قد ظهرنا على أهلِ اليمن فأرسلْ لنا مَنْ يخمِّسُ الغنيمةَ .
لأنَّ الغنيمةَ إذا غُنِمَتْ في الفتوحات تُقسم إلى خمسةِ أقسام  .. أخماس .. أربعة أخماس  تُوَزَّع على الجيش الذي فتحَ .. الذي شاركَ .. المقاتلين .. المجاهدين ، تُقسم عليهم أربعةُ أخماس ، يعني ثمانون في المئة ، ويبقى الخمس ، وهذا الخمسُ يرجعُ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو الذي يقولُ الله تباركَ وتعالى فيه : " وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... (41) " سورة الأنفال.
  فهذه الغنيمةُ وهي الخمس - العشرون بالمئة - تذهبُ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، ويقسمُها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على خمسةِ أخماس .. لله والرَّسول .. لذي القربى .. اليتامى .. المساكين .. ابن السبيل .
هكذا تُقسم الغنيمةُ .
فخالد بن الوليد قالَ : أرسلْ لنا مَنْ يخمِّسُ الغنيمةَ .
 فأرسلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليّاً رضيَ الله عنه .
فجاءَ عليٌّ إليهم فخمَّسَ الغنيمةَ ، و جُمِعَتِ الغنائمُ كلُّها فقسمها عليٌّ خمسة أخماس ، ثم أربعة أخماس وزَّعها  على الجنود الذين شاركوا في القتال وخُمُس أخذه  عليٌّ رضيَ الله عنه ليردَّه إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
ماذا حدثَ بعد ذلك ؟؟
حدثَ بعد ذلك أنَّ عليّاً بعد أنْ عزلَ الخُمُسَ الذي للرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم  أخذَ جاريه منَ الخمس فدخلَ عليها عليٌّ رضيَ الله عنه ( أي جامعَها ) فتضايقَ بُرَيْدَةُ بنُ الحَصِيب وخالدُ بنُ الوليد وآخرون تضايقوا منْ هذا التصرُّف .
يعني كأنهم يقولون في أنفسِهم المفروض أنَّ هذا الخُمُسَ تذهب به إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، والنبيُّ هو الذي يقسِّمه وليس  أنت .. ليس لك الحقّ أنْ تتصرَّف في الخُمُس .
المهم .. بُريدة رضيَ الله عنه خرجَ منَ اليمنِ إلى النبيِّ مباشرةً يشتكي عليّاً على  هذا الفعلِ ، فدخلَ بُريدةُ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  وعليٌّ ما زالَ في اليمنِ ، كانَ ذلك في السَّنةِ العاشرةِ منَ الهجرةِ ، والنبيُّ أمرَ عليًّا أنْ لا يرجعَ إلى المدينةِ وإنما الوعدُ في مكَّة ، لأنَّ النبيَّ يريدُ الحجَّ .
 فقالَ : أنا أخرجُ إلى الحجِّ منَ المدينةِ وأنتَ تخرجُ يا عليّ منَ اليمنِ ، والوعدُ في مكَّة .
فبُريدةُ مباشرةً رجعَ إلى النبيِّ في المدينةِ يشتكي عليّاً
فقالَ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم :  يا رسولَ الله ، إنَّ عليّاً فعلَ كيت وكيت .
فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كأنه لا يسمعُ .. ما ردَّ عليه  ..كأنه لم يقبلْ هذه الشكوى .
 فبريدةُ رجعَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
قالَ : يا رسولَ الله ، إنَّ عليّاً  فعلَ كيت وكيت .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لبريدة : يا بريدةُ أتبغضُ عليّاً ؟؟؟
قالَ : نعم .
قالَ : " فأحبَّه .. فإنَّ له في الخُمُسِ أكثر منْ ذلك " .
يعني إذا أنت متضايق أنه اخذ وصيفةً منَ الخمس فعليّ له أكثر منْ ذلك .
" فإنَّ له في الخُمُس أكثر منْ ذلك .. مَنْ كنتُ مولاه فعليّ مولاه "
يقولُ بُريدة : فما زلتُ أحبُّ عليّاً منْ ذلك اليوم .
لأنه عرفَ مكانته وقدرَه عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 
عليٌّ رضيَ الله عنه خرجَ الآن منَ اليمن إلى مكَّة شرَّفها الله فأمرَ النَّاسَ أنْ يستعجلوا بالخروج إلى مكَّة وأعطاهم مجموعةً منَ الإبل يسيرون بها
وقالَ لهم : لا تركبوا الإبلَ ، تمشون على الأرض ، رِجْلِي ..الإبل لا  تركبوها .
لأنَّ هذه الإبل ستكونُ هَدْياً في الحجّ .
فنهاهم أنْ يركبوها ،  ثم أمرَهم أنْ ينطلقوا وتأخَّر هو قليلاً ثم تبعَهم وأمرَ عليهم رجلاً .. فلمَّا لحقَ بهم عليٌّ وإذا قد ركبوا الإبلَ ،  أذِنَ لهم المسؤولُ أنْ يركبوا الإبلَ .
فلمَّا أتى عليٌّ ورأى أثرَ الرُّكوبِ على الإبلِ أمسكَ بالمسؤولِ وعاتبَه على هذا الفعلِ ، قالَ : قلتُ لك لا تأذنْ لهم بركوبِ الإبلِ ، فلماذا تأذنُ لهم ؟؟
وبدأ يعنِّفه رضيَ الله عنه ...
فتضايقَ بعضُ النَّاسِ ، ما هذه الشِّدَّة ؟
ما هذه الغِلْظةُ ؟
فانتظروا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عندما وصلَ إلى مكَّة ، التقوا مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فجاءَ أبو سعيد الخدري يشتكي إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
 قالَ : كانَ عليٌّ شديداً علينا.. كانَ فيه غِلْظَة علينا.. فعلَ كيت وكيت .. منعَنا منْ ركوبِ الإبلِ .
وفي روايةٍ : أنه منعَهم منَ لِباس بعض الأردية .
فقالَ : فعلَ كذا وكذا .
فما كانَ منَ النبيِّ إلا أنْ قالَ : " قد علمتُ أنَّ عليّاً قد أحسنَ "
أيضاً دافعَ عنه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وبيَّن مكانته عنده رضيَ الله عنه وأرضاه .
فلمَّا أتمَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الحجَّ ورجعَ إلى المدينةِ وهو في الطَّريقِ وقفَ في مكانٍ يُقالُ له الجُحْفَة ، وهذه الجحفة تبعدُ عن مكَّة قريب منْ مئتين  وستين كيلو .
 
وتبعدُ عن المدينةِ قريب منْ مئة وسبعين كيلو ، يعني تقريباً في الوسط أو أقرب إلى المدينة ، وكانَ منْ عادةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في هذه الرِّحلةِ - وهذه الرِّحلة مدَّتها تقريباً منْ سبعة إلى تسعة أيام - فكانتْ عادتُهم يمشون في اللَّيلِ ويرتاحون في النَّهارِ .
 في يومٍ منَ الأيام وهو تقريباً في الثَّامن عشر منْ ذي الحجَّة ، لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم انتهى منَ الحجِّ في الثَّالث عشر منْ ذي الحجَّة  ، في الثَّامن عشر وصلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الجحفة ،  في هذا اليوم قامَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وخطبَ في النَّاسِ ، ثم أرادَ أنْ ينبِّه إلى مكانةِ أهلِ بيتهِ صلَّى الله عليه وسلَّم
فقالَ : " إني تاركٌ فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله " ، ثم ذكرَ كتابَ الله ، وأمرَ بالتَّمسُّكِ به والمحافظةِ عليه ، وذكَّر به صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
ثم قالَ : " وأهل بيتي ، أذكِّركم الله أهلَ بيتي ، أذكِّركم الله أهلَ بيتي ، أذكِّركم الله أهلَ بيتي ".
 ثم قالَ : " مَنْ كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاه " .
يعني يا مَنِ اشتكيتُم عليّاً سواء بُريده ومَنْ كانَ معه في المدينة أو أبو سعيد ومَنْ كانَ معه في مكَّة ؛ أريدُكم أنْ تعرفوا مكانةَ عليٍّ عندي وعند الله " مَنْ كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاه "
فعرفَ النَّاسُ مكانةَ عليٍّ وقَدْرَ عليٍّ عند رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعند ذلك أقرُّوا له بذلك .. أي أقرُّوا له بالفضلِ والمكانةِ عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وصاروا يحسبون له ألفَ حسابٍ في كلامِهم ومنطقِهم ورُؤيتهم له وغير ذلك منَ الأمورِ ، هذه بعضُ فضائل عليّ الخاصَّة .
 
* - نأتي إلى فضائلهِ العامَّة مع أهلِ البيتِ
 
*- أوَّلاً : قول النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " مَنْ كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاه " وعليٌّ منْ رؤوسِ أهلِ البيتِ إنْ لم يكنْ عليٌّ رأسَ أهلِ البيتِ في ذلك الوقت رضيَ الله عنه وأرضاه
*- الحادثة الثانية: تقولُ أمُّنا عائشةُ رضيَ الله عنها وعن أبيها أنه في يومٍ منَ الأيام دخلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليَّ البيت ( في بيت عائشة ) فدعا عليّاً وفاطمةَ ، فجاؤوا إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وكانَ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كساء منْ شَعر - كِساء مثل البشت ..عباءه - فجعلَ عليّاً وفاطمةَ داخلَ الكِساءِ معه ( غطَّاهما بالكِساءِ ) ، ثم جاءَ الحسنُ فدخلَ في الكساءِ ، ثم جاءَ الحسينُ ودخلَ في الكساءِ - وكانَ الحسنُ والحسينُ في ذلك الوقتِ يمكن الحسن 5سنوات والحسين 4سنوات - فأدارَ النبيُّ الكساءَ عليهم ( على عليّ وفاطمة والحسن والحسين ) .
يعني ضمَّهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إليه بالكساء ، ثم قرأ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ".... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) " سورة الأحزاب .
فكانتْ هذه كرامة لهؤلاء الأربعة إذْ أكرمَهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بهذا الدُّعاء الطَّيب المبارك ، ومعلومٌ أنَّ دعاءَ النبيِّ مستجابٌ صلَّى الله عليه وسلَّم فأكرمَهم بهذا الدُّعاء
 ثم قالَ : " اللهمَّ هؤلاء أهل بيتي ، اللهمَّ أذهبْ عنهم الرِّجس وطهِّرهم تطهيراً " ، وكانَ الأمرُ كما طلبَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، هذه حادثة .
 
*- الحادثة الثالثة : وهي أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم جاءَه وفدٌ منْ نجران ( نصارى ) ، وصاروا يناقشون النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في موضوع عيسى صلَّى الله عليه وسلَّم ، فأنزلَ الله جلَّ وعلا آياتٍ منْ سورةِ آلِ عمران  وتكلَّم وبيَّن النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مَنْ هو عيسى :"  إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) " حتى ذكرَ قصَّة عيسى كاملةً صلَّى الله عليه وسلَّم .
 فعاندَ أهلُ نجران ..عاندوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
قالوا : إنَّ هذا الكلامَ غيرُ صحيحٍ ولا نقبلُه .
لأنهم يعتقدون في عيسى أنه ابنُ الله وأنه ثالثُ ثلاثةٍ ، فبيَّن لهم أنه عبدٌ رسولٌ .. عندها عارضوا وعاندوا فأنزلَ الله تباركَ وتعالى قولَه جلَّ وعلا :" فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ.. ( أي في عيسى )
" فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)"سورة آل عمران
فقالَ أهلُ نجران : نعم نبتهلُ .
والمباهلةُ هي الملاعنةُ ، يعني يأتي هذا الطَّرفُ بأقربِ النَّاسِ إليه ويأتي الطَّرفُ الثَّاني بأقربِ النَّاسِ إليه ثم يجتمعون في مكانٍ ويبدأ الطَّرف الأوَّل يقولُ : اللهمَّ إنْ كانَ الحقُّ معي وهذا الرَّجل على باطلٍ فاللهمَّ أظهرِ الحقَّ وأنزلْ عذابَك وسخطَك الآن عليه .
و إنْ كانَ الحقُّ معه وكنتُ مبطلاً كاذباً فأنزلْ عذابَك عليَّ .
هكذا يدعو على صاحبهِ ويدعو على نفسهِ ، ويأتي الآخر يفعل الشَّيءَ ذاته ، هذه تسمَّى المباهلة .
عندها قالوا : نعم نباهلُك .
فجاءَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم منَ الصَّباح وإذا به أتى بعليّ وفاطمة والحسن والحسين ، كأنه يقولُ : هؤلاء أقرب النَّاس إليَّ صلَّى الله عليه وسلَّم
فأتى بهؤلاء الأربعة ، فلمَّا رأى وفدُ نجران أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم
عازمٌ على المباهلةِ وقعَ الخوفُ في قلوبهم
فقالوا : يا محمَّد ، لا نباهلُك .. ولكنْ أرسلْ معنا رجلاً أميناً يعلِّمنا أمورَ ديننا .
فأرسلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم معهم أبا عبيدة عامرَ بن الجرَّاح ، ولم يباهلوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
والشَّاهدُ منْ هذا هو أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم  لما قالَ الله له : " ... فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ... " أتى بهؤلاء الأربعة ( بعليّ وفاطمة والحسن والحسين ) رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهم وأرضاهم .
قد يقولُ قائلٌ : لماذا لم يأتِ ببناتهِ الأخريات ( رقية وأمّ كلثوم وزينب ) ؟؟؟
في هذا الوقتِ كنَّ قد تُوفِّين ، لأنَّ بنات النبيِّ وأبناء النبيِّ كلِّهم تُوُفُّوا في حياتهِ ما عدا فاطمة رضيَ الله عنها ، وهي تُوُفِّيَتْ بعد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بستَّة أشهر .
 ولذلك يقولُ أهلُ العلم : مما رفعَ درجات فاطمة رضيَ الله عنها صبرها في ابتلائها لأنها ابتُليتْ بموتِ أبيها صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ورضيَ عنها .
فالشَّاهدُ منْ هذا أتى النبيُّ بهؤلاء الأربعة ليُظهرَ مكانتهم .
ولذلك يقولُ سعدُ بنُ أبي وقَّاص : ولما جاءَ وفدُ نجران للمباهلة أتى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعليّ وفاطمة والحسن والحسين .
فأوقعَ هذا حبّاً لعليّ في قلوبِ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  .. إذْ عرفوا قدرَه ومكانتَه عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
 
* أمَّا الفضائلُ العامَّة التي يدخلُ فيها مع أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
فمنها :
 
*- انَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كانَ يوماً على حِراء ، فاهتزَّ جبلُ حِراء
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم :  " اثبتْ حِراء ، فإنما عليك نبيّ أو صِدِّيق أو شهيد " ، وكانَ على جبل حِراء في ذلك الوقت الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وسعد وأبو عبيدة عامر بن الجرَّاح وطلحة بن عبيد الله ، فحكمَ عليهم النبيُّ أنهم إما نبيّ أو صِدِّيق أو شهيد .
وفي حديثٍ آخر : " اثبتْ أحُد فإنما عليك نبيّ وصِدِّيق وشهيدان " ، وهذا الكلامُ كانَ في الرَّسول و أبي بكر وعمر وعثمان .
هذا حديثٌ آخر وإنما هذا على حراء.
 
كذلك منَ الفضائل العامَّة
*- حديث سعيد بن زيد رضيَ الله عنه قالَ : سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ : " عشرة في الجنة ، أبو بكر في الجنة ، وعمر في الجنة ، وعليّ في الجنة ، وعثمان في الجنة ، وطلحة في الجنة ، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة ،  وسعد بن مالك في الجنة - الذي هو سعد بن أبي وقاص- وأبو عبيدة في الجنة والزبير في الجنة "
ثم قال: وإنْ شئتم سمَّيت لكم العاشر .
قالوا : مَنْ يا سعيد؟
قالَ : صاحبُكم .
يعني النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ : " وسعيد بن زيد في الجنة "
فهؤلاء العشرة المبشَّرون في الجنة هم خيرُ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
على الإطلاق .. أفضل عشرة منْ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هؤلاء العشرة الذين ذُكروا في حديثٍ واحدٍ وأخبرَ عنهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنهم منْ أهلِ الجنة .
 ثم إذا جمعتَ مع هذا أحاديث النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم التي جاءتْ في فضائلِ الصَّحابةِ عامَّة كقوله : " خير النَّاس قرني "
أو قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم :النُّجوم أمنةٌ للسَّماء فإذا ذهبتِ النُّجومُ أتى السَّماءَ ما تُوعد ، و أنا أمنةٌ لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعدون ، و أصحابي أمنةٌ لأمتي فإذا ذهبَ أصحابي أتى أمتي ما تُوعدُ ".
 
هذا عليٌّ رضيَ الله عنه وأرضاه ...
ونختمُ كلامَنا عن عليٍّ رضيَ الله عنه في هذه الجلسةِ - ونؤجِّل ما بقيَ إلى الجلسةِ القادمةِ - بكُنيةٍ طيِّبةٍ كانَ يحبُّها عليٌّ رضيَ الله عنه وهي كُنية " أبو تراب " ، وذلك أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم دخل يوماً إلى بيتِ عليّ فلم يجده في البيتِ وجدَ فاطمةَ
فقالَ لها : أين عليّ ؟؟
أين زوجُك ؟؟
فقالتْ : غضبَ عليَّ وخرجَ .
أي حصلَ بيننا احتكاك - بين الزَّوج وزوجته - ثم خرجَ ، فسكتَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأنَّ هذا أمر طبيعيّ يحصلُ بين الأزواج ، فسكتَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ثم خرجَ يبحثُ عن عليّ ، فوجدَ عليّاً نائماً في المسجدِ وقد جمعَ تراباً وجعلَه وسادةً ونامَ على التُّرابِ .. فجاءَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم  يُوقظُه
فقالَ له : " قم أبا التراب ، قم أبا التراب ".
يعني انظر كيف يتلطَّف معه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو قد أغضبَ ابنته ، لكن النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يعرفُ كيف يتصرَّف صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، ليس كما حال كثير منَ الآباء اليوم .
فالمهم ...
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم  يقولُ له : " قم أبا التراب ، قم أبا التراب ".
يقولُ عليٌّ رضيَ الله عنه : فكانتْ هذه أحبّ الكنى إليَّ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم  هو الذي لقَّبني بها .
كانَ هذا أحبّ ألقاب عليّ إليه لأنَّ النبيَّ هو الذي لقَّبه بقولهِ : " قم أبا تراب ، قم أبا تراب " .
هذه نبذةٌ مختصرةٌ معتصرةٌ عن عليٍّ رضيَ الله عنه وأرضاه ، والله أعلى و أعلم ، وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على نبيِّنا محمَّد .
 
تم تفريغ الدروس بواسطة الأخوات
فاعلة خير و  نازك  و عبق
شبكة المنهج تحت إشراف الشيخ //:
عثمان بن محمَّد الخميس حفظه الله
 
 
 
الحلقة الثامنة من سلسلة آل البيت والصحابة
عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه 
الجزء الثاني
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين ، الحمدُ لله وليّ الصَّالحين ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين ؛ نبيِّنا وإمامِنا وحبيبِنا وسيِّدنا وقُرَّةِ عينِنا محمَّد بنِ عبدِ الله وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعين ، أمَّا بعد :
فما زالَ حديثُنا موصولاً عن إمامٍ منْ أئمَّة الإسلامِ وأسدٍ منْ أُسْدِ الله تباركَ وتعالى .. إنَّ كلامَنا عن صِهْرِ الرَّسولِ ، زوجِ البتولِ ، أبي السِّبطين عليّ بن أبي طالب رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه وأرضاه .. هذا الرَّجل الذي أكرمَه الله تباركَ وتعالى بكراماتٍ كثيرةٍ .
منْ هذه الكرامات :
*- أنه ابنُ عمِّ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
*- وزوجُ سيِّدة نساءِ العالمين .
*- وأبو سَيِّدَيْ شبابِ أهلِ الجنَّةِ .
*- هو أوَّل مَنْ أسلمَ منَ الصِّبيةِ .
*- بشَّره النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالجنَّةِ في أكثرَ منْ موضعٍ .
 
*- أشركَه صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه في هَدْيِهِ لما حجَّ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ؛ فنحرَ نبيُّنا بيدهِ الشَّريفةِ ثلاثةً وستِّين منَ الإبلِ ثم أكملَ عليٌّ المئةَ ، وكانَ مشتركاً مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الهدْي .
 
*- تشرَّف بأنْ جعلَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كاتبَ الصُّلْحِ في الحديبيةِ .
*- هو أحدُ أشهرِ رُوَاةِ القرآنِ الكريمِ .
*- وأحدُ أشهر رُوَاةِ سُنَّةِ المصطفى صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
 
*- أخبرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على الملأ أنَّ عليّاً يحبُّ الله ورسولَه فشهدَ له بالإيمانِ والصِّدْقِ ، وأعلنَ على الملأ أنَّ الله ورسولَه يحبَّانه فشهدَ له بالولايةِ .
 
*- هذا الرَّجل الذي قالَ عنه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : "  لا يحبُّك إلا مؤمن ولا يُبغضُك إلا منافق " .
 
*- نزلَ فيه وفي عمِّه وابنِ عمِّه قولُ الله تباركَ وتعالى : " هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ....(19) " سورة الحج ، وذلك في بدر لما خرجَ عتبةُ بنُ ربيعة وشيبةُ بنُ ربيعة والوليدُ بنُ عتبة وطلبوا النِّزالَ.. طلبوا المبارزةَ .
فخرجَ إليهم معاذٌ ومعوِّذ وآخرُ منَ الأنصار .
فقالوا : مَنْ أنتم ؟؟
فعرَّفوا بأنفسِهم .
فقالوا : أَكْفَاء كِرَام ولكنَّنا نريدُ بَنِي عمِّنا .
فأمرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عمَّه الحمزةَ فخرجَ ، وأمرَ ابنَ عمِّه عليّاً فخرجَ ، وأمرَ ابنَ عمِّه عُبيدةَ بنَ الحارثِ فخرجَ ، فتنازلَ الثَّلاثةُ مقابلَ الثَّلاثةِ ؛ فهزمَ الله قريشاً وظهرَ عليٌّ وحمزةُ وعُبيدة على كفَّار قريش ، فنزلَ فيهم قولُ الله تباركَ وتعالى : " هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ....(19) " سورة الحج
*- وفيه وفي أمثالهِ نزلَ قولُ الله تباركَ وتعالى : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ....(207) " سورة البقرة ، نزلتْ هذهِ الآيةُ في صُهيب لما هاجرَ وتركَ المالَ في سبيلِ الله تباركَ وتعالى ، وتَصْدُقُ على عليٍّ رضيَ الله تعالى عنه لما باتَ في فراشِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم متعرِّضاً لقتلِ قريش له ، وكلّ ذلك في سبيلِ نُصْرَةِ هذا الدِّينِ والدِّفاع عن نبيِّه المصطفى صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه
 
*-  نزلَ فيه وفي أصحابهِ قولُ الله تباركَ وتعالى : " لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْـزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ....(118) " سورة الفتح  ، وكانَ أحدَ أولئك .
 
 *- نزلَ فيه وفي أصحابهِ قولُ الله تباركَ وتعالى : " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ....(29) " سورة الفتح
 
*- نزلَ فيه وفي أمثالهِ قولُ الله تباركَ وتعالى :" وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ...(100) "سورة التوبة
 فهذا رجلٌ قد أعلنَ الله تباركَ وتعالى رضاهُ عنه جلَّ وعلا .
 
*-  في يومٍ جاءَ عليٌّ وفاطمة رضيَ الله عنهما إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقد سمعا بأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم جاءَه سَبْيٌ منَ البحرين التي هي الإحساء الآن ؛ فجاءا يطلبان خادماً .
فقالَ لهما النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " أوَ لا أدلُّكما على خيرٍ لكما منْ خادمٍ ؟ إذا أويتُما إلى فراشِكما فسبِّحا ثلاثاً وثلاثين ، واحمدا ثلاثاً وثلاثين ، وكبِّرا أربعاً وثلاثين " .
فذلك خيرٌ لكما منْ خادمٍ .
يقولُ عليٌّ رضيَ الله عنه : فما تركتُها منذُ سمعتُها منْ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
فقالَ له قائلٌ : ولا يومَ صِفِّين ؟؟!!
ولا يومَ الهرير؟؟!!
حيثُ القتال اشتدَّ .. ولا في ذلك اليوم ؟؟!!
فقالَ له : ولا في ذلك اليومِ ، رضيَ الله عنه وأرضاه .
*-  إذا عُدَّ علماءُ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عُدَّ عليٌّ رضيَ الله عنه وأرضاه .
 
*-  وكانَ منَ السَّبعةِ الذين ترجعُ إليهمُ الفتوى .
 
*-  أرسلَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قاضياً إلى اليمنِ وهو صغيرُ السِّنِّ ؛ بالكادِ تجاوزَ العشرين رضيَ الله عنه وأرضاه .
فقالَ : يا رسولَ الله ، إنك ترسلُني إلى أقوامٍ قد لا يثبتُ لساني ولا تظهرُ حُجَّتي .
فوضعَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يدَه الشَّريفةَ على صدرهِ وقالَ : " اللهمَّ سدِّد لسانَه وثبِّتْ جنانَه " .
فما أشكلَ عليه  أمرٌ .
لما كانَ في اليمنِ وقعتْ قضيةٌ ، أربعة جعلوا كميناً ( حفرة ) ليصيدوا أسداً ،  ثم جاءَ الأسدُ وسقطَ في الحفرةِ ، ففرحوا بصيدِهم الأسد ، ثم صاروا يتضاحكون وهو حول الحفرةِ ، وصارَ بعضُهم يدفعُ بعضَهم منْ بابِ المزاحِ ، فسقطَ أحدُهم ، فأمسكَ بصاحبهِ حتى لا يسقط فسقطَ معه صاحبُه ، فأمسكَ بالثَّالثِ فالرَّابعِ ، فسقطَ الأربعةُ في الحفرةِ والنَّاسُ ينظرون غير مصدِّقين حتى قتلَهمُ الأسدُ جميعاً .
بعد أنْ صادوا الأسدَ صادَهمُ الأسدُ .. فذهبوا إلى عليٍّ رضيَ الله عنه وأرضاه  وذكروا له ما حدثَ .
فقالَ رضيَ الله عنه : أمَّا الأوَّل فله ربعُ الدِّية ، وأمَّا الثَّاني فله ثلثُ الدِّية ، وأمَّا الثَّالثُ فله نصفُ الدِّية ، وأمَّا الرَّابعُ فله الدِّيةُ كاملةً .
قالوا : ما هذا ؟؟؟!!
قالَ : هكذا حُكمي ..إنْ رضيتم فهو ذاك وإلا فاذهبوا إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في المدينةِ .
فقالَ بعضُهم : بل نذهبُ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
وذهبوا إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
فقالوا له ما حدثَ .
فقالَ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه : الحكمُ ما حَكَمَ به عليٌّ رضيَ الله عنه .
 وذلك أنَّ الأوَّل – هذا ليس منْ كلام النبيِّ وإنما منْ كلامي أنا –
وذلك أنَّ الأوَّل له ديةٌ بحكمِ أنَّ أصحابَه تسبَّبوا في قتلهِ ، ولكن تسبّبه بقتلِهم أكثر منْ تسبُّبهم بقتلهِ لأنه جرَّ صاحبَه معه ؛ فتُدفعُ له الدِّيةُ وهو يدفعُ ثلاثَ ديات للذين تسبَّب في قتلِهم ؛ فلذلك له   الرُّبع .
وأمَّا الثاني فإنه تسبَّب بقتلِ رجلين فله الثُّلث والثُّلثان لمنْ قتلَهما .
والثَّالث يأخذُ نصفَ الدِّيةِ لأنه تسبَّب بقتلِ واحدٍ فعليه النِّصفُ ولذاك النِّصف .
وأمَّا الرَّابعُ فلم يتسبَّب تسبُّباً مباشراً بقتلِ أحدٍ ولذلك يأخذُ الدِّيةَ كاملةً ، سواء قلنا الدِّية منْ بيتِ المالِ أمِ الدِّية منْ أهلِ هذا وأهلِ هذا وأهلِ هذا وأهل ذاك .
على كلِّ حالٍ القضيةُ تدلُّ على عِلْمِ عليٍّ رضيَ الله عنه وأرضاه .
ولما كانَ في الكوفةِ إبَّان خلافتهِ كانَ يقولُ للنَّاسِ على المنبرِ وقد اشتهر عنه ذلك : سَلُوني قبل أنْ تفقدوني فإنَّ لديَّ عِلْماً جَمّاً .
فهذا عِلْمُ عليٍّ ، ولا أستطيعُ أنْ أستطردَ في هذا حتى أستطيع أنْ أتكلَّم في جوانبهِ الأخرى .
 
*- أمَّا عبادتُه  ..  فهذا ضرارُ بنُ ضَمِرَة خادمُ عليٍّ رضيَ الله عنه ذهبَ إلى معاويةَ في خلافةِ معاويةَ ، فسألَه معاويةُ عن عبادةِ عليٍّ .
فقالَ ضرارُ بنُ ضَمِرَة : كانَ يستوحشُ منَ الدُّنيا وزهرتها ويستأنسُ باللَّيلِ وظُلْمَتِهِ ، يميلُ في محرابهِ قابضاً على لحيتهِ ، يتململُ تململَ  السَّليم ( السَّليم هو اللَّديغ ، يُسَمُّونه سليماً منْ بابِ التَّفاؤلِ كما نقولُ عندنا في الكويتِ :كريم عين ، لمنْ كانَ أعور يقولون :كريم عين ، و غير ذلك منَ الكلماتِ التي يتفاءل النَّاسُ بها ، فكانوا يقولون للَّديغ سليم ) .
قالَ : يتململُ تململَ السَّليمِ ، ويبكي بكاءَ الحزينِ ، يقولُ للدُّنيا أَ بِي تغرَّرتِ أمْ إليَّ تشوَّقتِ؟ هيهات هيهات .. غُرِّي غيري ، أبنتُكِ ثلاثاً ( أي طلَّقتكِ ثلاثاً ) ، فعمركِ قصيرٌ ومجلسُك حقيرٌ .. آه منْ قلَّة الزَّاد وبُعْدِ السَّفر .
يقولُ ضِرار : فوكستْ دموعُ معاويةَ على لحيتهِ وقالَ : كذا والله كانَ أبو الحسن .
فوكستْ : أي نزلتْ دموعُ معاويةَ على لحيتهِ
 
*- أمَّا شجاعتُه رضيَ الله عنه وأرضاه .. ففي يوم أحد وجدوا فيه سِتَّ عشرةَ طعنةً وهو يُدافعُ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
 
*- وأمَّا في يوم الأحزاب في غزةِ الخندقِ لما برزَ عمرو بنُ عبد وُدّ العامريّ وطلبَ النِّزالَ
وكانَ عمرو بنُ عبد وُدّ هذا يقولُ :
ولقدْ بححتُ منَ النِّداء ( يعني بُحَّ صوتي وأنا أنادي )
ولقد بححتُ منَ النِّداءِ لجمعهم هل منْ مبارز ؟؟
ووقفتُ إذْ جَبُنَ المشجّع موقفَ القَرْنِ المناجِز
ولذا فإني لم ألو متسرِّعاً قِبَلَ الهزاهز ( الهزاهز يعني المعاك)
يقولُ :
ولذا فإني لم ألو متسرِّعاً قِبَلَ الهزاهز
إنَّ الشَّجاعةَ في الفتى والجود منْ خيرِ الغرائز
 
فالتفتَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أصحابهِ
 فقالَ : مَنْ يقومُ له ؟؟
مَنْ يقومُ لهذا الرَّجلِ ؟؟
 
فقامَ إليه عليٌّ رضيَ الله عنه وأرضاه وهو يرتجزُ
ويقولُ  لعمروِ بنِ عبدِ وُدّ :
 لا تعجلنَّ فقد أتاكَ مجيبُ صوتِك غير عاجز
 في نيَّةٍ وبصيرةٍ والصِّدقُ منجي كلّ فائز
إني لأرجو أنْ أقيمَ عليك نائحةَ الجنائز
منْ ضربةٍ نجلاءَ يبقى ذِكْرُها عند الهزاهز
 
فخرجَ إليه عليٌّ رضيَ الله عنه وأرضاه ، فلمَّا رآه عمرو بن عبد وُدّ و رأى سِنَّه الصغير ؛ وذلك أنَّ عليّاً لم يتجاوزِ السَّادسةَ والعشرين منْ عمرهِ .
 
فلمَّا رآه عمرو بن عبد وُدّ قالَ : يا ابنَ أخي ارجعْ .. أين كهولُ قريش ؟؟ فإني لا أحبُّ أنْ أقتلَك .
 فقالَ له عليٌّ : يا عمرو ، قد كنتُ أسمعُك تقول كثيراً : ما خيَّرني رجلٌ بين أمرينِ إلا اخترتُ أحدهما .
قالَ : هو كذلك .
 قالَ : فإني أخيِّرك .
قالَ : بين ماذا و ماذا ؟؟؟
قالَ : أخيِّرك بأنْ تدخلَ في دينِ الله ، وأنْ تشهدَ أنْ لا إلهَ إلا الله وأنَّ محمَّداً رسولُ الله .
قالَ: لا حاجةَ لي فيها .. الثَّانية ؟
قالَ : أنْ تقاتلَني .
قالَ : يا ابنَ أخي ، إني والله لا أريدُ أنْ أقتلَك .
فقالَ له عليٌّ : أمَّا أنا فوَ الله إني أريدُ أنْ أقتلَك .
فحميَ عمرو بنُ عبد وُدّ وأقبلَ إلى عليٍّ فتنازلا وتصاولا ، فقتله عليٌّ رضيَ الله عنه ، وفرحَ المسلمون بذلك اليوم ، وانكسرَ المشركون منْ قريش .
 
*- وفي خيبر كانَ عليٌّ قد أصابَه الرَّمدُ في عينيهِ ، وحاصرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم خيبرَ مدَّةً منَ الزَّمن ، ثم بعد ذلك
قالَ : " لأعطينَّ الرَّايةَ غداً رجلاً يفتح الله على يديهِ ".
فباتَ النَّاسُ يدوكونها ، أي كلٌّ يحدِّث نفسَه ويحدِّث أصحابَه ليتني أكون ذلك الرَّجل ، لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخبرَ أنَّ هذا الرَّجلَ "  يفتح الله على يديهِ " ، ثم أخبرَ عنه بخبرٍ عجيبٍ
 فقالَ : " يحبُّ الله ورسولَه ويحبُّه الله ورسولُه " ، فشهدَ له بالإيمانِ والولايةِ ، فتمنَّاها كلُّ أحدٍ
حتى قالَ عمرُ : والله ما تمنَّيتُ الإمارةَ إلا في ذلك اليومِ .
فلمَّا صلَّى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الغداةَ ( أي الفجر ) أقبلَ إليه النَّاسُ ، كلٌّ يرفعُ رأسَه كأنه يقولُ أنا ذاك الرَّجل ، فصارَ النبيُّ ينظرُ في النَّاسِ
 ثم قالَ : أين عليٌّ ؟؟
قالوا : يشكو عينيه .. أصابَه الرَّمَدُ .
قالَ : ائتوني به ..
فجيء به يُساقُ ( يُقادُ ) لا يرى منَ الرَّمَدِ ، فلمَّا أوقِفَ بين يدي النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تفلَ تفلةً مباركةً صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه في عينيهِ فشفيَ ، حتى أنه ذُكِرَ أنه لم يُصَبْ بعدَها بأذى في عينيه حتى ماتَ رضيَ الله عنه وأرضاه .
فأعطاه النبيُّ الرَّايةَ وأمرَه أنْ يغزوَ في سبيلِ الله تباركَ وتعالى ، فخرجَ عليٌّ وإذا مرحب اليهوديّ قد خرجَ إلى النَّاسِ - وهو منْ فرسانِ يهود -  قد خرجَ إلى النَّاسِ وهو يقولُ :
قد علمتْ خيبرُ أني مرحبُ
شاكي السِّلاح بطلٌ مجرَّبُ
إذا أقبلتِ الحروبُ تلهَّبُ
 
 فخرجَ إليه محمَّد بن الأكوع أخو سلمةَ بن الأكوع ، فخرجَ إليه ، ثم تصاولا ، فضربَ مرحب فوقعتْ في دِرْعِ ابنِ سلمة ، فضربَه ابنُ سلمةَ ولكنَّه لم يُصبْه و ردّ السَّيف على ركبتهِ نفسهِ فقتلَ نفسَه رضيَ الله عنه وأرضاه .
فزادَ فخرُ مرحب .. وأعادَها مرَّة ثانية :
قد علمتْ خيبرُ أني مرحبُ
شاكي السِّلاح بطلٌ مجرَّبُ
إذا أقبلتِ الحروبُ تلهَّبُ
 
فخرجَ إليه الأسدُ ؛ خرجَ إليه عليٌّ رضيَ الله عنه وأرضاه
وهو يقولُ :
أنا الذي سمَّتني أمِّي حيدرة
كليثِ غاباتٍ كريهِ المنظرة
 أوفِيهمُ بالصَّاع كيلَ السَّندرة
وعليٌّ كذلك أمُّه سمَّته أسداً لما وُلِدَ على اسمِ أبيها ، سمَّته أسداً ، فلمَّا جاءَ أبو طالب قالتْ : سمَّيتُه أسداً .
 قالَ : بل هو عليٌّ .
فعليٌّ لم ينسَ أنَّ أمَّه سمَّته أسداً ، ولذلك قالَ :
أنا الذي سمَّتني أمِّي حيدرة
( و حيدرة هو الأسد )
كليثِ غاباتٍ كريهِ المنظرة
 أوفيهم بالصَّاع كيلَ السَّندرة
 
 فتصاولا وقتلَه عليٌّ رضيَ الله عنه وأرضاه .
 
*- إنْ نظرتَ إلى علمهِ وجدتَه منْ أعلمِ خلقِ الله رضيَ الله عنه وأرضاه .
*- وإنْ نظرتَ إلى عبادتهِ وجدتَه منَ العُبَّاد .
*-  وإذا نظرتَ إلى الزُّهد تجدُ قولَ عمرَ بنِ عبدِ العزيز :" ما في النَّاسِ أزهد منْ عليّ " .
 
*- وإذا نظرتَ إلى حِكَمِهِ التي يُطلقُها لقلتَ عنه هذا حكيم الزَّمانِ .
مما نُقِلَ عنه منَ الحِكَمِ
 
*- أنه قالَ رضيَ الله عنه :  النَّاسُ ثلاثةٌ : عالمٌ ربَّانيٌّ ، ومتعلِّم على سبيلِ نجاة ، و همجٌ رِعاع أتباع كلِّ ناعقٍ يميلون مع كلِّ ريحٍ .
 
 *- وجاءَ عنه رضيَ الله عنه أنه قالَ :كفى بالعلمِ شرفاً أنْ يدَّعيَه مَنْ لا يُحسنُه ، و يفرح به إذا نُسِبَ إليه .
كلُّ النَّاسِ يفرحُ إذا قيلَ إنه عالم ، ويدَّعي العلمَ ..  فدلَّ هذا على أنَّ العلمَ شرفٌ .
يقولُ : كفى بالعلمِ شرفاً أنْ يدَّعيَه مَنْ لا يُحسنُه ، و يفرح به إذا نُسِبَ إليه.
قالَ : وكفى بالجهلِ ضَعَةً أنْ يتبرَّأ منه مَنْ هو فيه ويغضب إذا نُسِبَ إليه .
*- ومما قالَ :  السَّخاءُ ما كانَ ابتداءً ، أمَّا ما كانَ عن مسالةٍ  فحياءٌ و كرمٌ .
*- وقالَ : إني لأستحيي منَ الله أنْ يكونَ ذنبٌ أعظمَ منْ عفوي ، أو جهلٌ أعظمَ منْ حلمي ، أو عورةٌ لا يواريها ستري ، أو خَلَّةٌ لا يسدُّها جودي .
رضيَ الله عنه وأرضاه .
وله منْ أمثالِ ذلك كثيرٌ رضيَ الله عنه وأرضاه
 
*- منْ شعرهِ
 أنه قالَ رضيَ الله عنه :
 إذا اشتملتْ على اليأسِ القلوبُ ***وضاقَ بها الصَّدرُ الرَّحيبُ
وأوطنتِ المكارهُ واطمأنَّتْ *** و أرستْ في أماكنِها الخطوبُ
ولم ترَ لانكشافِ الضُّرِّ وجهاً *** ولا أغنى بحيلته الأريبُ
أتاكَ على قُنوطٍ منكَ غيثٌ *** يمنُّ به القريبُ المستجيبُ
وكلُّ الحادثاتِ إذا تناهتْ  *** فموصولٌ بها الفرجُ القريبُ
رضيَ الله عنه وأرضاه
 
 ومنْ شعرهِ كذلك
 أنه قالَ :
ألا فاصبرْ على الحدثِ الجليلِ *** و داوِ  جَواكَ بالصَّبرِ الجميلِ
ولا تجزعْ إذا أعسرتَ يوماً *** فقد أيسرتَ في الدَّهرِ الطَّويلِ
ولا تظُننَّ برأيكَ ظَنَّ سوءٍ *** فإنَّ الله أولى بالجميلِ
فإنَّ العُسْرَ يتبعُه يَسارٌ *** وقولُ الله الصِّدْقُ كلّ  قِيلِ
فلو أنَّ العقولَ تجرُّ رزقاً *** لكانَ الرِّزقُ عند ذوي العقولِ
رحمه الله و رضيَ عنه ، عليٌّ رضيَ الله عنه .
 
*-  لما ُصِيبَ عمرُ ، لما طعنَه أبو لؤلؤة المجوسيّ جعلَ الشُّورى في سِتَّةٍ منْ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 وقالَ : يختارون منهم رجلاً .
فاجتمعَ هؤلاءِ السِّتة وهم ( عليّ وعثمان وعبد الرَّحمن بن عوف وطلحة والزُّبير وسعد بن أبي وقاص )
فأمَّا الزُّبيرُ فقالَ : أرشِّح عليّاً للخلافةِ .
وأمَّا طلحةُ فقالَ : أرشِّح عثمانَ للخلافةِ .
ولم يطلبْ طلحةُ الأمرَ لنفسهِ ولا الزُّبيرُ .
وأمَّا سعدٌ فقالَ : أمَّا أنا فخارجٌ منَ الأمرِ .
ولم يرشِّح أحداً ..  فجاءَ عبدُ الرَّحمن بنُ عوفٍ وصارَ الأمرُ إليه ..
إنِ اختارَ عليّاً صارَ لعليٍّ ثلاثة أصواتٍ ( صوته وصوت الزُّبير وصوت عبد الرَّحمن بن عوف ) .
وإنِ اختارَ عثمانَ صارَ كذلك لعثمانَ ثلاثة أصواتٍ (صوته وصوت طلحة وصوت عبد الرَّحمن بن عوف ) .
فقالَ عبدُ الرَّحمن بنُ عوف : أمهلوني ثلاثةَ أيامٍ .
واستشارَ النَّاسَ في هذه الأيامِ الثَّلاثةِ حتى اختارَ عثمانَ بنَ عفَّان ،  فتمَّتِ البيعةُ لعثمانَ ، وصارَ عثمانُ خليفةَ المسلمين اثنتي عشرةَ سنةً .
 
 بعد هذه المدَّة قامَ جماعةٌ منَ الهمجِ الرِّعاعِ وقتلوا عثمانَ بنَ عفَّان رضيَ الله عنه وأرضاه ، فذهبَ النَّاسُ إلى الزُّبير يدعونه إلى البيعةِ فرفضَ ، وذهبوا إلى عليٍّ فرفضَ ، وذهبوا إلى طلحةَ فرفضَ .
 ثم أعادوا الكرَّة إلى عليٍّ رضيَ الله عنه فوجدَ أنَّ الأمرَ جِدٌّ ، وأنه لا بُدَّ أنْ يستلمَ الأمرَ أحدٌ منهم وإلا استلمَها ( أي الخلافة ) رجلٌ ممنْ لا يستحقُّ ذلك الأمرَ ولا يُحْسِنُ إدارتَه .
 
فلمَّا رأى عليٌّ ذلك قبلَ بالأمر  ، وقالَ كما في روايةِ ولدهِ محمَّد ، يقولُ محمَّد بنُ عليّ بنِ أبي طالب رضيَ الله عنه وعن أبيه .
يقولُ : أتى عليٌّ دارَ عثمانَ وقد قُتِلَ ، فدخلَ إلى دارهِ وأغلقَ بابَه عليه ، فأتاه النَّاسُ فضربوا عليه البابَ .
فقالوا : إنَّ هذا الرَّجلَ قد قُتِلَ ولا بُدَّ للنَّاسِ منْ خليفةٍ ، ولا نعلمُ أحداً أحقّ بها منك .
فقالَ لهم عليٌّ : لا تريدوني ، فإني لكم وزير خير لي منْ أمير وخير لكم منْ أمير .
أكونُ وزيراً خيراً منْ أميرٍ .
فقالوا : لا والله لا نعلمُ أحداً أحقّ بها منك .
قالَ : فإنْ أبيتم عَلَيَّ فإنَّ بيعتي لا تكونُ سِرّاً ..

  • بيني وبينكم هكذا لا –

 ولكني أخرجُ إلى المسجدِ فمَنْ شاءَ بايعَني ومَنْ شاءَ امتنعَ .
فخرجَ إلى المسجدِ رضيَ الله عنه ومعه النَّاسُ وتمَّت له البيعةُ .
 
 يقولُ الإمامُ أحمدُ رحمه الله تباركَ وتعالى لما قيلَ له إنَّ أناساً لا يُربِّعون بعليٍّ ، أي لا يقولون إنَّ عليّاً رابعَ الخلفاءِ .
فقالَ رحمه الله : مَنْ لم يُربِّعْ بعليٍّ فهو أضلُّ منْ حمارِ أهلهِ .
 
تمَّتِ البيعةُ لعليٍّ رضيَ الله عنه في آخرِ السَّنةِ الخامسةِ والثلاثين منَ الهجرةِ حيثُ قُتِلَ عثمانُ في ذي الحِجَّةِ رضيَ الله عنه وأرضاه .
تمَّتِ البيعةُ لعليٍّ رضيَ الله عنه .
 
يقولُ عوف بنُ أبي جميلة : كنتُ عند الحسنِ البصريِّ - وكانَ الحسنُ في المدينةِ يومَ مقتلِ عثمانَ رضيَ الله عنه - فذكروا أصحابَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 فقالَ ابنُ جَوْشَن الغطفاني ( رجلٌ ممنْ حضرَ عند الحسن البصريّ ) قالَ : يا أبا سعيد ( يخاطبُ الحسنَ البصريَّ لأنَّ أبا سعيد كُنيةُ الحسنِ البصريِّ )
قالَ : يا أبا سعيد ، إنما زُرِّيَ بأبي موسى اتِّباعه عليّاً !!!
ابنُ جوشن الغطفاني يقولُ للحسن البصريِّ : النَّاسُ عابوا على أبي موسى الأشعريِّ لأنه اتَّبعَ عليَّ بنَ أبي طالب ..  يعني بعد استشهادِ عثمانَ رضيَ الله عنه .
فغضبَ الحسنُ البصريُّ وقالَ : فمَنْ يُتَّبع ؟؟!!
 قُتِلَ أميرُ المؤمنين مظلوماً فعمدَ النَّاسُ إلى خيرِهم فبايعوه..
 فمَنْ يُتَّبع ؟؟!!
فمَنْ يُتَّبع ؟؟؟!!
فمَنْ يُتَّبع ؟؟!!
يكرِّرها  مراراً رحمه الله تباركَ وتعالى  . وهذا الأثر أخرجَه الإمامُ أحمد بإسنادٍ صحيحٍ .
تمَّتِ البيعةُ لعليٍّ رضيَ الله عنه في آخرِ السَّنةِ الخامسةِ والثلاثين منَ الهجرةِ ، وقدَّر الله تباركَ وتعالى أنَّ مدَّة خلافةِ عليٍّ رضيَ الله عنه قصيرة .
فمدَّةُ خلافةِ أبي بكرٍ سنتان وأشهر ، ومدَّةُ خلافةِ عمرَ عشرُ سنواتٍ ، ومدَّةُ خلافةِ عثمانَ اثنتا عشرةَ سنةً ، ومدَّةُ خلافةِ عليِّ أربعُ سنواتٍ وتسعةُ أشهر ، هذه مدَّةُ خلافتهِ  .
وقدَّر الله أنه خلالَ هذه المدَّةِ القصيرةِ وقعتْ له ثلاثةُ حروبٍ ، بدأتْ بحربِ الجملِ سنةَ ستٍّ وثلاثين ، في بدايتها تقريباً ، يعني أشهر منْ بدايتها ، وذلك أنَّ طلحةَ والزُّبيرَ وأمَّ المؤمنين عائشةَ ومعهم آخرون صُدِمُوا منَ الأمرِ الذي وقعَ لعثمانَ ، وكيف تجرَّأ النَّاسُ عليه وقتلوه وهو خليفةُ المسلمين ، فعزموا على جمعِ النَّاسِ لقتلِ قتلةِ عثمانَ  ، وفعلاً خرجوا منْ مكَّة إلى البصرة ، وكانَ عليٌّ في المدينةِ رضيَ الله عنه ، فلمَّا سمعَ بخروجِهم أرسلَ عمَّار بنَ ياسر وابنَه الحسن .
 المهم أنه وقعَ القتالُ بين الجيشِ الذي فيه طلحة والزُّبير وجيش البصرة ممن خرجَ على عثمان ، وكانَ النَّصرُ لجيشِ طلحةَ والزُّبير ، ولكنَّ عليّاً رضيَ الله عنه كونه خليفة المسلمين لم يقبلْ بهذا ، وذلك أنَّ الأمرَ سيكونُ فوضى ، كلّ إنسانٍ سينتقمُ لأخرَ ، وهذا ينتقمُ لآخر ، النيَّةُ حسنةٌ ولكنه رأى أنَّ العملَ غير حسنٍ ، فلذلك أمرَ الحسنَ ابنَه وعمَّار بنَ ياسر أنْ يمنعا هذا القتالَ ، ولكنَّ القتالَ شَبَّ .
 عندها خرجَ عليٌّ منَ المدينةِ إلى الكوفةِ ، ثم جهَّز جيشاً لقتالهم إنْ لم يرجعوا .
 قالَ : ترجعون ، أنا الخليفةُ ، فعلى أيِّ أساسٍ تتصرَّفون هذا   التصرُّف ؟؟
فقالَ : ترجعون ..
فأرسلَ عليٌّ نفرينِ ، وهما المقداد بن عمرو ( الذي هو المقداد بن الأسود ) والقعقاع بن عمرو ، أرسلَهما  إلى طلحةَ والزُّبير ، فتحدَّثوا واتَّفقوا على أنْ يرجعوا وعليٌّ ينظرُ في أمرِ قتلةِ عثمانَ وأنْ ينتظروا قليلاً .
اتَّفقوا على أنْ يرجعوا ولكنْ قدَّر الله تباركَ وتعالى أنَّ قتلةَ عثمانَ أتباعَهم ومحبِّيهم لم يرضَوا بهذا الاتِّفاقِ ، لأنَّ هذا الاتِّفاقَ اتِّفاقٌ عليهم ، فهاجموا جيشَ طلحةَ والزُّبيرَ ليلاً ، فظنُّوا أنَّ جيشَ عليٍّ هجمَ عليهم فهجموا عليهم في بدايةِ الفجر ، ثم هجمَ أولئك عليهم وشبَّتِ   المعركةُ .
ولذلك لم يشاركْ طلحةُ ولم يشاركِ الزُّبيرُ في تلك المعركةِ لأنها لم تكنْ معركة مقصودة وإنما جاءتْ رغماً عنهم ؛ لأنهم ما أرادوا قتالَ عليٍّ  ولا عليّ أرادَ قتالَهم ابتداءً ، وهذه في سنةِ ستٍّ وثلاثين منَ الهجرةِ .
انتهتْ هذه المعركةُ ، قُتِلَ الزُّبيرُ غدراً وقُتِلَ طلحةُ غدراً رضيَ الله عنهما ، لم يقتلْهما عليٌّ رضيَ الله عنه ولكنْ قتلَهما بعضُ أفرادِ ذلك   الجيشِ .
حتى إنَّ ابنَ جُرموز - وهو قاتلُ الزُّبير - جاءَه منْ ظهرهِ وهو خارج القتالِ لم يقاتلْ ، فطعنَه في ظهرهِ فقتلَه ، ثم أخذَ سيفَه ودخلَ به على عليٍّ رضيَ الله عنه
 قالَ : قتلتُ الزُّبيرَ .
فغضبَ عليٌّ رضيَ الله عنه ونظرَ إلى السَّيفِ
 وقالَ : لطالما فرَّج هذا السَّيفُ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .. لقد سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ : " بشِّر قاتلَ ابنِ صفيَّةَ بالنَّار "
لا تفرحْ بقتلِك له .. هذا رجلٌ مبشَّر بالجنَّة .. ابن عمَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. خامس خمسة ؛ أسلمَ وتابعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم  وتفرح بقتلهِ ؟؟!!!
 
ثم في سنةِ سبعٍ وثلاثين كانتْ معركةُ صِفِّين ، وذلك لما امتنعَ معاويةُ عن البيعةِ لعليٍّ ، وليس هذا مجال تفصيل هذه الأمور ولكنْ أحببتُ أنْ أذكرَ أنه خلالَ خلافةِ عليٍّ لم تهدأ الأمورُ .
فكانتْ صِفِّين في سنةِ سبعٍ وثلاثين ، ثم توقَّف القتالُ وصارَ الصُّلْحُ وصارتْ قضيَّة التَّحكيم ، واتَّفقوا على أنْ يرجعَ عليٌّ ويرجعَ معاويةُ ويقف القتالُ بينهما ، وكانَ هذا في نهايةِ سنةِ سبعٍ وثلاثين منَ الهجرةِ .
 
في سنةِ ثمانٍ وثلاثين خرجَ الخوارجُ على عليٍّ وغضبوا عليه
وقالوا له : كفرتَ بالله .
وصاروا يصيحون في المسجدِ وعليٌّ موجودٌ : لا حُكْمَ إلا لله ، ومَنْ لم يحكمْ بما أنزلَ الله فأولئك همُ الكافرون .
 فقالَ عليٌّ رضيَ الله عنه كلمتَه المشهورةَ التي صارتْ مثلاً  : كلمةُ حقٍّ أرِيدَ بها باطلٌ .
 ثم بعد ذلك جمعَهم عليٌّ رضيَ الله عنه
قالَ : ماذا تريدون ؟
قالوا : احكمْ بكتابِ الله تباركَ وتعالى .
 فأتى بكتابِ الله ووضعَه أمامَهم ثم وضعَ يدَه على كتابِ الله
 وقالَ : تكلَّم يا كتابَ الله .
 قالوا : إنه كتابٌ لا يتكلَّم .. نحن نتكلَّم بكتابِ الله ..بما أوتينا منَ العِلْمِ .
وناظرَهم عبدُ الله بنُ العبَّاسِ رضيَ الله عنه وأرضاه .
فقالوا : إنَّ عليّاً قد كفرَ .
قالَ : بماذا ؟؟؟؟
قالوا :  لما قاتلَ أهلَ الجملِ لم يَسْبِهم .. ما أخذَهم سَبْياً ، فكيف يستحلُّ دماءَهم ولا يستحلُّ أموالَهم وأعراضَهم ؟؟
قالَ : والثَّانية ؟
قالوا : كفر .
قالَ : بماذا ؟
قالوا : في الصُّلْحِ كتبَ هذا ما صالحَ عليه عليٌّ أميرُ المؤمنين معاويةَ بنَ أبي سفيان ، فقالَ معاويةُ : لا تكتبْ أميرَ المؤمنين ، أنا ما بايعتُك أنك أميرُ المؤمنين ، ولكنِ اكتبْ عليّ بن أبي طالب ، فمحا أميرَ المؤمنين ، فإنْ لم يكنْ أميرَ المؤمنين فهو أميرُ الكافرين .
قالَ : والثَّالثة ؟
قالوا : حكَّم الرِّجالَ ولا حُكْمَ إلا لله ، كيف يحكِّم الرِّجالَ والحكمُ  لله ؟؟
فقالَ لهم ابنُ عبَّاس : أرأيتم إنْ خرجتُ منْ هذه الثَّلاثةِ أترجعون ؟؟
يعني عن رأيكم
قالوا : وما لنا لا نرجع ؟!
قالَ : أمَّا الأولى ، فقولُكم قاتلَ أهلَ الجملِ ولم يَسْبِهم ، فمَنْ منكم يريدُ عائشةَ في نصيبهِ ؟
- لأنها كانتْ مع أهلِ الجملِ -
فإنَّ الله تباركَ وتعالى يقولُ : " النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ....(6) " سورة الأحزاب ، فمَنْ منكم يسبي       أمَّه ؟؟!!
فإنْ قلتم إنها ليستْ بأمٍّ لكم فقد كفرتم ، وإنْ قلتم إنها أمكم وتريدون أنْ تسبوها فقد كفرتم .
فسكتوا
فقالَ : خرجتُ منْ هذه ؟؟
قالوا : خرجتَ .
قالَ : وأمَّا قولُكم محا اسمَه عن  إمرةِ المؤمنين فإنْ لم يكنْ أميرَ المؤمنين فهو أميرُ الكافرين .. فإنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في صُلْحِ الحديبيةِ لما صالحَ سهيلَ بنَ عمرو كتبَ : هذا ما صالحَ عليه محمَّد رسولُ الله سهيلَ بنَ عمرو .
فقالَ له سهيل : لا تكتبْ رسولَ الله ، فلو كنَّا نؤمنُ أنك رسولُ الله ما قاتلناك ، ولكنِ اكتب اسمَك واسمَ أبيك ، فمحا رسولَ الله ، فهل زالَ عنه أنه رسولُ الله ؟؟؟!!
فإنْ قلتم زالَ فقد كفرتم
 فسكتوا ..
قالَ : خرجتُ منْ هذه ؟؟؟
قالوا :  خرجتَ .
 قالوا : فما تقولُ في الثَّالثةِ ؟؟
حكَّم الرِّجالَ ولا حُكْمَ إلا لله
قالَ : فإنَّ الله تباركَ وتعالى يقولُ : " وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا....(35)" سورة النساء ، الله حكَّم الرِّجالَ في بِضْعَينِ ألا يحكِّم الرِّجالَ في دماءِ أمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ؟؟!!
فسكتوا .
قالَ : خرجتُ منْ هذه ؟؟
قالوا : خرجتَ
وكانوا سِتَّةَ آلاف ، فرجعَ منهم أربعةُ آلافٍ و بقيَ منهم ألفان على رأيِهم
عندها تركَهم عليٌّ رضيَ الله عنه وقالَ : عيشوا كيف شئتم ولكنْ إيَّاكم أنْ تُؤذوا المسلمين .
ولكنَّهم لم يصبروا ، إذْ كانوا يستبيحون دماءَ مَنْ يُخالفُهم ، فجاؤوا يوماً فلقوا عبدَ الله بنَ خبَّاب الصَّحابيّ رضيَ الله عنه وكانتْ معه زوجتُه وهي مُتِمَّة ( متمة يعني في شهرِها التَّاسع ) .
 فقالوا : له أنتَ صاحبُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
قالَ : نعم .
قالوا : حدِّثنا حديثاً سمعتَه منْ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
قالَ : سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ : " ستكونُ بعدي فتنةٌ - وهو يقصدُهم - القاعدُ فيها خيرٌ منَ القائمِ ، والقائمُ خيرٌ منَ الماشي ، والماشي خيرٌ منَ السَّاعي  "
قالوا : لعلَّك تقصدُنا ؟؟
قالَ : نعم .
 فقتلوه ثم قتلوا زوجتَه وبقروا بطنَها وأخذوا الجنين ورمَوه في البحرِ .
بلغَ الخبرُ إلى عليٍّ رضيَ الله عنه أنهم فعلوا ذلك فأرسلَ إليهم مَنِ الذي قتلَه وقتلَ زوجتَه وبقرَ بطنَها ؟؟؟
فأرسلوا إلى عليّ : كلُّنا قتلناه .
يعني كأنهم يقولون افعلْ ما شئتَ .. كلُّنا قتلَه .
فجهَّز عليٌّ جيشاً وغزَاهم رضيَ الله عنه وأرضاه في معركةِ  النَّهْرَوَان ، وقدَّر الله أن في هذه المعركةِ لم يُقتلْ منْ جيشِ عليٍّ إلا سبعة أو أقلّ .
وكانَ ممنْ قُتِلَ رجلٌ يُقالُ له ذو الثُّدَيَّة أو ذو الثُّنْدُوَة ، وكانَ على  ذراعهِ مثل الثَّدي ، وكانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد أخبرَ عليّاً في حياتهِ : " أنَّ طائفةً تخرجُ على المسلمين يقتلون أهلَ الإسلام  ويتركون أهلَ الكفر " .
قالَ : " تقتلُهم أَوْلَى الطَّائفتين بالحقِّ فيهم رجلٌ يُقالُ له ذو الثُّدَيَّة "
فلمَّا انتهى القتالُ قالَ عليٌّ : ابحثوا عن رجلٍ له ثديٌ في يدهِ أو ثُنْدُوَةٍ في يدهِ .
فصاروا يبحثون في القتلى حتى وجدوا الرَّجلَ فلمَّا رآه  سجدَ لله شكراً أنه على الحقِّ .
أُخْبِرَتْ عائشةُ رضيَ الله عنها بما حَدَثَ
 فقالتْ : فماذا صنعَ عليٌّ ؟؟
قالوا : قالَ صدقَ الله ورسولُه ثم سجدَ .
قالتْ : هكذا كانَ والله أبو الحسن ولكنَّهم كانوا يكذبون عليه .
 يعني يزيدون عليه كلاماً لم  يَقُلْهُ رضيَ الله عنه وأرضاه .
 
كانتْ هذه المعركةُ في سنةِ ثمانٍ وثلاثين ، ثم في سنةِ تسعٍ وثلاثين هدأتِ الأمورُ  قليلاً ، وفي سنةِ الأربعين منَ الهجرة خرجَ ثلاثةٌ منَ الخوارج حُزْناً على قتلاهم في النَّهروان .
فقالوا : نريدُ أنْ نريحَ المسلمين منْ ثلاثةٍ ، منْ "عليّ ومنْ معاوية ومنْ عمرو بن العاص " .
فقالَ عبدُ الرَّحمن بنُ مُلْجِم - وهو أشقى الثَّلاثة - : أنا أكفيكم عليّاً .
وقالَ الآخر : أنا أكفيكم معاوية .
وقالَ الثَّالث : أنا أكفيكم عمرو بن العاص .
فجاءَ عبدُ الرَّحمن بنُ مُلْجِم وترصَّد لعليٍّ رضيَ الله عنه وهو خارجٌ لصلاةِ الفجرِ وذلك في التَّاسع عشر منْ رمضان وهو خارجٌ لصلاةِ الفجرِ ومعه خنجرٌ مسمومٌ ، فجاءَ وطعنَه في ظهرهِ رضيَ الله عنه وأرضاه ، وكانتْ هذه الطَّعنةُ سببَ وفاتهِ رضيَ الله عنه .
 
  وكانتِ ابنةُ عليّ أمُّ كلثوم  تقولُ : ما لي ولصلاةِ الغداةِ ( صلاة الغداة هي الفجر )
تقولُ : " ما لي ولصلاةِ الغداةِ ، قُتِلَ زوجي عمر في صلاةِ الغداةِ ( عمر بن الخطاب ) ، وقُتِلَ أبي في صلاةِ الغداةِ " ، رضيَ الله عنها .
 
 بقيَ أنْ نعلمَ أنَّ عليّاً رضيَ الله عنه لما قُتِلَ خافَ عليه أولادُه منَ الخوارج حتى بعد قتلهِ لأنهم لا يرقبون في مؤمنٍ إلّاً ولا ذِمَّة ، خافوا أنْ ينبشوا قبرَه فحفروا تسعةَ قبورٍ توهيماً في أيِّها يُدْفَنُ ، ثم دُفِنَ في قبرٍ لا يُعْلَمُ .
ولذلك مَنْ يقولُ لكم هذا قبرُ عليٍّ الذي في العراق مثلاً أو هذا ... الخ ، كلّه كذب ، لم يثبتْ منْ هذا شيءٌ أبداً.. لا يُعْلَمُ قبرُه ، أخْفِيَ قبرُه خوفاً عليه منْ نبشِ الخوارجِ له رضيَ الله عنه وأرضاه .
 
 بعد موتهِ رضيَ الله عنه غَلا فيه قومٌ و قلاهُ آخرون كما قالَ فيه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديثِ الذي فيه ضعف لكنه مشتهر أنه قالَ لعليٍّ : " يهلكُ فيك اثنان : محبٌّ غالٍ ، ومبغضٌ قالٍ "
محبٌّ غالٍ : يغلو في عليٍّ ، حتى جعلوه إلهاً مع الله يُسْألُ ويُعبدُ ويُدعى منْ دون الله ، ويُحيي ويُميتُ ، بيدهِ الجنَّة والنَّار ، والكون بيدهِ ، وغير ذلك منَ الأمور السَّخيفة التي ادَّعَوها فيه رضيَ الله عنه   وأرضاه .
وآخرون قلَوه : أي أبغضوه ، فأولئك هلكى وأولئك هلكى .
 
وقد جاءَ في حديثٍ آخر أنه قالَ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه : " أشقى النَّاسِ رجلان : عاقر النَّاقة وقاتل عليّ " ، رضيَ الله عن عليّ .
 
ونختمُ بقولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لعليٍّ رضيَ الله عنه : " لا يحبُّك إلا مؤمنٌ ولا يُبغضُك إلا منافقٌ " .
فنُشهِدُ الله تباركَ تعالى حبّه ، ونسألُ الله تباركَ وتعالى أنْ يحشرَنا وإيَّاكم معه في جناتِ عدنٍ ، في مقعدِ صِدْقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ ، والله أعلى وأعلم ، وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على نبيِّنا محمَّد .
 
تم تفريغ الدروس بواسطة الأخوات
فاعلة خير و  نازك  و عبق
شبكة المنهج تحت إشراف الشيخ //:
عثمان بن محمَّد الخميس حفظه الله
 

الحلقة التاسعة من سلسلة آل البيت والصحابة
عائشة بنت الصديق رضي الله عنها
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين ، الحمدُ لله إلهِ الأوَّلين والآخرين ، الحمدُ لله خالقِ الخلقِ أجمعين ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين نبيِّنا وإمامِنا وحبيبِنا وقُرَّةِ عينِنا نبيِّنا محمَّد بنِ عبد الله وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعين ، أمَّا بعدُ :
فما زالَ حديثُنا متواصلاً عن أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وآلِ بيتهِ وقد ذكرْنا أننا سنتكلَّم عن أشخاصٍ منْ آلِ البيتِ وأشخاصٍ منْ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ، وحديثُنا اليومَ عن شخصيَّةٍ منْ هذه الشَّخصيَّات ، شخصيَّةٍ جمعتِ الصُّحبةَ والآل ، أي هي - هذه الشَّخصيَّة - منْ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومنْ آلِ بيتهِ .
قد ذكرْنا في تعريفِنا لآلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنهم ينقسمون الى قسمين :
هناك آل البيت بالأصالة ، وهناك آل البيت بالتبعيَّة
أمَّا آلُ البيتِ بالأصالةِ فهمُ الذين يجمعُهم مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم نسبٌ ، أي يلتقون معه في هاشم ، يلتقون مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في هاشم فهؤلاءِ منْ آلِ بيتِ النبيِّ بالأصالةِ ، بأنفسِهم ، بدونِ واسطةٍ ، وهناك أناسٌ يكونون منْ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بواسطةِ ، التَّبعيَّةِ ، و هنَّ أزواجُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
حيثُ إنهنَّ قبلَ زواجهنَّ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكنَّ منْ آلِ البيتِ ، فلما تزوَّجهنَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم صِرْنَ منْ آلِ بيتهِ كما قالَ الله تبارك وتعالى في كتابهِ العزيزِ : " وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) " سورة الاحزاب .
 فحديثُنا عن زوجةٍ منْ أزواجِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، بل أفضل أزواج النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأحبّهنَّ إلى قلبهِ وهي عائشة رضيَ الله تبارك وتعالى عنها وأرضاها .
هذه المرأةُ التي جمعتْ فضائلَ عِدَّة وخصَّها الله جلَّ وعلا بخصائصَ تميَّزتْ بها عن غيرها .
وقبلَ أنْ أخوضَ في الحديثِ عن عائشةَ رضيَ الله عنها أذكرُ خلافَ أهل العلم في فضلِها هي أم خديجة .
 أيُّهما أفضلُ : خديجة أمْ عائشة ؟
هذه مسألةٌ لا يترتَّب عليها شيءٌ وإنما هي مسألةٌ علميَّةٌ تختصُّ بالفضلِ ، فذهبَ كثيرٌ منْ أهل العلم إلى أنَّ خديجةَ أفضلُ منْ عائشةَ ، و ذهبَ آخرون إلى أنَّ عائشةَ أفضلُ .
وكما قلتُ هذه المسألةُ لا يترتَّب عليها أمرٌ وإنما هي علميَّةٌ بحتةٌ .
وحاولَ شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ رحمه الله تبارك وتعالى أنْ يجمعَ بين القولين فقالَ : خديجةُ كانتْ أفضلَ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، إذْ كانَ في بدايةِ الدَّعوةِ بل قبل الدَّعوةِ كانَ محتاجاً إليها ، ونفعَ الله تبارك وتعالى نبيَّه بمالها وعقلِها وثقلِ وزنها في قومِها ، ونفعَ الله الأُمَّةَ بعائشةَ ، فلو نظرْنا إلى انتفاعِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لقلنا خديجة أفضل ، انتفعَ النبيُّ منْ خديجةَ أكثر مما انتفعَ منْ عائشةَ ، وإذا نظرنا إلى حالِ الأمَّةِ لوجدنا أنَّ الأمةَ انتفعتْ منْ عائشةَ أكثر منِ انتفاعِها بخديجةَ ، وهذا جمعٌ طيِّبٌ منْ شيخِ الإسلام ابنِ تيميَّةَ رحمه الله تبارك وتعالى .
قد يكونُ حديثٌ منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يميِّز خديجةَ على عائشةَ ؛ وهو قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم لعائشةَ يوماً : " هذا جبيريلُ يقرئكِ السَّلام "
" هذا جبريل يقرئكِ السَّلام "
فقالتْ عائشةُ رضيَ الله عنها : عليكَ وعلى جبريل السَّلام .
ولكنَّ خديجةَ قالَ لها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " إنَّ الله يقرئكِ السَّلام "
فقالتْ : إنَّ الله هو السَّلام ، وعليك السَّلام .
فيقولُ : جاءَ السَّلامُ لخديجةَ منَ الله بينما جاءَ السَّلامُ لعائشةَ منْ جبريل .
قالوا : هذا يميِّز خديجةَ على عائشةَ .
وآخرون قالوا ولكنَّ النبيَّ قالَ : " فضلُ عائشةَ على النِّساءِ كفضلِ الثَّريدِ على سائرِ الطَّعامِ " .
فقالوا :  فعمَّ الطَّعامَ كلَّه فتعمُّ عائشةُ النِّساءَ كلَّهنَّ .
لكنْ كما قلنا هذا الأمرُ لا يترتَّب عليه شيءٌ ، المهمّ أنَّ خديجةَ في الجنَّة وعائشةَ في الجنَّة ، وهذا يكفيهما شرفاً وفضلاً ؛ أنهما في الدنيا تزوَّجتا خيرَ البشرِ وفي الآخرةِ زوجُهما خيرُ البشرِ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ، وهنَّ معه في الفردوس الأعلى .
بل منْ جميلِ ما قيلَ وقد ذكرَه ابنُ حزمٍ رحمه الله تبارك وتعالى خلافاً لما ذهبَ إليه جماهيرُ أهلِ العلمِ ، وذلك أنَّ جماهيرَ أهلِ العِلْمِ قالوا : إنَّ أفضلَ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ ثم بقيَّة العشرة ثم أصحاب بدر ثم أصحاب بيعة الرِّضوان ، والمهاجرون أفضل من الأنصار .
ابن حزم رحمه الله تبارك وتعالى تفرَّد بقولٍ فقالَ : نساءُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أفضلُ منْ أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وغيرهم منَ الصَّحابةِ .
فقيلَ له : بمَ ؟ يعني لماذا قلتَ هذا القولَ ؟
قالَ : الفضلُ بالمنزلةِ في الآخرةِ ، أين منزلةُ زوجاتِ النبيِّ في الآخرةِ  ؟ ألَسْنَ مع النبيِّ في أعلى الدَّرجاتِ ؟ و أليسَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أعلى درجةً منْ أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ؟!
قيلَ : نعم .
قالَ : زوجاتُه يكنَّ مع أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ أم مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؟
قيلَ : مع النبيِّ .
قالَ : إذاً هنَّ أفضلُ .
لكنْ كما قلنا هذا الأمرُ لا يترتَّب عليه شيءٌ ، وإنما المهمُّ كلُّهم منْ أهلِ الجنَّة اسألُ الله أنْ يجعلَنا وإيَّاكم من أهلِ الجنَّةِ .
طيب .. حديثُنا إذاً عن عائشةَ ، عن الصِّدِّيقةِ بنتِ الصِّدِّيقِ ، عن حبيبةِ الحبيبِ صلَّى الله عليه وسلَّم وإلفهِ القريبِ ؛ عائشة المبرَّأة منْ سبع سماوات رضيَ الله عنها وأرضاها .
عائشةُ بنتُ أبي بكر الصِّدِّيق ، وأبو بكر هو عبد الله بنُ عثمانَ بنِ عمرو بنِ عامر التيميّ القرشيّ ، فإذاً هي قرشيَّةٌ ، و أمُّها منْ كنانة ، وهي أمُّ رُومان بنتُ عامر الكنانيَّة ، هي أمُّ عائشةَ رضيَ الله عنها وأرضاها .
أسماءُ أختُ عائشةَ منْ أبيها ، فأسماءُ أمُّها قُتيلة بنتُ عبد العِزَّى القرشيَّة ، أما عائشةُ فأمُّها منْ كنانة تختلفُ عن أسماء ، وأسماء كانت أكبر منْ عائشةَ بعشرِ سنواتٍ .
 الشَّاهدُ أنَّ عائشةَ رضيَ الله عنها تميَّزت وخصَّها الله تبارك وتعالى بخصائصَ فاقتْ بها نساءَ النبيِّ وغيرَ نساءِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وقبلَ أنْ نتكلَّم عن هذه الخصائصِ نتكلَّم عن فضائلِ أو بعضِ فضائلِ عائشةَ لأننا لا يمكنُ أبداً أنْ نذكرَ جميعَ فضائلِ عائشةَ في مثلِ هذا الوقتِ الضَّيِّقِ .
*- منْ فضلِ عائشةَ رضيَ الله عنها أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سُئِلَ
جاءَه عمرو بنُ العاص فقالَ : يا رسولَ الله مَنْ أحبُّ النَّاسِ إليكَ ؟
النَّاس .. عَمَّ النَّاسَ كلَّهم  .
مَنْ أحبُّ النَّاسِ إليكَ ؟
قالَ : عائشة .
قالَ : ومِنَ الرِّجالِ ؟
قالَ : أبوها .
قالَ : ثم مَنْ ؟
قالَ : عمر .
يقولُ : فسكتُّ ، يقولُ عمرو بنُ العاص . 
 لأنَّ النبيَّ كانَ قد أمَّره على جيشٍ فظنَّ أنَّ له منَ الفضلِ الشَّيءَ العظيمَ فتوقَّع أنْ يذكرَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، يقولُ : فسكتُّ بعدَ ذلكَ .
والشَّاهدُ منْ هذا أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لما سُئِلَ عن أحبِّ النَّاسِ إليه - ولا يحبُّ إلا طيِّباً صلواتُ ربي وسلامُه عليه - قالَ : " عائشة " .
فبيَّن منزلتَها ومكانتَها عنده صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
*- جاءَ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قالَ عنها : " فضلُ عائشةَ على النِّساءِ كفضلِ الثَّريدِ على سائرِ الطَّعام " ، والثَّريدُ ما نسمِّيه نحن الآن في أيامنا هذه (بالتشريب) الذي يكونُ خبزاً ولحماً ، وكانَ في ذلك الوقتِ منْ أطيبِ الطَّعامِ عندهم كما قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لعليٍّ في حديث : " لأن يهدي الله بكَ رجلاً خيرٌ لكَ منْ حُمرِ النَّعَم " ، فكانتْ حُمرُ النَّعَمِ وهي الإبلُ الحمراءُ في ذلك الوقتِ كانتْ أحبَّ الأموالِ إلى النَّاسِ .
فذكرَ الفضلَ بالتَّشبيهِ بحُمرِ النَّعَم ، وهنا ذكرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فضلَ عائشةَ على النِّساءِ بأفضلِ الطَّعامِ في ذلك الوقتِ وهو الثَّريد .
*- عائشةُ رضيَ الله عنها جاءَها النبيُّ يوماً فقالَ لها : " يا عائشةُ إني لأعلمُ متى ترضين عني ومتى تغضبين مني " .
قالتْ : أوَ تعلمُ ذلك يا رسولَ الله ؟!
قالَ : نعم أعلم إذا كنتِ راضيةً أو كنتِ غضبى .
قالتْ : وكيف ذلك يا رسولَ الله ؟
قالَ : " إذا كنتِ راضيةً عني تقولين : وربّ محمَّد ، وإذا كنتِ غضبى تقولين وربّ إبراهيم ".
مع أنَّ ربَّ محمَّد هو ربُّ إبراهيم سبحانه وتعالى .
قالتْ : صدقتَ يا رسولَ الله ، والله لا أهجرُ إلا اسمَك  فقط .
*- عائشةُ رضيَ الله عنها تميَّزت بالعلمِ ، ميَّزها الله بالعلمِ ، حتى نُقِلَ عن أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أقوالٌ كثيرةٌ في هذا الجانبِ ، وقبل أنْ نذكرَ هذه الأقوالَ يكفيننا أنْ نعلمَ أنَّ أكثرَ امرأةٍ روتْ أحاديثَ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عائشةُ رضيَ الله عنها ، إذْ روتْ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قريباً منْ مئتي حديث وألفيْ حديثٍ ، يعني ألفين ومئتي حديثٍ روتْ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وهي ثاني راوية عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وقيلَ إنَّ أنساً روى أكثرَ منها .
على كلِّ حالٍ عندما يُذكرُ السَّبعةُ الذين هم تجاوزوا الألفَ في روايتِهم عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهم أبو هريرةَ ، وعائشة ، وعبد الله بن عمر ، وأنس ، وابن عباس ، وجابر ، وأبو سعيد الخدري ، هؤلاء الذين تجاوزوا الألفَ في روايتِهم يذكرون عائشةَ إما الثانية أو الثالثة بين هؤلاء .
أقربُ امرأةٍ إلى عائشةَ في الرِّوايةِ أمُّ سلمةَ ، روتْ ثلاثمئة حديثٍ .
ولذلك قالَ أهلُ العلم : لو جُمِعَ علمُ جميعِ أمهات المؤمنين وما روينَ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يأتي نصف ما روتْه عائشةُ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، بل ولا أقلَّ منْ ذلك .
حتى قالَ الزُّهريُّ رحمه الله تبارك وتعالى : لو جُمِعَ علمُ عائشةَ إلى علمِ جميعِ أزواجه وعلمِ جميعِ النِّساءِ لكانَ علمُ عائشةَ أفضل ، رضيَ الله عنها وأرضاها .
وكانَ أبو موسى الأشعري - وهو منْ فقهاءِ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم - يقولُ : ما أشكلَ علينا أصحاب رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حديثٌ قطّ فسألنا عائشةَ عنه إلا وجدنا عندها عِلْماً .
ويقولُ مسروق : رأيتُ المشيخةَ - ومسروق منْ كبار التابعين-
يقولُ : رأيتُ المشيخةَ منْ أصحابِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الأكابر يسألونها في الفرائضِ .
يعني في أحكام المواريث ، رضيَ الله عنها وأرضاها .
ويقولُ عطاءُ بنُ رباح : كانتْ عائشةُ أفقهَ النَّاسِ وأعلمَ النَّاسِ وأحسنَ النَّاسِ رأياً في العامَّة .
ويقولُ عنها عروةٌ ابنُ أختِها ، يقولُ ابنُ أسماء : ما رأيتُ أحداً أعلمَ بفقهٍ ولا طِبٍّ ولا شعرٍ منْ عائشةَ رضيَ الله عنها وأرضاها .
فهذا علمُ عائشةَ رضيَ الله عنها وأرضاها .
ولذلك عندما نعودُ ونتكلَّم عن خصائص عائشةَ فإننا نجدُ أنَّ منْ خصائصِها
 *-  أنها أعلمُ النِّساءِ على الإطلاقِ رضيَ الله عنها وأرضاها .
كانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقسمُ لنسائهِ ،  ليلة لأم سلمة .. ليلة لأم حبيبة .. ليلة لصفيَّة .. ليلة لجويريَّة ..ليلة لميمونة..لزينب بنت خزيمة ..لزينب بنت جحش...الخ ، كانَ يقسمُ لكلِّ واحدةٍ منْ أزواج النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليلةً .
 عائشة رضي الله عنها كانَ يقسمُ لها ليلتين ،  يخصُّها .
طيب ..
هل هذه تفرقةٌ مِنَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؟؟
أو ظلم منه صلواتُ ربي وسلامُه عليه ؟؟
لا.. ولكنَّ سودةَ بنتَ زمعة أمّ المؤمنين بلغَها أو أحسَّت أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يمكنُ أنْ يفارقَها فأتتِ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقالتْ : يا رسولَ الله ، إني أريدُ أنْ أَهَبَ ليلتي لعائشةَ ، وأريدُ أنْ أكونَ زوجتَك في الآخرةِ ، في الجنَّة ، فقبلَ منها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وجعلَ ليلتَها لعائشةَ ، فكانَ يقسمُ لعائشةَ ليلتين ويقسمُ لسائرِ أزواجهِ ليلةً ليلة .
كانتْ متميِّزةً ، ولذلك كانَ النَّاسُ يعلمون أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يكونُ أشدّ فرحاً وأشدّ سعادةً إذا كانَ في ليلةِ عائشة ، فماذا كانَ يصنع النَّاسُ ؟
إذا كانَ يومُ عائشةَ يُهدون للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم الهدايا منْ طعامٍ أو غيرِه  وغالبُ هداياهم في ذلك الوقتِ الطَّعام .
يعني سعد بن عبادة كمثال / ما كانَ يمرُّ يومٌ إلا ويهدي للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لكنْ في يومِ عائشةَ يختلف الهدية تكونُ أفضل .
باقي الصَّحابةِ منَ الأنصارِ والمهاجرين يحرصون على أنْ يُهدوا للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في يومِ عائشةَ ، لأنهم يعلمون أنه الآن أسعد .
نساءُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم شعرنَ بذلك ، أنه يُهدى للنبيِّ في يومِ عائشةَ أكثر مما يُهدى له في سائرِ أيامهنَّ ، فحزنَّ لذلك فاجتمعنَ ، اجتمعتْ سودةُ وأمّ سلمة وأمّ حبيبة وصفية وحفصة وميمونة...الخ ، اجتمعتْ أمهات المؤمنين يناقشنَ هذا الأمرَ .
لماذا يُهدي النَّاسُ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في يومِ عائشةَ أكثر مما يُهدون له في أيامنا نحن .
طيب والحلّ ؟
فاخترنَ أمَّ سلمةَ أنها تذهبُ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وتقولُ له : مُرِ النَّاسَ أنْ يُهدوا لكَ في كلِّ يومٍ وليس في يومِ عائشةَ فقط ، نحن نشعرُ بالتمييز بيننا وبين عائشة ، قلنَ يعني كلِّميه إذا جاءَ في يومك ، فلما كانَ في يوم أمِّ سلمةَ زارَها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في يومِها أو أتاها في يومِها فقالتْ له : يا رسولَ الله إن نساءك ينشدنك العدلَ في ابنةِ أبي قحافة .
فَمُرِ النَّاسَ أنْ يُهدوا لك في كلِّ يومٍ ولا يخصُّون يومَ عائشةَ ، فسكتَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يردّ عليها شيئاً .
وطبعاً باقي النِّساء ينتظرنَ متى يلتقينَ بأمِّ سلمةَ حتى يسمعنَ النَّتيجةَ .
فلمَّا جِئْنَ منَ الغد و زُرْنَ أمَّ سلمةَ ...ها ماذا قالَ لكِ ؟ ماذا قلتِ له ؟
قالتْ : قلتُ له كذا كذا .
قلنَ : ماذا قالَ لكِ ؟
قالتْ : ما ردَّ عليَّ بشيءٍ ، سكتَ .
قالوا : طيب إذا كان في يومِك - يعني المرَّة القادمة إذا جاءَ دورك - أعيدي عليه السُّؤالَ مرَّة ثانيةً
فقالتْ : نعم ، فلما كانَ يومُها طرحتْ عليه المسألةَ مرَّة ثانيةً ، فلم يردّ عليها صلَّى الله عليه وسلَّم .
فاجتمعنَ معها منَ الغد ، ...ها.. ماذا قالَ لكِ ؟
قالتْ : ما ردَّ عليَّ شيئاً .. سكتَ .
فماذا صنعنَ ؟ ذهبنَ إلى فاطمةَ بنتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 هذه غيرةُ النِّساءِ .. وهذا أمرٌ طبيعيٌّ
فذهبنَ إلى فاطمةَ فذكرنَ لها ذلك .
قالتْ : نعم أكلِّمه .
فذهبتْ إليه في يومِ عائشةَ ، وهو مع عائشةَ في الفِرَاشِ .
فقالتْ له : يا رسولَ الله أو يا أبتِ إنَّ نساءك ينشدنك العدلَ في ابنةِ أبي قحافة ، فَمُرِ النَّاس أنْ يُهدوا لك في كلِّ يومٍ .
فماذا قالَ لها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؟
قالَ : يا فاطمةُ أتحبِّين ما أحبُّ ؟
قالتْ : نعم .
قالَ : فأحبِّي هذه .
أحبِّي هذه المرأة .
فخرجتْ فاطمةُ رضيَ الله عنها إلى نساءِ النبيِّ .
قلنَ : ماذا قالَ لكِ ؟
قالتْ : قالَ لي كيت وكيت .
قلنَ : ما صنعتِ شيئاً .
فأرسلنَ زينب بنت جحش .
تقولُ عائشةُ : وهي التي كانتْ تُساميني في المنزلةِ ، يعني كانَ النبيُّ أيضاً يحبُّها كثيراً .
 وهي بنتُ عمَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
فأرسلنَ زينب بنت جحش .
فدخلتْ  زينبُ بنتُ جحش على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  ومعه عائشة .
فقالتْ : يا رسولَ الله ، إنَّ نساءك ينشدنك العدلَ في ابنةِ أبي قحافة ، فَمُرِ النَّاسَ يُهدون لك في كلِّ يومٍ .
تقولُ عائشةُ : ثم تكلَّمت عليَّ - يعني  مسَّتني بكلام - بين يدي النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
تقولُ : وأنا ساكتةٌ والنبيُّ ساكتٌ
تقولُ : فالتفتُّ إلى النبيِّ هل يأذنُ لي أنْ أردَّ .. أدافع عن نفسي أو شيء .
تقولُ : فالتفتُّ إلى النبيِّ فتبسَّم ففهمتُ أنه أذنَ لي .
تقولُ : فرددتُ عليها حتى أسكتُّها .
لكنْ لم تذكرْ ماذا قالتْ وماذا ردَّت عليها ، المهم أنها أسكتتْها..تقول
تقولُ : فرددتُ عليها حتى أسكتُّها .
فقالَ لها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. لزينب : إنها ابنةُ أبي قحافة .
يعني ما تقدرين عليها .. إنها ابنةُ أبي قحافة
فخرجتْ زينبُ رضيَ الله عنها وأرضاها
فالقصدُ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كانَ يقسمُ لها ليلتين ، فكانَ يحبُّها أكثر مما يحبُّ سائرَ نسائهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وهذا لا يضرُّ .
يعني إذا كانَ فيكم أحد معدِّد ما يضرّ ، المحبَّة القلبيَّة لا تضرُّ .
المهم العدل في المعاملة أمَّا القلبُ فإنَّ الإنسانَ لا يملكُه ، ولذلك جاءَ في الحديثِ - وإنْ كانَ فيه ضعفٌ - أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ : " اللهمَّ هذا قسمي فيما أملكُ فلا تؤاخذني فيما لا أملكُ "وهو القلب .
عائشةُ رضيَ الله عنها منْ خصوصيَّاتها
*-  أنَّ النِّساءَ كنَّ يزوِّجهنَّ آباؤهن بينما عائشةُ تزوَّجتْ بطريقةٍ أخرى مختلفةٍ
يقولُ لها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : "  أُرِيْتُكِ في المنام ثلاثَ ليالٍ ، يأتني جبريل بسرقة منْ حرير - يعني قطعة منْ حرير ، قماش منْ حرير - فيقولُ لي هذه زوجتُك في الدُّنيا ، فأكشفُ فإذا أنتِ " يقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم :"  ثم جاءني الثانية و جاءني الثالثة " ثلاث مرات في المنام يراها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بهذه الطريقةِ - فقلتُ إنْ يكنْ هذا منَ الله يُمْضِهِ " ، يعني يقع هذا الأمر إنْ كانَ منَ الله ، وفعلاً أوقعَه الله تبارك وتعالى وتزوَّج النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عائشةَ رضيَ الله عنها وأرضاها .
قلنا إنَّ النبيَّ تزوَّج نساءً كثيراتٍ ، يعني لو حاولنا أنْ نعدَّ أمَّهات المؤمنين خديجة كانتْ متزوِّجة قبل أنْ يتزوَّجها النبيُّ صلَّى الله عليه و سلَّم .. أمّ حبيبة كذلك ..صفية كذلك .. جويرية كذلك ..حفصة كذلك .. أمّ سلمة كذلك ..ميمونة كذلك ..زينب .. زينب..كلُّ أزواج النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كنَّ تزوَّجنَ قبلَ النبيِّ إلا عائشة هي الوحيدة التي تزوَّجها النبيُّ بِكْراً ، لم يتزوَّج بِكْراً غير عائشة رضيَ الله عنها ، أي لم تطَّلعْ على رجلٍ غير رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم  .
*- لما مرضَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لِشِدَّةِ عدلهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو مريضٌ يكونُ ليلةً عند فلانةٍ .. ليلة عند الأخرى ..وليلة عند.. وهكذا ، يتناوبنَ عليه ، ولما اشتدَّ به المرضُ أحسَّتِ النِّساءُ أنَّ النبيَّ يريدُ أنْ يبقى في مكانٍ واحدٍ .
لأنَّ التَّنقُّل هذا يُؤذيه لأنَّ أزواجَ النبيِّ كلّ واحدةٍ لها حجرةٌ ، حجرات .
فاستأذنَ النبيُّ نساءه أنْ يمرَّض في بيتِ عائشةَ فأذنَّ له ، فبقيَ في بيتها اثني عشر يوماً صلَّى الله عليه وسلَّم ، قضى هذه الأيام كلَّها في بيتِ عائشةَ صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
*- وقبيل أنْ يتوفَّاه الله تبارك وتعالى كانتْ عائشةُ عنده فدخلَ عليها أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وكانَ معه سواك .
تقولُ عائشةُ رضيَ الله عنها : فأبدَّه رسول الله نظرَه .
يعني صارَ ينظرُ إلى السِّواك
تقولُ عائشةُ : فعلمتُ أنه يريدُه ، فقلتُ له : تريدُه ؟
تريدُ السِّواك ؟
فأشارَ برأسهِ أنْ نعم
تقولُ : فأخذتُه منْ عبد الرحمن ثم قضمتُه وليَّنتُه .
 أي بأسنانها ، بريقها ، قضمتْه ثم ليَّنتْه ثم أعطتْه النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فاستاكَ به أحسن ما يستاكُ
تقولُ : فآخرُ ما لقيَ ريقَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ريقي .
يعني التقى ريقُها بريقِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قبيل وفاتهِ صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
*- ولما توفَّاه الله كانَ على صدرِها .
تقولُ : تُوُفِّيَ رسولُ الله وهو بين سحري ونحري ..بين سحري ونحري.
ماتَ على صدرِها صلواتُ ربي وسلامُه عليه .
*- ثم كذلك دُفِنَ في بيتِها ، ما دُفِنَ في بيتِ امرأةٍ أخرى ، فكانَ في كلِّ يومٍ عندها حتى توفَّاها الله تبارك وتعالى ..كلّ يوم عندها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
*- عائشةُ رضيَ الله عنها جاءتْ يوماً إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهي صغيرةٌ في السِّنِّ ، تقولُ : وكنَّا خرجنا في سفرٍ .
فقالَ لها : يا عائشةُ تُسابقينني ؟
قالتْ : نعم .
فأمرَ الجيشَ أنْ يتقدَّم  ، فتقدَّم الجيشُ وظَلَّ هو وعائشة متأخِّرينِ .
قالَ : نتسابق الآن .
فتسابقَ معها صلَّى الله عليه وسلَّم فسبقته .
تقولُ : ثم بعد سنواتٍ لما ثَقُلْتُ قليلاً جاءني
وقالَ لي : تسابقينني ؟
فقلتُ : نعم .. فسابقتُه فسبقَني .
فقالَ لي : هذه بتلك .
تصوَّر الآن سَبْق النبيِّ لها .. يعني هي عائشة تُوُفِّيَ النبيُّ ولها ثماني عشرة سنة وهو ثلاث وستين ، يعني كانَ سبقها في الثانية فهو ستين وهي خمس عشرة سنة ومع ذلك سبقَها صلَّى الله عليه وآله وسلَّم .
المهم أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كانَ يُداريها ويحبُّها ويُظهرُ وُدَّها أكثر منْ غيرها رضيَ الله عنها وأرضاها .
*- في فضلِها نزلتْ آيةُ التَّيمُّم ، سافرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع أصحابهِ في غزوةٍ ولما رجعَ في الطَّريقِ صلَّى الله عليه وسلَّم جلسوا ، لأنهم كانوا يسيرون في الليل ويرتاحون في النهار لترتاح الدَّوابُّ وهم يرتاحون ، فكانوا دائماً يسيرون في الليل ويرتاحون في النهار .
في يومٍ منَ الأيام أثناءَ سفرِهم ارتاحوا في النهارِ ثم لما جاؤوا ينطلقون في آخرِ العصرِ قريب منَ المغرب وإذا عائشةُ فقدتْ عِقْدَها فجاءتْ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالتْ : فقدتُ عِقْدِي .
قالَ : ما أحد يسافرُ ، تبحثون عن عِقْدِها .
فأوقفَ النَّاسَ كلَّهم ليبحثوا عن عِقْدِ عائشةَ رضيَ الله عنها .
فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جاءَ وهو متعبٌ فجاءَ ونامَ على فَخِذِ عائشةَ رضيَ الله عنها ، والنَّاسُ يبحثون عن عِقْدِ عائشةَ رضيَ الله عنها .
تقولُ : فجاءَ أبو بكر الصِّدِّيق - أبوها - وهي صغيرةٌ في السِّنِّ ( يعني على ما نقول نحن في التعش ) يعني ثلاثة عشرة سنة ، أربعة عشرة سنة ، هكذا في سِنٍّ صغيرةٍ ، فجاءَها أبوها أبو بكر الصِّدِّيق .
تقولُ : فقالَ لي : يا بُنَيَّة ، حبستِ رسولَ الله وحبستِ النَّاسَ لأجلِ عِقْدٍ ؟؟!!
تقولُ : وكانَ ينغزُني في بطني ، في خاصرتي .. يضربني بأصبعه  .
في خاصرتها ضرب.. ما يقدر يصرخ ، ما يقدر لأنَّ الرَّسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم نائمٌ بجانبه
فيقولُ : حبستِ رسولَ الله لأجلِ عِقْدٍ!! فيضرب
تقولُ : ألم ولكنْ لا أستطيعُ أنْ أتكلَّم لأنَّ الرَّسولَ على فَخِذِي ، صلَّى الله عليه وسلَّم .
 تقولُ : و فَقَدَ النَّاسُ الماءَ .
تقولُ : وبينما نحن كذلك نزلتْ على النبيِّ آياتُ التَّيمُّم .
فقالَ أبو موسى الأشعريّ : ليستْ هذه بأوَّل بركاتِكم يا آلَ أبي بكر الصِّدِّيق
يعني نزلتْ هذه الآية ، آية التيمم ، قول الله تبارك وتعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا...(6) " سورة المائدة فنزلتْ هذه الآيةُ ، وقيلَ آية النِّساء التي نزلتْ في تيمُّم النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، المهم أنها نزلتْ آيةُ التَّيمُّم في سببِ عائشةَ رضيَ الله عنها .
ولذلك كانَ يقولُ أبو موسى الأشعري : ليس هذا بأوَّل فضلِكم يا آلَ أبي بكر .
*- عائشةُ رضيَ الله عنها وأرضاها كانتْ صوَّامةً ، كانتْ تصومُ الدَّهرَ كلَّه ما تفطرُ إلا في العيدِ .. في يومي العيد فقط عيد الفطر وعيد الأضحى وتصوم الدَّهر كلَّه.. تسردُ الصَّومَ ، وهذا كانَ هدياً لكثيرٍ منَ السَّلَفِ رحمهم الله تبارك وتعالى كانوا يسردون الصَّومَ .
وكانَ بعضُهم يغيبُ عنه حديثُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : "  أفضلُ الصَّومِ صومُ داوود ، كانَ يصومُ يوماً ويفطرُ يوماً " ، وبعضُهم كانَ يتأوَّل بهذه المسألة لمنْ كانَ لا يستطيعُ أنْ يصومَ كلَّ يومٍ ، لكن الشَّاهد أنَّ عائشةَ رضيَ الله عنها كانتْ تسردُ الصَّومَ فلا تفطرُ إلا في يوم الفطر ويوم الأضحى فقط وأيام التشريق الأيام المنهي عن صومِها فقط ، وإلا كانتْ تسردُ الصَّومَ رضيَ الله عنها .
*- وكانتْ كثيرةَ النَّفَقَةِ .. جاءَها النبيُّ يوماً بشاةٍ فقالَ لها : احفظي هذه الشَّاة .
أعطاها الشاة .. ثم خرجَ إلى أصحابهِ فلما رجعَ إلى البيتِ قالَ : ما بقيَ في الشَّاةِ .
لأنه قد علَّمها النَّفَقَةَ وتعلَّمتْ هذا في بيتِ أبي بكرٍ
قالَ : ما بقيَ منَ الشَّاةِ ؟
قالتْ : ذهبتْ كلُّها إلا الذِّراعَ .
لأنَّ الرَّسولَ كانَ يحبُّ الذِّراعَ صلَّى الله عليه وسلَّم فأبقتْه له صلَّى الله عليه وسلَّم وتصدَّقتْ بالشَّاةِ كلِّها .
فقالَ لها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : بل بقيتْ كلُّها إلا الذِّراع .
يعني ما تصدَّقتِ به هو الذي بقيَ ، أي عند الله جلَّ وعلا .. احتسبي الأجرَ فيه .
لم تنسَ هذه الكلمةَ منْ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
*- ولذلك في عهدِ معاويةَ أُتِيَتْ عائشةُ بمئة ألف دينار ..أُعْطِيَتْ لها ، فلما وصلتْها هذه الأموالُ تصدَّقتْ بها في اليوم نفسهِ قبل ما يؤذِّن المغرب .. منَ العصر تصدَّقتْ بالمالِ كلِّه .
لنفرضِ الماَل وصلَها الضُّحى .. ما أذَّن عليها العصرُ إلا المال كلّه نفذَ .
فقالتْ لها خادمتُها بَريرة : يا أمَّ المؤمنين لو أبقيتِ ديناراً نشتري به لحماً لفطركِ .
 يعني أنتِ صائمةٌ ما عندك شيء تأكلينه للفطور
لو أبقيتِ ديناراً لنشتريَ به لحماً لفطركِ
فماذا قالتْ لها أمُّ المؤمنين ؟
قالتْ : لو ذكَّرتِني لفعلتُ
ما ذكرتني كنتُ أخفيتُ ديناراً ولكنْ ما ذكَّرتني .. فتصدَّقتْ بالمالِ كلِّه رضيَ الله عنها .
*- وتصدَّقتْ يوماً بصدقةٍ عظيمةٍ فغضبَ عبدُ الله بنُ الزُّبير ، ابنُ أختِها ، وكانتْ تحبُّه كثيراً ، بل كانتْ تكنى بأمِّ عبدِ الله مع أنه ما عندها عيال رضيَ الله عنها لكنْ تكنى بعبد الله بنِ الزُّبير ، يقالُ لها : أمّ عبد الله ، وكانتْ تحبُّه كثيراً .
فتصدَّقتْ يوماً بصدقةٍ عظيمةٍ
 فغضبَ عبدُ الله بنُ الزُّبير لما قيلَ له ، قالَ: أو فعلتْ ذلك ؟!
قالوا : نعم .
قالَ : لأَحْجُرَنَّ عليها .. لأحجرنَّ عليها .
فبلغَ الكلامُ عائشةَ رضيَ الله عنها .
قالوا : إنَّ عبدَ الله بنَ الزُّبير غضبَ لهذه الصَّدقةِ الكبيرةِ التي تصدَّقتِ بها وقال : لأحجرنَّ عليها .
قالتْ : أوَ قالَ ذلك ؟! أوَ قالَ ذلك ؟!
قالوا : نعم .
قالتْ : والله لا أكلِّمه أبداً حتى يفرِّق بيني وبينه الموتُ .
كيفَ يقولُ عني هذا الكلامَ ، أنا خالتُه وأمُّه
أمّ المؤمنين وخالته يقولُ عني هذا الكلام ؟! والله لا كلَّمته أبداً حتى يفرِّق الموتُ بيني وبينه .
فلمَّا بلغَ هذا الشَّيء عبدَ الله بنَ الزُّبير حزنَ كثيراً .. يروحُ لها ما تكلِّمه .. يحاولُ ما تكلِّمه ..  يدز واسطات ما فيه فائدة .. أبداً ما تردّ عليه .
حتى جاءَ يومٌ عملَ معها حيلةً وهو أنه استأذنَ المِسْوَر بن مَخْرَمَة وعبد الرحمن بن يزيد بن الأسود فقالَ لهما : استئذنا على عائشةَ وأدخلاني معكما .
قالوا : كيف ، هي لا تأذنُ لك ؟!!
فاتَّفقَ معهما على حيلةٍ ، فجاءَ عبدُ الرحمن بن يزيد والمِسْوَر بنُ مَخْرَمَة فاستأذنا على عائشةَ ، يريدان أنْ يدخلا يسألانها في مسألةٍ ، ودخلَ عبدُ الله بنُ الزُّبير تحت عباءةِ أحدِهما ، يعني تحت البشت... يعني يلبس عباءة (بشت) ودخلَ تحت البشت ، فاستأذنا
قالوا : ندخل ؟
قالتْ : نعم ادخلا  .
قال : ندخلُ كلُّنا ؟
لأنَّ معهما آخر .
قال : أندخلُ كلُّنا ؟
قالتْ : نعم كلُّكم .
هي تظنُّ هذان .. يعني هذين اثنين سيدخلان
 فقالتْ : نعم كلُّكم .
فدخلوا عليها وهي منْ وراء حجابٍ ساترٍ بينها وبينهما أو بينهم لأنَّ معهم ثالث عبد الله بن الزبير ، فاخترقَ الحجابَ ودخلَ عليها واحتضنَها وبكى رضيَ الله عنه وعنها ، فبكتْ ولم تملكْ نفسَها لأنها كانتْ تحبُّه كثيراً ، فبكى وبكتْ وطلبَ منها أنْ تغفرَ له وأنْ تسامحَه وكذا .. ثم تكلَّم المِسْوَر وعبد الرحمن بن يزيد  يعني يطلبان منها أنْ تسامحَ ، وذكرا لها حديثَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " لا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يهجرَ أخاه فوق ثلاثٍ " ، المهم ما زالا معها ما زالا معها حتى رضيتْ عنه رضيَ الله عنها ، ثم بعد ذلك - لأنها حلفتْ ألا تكلِّمه - بعد ذلك أعتقتْ أربعين نفساً .. اشترتْ أربعين عبداً وأعتقتهم لتكفِّر عن يمينها رضيَ الله عنها وأرضاها .
*- خيَّر الله أو أمرَ الله نبيَّه أنْ يخيِّر نساءَه : "  يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ  قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا(29) "سورة الاحزاب ، فجمعَ النبيُّ نساءَه وقرأَ عليهنَّ هاتين الآيتين "...إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا..." لأنه اشتكينَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم شظفَ العيشِ .
لأنَّ عائشةَ ماذا تقولُ ؟
قالتْ : كانَ يمرُّ الهلالُ ثم الهلالُ ثم الهلالُ لا يُوْقَدُ في بيتِ رسولِ الله نارٌ .
حتى قالَ لها عروةُ ابنُ أختها : فماذا كانَ طعامُكم ؟
قالتْ : الأسودان التَّمر و الماء .
هذا بيتُ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم  يأكلُ تمراً وماءً فقط ... يمرُّ الهلالُ ثم الهلالُ ثم الهلالُ يعني تسعين  يوماً .
أبداً ما فيه ..الأسودان  التمر والماء .
فبعضُ نساءِ النبيِّ طلبنَ منه أنْ يعطيهنَّ منَ المال أو يفتحَ لهنَّ منْ أمور الدُّنيا  وكذا...
فأنزلَ الله تباركَ وتعالى : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ  قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا " أطلقكنَّ وعِشْنَ هذه الحياةَ الدُّنيا .
وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا " فجمعهنَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقرأ عليهنَّ
وقالَ : اخترنَ هذا أو هذا .. الحياة الدنيا أو الدَّار الآخرة ؟
ثم نادى عائشةَ لأنه كانَ يحبُّها
وقالَ : " لا تتعجَّلي استشيري والديكِ .. لا تتعجَّلي استشيري  والديكِ "
لأنه كما قلنا كانتْ صغيرةً ، النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم تُوُفِّيَ وعمرُها ثماني عشرة سنةً
فقالَ : استشيري أبويك .
فقالتْ : يا رسولَ الله  أوَ أختارُ غيرَك؟!! فإني أختارُك ..أختارُ الله ورسولَه والدَّار الآخرةَ .
*- فهي أوَّل مَنِ اختارَ منَ النِّساءِ على صِغَرِ سِنِّها ، هي أوَّل واحدة في نساءِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم اختارتِ الله ورسولَه والدَّارَ الآخرةَ رضيَ الله عنها وأرضاها .
*- وقعتْ لها حادثةٌ في حياةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، حادثةٌ مريرةٌ .
وهي حادثةُ الإفكِ ، حيثُ إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سافرَ في غزوةِ بني المصطلق وفي العودة .. وقعتْ قِصَّةٌ طويلةٌ لا مجالَ الآن لذكرِ تفاصيلِها ولكنْ تأخَّرتْ عائشةُ رضيَ الله عنها ، ذهبتْ تقضي حاجتَها فانطلقَ الجيشُ يظنونها قد ركبتْ في هودجِها على جملِها ولم تكنْ كذلك .
كانتْ تبحثُ عن عِقْدِها ، فسافرَ النَّاسُ ، ثم بقيتْ وحدَها رضيَ الله عنها ، وجاءَ صفوانُ بنُ المعَطِّل في الفجر .
 قلنا إنَّ النبيَّ كانَ يسيرُ في الليل ويرتاحُ في النهار ، فكانَ مرتاحاً النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، قبيل المغرب النبيُّ أرادَ أنْ ينطلقَ .
عائشةُ ذهبتْ تبحثُ عن عِقْدِها .
مرَّتين ضاعَ عِقْدُها ، مرَّة عندما نزلتْ آيةُ التيمُّم وهذه المرَّة ،ولكن هذه المرَّة عِقْدُ أسماء أختها كانَ عندها ، فالمهم أنها فقدتِ العِقْدَ فصارتْ تبحثُ عنه فانطلقَ الجيشُ ، رجعتْ ما وجدتْ أحداً وكانَ الليلُ قد دخلَ عليها .
فظلَّت في مكانها  تنتظرُ أنهم يفقدونها ثم يرجعون إليها ، هم لا يقفون ، يسيرون طوالَ الليل إلى الفجر تقريباً .
فانتظرتْ في مكانها رضيَ الله عنها ثم نامتْ ، وفي الفجر صفوان بن المعَطِّل قدَّر الله أنه متأخِّر فجاءَ في نفسِ الطَّريق فوجدَ السَّوادَ منْ بعيدٍ ، فلمَّا اقتربَ فإذا هي أمُّ المؤمنين عائشة رضيَ الله عنها ، فنوَّخ جملَه ( أناخه) ، ثم ركبتْ على الجملِ وسارَ يقودُه مشياً على الأقدام ،  هو يمشي وهي على الجملِ  حتى - لأنه قلنا إنهم يمشون في الليل وفي النهار- وقفَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع أصحابهِ .. فقدوا عائشةَ .
  فجاءَ صفوانُ بنُ المعَطِّل وصلَ إليهم في الضُّحى وإذا معه أمُّ المؤمنين عائشة رضيَ الله عنها .
فبعضُ النَّاسِ منَ المنافقين وجدَها فرصةً للطَّعن في النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالَ الخبيثُ عبدُ الله بنُ أبيّ بن سَلول وغيره قالوا : ما جاءَ معها - أي صفوان - إلا وقد فجرَ بها وفجرتْ به .. والعياذُ بالله .
يعني اتهمَها بالزِّنا ، المهم انتشرَ هذا الخبرُ بين الناس - والعياذُ بالله - فصارَ بعضُ النَّاسِ يتناقلُ الخبرَ ، وممنْ نقلَ هذا الخبرَ منَ الطيِّبيين ثلاثة منَ الصَّحابةِ هؤلاء الصَّحابة الثلاث ( مِسْطَح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر الصديق ، والثاني حسان بن ثابت شاعر النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، والثالث امرأة وهي حَمْنَة بنت جَحْش أخت زينب بنت جَحْش أمّ المؤمنين ) ، هؤلاء الثلاث سمعوا النَّاسَ يتكلَّمون فتكلَّموا .
قالوا : إنَّ عائشةَ وقعَ منها الزِّنا مع صفوان .
فهذا قذفٌ .
فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ظلَّ شهراً كاملاً لا يتكلَّم مع النَّاسِ في هذا الموضوع .
يعني مصيبة عظيمة حلَّت به صلواتُ ربي وسلامُه عليه أنه اتُّهِمَ في عرضهِ صلَّى الله عليه وسلَّم حتى أنزلَ الله براءَتها منَ السَّماء ، وسمَّى الحديث الذي دِير والذي تُكُلِّمَ فيه إفكاً فقال : " إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ .... 11() "سورة النور وبرَّأ الله عائشةَ رضيَ الله عنها .
ولذلك إذا  مُدِحَتْ عائشةُ رضيَ الله عنها يقالُ لها ماذا ؟
المبرَّأة منْ فوق سبع سماوات ، أي انَّ الله برَّأها سبحانه وتعالى .
شاهدُ الأمرِ أنه بعد أنْ بُرِّئَتْ عائشةُ رضيَ الله عنها منْ هذا الإفكِ وكانَ حسَّان ممن تكلَّم فيها ، فجاءَ يعتذرُ حسان بن ثابت لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعدما نزلتِ البراءةُ نادى حسَّان بنَ ثابت ومِسْطَح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وجلدَهم حَدَّ القذف ثمانين ..ثمانين ..ثمانين ، كلّ واحد ثمانين جلدةً لقذفِهم لأمِّ المؤمنين عائشةَ رضيَ الله عنها .
ثم أرادَ حسَّان بنُ ثابت أنْ يعتذرَ لعائشةَ رضيَ الله عنها  مما قالَ
فقالَ لها :
رأيتكِ وليغفرْ لكِ الله حُرَّةً *** مِنَ المحصَناتِ غيرِ ذاتِ غوائلِ
حَصَانٌ رَزَانٌ لا تُزَنُّ بريبةٍ *** وتصبحُ غَرْثَى منْ لحومِ الغوافلِ
فقالتْ له عائشةُ : ولكنك لستَ كذلك..أنتَ لستَ كذلك ، أنتَ تكلَّمتَ فيَّ .. ولكنك لستَ كذلك يا حسَّان .
فقالَ لها :
وإنَّ الذي قد قيلَ ليسَ بلائقٍ *** بكِ الدَّهرَ بل قيلُ امرئٍ مُتَمَاحِلِ
مُهَذَّبَةٌ قد طَيَّبَ الله خِيمَها *** وطهَّرها منْ كلِّ سُوءٍ وباطلِ
فإنْ كنتُ أهجوكم كما بلَّغوكمُ *** فلا رفعتْ سوطي إليَّ أناملي
وكيفَ ووُدِّي ماحَييتُ ونُصْرَتي *** لآلِ رسولِ الله زَيْنِ المحافلِ
فاعتذرَ حسَّان لعائشةَ رضيَ الله عنها فرضيتْ وسامحته وانتهى هذا الأمرُ .
 
وكانتْ هذه الحادثةُ قد أُصِيبتْ بها عائشةُ ولها منَ العمر اثنتا عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة .
مرضتْ أمُّنا أمُّ المؤمنين عائشة سنة سبعٍ وستين منَ الهجرة وكانَ عندها ابنُ أخيها عبدُ الله بنُ عبد الرحمن بنِ أبي بكر الصِّدِّيق .
فجاءَ عبدُ الله بنُ عباس يستأذنُ عليها يريدُ أنْ يزورَها
فقالَ لها ابنُ أخيها : هذا عبدُ الله بنُ عباس يستأذنُ عليك .
قالتْ : دعني مِنِ ابنِ عباس ، فالذي أنا فيه...
يعني مشغولة بنفسِها في سكراتِ الموت .
قالتْ : دعني مِنِ ابنِ عباس
 فقالَ لها عبدُ الله بنُ عبد الرحمن : يا عمَّتي ، عبدُ الله بنُ عباس منْ صالح المؤمنين يدعو لك ويراكِ .
قالتْ : إنْ شئتَ أنْ تأذنَ له فأذنْ له .
فدخلَ عبدُ الله بنُ عباس رضيَ الله عنهما
 فقالَ لها عبدُ الله بنُ عباس : أبشري .
قالتْ : بماذا ؟
فقالَ : ما بينك وبين أنْ تلقي محمَّداً والأحبة إلا أنْ تخرجَ الرُّوحُ منَ الجسدِ . لأنها زوجتُه في الدُّنيا وزوجتُه في الجنَّة صلَّى الله عليه وسلَّم .
فقالَ : ما بينكِ وبين أنْ تلقي الأحبَّة محمَّداً وحزبه والأحبة إلا أنْ تخرجَ الرُّوحُ منَ الجسدِ ، وكنتِ أحبَّ نساءِ رسولِ الله إليه ، ولم يكنْ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يحبُّ إلا طيِّباً .
وهذه منَ السُّنة أنَّ الإنسان إذا دخلَ على الإنسان وهو في سكراتِ الموتِ أنْ يطيِّب خاطرَه وأنْ يحسِّنَ ظنَّه بالله تبارك وتعالى لأنه جاءَ في الحديثِ :" لا يموتنَّ أحدُكم إلا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بالله جلَّ وعلا "
فالشَّاهدُ أنَّ ابنَ عباس يُحَسِّنُ ظنَّها بالله جلَّ وعلا
ثم قالَ : وسقطتْ قلادتُك ليلةَ الأبواء فأصبحَ رسولُ الله وأصبحَ النَّاسُ ليس معهم ماء ، فأنزلَ الله آيةَ التَّيمُّم ، وأنزلَ الله براءتك منْ فوقِ سبعِ سمواتٍ جاءَ بها الرُّوح الأمينُ ، فأصبحَ ليس مسجدٌ منْ مساجدِ الله إلا يُتلى فيه آناءَ الليل وآناءَ النهار ، أي تُقرأ هذه الآياتُ في براءتكِ .
قالتْ : دعني منكَ يا ابنَ عباس ، والذي نفسي بيدهِ لوددتُ أني كنتُ نسياً مَنْسِيّاً .
 وهذا منْ خوفِ الإنسانِ منْ ربِّه تباركَ وتعالى .
 
وتُوُفِّيَتْ أمُّنا أمُّ المؤمنين عائشةُ رضيَ الله عنها ، وصلَّى عليها أبو هريرةَ في المدينةِ ، ثم دُفِنَتْ في البقيعِ ، ونزلَ معها في قبرِها خمسةٌ : عبد الله بن الزبير وعروة بن الزبير وهما ابنا أختها ، وعبد الله وعبد الرحمن ابنا القاسم أخيها ، وعبد الله بن عبد الرحمن ابن أخيها أيضاً ، هؤلاء الخمسة نزلوا معها في قبرِها رضيَ الله عنها وأرضاها ، وهذه حكايتُنا عن أمِّنا أمِّ المؤمنين عائشة رضيَ الله عنها.
أسألُ الله تباركَ وتعالى أنْ يحشرَنا وإيَّاكم معها ، والله أعلى و أعلم ، وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على نبِّينا محمَّد .
 
تم تفريغ الدروس بواسطة الأخوات
فاعلة خير و  نازك  و عبق
شبكة المنهج تحت إشراف الشيخ //:
عثمان بن محمَّد الخميس حفظه الله
 

الحلقة العاشرة من سلسلة آل البيت والصحابة
فاطمة سيِّدة نساء العالمين رضوان الله عليها
 
السَّلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه
بسمِ الله الرَّحمن الرَّحيم ، الحمدُ لله ربِّ العالمين ، الحمدُ لله وليّ الصَّالحين ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين ، نبيِّنا وإمامِنا  وحبيبِنا وقُرَّةِ عينِنا محمَّد بنِ عبدِ الله وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعين .
 ما زالَ حديثُنا متَّصلاً في الكلام عن شخصيَّاتٍ منْ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصحبهِ ، وحديثُنا في هذه اللَّيلةِ عنِ امرأةٍ يُقالُ لها أمّ أبيها ، هي سيِّدة نساءِ العالمين وسيِّدة نساءِ أهلِ الجنَّة ، هي البضعة النبويَّة ، هي التي كانَ يقولُ لها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " يُؤذيني ما يُؤذيكِ ويريبُني ما رابكِ " .
إنَّ حديثَنا عن
 فاطمةَ بنتِ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم
 هي أصغرُ بناتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على المشهورِ منْ أقوالِ أهلِ العلمِ ، رُزِقَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم منْ خديجة بستَّة أولادٍ ، زينب وهي الكبرى ، ثم رقية ، ثم أمّ كلثوم ، ثم فاطمة ، وقيلَ إنَّ فاطمةَ توءم لعبدِ الله ، ورُزِقَ بالقاسم أيضاً .
 وهؤلاء منْ خديجة ( زينب و رقية و أم كلثوم و فاطمة و القاسم و عبد الله )
ورُزِقَ منْ ماريةَ بإبراهيم .
 
وفاطمةُ هي أصغرُ بناتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، انقطعتْ ذرِّيةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلا منْ فاطمةَ
 *- فقدَّر الله تباركَ وتعالى أنَّ رقيةَ تزوَّجها عثمانُ بنُ عفان فأنجبتْ له عبدَ الله وماتَ صغيراً ، ثم ماتتْ رقيةُ فانقطعَ نسلُها .
*- وأمَّا أمّ كلثوم فتزوَّجها أيضاً عثمانُ ولكنَّها لم تُرْزَقْ منه بذرِّيةٍ وتُوُفِّيَتْ أيضاً أمّ كلثوم في السَّنةِ التَّاسعةِ ، ورقية توفِّيتْ في السَّنةِ الثَّانية .
*- أمَّا زينب فتزوَّجها أبو العاص بنُ الرَّبيع ، و أنجبتْ له عليّاً و ماتَ صغيراً ، و أنجبتْ له أمامةَ وتزوَّجها عليُّ بنُ أبي طالب بعد وفاةِ فاطمةَ ولكنَّها أيضاً انقطعَ نسلُها .
*-  وأمَّا أولادُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الذُّكور عبد الله والقاسم وإبراهيم فلم يبلغوا الحلمَ وماتوا صغاراً .
*-  وفاطمةُ هي الوحيدةُ التي بقيتْ ذرِّيتُها ، إذْ تزوَّجها عليٌّ فأنجبتْ له أربعةَ أولادٍ ، أنجبتْ له الحسنَ وهو البِكْرُ ، وأنجبتِ الحسينَ ، ثم أنجبتْ زينب وأمَّ كلثوم ، أمَّا زينب فتزوَّجها عبدُ الله بنُ جعفر وانقطعَ نسلُها ، وكذلك أمّ كلثوم تزوَّجها عمرُ بنُ الخطَّاب وأنجبتْ له رقية وزيداً وانقطعَ نسلُهما ...
أمَّا الحسنُ والحسينُ فبقيتْ ذرِّيتُهما إلى يومِنا هذا .
فحديثُنا اليوم عن
 
أمِّ الحسن ، عن فاطمةَ بنتِ النبيِّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم
 
 *-  فاطمة التي قالتْ عنها عائشةُ : " ما رأيتُ أحداً أشبهَ برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كلاماً وحديثاً منْ فاطمةَ ، كانتْ إذا مشتْ لم تُخطيءْ مشيةَ رسولِ الله صلَّى عليه وسلَّم " .
 
*-  كانَ الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا دخلَ على فاطمةَ قامتْ له وقبَّلتْ بين عينيه ثم أجلستْه في مكانها ، وكانتْ فاطمةُ إذا دخلتْ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قامَ إليها ثم قبَّل بين عينها وأجلسَها في مكانهِ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
 
*-  كانَ يوماً صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه في بيتِ عائشةَ فدخلتْ عليه فاطمةُ وعليّ ؛ وكانَ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كساءٌ ( عباءة .. بشت ) فنادى فاطمةَ وعليّاً فأدخلَهما في الكساءِ ، فاطمة عن يمينهِ وعليّ عن شمالهِ ، ثم جاءَ الحسنُ والحسينُ فدخلا في الكساءِ ، ثم عمَّهمُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بهذا الكساءِ وقرأ عليهم قولَ الله تباركَ وتعالى : " ....إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(33) " سورة الأحزاب .
*- جاءَ أناسٌ منْ نجران منْ نصارى نجران إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في عامِ الوفودِ ، آخر السَّنةِ التَّاسعةِ ، جاؤوا إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وسألوه أسئلةً كثيرةً حول عيسى بنِ مريمَ وموقف القرآنِ منه ، فنزلَ فيهم قولُ الله تعالى : " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) ...الآيات " في سورة آل عمران التي تبيِّن موقفَ الإسلام وموقفَ القرآنِ منْ عيسى بنِ مريمَ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
عندها عاندوا وكابروا وأصرُّوا على ما هم عليه منَ الباطلِ فأنزلَ الله تباركَ وتعالى : " فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ ( أي في عيسى ) مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(61) " سورة آل عمران ، فقرأ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على أهلِ نجران هذه الآيات  وأنَّ الله تباركَ وتعالى يأمرُه أنْ يُباهلَهم أو أنْ يدعوَهم إلى المباهلةِ فوافقوا .
قالوا : نباهلُك والموعدُ غداً .
فاستعدَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم للمباهلةِ  .
والمباهلةُ : الملاعنةُ ، وهو أنْ يأتي كلُّ إنسانٍ بأحبِّ النَّاسِ إليه وأقربِهم إليه ، أبناءنا ، نساءنا ، أنفسنا ، أنْ يحضرَ وتحضر معه نساؤه وتحضر معه ذرِّيته .
 فجاءَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم منَ الغدِ ومعه فاطمة وعليّ والحسن والحسين
وقالَ : " اللهمَّ هؤلاء أهل بيتي .. "
جاءَ يُباهلُ  بهم صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، ولما رأى أهلُ نجران أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عازمٌ على هذه المباهلةِ خافوا ثم أتوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم
وقالوا : ماذا غير المباهلة .
قالَ : إلا هي .
فقالوا : إذاً نحن نسلِّمُ بما قلتَ ولكنْ أرسلْ مَنْ يعلِّمنا الدِّينَ ، ونريدُه أنْ يكونَ أميناً .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " لأرسلَنَّ معكم رجلاً أميناً حقّ أمين "
فأرسلَ معهم أبا عبيدة عامر بن الجرَّاح ، ولذلك يقالُ عن أبي عبيدة إنه أمينُ هذه الأمَّة .
فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم خرجَ بأحبِّ النَّاسِ إليه منْ صُلْبِهِ وذرِّيته وأقاربهِ ، خرجَ بفاطمةَ وعليٍّ والحسن والحسين ليباهلَ بهم ، وكما قلتُ في المباهلةِ أنَّ الرَّجلَ يخرجُ بأقربِ النَّاسِ إليه ثم يخرج الآخرُ بأقربِ النَّاسِ إليه
ثم يقولُ كلُّ واحدٍ منهما : " اللهمَّ إنْ كانَ فلانٌ على الباطلِ وكنتُ على الحقِّ اللهمَّ فالعنْه وأنزلْ غضبَك وعذابَك  عليه ، وإنْ كانَ الحقُّ معه وكنتُ مبطلاً فالعنِّي وأنزلْ عذابَك عليَّ... وهكذا "
 كلُّ طرفٍ يقولُ هذا القولَ ، يدعو على صاحبهِ ويدعو على نفسِه ، ولكنَّهم ذلُّوا وخافوا لما رأوا عزمَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على المباهلةِ .
 
*- قالَ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه عنها : " حسبُك منَ النِّساء  "
وفي روايةٍ : " حسبُك منْ نساءِ الدُّنيا أربع : فاطمة وخديجة وآسيا امرأة فرعون ومريم بنت عمران "
حسبُك منَ النِّساءِ أربع .. فقدَّم هؤلاء النِّساءِ على غيرهنَّ
 
*- ولذلك قالَ عن فاطمةَ رضيَ الله عنها : " سيِّدة نساء أهل الجنة ".
 
*- دخلتْ عليه في مرضهِ في بيتِ عائشةَ فقرَّبها إليه ، فلمَّا اقتربتْ منه سارَّها ( أي كلَّمها سِرّاً ) فبكتْ رضيَ الله عنها وأرضاها ، فلمَّا رأى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بكاءَها أشارَ إليها أنِ اقتربي ، ثم سارَّها الثَّانية فضحكتْ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه و رضيَ الله عنها .
 فقالتْ لها عائشةُ : ماذا قالَ لكِ ؟؟
سألتُك بحقِّي عليكِ ؟
أنا زوجةُ أبيكِ ، ماذا قالَ لكِ ؟
بكيتِ فضحكتِ !!
حتى إنها في بعضِ الأقوالِ قالتْ : ما رأيتُ أسرعَ ضحكاً منْ بكاء .
يعني العادة الإنسان إذا بكى يستمرُّ باكياً ، إذا ضحكَ يستمرُّ ضاحكاً ، أمَّا أنْ يبكي ثم يضحك بهذه السُّرعة !!
استغربتْ عائشةُ رضيَ الله عنها .
فقالتْ : ما الذي أضحككِ وما الذي أبكاكِ ؟؟؟
 فقالتْ فاطمةُ : ما كنتُ لأفشي  سِرَّ رسولِ الله صلَّى الله عليه   وسلَّم .
أي إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لو أرادَ أنْ أقولَ هذا لجهرَ به ، كونه أسرَّ إليَّ يعني أنه لا يريدُ أنْ يسمعَه النَّاسُ
فسكتتْ عائشةُ رضيَ الله عنها .
فلمَّا توفِّي النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم دعتْ عائشةُ فاطمةَ رضيَ الله عنهما .
 فقالتْ لها : أسالُك الآن بعد أنْ توفِّي رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما الذي قاله لكِ فأبكاكِ ثم قاله لكِ فأضحككِ ؟؟
قالتْ : أمَّا الآن فنعم .
يعني بعد وفاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخبرُك .
سارَّني الأولى فقالَ : " إنَّ جبريلَ كانَ يُعارضُني القرآنَ في كلِّ سنةٍ مرَّة وفي هذا العام عارضَني القرآنَ مرَّتين " .
قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " ولا أظنُّ هذا إلا لاقترابِ أجلي ، فاتَّقي الله واصبري فأنا خيرُ سلفٍ لكِ " .
قالتْ : فبكيتُ
لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ينعي لها نفسَه وأنه سيموتُ قريباً  فبكتْ .
قالتْ : فلم رأى بكائي سارَّني الثَّانية
وقالَ لي : " ألا يسرُّك أنْ تكوني سيِّدةَ نساءِ أهلِ الجنَّة وأوَّل أهلي لحوقاً بي ؟ "
 قالتْ : فضحكتُ .
أي منْ هذا الخبر رضيَ الله عنها وأرضاها .
*-  تزوَّجتْ فاطمةُ رضيَ الله عنها منْ عليِّ بنِ أبي طالب ابنِ عمها ، ثم قدَّر الله تباركَ وتعالى أنه في يومٍ منَ الأيام أرادَ عليٌّ أنْ يتزوَّج بنتَ أبي جهل - طبعاً بعد وفاةِ أبي جهل - فتقدَّم إليهم ، وعلمتْ فاطمةُ رضيَ الله عنها أنَّ عليّاً قد تقدَّم للزَّواج منِ ابنةِ أبي جهل فذهبتْ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تشتكي .
وقالتْ : يارسولَ الله ، إنَّ النَّاسَ يقولون انك لا تغضبُ لبناتِك .
فقالَ لها : وما ذاك ؟  لماذا لا أغضبُ لبناتي .
قالتْ : إنَّ ابنَ أبي طالب أرادَ أنْ يتزوَّج ابنةَ أبي جهل .
فصعدَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم  المنبرَ ؛ ثم ذكرَ أبا العاص بن الرَّبيع وذكرَ مصاهرتَه للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، إذْ إنه زوجُ زينب ، و أثنى عليه .
 وقالَ : " إنه وعدَني فوفَّى ، وإنَّ آلَ عمرو ابنِ هشام جاؤوا يستأذنونني في أنْ يُنكحوا ابنتَهم لعليِّ بنِ أبي طالب ، ألا إني لا   أرضى ، إني لا أحلُّ حراماً ولا أحرِّم حلالاً ، ولكنْ لا تجتمعُ بنتُ نبيِّ الله مع بنتِ عدوِّ الله عند رجلٍ واحدٍ ، إني أخافُ على فاطمةَ أنْ تُفتنَ في دينها ، فاطمةُ بضعةٌ مني ، يريبُني ما رابها ويُؤذيني ما آذاها ، إلَّا أنْ يريد ابنُ أبي طالب أنْ يطلِّق فاطمةَ "
فلما رأى عليٌّ رضيَ الله عنه هذا الموقفَ المتشدِّد منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تجاه هذا النكاح توقَّف ولم يُقدمْ على الزَّواج منِ ابنةِ أبي جهل ، وظلَّ على زوجتهِ فاطمةَ حتى توفَّاها الله تباركَ وتعالى ثم بعد ذلك تزوَّج غيرَ بنتِ أبي جهل طبعاً .
 
فاطمةُ رضيَ الله عنها قيلَ إنَّ عليّاً تزوَّجها وهي بنتُ خمسَ عشرةَ سنة وقيلَ أكبر منْ ذلك بقليلٍ ، فأنجبتْ لعليٍّ الحسنَ والحسينَ وأمَّ كلثوم وزينب ، وظلَّت فاطمةُ رضيَ الله عنها مع عليٍّ رضيَ الله عنه طوالَ حياتها في حاجةٍ وفقرٍ ولكنَّهما كانا صابرين ، وفي يومٍ منَ الأيام جاءَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مالٌ منَ البحرين التي هي الإحساء الآن وسمعَ عليٌّ وسمعتْ فاطمةُ كما سمعَ النَّاسُ ، فذهبا إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يسألانه خادماً يخدمُ في البيتِ منَ السَّبي الذي جاءَ ، و يدا فاطمةَ رضيَ الله عنها قد تشقَّقتْ منْ كثرةِ العملِ في البيتِ ، منَ الطَّحن في الرَّحى وكنس البيت وتنظيفه وغير ذلك .
فسألا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم خادماً .
فقالَ لهما صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه : " ألا أدلّكما على خيرٍ لكما منْ خادم ؟ "
 قالا : بلى .
قالَ : " تسبِّحان الله قبلَ أنْ تناما ثلاثاً وثلاثين ، وتحمدان الله ثلاثاً وثلاثين ، وتكبِّران أربعاً وثلاثين ، فذلك خيرٌ لكما منْ خادم " .
 فقبلا ورجعا إلى بيتهما قريرا العين ، والتزما ما أمرَهما به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
حتى إنَّ عليّاً رضيَ الله عنه بعد وفاةِ فاطمةَ في آخرِ حياتهِ لما كانَ في الكوفةِ ذكرَ هذا الحديثَ
وقالَ : فما تركتُها ليلةً .
 أي هذه الأذكار ما تركتُها ولا ليلة واحدة .
فقالَ له رجلٌ منْ أهلِ الكوفةِ : ولا يوم صِفِّين ؟!!
 وكأنه يكذِّب عليّاً .. يوم صِفِّين كانَ يوماً شديداً والفكر في القتال .. أكيد نسيتَه ، لا تبالغ بقولك إنك ما تركتَه يوماً .
 فالتفتَ إليه عليٌّ قائلاً : تبّاً لكم أهلَ العراقِ ، لا والله ولا ليلة   صِفِّين .
 يعني لا تتكلَّم بهذه الطَّريقةِ كأنك تكذِّبني ، لا والله ولا ليلة صِفِّين .
واستمرَّ عليٌّ رضيَ الله عنه على هذا الذِّكر .
 
 فاطمةُ رضيَ الله عنها لها خصائص ، يعني أمور تميَّزت بها على قِصَرِ حياتها ، توفِّيت بعد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بستَّة أشهر ، والمشهور أنَّ عمرَها خمس وعشرون سنةً عندما توفِّيت رضيَ الله عنها ، وقيلَ أصغر منْ ذلك ، وقيلَ أكبر ، وأكثر ما قيلَ ثمان وعشرون سنةً ، وأقلّ ما قيلَ ثلاث وعشرون سنةً ، والمشهور خمس وعشرون سنةً أو قريب منْ ذلك رضيَ الله عنها ، على كلِّ حالٍ سواء قلنا خمساً وعشرين سنةً أو ثمان وعشرين سنةً صغيرة رضيَ الله عنها وأرضاها ، ولذلك لم تروي حديثاً كثيراً عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 ومع هذا السِّنِّ الصَّغير لفاطمةَ رضيَ الله عنها وأرضاها إلا انها روتْ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، ولها خصائص
منْ خصائص فاطمةَ رضيَ الله عنها
 
 *- أنها سيِّدةُ نساءِ أهلِ الجنَّة " إنَّ أكرمَكم عند الله أتقاكم " ، هذه الصَّغيرةُ في السِّنِّ - ثمان وعشرون سنةً على أكبر تقدير أو خمس وعشرون سنةً على المشهور أو ثلاث وعشرون سنةً على أقلِّ تقدير  - هذه المرأةُ رضيَ الله عنها "  سيِّدة نساءِ أهلِ الجنَّة " .
وكذلك أخبرَ عنها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو منْ خصائصِها
*- أنه قالَ : " حسبُك منَ النِّساءِ أربع : فاطمة بنت محمد وخديجة بنت خويلد وآسيا امرأة فرعون ومريم بنت عمران " .
 
منْ خصائص فاطمة
*- أنها أفضلُ بناتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع أنها أصغرهنَّ إلا إنها أفضلهنَّ بالتقوى التي وقرتْ قلبِها رضيَ الله عنها وأرضاها .
 
*- هي الوحيدة منْ أولادِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم التي أصيبتْ به ، كلُّ أولادِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ماتوا في حياتهِ ( زينب وأمّ كلثوم ورقية وإبراهيم والقاسم وعبد الله ) ، كلّ هؤلاء ماتوا والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم حيٌّ ، هؤلاء كلّهم أصيبَ بهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وتألَّم لفراقِهم ، لكن الوحيدة التي تألمَّت لفراقِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصيبتْ به هي فاطمة رضيَ الله عنها .
ولذلك بيَّن لها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ لها :" اتقي الله واصبري فأنا خيرُ سلفٍ لكِ "، رضيَ الله عنها وأرضاها .
 
 منْ خصائصها
*- أنَّ كلَّ مَنْ ينتسبُ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم اليوم يرجعُ عن طريق فاطمة ، فكلُّ ذرِّية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم منْ طريقِ هذه المرأةِ رضيَ الله عنها أرضاها .
 
 منْ خصائصها
*- شَبَهُها بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كما قالتْ عائشةُ :" ما رأيتُ أشبهَ برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حديثاً وكلاماً منْ فاطمةَ ، وكانتْ إذا مشتْ لا تخطئُ مشيةَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم " .
 
منْ خصائصها
*- أنها إذا دخلتْ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقومُ لها ويقبِّل بين عينيها ويجلسُها في مكانهِ .
 
منْ خصائصها
 *- أنها أوَّلُ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لحوقاً به ، إذْ توفِّيت بعد وفاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قيلَ بأربعةِ أشهر وقيلَ بستَّة   أشهر  .
 
منْ خصائصها
*- أنها أوَّل مَنْ صُنِعَ لها نعشٌ ، وذلك كما سيأتينا في الكلام عن وفاتها ؛ طلبتْ أنْ يُصنعَ لها نعشٌ حتى لا يُرى تفاصيل جسمِها .
منْ خصائصها
*- أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كانَ يضربُ بها المثال ، لما سرقتِ امرأةٌ منْ بني مخزوم وشفَّعوا أسامةَ فيها عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ : " و ايمُ الله لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمَّد سرقتْ لقطعتُ يدَها " .
وما ذكرَها مثالاً إلا لعِظمِ مكانها عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 وفي أوَّل الدَّعوةِ لما دعا إلى الله تباركَ وتعالى قالَ : " يا عبَّاس بن عبدِ المطَّلب ، يا صفيَّة عمَّة رسولِ الله ، يا فاطمة بنت محمَّد " فخصَّها منْ دونِ بناتهِ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
*-  في أوَّل الدَّعوةِ لما بدأ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يدعو إلى الله جلَّ وعلا آذاهُ كفَّار قريش ، ومنْ صُوَرِ إيذائِهم له
أنه جاءَ الخبيثُ عقبةُ بنُ أبي مُعَيْط إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  وهو ساجدٌ فألقى بسلى البعير بين كتفي النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
( وسلى البعير هي المشيمة)
 وذلك أنَّ قريشاً كانتْ يوماً في ناديها وكانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يصلِّي عند الكعبة .
 فقالَ كفَّار قريش : أيُّكم يقومُ إلى سلى هذه الجزور ( وهي ناقةٌ كانتْ قد ذُبحتْ ) وأخرجوا سلاها ( أي المشيمة  ) .
فقالَ الكفَّار : أيُّكم يقومُ إلى سلى جزور بني فلان فيلقيه بين كتفي محمَّد وهو ساجدٌ .
فقامَ أشقاهم عقبةُ بنُ أبي مُعَيْط وقالَ :  أنا أفعلُها .
فقامَ وأخذ السَّلى ووضعَه بين كتفي النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو ساجدٌ ، فجاءتْ فاطمةُ وهي جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ والنبيُّ ظلَّ ساجداً والسَّلى على رقبتهِ بين كتفيه صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، فجاءتْ فاطمةُ رضيَ الله عنها وحملتْه عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، ثم التفتتْ إلى قريش وسبَّتهم على هذا الفعلِ الشَّنيعِ بأبيها ورسولها صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
ثم عمدتْ قريش على محاصرةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم اقتصاديّاً فمنعتِ الزَّواجَ بل والحديثَ والبيعَ والشِّراءَ مع بني هاشم ومَنْ تابعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فخرجَ إلى شِعْبِ أبي طالب وخرجتْ معه فاطمةُ وخرجَ معه أولادُهم كلّهم .
 
 فاطمةُ رضيَ الله عنها اشتُهرتْ بالحياءِ ، وكانَ لما دخلَ عليها عبدُها وثوبُها  قصيرٌ إذا غطَّت رأسَها انكشفتْ قدمُها وإذا غطَّت قدمَها انكشفَ رأسُها ، فاحتارتْ ماذا تفعلُ ؟ فهوَّن عليها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ : " إنما هو عبدُك ومولاكِ " .
وجاءَ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سألها يوماً - والحديثُ فيه ضعفٌ -  فقالَ لها : " أيُّ شيءٍ فيه خيرٌ للنِّساء ؟
فقالتْ : ألَّا ترى الرِّجالَ  وألَّا يراها الرِّجالُ .
تعني الرِّجالَ الأجانبَ ، وهذا منْ سِترها وحفاظِها على نفسِها رضيَ الله عنها وأرضاها .
 
بقيتْ في المدينةِ بعد أنْ هاجرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، ثم أرسلَ إليها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فهاجرتْ تَبَعاً له صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
 
 لما جاءتِ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قُبيلَ وفاتهِ وهو في النَّزعِ بكتْ عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وقالتْ لما رأتِ العَرَقَ يتصبَّب منْ جبينِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
 قالتْ : وا كَرْبَ أبتاه .
يعني إنَّ أبي أصابَه كربٌ شديدٌ منْ هذا الألم الذي يجدُه ، وذلك أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كانَ يُوعكُ كرجلينِ صلَّى الله عليه وسلَّم ليرفعَ الله درجتَه .
فقالتْ : وا كَرْبَ أبتاه .
فالتفتَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، قالَ : لا كَرْبَ على أبيكِ بعد اليوم ، لا كَرْبَ على أبيكِ بعد اليوم " .
ولما ماتَ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه
قالتْ فاطمةُ رضيَ الله عنها :
يا أبتاه ، أجابَ ربّاً دعاه
يا أبتاه ، جنَّةُ الفردوسِ مثواه
يا أبتاه ، إلى جبريلَ ننعاه .
فأصيبتْ بالنبيِّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم ، ثم دُفِنَ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، فلمَّا دُفِنَ وأظلمتِ المدينةُ بعد أنْ كانتْ أنارتْ بقدومهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لقيتْ أنسَ بنَ مالك
فقالتْ له : يا أنس ، ماتَ رسولُ الله ؟
فقالَ لها : إي والله .
قالتْ : دفنتم رسولَ الله ؟
قالَ : نعم .
قالتْ : حَثَوْتمُ التُّرابَ على رسولِ الله ؟؟
 قالَ : نعم .
 قالتْ : كيف طابتْ نفوسُكم أنْ تحثُوا التُّرابَ على رسولِ الله ؟؟!!
كنتم في الدُّنيا تمنعون عنه كلَّ شيءٍ ، الآنَ تحثون عليه التَّرابَ !!!
 كيف طابتْ نفوسُكم أنْ تحثوا التُّرابَ على رسولِ الله ؟؟!!
يقولُ أنس : فبكتْ وبكيتُ ولم أستطعْ أنْ أجيبَها .
 
أصيبتْ برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى قيلَ إنها لم تُرَ ضاحكةً بعد وفاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وظلَّت مريضةً حتى توفَّاها الله جلَّ وعلا .
 بعد وفاةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم خرجتْ فاطمةُ إلى أبي بكر وهو قد بُويعَ بالخلافةِ تطلبُ ميراثَها منْ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
فقالَ لها أبو بكر : سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ :" لا نُوْرَثُ ما تركناه صدقة " .
 فرجعتْ رضيَ الله عنها وظلَّت في بيتها ، وكانَ قد أصابَها المرضُ وظلَّت هكذا حتى توفَّاها الله جلَّ وعلا .
 
كانتْ عندها أسماءُ بنتُ عُمَيْس تمرِّضها دائماً ( و أسماءُ بنتُ عُمَيْس هي زوجةُ أبي بكر الصِّدِّيق ) ، كانتْ تمرِّض فاطمةَ ، فكانتْ فاطمةُ يشغلُ بالَها إذا توفِّيت كيف سيحملُها الرِّجالُ إلى قبرِها ؟؟؟!!
 وكيف تغطَّى بهذه العباءةِ التي قد تفصِّل جسدَها ؟؟؟!!
فكانتْ تشتكي إلى أسماء خوفَها منْ ذلك ، لشدَّة حيائِها رضيَ الله    عنها .
فقالتْ لها أسماءُ : قد رأيتُ في الحبشةِ شيئاً قد أعجبني .
وكانتْ أسماءُ قد هاجرتْ إلى الحبشةِ مع زوجِها الأوَّل جعفر بن أبي طالب .
فقالتْ لها : وماذا رأيتِ ؟؟
قالتْ : كانَ النَّاسُ في الحبشةِ يضعون للنِّساءِ نعشاً .
عبارة عن صندوق تُوضع فيه المرأةُ فلا يُرى جسمُها ، يغطِّيها منْ أعلاها ، فلا تُرَى تفاصيلُ جسمِها .
قالتْ : صِفِيهِ لي ؟؟
فوصفتْه لها .
قالتْ : ما أحسنَه ! فإذا مِتُّ فاصنعي بي هكذا .
ولذلك يقولُ ابنُ عبدِ البرّ : أوَّل امرأةٍ في الإسلام صُنِعَ لها نعشٌ هي فاطمةُ بنتُ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم .
فلما توفِّيت فاطمةُ رضيَ الله عنها غسَّلتها أسماءُ بنتُ عُمَيْس وعليُّ بنُ أبي طالب ، ثم دُفِنَتْ في البقيع في مكانٍ يُقالُ له دار عقيل بن أبي طالب ، يعني هذه الدَّار كانتْ لعقيل بن أبي طالب في السَّابق ،  فدُفنتْ هناك رضيَ الله عنها وأرضاها .
وهكذا ذهبتْ هذه النِّسمة ُالطَّيِّبةُ ، نسمة فاطمة رضيَ الله عنها .. نسمة سيِّدة نساءِ أهلِ الجنَّة .. نسمة سيِّدة نساءِ العالمين .. البضعة النبويَّة صلواتُ ربِّي وسلامُه على أبيها ورضيَ عنها .
والله أعلى وأعلم ، وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على نبيِّنا محمَّد .
 
تم تفريغ الدروس بواسطة الأخوات
فاعلة خير و  نازك  و عبق
شبكة المنهج تحت إشراف الشيخ //:
عثمان بن محمَّد الخميس حفظه الله
 

الحلقة الحادية عشرة والأخيرة من سلسلة آل البيت والصحابة
الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليهما
 
الحمدُ لله ربّ العالمين ، الرَّحمن الرَّحيم ، مالكِ يومِ الدِّين ، الحمدُ لله إله الأوَّلين و الآخِرين  ، الحمدُ لله حتى يرضى ، والحمدُ لله إذا رضي ،  والحمدُ لله بعد الرِّضى ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين ؛ إمامنا ونبيِّنا وسيِّدنا وقدوتنا وقرَّة عيننا محمَّد بن عبد الله وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعين ، أمَّا بعد :
 
فإنَّ الله تبارك وتعالى قالَ في كتابهِ العزيزِ واصفاً النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه : "  مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) " سورة الفتح .
وقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في أصحابهِ : " خيرُ النَّاسِ قَرْنِي ثم الذين يَلُونهم ثم الذين يَلُونهم " .
وقالَ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه : " لا تسبُّوا  أصحابي ، فلو أنَّ أحدَكم أنفقَ مثلَ أحُدٍ ذهباً ما بلغَ مُدَّ أحدِهم ولا نصيفَه " .
وقالَ سبحانه وتعالى عن آلِ بيتِ النبيِّ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه : " ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) "سورة الأحزاب .
وقالَ صلَّى الله عليه وسلَّم مُذَكِّراً النَّاسَ بآلِ بيتهِ :" أذكِّركم اللهَ أهلَ بيتي ، أذكِّركم اللهَ أهلَ بيتي ، أذكِّركم اللهَ أهلَ بيتي " .
آيات وأحاديث وردتْ في فضلِ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وآيات وأحاديث وردتْ في فضلِ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فكيف بالله عليكم مَنْ جمعَ الله له الشَّرفين ،  جمعَ الله شرفَ الصُّحبةِ وجمعَ له مع ذلك شرفَ القرابةِ .
إنهم أناسٌ اختارَهم الله تباركَ وتعالى على عِلْمٍ كما قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم : " إنَّ الله اصطفى كنانةَ منْ ولدِ إسماعيل ، و اصطفى قريشاً منْ كنانة ، واصطفى بني هاشم منْ قريش ، واصطفاني منْ بني هاشم " .
فهو إذاً اصطفاءٌ ،  يصطفي الله تباركَ وتعالى منْ عبادهِ مَنْ يراه أهلاً لذلك الاصطفاءِ سبحانه وتعالى .
إنَّ حديثَنا في هذه اللَّيلةِ عن شخصيَّةٍ جمعتْ شَرَفَ الصُّحبةِ وشَرَفَ القرابةِ
و أيّ قرابةٍ ؟!
أقرب القرابةِ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. ليس للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ذُرِّية إلا منْ قِبلهِ و قِبلِ أخيه .
إنَّ الله تباركَ وتعالى رزقَ نبيَّنا محمَّداً صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم سبعةً منَ الولدِ ، ثلاثة منَ الذُّكور و أربعة منَ الإناث ، أمَّا الذُّكور فقدَّر الله تباركَ وتعالى أنهم جميعهم ماتوا قبلَ الحُلم ، وأمَّا الإناثُ فتزوَّجنَ جميعاً
*- الكبرى زينب بنت النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وتزوَّجها أبو العاص بنُ الرَّبيع ، فأنجبتْ له عليّاً وماتَ صغيراً ، وأنجبتْ له أمامةَ ،  و أمامةُ هذه تزوَّجها عليُّ بنُ أبي طالب بعد وفاةِ خالتِها فاطمة ، وانقطعَ نسلُ أمامةَ فانقطعَ نسلُ زينب .
*- ثم رقيَّة ، وتزوَّجها عثمانُ ، ولم تنجبْ لعثمانَ ، وتوفِّيتْ رضيَ الله عنها فانقطعَ نسلُ رقيَّة .
*- ثم بعد رقيَّة أمّ كلثوم ، وتزوَّجها عثمانُ ، وأنجبتْ له عبدَ الله وماتَ صغيراً ، وأنجبتْ له زينب ، و أيضاً انقطعَ نسلُها .
*- ثم بعد ذلك فاطمة ، وهي رابعةُ بناتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وتزوَّجها عليُّ بنُ أبي طالب ، وأنجبتْ له أربعةً منَ الولدِ ، ذكران و أنثيان ، أمَّا الذَّكران فهما الحسن والحسين ، و أمَّا الأنثيان فهما أمّ كلثوم وزينب .
أمَّا أمّ كلثوم فتزوَّجها عمرُ بنُ الخطَّاب ، وأنجبت له زيداً ورقية ، وانقطعَ نسلُهما ، وماتتْ أمّ كلثوم ، وانقطعَ نسلُ أمِّ كلثوم بنت عليّ بنِ أبي طالب بنت فاطمة .
وأمَّا زينب بنتُ فاطمةَ فتزوَّجها عبدُ الله بنُ جعفر بنِ أبي طالب ، وانقطعَ نسلُها كذلك ، فلم يبقَ للنبيِّ نسلٌ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه إلا منِ ابنتهِ فاطمة ، ولم يكنْ لفاطمةَ نسلٌ إلا منْ قِبلِ الحسن والحسين رضيَ الله عنهما .
فهذان هما وذرِّيتهما مَنْ يستطيعُ أنْ يقولَ جَدِّي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وهو شرفٌ و أيُّ شرفٍ ، نعم والله إنه شرفٌ للإنسانِ أنْ ينتسبَ إلى هذا الرَّجلِ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
 
حتى قالَ الإمامُ مالك رحمه الله تباركَ وتعالى : " مَنِ انتسبَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يكنْ كذلك ضُرِبَ وسُجِنَ وشُهِّرَ به ؛ لأنه آذى رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لانتسابهِ إليه وهو ليسَ منه " . إلى هذه الدرجة .
  فحديثُنا إذاً عن
 
الحسن بن عليّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهما
 
حديثُنا عن رجلٍ يقولُ جَدِّي رسول الله .. عن رجلٍ أخبرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه سيِّدٌ منْ ساداتِ المسلمين .. إنه أبو محمَّد الحسن بن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطَّلب بن هاشم  .
هذا الرَّجلُ الذي يَشْرُفُ على الخلقِ بأنَّ جَدَّه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأنَّ أمَّه فاطمةُ ، وأنَّ أباه عليٌّ ، وجَدَّته خديجة ، رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين .
 إنَّ حديثَنا عن الشَّهيدِ السَّعيدِ .. إنَّ حديثَنا عن ريحانةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم  و حبيبهِ .. إنَّنا سنتكلَّم عن أبي محمَّد رضيَ الله عنه وأرضاه
 
 الحسنُ بنُ عليّ ، كانَ أشبهَ النَّاسِ خَلْقاً برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
حتى قالَ أنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه : " قد رأيتُ الحسنَ بنَ عليّ وكانَ أشبهَ النَّاسِ برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم " .
وكانَ أبو بكرٍ مع عليٍّ يوماً بعد وفاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وإذا    الحسنُ بنُ عليٍّ يلعبُ مع الصِّبيةِ ، فجاءَه أبو بكرٍ ثم أخذَه وضمَّه إليه
ثم قالَ مرتجزاً : " بأبي شبيهٌ بالنبيّ ... ليسَ شبيهاً بعليّ "  و عليٌّ يضحكُ .
 
فكانَ الحسنُ رضيَ الله عنه أشبهَ النَّاسِ برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
 حتى قيلَ إنَّ الحسنَ والحسينَ كانا يُشبهانِ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، أمَّا الحسنُ فكانَ يُشبهُ النبيَّ منْ رأسهِ إلى بطنهِ ، وأمَّا الحسينُ فيشبهُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم منْ أسفل .
 فالحسنُ على كلِّ حالٍ هو أشبهُ النَّاسِ مُطْلَقاً برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم  في خِلْقَتهِ .
 
 وُلِدَ الحسنُ في السَّنةِ الثَّالثةِ منَ الهجرةِ ، وكانَ عليٌّ رضيَ الله عنه تزوَّج فاطمةَ في السَّنةِ الثَّانيةِ منَ الهجرةِ ، ثم رزقَهما الله تباركَ وتعالى بالحسنِ ، وهو باكورةُ هذا الزوَّاجِ المباركِ ، فأنجبتْ فاطمةُ الحسنَ ، فأوَّلُ ما أنجبتْه قيلَ إنَّ عليّاً رضيَ الله عنه سمَّاه حرباً ، فلمَّا جاءَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليراهُ
فقالَ : " أعطوني ولدي لأراه "
فأخذَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ثم قالَ : " ماذا أسميتوه ؟ "
 فقالَ عليٌّ رضيَ الله عنه : أسميتُه حرباً .
 فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " بل هو حَسَن " .
فسمَّاه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بهذا الاسم الكريم الذي دلَّ عليه خُلُقُهُ  ودلَّ عليه فِعْلُهُ رضيَ الله عنه وأرضاه .. فهو حَسَنُ الخُلُقِ .. حَسَنُ الفعلِ .. حَسَنُ الإيمانِ .. حَسَنٌ في كلِّ شيءٍ رضيَ الله عنه وأرضاه .
سمَّاه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ثم حنَّكه، أي أخذَ تمرةً صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ثم مضغَها و أخرجَ طعامتَها ، ثم أخذَها بأصبعهِ فمرَّرها في فم الحسنِ يتطعَّمها ، وهذه سُنَّةٌ كانَ يصنعُها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيمَنْ يُوْلَدُ للمسلمين أنه كانَ يحنِّكه بالتَّمرِ .
 واختلفَ أهلُ العِلْمِ في هذا التَّحنيكِ هل هو خاصٌّ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أو أنه يحنِّك كلُّ صالحٍ ؟؟
أي إنه إذا وُلِدَ اليومَ ولدٌ هل يُشْرَعُ تحنيكُه أمْ أنَّ هذا الأمرَ خاصٌّ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؛ لأنه شخصٌ مباركٌ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ؟؟؟
والأظهرُ - والعِلْمُ عند الله تباركَ وتعالى - أنَّ هذا خاصٌّ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
ولذلك أصحابُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كانوا يأتون بأولادِهم إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا وُلِدُوا ليحنِّكهم ، لأنه رجلٌ مباركٌ بنصِّ كتابِ الله و سُنَّةِ نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم .
فالقصدُ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سمَّاه ثم حنَّكه صلَّى الله عليه وسلَّم وعَقَّ عنه ، ولم يأذنْ لعليٍّ أنْ يذبحَ عن الحسنِ ، بل قامَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وذبحَ عن الحسنِ كبشاً ، وهذا جائزٌ ، وذلك أنَّ الذَّكَرَ يُذبحُ عنه كبشان ويجوزُ أنْ يكتفي بكبشٍ واحدٍ ، فذبحَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الحسنِ بكبشٍ وعن الحسينِ بكبشٍ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهما .
 
كانَ الحسنُ كما قلنا شبيهاً بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وبالتَّالي كانَ وسيماً جميلاً ، وكانَ دَيِّناً وَرِعاً جواداً رضوانُ الله تباركَ وتعالى عليه .
 
 وكانَ عليُّ بنُ أبي طالب يوماً يقولُ للحَسَنِ : يا بنيَّ ، إني أحبُّ أنْ أسمعَك تخطبُ .
فقالَ الحسنُ : يا أبتي ، إني أستحيي أنْ أخطبَ حيثُ أراكَ .
يعني أراكَ وأخطب لا أستطيعُ  .. احتراماً لأبيهِ .
 فجاءَ عليٌّ يوماً وجلسَ خلفَ النَّاسِ بحيثُ لا يراهُ الحسنُ ، فقامَ الحسنُ  وخطبَ خطبةً بليغةً فصيحةً ، فلمَّا قضى
قالَ عليٌّ رضيَ الله عنه : " ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) "سورة آل عمران .
إي والله الذي لا إلهَ إلا هو ذرِّية بعضُها منْ بعضٍ ...
 أليسَ جَدُّه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ؟؟
أليسَ أبوه عليّ بن أبي طالب رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه ؟؟
 بلى إنه كذلك .
 
الحسن بن عليّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهما كانَ منْ أكرمِ الخَلْقِ
 
*- في يومٍ منَ الأيام مَرَّ على رجلٍ يدعو ويسأل الله تباركَ وتعالى
 فإذا هذا الرَّجل يقولُ : اللَّهمَّ إني أسألُك عشرةَ آلافِ درهم .
لعلَّه محتاجٌ إلى هذا المالِ
فقالَ : اللَّهمَّ إني أسألُك عشرةَ آلافِ درهم .
فذهبَ الحسنُ رضيَ الله عنه إلى بيتهِ وأتى بعشرةِ آلافِ درهم وأعطاها إيَّاه استجابةً منه لدعاءِ هذا الرَّجُلِ لربِّه تباركَ وتعالى .
 
*- و مِنْ كرمهِ رضيَ الله عنه وأرضاه أنه قاسمَ الله مالَه ثلاثَ مرَّاتٍ .
يعني يأتي في يومٍ منَ الأيام ثم يجعلُ مالَه قِسمين ، نصف بالنِّصف ، ثم يتصدَّق بنصفهِ ، فعلَها ثلاثَ مرَّاتٍ ، وتصدَّق بمالهِ كلِّه مرَّتين في حياتهِ ، تخلَّص منْ مالهِ كلِّه في سبيلِ الله تباركَ وتعالى ، ثم رزقَه الله وهكذا رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه وأرضاه .
 
وردتْ أحاديث ونصوص في فضلِ الحسنِ رضيَ الله عنه ، و قبلَ أنْ نتكلَّم عن هذه النُّصوصِ الخاصَّةِ به
نتكلَّم عن النُّصوصِ العامَّة ، مِنْ ذلك :
 
*- قول الله تبارك وتعالى : " إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) "سورة الأحزاب .
لما سمعَ أصحابُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هذه الآية جاؤوا إلى النبيِّ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
فقالوا : يا رسولَ الله عرفْنا كيف نسلِّم عليك فكيفَ نصلِّي عليك ؟
 فقالَ لهم صلَّى الله عليه وسلَّم : " قولوا اللَّهمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آلِ محمَّد كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيم ، اللَّهمَّ باركْ على محمَّد وعلى آلِ محمَّد كما باركتَ على آلِ إبراهيم " .
 والحسنُ منْ آلِ محمَّد بلا شَكّ
 
*- وكانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً في الطَّريقِ فرأى الحسنَ يأخذُ تمرةً منَ الصَّدقةِ فأخذَها منه
وقالَ : " كِخْ كِخْ " .
ثم قالَ : " إنها لا تحلُّ لمحمَّد ولا لآلِ محمَّد " .
فهو منْ أخصِّ آلِ محمَّد صلواتُ ربِّي وسلامُه على محمَّد
 
*- لما قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً : "  أذكِّركم الله أهلَ بيتي ، أذكِّركم الله أهلَ بيتي ، أذكِّركم الله أهلَ بيتي " ، الحسنُ منْ رؤوس آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 
*- بل قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " إني تاركٌ فيكم ثَقَلَينِ أحدُهما كتاب الله  "  ثم ذكرَ الثَّقل الثَّاني وقالَ : " آل بيتي " .
فهو منْ ذلك الثّقل الذي أمرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم برعايتهِ والعنايةِ به  وحِفْظِهِ و احترامهِ ومحبَّتهِ  .
هذا هو الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه وأرضاه
 
*-  كانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً في بيتِ عائشةَ رضيَ الله عنها فدخلتْ عليه فاطمةُ ، فدعا عليّاً ، فجاءَ عليٌّ ، ثم جاءَ الحسنُ ، ثم جاءَ الحسينُ ، ثم جلَّلهم بكساءٍ ، أي غطَّاهم بعباءَته ( بشته ) غطَّاهم صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ( عليّ وفاطمة والحسن والحسين )
ثم قالَ : " اللَّهمَّ هؤلاءِ أهلُ بيتي ، اللَّهمَّ أذهبْ عنهم الرِّجْسَ وطهِّرهم  تطهيراً " .
فدعا لهم صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، وقرأ عليهم قولَ الله تباركَ وتعالى : " ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) "سورة الأحزاب .
 
*- في يومٍ منَ الأيام جاءَ وفدٌ منْ نجرانَ - وكانوا نصارى - جاؤوا إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وناظروه في عيسى فنزلَ قولُ الله تباركَ وتعالى : " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) " سورة آل عمران
  ثم ذكرَ الله تباركَ وتعالى العقيدةَ في عيسى ، فقرأ عليهمُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هذه الآيات ، وعرفوا ما هو عيسى ومَنْ يكونُ عند المسلمين ولكنَّهم عاندوا و أبَوا أنْ يتَّبعوا النبيَّ محمَّداً صلَّى الله عليه وسلَّم  .
 عندها أنزلَ الله تباركَ وتعالى قولَه جلَّ وعلا : " فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(61) " سورة آل عمران
فدعاهم إلى المباهلةِ ، فوافقوا
فقالَ : الموعد غداً .
فجاءَ النبيُّ منْ غدٍ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ومعه عليٌّ وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ ليُباهلَ بهم صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
فلمَّا رأى نصارى نجران الجِدَّ في عينيِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وفي فِعْلِهِ أبَوا المباهلةَ .
 وقالوا : لا نباهلُك ولكنْ أرسلْ معنا مَنْ يعلِّمنا .
فأرسلَ معهمُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أبا عبيدةَ عامرَ بنَ الجرَّاح رضيَ الله عنه .
 
الحسن والحسين اجتمعتْ فيهما فضائلُ ، نصوصٌ جاءتْ فيهما معاً ، منْ  ذلك :
 
*-  إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ : " الحسن والحسين سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّة " .
أيُّ فضلٍ أعظمُ منْ هذا ؟؟
" سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّة "
 فيُطلقُ عليهما النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هذا اللَّفظَ الكريمَ سيِّد .. و سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّة جميعاً رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهما .
وليسَ هذا لأجلِ أنهما ابنا النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لا لا.. ليس الأمرُ كذلك بل " إنَّ أكرمَكم عند الله أتقاكم " ، لما وَقَرَ في قلبهِ وقلبِ أخيهِ منَ التَّقوى والإيمان والدِّين بحيثُ ارتفعَ إلى هذه الدَّرجةِ المباركةِ عند الله تباركَ وتعالى .
 
*-   كانَ عبدُ الله بنُ عمر يوماً في المدينةِ فجاءَه رجلٌ يسألُه
فقالَ له : يا أبا عبد الرَّحمن ، ماذا تقولُ في قَتْلِ المحرمِ للذُّبابِ في المسجدِ ؟؟
يعني هل يجوزُ للمُحْرِمِ أنْ يقتلَ الذُّبابَ خاصَّةً إذا كانَ في المسجدِ ؟؟
 فقالَ له عبدُ الله بنُ عُمَرَ :  مِنْ أين أنتَ ؟؟
منْ أيِّ البلادِ أنتَ ؟
قالَ : منَ العراقِ .
 فقالَ عبدُ الله بنُ عُمَرَ :  عجبتُ لكم أهلَ العراقِ تقتلون ابنَ بنتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ( يعني الحسين ) رضيَ الله عنه وتسألون عن قتلِ الذُّبابِ في المسجدِ ؟؟!!
وقد سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ عن الحسن والحسين : " هما ريحانتي منَ الدُّنيا "
 " هما ريحانتي منَ الدُّنيا " ، هكذا يخبرُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الحسن والحسين .
 
*- يقولُ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه للحسن والحسين : " أعوذُ بكلماتِ الله التَّامَّة منْ كلِّ شيطانٍ وهامَّة ومنْ كلِّ عينٍ لامَّة " .
يعوذُ بهما الحسن والحسين
ثم يقولُ : بهذا كانَ يعوِّذ إبراهيمُ إسماعيلَ وإسحاقَ " ، فكانَ يعوِّذهما صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه بما يعوِّذ به إبراهيمُ إسماعيلَ وإسحاقَ .
وقالَ لهما يوماً : " اللَّهمَّ إني أحبُّهما ، مَنْ أحبَّهما أحبَّني ، ومَنْ أبغضَهما أبغضَني " ، هكذا يُعلنُها صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
هذان هما ريحانتا النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
 
أما الحسنُ  وما وردَ فيه خاصَّة .
فقد جاءَ الحسنُ في يومٍ منَ الأيام إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  وهو يصلِّي بالنَّاسِ ، وهي صلاةُ العصر .
يقولُ شدَّاد بنُ أوس : سجدَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الصَّلاةِ فأطالَ السُّجودَ حتى خشيتُ أنْ يكونَ قد أصابَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمرٌ !!!
أطالَ كثيراً في هذه السَّجدةِ 
يقولُ : فرفعتُ رأسي لأرى ، فإذا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ساجدٌ وإذا الحسنُ على ظهرِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم راكبٌ ، فسجدتُ واطمأنَّ قلبي أنه لا يوجدُ إلا الخير .
فلمَّا قضى النبيُّ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه الصَّلاةَ سألَه أصحابُه لأنهم لم يرفعوا رؤوسَهم ولم يرَوا شيئاً
فقالوا : يا رسولَ الله ، أطلتَ السُّجودَ !!!
 فقالَ صلَّى الله عليه وسلَّم :إنَّ ابني ارتحلَني فكرهتُ أنْ أُعْجِلَه حتى يقضي حاجتَه "
فلمَّا قضى ونزلَ رفعَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم رأسَه منَ السُّجودِ .
 
الشيخ يكلم أحد الحضور : يعني الآن أبو معاذ لو أنك فعلتها ، صليت وارتحلك ابنك ، وأطلتَ السُّجود وعلم الناس ، ماذا يصنعون ؟؟
 شكوى إلى الأوقاف مباشرة ..لأنَّ هذا نظر الناس .
 لكنِ انظروا فِقْهَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، يقولُ : " إنَّ ابني ارتحلَني فكرهتُ أنْ أُعْجِلَه حتى يقضي حاجتَه " .
حتى اكتفى ونزلَ عن ظهرِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قامَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وهذا دليلُ محبَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لهذا الغلام رضيَ الله عنه وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد .
 
الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه قالَ له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً هو وأسامة : " اللَّهمَّ إني أحبُّهما فأحبَّهما وأحبَّ مَنْ يحبُّهما " .
 اللَّهمَّ إنَّا نُشهدُك على حبِّهما ..
 اللَّهمَّ إنَّا نُشهدُك على حبِّهما ..
اللَّهمَّ إنَّ نُشهدُك على حبِّهما ..
 
  وقالَ له يوماً خاصَّة : " اللَّهمَّ إني أحبُّه فأحبَّه وأحبَّ مَنْ يحبُّه " .
 يعني الحسنَ بنَ عليّ .
وكانَ النبيُّ يوماً جالساً ومعه الأقرع بن حابس ، سيِّدٌ منْ ساداتِ بني تميم ، فجاءَ الحسنُ ، فلمَّا رآه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخذَه وقبَّله ، فاستنكرَ الأقرعُ بنُ حابس
فقالَ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : أتقبِّلون أولادَكم ؟؟
 قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " نعم  " .
فقالَ الأقرعُ : إنَّ لي عشرةً منَ الولدِ ما قبَّلتُ أحداً منهم  .
وفي روايةٍ : إنه قد ظهرَ الشَّعرُ في وجوهِهم ما قبَّلتُ أحداً منهم .
فماذا قالَ له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؟؟
قالَ : " وماذا أصنعُ لك إنْ كانَ الله نزعَ الرَّحمةَ منْ قلبِك  ، مَنْ لا يرحم لا يُرحم " ، هكذا يقولُها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
 
وفي يومٍ صعدَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم المنبرَ وهو يحملُ الحسنَ بنَ عليّ ( والحسنُ كانَ صغيراً ، توفِّي النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وللحسنِ سبعُ  سنواتٍ ) .
 ثم قالَ للنَّاسِ : " إنَّ ابني هذا سيِّد ، ولعلَّ الله أنْ يُصلحَ به بين فئتين عظيمتين منَ المسلمين " .
 وقد تحقَّقتْ نبوءةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كما سيأتي ذكره إنْ شاءَ الله تبارك و تعالى .
 
أبو هريرة رضيَ الله عنه لما سمعَ هذا الحديثَ منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم  ، وذلك بعد عهدٍ طويلٍ كانَ أبو هريرةَ جالساً مع جماعةٍ منَ الناس فمرَّ الحسنُ عليهم وردَّ السَّلامَ ،
قالَ : السَّلامُ عليكم .
فردُّوا عليه السَّلامَ ولم يردّ أبو هريرةَ السَّلامَ لأنه لم يسمعْ
فلمَّا تحرَّك الحسنُ ( جاوزَهم ) قالَ رجلٌ لأبي هريرةَ : سلَّم الحسنُ بنُ عليّ ولم تردّ عليه السَّلام !!!
 قالَ : أين هو ؟
 قالَ : ذاك هو .
فذهبَ إليه أبو هريرةَ ، فقالَ : " وعليكَ السَّلامُ يا سيِّدي ، فقد سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو على المنبرِ يقولُ : " إنَّ ابني هذا سيِّد ، ولعلَّ الله أنْ يُصلحَ به بين فئتين عظيمتين منَ المسلمين " .
يقولُ : السَّلامُ عليك يا سيِّدي .
 
وجاءَه يوماً أبو هريرةَ فقالَ له : يا أبا محمَّد اكشفْ لي عن سُرَّتك .
قالَ : ولماذا ؟
قالَ : قد رأيتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقبِّل سُرَّتك فأريدُ أنْ أقبِّل مُقبَّل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فكشفَ له الحسنُ عن سُرَّتهِ ، فقبَّل أبو هريرةَ سُرَّةَ الحسنِ بنِ عليّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهم أجمعين .
 
ورآه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً  - وكلُّ هذه الأحاديث التي أذكرًها صحيحةٌ - رآه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً و رأى الحسين ( الحسن و الحسين صغيران ) فرآهما النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
فقالَ : هذا - يشيرُ للحسنِ - مني وحسين منْ عليّ " .
يعني هذا أشبهُ بي وحسين أشبهُ بعليّ ، وهكذا كانا ، فكانَ الحسنُ أقربَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وكانَ الحسينُ أقربَ إلى عليٍّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهم وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد .
 
أمَّا عبادتُه رضيَ الله عنه وأرضاه فكانَ كما ذُكِرَ ، ذُكِرَ هذا عنه وذُكِرَ عن عليّ بن الحسين ، و أيّاً كانَ فلا يُستعبد أنْ يكونَ فعلَ هذا الحسنُ وفعلَه عليُّ بنُ الحسين .
يقولُ : كانَ إذا توضَّأ يتغيَّر لونُه !!!
فيقولون له : ما لكَ ؟؟؟!!
فيقولُ : حقٌّ لمنْ أرادَ أنْ يدخلَ على ذي العرش أنْ يتغيَّر لونُه .
حقٌّ على مَنْ أرادَ أنْ يدخلَ على ذي العرش أنْ يتغيَّر لونُه .
ولذلك النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ : " إذا قامَ أحدُكم يصلِّي فإنما يُناجي ربَّه ، فلينظرْ أحدُكم مَنْ يُناجي " .
 وجاءَ عن عليِّ بنِ الحسين أنه كانَ يقولُ لما تغيَّر لونُه وقالوا له : ما لكَ ؟!! قالَ : ألا تدرون مَنْ سأناجي ؟؟؟ إني سأناجي الله سبحانه وتعالى .
فيستشعر الخوفَ والرَّهبةَ والحبَّ عندما يأتي ويقفُ بين يدي ربِّ العِزَّة تباركَ وتعالى ، كما قالَ الله جلَّ وعلا : " ‏ ‏قسمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل
 فإذا قالَ العبدُ ‏: " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏"
 ‏قالَ الله تعالى : حمدني عبدي .
 وإذا قالَ : " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ".
 ‏قالَ الله تعالى : أثنى عليَّ عبدي .
 وإذا قالَ ‏: "  مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ‏" .
 ‏قالَ : مجَّدني عبدي ...و هكذا
علاقةٌ بين العبدِ و بين ربِّه في الصَّلاةِ ، بخلافِ صلاةِ كثيرٍ منَ المسلمين ،  لا يستشعرون هذا الوقوفَ بين يدي الله تباركَ وتعالى والمناجاة التي كانَ يلتذُّ بها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
ولذلك كانَ يقولُ لبلال : " أرحْنا بها " ، كانَ يرتاحُ إذا دخلَ الصَّلاةَ لأنه يشعرُ بهذه المناجاةِ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
 
كانَ الحسنُ بنُ عليّ إذا صلَّى الفجرَ يجلسُ في مصلَّاه إلى أنْ تُشْرِقَ الشَّمسُ ثم بعد ذلك يذهبُ إلى بيوتِ أزواجِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يسلِّم عليهنَّ إكراماً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لأنهنَّ أمَّهاتُ المؤمنين و زوجاتُ جَدِّهِ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
 
الحسنُ بنُ عليّ ذكروا أنه حجَّ خمساً وعشرين مرَّة ،  وذُكِرَ أنه حجَّها ماشياً على قدميهِ رضيَ الله عنه وأرضاه .
 
أمَّا زُهْدُه فقد كانَ خليفةً للمسلمين وأميراً لهم فتنازلَ عن هذا كلِّه في سبيلِ جمعِ كلمةِ المسلمين ، ولذلك سُمِّيَ العامُ الذي تنازلَ فيه الحسنُ عن الخلافةِ بعامِ الجماعةِ ، لأنه لمَّ شملَ الأمَّة بعد أنْ كانَ قد تفرَّق .
 
الحسنُ بنُ عليٍّ قالَ يوماً : كانتْ جماجمُ العربِ بيدي ، يُسالمون مَنْ سالمتُ  ويحاربون مَنْ حاربتُ ، فتركتُها اتِّقاءَ وجهِ الله .
يتقرَّب إلى الله تعالى بهذا ، لا يتنازع لأجلِ كرسيّ ويقاتل وكذا ، أبداً .. تركَه كلَّه لوجهِ الله تباركَ وتعالى .
 
 ومنْ زُهدهِ قولُه :
 لَكِسرةٌ منْ خسيسِ الخبز تُشبعُني*** وشربةٌ منْ قَرَاحِ الماءِ تكفيني
و طَرَّةٌ منْ دقيقِ الثَّوبِ تسترُني **حيّاً ، وإنْ مِتُّ تكيفي لتكفيني
أي تكفيني لتكونَ كفناً لي
 
ويقولُ رضيَ الله عنه :
يا أهلَ لذَّاتِ دُنيا لا بقاءَ لها ** إنَّ اغتراراً بِظِلٍّ زائلٍ حُمْقُ
نعم .. الذي يغترّ بِظِلٍّ زائلٍ لا شكَّ أنه أحمق .
الحسنُ بنُ عليّ رضيَ الله عنه مرَّ على جماعةٍ منَ الفقراءِ وإذا هم يأكلون كِسراً منَ الخبزِ لفقرِهم وحاجتِهم ، فلمَّا مرَّ عليهمُ الحسنُ سلَّم عليهم .
فقالوا له : تفضَّل معنا .
فقالَ : نعم .
فجاءَ وجلسَ معهم متواضعاً لله جلَّ وعلا ، وأكلَ منهم منْ هذه الخبيزات .. منْ هذه الكِسَر  ، فلمَّا قضَوا أكْلَهم .
قالَ : الآن أنا ادعوكم فتفضَّلوا معي .
فأدخلَهم بيتَه وأكرمَهم رضيَ الله عنه وأرضاه .
 
وجاءَ هذا الفعلُ كذلك عن الحسنِ مع أطفالٍ صغارٍ صبيةٍ مرَّ عليهم وهم  يأكلون .
 فقالوا له : تفضَّل .
قالَ : نعم .
فجلسَ معهم وأكلَ معهم ثم دعاهم إلى بيتهِ ثم أطعمَهم رضيَ الله عنه   وأرضاه .
 
الحسنُ بنُ عليّ جاءَه رجلٌ منْ أهلِ الشَّام ، وكانَ في أهلِ الشَّام نواصب ، والنَّواصبُ هم مَنْ كانوا يُبغضون عليَّ بنَ أبي طالب رضيَ الله عنه ..فمرَّ الحسنُ .
 يقولُ هذا النَّاصبيُّ الشَّاميُّ : فلمَّا رأيتُه و إذا وجهُه مسفرٌ ، وفيه نورٌ ، ودخلَ إلى قلبي .
 فقلتُ : مَنْ هذا ؟؟
قالوا : هذا الحسنُ بنُ عليّ .
يقولُ : فتذكَّرتُ بُغضي لعليٍّ .
يقولُ : فجئتُه و سبتتُ عليّاً و سبتتُه لبُغضي لعليٍّ .
ولم يردّ عليَّ ، فلمَّا سكتُّ
قالَ لي الحسنُ : كأنك غريبٌ لستَ منْ أهلِ هذه البلادِ ؟
قالَ الرَّجلُ : نعم .. أنا لستُ منْ هذه البلادِ .
قالَ : منْ أين ؟؟
قالَ : أنا منَ الشَّام .
قالَ الحسنُ : إنِ احتجتَ إلى منزلٍ أنزلناكَ ، و إنِ احتجتَ إلى طعامٍ أطعمناكَ ، و إنْ كانتْ لك حاجةٌ قضيناها لكَ .
هذا بعدَ أنْ سبَّه وقالَ له مثلَ هذا الكلام !!!
 ولكنْ كما قالَ عليٌّ : ذرِّية بعضُها منْ بعضٍ .
قالَ الرَّجلُ : فانصرفتُ عنه وما على وجهِ الأرضِ أحبُّ إليَّ منه ، ( أي منَ الحسنِ بنِ عليّ )
 بهذه الكلماتِ .. كظمَ غيضَه " ... فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ(34) " سورة فصلت ، مصداق الآية تماماً طبَّقها الحسنُ فكانَ له ما أخبرَ الله تباركَ وتعالى عن ذلك .
 
الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه وأرضاه تولَّى الخلافةَ بعد استشهادِ  عليٍّ رضيَ الله عنه وأرضاه ، وذلك في رمضانَ سنةَ أربعين منَ الهجرةِ ، بايعَ النَّاسُ أهلُ الحلِّ والعَقْدِ الحسنَ بنَ عليٍّ وتمَّت له البيعةُ ، وكانَ قبل ذلك وقعَ خصامٌ وحربٌ وقتالٌ بين عليٍّ و معاويةُ رضيَ الله عنهما في صِفِّين ، فلمَّا استلمَ الخلافةَ الحسنُ بنُ عليّ أرسلَ إلى معاويةَ ، قالَ : تعالَ نتصالح ، إلى متى الخلافُ ؟ فتصالحَ الحسنُ مع معاويةَ وقالَ : هذه الخلافةُ لك ، المهمّ أنْ تجتمعَ كلمةُ المسلمين ، أنا لا أريدُ الخلافةَ ، لك الخلافةُ يا معاويةُ وتجتمعُ كلمةُ المسلمين ، هذا أهمّ شيءٍ .
وفعلاً كانَ هذا بعد سِتَّة أشهر فقط منِ استلامهِ للخلافةِ ، وتنازلَ وجمعَ اللهُ المسلمين مِصداقاً لنبوءةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم " إنَّ ابني هذا سيِّد ، ولعلَّ الله أنْ يُصلحَ به بين فئتين عظيمتين منَ المسلمين  " ، وكانَ كما أخبرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
  وفي سنةِ تسعٍ وأربعين منَ الهجرةِ أكلَ الحسنُ بنُ عليٍّ طعاماً وقد جُعِلَ فيه سُمٌّ ، فذهبَ به إلى الخلاءِ ، ثم لفظَ ما أكلَ ، و شعرَ بالسُّمِّ يسري في جسدهِ فمرضَ فعادَه أخوه الحسينُ
فقالَ له : مَنْ سقاكَ السُّمَّ ؟
قالَ : وماذا تريدُ منْ ذلك ؟؟
أتريدُ أنْ تقتلَه ؟؟
قالَ الحسينُ : نعم .
فقالَ : هذا بيني وبينه عند الله سبحانه وتعالى .
ثم توفِّي شهيداً سعيداً سيِّداً رضيَ الله عنه وأرضاه سنةَ تسعٍ وأربعين ، وكانَ له منَ العمر سِتّ وأربعون سنةً عندما توفِّي ، وصلَّى عليه والي المدينةِ    سعيدُ بنُ العاصِ ، ودُفِنَ في البقيع رضيَ الله عنه وأرضاه .
 وبعد موتهِ كانَ أبو هريرة يمرُّ على النَّاسِ ويقولُ : يا أيُّها النَّاسُ ، ماتَ اليومَ سيِّدُ المسلمين فابكُوا .
وكانَ يبكي رضيَ الله عنه وأرضاه .
وهكذا ذهبتْ هذه النِّسمةُ الطيبةُ المباركةُ إلى بارئِها إلى جنَّات النَّعيم برفقةِ جَدِّهِ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم
والله أعلى وأعلم ، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد .
 
تم تفريغ الدروس بواسطة الأخوات
فاعلة خير ونازك  وعبق
شبكة المنهج تحت إشراف الشيخ //: عثمان بن محمَّد الخميس حفظه الله

عدد مرات القراءة:
1339
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :