آخر تحديث للموقع :

السبت 6 رجب 1444هـ الموافق:28 يناير 2023م 07:01:37 بتوقيت مكة

جديد الموقع

المنهج القرآني الفاصل بين أصول الحق وأصول الباطل - طه الدليمي ..
الكاتب : طه الدليمي ..

المنهج القرآني

الفاصل بين أصول الحق وأصول الباطل

مع دراسة منهجية تطبيقية لأهم أصول الشيعة الاثني عشرية

الدكتور : طـه حامد الدليمي

روى الشيخان عن عائشة (رضي الله عنها) قالت:

تلا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : }هُوَ الــَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيات مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الاَْلْبَابِ{ قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):

(إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم) وفي رواية: (فأولئك الذين عنى الله فاحذروهم).

وروى الحافظ أبو يعلى عن حذيفة رضي الله عنه عن  النبي (صلى الله عليه وسلم)  قال: (إن في أمتي قوماً يقرأون القرآن ينثرونه نثر الدقل يتأولونه على غير تأويله).

والدقل: أردأ التمر . ينثرونه نثر الدقل: أي يستعرضونه فيتخيرون منه ما يلائم أهواءهم من المتشابه يتأولونه على غير تأويله، ويتركون ما لا حظَّ لهم فيه من المحكم (يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ(.

الإهـــــداء

إلـيكِ ... 

يا من غذيتـِني على معاني الإيمان

وربيتـِني على الوفاء

وعلمتـِني أن الرجولةَ موقف

وأن الدينَ غَيرة

أُهدي أعز ما خطته يداي

وعسى أن يكون نفحةً من نفحاتِ رحمتِه الواسعة

على روحِكِ الطاهرة

ولـدُك

شكــر  وتـقديـر

أتوجه بالشكر الجزيل إلى كل من أعانني في موضوع هذا الكتاب بأي وجه من الوجوه ، سائلاً الله تعالى أن يجزيهم خير الجزاء . أخص منهم بالذكر أخوين كريمين هما :

* الأخ الشيخ حسون سلمان السعيـدي

* والأخ المهندس علاء حسن القزويني              

اللذين طالما جلست معهما ، أو أحدهما ، نتناقش في موضوعات الكتاب فنحذف ونضيف ونتبادل الأفكار

  * كما أشكر الأخ الكريم معـد صالح المعاضيدي     

على صبره وجهوده التي لا تقدر بثمن في تنضيده وإخراجه إلى عالم الحياة والنور

المقدمة

إن الحمد لله ..

نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه.

ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.  

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد .

فإن الحق يقين. والباطل ظن ]وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً[ (النجم: 28). فهما – أبداً -  ضدان لا يجتمعان.

وأهل الحق راسخون ليقينهم. أما أهل الباطل فتائهون زائغون لعدم استقرار الحق في ظنونهم.

والتمييز الواضح الذي لا شبهة فيه بين الفريقين ضرورة لا غنى عنها؛ لأنه الوسيلة الوحيدة التي بها يكون العبد حراً تمام الحرية في الاختيار عن بصيرة تامة بين طريق الحق وطريق الباطل. كما يتبين بها للجميع – دون أدنى لبس - من هم أصحاب الحق؟ ومن هم أصحاب الباطل؟ وبهذا تقوم حجة الله تعالى على خلقه، ويتحقق المقصد الإلهي في أن ]ِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ[ (الأنفال:42).

فكيف يمكن أن نحقق لنا ذلك التمييز؟

قبل كل شيء أقول: إذا كان الحق مطلوبنا، ورضاء الله غايتنا فالجواب في غاية السهولة واليسر. إذ المشكلة – كل المشكلة - في أهل الأهواء، الذين هم أصل الداء وأُس البلاء! وهؤلاء لا شأن لنا معهم، ولا نحن حريصون عليهم. إنما نوجه كلامنا إلى مريدي الحق: ممن إذا وجدوه لم يؤثروا عليه سواه. ولكن خفي عليهم لطروء شبهة، أو افتقاد بينة. فإلى هؤلاء وحدهم نوجه كلامنا فنقول:

إن كتاب الله تعالى هو مصدر الهداية، وأساس المعرفة كما قال تعالى: ]ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ[ (البقرة:2). هذه حقيقة لا يختلف عليها مسلمان. لكن لهذا الكتاب العظيم مفتاحاً ربانياً لا بد من الإمساك به حتى يتمكن العبد من الاهتداء بيسر إلى مراده، ويميز بوضوح تام بين الحق وبين الباطل. وعندها سيعرف – بلا أدنى شبهة – من هم أصحاب الحق؟ ومن هم أصحاب الباطل؟ ليختار عن بينة أن يكون من هؤلاء أو هؤلاء.

هذا المفتاح الرباني نجده في قوله تعالى:

]هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُمُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَتأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألبَابِ[ (آل عمران:7).

فأهل الحق يتبعون الآيات المحكمات أي النصوص القرآنية الصريحة الخالية من الإشكال والاحتمال، وذلك يقين لا شبهة فيه.

أما أهل الباطل فيتبعون المتشابهات التي تحتمل وجوهاً متعددة متناقضة، وذلك ظن لا يقين فيه.

هذا هو المفتاح. وهذه هي العلامة الفارقة، والحد الواضح الفاصل الذي به يتم التمييز التام - بلا أدنى شبهة أو لبس - بين فريق الحق وفريق الباطل.

فمن وجدنا أصوله قائمة على الآيات المحكمات الواضحات حكمنا بصدقه ورسوخه وإيمانه. ومن وجدنا أصوله مبنية على المتشابهات المحتملات حكمنا بكذبه وزيغه وبطلانه.

بهذه الطريقة لن يبقى في ميدان الحق العريض إلا طائفة واحدة، هي الطائفة التي أقامت أصولها على النصوص القرآنية القطعية. وعندها يمكن أن يتوحد الصادقون المخلصون على أساس الأصول اليقينية الثابتة.

وحين نرجع مرة أخرى إلى الآيتين السابقتين نجد أن سورة (البقرة) قد قررت - ومن بدايتها - أن الهداية في هذا الكتاب. أما سورة (آل عمران) فقد بينت كيفية التعامل مع آيات الكتاب من أجل تحقيق هذه الهداية. أو – قل – بينت كيفية الاهتداء بها عملاً وواقعاً حين ذكرت – ومن بدايتها أيضاً – أن من هذه الآيات آيات متشابهات: من اتبعها ضل وأضل. وأن الهداية في اتباع الآيات المحكمات، و(ما تشابه منه) فمرجعه إليها.

فآية (البقرة) قد قررت القاعدة وثبتتها، بينما آية (آل عمران) قد بينت كيفية التعامل أو صيغة الاستفادة عملياً من هذه القاعدة. وبعبارة أخرى بينت آلية الاهتداء بآيات القرآن: نعم القرآن في العموم هو مصدر الهداية. ولكن لهذا العموم تفصيلاً لا بد من مراعاته عند التطبيق أو التوظيف العملي لآياته. فأما أهل الحق فيؤمنون بهذا وهذا. وأما أهل الباطل فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، كما هو ديدن المبطلين في كل زمان ومكان.

وهذا الكتاب الذي بين يديك يدور كله حول ذلك المفتاح الرباني العجيب الذي بينته آية (آل عمران) بياناً شافياً في غاية الوضوح والإيجاز.

ولقد فكرت طويلاً في شأن هذا الاختلاف الواقع بين أهل السنة والجماعة، وبين الشيعة، خصوصاً ونحن نعيش في بلد تمثل الأقلية الشيعية فيه نسبة كبيرة؛ فالاحتكاك بيننا وبينهم حاصل، والنقاش والجدال قائم : نحن نعتقد أنهم على دين باطل، ولنا على ذلك أدلتنا وردودنا. وهم يعتقدون فينا الاعتقاد نفسه، ولهم علينا من الردود ما لهم. وقد يضيع الباحث عن الحقيقة في خضم هذه الردود؛ فلا يدري أي الفريقين على حق؟ وأيهما على باطل؟! فكنت أقول: أيعقل أن الحق مشتبه إلى هذا الحد؟! وأنك إذا أردت الوصول إليه احتجت إلى الخوض في مثل هذه المتاهات التي لا أول لها ولا آخر؟! وإلى علوم عديدة من اللغة والتفسير والحديث وغيرها؟! فكيف يتمكن عوام الناس من إدراك الحق من الباطل؟! وكيف تقوم عليهم حجة الله البالغة؟ وأين هي حجة الله في وسط هذا الركام؟

كانت هذه الأسئلة وما شابهها تشغلني وتلح عليّ كثيراً. ولكنني – مع ذلك - كنت أعتقد أن معرفة الحق من الباطل أقرب من ذلك بكثير. إنها في متناول كل واحد منا نحن المسلمين. ولا بد أن تكون حجة الله قائمة على الجميع ومن نص كلامه سبحانه. ولكن كيف؟ وفي كلامه ما يحتاج إلى توضيح وتفسير، والعلماء يختلفون في تفسيره إلى حد التناقض! لا سيما إذا كانوا من فرق مختلفة. بل إن البعض منهم يقول:

إن القرآن حمال أوجه، ويعمم هذا القول على جميع آياته! حتى يصرح بأنه لا حجة فيه على الإطلاق ما لم يقرن بغيره!

إلى أن هداني الله تعالى بفضله ونعمته إلى هذا المفتاح القرآني العظيم، فعرفت أن من القرآن متشابهاً لا يُعتمد حتى يفسر في ضوء المحكم منه. وأنه ما من آية في الأصول مشتبهة إلا ولها ما يبينها يقيناً من صريح المحكم. فليس القرآن كله حمال أوجه. وأن ما كان منه كذلك لا نتبعه حتى نرجع به إلى ما يزيل احتماله واشتباهه من القرآن نفسه. وأن أهل الباطل لا يمكن أن يكون لأصولهم من نصيب في محكمه. كما أن أهل الحق لا بد أن تكون أصولهم قائمة على محكم القرآن.

وهنا توضح لي الطريق تماماً: فإذا كنت أعتقد أني على حق فلا بد أن تكون الأصول التي أقمت عليها معتقدي وديني مبنية على محكم القرآن. كما أنه إذا كنت أعتقد أن الشيعة على باطل فهذا يستلزم أن أستقرئ أصولهم فلا أجد لهم عليها من المحكم شيئاً. وهكذا كان. وهذا الكتاب شاهد عدل على ما أقول.

هذا فيما يخص الأصول. أما الفروع فلها شأن آخر: إذ الاختلاف في الفروع في غالبه سائغ ومشروع، ما دامت أدلته ظنية خاضعة للاجتهاد. والمخطئ فيه مأجور أجراً واحداً، والمصيب أجرين: الأول على نيته واجتهاده في طلب الحق، والثاني عليه مع إصابته.

ومثل هذه الأمور لا تنقسم الأُمة بموجَبها طوائف، وإنما مذاهب فقهية معتبرة لأن الأصول واحدة، ما لم يقع تعصب وخصومة وافتراق.

فللمسلم أن يكون في الفروع على أي مذهب معتبر بشرط صحة النقل عن الإمام المقلَّد، وعدم مخالفته للكتاب والسنة، وبشرط عدم التعصب للرأي وإنكار الرأي المقابل أو المعاكس. وعلى هذا إجماع العلماء. ولهم في ذلك قاعدة أصولية تقول: لا إنكار في

المسائل الخلافية الفروعية.

أما اختلاف الأصول فلا يسوغ شرعاً؛ لأن الرب جل وعلا قد نصب عليها من الأدلة الصريحة القطعية في دلالتها (المحكمة) ما لا يمكن لمن اطلع عليها أن يعذر في مخالفتها، كما قال تعالى: ]كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[ (البقرة:213).

وفي هذا الاختلاف نزل قوله تعالى: ]وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ[ (هود:118،119). فهو اختلاف قد نزعت من أهله الرحمة؛ فليس له وجه اعتبار أو قبول. وليس هذا شأن الفروع.  

وعليه توجب ضرورة أن تكون أدلة الأصول آيات قرآنية محكمة، أي صريحة في دلالتها صراحة لا تحتاج معها إلى غيرها من الأدلة أو النصوص الشارحة أو المفسرة.

والناظر بموضوعية - بعيداً عن المجاملات والمزايدات - في شأن الاختلاف بين أهل السنة والشيعة لا يجد صعوبة في الحكم بأنه اختلاف في أصول الدين، قبل أن يكون اختلافاً في فروعه. فإن هناك بين الفريقين أصولاً عديدة ليست موضع اتفاق، بل هما فيها على طرفي نقيض وافتراق. منها: (الإمامة) و(العصمة) وحفظ القرآن، وعدالة الصحابة، و(التمسك بأهل البيت) ... إلخ. فهل يستطيع الشيعة إثبات ما يدعونه من أصول بالآيات القرآنية المحكمة. فإن فعلوا تبين – بلا ريب – أنهم على حق. وإن عجزوا ونكلوا تبين بياناً تاماً أنهم على باطل. وكذلك الأمر بالنسبة إلينا.

وفي هذا الكتاب منهاج نظري تأصيلي وتطبيقي لبيان أي من طوائف أهل القبلة هي الطائفة التي على الحق الواضح الصريح، وأي منها على الباطل السافر الذي لا شبهة فيه، بعيداً عن اللف والدوران والجدل العقيم، وصولاً إلى الحقيقة التي لا يمكن بعدها أن يختلف فيها اثنان.

وقد اتخذت من أصول أهل السنة والجماعة وأصول الشيعة - طبقاً لصريح الآيات القرآنية - ميداناً لتطبيق المنهج الذي ذكرته رغبةً في معرفة الحق وكشف الحقيقة بأسهل وسيلة وأقرب طريقة.

والحقيقة التي توصلت إليها - بعد الاستقراء التام - أن جميع الأصول التي انفرد بها الشيعة، ليس لأي واحد منها سند من محكم كتاب الله أو صريح آياته البتة! وكل آية يحتجون بها دليلاً على أي أصل من أصولهم لا يمكن أن تدل بنفسها على المطلوب ما لم يرجعوا بها إلى تفسير من عالم، أو توجيه من رواية. وليس هذا هو شأن المحكمات التي وصفها الله تعالى بأنها الأم التي يُرجع إليها، ولا يرجع بها إلى غيرها.

جميع الآيات التي احتج بها الشيعة على أصولهم هي من جنس المتشابهات. هذه هي الحقيقة التي خرجت بها بعد الاستقراء التام! وهي حقيقة مروعة تحكم على أصحابها – إذا ثبتت - ومن أول وهلة بأنهم من أهل الباطل الذي لا مراء فيه! وعلى الشيعة بعدها أن يثبتوا العكس، وإلا فإنهم مبطلون زائغون يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله وحمله على ما يهوون ويشتهون.

ولكنني – وبثقة مطلقة - أستطيع أن أسبق الزمن وأقرر فأقول: إنهم لم ولن يتمكنوا قط من العثور على آية محكمة واحدة من القرآن كله تؤيد ما يدعون! وإلا فليكذِّبونا ولو بآية! وبيننا وبينهم الزمان مفتوحاً على مصراعيه. فليأخذوا منه ما يشاءون: سنة.. أو ألف سنة أو أكثر مما يعدون!

  

]رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ[.

المؤلف

23/1/2004

منهج الكتاب

يتبع هذا الكتاب منهجاً عظيماً – هو منهج القرآن وهذا هو سر عظمته - في مناقشة الحجج التي توردها أي طائفة للدلالة على أصولها. ميزة هذا المنهج العظيم أنه يجعل صاحبه قادراً على نقض الحجج الباطلة بسهولة منقطعة النظير ومن أقرب طريق، حتى لو كان المتكلم بها عالماً مختصاً، ولم يكن هو من أهل الإختصاص.

ولن يحتاج - بعدُ - إلى كثرة الردود والتفريعات والمناقشات التي لا يحسنها إلا المختصون أو المتدربون، والتي ضيعت الحق على عامة الناس لأنهم  يتصورون أن معرفته منوطة بالعلماء فقط ، فإذا رأى أحد العوام أنه قد انهزم في نقاش أو حصر في مسلك ضيق وبان له تهافت حججه قال: علماؤنا أعلم ولا بد أن لهم ردوداً لا أعرفها، وينهي نقاشه باقتراح مؤداه عرض الأمر على أحد أولئك العلماء من أجل حسمه ومعرفة القول الفصل فيه، وهو لا يدري أن مرجعية المسلم في أصول دينه وأساسياته قرآنية وليست بشرية.

وهكذا تضيع معالم الحق وتتشوش صورته في ذهنه ما دام هذا الهاجس في نفسه؛ لأنه يتصور أن الحق مع من غلب في النقاش، مع أن هذا ليس شرطاً مضطرداً؛ لأن الغلب قد يكون للأعلم بأساليب الجدل، لا للأعلم بالحق!

وإلى هذا أشار الإمام مالك رحمه الله تعالى حين جاءه رجل يقول له: هلم أجادلك. قال: فإن غلبتك؟ قال: أتبعك. قال: فإن غلبتني؟ قال: تتبعني. قال: فإن جاء رجل ثالث فغلبنا؟ قال: نتبعه! فقال الإمام: هذا أمر يطول، أفكلما جاءنا رجل أجدل من رجل اتبعناه! أنت رجل شاك فاذهب إلى رجل شاك مثلك.

إن كتاب الله تعالى يضع في يد كل طالب للحق - ولو كان من عوام الناس - مفتاحاً يتوصل به إلى معرفة الحق، وسلاحاً يتغلب على خصمه - ولو كان من أكابر العلماء - كل ذلك بسهولة ويسر، ومن دون تطويل!

إن هذا المفتاح وهذا السلاح يتلخص في مناقشة الدليل من حيث كونه صالحاً للإستدلال أم لا، قبل مناقشة دلالته على المراد.

ومعرفة صلاحية الدليل من عدمها سهلة جداً، وفي متناول مدارك الجميع: علماء وعامة. أما اتباع الأسلوب التقليدي الذي يعتمد على مناقشة دلالات الدليل قبل النظر في صلاحيته للاستدلال فأمره يطول، ولا يحسنه إلا القليل، ويحتاج إلى علم كثير. وقد لا يتبين من خلاله الحق من الباطل بياناً تاماً.

لست بدعاً في اعتماد هذا المنهج الذي يناقش الدليل قبل الدلالة، إنما أشار إلى ذلك العلماء من قبل وحاموا - ولا زالوا يحومون – حول حماه: يظهر لهم تارة فيصرحون به، ويغيب أخرى فيبتعدون عنه يجرون وراء شُبَه الخصوم لا يخطر لهم على بال!

 من ذلك: قولهم: (إن العقيدة لا تثبت إلا بالمتواتر) وهذا فيه مصادرة لكل الأدلة (الروايات) غير المتواترة وذلك قبل مناقشة دلالتها.

 وقولهم: (الدليل إذا تطرق اليه الاحتمال بطل به الاستدلال) وهذا إسقاط لكل دليل ظني أي فيه أكثر من احتمال دونما حاجة الى البحث في دلالته.

الفَرْق أني ركزت على هذا المنهج وأبرزته، وهذبته وأغنيته، وأصلته وطبقته، ثم سهلته ويسرته بحيث أخرجته من احتكار العلماء وأبحته للعامة رحمة بهم من تضليل علماء السوء. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أهم وأولى: أظهرت جلياً أمراً في غاية الأهمية ألا وهو ضرورة قصر الدليل الأصولي القطعي الدلالة على نصوص القرآن فقط .

والنتيجة النهائية التي نصل إليها أن المفتاح المذكور يتلخص في العبارة الآتية:

(إن أصول الدين([1]) وأساسياته وضرورياته لا بد أن يكون دليلها نصاً قرآنياً صريحاً لا يحتمل غير معنى صريح لا تحتاج معرفته الى تفسير بآراء العلماء أو رواياتهم).

وهذا يغني غير الاختصاصيين عن البحث المطول في دلالات الأدلة، ويخرجهم من دهاليز الجدل المظلمة التي تاه فيها الكثيرون، وضل فيها الجاهلون؛ لأن الباطل قد يبدو في صورة الحق إذا زخرفته عقول ذكية، وأكثرت من إيراد الحجج المزخرفة عليه، لا سيما إذا أسندته بروايات صنعتها على عينها، فهي صريحة في الدلالة و(مفصلة) حسب القياس تفصيلاً! فمن أين - بعدُ - لعامة الناس أن يتبينوا صورة الحق في وسط هذه المتاهات الشديدة الظلام؟!!

مثال:

في الشريعة الإسلامية: لا يجوز أن ينكح غير المسلم امرأة مسلمة كأن يكون يهودياً أو مجوسياً مهما كان خلوقاً وتوفرت فيه الشروط الأخرى كالقدرة على الإنفاق وغيرها. إن النقاش في أخلاق الخاطب وإمكانيته المادية لا يصح دون توفر شرط الإسلام فإذا كان مجوسياً مثلاً بطلت صلاحيته للخطبة من أول الطريق دونما حاجة إلى النقاش في موضوع أخلاقه وإمكانيته..الخ. وإلا وقعنا في خطأ فادح وجوهري هو الغفلة عن الشرط الأساس ألا وهو الإسلام، فإذا توفر أصبح موضوع الخاطب صالحاً للنظر والنقاش.

هذا هو التسلسل العلمي الصحيح في النقاش. وعامة الناس من السهل جداً عليهم

معرفة عدم صلاحيته بمجرد العلم بكونه مجوسياً غير مسلم، وهذا لا يحتاج إلى اجتهاد عالم أو رجوع إلى علماء. ولو افترضنا أن عالماً ناقش في أمر عدالته متجاوزاً شرط إسلامه المفقود فإن كل مسلم يعرف بطلان كلامه وأنه لا معنى للنقاش في هذا الموضوع ولا جدوى من ورائه ويستطيع الرد على ذلك العالم وإسكاته ولو لم يكن هو عالماً.

وهكذا ينبغي أن يكون الأمر بالنسبة لأدلة أصول الدين. إن شرط صلاحيتها أن تكون نصوصاً قرآنية صريحة واضحة لا تحتاج إلى آراء أو روايات، فيسقط كل أصل ليس عليه من دليل بهذه الشروط، ثم بعد ذلك يمكن أن ينظر في دلالة ذلك الدليل وبطلانها.

إن هذا التسلسل العلمي لا يتبع في أكثر بحوث العلماء مما أوقعنا – ويوقعنا - في خطأ جوهري يكلفنا الكثير من الجهد ويفقدنا الكثيرين من ذوي النوايا الحسنة لشعورهم بالضياع وسط خضم النقاشات المطولة عن دلالات الأدلة دون النظر أصلاً إلى صلاحية الدليل للاستدلال.

علينا إذن أن نشيع هذا الشرط حتى نجعله في متناول عامة الناس يعلمونه كعلمهم بشرط إسلام الخاطب أولاً قبل كل شيء.

 إن الدليل الفاقد لشرط الصراحة والإحكام أخطر على المسلمين من الخاطب الفاقد لشرط الإسلام، وعلى المسلمين أن يرفضوا هذه الأدلة كما يرفضون المجوسي إذا تقدم للزواج.

 وأرى أن إيصال عامة الناس إلى هذا المستوى من الإدراك من أعظم ما ينبغي على العلماء القيام به.

إن الالتهاء بمناقشة دلالة الدليل قبل - أو دون - النظر إلى صلاحيته للاستدلال خطأ جوهري في منهاج البحث والاستدلال ينبغي تداركه بأسرع وقت.

الفصل الثاني

جمود المنهج الاستدلالي القديم وقصوره والحاجة الى منهج جديد

إن الانشغال بمناقشة دلالة الدليل دون الابتداء بالنظر أولاً - وقبل كل شيء - في مدى صلاحيته للاستدلال هو أكبر خطأ أصاب منهجنا الاستدلالي الأصولي على مدار التأريخ.

وهناك أخطاء جوهرية أخرى - لا تقل عن الخطأ السابق - في قواعد المنهج الاستدلالي الذي يسود أوساطنا العلمية سببها عدم ملاحظة الفرق في طبيعة القضايا المطروحة للنقاش- الأمر الذي أدى الى الجمود والتحجر في طريقة تناولها! إذ لا زلنا نناقش قضايانا على القواعد الأصولية القديمة نفسها رغم اختلاف القضايا المستجدة في طبيعتها عن القضايا القديمة، ورغم مرور أكثر من عشرة قرون دون أن يطرأ أي تجديد على تلك القواعد يجعلها تتناسب وطبيعةَ التغيير الذي طرأ عليها والاختلاف فيما بينها.

إن أغلب القضايا الفكرية التي اصطرع عليها أهل القبلة في القرون الأولى هي قضايا فروعية([2]) قابلة للأخذ والرد لظنية أدلتها (ثبوتاً أو دلالةً) نسبياً (لهذا الفريق دون ذاك). أو مطلقاً للجميع.

ومن الطبيعي أن تخرج للناس قواعد من المفترض أن تناسب المرحلة وطبيعة الصراع مثل القاعدة التي تقول بثبوت العقيدة بأحاديث الآحاد، وفي مقابلها القاعدة التي تشترط التواتر لثبوت العقيدة.

إن كلا الفريقين غابت عن أذهانهم -في حومة الصراع- مسألة في غاية الأهمية ألا وهي: أن التفريق يجب أن يكون بين المسائل الأصولية والفروعية وليس بين المسائل الاعتقادية والعملية.

لقد انصب اهتمام الأقدمين على التفريق بين ما هو اعتقادي من المسائل، وما هو عبادي أو عملي منها. مع أنه فرق - لو دققوا النظر- غير دقيق ولا مؤثر.

إن ديننا لم يفرق كثيراً بين الأمرين.

صحيح أن العقيدة هي الأساس، ولكن العبادة وعموم الأعمال الكبيرة لها منزلة مقاربة، وإنكار أي من الأمرين كفر.

القرآن لم يفرق تفريقاً جوهرياً بين الاعتقاد والعمل

خذ مثلاً الصلاة فقد جعل الإسلام لها منزلة تكاد توازي التوحيد.

إن إنكار الصلاة كفر كما أن إنكار التوحيد كفر مع أن أحدهما عقيدة والآخر عبادة. يقول تعالى في منكرهما: }فلا صدَّق ولا صلَّى * ولكن كذَّب وتولَّى * ثم ذهب الى أهله يتمطى * أولى لك فأولى{ (القيامة: 3-35). ولهذا يقول النبي r : ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر))([3]).

والقرآن واضح في عدم تفريقه كثيراً بين الأمرين بل قد يقدم في الذكر الصلاة أو العمل عموماً على العقيدة!

يقول تعالى: }مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ*قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ*وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ*وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ*وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ*حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ { (المدثر:42-48).

ويقول: }وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ... ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ{ (البلد: 12-17).

 ويقول: }ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ { (الحاقة:32-34).

 فمرة يقدم العمل على العقيدة، ومرة يقدم العقيدة على العمل.

ومثل هذا في القرآن كثير مما يدل على أن هذا التفريق غير مؤثر ولا أصيل، فالقرآن لا يفرق تفريقاً مؤثراً بين أصول الاعتقاد وأصول العمل بل يأتي الأمر بهما على قدم المساواة في جميع القرآن بغض النظر عن الاختلاف في المرتبة، الذي لم يلتفت اليه القرآن بحيث يجعل له وزناً مؤثراً يجعلنا نتسامح في قطعية دليل أحدهما، ونتشدد في قطعية دليل الآخر على اعتبار أن الأول عمل والثاني عقيدة.

تأمل قوله تعالى: }الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ

وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {(البقرة:1-5).

وهكذا ساوى القرآن بين أصول الدين وأساسياته دون النظر الى كونها اعتقادية أم عملية.

وإلى ذلك أشار الإمام الشاطبي بوضوح حين قال: (قوله تعالى: }منه آيات محكمات هن أم الكتاب{ فجعل المحكم - وهو الواضح المعنى الذي لا إشكال فيه ولا اشتباه - هو الأم والأصل المرجوع إليه، ثم قال: }وأخر متشابهات{ يريد: وليست بأم ولا معظم فهي إذن قلائل، ثم أخبر أن اتباع المتشابه منها شأن أهل الزيغ والضلال عن الحق والميل عن الجادة، وأما الراسخون في العلم فليسوا كذلك وما ذاك إلا باتباعهم أم الكتاب وتركهم الاتباع للمتشابه. وأم الكتاب يعم ما هو من الأصول الاعتقادية أو العملية إذ لم يخص الكتاب ذلك ولا السنة… فإن المخالف في أصل من أصول الشريعة العملية لا يقصر عن المخالف في أصل من الأصول الاعتقادية في هدم القواعد الشرعية)([4]). 

التفريق يجب أن يكون بين الأصول والفروع

إن الشرع يفرق بين ما هو أصل وأساس للهداية ينبغي أن يبنى على قواطع الأدلة، ولا يتسامح في الاختلاف فيه وبين ما هو فرعي وتابع لا يشترط له ذلك بل تكفي فيه الأدلة الظنية، والاختلاف فيه سائغ ومشروع، هذا هو مناط التفريق المؤثر والأصيل.

واشتراط الدليل القطعي في الأصول، وعدمه في الفروع أمر مفروغ منه.

إن من نافلة القول أن نذكر بأن القضايا التي دارت حولها مباحث الأصوليين هي من صلب الدين إذن لا ينبغي أن يكون التأصيل نظرياً بحتاً أو عقلياً مجرداً أو بعيداً عن المصدر الأساس للتأصيل.

إن التأصيل الشرعي الصحيح ينبغي أن يكون مقيداً بما جاء في التنزيل.

أما أن يبتعد التأصيل عن المصدر ويكون مقيداً بأجواء الصراع وعبارة عن ردود أفعال متقابلة أفرزها ذلك الصراع، وليس أفعالاً أصيلة نابعة من المصدر الأساس (الوحي)- فهذا هو السبب الحقيقي الذي أوقع الأقدمين في تلك الأخطاء الجوهرية وهو أحد الأسباب الكبرى للتخبط الفكري المزمن لأن قواعد الانطلاق غير صحيحة أو .. غير دقيقة.

إن السبب الأساس الذي أوقعهم في ذلك الخطأ الفادح أنهم جعلوا مناط تأصيلهم كون المسألة عقدية أم عبادية، ولو جعلوا مناطه كون المسألة أصولية أم فروعية لكانوا قد أصابوا عين الحقيقة.

حقيقة الخلل المنهجي القديم

إن الفريق الذي قال بحجية أحاديث الآحاد في العقيدة أخطأ في التأصيل ، وإن أصاب – عرضاً - في التطبيق .

أما خطأه: فلأن القاعدة التي استند اليها تحتاج -لكي تصح أو تعتدل- إلى تقييد فكان ينبغي أن يقول: إن أحاديث الآحاد حجة في فروع العقيدة كما هي حجة في فروع الشريعة فلا حاجة لاشتراط التواتر.

فالخطأ في الاطلاق ولو قيدوا - فقالوا: إن فروع العقيدة تثبت بأحاديث الآحاد - لأصابوا تماماً.

وأما صواب هذا الفريق في التطبيق: فلأن القضايا التي طبق عليها هذه القاعدة - في غالبها - فروعية، والفروع يسوغ في إثباتها الظن ولا يشترط لها القطع.

أما الفريق الذي قال باشتراط التواتر في العقيدة فقد أخطأ في التطبيق وإن قارب الإصابة في التأصيل. ولقد وقع هذا الفريق في عدة أخطاء:

الأول : أنه طبق هذه القاعدة على فروع، والفروع لا تحتاج الى القطع فلا حاجة الى التواتر.

والثاني : أنه ساوى بين الدليل القرآني والدليل الروائي في تطبيقه لهذه القاعدة على أصول العقيدة فلم يهتد الى أن الأصول لا بد لها من النص القرآني لأنه لا وجود في شرعنا لأصلٍ لم يذكر ابتداءً في القرآن، فيصير القول بإثبات أصول العقيدة بمتواتر الحديث لا حاجة فيه، ولا معنى له لاستغنائنا عنه بالقرآن.

إضافة الى أنهم - كالفريق الأول - فرقوا بين العقيدة والعمل. دون أن ينتبهوا إلى

أن الفرق ينبغي أن يكون بين أصول العقيدة وفروعها. وليس بين ما هو عقيدي وعملي.

خلاصة القول: ان الفريقين فرقوا بين متشابهين وخلطوا بين مختلفين أي فرقوا بين ما لا يحتاج الى تفريق وخلطوا بين ما احتاج الى ذلك.

ولو اهتدى الفريقان الى اشتراط ثبوت أصول الدين (اعتقادية أم عبادية) بالنص القرآني القطعي الدلالة وجواز إثبات الفروع بالدليل الظني (قرآنياً كان أم حديثياً) لانحل الإشكال والتقيا في نقطة واحدة وخرجت جميع القضايا الفروعية الظنية من دائرة الصراع التي اتسعت وطال أمدها.

مخاطر إثبات العقيدة أو الأصول بمتواتر الروايات

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى: فإن إثبات العقيدة بمتواتر الروايات يكتنفه أمران سلبيان يتبين من خلالهما أن هذه القاعدة ليست فارغة فحسب وإنما خطرة وضارة جداً ألحقت بالعقيدة -بل الدين عموماً- أضراراً عظيمة:

الأمر الأول: أننا لا نحتاج الى الروايات (آحادها ومتواترها) في إثبات أصول العقيدة لاستغنائها عنها بصريح القرآن فما من أصل من أصول الاعتقاد وأساسياته إلا وهو مذكور صراحة في القرآن فيصبح القول بإثبات الأصول بمتواتر الروايات فضولاً لا حاجة فيه.

والأمر الثاني: أن هذا الفضول - الذي لا نحتاجه - فتح على العقيدة (والشريعة كذلك) أبواباً من الشرور لا تحصى!!! لأن هذه القاعدة غير منضبطة إذ المتواتر الروائي أمر نسبي يختلف فيه المحدثون الى حد أن فريقاً يحكم بالضعف على أحاديث يحكم لها فريق آخر بالتواتر! خذ مثلاً أحاديث المهدي([5]).

ولا يسلم الحكم بالتواتر أو نفيه من الهوى بل إن أصحاب الأهواء أسسوا فرقهم على روايات ادعوا لها التواتر. حتى روايات تحريف القرآن حكم كثير من علماء الإمامية لها بالتواتر!! كالطبرسي صاحب كتاب (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب) وغيره فضلاً عن حكمهم بتواتر روايات (الإمامة) … الخ.

وما من عقيدة شاذة إلا ووضعت لها روايات كثيرة حكم لها أصحابها بالتواتر!

إن القول بثبوت العقيدة – دون التفريق بين أصولها وفروعها - بمتواتر الروايات - فضلاً عن آحادها - باب كان - ولا زال- من أكبر أبواب الفتنة التي فتحت على الأمة في دينها وعقيدتها مع أننا مستغنون تماماً عن هذا الباب بما أكرمنا الله تعالى به من محكمات الكتاب.

والخطأ المنهجي الذي وقعنا فيه: أننا استمررنا على القواعد نفسها رغم إضرارها وعدم حاجتنا اليها!! مع عدم ملاحظة قصورها من ناحية واختلاف القضايا المطروحة للنقاش في طبيعتها من ناحية أخرى.

لقد صارت أغلب قضايا الصراع الفكري وعامة محاورها أصولية ولم تعد فروعية.. الإمامة مثلاً.

وهذا يستلزم قواعد جديدة مناسبة غير القواعد القديمة فكيف إذا لاحظنا أن هذه القواعد قاصرة في ذاتها وغير صالحة للتطبيق من أساسها.

إن المنهج الاستدلالي الحالي غير صالح للاعتماد.

إنه منهج جامد مستورد من زمان غير زماننا لا يمتلك المرونة التي تجعله يتكيف ليستوعب ما استجد من القضايا فضلاً عن أنه لم يكن متكاملاً من الأساس.

إنه منهج مستمد من أجواء الصراع -وهي وقتية- دون الاستناد الحقيقي على مصدر الهداية والاستمداد الحقيقي (أي القرآن) وإلا.. لدام بدوامه.

أصالة المنهج الجديد وديمومته

أما المنهج الذي نعتمده فصالح لكل زمان.. ولكل إشكال.

إنه يحل الإشكالات الماضية والمستجدة لأنه منهج أصيل في استمداده ويمتاز بالتكيف والمرونة في تطبيقه.

إن اتباع هذا المنهج هو السبيل الوحيد لإشاعة الوحدة الدينية بين الطوائف الإسلامية أو -على الأقل- التفريق بوضوح تام بين الجماعة التي تمثل الإسلام و .. الطوائف التي خرجت على الجماعة الأم وشذَّت عن الصراط المستقيم.

الفصل الثالث

القرآن يؤسس منهج النظر في الدليل قبل الدلالة

قال تعالى: }هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيات مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ{ . في هذه الآية يقسم الله جل وعلا آيات كتابه قسمين:

 قسم منها محكم لا اشتباه أو احتمال فيه هو الأم والمرجع.

2. وقسم متشابه ذم الله اتباعه واعتماده كما قال إتماما على بداية الآية: }َفأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ{ (آل عمران:7).

وهذا معناه: إن الدليل إذا كان نصاً متشابها لم يصلح أن يكون دليلاً وأن الدليل الصالح للاعتماد هو النص المحكم الواضح في دلالته.

وهذا هو المفتاح الذي أريد الاعلان عنه و(الدعاية) له.

وقال عن أصحاب الكهف: }هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا{ (الكهف:15). والسلطان البيّن: هو الدليل الواضح الذي لا شبهة فيه، القوي الذي يتسلط على العقول فيقنعها فلا تستطيع رده أو التفلت منه، فما لم يكن كذلك - أي كان متشابها محتملاً - فليس بدليل إنما هو افتراء على الله! لأن الدين وتشريع العقائد من شأن الله وحده، والله تعالى لم ينزل في الشرك سلطاناً بيناً أو حجة قاطعة فهو باطل وإن زخرفته العقول واستحسنته الآراء أو استحبته النفوس بالأهواء.

وهذه الآية تعبر عن قِدَم هذا المنهج وعمقه في تاريخ الدين، وأن أهل الحق منذ القديم يعرفونه ويحتجون به!

وقال سبحانه: }أَفَرَأَيْتُمْ اللاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخرَى * أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ{ (النجم: 19-22). فليس هناك من سلطان نازل من عند الله أي نص قاطع او حجة بينة محكمة إنما هي ظنون اتبعوها وأسماء هم اخترعوها بلا دليل معتبر، لذلك عقب الله تعالى عليها بقوله: }إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَْنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى{ (النجم:22) ثم قال: }إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُْنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا{ (النجم/28،27). والظن الذي ذم المشركين على اتباعه هنا هو المتشابه نفسه الذي ذمهم على اتباعه هناك.

وقال: }أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ{ (الطور/38). والسلطان المبين هو الخبر الذي يسمع من الملأ الأعلى عن الله جل وعلا.

وقال عن اليهود الذين}قَالُوا لَنْ تَمَسنا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً{ :  }قُلْ أتخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا{ فطالبهم بالدليل عن الله ، ثم عقب قائلاً: }أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{ (البقرة/80).

وقال مبطلاً حجة النصارى في ألوهية عيسى u : }وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ{ (المائدة/116).

فإذا كان لهم على ما يدعون نص محكم قاله نبيهم فهم معذورون، أما أن عيسى إله أو ابن إله لأنه ولد من غير أب، فهذا اتباع للمتشابه وليس قولا أو نصاً صريحا نازلاً من عند الله، وقال وهو يرد عليهم اعتقادهم في صلب المسيح u : }وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً{ (النساء: 157).

ورد على المشركين قولهم: }لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ{ قائلاً: }قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ{ (الأنعام/148).

وقال: }وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ{ ثم رد هذه الدعوة بقوله: }أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ{ (الروم/35،33).

أي إن أساسيات الاعتقاد لا بد لها من دليل منزل من عند الله يتكلم بها صراحة

ويدل عليها بوضوح دون لبس أو اشتباه: (فهو يتكلم) لا يحتاج إلى من يُقوِّله أو يفسره.

وذكر الله تعالى أن أكثر الناس يتبعون في أصول دينهم أدلة ظنية. كما في قوله: }وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَْرْضِ يُضلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ{ (الأنعام/116).

فأدلتهم ظنية متشابهة.. غير صالحة للاستدلال.

([1]) لا أقصد بـ(الأصول) المعنى الاصطلاحي المتعارف عليه من أنها أصول الاعتقاد الثلاثة (التوحيد والنبوة والمعاد) أو الخمسة – عند البعض - فقط . وإنما أقصد به – إضافة الى هذا - جميع المسائل الأساسية التي يقوم عليها الدين، والتي ينبني على وجودها مصالح عظيمة لا غنى عنها، وينتج عن الاختلاف فيها مفاسد عظيمة لا بد منها كالصلاة والزكاة والجهاد وتحريم أمهات الحرام كالقتل والزنا السرقة والربا، بغض النظر عن كون المسألة أصولية في حقيقتها، أم أنها جُعلت كذلك، أي أعطاها أصحابها هذه المنزلة. وإلى هذا أشار الإمام الشاطبي بقوله: (إن المراد بالأصول القواعد الكلية كانت في أصول الدين، أو في قواعد الفقه أو غير ذلك من معاني الشريعة الكلية لا الجزئية، وعند ذلك لا نسلم أن التشابه وقع فيها البتة وإنما وقع في فروعها) [الموافقات 3/66].                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                         

وقوله: (إن الأصل – على كل تقدير - لا بد أن يكون مقطوعاً به لأنه إذا كان مظنوناً تطرق إليه احتمال الخلاف، ومثل هذا لا يجعل أصلاً في الدين، عملاً بالاستقراء) [الموافقات 1/11].

وهذا أقرب الى طريقة القرآن ومقاصده منه الى مناهج المتكلمين: فالله تعالى حين ذكر أصول الهداية في بداية كتابه جمع بين الإيمان بالغيب وإنزال الكتب، وبين إقامة الصلاة وأداء الزكاة وداخل بينها دون فصل فقال: }الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{ (البقرة:1-5).

فكل هذه الأمور - اعتقادية كانت أم عملية – من أساسيات الهداية التي ينبني عليها مصالح عظيمة لا غنى عنها، وينتج عن الاختلاف فيها مفاسد عظيمة لا بد منها. ولذلك أعبر عنها أحياناً بلفظ (أساسيات) أو (ضروريات) بدلاً من لفظ (أصول).

([2]) خذ مثلاً مسألة رؤية الله تعالى فقد انقسم المسلمون فيها قسمين:

1. فمنهم – كالمعتزلة - قال بعدم إمكانية الرؤية مطلقاً لا في الدنيا ولا في الآخرة.

واحتجوا بحجج عقلية ونقلية، كقوله تعالى: }لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ{ (الأنعام:103) قالوا: الإدراك هو الرؤية.

2. ومنهم من قال برؤيته وهم عموم (السلف)، وأولهم الصحابةy. وهؤلاء انقسموا فريقين:

أ- فريق قال بجواز رؤيته في الدنيا والآخرة كابن عباسt.

ب- وفريق قال بجوازها في الآخرة فقط كأم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها).

وسبب الاختلاف من الأساس: أن النصوص الواردة في (الرؤية) يوجد في ظاهرها تعارض يحتاج إلى تدبر ونظر دقيق للوصول إلى المقصد النهائي منها.                                   

فالذين أثبتوا (الرؤية) استدلوا بنصوص عديدة من القرآن والسنة كقوله تعالى: }وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ{ (القيامة:22،23) والنظر إلى الشيء رؤيته قطعاً. لكن أشكل على      =

= سواهم قوله تعالى: }لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ اْلأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ{ (الأنعام:103).

وقد احتجت السيدة عائشة (رضي الله عنها) بهذه الآية على نفي رؤية النبي r ربه ليلة الإسراء كما جاء في صحيح الإمام مسلم عن مسروق قال: كنت متكئاً عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية. قلت: وما هن؟ قالت: من زعم أن محمداً r رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال: وكنت متكئاً فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني. ألم يقل الله عز وجل: }وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ{ (التكوير:23) }وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى{ (النجم:13)؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله r فقال: (إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض). فقالت: أولم تسمع أن الله يقول: }لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبيرُ{ (الأنعام:103) ؟

وفي رواية أخرى في صحيح مسلم أيضاً: عن مسروق قال: سألت عائشة: هل رأى محمد r ربه؟ فقالت: سبحان الله لقد قفَّ شعري لما قلت … وساق الحديث بقصته.

أما ابن عباس t فالظاهر من كلامه أنه r رآه بقلبه كما جاء في صحيح مسلم أيضاً.

فمن فسر (الإدراك) بـ(الرؤية) أشكل عنده الأمر لتعارض النصين: (الإدراك والنظر). فكلاهما يعني (الرؤية) لكن أحدهما مثبت والآخر منفي! فلا بد من الجنوح إلى التأويل درءاً للتعارض، وحلاً للإشكال.

وهنا تختلف أنظار الخلق تبعاً لاختلاف عقولهم وعلومهم: فمنهم من يجعل قوله تعالى:}لا تُدْرِكُهُ الأبْصَار{، وقوله لموسى u: }لَنْ تَرَانِي{(الأعراف: 143) أصلاً يؤول إليه ما عداه مما يعارضه – ولو تأويلاً متعسفاً - ليتوافق معه ويرد لأجله جميع الأحاديث المعارضة. ولما كانت هذه الأحاديث صحيحة لا غبار عليها، لجأ إلى موضوع (الآحاد والمتواتر) فادعى أنها أحاديث آحاد أي ظنية، والظن لا يعتمد – كما يدعي - هنا.

ومنهم من عكس الأمر. فجعل من قوله تعالى: }وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ*إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ{ أصلاً معتمداً ترد إليه النصوص المعارضة فأثبت (الرؤية).

وهؤلاء منهم من قال: إن النصوص النافية مخصصة بالدنيا دون الآخرة، ومنهم من فرق بين (الرؤية) و (الإدراك) فقال: لا تلازم بين عدم الإدراك وعدم الرؤية وفسر الإدراك بالإحاطة. فالمدينة تراها ولا تدركها أي لا تحيط بها بصراً، وإن رأيت بعضها فالله سبحانه }لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ{ أي لا تحيط به وإن رأته، ودعم هذا الصنف رأيه بالأحاديث الصحيحة وقال بتواترها، أو لم يشترط لها التواتر لأن أحاديث الآحاد عنده حجة بذاتها. وأما قول الله تعالى لموسىu : }لَنْ تَرَانِي{ فهذا في الدنيا على الحالة التي عليها موسى u . أما في الآخرة فسينشئه الله نشأة أخرى يمكنه بها    = 

= من رؤيته سبحانه.

والكلمة الفصل في هذه المسألة – والله أعلم - أن الأصل والأساس العظيم في توحيد الأسماء والصفات هو: إثبات صفات الكمال لله تعالى كما جاءت في الكتاب والسنة، وتنـزيهه عن صفات النقص كما قال سبحانه: }وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ{ (الروم: 27) وقال:  }وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى{ (الأعراف: 180) وقال: }لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ{(الشورى:1). وقال: }سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ{ (الصافات:180).

و(الرؤية) فرع عن هذا الأصل، والنصوص القرآنية التي وردت بإثباتها طرأ عليها إشكال وقام بوجهها معارض سبب هذا الاختلاف، ودليل فرعيتها أن نصوصها المثبتة –رغم وضوحها- لم تسلم من معارض لها يوجب تأويلها عند البعض فعادت هذه النصوص ظنية ولو بدرجة ضعيفة فلم تكتسب القطعية التي هي أساس الأصول. والفروع يصح بناؤها على الأحاديث النبوية الصحيحة (آحادها ومتواترها). وقد صرحت كثير من الأحاديث برؤية الله تعالى في الآخرة فهو يرى في الجنة ورؤيته فيها هو أعظم ما فيها من نعيم. ولكون المسألة فروعية، ولورود الإشكال في نصوصها بصورة من الصور؛ فلا يصح تكفير منكر (الرؤية) متأولاً كما يكفر منكر الصلاة أو الزكاة. كذلك لا يصح الإنكار على مثبتها. ولذلك كان عطاء ومجاهد -وهما من كبار علماء التابعين وسلف الأمة، ومن تلاميذ ابن عباس- لا يؤمنان برؤية الله مطلقاً لا في الدنيا ولا في الآخرة! ومع ذلك لم ينسبهما أحد من العلماء إلى بدعة أو كفر. بينما إنكار أصل من الأصول يستوجب الكفر، بل إنكار الفروع الثابتة بدليل قطعي يستوجب ذلك. 

([3]) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب.

([4]) الموافقات 4/115، 116.

([5]) من العلماء من أنكر وجود أحاديث متواترة أصلاً، واعتبرها مسألة نظرية بحتة. يقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور [تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة ص50-51]: (ليس بين أيدينا الآن من المتواتر غير القرآن وماهو معلوم من الدين بالضرورة. وأما الأحاديث المتواترة فقد قال علماؤنا: ليس في السنة متواتر لتعذر وجود العدد الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب في جميع اصول الرواة بيننا وبين رسول الله r ، وإنما أكثر الأحاديث رواةً لا يعدو أن يكون من المستفيض كما تقرر في أصول الفقه. من أجل ذلك لا تجد علماء أصول الدين مشتغلين بهذه المسألة). وقال الشيخ عبد القادر بن أحمد الدمشقي المعروف بابن بدران في [العقود الياقوتية في جيد الأسئلة الكويتية] طبقاً لما نقله عنه الدكتور عداب الحمش في [المهدي المنتظر في روايات أهل السنة والشيعة الإمامية ص173]:= = (إن الأحاديث المتواترة قليلة جداً لا تكاد توجد في رواياتهم، ومن ثم قال ابن الصلاح: المتواتر يعز وجوده إلا أن يُدّعى ذلك في حديث: ((من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))، وأنكر ابن حبان وجود حديث مستكمل لشروط التواتر، وذكر الحافظ ابن حجر منها حديث الشفاعة والحوض ورؤية الله تعالى في الآخرة، ولم أجد أحداً قطع بصحة أحاديث المهدي فضلاً عن القول بتواترها). 

تتمة الكتاب في المرفق ..

عدد مرات القراءة:
998
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :