آخر تحديث للموقع :

الجمعة 12 رجب 1444هـ الموافق:3 فبراير 2023م 10:02:34 بتوقيت مكة

جديد الموقع

في إمامة عليّ رضي الله عنه ..

قال الرافضي : (( إن الإمامية لما رأوا فضائل أمير المؤمنين وكمالاته لا تحصى ، قد رواها الموافق والمخالف ، وأراوا الجمهور قد نقلوا عن غيره مطاعن ولم ينقلوا في عليّ طعنا ، اتبعوه وجعلوه إماماً لهم وتركوا غيره. فنذكر منها شيئاً يسيراً مما هو صحيح عندهم ! ليكن حجة عليهم يوم القيامة ، فمن ذلك ما رواه أبو الحسن الأندلسي في الجمع بين الصحاح الستة عن أم سلمه أن قوله تعالى : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت }( الأحزاب 33 ) نزلت في بيتها وهي جالسة عند الباب ، فقلت : يا رسول الله ألست من اهل البيت ؟ فقال : (( إنك إلى خير ، إنك من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم )) ، قالت : وفي البيت عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، فجلَّلهم [ بكساء ] ( 1 ) وقال : (( اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهبْ عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً )) . فنقول : الأحاديث الثابتة في الفضائل لأبي بكر وعمر أكثر وأعظم [ من الفضائل الثابتة لعلي ] ( 1 ) . ثم أكثر الأحاديث التى أوردها [ وذكر أنها ] ( 1 ) في معتمد قول الجمهور من أبين الكذب [ على علماء الجمهور ] ( 1 ) ، ما صحَّ منها فيه ما يدل على فضل عليّ علىَ أبي بكر وغيرُ عليّ فيها مشارك ، وأما فضائل الشيخين فخصائص [ لهما لا سيما فضائل أبي بكر فإن عامتها خصائص لم يشركه فيها غيره] ( 1 ) [ وأما ما ذكره من ] ( 2 ) المطاعن فلا يمكنه أن يوجه على الثلاثة من مطعن إلا وَجَّه الناصبيُّ على عليّ مثله.[ وأما قوله : (( إنهم جعلوه إماماً لهم حيث نزهه المخالف والموافق ، وتركوا غيره يروي فيه من يعتقد إمامته من المطاعن ما يطعن في إمامته )) فيقال : هذا كذبُ بيّن ، فإن علياً رضي الله عنه لم ينّزهه المخالفون بل القادحون في عليّ طوائفُ متعددة ، وهم أفضل من القادحين في أبي بكر وعمر وعثمان  ?ماماً معصوماً( 4 ) ، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ليس في الأمة من يقدح فيهما إلا الرافضة( 5 ) ، والخوارج المكفرون لعليّ يوالون أبا بكر ويترضَّون عنهما ، والروانية الذين ينسبون علياً إلى الظلم ويقولون إنه لم يكن خليفة ، يوالون أبا بكر وعمر مع انهما ليسا من أقاربهما ، فكيف يقال - مع هذا - إن علياً نزهه الموافق والمخالف بخلاف الخلفاء الثلاثة ؟ ومن المعلوم أن المنزهين لهؤلاء أعظم وافضل ، وأن القادحين في عليّ حتى بالكفر والفسوق طوائف معروفة ، وهم أعلم من الرافضة واديَّن ، والرافضة عاجزون معهم علماً ويداً ، فلا يمكن الرافضة أن تقيم عليهم حجة تقطعهم بها ، ولا كانوا معهم في القتال منصورين عليهم ، والذين قدحوا في عليّ رضي الله عنه وجعلوه كافراً وظالماً ليس فيهم طائفة معروفة بالردة عن الإسلام ، بخلاف الذين يمدحونه ويقدحون في الثلاثة ، كالغالية الذين يدَّعون إلهيته من النصيرية وغيرهم( 6 ) وكالاسماعيلية الملاحدة الذين هم شرَّ من النصيرية( 7 ) وكالغالية يدَّعون نبوته( 8 ) ، فإن هؤلاء كفار مرتدّون ، كفرهُهم بالله ورسوله ظاهر لا يخفى على عالم بدين الإسلام ، فمن اعتقد في بشر الإلهية ، او اعتقد بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبياً( 9 ) .... فهذه المقالات ونحوها مما يظهر كفر أهلها لمن لم يعرف الإسلام أدنى معرفة ، بخلاف من يكفّر علياً ويلعنه من الخوارج ، وممن قاتله ولعنه من أصحاب معاوية وبنى مروان وغيرهم ، فإن هؤلاء كانوا مقرين بالإسلام وشرائعه ، يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون رمضان ويحجون البيت العتيق ويحرمون ما حرَّم الله ورسوله ، وليس فيهم كفر ظاهر ، بل شعائر الإسلام وشرائعه ظاهرة فيهم معظَّمة عندهم ، وهذا أمر يعرفه كل من يعرف من عرف أحوال الإسلام ، فكيف يدَّعى - مع هذا - ان جميع المخالفين نزهوه دون الثلاثة ، بل إذا اعتبر الذين كانوا يبغضونه ويوالون عثمان ، والذين كانوا يبغضون عثمان ويحبون علياً ، وجد هؤلاء خيراً من أولئك من وجوه متعددة ... ولو تخلى أهل السنة عن موالاة عليّ رضي الله عنه ... لم يكن في المتوالين له من يقدر المبغضين له من الخوارج والأموية والمروانية ، فإن هؤلاء طوائف كثيرة ، ومعلوم أن شرَّ الذين يبغضونه هم الخوارج الذين كفّروه واعتقدوا أنه مرتد عن الإسلام واستحلوا قتله تقرباَ إلى الله تعالى ، حتى قال شاعر هم عمران بن حطان :
يا ضربةً من تقيّ ما أراد بهــــا إلا ليبلُغ من ذي العرش رضوانــاً
إني لأذكرُهُ يوماً فأحسبـــــــه أوفى البرية عند الله ميزانــــاً
فعارضه شاعرُ أهل السنة فقال :
يا ضربةً من شقيّ ما أراد بهـــا إلا ليبلُغ من ذي العرش خٌسرانــاً
إني لأذكره يوماً فألعنـــــــه لعنــاً وألعـن عِمـرانَ بن حِطَاناً

وهؤلاء الخوارج .. كانوا موجودين في زمن الصحابة والتابعين يناظرونهم ويقاتلونهم ، والصحابة اتفقوا على وجوب قتالهم ، ومع هذا فلم يكفرهم ، ولا كفرهم علّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأما الغالبية في عليّ رضي الله عنه فقد اتفق الصحابة وسائر المسلمين على كفرهم وكفَّرهم عليُّ بن أبى طالب نفسه وحرَّقهم بالنار .. وأما الخوارج فلم يقاتلهم عليُّ حتى قتلوا واحداً من المسلمين وأغاروا على أموال الناس فأخذوها ، فأولئك( 10 ) حكم فيهم عليّ وسائر الصحابة بحكم المرتدّين وهؤلاء لم يحكموا فيهم بحكم المرتدّين ، وهذا مما يبين أن الذين زعموا أنهم والوه دون أبى بكر وعثمان يوجد فيهم من الشرّ والكفر - باتفاق عليَّ وجميع الصحابة - مالا يوجد في الذين عادوا وكفَّروه ، وتبين أن جنس المبغضين لأبي بكر وعمر شرَّ - عند عليّ وجميع الصحابة - من جنس المبغضين لعليّ ] ( 11 ) .وحديث الكساء صححه الترمذي ، وأما مسلم فأخرجه من حديث عائشة قالت : ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مرطُ [ مرحَّل ] ( 12 ) من شعر أسود ، فجاء الحسن والحسين فأدخلهما معه ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء عليّ فأدخله ، ثم قال : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس } الآية )) . [ وهذا الحديث قد شركه فيه فاطمة وحسن وحسين رضي الله عنهم ، فليس هو من خصائصه ، ومعلوم أن المرأة لا تصلح للإمامة ، فُعلم أن هذه الفضيلة لا تختص بالأئمة ، بل يشركهم فيها غيرهم ] ( 13 ) ومضمونه الدعوة بأن يذهب الله عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً ، والصديق قد أخبر الله عنه ( في سورة الليل 17 - 18 ) ، أنه { الأتقى * الذي يؤت ماله يتزكى } ، وما دخل عليّ في الأتقى حينئذ لأنه لم يكن له مال حينئذ ، بل دخل فيها إذ فتحت خيبر وصار ذا مال .قال : وفي قوله تعالى { إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة } ( المجادلة 12 ) ، قال علي : (( ما عمل بهذه الآية غيري )) . فيقال : الآمر بالصدقة لم يكن واجباً على المسلمين حتى يكونوا عصاة بتركه ،وإنما أمر بها من أراد النجوى ، فاتفق أنه لم يُرد النجوى حينئذ إلا علي / فتصدق لأجلها ، وهذا كجواب الهَدْي لمن أراد المتعة( 14 ) ووجوبه على من أحصير( 15 ) ، ووجوب الفدية على من به أذى( 16 ) ووجوب الكفارة على من حنث( 17 ) ، ثم لم تطل مدة المر بالصدقة عند النجوى ، فلما اتفق ذلك إلا لعليّ رضي الله عنه فتصدق بدرهمين أو نحوهما ، وهذا أبو بكر قد تصدق مرة بماله كله واتى به النبي صل  ، ولو أشاء لبتُ في المسجد . وقال علي : لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس ، وأنا صاحب الجهاد ، فنزلت : { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله } ( التوبة 19 ) .
فيقال : [ هذا اللفظ لا يعرف في شيء من كتب الحديث المعتمد ، بل دلالات الكذب عليه ظاهرة ، منها أن طلحة بن شيبة لا وجود له ، وإنما خادم الكعبة هو شيبة بن عثمان بن [ أبي ] طلحة( 21 ) ، وهذا مما يبين لك أن الحديث لم يصح ، ثم فيه قول العباس : لو أشاء بتُ في المسجد ، فأي كبير أمر في مبيته في المسجد حتى يتبجح به ؟ ثم فيه قول عليّ : صليت ستة اشهر قبل الناس ، فهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة ، فإن بين إسلامه وإسلام زيد وأبي بكر وخديجة يوم أو نحوه ، فكيف يصلي قبل الناس بستة أشهر ؟ وأيضاً فلا يقول : أنا صاحب الجهاد وقد شاركه فيه عدد كثير جداً ] ( 22 ) فهذا الحديث موضوع ، ويردُّ عليه ما في صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رجل : لا أبالي أن أعمل عملاً بعد الإسلام ، إلا أن أسقي الحاج . وقال آخر : ما أبالي أن أعمل عملاً في الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام ، وذكر( 23 ) آخر الجهاد وقال هو أفضل مما قلتم ، فزجوهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يوم الجمعة - ولكن إذا صليت الجمعة دخلتٌ فاستفتيتهٌ فيما اختلفتم فيه ، فأنزل الله تعالى { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله } ، فهذا ليس من خصائص عليّ ، إذ الذين آمنوا وجاهدوا كثير ، وقد قال تعالى : { الذين أمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله } ( التوبة 20 ) ، ولا ريب أن جهاد أبي بكر بماله ونفسه أبلغُ من جهاد عليّ [ وغيره كما ] ( 23 ) قال النبي صلى الله عليه وسلم [ في الحديث الصحيح ] ( 24 ) (( إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر )) وقال عليه السلام : (( وما نفعني مالُ أبي بكر )) [ وأبو بكر كان مجاهداً بلسانه ويده ، وهو أولُ من دعا إلى الله ، وأول من أُوذي في الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأول من دافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان مشاركاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته وجهاده ، حتى كان هو وحده معه في العريش يوم بدر ، وحتى إن أبا سفيان يوم أحد لم يسأل إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر لما قال : أفيكم محمد ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا تجيبوه )) ، . فقال : أفيكم ابن أبي قحافة ؟ فقال النبي صلى اله عليه وسلم : (( لا تجيبوه )) . فقال : أفيكم ابن الخطاب ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا تجيبوه )) فقال : أما هؤلاء فقد كفيتموهم ، فلم يملك عمر نفسه فقال : (( كذبت يا عدو الله ، إن الذي عددت أحياء ، وقد أبقى الله لك ما يحزنك )) . ذكره البخاري وغيره ](25).
قال الرافضي : ومنها ما رواه أحمد بن حنبل أن أنساً قال لسليمان : سَلِ النبي صلى الله عليه وسلم من وصيةٌّ ؟ فسأله فقال : (( يا سليمان مَنْ كان وصيَّ موسى )) ؟ قال : يوشع ، قال (( فإن وصيي ووراثي عليّ )) ( 26 ) .
قلنا : [ هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث ، ليس هو في مسند الإمام أحمد بن حنبل ، وأحمد قد صنف كتاباً في فضائل الصحابة ذكر فيه فضل أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وجماعة من الصحابة ، وذكر فيه ما روي في ذلك من صحيح وضعيف للتعريف بذلك ، وليس كل ما رواه يكون صحيحاً ، ثم إن هذا الكتاب زيادات من رواية ابنه عبدالله ، وزيادات من رواية القطيعي عن شيوخه( 27 ) ، وهذه الزيادات التى زادها القطيعي غالبها كذب كما سيأتي ذكر بعضها ، وشيوخ القطيعي يروون عمن في طبقة أحمد ، وهؤلاء الرافضة جهال ، إذا رأوا فيه حديثاً ظنوا أن القائل لذلك أحمد بن حنبل ويكون القائل لذلك هو القطيعي وشيوخ القطيعي الذين يروون عمن في طبقة أحمد ، وكذلك في المسند زيادات زادها ابنه عبدالله لا سيما في مسند علي ابن أبي طالب رضي الله عنه فإنه زاد زيادات كثيرة ] ( 28 ) فالحديث من كذب الدجاجلة ، ولا حدَّث به - والله - أحمدُ ، فهذا مسنده ، بل وهذا الكتاب الذي وصفه في فضائل الصحابة .قال : (( وعن يزيد بن أبى مريم عن عليّ قال : انطلقت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصعد رسول الله على منكبي ، فذهبت لأنهض فرأى مني ضعفاً وجلس لي ، فصعدتٌ على منكبه فنهض بي حتى صعدت على البيت ، وعليه تمثال نحاس ، فجعلت أزاوله ، ثم قذفت به فتكسر ، وانطلقنا نستبق حتى توارينا )) .قلنا : إن صح هذا فما فيه شيء من خصائص الأئمة ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهو حامل أمامه بنت أبي العاص( 29 ) على منكبيه ، وسجد مرة فجاء الحسن فارتحله [ فإذا كان يحمل الطفلة والطفل لم يكن في حمله لعلي ما يوجب أن يكون ذلك من خصائصه ، وإنما حمله لعجز عليّ عن حمله ، فهذا يدخل في مناقب رسول الله صلى الله عليه ويلم أعظم من فضيلة من يحمله النبي صلى الله عليه وسلم ، كما حمله يوم أحد من حمله من الصحابة مثل طلحة بن عبيد الله ، فإن هذا نفع النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعلوم أن نفعه بالنفس والمال أعظم من انتفاع الإنسان بنفس النبي صلى الله عليه وسلم وماله ] ( 30 ) .قال( 31 ) : (( وعن ابن أبي ليلى قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : الصديقون ثلاثة : حبيب النجار ومؤمن آل فرعون ، وعليّ وهو أفضلهم )) .قلنا : وهذا كذب ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف أبا بكر بأنه ((صديق)) ، وصح من حديث ابن مسعود مرفوعاً : (( لا يزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً )) فالصديقون بهذا كثير ، وقال تعالى في مريم وهي امرأة : { وأمهُ صِديقةٌٌ } ( المائدة 75 ) .قال ( 31 ): (( وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي : أنت مني وأنا منك )) . قلنا : نعم ، أخرجاه في الصحيحين من حديث البراء [ لما تنازع عليّ وجعفر وزيد في ابنة حمزة فقضى بها لخالتها وكانت تحت جعفر وقال : أنت مني وأنا منك ] ( 32 ) وقال لجعفر : أشبهت خلقي وخلقي ، وقال لزيد : أنت أخونا ومولانا ، [ لكن هذا اللفظ قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم لطائفة من أصحابه ] ( 33 ) وفي الصحيحين من حديث أبى موسى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأشعريين : (( هم مني وأنا منهم )) ( 34 ) .
قال( 25 ) : (( وعن عمرو بن ميمون قال : لعليّ / عشر فضائل ليست لغيره : قال له النبي صلى الله عليه وسلم لأبعثن رجلاً لا يخزيه الله أبداً ، يحبُ الله ورسوله [ ويحبه الله ورسوله ، فاستشرف لها من استشرف ، فقال : أين عليُّ بن أبي طالب ؟ قالوا : هو أرمد في الرحى يطحن وما كان أحد يطحن ، فجاء وهو أرمد لا يكاد أن يبصر ، قال فنفث في عينيه ، ثم هز الراية ثلاثاً وأعطاها إياه فجاء بصفية بنت حُيي . قال : ثم بعث أبا بكر بسورة براءة ، فبعث علياً خلفه وقال : لا يذهب بها إلا رجل هو مني وأنا منه ، وقال لبني عمه : أيكم يواليني في الدنيا والآخرة ؟ قال وعليّ جالس معهم فأبوا ، فقال عليّ : أنا أواليك في الدنيا والآخرة ، قال فتركه ثم أقبل على رجل رجل منهم فقال : أيكم يواليني في الدنيا والآخرة ؟ فأبوا ، فقال عليّ : أنا أواليك في الدنيا والآخرة ، فقال أنت وليي في الدنيا والآخرة . قال : وكان عليّ أول من اسلم من الناس بعد خديجة . قال : وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه فوضعه على عليّ وفاطمة والحسن والحسين فقال : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } ، قال وشرى عليّ نفسه ولبس ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام مكانه ، وكان المشركين يرمونه بالحجارة ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس في غزاة تبوك ، فقال له علي : أخرج معك ، فقال : لا ، فبكى عليّ ، فقال له : أما ترضى أن تكون إلا وأنت خليفتي ، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت وليي في كل مؤمن بعدي ، قال : وسدَّ أبواب المسجد إلا باب علي ، قال وكان يدخل المسجد جُنٌباً وهو طريقه ليس له طريق غيره ، وقال له : من كنت مولاه فعليّ مولاه . وعن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً أنه بعث أبا بكر في براءة إلى مكة فسار لها ثلاثاً ثم قال لعليّ : الحقه فردَّه وبلغها أنت ، ففعل ، فلما قدم أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم بكى وقال : يا رسول الله حدث في شيء ؟ قال : لا ، ولكن أُمرتٌ أن لا يبلغها إلا أنا أو رجل مني )) ( 26 ) .قلنا : هذا [ الخبر ] مرسل( 27 ) لو ثبت عن عمرو بن ميمون . ومنه ألفاظ منكرة منها : لا ينبغي أن أذهب وأنت خليفتي ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف غيره غير مرة .


وكذلك قوله( 28 ) : (( سدوا الأبواب إلا باب عليّ )) فإنه من وضع الشيعة . فإن في الصحيحين من حديث أبي سعيد [ الخدري ] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي مات فيه : (( إن أمن الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر ، و ] ( 39 ) لو كنت متخذاً خليلاً لأتخذت أبا بكر ، ولكن أخوَّة الإسلام مودَّته ، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سُدَّتْ إلا خوخة أبي بكر )) . رواه ابن عباس في الصحيحين ومنه قال( 40 ) (( أنت وليي في كل مؤمن بعدي )) فهذا موضوع [ باتفاق أهل المعرفة بالحديث ] ( 41 ) . وباقي الحديث ليس هو من خصائصه ، مثل كوزنه يحب الله ورسوله( 42 ) ، واستخلافه على المدينة( 43 ) ، وكونه بمنزلة هارون من موسى( 44 ) ، ومثل كون براءة لا يبلغها إلا هاشمي إذْ كانت العادة جارية بأنه لا ينقض العهود إلا رجل من قبيلة المطاع( 45 ) .قال( 40 ) : (( ومنها رواه أخطب خوارزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا علي لو أن عبداً عبدالله مثل ما أقام نوح في قومه وكان له مثل أحد ذهباً فأنفقته في سبيل الله وحج ألف مرة على قدميه ثم قتل بين الصفا والمروة مظلوماً ثم لم يوالك لم يشمَّ رائحة الجنة ولم يدخلها )) . فيقال : أخطب خوارزم هذا له مصنف في هذا الباب( 46 ) فيه من المكذوبات مالا يوصف وهذا والله منها .

قال ( 47 ): (( وقال رجل لسلمان ما أشد حبك لعلي . قال : سمعت نبي الله يقول من أحبه فقد أحبني )) . وعن أنس مرفوعاً : خلق الله من نور وجه عليّ سبعين ألف ملك يستغفرون له ولمحبيه إلى يوم القيامة ، وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من احب علياً قبل الله منه صلاته وصيامه [ وقيامه واستجاب دعاءه ، ألا ] ( 48 ) ومن أحب عليا أعطاه / الله بكل عِرْق من بدنه مدينة في الجنة ، ألا ومن أحبَّ آل محمد أمن الحساب والميزان والصراط ، [ ألا ومن مات على حب آل محمد فأنا كفيله في الجنة مع الأنبياء ] ( 48 ) ، ومن أبغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه : أيس من رحمة الله . وهن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل : بأي لغة خاطبك ربك ليلة المعراج ؟ قال : خاطبني بلغة عليّ ! فألهمني أن قلت : يارب ، [ أنت ] خاطبتني أم علي ؟ فقالقلام والبحر مداد والجن حُسّاب والإنس كَّتاب ما أحصوا فضائل عليّ . وقال : إن الله جعل الأجر على فضائل عليّ لا تحصى ، فمن ذكر فضيلة من فضائله فقرأها غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر والنظر إلى وجهه عبادة ، وذكره عبادة ، لا يقبل الله إيمان عبد إلا بولايته والبراءة من أعدائه ، وعن حكيم بن حِزام مرفوعاً : لمبارزة عليّ عمرو ابن ودّ [ يوم الخندق ] ( 49 ) أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة )) .قلنا : هذه الأحاديث - والله العظيم - كذبّ يلعن الله من افتراها ، ولُعن من لا يحبُّ عليا . وأنت( 50 ) قد قدمت أنك لا تذكر إلا ما هو صحيح عندنا ، فمن أين جئت بهذه الخرافات ؟! ولكنا تيقنا بأن الرافضة أجهل الطوائف وأكذبهم ، وأنت زعيمهم وهذا حالهم !قل : (( وعن سعد [ بن أبي وقاص ] ( 49 ) أن معاوية أمره بسب عليّ فأبي ، فقال : ما يمنعك ؟ قال : ثلاث قالهن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لأن تكون لي واحدة منهم أحب إلى من حُُمر النعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعليّ وقد خلفه في بعض مغازيه فقال : تخلفني مع النساء والصبيان ؟ فقال : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون بن موسى إلا أنه لا نبي بعدى ، وسمعته يول / : لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ، فتطاول لها الناس فقال : ادعوا لي علياً فأتاه ، فبصق في عينيه ودفع إليه الراية ففتح الله عليه وأنزلت هذه الآية الكريمة : { فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم } ( آل عمران 61 ) ، فدعا رسول الله علياً وفاطمة والحسن والحسين فقال : هؤلاء أهلي )) .قلنا : أما هذا فصحيح رواه مسلم وسقته بجهلك بين الموضوعات ، كمن نظم درة بين بعر . ولكن هذه المناقب ليست من خصائصه فإنه استخلف جماعة على المدينة ، وتشبيهه بهارون ليس بأعظم من تشبيهه أبي بكر بإبراهيم وعيسى ، وتشبيه عمر بنوح وموسى( 51 ) . [ فإن هؤلاء الأربعة أفضل من هارون ، وكل من أبي بكر وعمر شبه بأثنين لا بواحد ، فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه علي ، مع أن استخلاف عليّ له فيه أشباه وامثال من الصحابة ، وهذا التشبيه ليس لهذين فيه شبيه ، فلم يكن الاستخلاف من الخصائص ولا التشبيه بنبي في بعض أحواله من الخصائص ] ( 52 ) . وفي الحديث رد على النواصب الذين لا يتلونه ولا يحبونه ، وعلى الخوارج الذين كفروه ، لكن هذا لا يتم على قول الرافضة الذين جعلوا النصوص الدالة على فضل الصحابة كانت فقبل ردتهم ، فإن الخوارج كذا تقول في عليّ ، وهذا باطل( 53 ) ، لأن الله لا يحب ولا يرضى عمن يعلم أنه يموت كافراً ، وكذا المباهلة شاركه فيها والده . فإن قيل : فلم تمنى سعد واحدة منهن ؟ قيل : لأن شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ ظاهراً وباطناً بالإيمان ، والنبي صلى الله عليه وسلم إذا شهد لمعين بشهادة كانت من أعظم مناقبه ، كما صلى صلى الله عليه وسلم على ميت فقال (( اللهم اغفر له ورحمه وعافه واعف عنه .... الخ )) قال عوف بن مالك : فتمنيت أن أكون أنا ذلك الميت . وهذا الدعاء لم يكن مختصاً بذلك الميت .قال : (( وعن عامر بن واثلة قال : قال : قال عليّ يوم الشورى( 54 ) : لأحتجن عليكم بمالا يستطيع أحد تغيير ذلك ، ثم قال : أنشدكم بالله أفيكم أحد وحد الله قبلي ؟ قالوا : اللهم لا .....)) وذكر الحديث بطوله( 55 ) وفيه : (( فأنشدكم بالله هل فيكم أحد سلم عليه واحدة ثلاثة آلاف من الملائكة وجبريل وميكال وإسرافيل حيث جئت بالماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من القليب غيري ؟ قالوا : اللهم لا )) / ومنه : (( ما رواه أبو عمر الزاهد عن ابن عباس قال : لعليّ أربع خصال ليست لأحد من الناس غيره : هو أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي كان معه لواؤه في كل زحف ، وهو الذي صبر معه يوم حنين ، وهو الذي غسله وأدخله قبره . وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مررت ليلة المعراج بقوم تشر شر أشداقهم ، فقلت [ يا جبريل ] ( 56 ) من هؤلاء ؟ قال هؤلاء قوم يقطعون الناس بالغيبة ، قال : مررت بقوم قد ضوضوا( 57 ) فقلت لجبريل : من هؤلاء ؟ قال : الكفار . ثم عدلنا عن الطريق ، فلما انتهينا إلى السماء الرابعة رأيت علياً يصلي ، فقلت : يا جبريل من هذا ؟ عليّ قد سبقنا ؟ قال : لا ، ليس هذا علياً بل اشتاقت الملائكة إلى رؤيته [ لما سمعوا مناقبه وخاصة قول النبي صلى الله عليه وسلم أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ] ( 58 ) فخلق الله ملكاً على صورته . وعن ابن عباس قال : إن المصطفي قال ذات يوم : أنا الفتى ابن الفتى أخو الفتى [ يعني علياً ، وهو معنى قول جبريل في يوم بدر وقد عرج إلى السماء وهو فرح وهو يقول : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا عليّ ] ( 58 ) . وعن ابن عباس قال : رأيت أبا ذر وهو متعلق بأستار الكعبة وهو يقول : من عرفني فقد عرفني ، وأنا أبو ذر ، ولو صمتم حتى تكونوا كالأوتار وصليتم حتى تكونوا كالحنايا ما نفعكم ذلك حتى تحبوا علياً )) .
فيقال : حديث واثلة كذب باتفاق الحفاظ ، وما قال عليّ يوم الشورى شيئاً من ذلك ، بل قال عبدالرحمن بن عوف : لئن أمرتك لتعدلن ؟ قال : نعم . قال : وإن بايعت عثمان لتسمعن وتطيعن ؟ قال : نعم . وقال مثل ذلك لعثمان . ومكث ثلاثة أيام يشاور المسلمين . وأما حديث ابن عباس فباطل ، فلواء النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد مع مصعب بن عمير باتفاق ، ولواؤه يوم الفتح كان مع الزبير ، أخرجه البخاري . ويوم حنين لم يكن أحد أقرب إلى بغلة النبي صلى الله عليه وسلم من عمه العباس [ وأبي سفيان بن الحارث ، والعباس ] ( 59 ) آخذ بركابه ، وأما [ ما ذكره عن ] المعراج فكذب سمج وفيه ما يبين وضعه ، وهو أن الكرويين لما سمعوا مناقبه قول النبي صلى الله عليه وسلم : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون / من موسى اشتاقت إلى علي ، فخلق لها ملكاً على صورة عليّ . فالمعراج كان بمكة من المسجد الحرام( 60 ) وقوله أما ترضى قاله له في غزوة تبوك [ وهي آخر الغزوات سنة تسع ] ( 61 ) ، وكذا خبر (( لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا عليّ )) كذب ، و(( الفتى )) ليس من أسماء المدح ولا الذم ، بل هو كقولك : الشاب والكهل ، وقول المشركين : { سمعنا فتى يذكرهم } ( الأنبياء 60 ) ، لم يقصدوا مدحه بذلك ، وحديث مواخاة النبي لعليّ وأبي بكر لعمر من الأكاذيب ، وأنما آخى بين المهاجرين والأنصار( 62 ) ، وذو الفقار سيف كان لأبي جهل غنمه المسلمون يوم بدر فلم يكن ذو الفقار يوم بدر من سيوف المسلمين ، وروى أحمد الترمذي من رواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل سيفه ذا الفقار يوم بدر ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعد النبوة كهلاً( 63 ) . وقول أبي ذر لم يصح ، مع أن حب عليّ فرض ، كما أن حب أبي بكر فرض ، وحب الأنصار فرض ، قال النبي صلى الله عليه وسلم (( آية الإيمان حب الأنصار )) وفي صحيح مسلم عن عليّ أنه (( لعهد النبي الأمي إلى أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق )) ( 64 ) .
قال : (( ومنها ما نقله صاحب الفردوس عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( حب عليّ حسنة لا تضر معها سيئة ولا تنفع معها حسنة )) ( 65 ) .قلنا : كتاب الفردوس [ مصنفه شيرويه ] ( 66 ) بن شهريار الديلمي المحدث فيه موضوعات جمة هذا منها ولا يقوله المصطفى المعصوم ، بل هذا المؤمن الذي يحب الله ورسوله ومع ذلك تضره السيئات ويحد في الخمر ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بضرب حمار في الخمر ، فسبه رجل ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( دعه فإنه يحب الله ورسوله )) ( 67 ) . وأيضاً فقد كان أبو طالب يحب ابنه علياً وضره الشرك حتى دخل النار . وهؤلاء الغلاة( 68 ) يزعمون أنهم يحبونه وهم من أهل النار ، وحب الرسول أعظم من حب عليّ ، ويدخل / خلق من محبيه النار ثم يخرجون بشفاعته .وكذلك الحديث الذي أورده عن ابن مسعود : حب آل محمد يوماً خير من عباده سنة موضوع . وحديث أنا وعليّ حجة الله على خلقه كذب أيضاً ، والله تعالى يقول : { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ( النساء 165 ) .وكذلك قوله : (( لو أجتمع الناس على حب عليّ لم تخلق النار )) فقد رأينا من محبيه من الإسماعيلية وغيرهم خلقاً من طعام ،ونحن نحبه ونخاف النار ، ثم خلق ممن صدق الرسل يدخلون الجنة وما عرفوا علياً .وكذلك الحديث الذي ذكره في العهد الذي عهده الله في علي ، وأنه راية الهدى ، وإمام الأولياء ، والكلمة التى ألزمها للمتقين . فصاحب الحلية قد روى في فضائل الأربعة عدة موضوعات( 69 ) وإنما كلمة التقوى (( لا إله إلا الله( 70 ) )) .قال الرافضي : (( وأما المطاعن في الجماعة( 71 ) فقد نقل أتباعهم منها كثيراً ، حتى صنف الكلبي كتاباً في مثالب الصحابة )) .
قلنا : الكلبي وابنه هشام كذابان رافضيان( 72 ) . [ وإن ما ينقل عن الصحابة من المثالب نوعان : ( أحدهما ) : إما كذب كله ، وإما محرف قد دخله من الزيادة والنقصان ما يخرجه إلى الذم والطعن ، وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب ، يرويها الكذابون المعروفون بالكذب : مثل أبي مخنف لوط بن يحيى( 73 ) ، ومثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، ولهذا استشهد هذا الرافضي بما صنفه هشام الكلبي في ذلك وهو من أكذب الناس ، وهو شيعي يروي عن أبيه وعن أبيه وعن أبي مخنف وكلاهما متروك كذاب . وقال الإمام أحمد في هذا الكلبي : ما ظننت أن أحداً يحدث عنه إنما هو صاحب سمر ونسب . وقال الدار قطني : متروك . وقال ابن عدي : هشام الكلبي الغالب عليه الأسمار ، ولا أعرف له في المسند شيئاً ، وأبوه أيضاً كذاب . وقال زائدة والليث وسليمان التيمي : هو كذاب . وقال يحيى : ليس بشيء ، كذاب ساقط . وقال ابن حبان : وضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه . ( النوع الثاني ) ما هو صدق ، وأكثر هذه الأمور لهم فيها معاذير تخرجها عن أن تكون ذنوباً وتجعلها من موارد الاجتهاد التى إن أصاب المجتهد فيها فله أجران وإن أخطأ فله أجر . وعامة المنقول الثابت عن الخلفاء الراشدين من هذا الباب ، وما قدر هذه الأمور ذنباً محققاً فإن ذلك لا يقدح فبما علم من فضائلهم وسوابقهم وكونهم من أهل الجنة ، لأن الذنب المحقق يرتفع عقابه في الآخرة بأسباب متعددة : ومنها التوبة الماحية ، وقد ثبت عن أئمة الإمامية أنهم تابوا من الذنوب المعروفة عنهم ، ومنها الحسنات الماحية للذنوب ، فإن الحسنات يذهبن السيئات ، وقد قال تعالى : { إن تجتنبوا كبئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } ( النساء 31 ) ، ومنها المصائب المكفرة ، ومنها دعاء المؤمنين بعضهم لبعض ، وشفاعة نبيهم . فما من ذنب يسقط به الذم والعقاب عن أحد من الأمة إلا والصحابة أحق بذلك ، قهم أحق بكل مدح ونفي كل ذم ممن بعدهم من الأمة .
ونحن نذكر ( قاعدة جامعة ) في هذا الباب لهم ولسائر الأمة فنقول : لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزيئات ليتكلم بعلم وعدل ، ثم يعرف الجزيئات كيف وقعت ، وإلا في كذب وجهل بالجزيئات ، وجهل وظلم في الكليات ، فيتولد فساد عظيم ، والناس قد تكلموا في تصويب المجتهدين وتخطئتهم ، تأثيمهم وعدم تأثيمهم ، في مسائل الفروع والأصول ، ونحن أصولاً جامعة نافعة . مسألة فيها نزاع ؟ وإذا لم يمكنه فاجتهد واستفرغ وسعه فلم يصل إلى الحق بل قال ما اعتقد أنه هو الحق في نفس الأمر - ولم يكن هو الحق في نفس الأمر - هل يستحق أن يعاقب أم لا ؟ هذا أصل هذه المسائل . وللناس في هذا الأصل ثلاثة أقوال ، كل قول عليه طائفة من النظار : ( الأول ) قول من بقول إن الله قد نصب على الحق في كل مسألة دليلاً يعرف به يمكن كل من اجتهد واستفرغ وسعه أن يعرف الحق ، وكل من لم يعرف الحق في مسألة أصولية أو فروعية فإنما هو لتفريطه فيما يجب عليه ، ولا لعجزه . وهذا القول هو المشهور عن القدرية والمعتزلة ، وهو قول طائفة من أهل الكلام عير هؤلاء .. و( القول الثاني ) في أصل المسألة أن المجتهد المستدل قد يمكنه أن يعرف الحق ، وقد يعجز عن ذلك . لكن إن عجز عن ذلك فقد يعاقبه الله وقد لا يعاقبه ، وهذا قول الجهمية والأشعرية وكثير من الفقهاء أتباع المذاهب الأربعة ...و( القول الثالث ) في هذا الأصل أنه ليس كل من اجتهد واستدل يتمكن من معرفة الحق ، ولا يستحق الوعيد إلا من ترك مأموراً أو فعل محظوراً . وهذا هو قول الفقهاء والأئمة وهو القول المعروف عن سلف الأمة وقول جمهور المسلمين ، وهذا القول يجمع الصواب من القولين .( الأصل الثاني ) قول من يقول : إن الله لا يعذب في الآخرة إلا من عصاه بترك المأمور أو فعل المحظور .. والأصل الذي عليه السلف والجمهور أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها ، فالوجوب مشروط بالقدرة ، والعقوبة لا تكون إلا على ترك مأمور أو فعل محظور بعد قيام الحجة .وقد ذكرنا في غير هذا الموضوع حكم الناس في الوعد والوعيد والثواب والعقاب ، وأن فاعل السيئات تسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب( 74 ) ، فإذا كان هذا الحكم في المجتهدين ، وهذا الحكم في المذنبين ، حكماً عاماً في جميع الأمة والمذنبين يندفع عنهم الذم والعقاب بما ذكر من الأسباب ، فكيف بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ؟ونحن نبسط هذا وننبه بالأدنى على الأعلى فنقول : كلام الذام للخلفاء ولغيرهم - من رافضي وغيره - هو من باب الكلام في الأغراض ، وفيه حق لله تعالى لما يتعلق به من الولاية والعداوة والحب والبغض وفيه حق للآدميين أيضاً ، ومعلوم أنا إذا تكلمنا فيمن هو دون الصحابة - مثل الملوك المختلفين على الملك ، والعلماء والمشايخ المختلفين في العلم والدين - وجب أن يكون الكلام بعلم وعدل ، ولا بجهل وظلم ، فإن العدل واجب لكل واحد على كل أحد في كل حال ، والظلم محرم مطلقاً لا يباح قط بحال ، قال تعالى : { ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } .. ( المائدة 8 ) فإذا كان البغض الذي أمر الله به قد نهى صاحبه أن يظلم من يبغضه ، فكيف في بغض مسلم بتأويل وشبهة أو بهوى نفس ، فهو أحق أن لا يظلم ، بل يعدل عليه .واصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق من عدل عليهم في القول والعمل ، والعدل مما أتفق أهل الأرض على مدحه والثناء على أهله ومحبتهم ، والظلم مما اتفق على ذمه وتقبيحه وذم أهله وبغضهم .. والمقصود أن الحكم بالعدل واجب مطلقاً : في كل زمان ومكان ، على كل أحد ولكل واحد ، والحكم بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم هو عدل خاص ، وهو أكمل أنواع العدل وأحسنها ، والحكم به واجب على النبي وكل من أتبعه ، ومن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر ، وهذا واجب الأمة في كل ما تنازعت فيه من الأمور الاعتقادية . والعملية ، قال تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ( النساء 59 ) ، فالأمور المشتركة بين الأمة لا يحكم فيها إلا الكتاب والسنة ، ليس لأحد أن يلزم الناس بقول عالم ولا أمير ولا شيخ ولا ملك ... وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : القضاة ثلاثة قاضيان في النار ، وقاض في الجنة ، فمن علم الحق وقضى به فهو في الجنة ، ومن علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ، ومن قضى للناس على جهل فهو في النار . وإذا حكم بعلم وعدل فإذا اجتهد فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجهين . وإذا وجب - فيما شجر بين المؤمنين - أن لا يتكلم إلا بعلم وعدل ، ويرد ذلك إلى الله والرسول ، فذاك في أمر الصحابة أظهر .. والرافضة سلكوا في الصحابة مسلك التفرق ، فوالوا بعضهم وغلوا فيه وعادوا بعضهم وغلوا ف معاداته ..... وهذا كله من التفرق والتشيع الذي نهى الله عنه ورسوله ، فقال تعالى : { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء } ( الأنعام 159 ) ، وقال تعالى : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم * يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون } ( آل عمران 105- 107 ) ، قال ابن عباس : تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أعل البدعة ....و في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الله يرضى لكم ثلاثاً : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاة الله أموركم)) . والله تعالى قد حرم ظلم المسلمين - احيائهم وأمواتهم - وحرم داءهم وأموالهم وأعراضهم وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع : (( إن دماءكم أموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا . وألا هل بلغت ، ؟ ألا ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع )) وقد قال تعالى : { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً } ( الأحزاب 58 ) ، فمن آذى مؤمناً - حياً أو ميتاً - بغير ذنب يوجب ذلك فقد دخل في هذه الآية ومن كان مجتهداً لا إثم عليه فإذا آذاه مؤذٍ فقد أذاه بغير ما اكتسب ، ومن كان مذنباً وقد تاب من ذنبه أو غفر له بسبب آخر بحيث لم يبق عليه عقوبة فآذاه مؤذٍ فقد آذاه بغير ما اكتسب ... وقد قال تعالى : { ولا يغتب بعضكم بعضا } ( الحجرات 12 ) ، وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( الغيبة ذكرك أخالك بما يكره . قيل : أرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه فقد بهته )). فمن رمى أحداً بما ليس فيه فقد بهته ، فكيف إذا كان ذلك في الصحابة ! ومن قال عن مجتهد : إنه تعمد الظلم أو تعمد معصية الله ورسوله ومخالفة الكتاب والسنة - ولم يكن كذلك - فقد بهته ، وإذا كان فيه ذلك فقد اغتابه .
لكن يباح من ذلك ما أباحه الله ورسوله ، هو ما يكون على وجه القصاص والعدل وما يحتاج إليه لمصلحة الدين ، ونصيحة المسلمين . فالأول قول المشتكي المظلوم فلان ضربني واخذ مالي ومنعني حقي ونحو ذل ك، قال الله تعالى : { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } ( النساء 148 ) ، وقد نزلت فيمن ضاف قوماً فلم يقروه ، لأن قرى الضيف واجب كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة ، فلما منعوه حقه كان له ذكر ذلك ... وأما الحاجة مثل استفتاء هند بنت عتبة كما ثبت في الصحيح أنها قالت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح ولا يعطيني وبني ما يكفيني بالمعروف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وولدك بالمعروف )) أخرجاه في الصحيحين من حديث عائشة ، فلم ينكر عليها قولها ، وهو من جنس قول المظلوم فمثل قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس - لما استشارته فيمن خطبها فقالت : خطبني أبو جهم ومعاوية فقال صلى الله عليه وسلم : (( أما معاوية فصعلوك لا مال له ، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وفي لفظ : يضرب النساء ، أنكحي أسامة )) فلما استشارته فيمن تتزوج ذكر ما تحتاج إليه ، وكذلك من استشار رجلاً فيمن يعامله ، والنصيحة مأمور بها ولو لم يشاوره ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : (( الدين النصيحة ( ثلاثاً ) ، قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين ، وعامتهم )) وكذلك بيان أهل العلم لمن غلط في رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أو تعمد الكذب عليه ، او على من ينقل عنه العلم ، وكذلك بيان من غلط في رأى رآه في أمر الدين من المسائل العلمية والعملية . فهذا إذا تكلم فيه الإنسان بعلم وعدل وقصد النصيحة فالله تعالى يثيبه على ذلك ، لا سيما إذا كان المتكلم فيه داعياً إلى بدعة ، فهذا يجب بيان أمره للناس ، فإن دفع عنهم شره أعظم من دفع شر قاطع الطريق .وحكم المتكلم باجتهاده في العلم والدين حكم أمثاله من المجتهدين . ثم قد يكون مجتهداً مخطئاً أو مصيباً ، وقد يكون كل من الرجلين المختلفين - باللسان أو اليد - مجتهداً يعتقد الصواب معه ، وقد يكونان جميعاً مخطئين مغفوراً لهما ، كما ذكرنا نظير ذلك مما كان يجري بين الصحابة ، ولهذا ينهى عما شجر بين هؤلاء ، سواء كانوا من الصحابة أو من بعدهم ، فإذا تشاجر مسلمان في قضية ومضت ، ولا تعلق للناس بها ، ولا يعرفون حقيقتها ، كان كلامهم فيها كماً بلا علم ، يتضمن أذاهم بغير حق ، ولو عرفوا أنهما مذنبان أو مخطئان لكان ذكر ذلك - من غير مصلحة راجحة - من باب الغيبة المذمومة ، لكن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أعظم حرمة وأجل قدراً وأنزه أعراضاً ، قد ثبت في فضائلهم - خصوصاً وعموماً - ما لم يثبت لغيرهم ، فلهذا كان الكلام الذي فيه ذمهم على ما شجر بينهم أعظم إثماً من الكلام في غيرهم .فإن قيل : فأنتم - في هذا المقام - تسبون الرافضة وتذمونهم وتذكرون عيوبهم . قيل ذكر الأنواع المذمومة غير ذكر الأشخاص العينة ، فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن أنواع كثيرة ....و قال الله تعالى : { أن لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا } ( الأعراف 44 - 45 ) ، فالقرآن والسنة مملوءان من ذم الأنواع المذمومة وذم أهلها ولعنهم ، تحذيراً من ذلك الفعل وإخباراً بما يلحق أهله من الوعيد ، ثم المعاصي التي يعرف صاحبها أنه عاص يتوب منها ، والمبتدع الذي يظن أنه على حق - كالخوارج والنواصب الذين نصبوا العداوة والحرب لجماعة المسلمين - ابتدعوا بدعة وكفروا من لم يوافقهم عليها ، فصار بذلك ضررهم على المسلمين أعظم من ضرر الظلمة الذين يعلمون أن الظلم محرم ..... والرافضة أشد بدعة من الخوارج ، وهم يكفرون من لم تكن الخوارج تكفره كأبي بكر وعمر ، ويكذبون على النبي صلى الله عليه وسلم كذباً ما كذب أحدا مثله ، والخوارج لا يكذبون ، لكن الخوارج كانوا أصدق وأشجع وأوفى بالعهد منهم فكانوا اكثر قتالاً منهم ، وهؤلاء أكذب وأجبن وأغدر وأذل ، وهم يستعينون بالكفار على المسلمين كما جرى لجنكز خان ملك الترك الكفار ، فإن الرافضة أعانته على المسلمين وأما إعانتهم لهولاكو ابن ابنه لما جاء إلى خراسان والعراق والشام فهذا أظهر وأشهر من ان يخفى على أحد( 75 ) فكانوا بالعراق وخراسان من أعظم أنصاره باطناً وظاهراً ، وكان وزير الخليفة ببغداد الذي يقال له ابن العلقمي منهم( 75 ) فلم يزل يمكر بالخليفة والمسلمين ، ويسعى في قطع أرزاق عسكر المسلمين وضعفتهم ، وينهى العامة عن قتالهم ويكيد أنواعاً من الكيد ، حتى دخلوا فقتلوا من المسلمين ما يقال إنه بضعة عشر ألف إنسان أو اكثر أو أقل ، ولم ير في الإسلام ملحمة مثل ملحمة الترك الكفار المسمين بالتتر ، وقتلوا الهاشميين وسبوا نساءهم من العباسيين وغير العباسيين ، فهل يكون موالياً لآل الرسول صلى الله عليه وسلم من يسلك الكفار على قتلهم وسبيهم وعلى سائر المسلمين ؟ وهم يكذبون على الحجاج وغيره أنه قتل الأشراف ، ولم يقتل الحجاج هاشمياً قط مع ظلمه وغشمه ، فإن عبدالملك نهاه عن ذلك ، وإنما قتل ناساً من أشراف العرب غير بني هاشم ، وقد تزوج هاشمية - وهي بنت عبدالله بن جعفر - فما مكنه بنوا أمية من ذلك وفرقوا بينه وبينها وقالوا : ليس الحجاج كفئاً لشريفة هاشمية .والرافضة فيهم من هو متعبد متورع زاهد ، لكن ليسوا في ذلك مثل غيرهم من أهل الأهواء : فالمعتزلة أعقل منهم وأعلم وأدين ، والكذب والفجور فيهم أقل منه في الرافضة ، والزيدية - من الشيعة - خير منهم وأقرب إلى الصدق والعدل والعلم ، وليس في أهل الأهواء أصدق ولا أعبد من الخوارج ، ومع هذا( 76 ) فأهل السنة يستعملون معهم العدل والإنصاف ولا يظلمونهم ، فإن الظلم حرام مطلقاً كما تقدم ، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض ، بل هم الرافضة خير واعدل من بعض الرافضة لبعض ، وهذا مما يعترفون هم به ويقولون : أنتم تنصفوننا مالا ينصف بعضنا بعضاً ، وهذا لأن الأصل الذي اشتركوا فيه أصل فاسد مبني على جهل وظلم ، وهم مشتركون في ظلم سائر المسلمين فصاروا بمنزلة قطاع الطريق المشتركين في ظلم الناس ، ولا ريب أن المسلم العالم العادل أعدل عليهم وعلى بعضهم من بعض ، والخوارج تكفر أهل الجماعة ، وكذلك أكثر المعتزلة يكفرون من خالفهم ، وكذلك أكثر الرافضة ، ومن لم يكفر فسق ، وكذلك أهل الأهواء يبتدعون رأياً ويكفرون من خالفهم فيه ، وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول ، ولا يكفرون من خالفهم فيه ، بل هو أعلم بالحق وأرحم بالخلق كما وصف الله به المسلمين بقوله { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ( آل عمران 110 ) ، قال أبو هريرة : كنتم خير الناس للناس . وأهل السنة نقاوة المسلمين فهو خير الناس للناس . وقد علم أنه بساحل الشام جبل كبير( 77 ) فيه ألوف من الرافضة يسفكون دماء الناس ويأخذون أموالهم . ,لما انكسر المسلمون سنة غازان( 78 ) أخذوا الخيل والسلاح والأسارى وباعوهم للكفار والنصارى بقبرص وأخذوا من مر بهم من الجنود وكانوا أضر على المسلمين من جميع الأعداء ، وحمل بعض أمرائهم راية النصارى ، وقالوا له : أيما خير ، المسلمون أو النصارى ؟ فقال : بل النصارى . فقالوا له : مع من تحشرهم يوم القيامة ؟ فقال : مع النصارى . وسلموا إليهم بعض بلاد المسلمين ، ومع هذا فلما استشار بعض ولاة الأمور في غزوهم ، وكتبت جواباً مبسوطاً في غزوهم ، وذهبنا إلى ناحيتهم ، وحضر عندي جماعة منهم وجرت بيني وبينهم مناظرات ومفاوضات يطول وصفها ، فلما فتح المسلمون بلدهم وتمكن المسلمون منهم نهيتهم عن قتلهم وعن سبيهم ، وأنزلناهم في بلاد المسلمين متفرقين لئلا يجتمعوا ، فما أذكره في هذا الكتاب في ذم الرافضة وبيان كذبهم وجهلهم قليل من كثير مما أعرفه منهم ، ولهم شر كثير لا أعرف تفصيله .ومصنف هذا الكتاب( 79 ) وأمثاله من الرافضة إنما نقابلهم ببعض ما فعلوه بأمة محمد صلى الله عليه وسلم سلفها وخلفها ، فإنهم عمدوا إلى خيار أهل الأرض من الأولين والآخرين بعد النبيين والمرسلين ، وإلى خير أمة أخرجت للناس ، فافتروا عليهم العظائم ، وجعلوا حسناتهم سيئات ، وجاءوا إلى شر من انتسب إلى الإسلام من أهل الأهواء - وهم الرافضة بأصنافها غاليها وإماميها ، زيديها - والله يعلم وكفى بالله عليماً ليس في جميع الطوائف المنتسبة إلى الإسلام مع بدعة وضلالة شر منهم : لا أجهل ، ولا أكذب ، ولا أظلم ، ولا أقرب إلى الكفر والفسوق والعصيان ، وأبعد عن حقائق الإيمان منهم ، فزعموا أن هؤلاء هم صفوة الله من عباده ! فإن ماسوى أمة محمد كفار ، وهؤلاء الأمة كلها أو ضللوها ، سوى طائفتهم التى يزعمون أنها الطائفة المحقة ، وأنها لا تجتمع على ضلالة ، فجعلوهم صفوة بني آدم فكان مثلهم كمن جاء إلى غنم كثيرة فقيل له : أعطنا خير هذه الغنم لنضحي بها ، فعمد إلى شر تلك الغنم : إلى شاة عوراء ، عفجاء ، عرجاء ، مهزولة لا نقي لها فقال( 80 ) : هذه خيار هذه الغنم لا تجوز الأضحية إلا بها ، وسائر هذه الغنم ليست غنماً وإنما هي خنازير يجب قتلها ولا يجوز الأضحية بها . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من حمي مؤمناً من منافق حمى الله لحمه من نار جهنم يوم القيامة )) . وهؤلاء الرافضة إما منافق وإما جاهل ، فلا يكون رافضي ولا جهمي إلا منافقاً أو جاهلاً بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكون فيهم أحد عالماً بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مع الإيمان به ، فإن مخالفتهم لما جاء به الرسول وكذبهم عليه لا يخفى قط إلا على مفرط في الجهل والهوى وشيوخهم المصنفون طوائف يعلمون أن كثيراً مما يقولونه كذب ، ولكن يصنفونه لهم لرياستهم عليهم ، وهذا المصنف( 81 ) يتهمه الناس بهذا ، ولكن صنف لأجل أتباعه ، فإن كان أحدهم يعلم أن ما يقوله باطل ، ويظهره ويقول إنه حق من عند الله ، فهو من جنس علماء اليهود الذين { يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا فويل بهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } ( البقرة 79 ) ، وإن كان يعتقد أنه حق دل ذل على نهاية جهله وضلاله ...ولما قال السلف : إ، الله أمر بالاستغفار لأصحاب محمد فسبهم الرافضة كان هذا ملاماً حقاً وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (( لا تسبوا أصحابي )) يقتضي تحريم سبهم ، مع أن الأمر بالاستغفار للمؤمنين والنهي عن سبهم عام( 82 ) : ففي الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) وقد قال تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءٍ من نساء عسى أن يكن حيراً منهن ، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون } ( الحجرات 11 ) فقد نهى عن السخرية واللمز بالألقاب ، واللمز : العي والطعن ، ومنه قوله تعالى : { ومنهم من يلمزك في الصدقات } ( التوبة 58 ) ، أي يعيبك ويطعن عليك .... وقال تعالى { ويل لكل همزة لمزة } ( الهمزة 1 ) ....... وإذا قال المسلم : { ربنا أعفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } ( الحشر 10 ) ، يقصد كل من سبقه من قرون الأمة بالإيمان ، وإن كان قد أخطأ في تأويل تأوله فخالف السنة ، أو أذنب ذنباً ، فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان ، فيدخل في العموم وإن كان من الثنتين والسبعين فرقة ، فإنه مامن فرقة إلا وفيها خلق كثير ليسوا كفاراً ، بل فيهم ضلال وذنب يستحقون به الوعيد كما يستحقه عصاة المؤمنين . والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخرجهم من الإسلام بل جعلهم من أمته ولم يقل أنهم يخلون في النار .فهذا أصل عظيم ينبغي مراعاته ، فإن كثيراً من المنتسبين إلى السنة فيهم بدعة من جنس بدع الرافضة والخوارج ، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب وغيره - لم يكفروا الخوارج الذين قاتلوهم ، بل أول ما خرجوا عليه وتحيزوا بحروراء( 82 ) وخرجوا عن الطاعة والجماعة قال لهم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : إن لكم علينا أن لا نمنعكم من مساجدنا ولا حقكم من الفيء . ثم أرسل إليهم ابن عباس فناظرهم نحو نصفهم ثم قاتل الباقي وغلبهم ، ومع هذا لم يسب لهم ذرية ولا غنم لهم مالاً ولا سار فيهم سيرة الصحابة في المرتدين كمسيلمة وأمثاله ........ ، وعن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال : كنت عند عليّ حين فرغ من قتال أهل النهروان( 83 ) فقيل له : أمشركون هم ؟ قال : من الشرك فروا ، فقيل : أمنافقون ؟ قال : المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً ، قيل : فما هم ؟ قال : قوم بغوا علينا فقاتلناهم ........ فقد صرح عليّ رضي الله عنه بأنهم مؤمنون ليسوا كفاراً ولا منافقين ، وهذا بخلاف ما كان يقوله بعض الناس - كأبي إسحاق الإسفرايني ومن اتبعه - يقولون : لا نكفر إلا من يكفرنا ، فإن الكفر ليس حقاً لهم بل هو حق لله ، وليس للإنسان أن يكذب على من يكذب عليه ، ولا أن يفعل الفاحشة بأهل من فعل الفاحشة ، لأن هذا حرام لحق الله ، ولو سب النصارى نبينا لم يكن لنا أن نسب المسيح ، والرافضة إذا كفروا أبا بكر وعمر فليس لنا أن نكفر علياً ....... روى سفيان عن جعفر بن محمد عن القول ، فقال : لا تقولوا إلا خيراً ، وإنما هم قوم زعموا أنا بغينا عليهم ، وزعمنا أنهم بغوا علينا فقاتلناهم .......... وعن مكحول أن أصحاب عليّ سألوه عمن قتل من أصحاب معاوية ماهم ؟ قال : هم المؤمنون .......... وعن عبد الواحد بن أبي عون قال : مر عليّ - وهو متكئ على الأشتر - على قتلي صفين ، فإذا حابس اليماني مقتول( 84 ) فقال الأشتر : إنا لله وإنا إليه راجعون ، هذا حابس اليماني معهم يا أمير المؤمنين ، عليه علامة معاوية ، أما والله لقد عهدته مؤمناً ، قال علي : والآن هو مؤمن ] ( 85 ) .

في إمامة باقي الاثنى عشر
قال : ((لنا في ذلك طرق : أحدها النص ، وقد توارثته الشيعة في البلاد خلفاً عن سلف عن النبي ? أنه قال للحسين : هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة قائمهم اسمه كاسمي وكنيته كنيتي يكلأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً)) . والجواب : هذا أولاً كذب على الشيعة ، فإن هذا لم تقله إلا شرذمة من الشيعة ، وأكثرهم يكذب به مثلنا / [ والزيدية بأسرها تكذب هذا ، وهم أعقل الشيعة وأعلمهم وخيارهم ] ، والإسماعيلية يكذبون . والشيعة نحو من سبعين فرقة(1) . وإنما هذا من اختلاف المتأخرين ، وضع لما مات الحسن بن علي العسكري وتكلم بغيبة ابنه محمد بعد موت الرسول ? بمائتين وخمسين سنة . وعلماء السنة ونقله الآثار الذين هم أضعاف أضعاف الشيعة يعلمون أن هذا كذب على الرسول قطعاً ، ويباهلون على ذلك . ثم [ من شرط التواتر حصول من يقع به العلم من الطرفين والوسط . و ] قبل موت الحسن العسكري لم يكن أحد يقول بإمامة المنتظر ، وإنما كان المدعون يدعون النص على عليَّ أو على ناس بعده ، وأما دعوى النص على الأثني عشر وهذا الخلف في الحجة المعدوم أخرهم فهذا لا نعرف أحداً قاله متقدماً ولا نقله ناقل / فأين دعواك التواتر ؟ بل المتواتر ما جاء في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي . وقيل إن أول ما ظهرت الشيعة الإمامية المدعية النص في أواخر أيام الخلفاء الراشدين افترى ذلك عبدالله بن سبأ وطائفته(2) . والذي علمناه من حال أهل البيت علماً لا ريب فيه أنهم لم يكونوا يدعون أنهم منصوص عليهم كجعفر الصادق وأبيه وجده زين العابدين علي بن الحسين وأبيه . وأخرجا في الصحيحين عن جابر بن سمرة سمع النبي ? يقول : ((لا يزال أمر الناس ماضياً عزيزاً ما وليهم أثنا عشر رجلاً ثم تكلم بكلمة خفيت عليّ فسألت أبي عنها فقال : - كلهم من قريش)) فلا يجوز أن يراد أثنا عشر الرافضة ، فإن عند الرافضة أنه لم يقم أمر الأمة في مدة أحد من هؤلاء ، بل مازال أمر الأمة فاسداً يتغلب عليه الظالمون بل الكافرون ، وأهل الحق أذل من اليهود . وأيضاً فعندهم أن ولاية المنتظر دائمة إلى آخر الدهر .
قال : ((وعن ابن عمر أن النبي ? قال : يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي كنيته كنيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ، فذلك هو المهدي)) . فنقول : الأحاديث التي تحتج بها على خروج المهدي صحيحة رواها أحمد وأبو داود والترمذي ، منها حديث ابن مسعود مرفوعاً ((لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطَّول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي يواطئ أسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)) . وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث أم سلمه وفيه ((المهدي من عترتي من ولد فاطمة)) . ورواه أبو داود من طريق أبي سعيد وفيه ((يملك الأرض سبع سنين)) . وعن عليّ أنه نظر إلى الحسن فقال : سيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملأ الأرض قسطاً . فأما حديث ((لا مهدي إلا عيسى ابن مريم)) فضعيف ، فلا يعارض هذه الأحاديث ، وفيها كما ترى أن أسمه محمد بن عبدالله ، فهو رد على من يزعم أنه المنتظر محمد بن الحسن . ثم هو من ولد الحسن ، لا من ولد الحسين وادعت الباطنية أنه هو الذي بنى المهدية ، وإنما هو دعيّ ، وهو من ولد ميمون القداح فادعوا أن ميموناً هذا هو ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر الذي تنتنمي إليه الإسماعيلية ، وهم كفار ركبوا مذهبهم من مجوسية وفلسفة وصائبة صنف جماعة في مخازيهم : كابن الباقلاني / والقاضي عبد الجبار والغزالي . وهذا محمد بالمهدي وادعى العصمة . وابن المنصور محمد بن عبدالله لقب بالمهدي للحديث .

قال : ((قد بينا أنه يجب في كل زمان إمام معصوم / ولا معصوم غير هؤلاء إجماعاً)) . الجواب : منع المقدمة الأولى كما مر . ثم لا إجماع في غيرهم . ثم نقول بالموجب : فهذا المعصوم الذي تدعونه في وقتنا هذا وله من أربعمائة وستين سنة وما ظهر له أثر ، بل آحاد الولاة وقضاة البر أكثر تأثيراً منه ، فأي منفعة للوجود بمثل هذا لو كان موجوداً ، كيف وهو معدوم ؟ فأي لطف حصل لكم به ، وأي مصلحة نالت الأمم قديماً وحديثاً به ؟ فمازال مفقوداً عندكم ومعدوماً عندنا ولا حصل به نفع أصلاً .--------------
(1) صنفت الكتب الكثيرة في التعريف بها ، ومن أفضل كتب أهل السنة في ذلك (مقالات الإسلاميين) للإمام أبي الحسن الأشعري (260 - 334) ، ومن اقدم كتب الشيعة في ذلك كتاب (فرق الشيعة) للحسن بن موسى التويختي المتوفي سنة 310.(2) التحقيق في تخرصات الشيعة حول النص على ائمتهم يتشعب إلى ثلاث شعب : أولاها النص على إمامة علي أو ولايته ، وقد أشبعها شيخ الإسلام بحثاً في هذا الكتاب ونقضها من أسسها فلم يدع مقالاً لقائل ، أما نص عليّ على ابنه الحسن فقد تقدم تكذيبه في هامش ص514 . والشعبة الثانية من أكذوبة النص دعوى الوصاية ، وهذه قد اعترف علامتهم الكشي بأن مخترعها عبدالله بن سبأ . وسجلنا عليهم هذا الأعتراف في ص318 و 459 . والشعبة الثالثة أكذوبة أن الإمامة معهود بها إلى اشخاص بأعيانهم ، ومخترع هذه الأسطورة شيطان الطاق أنه قال : كنت عند أبي المامقاني في تنقيح المقال (1 : 470) مارواه الكشي عن شيطان الطاق أنه قال : كنت عند أبي عبدالله (يعني جعفر الصادق) فدخل زيد بن علي (الإمام الذي يرجع إليه مذهب الزيدية في اليمن ، وهو عم جعفر الصادق) فقال لي زيد : يا محمد بن علي ، أنت الذي تزعم أن في آل محمد إماما مفترض الطاعة معروفاً بعينه ؟ قال : قلت نعم أبوك أحدهم . قال : ويحك ، وما يمنعه أن يقول لي ؟ فوالله يشفق علي من حر الطعام فيقعدني على فخذه ويتناول البضعة فيبردها ثم يلقمنيها ، أفتراه يشفق على من حر الصعام ولا يشفق علي من حر النار ؟ قال : قلت كره أن يقول لك فتكفر فيجب عليك من الله الوعيد . وكنت نقلت هذا الخبر في مجلة (الفتح) في شعبان سنة 1366 واستبعدت يومئذ أن تبلغ الجرأة بشيطان الطاق إلى حد أن يتجاهر بهذه الأكذوبة في مجلس الإمامين زيد وجعفر وقلت : أظنه كذب هذه القصة فيما بعد واخترعها ليدعو بها إلى هذه العقيدة الباطلة .
تخرصات الشيعة في إمامة الصديق والفاروق وذي النورين
قال : ((إن من تقدمه لم يكن إماماً لوجوده)) . قلنا : بل كانوا أئمة صالحين للإمامة ، فتح الله بهم البلاد والأقاليم ، وكانوا خلفاء راشدين وما خالف في هذا مسلم سواكم معشر الرافضة ، وكانوا أحق بها وأهلها ، نقطع بذلك ولا يمكن أن يعارض لا بدليل ظني ولا قطعي . أما القطيعات فلا يتناقض موجبها ومقتضاها ، وأما الظنيات فلا تعارض قطيعاً [ وجملة ذلك أن كل ما يورده القادح فلا يخلو عن أمرين : إما نقل لا نعلم صحته ، أو لا نعلم دلالته على بطلان إمامتهم . وأي المقدمتين لم يكن معلوماً لم يصلح لمعارضة ما علم قطعاً ] . وإذا نفينا [ الاعتراض على ] إمامتهم بالقطع لم يلزمنا الجواب على الشبهة المفصلة ، فإن بينا وجه فساد الشبهة كان زيادة علم وتأييداً للحق في النظر والمناظرة .
قال : ((فمنها قول أبي بكر : إن لي شيطاناً يعتريني ، فإن استقمت فأعينوني وإن زغت فقوموني . ومن شأن الإمام تكميل الرعية ، فكيف يطلب منهم الكمال ؟)) .قلنا : المأثور أنه قال : إن لي شيطاناً يعتريني يعني الغضب فإذا اعتراني فاجتنبوني لا أوثر في أبشاركم . وقال : أطيعوني ما أطعت الله ، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم . وهذا القول من أفضل ما مدح به ، يخاف عند الغضب أن يعتدي على أحد . وفي الصحيح أن النبي ? قال : ((لا يقضي القاضي بين أثنين هو غضبان)) فأمر الحاكم باجتناب الحكم حال الغضب ، والغضب يعتري بني آدم كلهم ، حتى قال سيد ولد آدم : ((إنما أن بشر أغضب كما يغضب البشر)) متفق عليه . ولمسلم أن رجلين دخلا على رسول الله ? فأغضباه ، فلعنهما وسبهما ، / وذكر الحديث ، فمن عصى أبا بكر وأخرجه جاز له تأديبه ، كما أن من عصى علياً فأغضبه جاز له تأديبه . وفي الصحيح عن أبن مسعود عن النبي ? قال : ((ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن . قالوا : وأنت يا رسول الله ؟ قال : وأنا ، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ، فلا يأمرني إلا بخير)) . وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ? بنحوه ، وقوله ((فإن زغت فقوموني)) من كمال عدله وتقواه وإنصافه . وقولك ((ومن شأن الإمام تكميل الرعية . فكيف يطلب منهم التكميل ؟)) قلنا : لا نسلم ، ولا يكلمهم ولا يكلمونه ، بل يتعاونون على البر والتقوى ، وإنما التكميل من الله الغني بنفسه الذي لا يحتاج إلى أحد . وقد كان الرسول يشاور أصحابه ويعمل برأيهم .
وقال : ((ومنها قول عمر : كانت بيعة أبى بكر فلتة وقي الله شرها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه : وهذا يوجب الطعن)) .قلنا : إنما لفظ عمر الذي في الصحيحين : بلغني أن قائلاً منكم يقول لو قد مات عمر بايعت فلاناً : فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلته فتمت ، ألا وإنها كانت كذلك ، ولكن وقي الله شرها ، وليس منكم من تقطع [ إليه ] الأعناق مثل أبي بكر .
فصل . قال : ((وقوله تعالى { لا ينال عهدي الظالمين } (البقرة 124) ، أخبر تعالى أن عهد الإمامة لا يصل إلى الظالم ، والظالم كافر لقوله تعالى : { والكافرون هم الظالمون } (البقرة 254) ، ولا شك أن الثلاثة كانوا كفاراً يعبدون الأصنام إلى أن ظهر النبي ?)) . والجواب : - أيها الرافضي المغتر من وجوه : أحدهما : أن الكفر الذي يعقبه الإيمان لم يبق على صاحبه منه ذم ، فإن الإسلام يجب ما قبله ، وهذا معلوم بالاضطرار من الدين ، وليس كل من ولد على الإسلام بأفضل ممن أسلم بنفسه ،وإلا لزم أفضل من الصحابة ، وقد ثبت أن خير الناس القرن الأول الذين بعث فيهم الرسول ، وسائرهم أسلموا بعد الكفر وهم أفضل بلا شك ممن ولد على الإسلام ، ولهذا قال الأكثرون : يجوز على الله أن يبعث نبياً ممن آمن بالأنبياء ، قال تعالى { فأمن له لوط } (العنكبوت 26) ، وقد قال شعيب : { قد أفترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } (الأعراف 89) ، ثم إنه نبئ رسول الله ? / لم يكن أحد من قريش مؤمناً لا كبيراً ولا صغيراً : وإذا قيل عن رجالهم إنهم يعبدون الأصنام فصبيانهم [ كذلك ، وعلىَّ وغيره ] . فإن قيل : كفر الصبيَّ لا يضره ، قيل : ولا إيمان الصبي مثل إيمان الرجل ، فالرجل يثبت له حكم الإيمان بعد الكفر وهو بالغ ، والصبي له حكم الكفر والإيمان وهو دون البلوغ ، والطفل بين أبويه الكافرين يجري عليه حكم الكفر في الدنيا بالإجماع ، فإذا أسلم قبل البلوغ فهل يجري عليه حكم الإسلام قبل البلوغ ؟ على قولين للعلماء . بخلاف البالغ فإنه يصير مسلماً إذا أسلم بالإجماع . ثم لا يمكن الجزم بأن علياً ما سجد لصنم ، وكذا الزبير فإنه أسلم وهو مراهق . فمن أسلم بعد كفره واتقى وآمن لم يجز أن يسمى ظالماً . فقوله تعالى : { لا ينال عهدي الظالمين } أي ينال العادل دون الظالم فإذا قدر أن شخصاً كان ظالماً ثم تاب وصار عادلاً تناوله العهد وصار ممدوحاً بآيات المدح لقوله : { إن الأبرار لفي نعيم } (الأنفطار 13 والمطففين 22) ، { إن المتقين في مقام أمين } (الدخان 51) . فمن قال : المسلم بعد إيمانه كافر فهو كافر بإجماع الأمة . قال : ((ومن ذلك قول أبي بكر : أقيلوني فلست بخيركم ، ولو كان إماما لم يجز له طلب الإقالة .قلنا : أين صحة هذا ؟ وإلا فما كل منقول صحيح . فإن صح هذا عنه لم يجز معارضته بقولك ((لا يجوز له طلب الإقالة)) إذ ذلك مجرد دعوى . قال : ((وقال عند موته : ليتني كنت سألت رسول الله ? هل للأنصار في هذا الأمر حق وهذا يدل على شكة في صحة بيعة نفسه ، مع أنه الذي دفع الأنصار يوم السقيفة)) .قلنا : [ أما قول النبي ? ((الأئمة من قريش)) فهو حق . و ] من الذي يقول إن الصديق شك في هذا وفي صحة إمامته ؟ ولكن ما نقلته كذب عليه ، فإن المسألة عنده وعند الصحابة واضحة ظاهرة ، وإن قدر أنه قاله ففيه فضيلة له ، لأنه لم يكن يعرف أن الأئمة من قريش فاجتهد فوافق اجتهاده النص . وفيه أنه ليس عنده نص من الرسول ? بعليَّ .قال : ((وقال عند موته : ليتني كنت تركت بيت فاطمة لم أكشفه ، وليتني في سقيفة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين فكان هو الأمير وكنت الوزير وهذا يدل على إقدامه على بيت فاطمة عند اجتماع علي والزبير وغيرهما ، ويدل على أنه كان يرى / الفضل لغيره)) .قلنا : لا يقبل القدح [ إلا ] إذا ثبت النقل . ونحن نعلم يقيناً أن أبا بكر لم يُقْدِم على عليَّ والزبير بشيء من الأذى ، بل ولا على سعد [ بن عبادة ] الذي مات ولم يبايعه . وغاية مايقال إنه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي أمر بقسمته ، ثم رأى أنه لو تركه لهم جاز . والجهلة يقولون إن الصحابة هدموا بيت فاطمة وضربوا بطنها حتى طرحت ، أفيسوغ في عقل عاقل أن صفوة الأمة يفعلون هذا بابنة نبيهم لا لأمر ، فلعن الله من وضع هذا ومن افتعل الرفض . قال : ((وقال عليه الصلاة والسلام : جهزوا جيش أسامة ، وكرر ذلك وكان فيهم أبو بكر وعمر ، ولم ينفذ علياً لأنه أراد منعهم من التوثب على الخلافة بعده ، فلم يقبلوا منه)) . قلنا : أين صحة هذا ؟ فمن أحتج بالمنقول لا يسوغ له إلا بعد العلم بصحته ، كيف وهذا كذب ، لم يكن أبو بكر في جيش أسامة أصلاً ، بل قيل إنه كان فيهم عمر ? . وقد تواتر عن النبي ? أنه استخلف أبا بكر على الصلاة حتى مات ، وصلى أبو بكر بهم الصبح يوم توفى ، وقد كشف ? سجف الحجرة فرآهم خلف أبي بكر فسر بذلك ، فكيف يمكن مع هذا أن يكون من جيش أسامة الذين شرعوا في الرحيل ؟ ولو أراد النبي ? توليه عليّ لكان هؤلاء أعجز من أن يدفعوا أمره ، ولكن جماهير الأمة أطوع لله ولرسوله من أن يدعوا أحداً يتوثب على من نص الرسول لهم عليه . ثم لو كان أراد توليته لكان أمره بالصلاة بالمسلمين أيام مرضه ، ولما كان يدع أبا بكر يصلي به .
قال : ((ولم يول أبا بكر عملاً ، وولى عليه)) .قلنا : وأي ولاية فوق ولاية الصلاة والحج والزكاة ؟ وقد ولّي جماعة دون أبي بكر بكثير ، مثل عمرو بن العاص والوليد ابن عقبة وابي سفيان بن حرب وعدم ولا يته لا يدل على نقصه . ولأنه كان وزيره وكان لا يستغنى عنه في مهمات الأمور ، ويليه عمر .
قال : ((وأنفذه رسول الله ? لأداء سورة براءة ، ثم أنفذ علياً برده وأن يتولى هو ذلك . ومن لا يصلح لأداء سورة كيف يصلح للخلافة ؟)) .الجواب : إن هذا إفتراء محض ، ورد للتواتر ، فإن الرسول استعمل أبا بكر على الحج [ سنة تسع ] فما رده ولا رجع ، بل هو الذي حج بالناس فكان عليَّ من جملة رعيته إذ ذاك : يصلي خلفه ، ويسير بسيره ، / فالعلم بهذا لم يختلف فيه أثنان ، فكيف تقول إنه أمر برده ؟ ولكن أردفه بعليّ لينبذ إلى المشركين عهدهم ، لأن عادتهم كانت جارية أن لا يعقد العهود ولا يحلها إلا المطاع أو رجل من أهل بيته فبعث علياً ببراءة (1) . فيالله إذا كنت تجهل مثل هذا من أحوال ارسول وأيامه وسيرته ، فأيش عندك من العلم ! وكان السكون ـولى بك وبأشباهك ، أفأملك أن أعمى الله قلبك غذ خبثت سريرتك ، فلا تبرز بفائدة ولا تأتي بخير ، ولكنك معرق في الرفض ، فلله الحمد على العافية .
ثم تقول : ((والإمامة متضمنة لأداء جميع الأحكام إلى الأمة)) . سبل الأحكام كلها تلقتها الأمة عن نبيها لا تحتاج فيها إلى الإمام ، وإنما الإمام منفذ لما شرعه الرسول . والصديق كان عالماً بعامة ذلك ، وإذا خفى عليه الشيء اليسير سأل الصحابة عنه ، كما سأل عن ميراث الجدة فأخبر أن نبي الله أعطاها السدس . وما عُرف له قول خالف نصاًَ ، وقد عرف لعمر وعثمان من ذلك اشياء ، وعرف لعلي أكثر مما عرف لهما ، كقوله : إن الحامل المتوفي عنها تعتد أبعد الأجلين وحديث سبيعة في الصحيحين بأنها تحل إذا وضعت . وقد جمع الشافعي رحمه الله تعالى كتاباً في خلاف عليّ وابن مسعود [ وجمع بعده محمد بن نصر المروزي أكثر من ذلك ، فإنه كان إذا ناظره الكوفيون يحتج بالنصوص فيقولون نحن أخذنا بقول عليّ وابن مسعود ، فجمع لهم أشياء كثيرة من قول عليّ وابن مسعود تركوه أو تركه الناس ، يقول : إذا جاز لكم خلافهما في تلك المسائل لقيام الحجة على خلافهما ، فكذلك في سائر المسائل . ولا يعرف لأبي بكر مثل هذا ] . ثم القرآن بلغه كل أحد عن الرسول ? فيمتنع أن يقال لم يصلح أبو بكر لتبليغه ، ولا يجوز أن يقال إن تبليغ القرآن يختص بعلي ، فإن القرآن لا يثبت بخبر الواحد .
قال : ((ومن ذلك قول عمر : إن محمداً لم يمت ، وهو يدل على قلة علمه . وأمر برجم حامل فنهاه عليَّ ، فقال : لولا علي لهلك عمر)) . قلنا : قد أوردنا لك نصوصاً عدة في مكانة عمر من العلم ، فكان أعلم الناس بعد الصديق . وأما كونه ظن أن الرسول لم يمت فهذا كان ساعة ، ثم تبين له موته . وعليّ قد ظن أشياء ظهرت له بخلاف ذلك ، ولم يقدح بمثل هذا في إمامتهما . وأما الحامل فلم يدر أنها حاملة فنبهه عليّ ، وقد نزل الكتاب بموافقة عمر في مواضع ، وقال عليه السلام : ((لو كان بعدي نبي لكان عمر)) ولما وضع على سريره أثنى عليه وأجبَّ أن يلقى الله بمثل صحيفة عمر .

قال : ((وابتدع التراويح مع / أن النبي ? قال : يا أيها الناس إن الصلاة بالليل في رمضان جماعة بدعة ، وصلاة الضحى بدعة ، فلا تجمعوا في رمضان ليلاً ولا تصلوا الضحى ، وخرج عمر ليلاً فرأى المصابيح في المساجد فقال : ما هذا ؟ فقيل : إنهم اجتمعوا لصلاة التطوع . فقال : بدعة ، ونعمت البدعة هي)) .فيقال : ما رؤي في الطوائف أجرأ من هذه الطائفة على الكذب ، حتى على نبيها ، بوقاحة مفرطة مع فرط الجهل . فأين إسناد هذا ، وأين صحته وأنى له صحة وهو للكذب الإكسير الذي يعمل منه الكذب . لم يروه عالم . وأدنى العلماء يعلمون أنه موضوع ولا له إسناد . فقد ثبت أن الناس كانوا يصلون جماعة بالليل في رمضان على عهد نبيهم ، وثبت أنه صلى بالمسلمين ليلتين أو ثلاثاً فلما كانت الرابعة عجز المسجد عن أهله ، فلم يخرج إليهم خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا . متفق عليه من حديث عائشة . وخرج البخاري من حديث عبدالرحمن بن عبد [ القاريّ ] قال : خرجت مع عمر ليلة رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته رهط . فقال عمر : إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل . ثم عزم فجمعهم على أبيّ بن كعب . ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم ، فقال : نعمت البدعة هذه ، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون . يريد بذلك آخر الليل . وهذا الاجتماع لم يكن ، فسماه بدعة وما هو بالبدعة الشرعية التي هي ضلالة إذ هي مافعل بلا دليل شرعي . ولو كان قيام رمضان جماعة قبيحاً لأبطله أمير المؤمنين عليّ وهو بالكوفة ، بل روي عنه أنه قال : نور الله على عمر قبره كما نَّور علينا مساجدنا . وعن أبي عبدالرحمن السلمي أن علياً دعا القراء في رمضان فأمر منهم رجلاً يصلي بالناس عشرين ركعة . قال : وكان عليّ يوتر بهم . وعن عرفجة الثقفي قال : كان علي بن أبي طالب يأمر بقيام رمضان ، ويجعل للرجال إماماً وللنساء إماماً ، فكنت أنا إمام النساء . رواهما البيهقي في سنته . وأما الضحى فرغب فيها الرسول ? ، كما صحَّ عنه في أحاديث ./ قال : وفعل عثمان أموراً لا تجوز ، حتى أنكر عليه المسلمون كافة ، واجتمعوا على قتله))(2)قلنا : وهذا من جهلك وافترائك ، فإن الناس بايعوا عثمان وما اختلف في بيعته اثنان ولا تخلف عنها أحد كما تخلف شطر الناس عن بيعة غيره . فمن الذي اجتمع على قتل عثمان ؟ هل هم إلا طائفة من أولي الشر والظلم ؟ ولا دخل في قتله أحد من السابقين . بل الضين قاتلوا علياً وأنكروا عليه أضعاف أولئك ، وكفره ألوف من عسكره وخرجوا عليه(3) . وقتل في الآخر كما قتل ابن عمته عثمان ، قاتل الله من قاتلهما .--------------
(1) ولحكمة أخرى ، وهي أن سورة براءة تتضمن الثناء الإلهي الكريم على صديق رسوله ورفيقه في الغار ، فكان من المناسب أن يكون غعلان هذا الثناء الإلهي على الحجيج الأكبر في أيام الموسم بلسان عليّ بن ابي طالب لتشرق بذلك حلوق أعداء الله جميعاً إلى يوم القيامة . وهم كلما تأملوا في ذلك وما يترتب عليه من انهيار دينهم المصنوع يعتريهم الذهول ، فمن قدمائهم عدو الله شيطان الطاق طار عقله فقال : إن الله لم يقل قط { ثاني أثنين إذ هما في الغار } كما رواه عنه الجاحظ فيما سمعه من شيخه غبراهيم النظام وبشر بن خالد (أنظر الفصل لأبن حزم 4 : 181) ، ومن آخرهم طاغوت الكاظمية فقد صوابه فزعم أن قول الله تعالى في سورة الفتح { لقد رضي الله عن المؤمنين غذ بايعوك تحت الشجرة } لا يتناول ابا بكر وعمر لأنها خاصة بمن محضوا الإيمان (أنظر كتابة إحياء الشريعة في كتب الشيعة ص63 – 64) . وأنت ترى من ذلك أن إرسال عليّ بسورة براءة إلى الحج وفيها الثناء على أبي بكر جعل النبي وأبا بكر وعلياً في صف وجعل مبغضي أبي بكر وأعداء الصحابة في صف آخر يخالف ذلك الصف في الدنيا ويوم الدين . وقديماً قالوا : المرء حيث يجعل نفسه . ونحن لا حيلة لنا فيمن أراد لنفسه أن يكون – بأبا طيلة وبفساد سريرته – حصب جهنم .(2) أي أن قتلة عثمان الذين كان عليّ يلعنهم هم ((المسلمون كافة)) ! وأما الحسن والحسين وعبدالله بن الزبير وسائر أبناء الصحابة الذين كانوا على باب عثمان للدفاع عنه وآباءهم وسائر المهاجرين والأنصار خارجون من مدلول ((المسلمين كافة)) ، بل علي أيضاً خارج من مدلول ((المسلمين)) ، لأن هؤلاء الفجرة مهما بلغت بهم القحة لن يجرءوا على أدعاء أن علياً كان من قتلة عثمان .
(3) ومنهم جماعة ممن اشتركوا في قتل عثمان . ولذلك قال علي لما ضربه ابن ملحم : ((قتلت يوم قتل الثور الأبيض)) .

في الحجج على إمامة أبي بكر
قال : (( احتجوا بالإجماع . والجواب منعه ، فإن جماعة من بني هاشم لم يوافقوا على ذلك وجماعة كسلمان ، وأبي ذر ، والمقداد ، وعمار ، وحذيفة ، وسعد بن عبادة ، وزيد بن أرقم ، وأسامة ، وخالد بن سعيد بن العاص – حتى أن أباه أنكر ذلك وقال : من استخلف الناس ؟ قالوا : أبنك . قال : وما فعل المستضعفان ؟ أشارة إلى عليّ والعباس ، قالوا : اشتغلوا بتجهيز رسول الله ? ، ورأوا أن أبنك أكبر منه – وبنو حنيفة كافة ، ولم يحملوا الزكاة إليه حتى سماهم أهل الردة وقتلهم وسباهم ، فأنكر عليه عمر وردَّ السبايا أيام خلافته )) .
قلنا : من له أدنى خبرة وسمع هذا جزم بأن قائله أجهل الناس أ, من أجرأ الناس على البهتان . فالرافضة ذوو جهل وعمى ، فمن حدثهم بما يوافق أهواءهم صدقوه ولو كان الدجال ومن أورد عليهم بمخالفة أهوائهم كذبوه ولو كان صدّيقاً . وإن اعتقدوا صدقه قالوا : نعم وقالوا لإخوانهم : إنما نقول هذا الذي نقول مداراة وتقية للنواصب . فكيف يرجى فلاح من هذا حاله ، أم الذي نؤمل عافية من هذا مرضه ؟ فلهم أوفر نصيب من قوله تعالى : { ومن أظلم ممن أفترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه } ( العنكبوت 68 ) ، ولنا إن شاء الله أوفى حظ من التمثل بقوله { والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون } ( الزمر 33 ) ، أفسمع قط بمثل هذا فقد علم كل عالم كفر بني حنيفة أتباع مسيلمة وارتدادهم ، وهذا يعدهم من أهل الإجماع . وإنما قتلهم وسباهم لامتناعهم عن بيعته ولأنهم لم يحملوا الزكاة إليه . فنعوذ بالله من البهتان . ونقل الهذيان ، وتضييع الزمان ، في الرد على هذا الذي هو غير إنسان .
/ إذا محاسني اللائي أٌدِلُ بها كانت ذنوباً فقل لي كيف أعتذرُ ومن أعظم مناقب الصديق قتل هؤلاء الأرجاس وسبيهم ، وما قاتلهم على منع زكاة بل على إيمانهم بمسيلمة وكانوا نحو مائة ألف( 1 ) . والحنفية سُرَّيةٌ عليَّ – أم محمد بن الحنفيه – من سبيهم( 2 ) ، فأما الذين قاتلهم على منع الزكاة فطوائف من العرب غير بني حنيفة استباحوا ترك الزكاة فقاتلهم . وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهما : إذا قال قوم نحن نزكى ولا ندفعها إلى الإمام لم يجز قتالهم . فهلا عددت يا ……. في المتخلفين عن بيعة أبي بكر اليهود والبربر وكسرى وقيصر ، فأمر بني حنيفة قد خلص إلى العذارى في الخدور وأنت لا تعي . وكتاب الردة لسيف بن عمر مشهور ، والردة للواقدي .
ثم قولك (( إن عمر أنكر قتال أهل الردة ورد عليهم )) من البهتان ، وإنما توقف مع الصديق في قتال مانعي الزكاة فناظره فرجع عمر إلى قوله . وأما الذين سميتهم وأنهم تخلفوا عن بيعة الصديق فكذب عليهم ، وما تخلف إلا سعد بن عبادة ، ومبايعة هؤلاء لأبي بكر ثم عمر أشهر من أن تنكر . وأسامة ما سار بذلك الجيش حتى بايع الصديق ، وكان خالد بن سعيد نائباً للنبي ? ، فلما مات قال : لا أنوب لغيره ، وقد علم بالتواتر أنه ما تخلف عن بيعة الصديق سوى سعد ، وأما علي وبنو هاشم فلم يمت أحد منهم إلا وهو مبايع له ، لكن فيل تأخرت بيعتهم ستة أشهر ، وقيل بايعوه ثاني يوم طوعاً منهم( 3 ) ثم الجميع أيضاً بايعوا عمر سوى سعد ، ومات سعد في خلافة عمر ، وكان قد رامها يوم السقيفة ولم يدر أن الخلافة في قريش . وما ذكره عن أبي قحافة فباطل ، ولم يكن أبنه أسن الصحابة ، كان أصغر من النبي ? بقليل( 4 ) . والعباس أكبر من النبي ? بثلاث سنين . لكن المأثور عن أبي قحافة أنه لما قبض نبي الله ارتجت مكة فسمع أبو قحافة فقال : ما للناس ؟ قالوا : قبض رسول الله ? . قال : أمر جلل ، فمن ولي بعده ؟ قالوا : ابنك . قال : وهل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة : قالوا : نعم . قال : لا مانع لما أعطى الله ، ولا معطى لما منع . وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : أرسلت فاطمة إلى أبي بكر تسأل / ميراثها من أبيها رسول الله ? قال (( لا نورث ماتركناه صدقه ، وإنما يأكل آل محمد من هذا المال )) . وإني والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله ? عن حالها التي كانت عليه في عهده . ولست تاركاً شيئاً كان يعمل به إلا عملت به ، إني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ . فوجدت فاطمة على أبي بكر فلم تكلمه حتى توفيت . وعاشت بعد رسول الله ? ستة أشهر . فلما توفيت دفنها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر . وكان لعليّ من الناس وجهُ حياة فاطمة ، فلما ماتت استنكر عليّ وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ، ولم يكن بايع تلك الأشهر ، فأرسل إلى أبي بكر أن أئتنا ، ولا تأتنا ومعك أحد – كراهية عمر – فقال عمر لأبي بكر : والله لا تدخل عليهم وحدك . فقال أبو بكر : ماعساهم أن يفعلوا بي ؟ والله لآتينهم . فدخل عليهم أبو بكر ، فتشهد عليّ ثم قال : إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضلك وما أعطاك الله ، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك ، ولكنك استبددت بالأمر علينا . وكنا نرى أن لنا فيه حقاً لقرابتنا من رسول الله ? . فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر . فلما تكلم أبو بكر قال : والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ? أحب إليَّ أن أصل من قرابتي . وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فإني لم آلُ فيها عن الحق ولم أترك أمراً رأيت رسول الله ? يصنعه فيها إلا صنعته . فقال عليّ : موعدك العشية للبيعة . فلما صلى أبو بكر الظهر قام قائماً على المنبر فتشهد وذكر شأن عليّ وتخلفه عن البيعة وعذره الذي اعتذر به . ثم استغفر . وتشهد عليّ فعظَّم حق أبي بكر ، وأن لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكار عليه للذي فضله الله به ، ولكنا كنا نرى أن لنا في الأمر نصيباً فاستند علينا به ، فوجدنا في أنفسنا . فسر بذلك المسلمون وقالوا أصبت . وكان المسلمون إلى عليّ قريباً حين راجع الأمر بالمعروف .
ولا ريب أن الإجماع المعتبر في الإمامة لا يضر فيه تخلف الواحد والإثنين ، ولو اعتبر ذلك لم تكن تنعقد إمامة( 5 ) / بخلاف الإجماع على الأحكام العامة فهل يعتد بخلاف الواحد أو الأثنين ؟ فعن بن جرير الطبري وغيره . الثاني : يعتد بخلاف الواحد والاثنين في الأحكام . ثم الواحد إذا خالف النص كان خلافه شاذاً كخلاف سعيد بن المسيب في أن المطلقة ثلاثاً إذا نكحت زوجاً غيره أبيحت للأول بمجرد العقد . وأيضاً في صحة الخلافة إلا اتفاق أهل الشوكة والجمهور ، قال عليه السلام : (( عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة )) وقال : (( عليكم بالسواد الأعظم ، ومن شذَّ شذَّ في النار )) .
ثم إجتماع الأمة على بيعة أبي بكر أعظم من اجتماعهم على بيعة علي ، فإن ثلث الناس أو أرجح لم يبايعوه وقاتلوه ، وخلق من الكبار لم يقاتلوا معه واعتزلوا [ فإن جاز القدح في الإمامة بتخلف بعض الأمة عن البيعة ، كان القدح في إمامة عليَّ أولى بكثير ] ( 6 ) .
فإن قلت : إمامته ثبتت بالنص فلا يحتاج إلى الإجماع .
قلنا : قد مرت النصوص الدالة على تقديم أبي بكر تلويحاً أو تصريحاً ، مع أولويته وإجماعهم على بيعته وعلى تسميته خليفة رسول الله ? .
[ والكلام في إمامة الديق إما أن يكون في وجودها ، وإما أن يكون في استحقاقه لها . أما الأول فهم معلوم بالتواتر وإتفاق الناس بأنه تولى الأمر ، وقام مقام رسول الله ? ، وخلفه في أمته ، وأقام الحدود ، واستوفى الحقوق ، وقاتل الكفار والمرتدين ، وولى الأعمال ، وقسم الأموال ، وفعل جميع ما يفعل الإمام ، بل هو أول من باشر الإمامة في الأمة وأما إن أريد بإمامته كونه مستحقاً لذلك ، فهذا عليه أدلة كثيرة غير الإجماع : فلا طريق يثبت بها كون عليّ مستحقاً للإمامة إلا وتلك الطريق يثبت بها أن أبا بكر مستحق للإمامة وأنه أحق بالإمامة من عليّ وغيره . وحينئذ فالإجماع لا يحتاج إليه لا في الأولى ولا في الثانية ، وإن كان الإجماع حاصلاً ] ( 7 ) .
قال : (( وأيضاً الإجماع ليس أصلاً في الدلالة( 8 ) ، بل لابد له من مستند إما عقلي – وما في العقل مايدل على إمامته 0 وغما نقلي ، وعندهم أن رسول الله ? مات عن غير وصية على إمام ، فلو كان الإجماع متخلفاً لكان خطأ فتنتفي دلالته )) .
قلنا : إن أردت بقولك (( الإجماع ليس أصلاً في الدلالة )) أن أمير المؤمنين لا تجب طاعته لنفسه ، وإنما تجب لكونه دليلاً على أمر الله ورسوله فهذا صحيح ولكنه لا يضر ، فإن أمر الرسول كذلك لا تجب طاعته لذاته بل لأن من أطاعه فقد اطاع الله ، ففي الحقيقة لا يطاع أحد لذاته إلا الله : { له الخلق والأمر } ( الأعراف 54 ) ، { إن الحكم إلا لله } ( الأنعام 57 ) . وإن أردت أنه قد يكون موافقاً للحق وقد يكون مخالفاً ، فهذا قدح في كون الإجماع حجة ، ودعوى أن الأمة تجتمع على الخطأ كما يقوله النّظامُ وبعض الرافضة خطأ ونحن لا نحتاج في إمامة الصديق إلى هذا ، ولا نشترط لأحد فنقول ما من حكم بالإجماع إلا وقد دل على النص ، والإجماع دليل على نص موجود والناس مختلفون / في جواز الإجماع عن اجتهاد ، لكن لا يكون النص خافياً عن الكل . وخلافة الصديق من هذا الباب فإنه ورد فيه نصوص تدل على أن خلافته حق وصواب ، وهذا مما لا خلاف فيه ، وإنما اختلفوا : هل العقد بنص خاص أو بالإجماع ؟ ومستند قولنا النص والإجماع متلازمان قوله تعالى { كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر }( آل عمران 110 ) ، فهذا ينبغي أنهم يأمرون بكل معروف وينهون كل ما أوجبه الله ، ويحرموا كل ما حرمه الله ، وأن لا يسكتوا عن الحق ، فكيف يجوز عليهم النهي ، وامتنع عليهم السكوت . ولو كانت طاعة علي وتقديمه واجباً لكان ذلك من أعظم المعروف الذي يجب أن يأمروا به . وقال تعالى { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر }
( التوبة 71 ) ، وقال تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } ( البقرة 143 ) ، فمن جعلهم الرب شهداء على الناس فلا بد أن يكونوا عالمين بما يسهدون به ، فلو كانوا يحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ، ويسقطون ما أوجب ويوجبون ما أسقط ، لما صلحوا أن يكونوا شهداء على الناس ، وكذلك إذا كانوا يجرحون الممدوح ويمدحون المجروح . فإذا شهدوا بإستحقاق أبي بكر وجب أن يكونوا صادقين ، وكذا إذا شهدوا كلهم أن هذا صالح وهذا عاص وجب قبول شهادتهم . وقال تعالى : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم } ( النساء 115 ) ، فتوعد على اتباع غير سبيلهم ، كما توعد على مشاقة الرسول ، فكل منهما مذموم ، فإذا أطبقوا على تحريم أو حل وخالفهم مخالف فقد أتبع غير سبيلهم فيذم . وقال { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا } ( آل عمران 103 ) ، فلو كانوا في حال الاجتماع كالتفرق لم يبق فرق . وقال : { إنما وليكم الله ورسوله والذين أمنوا }
( المائدة 55 ) ، جعل موالاتهم كموالاة الله والرسول ، والله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة . وأحق الناس بهذا الصحابة ، فثبت أن مافعلوه من خلافة ابي بكر حق / وقال عليه الصلاة والسلام :
(( من أثنيتم عليه خيراً وجبت خيراً له الجنة ، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار ، أنتم شهداء الله في الأرض )) .
قال : (( وأيضاً الإجماع إنما يعتبر فيه قول الكل ، وهذا لم يحصل ، وقد اجمع اكثر الناس على قتل عثمان )) .
قلنا : أجبنا على هذا ، وإنه لا يقدح في اتفاق أهل الحل والعقد شذوذ من خالف . وأما عثمان فإنما قتلته طائفة قليلة باغية ظالمة .
قال : (( وكل واحد يجوز عليه الخطأ ، فأي عاصم لهم عن الكذب عند الإجماع ؟ )) ( 9 ) .
قلنا : إذا حصل بالإجماع م الصفات ماليس للآحاد لم يجز أن يجعل حكم الواحد حكم الإجماع . فالآحاد يجوز عليهم الغلط والكذب ، فإذا انتهوا إلى حد التواتر امتنع عليهم الغلط والكذب . وكل واحد من اللقم لا يشبع وبالاجتماع يحصل الشبع . والواحد لا يقدر على قنال العدو ، فإذا اجتمع عدد قدروا . فالكثرة تؤثر قوة وعلماً . قال تعالى : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الآخرى } ( البقرة 283 ) ، وقال عليه الصلاة والسلام : (( الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد )) . ومعلوم أن السهو الواحد يكسره الإنسان ، وبضمه إلى سهام كثيرة يتعذر . وأيضاً فإن كان الإجماع قد يكون خطأ لم تثبت لك عصمة علي ، فإنه إنما علمت بالإجماع كما زعمت وأن لا معصوم سواه ، فإن جاز الخطأ على الإجماع أمكن أن يكون غيره معصوماً وأن قدحتم في الإجماع بطل أصل مذهبكم ، وإن قلتم هو حجة فقد أجمعوا على الثلاثة قبل عليّ .
قال: (( وقد بينا ثبوت النصوص الدالة على إمامة عليّ ، فلو أجمعوا على خلافة لكان خطأ )) .
قلنا : قد تقدم بيان توهية كل ما تزعم أنه ثابت ، وأتينا بنصوص ثابتة بخلاف ذلك . ثم نصوصنا متعضدة بالإجماع ، فلو قدر خبر يخالف الإجماع لعلم أنه باطل أو لا يدل . ومن الممتنع تعارض النص المعلوم والإجماع المعلوم فإن كليهما حجة قطعية ، والقطعيات لا يجوز تعارضها ، وإلا لزم الجمع بين النقيضين . وكل نص أجمعت الأمة على خلاف فهو منسوخ بنص آخر ، وأما أن يبقى في الأمة نص معلوم والأجماع بخلافة فهذا / لم يقع ، فالإجماع والنص على خلافة الصديق بالضرورة لما افترته الرافضة من النص على عليّ .
قال : (( ورووا عن النبي ? أنه قال : أقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر . والجواب المنع من الرواية ومن دلالتها على الإمامة ، إذ الاقتداء بالفقهاء لا يلزم منه الخلافة ، وهما قد اختلفا كثيرا فلا يمكن الاقتداء بهما . ثم هو معارض بما رووه : أصحابي كالنجوم )) .
قلنا هذا بكل حال أقوى من النص الذي تزعمونه ، فإن هذا رواه أحمد وأبو داود والترمذي . والنص في عليّ باطل ، حتى قال ابن حزم . ما وجدنا هذا النص إلا رواية واهية عن مجهول إلى مجهول يكني أبا الحمراء [ لا نعرف من هو في الخلق ] ( 10 ) . وأمره بالاقتداء بهما دال على كونهما غير ظالمين ولا مرتدين ، إذ في النادر ، كالجد مع الأخوة( 11 ) وقسمة ألفي( 12 ) بالسوية أو التفضيل ، واختلافهما في تولية خالد وعزله فاختلف اجتهادهما . والحديث يوجب الاقتداء بهما فيما اتفقا عليه وحديث (( أصحابي كالنجوم )) ضعفه أئمة الحديث فلا حجة فيه . قال : (( وذكروا ليلة الغار ، وقوله تعالى : { وسيجنبها الأتقى } ( الليل 17 ) وقوله : { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى باس شديد } ( الفتح 16 ) ، والداعي هو أبو بكر ، وكان ثاني الاثنين في العريش يوم بدر ، وأنفق ماله على النبي ? ، وتقدم في الصلاة . فلا فضيلة له في الغار لجواز أن يستصحبه حذراً منه لئلا يظهر أمره ، والآية تدل على نقصه وخوره وقلة صبره لقوله { لا تحزن } فإن كان الخزن طاعة استحال أن ينهي عنه الرسول وإن كان معصية عادت الفضيلة رذيلة . وأيضاً فإن القرآن حيث ذكر السكينة شرك مع الرسول فيها المؤمنين إلا هنا ، ولا نقص أعظم منه . وقوله { وسيجنبها الأتقى } فالمراد به أبو الدحداح حيث اشترى نخلة لشخص لأجل جاره . وأما { قل للمخلفين } قالمراد من تخلف عن الحديبية ، والتمسوا أن يخرجوا إلى غنيمة خيبر بقوله { قل لن تتبعونا } لأن الله جعل غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية فمنعوا بقوله { قل لن تتبعونا } ثم قال : { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون } يريد سندعوكم فيما بعد ، فدعاهم الرسول إلى غزوات كثيرة كمؤتة وخيبر وتبوك ، / ويجوز أن يكون الداعي لهم أمير المؤمنين حيث قاتل . وأما كونه أنيسه في العريش فإنما كان أنسه بالله ، لكن لما عرف الرسول أنه إن أمر أبا بكر بالقتال يؤدي إلى فساد حيث هرب عدة مرار ، فإيما أفضل : القاعد عن القتال أو المجاهد ؟ وأما إنفاقه فكذب ، لأنه لم يكن له مال ، فإن أباه كان فقيراً في الغاية ، فلو كان غنياً لكفى أباه ، وكان أبو بكر في الجاهلية مؤدباً وفي الإسلام خياطاً ، فلما ولوه منعوه من الخياطة فقال : إني محتاج إلى القوت فجعلوا له في كل يوم ثلاثة دراهم من بيت المال . والرسول كان غنياً بمال خديجة قبل الهجرة [ وبعد الهجرة ] (13 ) لم يكن لأبي بكر شئ ، ولو أنفق لنزل فيه قرآن كما نزل في علي { هل أتى } . ومن المعلوم أن الرسول أشرف من الذين تصدق عليهم أمير المؤمنين ، والمال الذي يدعون إنفاقه أكثر ، فحيث لم ينزل فيه قرآن دل على كذب النقل . وأما تقديمه في الصلاة فخطأ ، لأن بلالاً لما أذن أمرته عائشة أن يقدم أباها فلما أفاق نبي الله سمع التكبير فقال : أخرجوني ، فخرج بين عليّ والعباس فنحاه عن القبلة وعزله عن الصلاة وتولى هو الصلاة . فهذه حال أدلة الجمهور . فلينظر العاقل بين الإنصاف ويقول طلب الحق دون اتباع الهوى ويترك تقليد الآباء والأجداد )) .
والجواب : أن في هذا الكلام من البهتان والقحة مالا يعرف لطائفة ، فلا ريب أن الرافضة فيهم شبه من اليهود ، فإنهم قوم بهت يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويريدون قلب الحقائق ، فهم اعظم المبتدعة رداً للحق وتصديقاً للكذب .
فأما الغار ففضيلة ظاهرة باهرة لقوله : { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } وفي الصحيحين أن أبا بكر قال : نظرت إلى أقدام المشركين على رؤسنا – ونحن في الغار – فقلت لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا ، فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما . والمعية هنا خاصة كقوله تعالى : { أنني معكم أسمع وأرى } ( طه 46 ) ، والمعية العامة بالعلم كقوله تعالى { وهو معكم أين ما كنتم } ( الحديد 4 ) ، قال ابن عيينه : عاتب الله الخلق كلهم في نبيه إلا أبا بكر فقال : { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين } ( التوبة 40 ) / الآية . قال أبو القاسم السهيلي وغيره : هذه المعية الخاصة لم تثبت لغير أبي بكر .
وفي قوله : { إذ يقول لصاحبه } دليل على أن الصديق في دروة سنام الصحبة ، فإنه صحبه من أول مابعث إلى أن مات ، كما يقال مافرقه لا في الحياة ولا في الممات . وفي الصحيح أنه عليه السلام قال : (( عل أنتم تاركوه لي صاحبي )) . وفي الصحيحين عن عائشة قالت : لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ، ولم يمض علينا يوم إلا ورسول الله ? يأتينا فيه طرفي النهار . وفي حديث صلح الحديبية الذي أخرجه البخاري أن عمر قال : يا رسول الله ، ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قال : فلم نعطى الدنية في ديننا إذن ؟ فقال : إني رسول الله ولست أعصيه ، وهو ناصري . قال فقلت : أو ليس كنت تحدثنا أنا ناتي البيت فنطوف به ؟ قال : بلى ، فأخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه ومطوف به . قال : فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبا بكر ، أليس هذا نبي الله حقاً ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا ؟ قال : أيها الرجل ، إنه رسول الله ولن يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه ، فوالله إنه على الحق . فبهذا وأشباهه استحق أبو بكر أن يسمى صديقاً . وللبخاري عن أبي الدرداء عن النبي ? قال : (( أيها الناس . أعرفوا لأبي بكر حقه ، فإنه لم يسؤني قط )) .
وإذا تدبر العاقل ما صح من الأحاديث وأمعن النظر لاح له الصدق من الكذب . ومن شرك الحفاظ وجهابذة الحديث في علمهم علم بعض ماقالوه وعرف بعض قدرهم وتحريهم ، وغلا فليسلم القوس إلى باريها كما يسلم إلى الأطباء طبهم وغلى النحاة نحوهم وإلى الصيارفة نقدهم ، ومع أن جميع أرباب الفنون يجوز عليهم الخطأ ، إلا الفقهاء والمحدثين : فلا هؤلاء يجوز عليهم الاتفاق على مسألة باطلة ، ولا هؤلاء يجوز عليهم التصديق بكذب ولا التكذيب بصدق . فمن تأمل وجد فضائل الصديق كثيرة وهي خصائص له : مثل { إن الله معنا } . وحديث المخالة ، وحديث أنه أحب الرجال إلى رسول الله ? ، وحديث الإتيان إليه بعده( 14 ) ،وحديث كتابة العهد له ، وحديث تخصيصه بالصديق ابتداء والصحبة ، وتركه له [ وهو قوله : (( فهل أنتم تاركو لي صاحبي )) ] ( 15 ) ، وحديث دفعه عنه عقبة بن أبي معيط إذ وضع الرداء في عنقه ، وحديث استخلافه في الصلاة ، الحج ، وشأن ثباته بعد / وفاة الرسول ? وانقياد الأمة له ، وحديث خصال الخير التي اتفقت له في يوم . ثم له مناقب يشركه فيها عمر كحديث شهادته بالإيمان له ولعمر ، وحديث [ عليَّ يقول : كثيراً ما كنت أسمع النبي ? يقول ] ( 16 ) (( خرجت أن وأبو بكر وعمر )) ، وحديث نزعه من القليب ، وحديث (( إني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر )) ومناقب عليَّ على كثرتها ليس فيها شيء من خصائص . وللصديق في الصحاح نحو عشرين حديثاً أكثرها خصائص ، فمناقبه جمة وفضائله استوجب بها أن يكون خليل رسول الله ? دون الخلق لو كانت المخالة ممكنة فلو كان مبغضاً له كما يقول الرافضي لما خزن بل كان يظهر الفرح والسرور ، فأخبر الرسول ? أن الله معهما ، وهذا إخبار بأن الله معهما بنصره وحفظه . ومعلوم أن أضعف الناس عقلاً لا يخفى عليه حال من يصحبه في مثل هذا السفر الذي قد عاداه فيه أولئك الملأ ، فكيف يصحب واحداً ممن يظهر له موالاته دون غيره وهو عدو له في الباطن ، وهذا لا يفعله إلا أغبى الناس وأجهلهم ، فقبح الله من جوز هذا على أكمل الخلق عقلاً وعلماً .
وقول الرافضي (( يجوز أن يستصحبه حذراً منه لئلا يظهر أمره )) فهذا باطل من وجوه عدة : أحدها : أنه قد علم بدلالة القرآن موالاته ومحبته ، وعلم بالتواتر المعنوي أنه كان محباً للرسول مؤمناً به مختصاً به أعظم مما علم من سخاء حاتم وشجاعة عنترة . ولكن الرافضة قوم بهت ، حتى إن بعضهم جحدوا ان يكون أبو بكر وعمر دفنا في الحجرة النبوية( 17 ) . وأيضاً فما قاله هذا الرافضي يدل على فرط جهله عموماً ، وخاصة بما وقع وقت الهجرة ، فإنه اختفى هو وصاحبه في الغار وعرف بذلك أهل مكة وأرسلوا الطلب من الغد في كل فج وجعلوا الدية فيه وفي أبي بكر لمن أتى بواحد منهما ، فهذا دليل على علمهم بموالاته للرسول ? ومعاداتهم له ، ولو كان مباطنهم لما بذلوا فيه الدية . وأيضاً فإنه خرج ليلاً لم يدر به أحد ، فلماذا يصنع باستصحاب أبي بكر ؟ فإن قيل لعله علم بخروجه قيل يمكنه أن يخفى ذلك عنه كما خفى عن سائر المشركين . وفي الصحيحين / أن أبا بكر أستأذن في الهجرة فأمره أن يصبر ليهاجر معه . وفي الصحيحين عن البراء عن أبي بكر قال : سرينا ليلتنا حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق حتى رفعت لنا صخرة لها ظل فنزلنا عندها فسويت بيدي مكاناً ينام فيه النبي ? في ظلها ثم بسطت فروة ثم قلت : نم يا رسول الله ، فنام . إلى أن قال : فارتحلنا بعد الزوال ، واتبعنا سراقة مالك ونحن في جلد من الأرض فقلت : يارسول الله ، أتينا . فقال : { لا تحزن إن الله معنا } ، فدعا عليه فارتطمت فرسه إلى بطنها ، فال : إني قد علمت أنكما دعوتما عليَّ ، فادعوا لي ، ولكما أن أردَّ عنكما الطلب . فدعا الله ، فنجا . فرجع لا يلقى أحداً إلا وقال : قد كفيتم ما هاهنا . وذكر الحديث . وفي البخاري عن عائشة قالت : فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً إلى الحبشة ، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيخ ابن الدغنة ، وهو سيد القارة ، فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ قال : أخرجني قومي ، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي …. والحديث بطوله . وأيضاً فلما كان في الغار كان يأتيهما بالخبر عبد الرحمن بي أبي بكر ومعهما عامر بن فهيرة ، فكان يمكنه أن يعلمهم بخبره . ثم لما جاء الكفار ورأى أقدامهم هلا خرج إليهم وأسلمه ؟ ! فلا مثلها . فسبحان من أعمى بصيرتك .
وقولك : (( الآية تدل على نقصه وقلة صبره )) فهذا تناقض : بينا أنت قائل (( استصحبه حذراً منه لئلا يظهر أمره )) إذ جعلته قليل الصبر ذا خور ، فبالله على أي شيء تحسد : لا علم ولا فهم . وأعلم أنه لم يكن في المهاجرين منافق( 18 ) ، وذلك كالمستحيل فإن العز والمنعة كانت بمكة للمشركين . ومن دخل في الإسلام تعب بهم وآذوه بكل طريق ، فلا يدخل أحد في الإسلام إلا ابتغاء وجه الله ، لا لرهبة ، إذ الرهبة من الطرف الآخر . وإنما كان النفاق في أهل المدينة لأن الإسلام فشا بها وعز وعلا على الشرك ، فبقي أناس في قلوبهم زيغ وغل لم يؤمنوا ، فأسلموا في الظاهر تقية وخوفاً من السيف ، والمهاجرون ما أكرههم أحد ولا خافوا من المسلمين ، بل هم كما قال الله تعالى : { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون } ( الحشر 8 ) ، وأبو بكر أفضلهم ، وكلهم خاطبوه بخليفة رسول الله ، فمن سماهم الله (( صادقين )) لا يتفقهون على ضلالة . وقولك (( يدل على نقصه )) نعم كلتا ناقص بالنسبة إلى رسول الله ? / ولم ندع عصمته كما فعلتم . ثم الله قد قال لنبيه { ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون } ( النحل 127 ) ، وقال للمؤمنين عامة : { ولا تهنوا ولا تحزنوا } ( آل عمران 139 ) ، وقال لنبيه : { لا تمدن عينيك إلى ما تعنا به أزواجاً منهم ولا تحزن عليهم } ( الحجر 88 ) ، ولا ينافي الحزن الإيمان .ومن شبه يقين الصديق وصبره بغيره من الصحابة فهو جاهل ، والصديق أرفع من عثمان بكثير من المناقب وبعد ذا فقد صبر عثمان وثبت ثباتاً ما مثله : حاصروه ، وراموا طعنه وقتله ، وهو يمنع أنصاره ومواليه عن حربهم ، إلى أن ذبحوه ، وهو صابر محتسب موقن ، ثم إن قوله { لا تحزن } لا يلزم منه وقوع الحزن وكذا النهي عن كل شيء كقوله : { يأيها النبي أتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين } ( الأحزاب 1 ) ، { ولا تدع مع الله إلاها آخر } ( القصص 88 ) ، { فلا تكونن من الجاهلين } ( الأنعام 35 ) ، وهب أنه حزن ، فكان حزنه على رسول الله ? لئلا يقتل فيذهب الإسلام . [ روى ] وكيع عن نافع عن أبن عمر عن ابن مليكة قال : لما هاجر النبي ? أخذ طريق ثور ، فجعل أبو بكر يمشي خلفه ويمشي أمامه ، فقال النبي ? : مالك ؟ فقال : يا رسول الله أخاف أن تؤتي من خلفك فأتأخر ، وأخاف أن تؤتي من أمامك فأتقدم . فلما انتهيا إلى الغار قال . يا رسول الله كما أنت ، حتى أقمه . قال نافع فحدثني رجل عن ابن ابي مليكة أن أبا بكر رأى حجراً في الغار فألقمه قدمه وقال : يا رسول الله ، إن كانت لدغة كانت بي . وفي الصحيحين (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده ووالده والناس أجمعين )) فحزن الصديق على النبي ? - لا حتمال أن يؤذى – يدل على كمال محبته وذبه عنه . وقد أخبر الله عن يعقوب أنه قال : { إنما أشكو بثي وخزني إلى الله } ( يوسف 86 ) . ثم أنتم تحكون عن فاطمة رضي الله عنها من الحزن على ابيها مالا يوصف ، وأنها اتخذت بيت الآخزان ، وتصفونها بما لا يسوغ . فالجاهل يريد أن يمدح فيقدح . وإن قلت حزن أبي بكر على نفسه من القتل ، دل [ ذلك ] على أنه مؤمن ولم يكن مباطناً لقريش . ونبي الله قال : (( وإنا بك يا إبراهيم لمحزنون )) . والحزن مباح وعلى ذلك تدل النصوص .
وقلتم( 19 ) : قوله { لصاحبه } لا يدل على إيمان ، وذكرتم { إذ يقول لصاحبه لا تحزن } . قلنا : لفظ (( الصاحب )) عام ، ومنه قوله { والصاحب بالجنب } . ولكن آية الغار بسياقها تدل على صحبة المودة والموالاة .
وأما قولك : { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } ( الفتح 26 ) فلأنهم كانوا انهزموا فلو قال { على رسوله } وسكت لما دل الكلام على نزول السكينة عليهم ، وأما هنا فلم يحتج إلى هذا لأنه كان تابعاً مطيعاً ، فهو صاحبه والله معهما ، فإذا حصل للمتبوع هنا سكينة وتأييد بالملائكة كان ذلك التابع أيضاً بحكم اللازم . وأبو بكر لما نعت بالصحبة المطلقة الدالة على كمال الملازمة ، ونوه بها في أحق الأحوال أن يفارق الصاحب فيها مصحوبة وهو حال شدَّة الخوف ، كان هذا دليلاً بطريق الفحوى على أنه صاحبه وقت النصر والتأييد والتمكين ، ولهذا لم ينصر الرسول في مواطن إلا كان أبو بكر أعظم المنصورين بعده ، ولم يكن أحد من الصحابة أعضم يقيناً وثباتاً منه ، ولهذا قيل : لو وزن إيمانه بإيمان أهل الأرض لرجح ، كما في السنن عن أبي بكرة أن النبي ? قال : (( هل رأى أحد منكم رؤيا ؟ فقال رجل : أنا رأيت كأن ميزاناً من السماء نزل ، فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت به ، ثم وزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر ، ثم وزن عمر وعثمان فرجح عمر ، ثم رفع الميزان )) .
وقولك : { وسيجنبها الأتقى } ، لا يجوز أن تكون الآية خاصة بأبي الدحداح دون أبي بكر ، كيف والسورة مكية وأبو الدحداح كانت قصته بالمدينة باتفاق ، فإن قال أحد أنها نزلت فيه فمعناه أنه ممن شملته الآية ، فإن كثيراً ما يقول بعض الصحابة والتابعين نزلت في كذا ، ويكون المراد أي دلت على هذا الحكم وتناولته ، ومنهم من يقول قد تنزل الآية مرتين بسببين . وقد ذكر ابن حزم بإسناده عن [ عبدالله ] بن الزبير وغيره أنها نزلن في أبي بكر( 20 ) ، وكذلك ذكر الثعلبي ونقله عن عبدالله وعن سعيد بن المسيب . وقال ابن عيينة : حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال : أعتق أبو بكر سبعة كلهم يعذب في الله ، بلال وعامر بن فهيرة والنهدية وابنتها وزبيرة وأم عميس وأمة بني المؤمل ، فأما زبيرة فكانت رومية وكانت لبني عبدالدار ، فلما أسلمت عميت فقالوا : أعمتها اللات والعزى ، قالت : فهي تكفر باللات والعزى فرد الله بصرها . / وأما بلاب فاشتراه وهو مدفون في الحجارة ، فقالوا : لو أبيت إلا أوقيه لبعناكه . فقال أبو بكر : لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته . قال : وفيه نزلت { وسيجنبها الأتقى } إلى آخر السورة . وأسلم وله أربعون ألفاً فأنفقها في سبيل الله . وأيضاً فلم يقل أحد إن أبا الدحداح أتقى الأمة وأكرمهم عند الله . وفي الصحيح (( ما نفعني مال أبي بكر )) وفي البخاري أن النبي ? خرج في مرض موته فقعد على منبره وقال : (( إنه ليس أحد أمن عليّ في نفسه وماله من أبي بكر ولو كنت متخذاً خليلاً لأتخذته خليلاً ، ولكن خلة الإسلام أفضل . سدوا عني كل خوخة في المسجد غير خوخة ابي بكر )) . وصحح الترمذي عن عمر قال : أمرنا رسول الله ? أن نتصدق ، فوافق ذلك مالا عندي ، فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً . فجئت بنصف مالي ، فقال النبي ? : ما أبقيت لأهلك ؟ قلت مثله . وأتى أبو بكر بماله كله ، فقال النبي ? : ما أبقيت لأهلك ؟ قال أبقيت لهم الله ورسوله فقلت : لا أسابقك إلى شيء أبداً .
وأما أية : { قل للمخلفين } ( الفتح 16 ) ، فقد استدل بها على خلافة الصديق الشافعي والأشعري ، وابن حزم بان الله قال : { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي ابداً ولن تقتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين } ( التوبة 83 ) . قالوا : فأمر الله نبيه في هؤلاء بهذا فعلم أن الداعي لهم إلى القتال ليس هو ، فوجب أن يكون من بعده ، وليس إلا أبا بكر أو عمر دعوا إلى قتال فارس والروم وغيرهم أو يسلمون . وهؤلاء دعلوا المذكورين في الفتح هم المخاطبون في براءة ، ومن هنا صار في الحجة نظر ، والفتح نزلت في قصة الحديبية باتفاق . وبحث هنا شيخنا ( 21 ) وطول ودقق ، إلى أن قال في الآية : إنها لا تتناول القتال مع عليّ قطعاً ، لأن الله قال : { تقاتلونهم أو يسلمون } والذين حاربهم عليّ كانوا مسلمين بنص القرآن ، قال اله : { وإن طائفتان من المؤمنين أقتتلوا فأصلحوا بينهما } ( الحجرات 9 ) ، الآية ، فوصفهم بالإيمان مع الاقتتال والبغي ، وأخبر أنهم إخوة . وقال عليه السلام في الحسن / : (( وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين )) فجرى كذلك ودل عليه أن ما فعله السيد الحسن كان أرضى لله من القتال .
وأما ما موهت به من هذيانك ونقلك الكذب الذي هو هجيراك وديدنك من أمر العريش ، فقولك (( هرب عدة مرار في غزواته )) فغزاة بدر أول مغازي الرسول ، فلا غزا هو ولا أبو بكر قبلها ، فمتى هرب ؟ كلا لم يهرب قط . حتى يوم أحد ما أنهزم لا هو ولا عمر ، بل عثمان تولى وعفا الله عنه بالنص , وكان أبو بكر أحد من ثبت مع النبي ? يوم حنين كما تقدم . ولو كان في الجبن بهذه المثابة لم يخصه الرسول بأن يكون معه في العريش . بل قوله للرسول إذ رآه يستغيث بالله : يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ، دال على ثباته وقوة يقينه . وكان هو ورسول الله ? أفضل من شهد بدراً مع كونها لم يقاتلا ، فما كل من قاتل أفضل ممن لم يقاتل . فإن كنت يا رافض( 22 ) تصفه بالهروب مراراً وبالخور والفشل والفقر والإفلاس وبكونه خياطاً ، وكان ليس بذي عشيرة ولا بيته كبيت بني مناف وبني مخزوم ولا قريباً من ذاك ولا له عبيد ولا خدم ، فبالله لماذا خضع له السابقون الأولون وبايعوه وقالوا (( يا خليفة رسول الله )) ؟ ماذاك والله إلا النص فيه . ولولا أفضليته عليهم في نفوسهم كما قال عمر : والله لأن أقدم فتضرب عنقي – لا يقربني ذلك من إثم – أحب إليَّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر .
قال الرافضي : (( وأما إنفاقه على الرسول فكذب ، لأنه لم يكن له مال )) فيقال : من أعظم البلايا إنكار المتواتر المستفيض القطعي . فمن ذا الذي نقل من الثقات أو الضعفاء ما زعمت ؟ أفبالوقاحة والمباهته ينكر جود حاتم وشجاعة علي وحلم معاوية وغنى أبي بكر وفضله ؟ بل هؤلاء لا ذكر لهم في القرآن . وهو فيه نص صريح بفضله وغناه ، ففي الصحيحين أن مسطحاً كان أبو بكر ينفق عليه ، وكان أحد من تكلم في الإفك ، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه . فأنزل الله قوله : { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم } ( النور 22 ) ، فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي . فأعاد عليه النفقة . وقد أشترى بماله سبعة من المعذبين في الله . / وقال النبي ? : (( ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر )) . ولما هاجر استصحب ما بقي من ماله ، قيل كانت ستة آلاف ، وكان يتجر .
وقولك (( كان مؤدباً )) كذب ، ولو كان كذلك لما شانه . والمعروف أن أهل مكة كانت الكتابة فيهم قليلة جداً ، ولو كان أبو بكر معلماً لأوشك أن ينشأ في قريش خلق كثير يكتبون . ولا كان خياطاً أيضاً ، والخياطة في قريش نادرة لقلة الحاجة ، فإن عامة ثيابهم الأزر والأردية . ولما استخلف أراد أن يتجر لعياله ، ففرض له المسلمون من مال الله كفايته لئلا يشتغل عن أعباء الخلافة .
وفي الصحيحين أن أبا بكر لما ابتلي المسلمون بمكة خرج مهاجراً حتى إذا بلغ الغماد لقيه ابن الدغنة سيد القارة وقال : مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ، إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق ، وإني لك لجار ، ارجع واعبد ربك ببلدك . فرجع به ابن الدغنة وطاف في قريش فأرجاه فقالوا له : مر أبا بكر فليعبد الله ربه في داره ولا يؤذنا ولا يستعلن ، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا … الحديث بطوله .
وقولك (( لو أنفق لوجب أن ينزل فيه قرآن كما في عليّ { هل أتى } . والجواب أن حديث نزول هل أتى من الموضوعات كما قدمنا( 23 ) . ولو وجب أن ينزل قرآن في كل قضية لكان المصحف عشرين سفراً كباراً( 24 ) .
وقولك (( تقديمه في الصلاة كان من أمر عائشة )) فمن باب الافتراء والمكابرة وجحد المتواتر ، فمن نقل لك ماذكرته ؟ إسناد ثابت ، أم من نقل شيوخك المفيد والكراجكي وأمثالهما الذين تصانيفهم مشحونة بالكذب ؟
أفكانت صلاة واحدة حتى يقال فيها هذا ؟
وأهل العلم يعلمون أن أبا بكر صلى بالناس أياماً متعددة بقرب الحجرة النبوية بحيث يسمع الرسول ? ، ولا تخفى عليه إمامته . وتواتر أن ذلك بإذنه ، والنصوص في ذلك كثيرة جمة .
وقد قال نبي الله في مرضه ذلك [ على ] ما في الصحيحين عن عائشة أنه قال (( أدعي لي اباك وأخاك حتى اكتب لهم كتاباً ، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى / ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر )) فهذا من إخباره بالكوائن بعده ، ولهذا أعرض عن الكتابة لأبي بكر لما علم أن الله يجمعهم عليه وأن المؤمنين يبايعونه ولا يختلفون عليه : لا في الأول ، ولا في الآخر عندما استخلف عليهم بعده خيرهم . أماتنا الله على حب الأربعة ، فإن المرء مع من أحب .
أخره والله أعلم
والحمد لله على الإسلام . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحابته وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين وسلك تسليماً كثيراً إلى يوم الدين .
فرغ منه منتقيه من كتاب شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيميه أسكنه الله الجنة له المنة ، في نصره أئمة السنة ، في الرد على ابن المطهر البغدادي الشيعي . والأصل نحو تسعين كراسة . وهذا ( المنتقى ) فيه كفاية بحسب همم الناس ، والأصل فبحسب هممة الشيخ ، تغمده الله برحمته آمين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
( 1 ) تقدم دفاع الحلي في ص282 – 284 عن مسيلمة الكذاب واهل اليمامة والجواب عليه ، فارجع إليه إن شئت .
( 2 ) وتسري علي يها اعترافاً منه بشرعية حكم أبي بكر وحروبه ونتائجها ( أنظر رسالة مؤتمر النجف ص37 الطبعة الثالثة ) .
( 3 ) ومع ذلك لم يتخلفوا عن الصلاة خلفه في كل المواقيت .
( 4 ) ولو أنهم ولوا ابا بكر لتقدمه في السن لكان ابوه أولى منه بالولاية لأنه أعلى منه سناً .
( 5 ) وشيعة جعفر الصادق انقسموا بعده في الإمامة التى لا عمل لها : فتعلق بعضهم بابنه الأكبر إسماعيل ، وتعلق الآخرون بابنه الآخر موسى . فالذين أنكروا بيعة موسى خرقوا الإجماع بلا ريب وعددهم كبير يخرق به افجماع ، فإن كان الإجماع شرطاً عند الإمامية الموسوية أو عندهم وعند الإسماعيلية فتبعية الطائفتين للإمامين اللذين لا عمل لهما باطلة حتما . وأما إمامة أبي بكر فكاذب فاجر كل من زعم أنه شذ عنها غير سعد بن عبداة ، ومع ذلك قالمسلمون نظروا إلى سعد بعين الشفقة ، ولم يقيموا لشذوذه وزناً ، وقافلة الإسلام مابرحت تسير من أمس إلى اليوم وستظل سائرة إلى يوم الدين ، وهي الموئل ، ومن شذ عنها فعلى نفسه يجني .
( 6 ) عن الأصل 4 : 232 .
( 7 ) عن الأصل 4 : 232 .
( 8 ) أنظر ص430 .
( 9 ) كذا في الأصل 4 : 237 . والذي في المنتقى (( الاجتماع )) هنا وفيما يأتي بعد .
( 10 ) عن الأصل 4 : 238 .
( 11 ) في الميراث .
( 12 ) في الجهاد .
( 13 ) أنظر ص497 .
( 14 ) عن الأصل 4 : 240 .
( 15 ) أي حديث المرأة التي قال لها النبي ? : (( إن لم تجديني فأتي أبا بكر )) وهو في الصحيحين .
( 16 ) عن الأصل 4 : 252 .
( 17 ) عن الأصل 4 : 253 .
( 18 ) وبلغ من سفاهة أحلامهم أن أنكروا بأن يكون للنبي ? بنات غير فاطمة . أنظر ص257 و 284 .
( 19 ) لا حظ بعض الأفاضل أن السور والآيات المكية ليس فيها أي شكوى من النفاق ، لأن النفاق ليس من أخلاق العرب ولا سيما قريش . وأكثر ما يتردد ذكر النفاق في السور والآيات المدنية لوجود اليهود وسريان عدواهم إلى بعض الذين في قلوبهم مرض .
( 20 ) الخطاب للشيعة .
( 21 ) أنظر ص396-497 .
( 22 ) أي شيخ الإسلام ابن تيمية في المنهاج .
( 23 ) في المنتقى (( يا دانص )) وهذه الجملة من كلام الذهبي وليست في الأصل .
( 24 ) في ص497 – 581 .
( 25 ) ومع ذلك فآية النور وآية { وسيجنبها الأتقى } نزلتا في إنفاقه .

عدد مرات القراءة:
2816
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :