آخر تحديث للموقع :

الجمعة 12 رجب 1444هـ الموافق:3 فبراير 2023م 10:02:34 بتوقيت مكة

جديد الموقع

إمامة يزيد بن معاوية ..

قال الرافضي: ((وتمادى بعضهم في التعصب حتى اعتقد إمامة يزيد بن معاوية مع ما صدر عنه من الأفعال القبيحة من قتل الإمام الحسين ونهب أمواله وسبى نسائه ودورانهم في البلاد على الجمال بغير قتب، ومولانا زين العابدين مغلول اليدين، ولم يقنعوا بقتله حتى رضُّوا أضلاعه وصدره بالخيول، وحملوا رؤوسهم على القنا مع أن مشايخهم رووا أن يوم قتل الحسين مطرت السماء دما. وقد ذكر ذلك الرافعي في ((شرح الوجيز)) وذكر ابن سعد في ((الطبقات)) أن الحمرة ظهرت في السماء يوم قتل الحسين ولم تر قبل ذلك. وقال أيضا: ما رفع حجرا في الدنيا إلا وتحته دم عبيط، ولقد مطرت السماء مطرا بقي أثره في الثياب مدة حتى تقطعت. قال الزهري: ما بقى أحد من قاتلي الحسين إلا وعوقب في الدنيا: إما بالقتل وإما بالعمى أوسواد الوجه أوزوال الملك في مدة يسيرة.

وكان رسول الله (يكثر الوصية للمسلمين في ولديه الحسن والحسين ويقول لهم: هؤلاءوديعتي عندكم. وأنزل الله تعالى: {قُل لاَّ أسأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجرًا إلاَّ الْمَوَدَّةَ في القُرْبَى} (1).

والجواب: أما قوله: ((وتمادى بعضهم في التعصب حتى اعتقد إمامة يزيد بن معاوية)).

__________

(1) الآية 23 من سورة الشورى.

إن أراد بذلك أنه اعتقد أنه من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، كأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، فهذا لم يعتقده أحد من علماء المسلمين. وإن اعتقد مثل هذا بعض الجهال، كما يحكى عن بعض الجهال من الأكراد ونحوهم أنه يعتقد أن يزيد من الصحابة، وعن بعضهم أنه من الأنبياء، وبعضهم يعتقد أنه من الخلفاء الراشدين المهديين، فهؤلاء ليسوا من أهل العلم الذين يحكى قولهم. وهم مع هذا الجهل خير من جهال الشيعة وملا حدتهم الذين يعتقدون إلاهية عليّ، أونبوته، أويعتقدون أن باطن الشريعة يناقض ظاهرها، كما تقول الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم من أنه يسقط عن خواصهم الصوم والصلاة والحج والزكاة، وينكرون المعاد.

وأما علماء أهل السنة الذين لهم قول يُحكى فليس فيهم من يعتقد أن يزيد وأمثاله من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضى الله عنهم، بل أهل السنة يقولون بالحديث الذي في السنن: ((خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكا)) (1).

وإن أراد باعتقادهم إمامة يزيد، أنهم يعتقدون أنه كان ملك جمهور المسلمين وخليفتهم في زمانه صاحب السيف، كما كان أمثاله من خلفاء بني أمية وبني العباس، فهذا أمر معلوم لكل أحد، ومن نازع في هذا كان مكابرا؛ فإن يزيد بويع بعد موت أبيه معاوية، وصار متوليا على أهل الشام ومصر والعراق وخراسان وغير ذلك من بلاد المسلمين.

وهذا معنى كونه إماما وخليفة وسلطانا، كما أن إمام الصلاة هوالذي يصلّي بالناس. فإذا رأينا رجلا يصلّي بالناس كان القول بأنه إمام أمرا مشهوداً محسوسا لا يمكن المكابرة فيه. وأما كونه برًّا أوفاجرا، أومطيعا أوعاصيا، فذاك أمر آخر.

__________

(1) تقدمت الإشارة إليه.

فأهل السنّة إذا اعتقدوا إمامة الواحد من هؤلاء: يزيد، أوعبد الملك، أوالمنصور، أوغيرهم - كان بهذا الاعتبار. ومن نازع في هذا فهوشبيه بمن نازع في ولاية أبي بكر وعمر وعثمان، وفي ملك كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك.

وأما كون الواحد من هؤلاء معصوما، فليس هذا اعتقاد أحد من علماء المسلمين، وكذلك كونه عادلا في كل أموره، مطيعا لله في جميع أفعاله، ليس هذا اعتقاد أحد من أئمة المسلمين.

وأما مقتل الحسين (فلا ريب أنه قُتل مظلوما شهيدا، كما قُتل أشباهه من المظلومين الشهداء. وقتل الحسين معصية لله ورسوله ممن قتله أوأعان على قتله أورضي بذلك، وهومصيبة أصيب بها المسلمون من أهله وغير أهله، وهوفي حقِّه شهادة له، ورفع درجة، وعلومنزلة؛ فإنه وأخاه سبقت لهما من الله السعادة، التي لا تُنال إلا بنوع من البلاء، ولم يكن لهما من السوابق ما لأهل بيتهما، فإنهما تربيا في حجر الإسلام، في عز وأمان، فمات هذا مسموما وهذا مقتولا، لينالا بذلك منازل السعداء وعيش الشهداء.

وليس ما وقع من ذلك بأعظم من قتل الأنبياء؛ فإن الله تعالى قد أخبر أن بني إسرائيل كانوا يقتلون النبيين بغير حق. وقتل النبي أعظم ذنبا ومصيبة، وكذلك قتل عليّ (أعظم ذنبا ومصيبة، وكذلك قتل عثمان (أعظم ذنبا ومصيبة. إذا كان كذلك فالواجب عند المصائب الصبر والاسترجاع، كما يحبه الله ورسوله.

(فصل)

وصار الشيطان بسبب قتل الحسين (يُحدث للناس بدعتين: بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء، من اللطم والصراخ والبكاء والعطش وإنشاد المراثي، وما يُفضى إليه ذلك من سبّ السلف ولعنتهم، وإدخال من لا ذنب له مع ذوي الذنوب، حتى يسب السابقون الأولون، وتقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب. وكان قصد من سنّ ذلك فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة؛ فإن هذا ليس واجبا ولا مستحبا باتفاق المسلمين، بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة من أعظم ما حرّمه الله ورسوله. وكذلك بدعة السرور والفرح.

وأما ما ذكره من سبي نسائه والذرارى، والدوران بهم في البلاد، وحملهم على الجمال بغير أقتاب، فهذا كذب وباطل: ما سبى المسلمون - ولله الحمد - هاشميةً قط، ولا استحلت أمة محمد (سبى بني هاشم قط، ولكن أهل الهوى والجهل يكذبون كثيرا، كما تقول طائفة منهم: إن الحجاج قتل الأشراف، يعنون بني هاشم.

(فصل)

قال الرافضي: ((وتوقف جماعة ممن لا يقول بإمامته في لعنه مع أنه عندهم ظالم بقتل الحسين ونهب حريمه. وقد قال الله تعالى: {أَلا لَعْنَةُ اللهِ على اَلظَّاِلمينَ} (1)

__________

(1) الآية 18 من سورة هود.

.وقال أبوالفرج ابن الجوزي من شيوخ الحنابلة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: أوحى الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم: إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا، وإني قاتل بابن بنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا. وحكى السُدِّي وكان من فضلائهم قال: نزلت بكربلاء ومعي طعام للتجارة، فنزلنا على رجل فتعشينا عنده، وتذاكرنا قتل الحسين وقلنا: ما شرك أحد في قتل الحسين إلا ومات أقبح موته. فقال الرجل: ما أ كذبكم، أنا شركت في دمه وكنت ممن قتله فما أصابني شيء. قال: فلما كان من آخر الليل إذا أنا بصائح. قلنا مالخبر؟ قالوا قام الرجل يصلح المصباح فاحترقت إصبعه، ثم دب الحريق في جسده فاحترق. قال السدى: فأنا والله رأيته وهوحممة سوداء. وقد سأل مهنا بن يحيى أحمد بن حنبل عن يزيد، فقال: هوالذي فعل ما فعل. قلت: وما فعل؟ قال: نهب المدينة. وقال له صالح ولده يوماً: إن قومنا ينسبوننا إلى تولى يزيد. فقال: يا بني وهل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقال: لم لا تلعنه. فقال: وكيف لا ألعن من لعنه الله في كتابه؟ فقلت: وأين لعن يزيد؟ فقال: في قوله تعالى: {َفهلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمُ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أَوْلئِكَ الَّذينَ لَعَنَهُمْ اللهُ فأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} (1)،فهل يكون فساد أعظم من القتل ونهب المدينة ثلاثة أيام وسبى أهلها؟ وَقَتَلَ جمعا من وجوه الناس فيها من قريش والأنصار والمهاجرين من يبلغ عددهم سبعمائة، وقتل من لم يعرف من عبدٍ أوحرٍ أوامرأة عشرة آلاف، وخاض الناس في الدماء حتى وصلت الدماء إلى قبر رسول الله (وامتلأت الروضة والمسجد، ثم ضرب الكعبة بالمنجنيق وهدمها وأحرقها.

__________

(1) الآيتان 22 - 23 من سورة محمد.

وقال رسول الله (: ((إن قاتل الحسين في تابوت من نار عليه نصف عذاب أهل النار وقد شُدَّ يداه ورجلاه بسلاسل من نار ينكس في النار حتى يقع في قعر جهنم، وله ريح يتعوذ أهل النار إلى ربهم من شدة نتن ريحه، وهوفيها خالد وذائق العذاب الأليم، كلما نضجت جلودهم بدَّل الله لهم الجلود حتى يذوقوا العذاب، لا يفتّر عنهم ساعة، ويسقى من حميم جهنم، الويل لهم من عذاب الله عز وجل. وقال عليه الصلاة والسلام: اشتد غضب الله وغضبي على من أراق دم أهلي وآذاني في عترتي)).

والجواب: أن القول في لعنة يزيد كالقول في لعنة أمثاله من الملوك الخلفاء وغيرهم، ويزيد خير من غيره: خير من المختار بن أبي عبيد الثقفي أمير العراق، الذي أظهر الانتقام من قتلة الحسين؛ فإن هذا ادّعى أن جبريل يأتيه. وخير من الحجاج بن يوسف؛ فإنه أظلم من يزيد باتفاق الناس.

ومع هذا فيُقال: غاية يزيد وأمثاله من الملوك أن يكونوا فسّاقا، فلعنة الفاسق المعيَّن ليست مأموراً بها، إنما جاءت السنّة بلعنة الأنواع، كقول النبي: ((لعن الله السارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده)) (1). وقوله: ((لعن الله من أحدث حَدَثا أوآوى محدثا)) (2).وقوله ((لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه)) (3) وقوله: ((لعن الله المحَلِّلَ والمحَلَّلَ له)) (4)، ((لعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها)) (5).

__________

(1) البخاري ج8 ص159 ومسلم ج3 ص 1314.

(2) مسلم ج3 ص 1567.

(3) البخاري ج7 ص 169 ومسلم ج3 ص 1219.

(4) سنن أبي داود ج2 ص 3.7 والترمذي ج2 ص 294.

(5) سنن أبي داود ج3 ص445.

وأما ما فعله بأهل الحرَّة، فإنهم لما خلعوه وأخرجوا نوابه وعشيرته، أرسل إليهم مرة بعد مرة يطلب الطاعة، فامتنعوا، فأرسل إليهم مسلم بن عقبة المرّى، وأمره إذا ظهر عليهم أن يبيح المدينة ثلاثة أيام. وهذا هوالذي عظم إنكار الناس له من فعل يزيد. ولهذا قيل لأحمد: أتكتب الحديث عن يزيد؟ قال: لا ولا كرامة. أوليس هوالذي فعل بأهل المدينة ما فعل؟

لكن لم يقتل جميع الأشراف، ولا بلغ عدد القتلى عشرة آلاف، ولا وصلت الدماء إلى قبر النبي (، ولا إلى الروضة، ولا كان القتل في المسجد. وأما الكعبة فإن الله شرفها وعظّمها وجعلها محرَّمة، فلم يمكِّن الله أحدا من إهانتها لا قبل الإسلام ولا بعده، بل لما قصدها أهل الفيل عاقبهم الله العقوبة المشهورة.

وأما الحديث الذي رواه وقوله: ((إن قاتل الحسين في تابوت من نار عليه نصف عذاب أهل النار، وقد شُدت يداه ورجلاه بسلاسل من نار، يُنَكَّس في النار حتى يقع في قعر جهنم، وله ريح يتعوّذ أهل النار إلى ربهم من شدة نتن ريحه، وفيها خالد)) إلى آخره.

فهذا من أحاديث الكذّابين الذين لا يستحيون من المجازفة في الكذب على رسول الله (، فهل يكون على واحد نصف عذاب أهل النار؟ أويُقدِّر نصف عذاب أهل النار؟ وأين عذاب آل فرعون وآل المائدة والمنافقين وسائر الكفار؟ وأين قتلة الأنبياء، وقتلة السابقين الأوَّلين؟.

وقاتل عثمان أعظم إثما من قاتل الحسين. فهذا الغلوالزائد يقابل بغلوالناصبة، اللذين يزعمون أن الحسين كان خارجيا، وأنه كان يجوز قتله، لقول النبي (: ((من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرِّق جماعتكم، فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان)).رواه مسلم (1).

__________

(1) انظر مسلم: ج3 ص 1479.

وأهل السنّة والجماعة يردّون غلوهؤلاء وهؤلاء، ويقولون: إن الحسين قُتل مظلوما شهيدا، وإن الذين قتلوه كانوا ظالمين معتدين. وأحاديث النبي (التي يأمر فيها بقتال المفارق للجماعة لم تتناوله؛ فإنه (لم يفرّق الجماعة، ولم يُقتل إلا وهوطالب للرجوع إلى بلده، أوإلى الثغر، أوإلى يزيد، داخلا في الجماعة، معرضا عن تفريق الأمة. ولوكان طالب ذلك أقل الناس لوجب إجابته إلى ذلك، فكيف لا تجب إجابة الحسين إلى ذلك؟ ولوكان الطالب لهذه الأمور من هودون الحسين لم يجز حبسه ولا إمساكه، فضلا عن أسره وقتله.

وكذلك قوله: اشتد غضب الله على من أراق دم أهلي وآذاني في عترتي.

كلام لا ينقله عن النبي (ولا ينسبه إليه إلا جاهل. فإن العاصم لدم الحسن والحسين وغيرهما من الإيمان والتقوى أعظم من مجرد القرابة، ولوكان الرجل من أهل بيت النبي (وأتى بما يبيح قتله أوقطعه، كان ذلك جائزا بإجماع المسلمين.

كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: ((إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله لوأن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) (1).فقد أخبر أن أعز الناس عليه من أهله لوأتى بما يوجب الحد لأقامه عليه، فلوزنى الهاشمي وهومحصن رُجم حتى يموت باتفاق علماء المسلمين، ولوقتل نفساً عمدا عدوانا محضا لجاز قتله به، وإن كان المقتول من الحبشة أوالروم أوالترك أوالديلم.

فإن النبي (قال: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم)) (2) فدماء الهاشميين وغير الهاشميين سواء إذا كانوا أحراراً مسلمين باتفاق الأمة، فلا فرق بين إراقة دم الهاشمي وغير الهاشمي إذا كان بحق، فكيف يخص النبي (أهله بأن يشتد غضب الله على من أراق دماءهم.

__________

(1) انظر البخاري: ج5 ص 23، ومسلم: ج3 ص 1315.

(2) رواه أبوداود ج3 ص1.7 وابن ماجة ج2 ص 895 وأحمد ج2 ص 199. أحمد شاكر.

فإن الله حرَّم قتل النفس إلا بحق، فالمقتول بحق لِمَ يشتد غضب الله على من قتله، سواء كان المقتول هاشميا أوغير هاشمي؟.

وإن قتل بغير حق، فمن يَقْتُل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما. فالعاصم للدماء والمبيح لها يشترك فيها بنوهاشم وغيرهم، فلا يضيف مثل هذا الكلام إلى رسول الله (إلا منافق يقدح في نبوته، أوجاهل لا يعلم العدل الذي بُعث به (.

وكذلك قوله: ((من آذاني في عترتي)) فإن إيذاء رسول الله (حرام في عترته وأمته وسنته وغير ذلك.

عدد مرات القراءة:
2182
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :