| سلسلة الحقائق الغائبة - 2 |
التقيـة..الوجه الآخر
فيصل نور
مشروعية التقية من الكتاب والسنة.
أقوال علماء أهل السُنة في التقية.
التقية تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة.
أقوال الشيعة في مجالات التقية.
إدعاء بعض الشيعة أنه لا مكان للتقية في زماننا هذا.
حقيقة التقية عند الشيعة ومنزلتها.
روايات من طرق الشيعة في الترهيب من ترك التقية.
مهدي الشيعة في تقية ولا يجوز ذكره أو تسمية.
مشروعية التقية عند الشيعة في الأمن ودون توفر أسبابها.
نماذج تطبيقية للتقية في بعض ابواب الفقة.
الحوادث التاريخية التي وقعت في عصر الأئمة.
العلة من ذكر هذه الحوادث وعلاقتها بالتقية.
ليس هناك ما يستوجب لجوء الشيعة وأئمتهم للتقية.
إشتهار الشيعة بالتقية وإعتراف علمائهم بذلك.
تبريرات الشيعة لإشتهارهم بالتقية دون سائر فرق المسلمين.
تفنيد القول بإقتصار وقوع الظلم على الشيعة دون سار المسلمين وإشتهارهم بسبب ذلك بالتقية.
نماذج من علماء أهل السُنة تعرضوا لتنكيل الحكام.
سيرة الأئمة والقول بالتقية صورتان متضادتان.
هل تجور التقية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
الأئمة نصّبوا لبيان الشرايع والاحكام بزعم الشيعة ، فلو أخذوا بالتقية انتفت الفائدة من نصبهم.
زعم الشيعة أن أصحاب الأئمة يسألون أئمتهم أن يجيبوهم دون تقية.
روايات من طرق الشيعة تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في تقية.
تتمة ذكر سير الأئمة وما ينافي أخذهم بالتقية.
إضطراب الشيعة في تأويل تعارض مواقف أصحاب الأئمة لمبدأ التقية.
قول بعض علماء الشيعة بجواز التقية على الأئمة حتى في غياب المخالفين وبيان علة ذلك.
روايات من طرق الشيعة تؤيد هذا القول.
معارضة بعض علماء الشيعة لهذا القول.
من غرائب التقية عند الشيعة أنهم لا يجوزونا في الأمور التي يعرفون بها وهذا خلاف مقاصد التقية بزعمهم.
التكبيرات على الميت أنموذج آخر.
إضطراب الشيعة في تعليل هذا الموقف.
ظهور أثر هذا التكفير في جل أبواب الفقه عند الشيعة.
من أمثلة ذلك غسل المخالف والصلاة عليه.
ومنها عدم جواز إخراج الزكاة للمخالفين.
ومنها جواز غيبتهم.
أبواب خاصة في مصنفات الشيعة في كفر المخالفين.
الأسباب الحقيقة للجُوء الشيعة إلى الأخذ بالتقية .
وجوب التفريق بين أئمة الرافضة وأئمة أهل البيت رحمهم الله.
قول الشيعة أن علي رضي الله عنه كان في تقية على عهد من سبقه من الخلفاء.
إعتقاد الشيعة بأن القرآن الموجود في أيدينا محرف.
ذكر أسماء بعض علماء الشيعة القائلين بالتحريف.
المنكرون للتحريف من علماء الشيعة.
إعتراف علماء الشيعة أن ذلك أنما صدر منهم تقية لمصالح كثيرة.
إتهامهم لأهل السُنة بأنهم هم الذين قالوا بأن أقوال هؤلاء إنما صدرت منهم تقية.
إنكار بعض المتأخرين لعقيدة التحريف.
نماذج لتناقض بعض هؤلاء المنكرين، حيث نفوا التحريف في مواضع من كتبهم وإقرارهم به في مواضع أخرى.
عقيدة الشيعة في السنة النبوية.
إعتقاد الشيعة بردة الصحابة رضي الله عنهم.
إثبات أن إنكار الشيعة لتكفير الصحابة إنما هو على سبيل التقية.
إنكار العلامة جعفر السبحاني لدعاء صنمي قريش رغم منزلته وشهرته.
قول علماء الشيعة أن روايات مدح الأئمة للصحابة جاءت على سبيل التقية.
نماذج من نفيهم الطعن في الصحابة في مواضع من كتبهم وإقرارهم به في مواضع أخرى.
عتاب الشيعة لأهل السُنة لقولهم أنّ التقية تشكّل مانعاً حقيقياً عن التجاوب مع الشيعة.
المجاهرة بسب الصحابة رضي الله عنهم بل وسائر العقائد خلاف عقيدة الشيعة.
روايات في ذم كشف عقائد الشيعة ومدح كتمانها.
من عقائد الشيعة القول بالرجعة.
الباب الثاني:
نقد روايات التقية ودراسة أسانيدها.
كثرة الكذب على أئمة أهل البيت وتحذيرهم من ذلك.
شروط قبول الرواية عن الأئمة عند الشيعة.
علة وجود المرويات المكذوبة في كتب المسلمين.
ذكر روايات التقية من طرق الشيعة ودراسة أسانيدها.
الإضطراب في علوم الجرح والتعديل والحديث عند الشيعة.
إعتراف الشيعة أن كثيراً من مصنفيهم ينتحلون المذاهب الفاسدة.
إعتراف الشيعة أن مصطلح الحديث والجرح والتعديل أنما هو من علوم أهل السُنة.
إعتراف الشيعة بضعف أحاديثهم كلها عند التحقيق.
هل أسانيد الشيعة صنعت فيما بعد وركبت على نصوص أخذت من أصول قدمائهم؟
آيات وروايات في الحث على قول الحق وذم كتمانه.
روايات في ذم ذوالوجهين واللسانين.
إقرار الشيعة بأن التقية كانت حتى زمن الإمام زين العابدين ثم زالت أيام الباقر والصادق.
إقرار الشيعة أن أعاظم علماءهم لم يكونوا في تقية وكانوا يجاهرون بمعتقداتهم.
قولهم بعدم صدور أي كتاب من كتب الشيعة عبر التاريخ على سبيل التقية.
بيان أن كتاب التبيان للطوسي وكشف الغمة للإربلي وغيرهما صنفت على التقية.
علة قولهم بصدور هذه الكتب على سبيل التقية.
تتمة نقد عقيدة التقية عند الشيعة.
إعتقاد الشيعة أن الأئمة يعلمون متى يموتون وان ذلك اليهم.
إعتقادهم ذلك في أصحاب الأئمة أيضاً.
إعتقادهم أن الأئمة يعرفون الاضمار وحديث النفس قبل ان يخبروا به.
وانهم عرض عليهم ملكوت السموات والأرض ويعلمون علم ما كان وما يكون.
وإن عندهم الاسم الاعظم وبه يظهر منهم الغرائب.
وانهم يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص وجميع معجزات الأنبياء.
وانهم سخر لهم السحاب ويسر لهم الأسباب.
كيف تجوز التقية على من لا تعرف الشريعة إلا من جهته.
إذا لا تجوز التقية على النبي فكذلك الإمام لأن الإمامة كالنبوة لطف من الله في إعتقاد الشيعة.
إعتراف الشيعة أن روايات التقية أعجب من أحاديث بني إسرائيل ويجب التصديق بها.
موقف الأئمة من الإضطراب الحاصل بسبب التقية الذي خلقه المندسين في مدرسة أهل البيت رحمهم الله.
دعوة الأئمة إلى رد كل ما خالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
دعوة الأئمة للرجوع إلى الكتاب والسنة عند تعارض الأخبار.
قول الصادق أن المغيرة بن سعيد دس في كتب أصحاب الباقر أحاديث لم يحدث بها.
ذكر بعض الرواة الكذابين والمذمومين عند الشيعة.
عقيدة أئمة أهل البيت رحمهم الله هي عين عقيدة أهل السُنة.
بيان خطأ الإعتقاد أن دعوة الأئمة إلى الرجوع إلى السنة الإقتصار على روايات علي رضي الله عنه.
نماذج من روايات ذم ائمة أهل البيت رحمهم الله للشيعة.
زنادقة في مدرسة الباقر والصادق رحمهما الله.
المحاولات الأولى عند الشيعة لتطهير أصولهم من الروايات الموضوعه.
إنقسام الشيعة إلى أصوليين وأخباريين بسبب هذه المحاولات.
حمل أقوال ذم الأئمة للرواة على التقية.
إعتراف الشيعة بإن أحاديث الأحكام الواردة تقية لا يمكن أن ترد بطرق معروفة.
إعترافهم بضياع أكثر أحكام مذهب أهل البيت بسبب التقية.
إعترافهم في إختلافهم في المسألة الواحدة إلى عشرين أو ثلاثين قولاً ، أو أزيد.
إعترافهم بترك الكثير من الشيعة لمذهب التشيع بسبب هذه الإختلافات.
قولهم أن الأخبار التي خرجت على طريق التقية لموافقتها لمذهب العامة لا يجب العمل بها.
مثال على إختلافهم في أحد المسائل وردهم جميع الروايات فيها بسبب التقية.
قولهم بعدم وصول الكثير من فقه أهل البيت رحمهم الله بسبب التقية.
تفويت علماء الشيعية الكثير من الخير على أتباعهم بسبب حمل الروايات الصحيحية على التقية.
إنكار وإستغراب علماء الشيعة لمنهج الطوسي في كتابيه الإستبصار والتهذيب.
إضاعة الطوسي لفرص التقارب بين المسلمين بسبب منهجه هذا.
ذم بعض علماء الشيعة لشيخ الطائفة الطوسي.
إعتذار بعض علماء الشيعة له بأنه إنما سلك مسلك أهل السُنة تقية واصطلاحا ومماشاة لهم.
تجويز بعض علماء الشيعة حمل الروايات على التقية دون وجود قائل بها من أهل السُنة.
رد علماء آخرين من الشيعة على هذا القول.
حمل بعض روايات الباقر والصادق على التقية لموافقتها لأقوال الشافعي وإبن حنبل رغم أنهما لم يولدا بعد.
قولهم أن التقية لم تكن من الفقهاء والمفتين بل لحفظ الشيعة من شر السلاطين والحكام.
قولهم أن مجرد الموافقة لأهل السُنة لا يوجب الحمل على التقية.
بيان أن تقية الشيعة أنما هي لتفريق المسلمين وأنها عين النفاق والكذب.
من الدلائل على هذا القول كذبهم على الأئمة في موقفهم من الإمام أبي حنيفة.
أبوحنيفة رحمه الله لم يكن من خلفاء بني أمية أو العباس أو من رجالاتهم.
قولهم بأن الصادق رحمه الله قد أفطر يوماً من رمضأن تقية.
وقولهم أنه كان يجاري الآخرين حتى في المباحات كلبس السواد.
روايات من طرق الشيعة تدل على منزلة الأئمة العظيمة عند خلفاء عصرهم.
إهانة الشيعة لأئمة أهل البيت بإظهارهم بمظهر الجبناء والمنافقين والمصانعين للخلفاء.
روايات من طرق الأئمة رحمهم الله في ذم هذه السلوكيات.
نسبتهم إلى الصادق قوله لزرارة: ما سمعت مني يشبه قول الناس فيه التقية.
النهي عن التحاكم إلى أهل السُنة.
أصل القول بالأخذ بخلاف أهل السُنة وعدم التحاكم إليهم.
روايات في الحث على مخالفة أهل السُنة في كل شيئ.
نماذج من ردهم روايات الأئمة رحمهم الله بحجة أنها توافق ما عليه أهل السُنة والجماعة.
ترجيح البعض للتقية وجعلها أقوى المرجحات، وأنكارهم القول بالدس في الأخبار رغم تواتر ذلك.
بعض التطبيقات العملية للتقية في الرسائل الفقهية المعاصرة.
التقية من سلاطين الشيعة وعوامهم.
نماذج لإستعمال التقية من قبل علماء الشيعة مع عوامهم.
شر الأزمنة أن يتبجح الجاهل، ويسكت العاقل، ولكن القبة الجوفاء لا ترجع غير الصدى.
فإلى القباب غير الجوفاء أهدي هذا الكتاب.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمد عبده ورسوله.
أما بعد، فإن اصدق الحديث كتاب الله، واحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ونسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
فيصل نور
1419 هـ
الباب الأول
التعريف والمشروعية.
في لسان العرب مادة وقى: اتّقيت الشيءَ وتقَيْتُه أتّقيه وأتْقيه تقًى وتُقاة - حذِرته.
ويقول إبن الأثير: وأصل اتقى: أوتقى فقلبت الواو ياء لكسرة قبلها ثم أبدلت تاء وادغمت، ومنه حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه: كنا إذا احمر البأس إتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أي جعلناه وقاية من العدو.
وقال الراغب الإصفهاني: الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، يقال وقيت الشيء، أقيه وقاية ووقاء. وفي المعجم الوسيط: ووقى الشيء وقيا ووقاية: صانه عن الأذى وحماه. والتقية الخشية والخوف.
ويقول إبن حجر: ومعنى التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير، واصله وقية بوزن حمزة فعله من الوقاية .
مشروعية التقية من الكتاب والسنة.
وأصل مشروعية التقية مأخوذ من كتاب الله عزوجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
يقول الله عزوجل: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران:28]
ويقول: مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل : 106]
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله وضع – وفي لفظ: تجاوز – عن أمتي الخطأ والنسيان وما إستكرهوا عليه.
أقوال علماء أهل السُنة في التقية.
يقول إبن كثير في تفسير الآيات: أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم –أي الكافرون- فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، وقال الثوري: قال إبن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وكذا قال أبوالعالية وابوالشعثاء والضحاك والربيع بن أنس ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: من كَفَرَ بِالله مِن بَعدِ إيمانه إلا مَن أكرِه وقلبه مطمئن بالإيمان، هو إستثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرها لما ناله من ضرب واذي وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله، والآية نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فوافقهم على ذلك مكرها وجاء معتذرا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالإيمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن عادوا فعد.
ولهذا اتفق العلماء على أن من أُكره على الكفر يجوز له أن يوالي ابقاء لمهجته ويجوز أن يأبى كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون فيه الأفاعيل ويأمرونه بالشرك بالله فيأبى عليهم ويقول: أحد أحد، ويقول: والله لو اعلم كلمة هي اغيظ لكم منها لقلتها، وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: اتشهد اني رسول الله؟ فيقول: لا اسمع، فلم يزل يقطعه إرباً إربا وهو ثابت على ذلك.
ويقول الشوكاني: إلا إن تتقوا منهم تقاة، دليل على جواز الموالاة لهم مع الخوف منهم ولكنها تكون ظاهراً لا باطنا وخالف في ذلك قوم من السلف فقالوا: لا تقية بعد أن اعز الله الإسلام.
ويقول القرطبي: قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين فاما اليوم فقد اعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم، وقال إبن عباس: هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن ولا يقتل ولا يأتي مأثما، وقال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل، وقيل: إن المؤمن إذا كان قائما بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفا على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان.
والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم ومن أُكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر. وقال: اجمع أهل العلم على أن من أُكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل انه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تبين منه زوجته ولا يحكم بحكم الكفر، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي، غير محمد بن الحسن فأنه قال: إذا اظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر، وفيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام، وتبين منه إمراته ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلما.
وهذا قول يرده الكتاب والسنة . وقال: ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة انما جاءت في القول، واما في الفعل فلا رخصة فيه، يروى هذا عن الحسن اليصري والأوزاعي وسحنون. وقالت طائفة: الإكراه في الفعل والقول سواء إذا اسر الإيمان. وقال: اجمع العلماء على أن من أُكره على الكفر فأختار القتل أنه عظم أجراً عند الله ممن إختار الرخصة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون.[1]
ويقول الخازن: التقية لا تكون إلا مع خوف القتل مع سلامة النية، قال تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ثم هذه التقية رخصة.
ويقول الزمخشري: رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة مخالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وإنتظار زوال المانع.
ويقول الثعلبي: وأنكر قوم التقية اليوم : فقال معاذ بن جبل عن مجاهد: كانت التقية في جدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، فأما اليوم فقد أعز الله عز وجل الإسلام، فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم . وقال يحيى البكاء : قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج : إن الحسن كان يقول لكم : التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان . قال سعيد : ليس في الإسلام تقية إنما التقية في أهل الحرب .
ويقول الواحدي: ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) أي تقية هذا في المؤمن إذا كان في قوم كفار وخافهم على ماله ونفسه فله أن يخالفهم ويداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه قال إبن عباس يريد مدارة ظاهرة.
ويقول السمعاني: ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير. قل إن تخفوا ) وقرئ: تقية ، ومعناهما واحد ، يعني: إلا أن يقع في أيديهم ، فيخافهم ، فيوافقهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان ، فلا بأس به، ولكن لو صبر حتى قتل ، فله من الأجر العظيم ، ما الله به عليم.
وقد روى أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله وقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم ، فقال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم ، تقية منه ، فخلى سبيله . ثم قال للآخر : أتشهد أن محمد رسول الله فقال : نعم نعم نعم ، قال أتشهد أني رسول الله ، فقال : أنا أصم ، فقتله ؛ فبلغ ذلك رسول الله ، فذكر درجة الذي صبر على القتل ، وقال : إن الأول أخذ برخصة الله. وقد صح عن رسول الله : أنه قال: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر. وقال : إن فضل الشهداء بعد شهداء أحد : من قام إلى سلطان جائر وأمره بالمعروف ، فقتله عليه.
ويقول البغوي: يعني إلا أن تخافوا منهم مخافة...ومعنى الآية أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه من غير أن يستحل دما حراما أو مالا حراما أو يظهر الكفار على عورة المسلمين والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية قال الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ثم هذا رخصة فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم.
ويقول إبن عطية: ذهب جمهور المفسرين إلى أن معنى الآية ، إلا أن تخافوا منهم خوفاً وهذا هو معنى التقية. واختلف العلماء في التقية ممن تكون؟ وبأي شيء تكون؟ وأي شيء تبيح؟ فأما الذي تكون منه التقية فكل قادر غالب مكره يخاف منه ، فيدخل في ذلك الكفار إذا غلبوا وجورة الرؤساء والسلابة وأهل الجاه في الحواضر، قال مالك رحمه الله : وزوج المرأة قد يكره ، وأما بأي شيء تكون التقية ويترتب حكمها فذلك بخوف القتل وبالخوف على الجوارح وبالضرب بالسوط وبس