| سلسلة الحقائق الغائبة - 2 |
التقيـة..الوجه الآخر
فيصل نور
مشروعية التقية من الكتاب والسنة.
أقوال علماء أهل السُنة في التقية.
التقية تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة.
أقوال الشيعة في مجالات التقية.
إدعاء بعض الشيعة أنه لا مكان للتقية في زماننا هذا.
حقيقة التقية عند الشيعة ومنزلتها.
روايات من طرق الشيعة في الترهيب من ترك التقية.
مهدي الشيعة في تقية ولا يجوز ذكره أو تسمية.
مشروعية التقية عند الشيعة في الأمن ودون توفر أسبابها.
نماذج تطبيقية للتقية في بعض ابواب الفقة.
الحوادث التاريخية التي وقعت في عصر الأئمة.
العلة من ذكر هذه الحوادث وعلاقتها بالتقية.
ليس هناك ما يستوجب لجوء الشيعة وأئمتهم للتقية.
إشتهار الشيعة بالتقية وإعتراف علمائهم بذلك.
تبريرات الشيعة لإشتهارهم بالتقية دون سائر فرق المسلمين.
تفنيد القول بإقتصار وقوع الظلم على الشيعة دون سار المسلمين وإشتهارهم بسبب ذلك بالتقية.
نماذج من علماء أهل السُنة تعرضوا لتنكيل الحكام.
سيرة الأئمة والقول بالتقية صورتان متضادتان.
هل تجور التقية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
الأئمة نصّبوا لبيان الشرايع والاحكام بزعم الشيعة ، فلو أخذوا بالتقية انتفت الفائدة من نصبهم.
زعم الشيعة أن أصحاب الأئمة يسألون أئمتهم أن يجيبوهم دون تقية.
روايات من طرق الشيعة تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في تقية.
تتمة ذكر سير الأئمة وما ينافي أخذهم بالتقية.
إضطراب الشيعة في تأويل تعارض مواقف أصحاب الأئمة لمبدأ التقية.
قول بعض علماء الشيعة بجواز التقية على الأئمة حتى في غياب المخالفين وبيان علة ذلك.
روايات من طرق الشيعة تؤيد هذا القول.
معارضة بعض علماء الشيعة لهذا القول.
من غرائب التقية عند الشيعة أنهم لا يجوزونا في الأمور التي يعرفون بها وهذا خلاف مقاصد التقية بزعمهم.
التكبيرات على الميت أنموذج آخر.
إضطراب الشيعة في تعليل هذا الموقف.
ظهور أثر هذا التكفير في جل أبواب الفقه عند الشيعة.
من أمثلة ذلك غسل المخالف والصلاة عليه.
ومنها عدم جواز إخراج الزكاة للمخالفين.
ومنها جواز غيبتهم.
أبواب خاصة في مصنفات الشيعة في كفر المخالفين.
الأسباب الحقيقة للجُوء الشيعة إلى الأخذ بالتقية .
وجوب التفريق بين أئمة الرافضة وأئمة أهل البيت رحمهم الله.
قول الشيعة أن علي رضي الله عنه كان في تقية على عهد من سبقه من الخلفاء.
إعتقاد الشيعة بأن القرآن الموجود في أيدينا محرف.
ذكر أسماء بعض علماء الشيعة القائلين بالتحريف.
المنكرون للتحريف من علماء الشيعة.
إعتراف علماء الشيعة أن ذلك أنما صدر منهم تقية لمصالح كثيرة.
إتهامهم لأهل السُنة بأنهم هم الذين قالوا بأن أقوال هؤلاء إنما صدرت منهم تقية.
إنكار بعض المتأخرين لعقيدة التحريف.
نماذج لتناقض بعض هؤلاء المنكرين، حيث نفوا التحريف في مواضع من كتبهم وإقرارهم به في مواضع أخرى.
عقيدة الشيعة في السنة النبوية.
إعتقاد الشيعة بردة الصحابة رضي الله عنهم.
إثبات أن إنكار الشيعة لتكفير الصحابة إنما هو على سبيل التقية.
إنكار العلامة جعفر السبحاني لدعاء صنمي قريش رغم منزلته وشهرته.
قول علماء الشيعة أن روايات مدح الأئمة للصحابة جاءت على سبيل التقية.
نماذج من نفيهم الطعن في الصحابة في مواضع من كتبهم وإقرارهم به في مواضع أخرى.
عتاب الشيعة لأهل السُنة لقولهم أنّ التقية تشكّل مانعاً حقيقياً عن التجاوب مع الشيعة.
المجاهرة بسب الصحابة رضي الله عنهم بل وسائر العقائد خلاف عقيدة الشيعة.
روايات في ذم كشف عقائد الشيعة ومدح كتمانها.
من عقائد الشيعة القول بالرجعة.
الباب الثاني:
نقد روايات التقية ودراسة أسانيدها.
كثرة الكذب على أئمة أهل البيت وتحذيرهم من ذلك.
شروط قبول الرواية عن الأئمة عند الشيعة.
علة وجود المرويات المكذوبة في كتب المسلمين.
ذكر روايات التقية من طرق الشيعة ودراسة أسانيدها.
الإضطراب في علوم الجرح والتعديل والحديث عند الشيعة.
إعتراف الشيعة أن كثيراً من مصنفيهم ينتحلون المذاهب الفاسدة.
إعتراف الشيعة أن مصطلح الحديث والجرح والتعديل أنما هو من علوم أهل السُنة.
إعتراف الشيعة بضعف أحاديثهم كلها عند التحقيق.
هل أسانيد الشيعة صنعت فيما بعد وركبت على نصوص أخذت من أصول قدمائهم؟
آيات وروايات في الحث على قول الحق وذم كتمانه.
روايات في ذم ذوالوجهين واللسانين.
إقرار الشيعة بأن التقية كانت حتى زمن الإمام زين العابدين ثم زالت أيام الباقر والصادق.
إقرار الشيعة أن أعاظم علماءهم لم يكونوا في تقية وكانوا يجاهرون بمعتقداتهم.
قولهم بعدم صدور أي كتاب من كتب الشيعة عبر التاريخ على سبيل التقية.
بيان أن كتاب التبيان للطوسي وكشف الغمة للإربلي وغيرهما صنفت على التقية.
علة قولهم بصدور هذه الكتب على سبيل التقية.
تتمة نقد عقيدة التقية عند الشيعة.
إعتقاد الشيعة أن الأئمة يعلمون متى يموتون وان ذلك اليهم.
إعتقادهم ذلك في أصحاب الأئمة أيضاً.
إعتقادهم أن الأئمة يعرفون الاضمار وحديث النفس قبل ان يخبروا به.
وانهم عرض عليهم ملكوت السموات والأرض ويعلمون علم ما كان وما يكون.
وإن عندهم الاسم الاعظم وبه يظهر منهم الغرائب.
وانهم يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص وجميع معجزات الأنبياء.
وانهم سخر لهم السحاب ويسر لهم الأسباب.
كيف تجوز التقية على من لا تعرف الشريعة إلا من جهته.
إذا لا تجوز التقية على النبي فكذلك الإمام لأن الإمامة كالنبوة لطف من الله في إعتقاد الشيعة.
إعتراف الشيعة أن روايات التقية أعجب من أحاديث بني إسرائيل ويجب التصديق بها.
موقف الأئمة من الإضطراب الحاصل بسبب التقية الذي خلقه المندسين في مدرسة أهل البيت رحمهم الله.
دعوة الأئمة إلى رد كل ما خالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
دعوة الأئمة للرجوع إلى الكتاب والسنة عند تعارض الأخبار.
قول الصادق أن المغيرة بن سعيد دس في كتب أصحاب الباقر أحاديث لم يحدث بها.
ذكر بعض الرواة الكذابين والمذمومين عند الشيعة.
عقيدة أئمة أهل البيت رحمهم الله هي عين عقيدة أهل السُنة.
بيان خطأ الإعتقاد أن دعوة الأئمة إلى الرجوع إلى السنة الإقتصار على روايات علي رضي الله عنه.
نماذج من روايات ذم ائمة أهل البيت رحمهم الله للشيعة.
زنادقة في مدرسة الباقر والصادق رحمهما الله.
المحاولات الأولى عند الشيعة لتطهير أصولهم من الروايات الموضوعه.
إنقسام الشيعة إلى أصوليين وأخباريين بسبب هذه المحاولات.
حمل أقوال ذم الأئمة للرواة على التقية.
إعتراف الشيعة بإن أحاديث الأحكام الواردة تقية لا يمكن أن ترد بطرق معروفة.
إعترافهم بضياع أكثر أحكام مذهب أهل البيت بسبب التقية.
إعترافهم في إختلافهم في المسألة الواحدة إلى عشرين أو ثلاثين قولاً ، أو أزيد.
إعترافهم بترك الكثير من الشيعة لمذهب التشيع بسبب هذه الإختلافات.
قولهم أن الأخبار التي خرجت على طريق التقية لموافقتها لمذهب العامة لا يجب العمل بها.
مثال على إختلافهم في أحد المسائل وردهم جميع الروايات فيها بسبب التقية.
قولهم بعدم وصول الكثير من فقه أهل البيت رحمهم الله بسبب التقية.
تفويت علماء الشيعية الكثير من الخير على أتباعهم بسبب حمل الروايات الصحيحية على التقية.
إنكار وإستغراب علماء الشيعة لمنهج الطوسي في كتابيه الإستبصار والتهذيب.
إضاعة الطوسي لفرص التقارب بين المسلمين بسبب منهجه هذا.
ذم بعض علماء الشيعة لشيخ الطائفة الطوسي.
إعتذار بعض علماء الشيعة له بأنه إنما سلك مسلك أهل السُنة تقية واصطلاحا ومماشاة لهم.
تجويز بعض علماء الشيعة حمل الروايات على التقية دون وجود قائل بها من أهل السُنة.
رد علماء آخرين من الشيعة على هذا القول.
حمل بعض روايات الباقر والصادق على التقية لموافقتها لأقوال الشافعي وإبن حنبل رغم أنهما لم يولدا بعد.
قولهم أن التقية لم تكن من الفقهاء والمفتين بل لحفظ الشيعة من شر السلاطين والحكام.
قولهم أن مجرد الموافقة لأهل السُنة لا يوجب الحمل على التقية.
بيان أن تقية الشيعة أنما هي لتفريق المسلمين وأنها عين النفاق والكذب.
من الدلائل على هذا القول كذبهم على الأئمة في موقفهم من الإمام أبي حنيفة.
أبوحنيفة رحمه الله لم يكن من خلفاء بني أمية أو العباس أو من رجالاتهم.
قولهم بأن الصادق رحمه الله قد أفطر يوماً من رمضأن تقية.
وقولهم أنه كان يجاري الآخرين حتى في المباحات كلبس السواد.
روايات من طرق الشيعة تدل على منزلة الأئمة العظيمة عند خلفاء عصرهم.
إهانة الشيعة لأئمة أهل البيت بإظهارهم بمظهر الجبناء والمنافقين والمصانعين للخلفاء.
روايات من طرق الأئمة رحمهم الله في ذم هذه السلوكيات.
نسبتهم إلى الصادق قوله لزرارة: ما سمعت مني يشبه قول الناس فيه التقية.
النهي عن التحاكم إلى أهل السُنة.
أصل القول بالأخذ بخلاف أهل السُنة وعدم التحاكم إليهم.
روايات في الحث على مخالفة أهل السُنة في كل شيئ.
نماذج من ردهم روايات الأئمة رحمهم الله بحجة أنها توافق ما عليه أهل السُنة والجماعة.
ترجيح البعض للتقية وجعلها أقوى المرجحات، وأنكارهم القول بالدس في الأخبار رغم تواتر ذلك.
بعض التطبيقات العملية للتقية في الرسائل الفقهية المعاصرة.
التقية من سلاطين الشيعة وعوامهم.
نماذج لإستعمال التقية من قبل علماء الشيعة مع عوامهم.
شر الأزمنة أن يتبجح الجاهل، ويسكت العاقل، ولكن القبة الجوفاء لا ترجع غير الصدى.
فإلى القباب غير الجوفاء أهدي هذا الكتاب.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمد عبده ورسوله.
أما بعد، فإن اصدق الحديث كتاب الله، واحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ونسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
فيصل نور
1419 هـ
الباب الأول
التعريف والمشروعية.
في لسان العرب مادة وقى: اتّقيت الشيءَ وتقَيْتُه أتّقيه وأتْقيه تقًى وتُقاة - حذِرته.
ويقول إبن الأثير: وأصل اتقى: أوتقى فقلبت الواو ياء لكسرة قبلها ثم أبدلت تاء وادغمت، ومنه حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه: كنا إذا احمر البأس إتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أي جعلناه وقاية من العدو.
وقال الراغب الإصفهاني: الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، يقال وقيت الشيء، أقيه وقاية ووقاء. وفي المعجم الوسيط: ووقى الشيء وقيا ووقاية: صانه عن الأذى وحماه. والتقية الخشية والخوف.
ويقول إبن حجر: ومعنى التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير، واصله وقية بوزن حمزة فعله من الوقاية .
مشروعية التقية من الكتاب والسنة.
وأصل مشروعية التقية مأخوذ من كتاب الله عزوجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
يقول الله عزوجل: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران:28]
ويقول: مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل : 106]
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله وضع – وفي لفظ: تجاوز – عن أمتي الخطأ والنسيان وما إستكرهوا عليه.
أقوال علماء أهل السُنة في التقية.
يقول إبن كثير في تفسير الآيات: أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم –أي الكافرون- فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، وقال الثوري: قال إبن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وكذا قال أبوالعالية وابوالشعثاء والضحاك والربيع بن أنس ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: من كَفَرَ بِالله مِن بَعدِ إيمانه إلا مَن أكرِه وقلبه مطمئن بالإيمان، هو إستثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرها لما ناله من ضرب واذي وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله، والآية نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فوافقهم على ذلك مكرها وجاء معتذرا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالإيمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن عادوا فعد.
ولهذا اتفق العلماء على أن من أُكره على الكفر يجوز له أن يوالي ابقاء لمهجته ويجوز أن يأبى كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون فيه الأفاعيل ويأمرونه بالشرك بالله فيأبى عليهم ويقول: أحد أحد، ويقول: والله لو اعلم كلمة هي اغيظ لكم منها لقلتها، وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: اتشهد اني رسول الله؟ فيقول: لا اسمع، فلم يزل يقطعه إرباً إربا وهو ثابت على ذلك.
ويقول الشوكاني: إلا إن تتقوا منهم تقاة، دليل على جواز الموالاة لهم مع الخوف منهم ولكنها تكون ظاهراً لا باطنا وخالف في ذلك قوم من السلف فقالوا: لا تقية بعد أن اعز الله الإسلام.
ويقول القرطبي: قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين فاما اليوم فقد اعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم، وقال إبن عباس: هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن ولا يقتل ولا يأتي مأثما، وقال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل، وقيل: إن المؤمن إذا كان قائما بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفا على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان.
والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم ومن أُكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر. وقال: اجمع أهل العلم على أن من أُكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل انه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تبين منه زوجته ولا يحكم بحكم الكفر، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي، غير محمد بن الحسن فأنه قال: إذا اظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر، وفيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام، وتبين منه إمراته ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلما.
وهذا قول يرده الكتاب والسنة . وقال: ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة انما جاءت في القول، واما في الفعل فلا رخصة فيه، يروى هذا عن الحسن اليصري والأوزاعي وسحنون. وقالت طائفة: الإكراه في الفعل والقول سواء إذا اسر الإيمان. وقال: اجمع العلماء على أن من أُكره على الكفر فأختار القتل أنه عظم أجراً عند الله ممن إختار الرخصة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون.[1]
ويقول الخازن: التقية لا تكون إلا مع خوف القتل مع سلامة النية، قال تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ثم هذه التقية رخصة.
ويقول الزمخشري: رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة مخالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وإنتظار زوال المانع.
ويقول الثعلبي: وأنكر قوم التقية اليوم : فقال معاذ بن جبل عن مجاهد: كانت التقية في جدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، فأما اليوم فقد أعز الله عز وجل الإسلام، فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم . وقال يحيى البكاء : قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج : إن الحسن كان يقول لكم : التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان . قال سعيد : ليس في الإسلام تقية إنما التقية في أهل الحرب .
ويقول الواحدي: ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) أي تقية هذا في المؤمن إذا كان في قوم كفار وخافهم على ماله ونفسه فله أن يخالفهم ويداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه قال إبن عباس يريد مدارة ظاهرة.
ويقول السمعاني: ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير. قل إن تخفوا ) وقرئ: تقية ، ومعناهما واحد ، يعني: إلا أن يقع في أيديهم ، فيخافهم ، فيوافقهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان ، فلا بأس به، ولكن لو صبر حتى قتل ، فله من الأجر العظيم ، ما الله به عليم.
وقد روى أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله وقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم ، فقال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم ، تقية منه ، فخلى سبيله . ثم قال للآخر : أتشهد أن محمد رسول الله فقال : نعم نعم نعم ، قال أتشهد أني رسول الله ، فقال : أنا أصم ، فقتله ؛ فبلغ ذلك رسول الله ، فذكر درجة الذي صبر على القتل ، وقال : إن الأول أخذ برخصة الله. وقد صح عن رسول الله : أنه قال: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر. وقال : إن فضل الشهداء بعد شهداء أحد : من قام إلى سلطان جائر وأمره بالمعروف ، فقتله عليه.
ويقول البغوي: يعني إلا أن تخافوا منهم مخافة...ومعنى الآية أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه من غير أن يستحل دما حراما أو مالا حراما أو يظهر الكفار على عورة المسلمين والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية قال الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ثم هذا رخصة فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم.
ويقول إبن عطية: ذهب جمهور المفسرين إلى أن معنى الآية ، إلا أن تخافوا منهم خوفاً وهذا هو معنى التقية. واختلف العلماء في التقية ممن تكون؟ وبأي شيء تكون؟ وأي شيء تبيح؟ فأما الذي تكون منه التقية فكل قادر غالب مكره يخاف منه ، فيدخل في ذلك الكفار إذا غلبوا وجورة الرؤساء والسلابة وأهل الجاه في الحواضر، قال مالك رحمه الله : وزوج المرأة قد يكره ، وأما بأي شيء تكون التقية ويترتب حكمها فذلك بخوف القتل وبالخوف على الجوارح وبالضرب بالسوط وبسائر التعذيب، فإذا فعل بالإنسان شيء من هذا أو خافه خوفاً متمكناً فهو مكره وله حكم التقية، والسجن إكراه والتقييد إكراه والتهديد والوعيد إكراه وعداوة أهل الجاه الجورة تقية ، وهذه كلها بحسب حال المكره وبحسب الشيء الذي يكره عليه ، فكم من الناس ليس السجن فيهم بإكراه ، وكذلك الرجل العظيم يكره بالسجن والضرب غير المتلف ليكفر فهذا لا تتصور تقيته من جهة عظم الشيء الذي طلب منه ، ومسائل الإكراه هي من النوع الذي يدخله فقه الحال ، وأما أي شيء تبيح فاتفق العلماء على إباحتها للأقوال باللسان. واختلف الناس في الأفعال ، فقال جماعة من أهل العلم منهم الحسن ومكحول ومسروق: يفعل المكره كل ما حمل عليه مما حرم الله فعله وينجي نفسه بذلك، وقال مسروق : فإن لم يفعل حتى مات دخل النار ، وقال كثير من أهل العلم منهم سحنون : بل إن لم يفعل حتى مات فهو مأجور وتركه ذلك المباح أفضل من استعماله.
وقال جمع كثير من العلماء التقية إنما هي مبيحة للأقوال ، فأما الأفعال فلا. روي ذلك عن إبن عباس والربيع والضحاك ، وروي ذلك عن سحنون وقال الحسن في الرجل يقال له: اسجد لصنم وإلا قتلناك ، قال ، إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد يجعل نيته لله ، فإن كان إلى غير القبلة فلا وإن قتلوه ، قال ابن حبيب: وهذا قول حسن.
ويقول إبن الجوزي: قوله تعالى : ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) قرأ يعقوب ، والمفضل عن عاصم " تقية " بفتح التاء من غير ألف ، قال مجاهد : إلا مصانعة في الدنيا . قال أبو العالية : التقاة باللسان ، لا بالعمل . والتقية رخصة ، وليست بعزيمة . قال الإمام أحمد : وقد قيل : إن عرضت على السيف تجيب ؟ قال : لا . وقال : إذا أجاب العالم تقية ، والجاهل بجهل ، فمتى يتبين الحق ؟. وقال: الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها . وفي الإكراه المبيح لذلك عن أحمد روايتان : إحداهما : أنه يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمر به . والثانية : أن التخويف لا يكون إكراها حتى ينال بعذاب.
وإذ ثبت جواز " التقية " فالأفضل ألا يفعل ، نص عليه أحمد ، في أسير خير بين القتل وشرب الخمر ، فقال: إن صبر على القتل فله لشرف ، وإن لم يصبر ، فله الرخصة ، فظاهر هذا ، الجواز . وروى عنه الأثرم أنه سئل عن التقية في شرب الخمر فقال : إنما التقية في القول . فظاهر هذا أنه لا يجوز له ذلك . فأما إذا أُكره على الزنا ، لم يجز له الفعل ، ولم يصح إكراهه ، نص عليه أحمد . فإن أُكره على الطلاق ، لم يقع طلاقه ، نص عليه أحمد ، وهو قول مالك ، والشافعي .
ويقول الرازي: اعلم أن للتقية أحكاما كثيرة ونحن نذكر بعضها .
الحكم الأول : أن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار ، ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان ، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان ، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة ، ولكن بشرط أن يضمر خلافه ، وأن يعرض في كل ما يقول ، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب .
الحكم الثاني للتقية : هو أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل ، ودليله ما ذكرناه في قصة مسيلمة .
الحكم الثالث للتقية : أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة ، وقد تجوز أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين ، فذلك غير جائز البتة .
الحكم الرابع : ظاهر الآية يدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين إلا أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس .
الحكم الخامس : التقية جائزة لصون النفس ، وهل هي جائزة لصون المال يحتمل أن يحكم فيها بالجواز ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " حرمة مال المسلم كحرمة دمه " ولقوله صلى الله عليه وسلم : " من قتل دون ماله فهو شهيد " ولأن الحاجة إلى المال شديدة والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء ، وجاز الاقتصار على التيمم دفعا لذلك القدر من نقصان المال ، فكيف لا يجوز ههنا والله أعلم .
الحكم السادس : قال مجاهد : هذا الحكم كان ثابتا في أول الإسلام لأجل ضعف المؤمنين فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا ، وروى عوف عن الحسن : أنه قال التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة ، وهذا القول أولى ، لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان .
ويقول الآلوسي: في الآية دليل على مشروعية التقية وعرفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء، والعدو قسمان: الأول من كانت عداوته على اختلاف الدين كالكافر والمسلم والثاني من كانت عداوته مبنية على اغراض دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة. وقال في الأول ان الحكم الشرعي فيه ان كل مؤمن وقع في محل لا يمكن ان يظهر دينه لتعرض المخالفين وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه ولا يجوز له اصلا ان يتقي ويخفي دينه ويتشبث بعذر الإستضعاف فإن ارض الله تعالى واسعة . والقسم الثاني: فقد اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه .
ويقول محمد رشيد رضا: وقد إستدل بعضهم بالآية على جواز التقية وهي مايقال أو يفعل مخالفا للحق لاجل توقي الضرر ولهم فيها تعريفات وشروط وأحكام، وقيل انها مشروعة للمحافظة على النفس والعرض والمال . وقيل لا تجوز التقية لأجل المحافظة على المال وقيل انها خاصة بحال الضعف. وقيل بل عامة وينقل عن الخوارج انهم منعوا التقية في الدين مطلقا وإن أكره المؤمن وخاف القتل لأن الدين لا يقدم عليه شيء. ويرد عليهم قوله تعالى: من كفر بالله من بعد أيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان . وقصارى ما تدل عليه الآية ان للمسلم ان يتقي ما يتقى من مضرة الكافرين . وقصارى ماتدل عليه آية سورة النحل – إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان – ما تقدم آنفا وكل ذلك من باب الرخص لأجل الضرورات العارضة لا من اصول الدين المتبعة دائما ولذلك كان من مسائل الإجماع وجوب الهجرة على المسلم من المكان الذي يخاف فيه إظهار دينه ويضطر فيه إلى التقية .
ويقول المراغي: ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال إلا في حال الخوف من شيء تتقونه منهم، فلكم حينئذ ان تتقوهم بقدر ما يبقى ذلك الشيء، إذ القاعدة الشرعية: ان درء المفاسد مقدم على جلب المصالح . ويقول في قوله تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة .
وعلى هذه الأقوال سار بقية المفسرين والعلماء من أهل السُنة والجماعة في القديم والحديث.
إذن فالتقية رخصة يلجأ اليها المسلم إذا وقع تحت ظروف عصيبة جدا تصل الي حد القتل والإيذاء العظيم تضطره إلى إظهار خلاف ما يبطن . وهي غالبا ما تكون مع الكفار، واتفقوا على هذا التصور العام، على خلاف يسير في بعض ما يتعلق بالمسألة كالقول بزوالها بعد عزة الإسلام، أو جوازها الي يوم القيامة، وافضلية اختيار العزيمة عليها في مواطن الإكراه، وكونها جائزة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بينهم كالحالة بين المسلمين والكافرين، وغيرها مما مر بك، وهي لا تخرج في جميع احوالها عن كونها رخصة في حال الضرورة.
وعلى هذا أيضاً أو قريباً منه سار بقية فرق السلمين، كالمعتزلة، حيث أجازوا التقية عند الخطر المهلك وعند خوف تلف النفس وفي ذلك يقول أبو الهذيل العلاف : إن المكره إذا لم يعرف التعريض والتورية فيما أكره عليه فله أن يكذب ويكون وزر الكذب موضوعا عنه.
والخوارج أنقسموا في هذا، فقسم وهم الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق منعوا التقية ونددوا بمن يعمل بها بشدة وكفروا القاعدين عن الثورة بوجه الظلم والظالمين ، وفي ذلك يقول نافع بن الأزرق : التقية لا تحل والقعود عن القتال كفر واضح لقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أو أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً [النساء : 77] ). ولقوله تعالى : (ُيجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ [المائدة : 54].
والقسم الثاني وهم النجدات أتباع نجدة بن عويمر فقد أجازوا التقية في القول والعمل ولو أدى ذلك إلى قتل النفس التي حرم الله.
والقسم الثالث وهم الصفرية أتباع زياد بن الأصفر فكانوا وسطا بين هؤلاء وهؤلاء فأجازوها في القول دون الفعل.
وننتقل الآن إلى ذكر أقوال علماء الشيعة في تفسير الآيات السابقة ثم نشرع في بيان المقصود:
يقول القمي: هذه الآية رخصة ظاهرها خلاف باطنها يدان بظاهرها ولا يدان بباطنها إلا عند التقية، إن التقية رخصة للمؤمن.[2]
ويقول الطوسي: التقية الإظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب للخوف على النفس إذا كان ما يبطنه هو الحق فإن كان ما يبطنه باطلا كان ذلك نفاقا، والتقية عندنا واجبة عند الخوف على النفس وقد روي رخصة في جواز الإفصاح بالحق.[3]
ويقول الطبرسي: التقية الإظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب للخوف على النفس، والمعنى ان يكون الكفار غالبين والمؤمنون مغلوبين فيخافهم المؤمن إن لم يظهر موافقتهم ولم يحسن العشرة معهم فعند ذلك يجوز له إظهار مودتهم بلسانه ومداراتهم تقية منه ودفعا عن نفسه من غير ان يعتقد ذلك وفي ذلك الآية دلالة ان التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس.[4]
وقال في جوامع الجامع: هذه رخصة في موالاتهم – الكفار- عند الخوف، والمراد بهذه الموالاة المخالفة الظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة.[5]
ويقول الكاشاني: منع من موالاتهم ظاهرا وباطنا في الأوقات كلها إلا وقت المخافة فإن إظهار الموالاة حينئذ جائز بالمخالفة.[6]
ويقول شبر: إلا أن تتقوا منهم تقاة، تخافوا من جهتهم ما يجب إتقاؤه ورخص لهم إظهار موالاتهم إذا خافوهم مع إبطان عداوتهم وهي التقية التي تدين بها الإمامية.[7]
ويقول الجنابذي: إن خاف أحد من الكافرين على نفسه أو ماله أو عياله أو عرضه أو إخوانه المؤمنين جاز له إظهار الموالاة مع الكافرين مخالفة لما في قلبه لا أنه يجوز موالاتهم حقيقة فإن التقية المشروعة المأمور بها أن تكون على خوف من معاشرك إن اطلع على ما في قلبك فتظهر الموافقة له بما هو خلاف ما في قلبك.[8]
ويقول الشهيد الأول : التقية مجاملة الناس بما يعرفون وترك ما ينكرون حذراً من غوائلهم.
وقال في قواعده : التقية تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة ، فالواجب إذا علم أو ظن نزول الضرر بتركها به أو ببعض المؤمنين.
والمستحب إذا كان لا يخاف ضررا عاجلا ويتوهم ضررا آجلا أو ضررا سهلا ، أو كان تقية في المستحب كالترتيب في تسبيح الزهراء عليها السلام وترك بعض فصول الأذان.
والمكروه التقية في المستحب حيث لا ضرر عاجلا ولا آجلا ، ويخاف منه الالتباس على عوام المذهب.
والحرام التقية حيث يؤمن الضرر عاجلا وآجلا أو في قتل مسلم ، قال أبو جعفر عليه السلام : إنما جعلت التقية ليحقن بها الدماء فإذا بلغ الدم فلا تقية.
والمباح التقية في بعض المباحات التي رجحها العامة ولا يصل بتركها ضرر . ثم قال: التقية يبيح كل شئ حتى إظهار كلمة الكفر ، ولو تركها حينئذ أثم إلا في هذا المقام ومقام التبري من أهل البيت فإنه لا يأثم بتركها بل صبره إما مباح أو مستحب ، وخصوصا إذا كان ممن يقتدى به.[9]
ويقول الحائري: مثل ان يكون المؤمن ينهم – أي الكافرون- ويخاف منهم فإن الموالاة حينئذ مع إطمئنان النفس بالعداوة والبغضاء وإنتظار زوال المانع فحينئذ لا بأس، وهذه رخصة فلو صبر حتى قتل كان أجره عظيم.[10]
ويقول الطباطبائي: التقرب من الغير خوفا بإظهار آثار التولي ظاهرا من غير عقد القلب على الحب والولاية ليس من التولي في شيء، وفي الآية دلالة ظاهرة على الرخصة في التقية على ما روي عن ائمة أهل البيت عليهم السلام كما تدل عليه الآية النازلة في قصة عمار وابويه ياسر وسمية.[11]
ويقول السبزواري: أن من خالط الكفار وعايشهم، لا بأس له بأن يظهر مودتهم بلسانه ومداراتهم تقية منهم ودفعا لضررهم عن نفسه من غير عقيدة بهم وبطريقتهم ومسلكهم، وقيل: التقية رخصه والإفصاح بالحق فضيلة وان قتل القائل، يشهد على ذلك قصة عمار ووالديه.[12]
ويقول عبدالحميد المهاجر: الآية صريحة في ان الإسلام لا يسمح لك ان تتخذ الكافر وليا من دون المؤمنين.إلا إذا وجدت نفسك في مأزق لا تستطيع الخروج منه بغير إعلان التقية وهي انك تقول شيئا أو تفعل شيئا بخلاف ماتعتقد من اجل الحفاظ على نفسك والإبقاء على حياتك.[13]
ويقول ناصر مكارم: إلا أن تتقوا منهم تقاة، هذا إستثناء من الحكم المذكور، وهو إذا اقتضت الظروف فللمسلمين ان يظهروا الصداقة لغير المؤمنين الذين يخشون منهم على حياتهم. وقال: اما إذا كانت التقية سببا في ترويج الباطل وضلالة الناس وإسناد الظلم فهي هنا حرام.[14]
ويقول الروحاني: الإتيان بعمل لا يهدم حقا ولا يبني باطلاً ، مخالف للحق ، أو ترك عمل موافق للحق ، أو كتمان المذهب ، تحفظا عن ضرر الغير على الشخص ، أو الإسلام ، أو التشيع ، أو اعزازاً للدين واعلاء لكلمة الإسلام والمسلمين ، وتقوية لشوكتهم . وتفصيل هذا التعريف الجامع : أنه ربما يخاف على النفس أو العرض من اتيان العمل الموافق لمذهب الحق ، أو ترك ما يخالفه ، أو إظهار ما يعتقده ، وربما لا يخاف على ذلك . والأول على قسمين : إذ الخوف قد يكون مع سبق الاكراه ، وقد يكون بدونه ، والثاني أيضا على قسمين : إذ ربما يترتب على التقية اعلاء كلمة الإسلام ، وقد لا يترتب عليها ، والأخير خارج عن التقية ، وما قبله من أقسام التقية . وعليه فتنقسم التقية إلى أقسام أربعة : التقية الخوفية ، والتقية الاكراهية ، والتقية الكتمانية ، والتقية المداراتية.[15]
ويقول كاشف الغطاء: والعمل بالتقية له أحكامه الثلاثة : فتارة : يجب ، كما إذا كان تركها يستوجب تلف النفس من غير فائدة . وأخرى : يكون رخصة ،كما لو كان في تركها والتظاهر بالحق نوع تقوية له ، فله أن يضحي بنفسه ، وله أن يحافظ عليها . وثالثة : يحرم العمل بها ، كما لو كان ذلك موجبا لرواج الباطل وإضلال الخلق ، وإحياء الظلم والجور . ومن هنا تنصاع لك شمس الحقيقة ضاحية ، وتعرف أن اللوم والتعيير بالتقية إن كانت تستحق اللوم والتعيير ليس على الشيعة ، بل على من سلبهم موهبة الحرية ، وألجأهم إلى العمل بالتقية.[16]
وعلى هذا المنوال سائر بقية المفسرين والعلماء من الشيعة في بيان المسألة، ويظهر مما سبق انهم لا يختلفون مع أهل السُنة والجماعة في مفهوم التقية كما مر ذكره.
أقوال الشيعة في مجالات التقية.
وأضاف آخرون من القوم أن مجال التقية إنما هو حدود القضايا الشخصية الجزئية عند وجود الخوف على النفس والنفيس.[17]
وزعم البعض: أن التقية لا تدخل في باب العقائد عندهم لأنها اذن ورخصة تباح في بعض الحالات الخاصة التي حددتها كتب الفقهاء، ويعدون التقية من الفروع ولا ينزلونها منزلة العقائد لأنها رخصة.[18]
إدعاء بعض الشيعة أنه لا مكان للتقية في زماننا هذا.
وأدعى آخرون منهم أنه لا مكان للتقية في زماننا هذا، ولا مسوغ لها ولا مبرر، وأنها أصبحت في خبر كان.[19]
ويقولون: إذهب الآن أنى شئت من بلاد الشيعة فلا تجد للتقية عندهم عينا ولا أثرا ، ولو كانت دينا ومذهبا في كل حال لحافظوا عليها محافظتهم على تعاليم الدين ومبادئ الشريعة.[20]
حقيقة التقية عند الشيعة ومنزلتها.
وبعد، لنشرع الآن في بيان المقصود، فنقول: إن حقيقة التقية ومقاصدها وممن تجوز عند الشيعة تختلف تماما عما مر بك آنفا، فبيانهم وتفسيرهم للتقية بهذه الصورة هو في ذاته أول تطبيق عملي للتقية، فهي تقية مركبه إن صح التعبير، وإليك بيان ذلك:
يعتقد الشيعة خلافا لما مر من أن التقية واجبة لا يجوز تركها إلى يوم القيامة، وان تركها بمنزلة من ترك الصلاة، وانها تسعة اعشار الدين، ومن ضروريات مذهب التشيع، ولا يتم الإيمان إلا بها، وليست رخصة في حال الضرورة كما مر، بل هي ضرورة في ذاتها وانما تكون من مخالفيهم في المذهب.
يقول الصدوق: اعتقادنا في التقية انها واجبة. من تركها بمنزلة من ترك الصلاة، ولا يجوز رفعها إلى ان يخرج القائم، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله وعن دين الإمامية وخالف الله ورسوله والأئمة.[21]
ويقول صاحب الهداية: والتقية واجبة لا يجوز تركها إلى ان يخرج القائم فمن تركها فقد دخل في نهي الله عزوجل ونهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة صلوات الله عليهم.[22]
ويقول عباس القمي: التقية فريضة واجبة علينا في دولة الظالمين ، فمن تركها فقد خالف دين الإمامية وفارقه.[23]
ويقول العاملي: الأخبار متواترة صريحة في أن التقية باقية إلى أن يقوم القائم.[24]
وجعلوا تركها كفر بالله وجحد للنبوة، حيث قال الخميني: وترك التقية من الموبقات التي تلقي صاحبها قعر جهنم وهي توازي جحد النبوة والكفر بالله العظيم.[25]
وناقض نفسه في موضع آخر قائلاً: إن التقية حرام ، وإظهار الحقائق واجب مهما كانت النتيجة.[26]
وقد وضعوا على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين علي رضي الله عنه وبقية ائمة أهل البيت رحمهم الله ما يؤيد هذا الإعتقاد، فرووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: تارك التقية كتارك الصلاة.[27]
ومثله عن الصادق رحمه الله أنه قال: لو قلت أن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا.[28]
ورووا: تارك التقية كافر.[29]
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: التقية من دين الله ولا دين لمن لا تقية له والله لو لا التقية ما عبد الله.[30]
ورووا عن علي رضي الله عنه أنه قال: التقية ديني ودين أهل بيتي.[31]
وعن الباقر رحمه الله أنه قال: التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان – وفي لفظ ولا دين - لمن لا تقية له.[32]
وعن الصادق رحمه الله أنه قال: إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له.[33]
وعنه أيضاً أنه قال: ان التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له.[34]
وقوله: لا خير فيمن لا تقية له، ولا إيمان لمن لا تقية له.[35]
وقوله: أبى الله عزوجل لنا ولكم في دينه إلا التقية.[36]
وقوله: التقية من دين الله عزوجل، قلت – أي الراوي-: من دين الله؟ قال: أي والله من دين الله.[37]
وقوله: لا دين لمن لا تقية له، وان التقية لأوسع مما بين السماء والأرض، وقال: من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يتكلم في دولة الباطل إلا بالتقية.[38]
وقوله: يغفر الله للمؤمنين كل ذنب ويطهر منه الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين: ترك التقية وتضيع حقوق الإخوان.[39]
ورووا عن الرضا رحمه الله أنه قال: لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، إن اكرمكم عند الله عزوجل أعملكم بالتقية.[40]
ولم يقتصر الأمر على هذا بل وضعوا روايات ترغب في العمل بالتقية: فرووا عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: مثل مؤمن لا تقية له كمثل جسد لا راس له.[41]
وعن علي رضي الله عنه أنه قال: التقية من أفضل أعمال المؤمنين.[42]
وعن زين العابدين رحمه الله أنه سئل: من اكمل الناس في خصال الخير؟ قال: أعملهم بالتقية.[43]
وعن الباقر أنه قال للصادق رحمهما الله: ما خلق الله شيئا أقر لعين أبيك من التقية، والتقية جنة المؤمن.[44]
وعنه أيضاً أنه قال: أشرف اخلاق الأئمة والفاضلين من شيعتنا التقية.[45]
وعن الصادق أنه قال: ما عبدالله بشيء أحب إليه من الخب، قيل: وما الخبء؟ قال: التقية.[46]
وعن سفيان بن سعيد، عن الصادق قال: يا سفيان عليك بالتقية فإنها سنة ابراهيم الخليل عليه السلام.[47]
وعنه أيضاً قال: إنكم على دين من كتمه أعزة الله ومن أذاعه أذله الله.[48]
وعن حبيب بن بشير عن الصادق قال: سمعت أبي بقول: لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إلي من التقية، يا حبيب انه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب من لم يكن له تقية وضعه الله.[49]
وقال: إستعمال التقية في دار التقية واجب، ولا حنث ولا كفارة على من حلف تقية.[50]
وقال: إن التقية واسعة وليس شئ من التقية إلا وصاحبها مأجور عليها.[51]
وعنه أيضاً أنه قال: يؤتى بالواحد من مقصري شيعتنا في أعماله بعد ان صان الولاية والتقية وحقوق اخوانه ويوقف بازائه ما بين مائة وأكثر من ذلك إلى مائة الف من النصاب – أي أهل السُنة – فيقال له: هؤلاء فداؤك من النار، فيدخل هؤلاء المؤمنون الجنة وأولئك النصاب النار.[52]
بل تُرك ذلك إلى أهواء الناس دون ضوابط، فرووا عن الصادق رحمه الله أنه قال: التقية في كل ضرورة ، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به. وفي رواية: التقية في كل شئ مضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله.[53]
ثم جعلوا العمل والعامل بها خير من أصحاب مهدييم المنتظر، فرووا عن الصادق أنه قال وقد سُئل: أيما أفضل نحن أو أصحاب القائم عليه السلام ؟ قال : فقال لي : أنتم أفضل من أصحاب القائم وذلك أنكم تمسون وتصبحون خائفين على إمامكم و على أنفسكم من أئمة الجور ، إن صليتم فصلاتكم في تقية وإن صمتم فصيامكم في تقية وإن حججتم فحجكم في تقية وإن شهدتم لم تقبل شهادتكم وعد أشياء من نحو هذا مثل هذه ، فقلت : فما نتمنى القائم عليه السلام إذا كان على هذا ، قال : فقال لي : سبحان الله أما تحب أن يظهر العدل ويأمن السبل وينصف المظلوم.[54]
روايات من طرق الشيعة في الترهيب من ترك التقية.
ثم وضعوا روايات ترهب من ترك التقية قبل خروج المهدي المنتظر:
فعن الصادق أنه قال: ليس منا من لم يلزم التقية.[55]
وقال: إذا قام قائمنا سقطت التقية.[56]
وعن الرضا أنه قال: من ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا.[57]
والطريف ان مهدي القوم نفسه في تقية كما يزعمون .[58]
بل ويروون النهي عن تسميته وذكره خوفاً وتقيةً، كروايتهم عن أبي عبد الله الصالحي قال : سألني أصحابنا بعد مضى أبى محمد ( ع ) ان اسأل عن الاسم والمكان فخرج الجواب: ان دللتم على الاسم أذاعوه وان عرفوا المكان دلوا عليه.[59]
وعن محمد بن عثمان العمرى ( في حديث ) أنه قال له : أنت رأيت الخلف ؟ قال : أي والله - إلى أن قال - فالاسم ؟ قال محرم عليكم ان تسألوا عن ذلك ولا أقول ذلك من عندي فليس لي ان أحلل ولا أحرم ، ولكن عنه ( ع ) فإن الامر عند السلطان ان أبا محمد مضى ولم يخلف ولدا - إلى أن قال - وإذا وقع الاسم وقع الطلب فاتقوا الله وامسكوا عن ذلك.[60]
وعن علي بن عاصم الكوفي يقول : خرج في توقيعات صاحب الزمان ملعون ملعون من سماني في محفل من الناس.[61]
وعن محمد بن عثمان العمرى قال خرج توقيع بخط اعرفه : من سماني في مجمع من الناس فعليه لعنة الله.[62]
وعن أبي خالد الكابلي قال : لما مضى علي بن الحسين ( ع ) دخلت على محمد بن علي الباقر ( ع ) فقلت جعلت فداك قد عرفت انقطاعي إلى أبيك وأنسي به ووحشتي من الناس. قال : صدقت يا أبا خالد تريد ماذا ؟ قلت : جعلت فداك قد وصف لي أبوك صاحب هذا الامر بصفة لو رأيته في بعض الطرق لاخذت بيده : قال : فتريد ماذا يا أبا خالد ؟ قال : أريد ان تسميه لي حتى اعرفه باسمه . فقال : سألتني والله يا أبا خالد عن سؤال مجهد ولقد سألتني بأمر ما كنت محدثا به أحدا لحدثتك ولقد سألتني عن أمر لو أن بنى فاطمة عرفوه حرصوا على أن يقطعوه بضعة.[63]
والروايات في الباب كثيرة، هذا رغم ذكرهم لعشرات الروايات المصرحة بأسمه وأنه محمد بن الحسن العسكري.
وعلى أي حال حتى الروايات السابقة لم تخلو من أخرى معارضة لها كشأن جميع عقائدهم، ولكن ليس هذا مكان ذكره.
ثم يزعمون أنه لا فرق بين غيبة الإمام وحضوره في زمان التقية ، لاستوائهما في كونه عليه السلام موجودا ممنوعا من التصرف . والأخبار وكلام الأصحاب يومئ إلى ذلك ، وإباحتهم عليهم السلام لشيعتهم إنما وقع في زمانهم عليهم السلام وكذا الأمر بالجمعة وقد احتج الأصحاب بذلك ، بثبوتهما في زمان الغيبة . وفي الواقع لا فرق بينهما.[64]
مشروعية التقية عند الشيعة في الأمن ودون توفر أسبابها.
وبهذا نكون قد وقفنا على شيئا من حقيقة التقية ومنزلتها عند الشيعة، ولاشك انك لا تجد أحد من القوم يذكر عند كلامه عن التقية هذه الحقائق، فغالبا ما تراهم يرددون أقوال أهل السُنة في المسألة ويظهرونها بأنها من المسلمات عند الفريقين وأنهم – أي الشيعة - لا يختلفون عن سائر فرق المسلمين في تعريف التقية من أنها رخصة وقتيه يلجأ اليها المسلم في حال الضرورة لرفع ضرر كبير يقع عليه ويودي به إلى النطق بكلمة الكفر أو إظهار خلاف ما يبطن شريطة ان يكون قلبه مطمئن بالإيمان.
فالقوم إذن لا يرون في التقية أنها مشروعة في حال الضرورة، لذا تراهم قد وضعوا روايات تحث عليها من دون ان تتوفر أسبابها كالخوف أو الإكراه، حتى تكون بذلك مسلكا فطريا عند الشيعة في حياتهم تصاحبهم حيث ذهبوا.
فرووا مثلا عن الصادق رحمه الله أنه قال: عليكم بالتقية فإنه ليس منا من لم يجعله شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجيته مع من يحذره.[65]
بل ورووا: إتق حيث لا يتقى.[66]
ويذكر الخميني في معرض كلامه عن أقسام التقية أن منها التقية المداراتية وعرفها بقوله: وهو تحبيب المخالفين وجر مودتهم من غير خوف ضرر كما في التقية خوفا.[67]
فهو يؤكد خلاصة عقيدة التقية عند القوم من أنها لا تعلق لها بالضرر أو الخوف الذي من اجله شرعت التقية، بل قالها صراحةً: ان التقية واجبة من المخالفين ولو كان مأمونا وغير خائف على نفسه وغيره.[68]
ويضيف آخر: وقد تكون التقية مداراة من دون خوف وضرر فعلي لجلب مودة العامة والتحبيب بيننا وبينهم.[69]
ويقول آخر: ومنها التقية المستحبة وتكون في الموارد التي لا يتوجه فيها للإنسان ضرر فعلي وآني ولكن من الممكن ان يلحقه الضرر في المستقبل، كترك مداراة العامة ومعاشرتهم.[70]
وأضاف آخر: ان غاية التقية لا تنحصر في حفظ الأنفس ودفع الخطر عنها أو عن ما يتعلق بها من الاعراض والأموال ، بل قد يكون ذلك لحفظ وحدة المسلمين وجلب المحبة ودفع الضغاين فيما ليس هناك دواع مهمة إلى اظهار العقيدة والدفاع عنها . كما أنه قد يكون لمصالح آخر ، من تبليغ الرسالة بنحو أحسن... فهي - بمعناها الوسيع - تكون على اقسام : التقية الخوفي ، و التقية التحبيبي ، والتقية لمصالح اخر مختلفة . وغير خفى انها بأجمعها تشترك في معنى واحد وملاك عام وهو اخفاء العقيدة أو اظهار خلافها لمصلحة أهم من الاظهار... من غير فرق بين أن تكون المصلحة التي هي أهم حفظ النفوس أو الاعراض والأموال ، أو جلب المحبة ودفع عوامل الشقاق والبغضاء أو غير ذلك مما لا يحصى.[71]
فبالغوا في هذا الباب حتى إنقلب السحر على الساحر، فرووا عن الصادق أنه قال: وأيم الله لو دعيتم لتنصرونا لقلتم لا نفعل إنما نتقي ، ولكانت التقية أحب إليكم من آبائكم وأمهاتكم ، ولو قد قام القائم ما احتاج إلى مساءلتكم عن ذلك ، ولأقام في كثير منكم من أهل النفاق حد الله.[72]
وهكذا نجد ان شروط المشروعية كالخوف أو الضرر قد سقطت، وهي اصل جواز التقية، لنتبين شيئا فشيئا اختلاف تقية القوم عن مفهومها عند غيرهم من المسلمين.
وعلى أي حال ، بعد هذه المقدمة الموجزة في بيان مفهوم التقية ومنزلتها عند الشيعة والجهة التي تجوز منها وأسبابها، وقبل الشروع في نقد هذه العقيدة وبيان فسادها، نذكر بعض النماذج التطبيقية من كتب الشيعة في بعض أبواب الفقه وغيرها ثم نتكلم في المطلوب.
نماذج من الروايات المحمولة على التقية.
فعن الرضا عن آبائه قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام في قول الله عزوجل: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر : 8]، قال: الرطب والماء البارد، قال المجلسي: لعله محمول على التقية.[73]
وعن الصادق في قوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا [يوسف : 110]، قال: وكلهم الله إلى انفسهم فظنوا ان الشيطان قد تمثل لهم في صورة الملائكة، قال المجلسي: لعل هذا الخبر محمول على التقية.[74]
وعنه أيضا قال: ان حواء خلقت من ضلع آدم، وفي رواية: خلقت حواء من جنب آدم وهو راقد، قال المجلسي: الأخبار السابقة محمولة على التقية.[75]
وعنه أيضا قال: ان آدم نزل بالهند، قال المجلسي: يمكن حمل هذه الرواية على التقية.[76]
وعن طاوس اليماني انه سأل الباقر: هل تعلم أي يوم مات ثلث الناس؟ فقال: يا أبا عبدالرحمن لم يمت ثلث الناس قط، بل انما اردت ربع الناس، قال: وكيف ذلك؟ قال: كان آدم وحواء وقابيل وهابيل فقتل قابيل هابيل فذلك ربع الناس، قال المجلسي: عدم ذكر اختيهما محمول على التقية.[77]
وفي قوله تعالى: وإذا قال ابراهيم لأبيه..الآية – الأنعام 74، قال المجلسي: الأخبار الدالة على أنه كان أباه حقيقة محمولة على التقية.[78]
عن الصادق قال: ان اسماعيل عليه السلام توفي وهو إبن مائة وثلاثين سنة، قال المجلسي: الخبر محمول على التقية.[79]
وفي روايات الأئمة في ان الذبيح هو اسحاق وليس اسماعيل عليهما السلام، قال المجلسي: يمكن حمل هذه الأخبار على التقية.[80]
عن الحلبي قال سألت أباالحسن عليه السلام عن قوله تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ..[الأنبياء : 78]، قال: كان حكم داود عليه السلام رقاب الغنم، والذي فهم الله عزوجل سليمان ان يحكم لصاحب الحرث باللبن والصوف ذلك العام كله، قال المجلسي: هذا الخير محمول على التقية.[81]
يقول المجلسي: الجمع بين الأخبار الدالة عى تقديم وفاة يحيي عليه السلام على رفع عيسى عليه السلام وبين ما دل على تأخرها عنه مشكل إلا ان يحمل بعضها على التقية.[82]
عن الباقر قال: كان يحيى عليه السلام إبن خالة مريم، قال المجلسي: لعل الخبر محمول على التقية.[83] وفي بعض الروايات أن مريم كانت أخت أم يحيى ، ولعل أحدهما محمول على التقية.[84]
وعن الباقر قال: يوم عاشوراء هو اليوم الذي ولد فيه عيسى بن مريم عليه السلام، قال المجلسي: لعل الخبر محمول على التقية.[85]
يقول المجلسي: وفي أخبار ملاقاة داود دانيال وكون بخت نصر متصلا بزمان سليمان عليه السلام وكونه خرج بعد يحيى عليه السلام لا يبعد كون بخت نصر معمرا وكذا دانيال قد ادركا الوقتين ويمكن ان يكون احداهما محمولة على التقية.[86]
ويقول: الأخبار الدالة على ان الذي أماته الله مائة عام هو عزير محمولة على التقية.[87]
ويقول: الأخبار في إختلاف مدة مكث يونس في بطن الحوت يشكل رفعة ولعل بعضها محمولة على التقية.[88]
وعن الصادق قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما حج نزل بالأبطح ودعا أباه وأمة وعمه إلى الإسلام فخرجوا من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم وأجابوه إلى الإسلام، قال المجلسي: هذا الخبر محمول على التقية.[89]
وعنه قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكتحل الإثمد إذا آوى الي فراشه وتراً وترا، قال المجلسي: الخبر محمول على التقية.[90]
وعن الرضا قال: في شهر رمضان نبىء محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال المجلسي: الرواية محمولة على التقية.[91]
وعن الصادق قال في رواية طويلة: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذهب إلى زيد في منزله يسأل عنه فإذا رينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبا بفهر لها فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الباب فنظر اليها وكانت جميلة حسنة، فقال: سبحان الله خالق النور وتبارك الله احسن الخالقين، ثم رجع إلى منزله ووقعت زينب في قلبه وقوعا عجيبا..الى آخر القصة السخيفة، قال المجلسي:لعل الخبرمحمول على التقية.[92]
وعن أبي سماك قال: روينا عن أبي عبدالله عليه السلام ان الإمام لا يغسله إلا الإمام فسألت الرضا عن ذلك فقال: ان الذي بلغك حق، فقلت له:: أبوك من غسله؟ ومن وليه؟ فقال: لعل الذين حضروه افضل من الذين تخلفوا عنه، قلت: ومن هم؟ قال: حضروه الذين حضروا يوسف عليه السلام ملائكة الله ورحمته، وفي رواية: الذين حضروا يوسف في الجب حين غاب عنه ابواه وأهل بيته. قال المجلسي: لعل الخبرين محمولان على التقية اما من أهل السُنة أو من نواقص العقول من الشيعة.[93]
وعن الصادق قال: زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا فاطمة على جرد برد ودرع وفراش من إهاب كبس، وفي رواية: درع حطيمة يسوى ثلاثين درهما، قال المجلسي: يمكن حمل الإختلاف على التقية.[94]
وسأل أمير المؤمنين عليه السلام عن الأيام وما يجوز فيها من العمل، فقال: يوم السبت يوم مكر وخديعة ويوم الأحد يوم غرس وبناء ويوم الإثنين يوم سفر وطلب، قال المجلسي: يمكن حمل ما ورد في الإثنين على التقية، وكذا قال العاملي.[95]
وعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: خمس خصال تورث البرص: النورة يوم الجمعة والأربعاء..الرواية، قال المجلسي: أخبار النهي عن استعمال النورة يوم الجمعة محمولة على التقية، وكذا قال العاملي.[96]
وعن الباقر قال: يوم الخميس يوم يحبه الله ورسوله وفيه ألان الله الحديد، قال المجلسي: يمكن حمل الرواية على التقية لأن إلانة الحديد كانت في يوم الثلاثاء.[97]
ويقول المجلسي: ما ورد في مدح يوم الإثنين محمول على التقية.[98]
ويقول في رواية ذم فيها الكاظم عيد النيروز انها محمولة على التقية.[99]
وعن الصادق قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحتجم يوم الإثنين بعد العصر، وفي رواية: الحجامة يوم الإثنين من آخر النهار تسل الداء سلا من البدن، قال المجلسي: لا يبعد كون أخبار الإثنين محمولة على التقية.[100]
و في رواية جواز الحجامة يوم الثلاثاء قال المجلسي: بمكن حمل الخبر على التقية.[101]
وفي روايات كراهة أن يسافر الرجال في محاق الشهر ، وإذا كان القمر في العقرب. قالوا: ويمكن حمل أمثال هذه الروايات على التقية.[102]
وعن الصادق قال: لا بأس بكواميخ المجوس ولا بأس بصيدهم للسمك، قال المجلسي: يمكن حمله على التقية.[103]
وعن أباالحسن قال: المسوخ إثنا عشر، وذكر ان الفيل كان ملكا زناء لوطيا، والدب كان أعرابيا ديوثا، والأرنب إمراة تخون زوجها، والوطواط لأنة كان يسرق تمور الناس، وسهيل لأنة كان عشارا باليمن والزهرة كانت إمراة فتن بها هاروت وماروت اما القردة والخنازير لأنهم قوم من بني إسرائيل اعتدوا يوم السبت، اما الجري والضب ففرقة من بني إسرائيل حين نزلت المائدة على عيسىعليه السلام لم يؤمنوا به فتاهوا فوقعت فرقة في البحر وفرقة في البر، اما العقرب فإنه رجلا نماما، واما الزنبور فكان لحاما يسرق من الميزان، قال المجلسي: يمكن حمل بعضها على التقية.[104]
وعن علي رضي الله عنه: الفهد من الجوارح، قال المجلسي: الخبر محمول على التقية.[105]
وعن علي رضي الله عنه: لا بأس بذبيحة المرأة، قال المجلسي: يمكن حمل الخبر على التقية.[106]
وعن الصادق انه سئل عن البقر ما يصنع بها؟ تنحر أو تذبح؟ قال: السنة ان تذبح وتضجع للذبح، ولا بأس ان نحرت، قال المجلسي: قوله: لا بأس ان نحرت محمول على التقية.[107]
وفي ذبائح أهل الكتاب، قال المجلسي والطوسي: يمكن حمل أخبار الحل على التقية.[108]
وعن الصادق أنه قال: اطلق في الميتة عشرة اشياء .. وذكر منها الإهاب، قال المجلسي: محمول على التقية.[109]
وعن الصادق أنه قال: مح البيض خفيف والبياض ثقيل، قال المجلسي: يمكن ان يكون الخبر محمول على التقية.[110]
وعن إبن الكوا انه سأل علي عليه السلام: اني وطئت دجاجة ميتة فخرجت منها بيضة، فآكلها؟ قال: لا، قال المجلسي: يمكن حمل النهي على التقية.[111]
ويقول المجلسي: أحاديث ذم اللحم محمولة على التقية.[112]
وعن موفق مولى أبي الحسن عليه السلام قال: كان إذا أمر بشيء من البقل يأمر بالإكثار من الجرجير، قال المجلسي: يحتمل حمل هذه الأخبار على التقية.[113]
وذكر للرضا عليه السلام الوضوء قبل الطعام فقال: ذلك شيء احدثته الملوك، قال المجلسي: يمكن حمل الخبر على التقية.[114]
وعن الصادق قال: ثلاثة أنفاس في الشرب أفضل من نفس واحد في الشرب، قال المجلسي: يمكن كون التعدد محمولا على التقية.[115]
وعن عبد الملك القمي انه سأل الصادق: أشرب وانا قائم؟ فقال: إن شئت، قال: فأشرب بنفس واحد حتى أروي؟ قال: ان شئت، قال المجلسي: بعض الأخبار تشير إلى ان أخبار المنع محمولة على التقية.[116]
وعن الصادق انه سأل عن الرجل يحلي أهله بالذهب؟ قال: نعم النساء والجواري، واما الغلمان فلا، قال المجلسي: يمكن حمل النهي على التقية.[117]
وسئل الكاظم عن جنب أصابت يده من جنابته فمسحه بخرقه ثم ادخل يده في غسله قبل ان يغسلها هل يجزيه ان يغتسل من ذلك الماء؟ قال: ان وجد ماء غيره فلا يجزيه ان يغتسل منه، قال المجلسي: يمكن حمله على التقية.[118]
وعن الصادق انه سئل هل على المرأة غسل من جنابتها إذا لم يأتها الرجل؟ قال: لا، قال العاملي: يمكن حمله على التقية.[119]
وعن الرضا عن الجنب ينام في المسجد فقال: يتوضأ ولا بأس ان ينام في المسجد ويمر فيه، قال العاملي: محمول على التقية.[120]
وعن الباقر انه سئل عن الجنب كيف يصنع؟ قال: اغسل كفيك وفرجك وتوضا وضوء الصلاة ثم اغتسل، قال العاملي: محمول على التقية.[121]
وعن الصادق انه سئل عن المرأة حاضت ثم طهرت في سفر فلم تجد الماء يومين أو ثلاثة هل لزوجها ان يقع عليها؟ قال: لا، قال العاملي: محمول على التقية.[122]
وعن الصادق انه سئل عن الرجل ما يحل له من الطامث؟ قال: لا شيء حتي تطهر، قال الطوسي: يمكن ان يحمل على الإستحباب.[123]
وعن الصادق انه سئل عن الكر قال: الكر ذراعان وشبر في ذراعان وشبر، قال المجلسي: الأصوب حمل هذا الخبر على الإستحباب أو التقية، وكذا قال الطوسي.[124]
وعن الصادق: إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شيء، قال الطوسي: يحتمل ان يكون الخبر ورد مورد التقية.[125]
وعن الكاهلي قال: سألت أباعبدالله عن قوم مسلمين حضرهم رجل مجوسي يدعونه إلى طعامهم قال: اما انا فلا اواكل المجوسي واكره ان احرم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم، قال المجلسي: يظهر ان الأخبار الدلة على الطهارة محمولة على التقية.[126]
وعن اسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام في طعام أهل الكتاب فقال: لا تأكله ثم سكت هنيئة ثم قال: لا تأكله ثم سكت هنيئة ثم قال: لا تأكله ولا تتركه تقول: انه حرام ولكن تتركه تنزها عنه، قال المجلسي نقلا عن البهائي: قوله: لا تاكله ولا تتركه محمول على التقية.[127]
وسال الكاظم عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا، إلا ان يضطر إليه، قال المجلسي: يحمل الإضطرار على التقية.[128]
وعن بن رئاب قال: سألت الصادق عن الخمر والنبيذ والمسكر يصيب ثوبي اغسله واصلى فيه؟ قال: صل فيه إلا أن تقذره فتغسل منه موضع الأثر ان الله تبارك وتعالى إنما حرم شربها، قال المجلسي: حمل القائلون على نجاسة الثوب على التقية، وكذا قال الطوسي.[129]
وعن الصادق انه سئل عن ذرق الدجاج يجوز الصلاة فيه؟ قال: لا، قال الطوسي: يجوز ان يكون محمولا على التقية لأن ذلك مذهب كثير من العامة.[130]
وعنه أيضا انه سئل عن بول السنور والكلب والحمار والفرس فقال: كأبوال الإنسان، قال الطوسي: يجوز ان يكون الوجه في هذه الأحاديث أيضاً ضربا من التقية لأنها موافقة لمذاهب بعض العامة.[131]
وعنه أيضا عن الباقر قال: لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف، قال الطوسي: فالوجه في هذه الرواية ان نحملها على ضرب من التقية.[132]
وعن الكاظم انه سئل عن الرجل يرقد وهو قاعد هل عليه وضوء؟ فقال: لا وضوء عليه مادام قاعدا، قالوا: محمول على التقية.[133]
وقال المجلسي في الأخبار المجوزة لإستقبال القبلة أو إستدبارها حال التخلي في البنيان، الأخبار الموهمة للجواز محمولة على التقية.[134]
وعن علي رضي الله عنه قال: سبعة لا يقرؤون القرآن: الراكع، والساجد، وفي الكنيف، وفي الحمام، والجنب، والنفساء، والحايض، قال المجلسي: يمكن حمل أخبار المنع على التقية.[135]
وسأل الكاظم عن الرجل يجامع ويدخل الكنيف وعليه الخاتم فيه ذكر الله والشيء من القرآن، ايصلح ذلك؟ قال: لا، قال المجلسي والطوسي: الظاهر انه محمول على التقية.[136]
وعن الباقر: كان نقش خاتم أبي محمد بن علي عليه السلام العزة لله جميعا، كان في يساره يستنجي بها، وكان نقش خاتم علي عليه السلام الملك لله، وكان في يده اليسرى يستنجي بها، قال المجلسي: إنهم عليهم السلام كانوا لا يتختمون بغير اليمين إلا في التقية، وقال الطوسي والعاملي: هذا الخبر محمول على التقية.[137]
أقول: لم أقف على علة حمل أمثال هذه الرواية على التقية، فهل كان في بيوت خلاء الأئمة من يخشوهم فيتقونهم؟
وعن العسكري قال: أمرناكم بالتختم في اليمين والآن نأمركم بالتختم في الشمال، قال العاملي: الحديث محمول على التقية.[138]
وعن الرضا: ليس عليك وضوء من مس الفرج ولا من مس الذكر، قال الصدوق: الأخبار الدالة على نقضها محمولة على التقية، ويقول المجلسي: أخبار الوضوء من المذي والوذي اما محمول على التقية أو على الاستحباب، وكذا قال العاملي.[139]
وعن الصادق انه سئل عن الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط؟ قال: كل شيء يابس ذكي، قال العاملي: اقول هذا محمول على التقية.[140]
وعن الكاهلي: سألت العبد الصالح عليه السلام عن الرجل يخفق وهو جالس في الصلاة، قال: لا بأس بالخفقة مالم يضع جبهته على الأرض ام يعتمد عليها، قال المجلسي والنوري: لعله محمول على التقية.[141]
وعن زرارة وابي حمزة عن الباقر في حديث كيفية الوضوء، ذكر فيه.وضع يده في الاناء فمسح راسه ورجليه، قال المجلسي: ما في الخبر من وضع اليد في الاناء للمسح محمول على التقية.[142]
وعن الصادق انه سئل عن مسح الراس ببلل اليد؟ قال: خذ لرأسك ماء جديدا، قال الطوسي: محمول التقية.[143]
وعنه أيضا أنه قال: امسح الرأس على مقدمه ومؤخره، قال الطوسي: محمولان على التقية.[144]
وعنه أيضا في رجل يتوضأ كله إلا رجليه ثم يخوض بهما في الماء، قال: اجزأه ذلك، قال الطوسي: الخبر محمول على التقية.[145]
وعنه أيضا في الرجل يمسح راسه من خلفه وعليه عمامة باصبعه أيجزيه ذلك؟ فقال: نعم، قال الطوسي: يحتمل ان يكون الخبر خرج مخرج التقية.[146]
وعنه أيضا: إذا توضأت فأمسح قدميك ظاهرهما وباطنهما، قال الطوسي: الخبر محمول على التقية.[147]
وعن زيد بن علي عن آبائه عن على رضي الله عنه قال: جلست أتوضأ واقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين إبتدأت في الوضوء..الي ان قال: وغسلت قدمي فقال لي: يا علي خلل مابين الأصابع، قال الطوسي: هذا الخبر ورد مورد التقية لأنه موافق للعامة.[148]
وسأل الصادق عن الرجل يمسح وجهه بالمنديل قال: لا بأس به، وفي رواية ان الصادق توضأ للصلاة ثم مسح وجهه بأسفل قميصه ثم قال افعل هكذا فإني هكذا افعل، قال المجلسي والعاملي: يمكن حمل تلك الأخبار على التقية.[149]
وعن الكاظم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إفتحوا عيونكم عند الوضوء لعلها لا ترى النار، وفي رواية: أشربوا اعينكم الماء، قال المجلسي: لا يبعد حمل الخبرين على التقية.[150]
وعنه أيضاً انه سئل: عن رجل توضأ ونسي غسل يساره، قال: يغسل يساره وحدها ولا يعيد وضوء شيء غيرها، قال المجلسي: ربما يحمل على التقية.[151]
وعن الصادق عن الباقر عن علي رضي الله عنه في الذي يخرج من دبره الدود؟ قال: يتوضأ، قال النوري، لابد من حمله على التقية.[152]
وعنه أيضاً ان اسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر في حجة الوداع فأمرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان تقعد ثمانية عشر يوما فأيما إمراة طهرت قبل ذلك فلتغتسل ولتصل، قال المجلسي: ربما تحمل أخبار الثمانية عشر على النسخ أو على التقية، وقال الطوسي: يحتمل ان خرج الخبر مخرج التقية لموافقته لمذهب العامة.[153]
ويقول المجلسي بعد ان ذكر إجماع الشيعة على أنه لا يجتمع حيض مع حمل، ان أخبار الإجتماع محمولة على التقية.[154]
وعن الصادق أنه قال في كفارة من جامع في الطمث انه يتصدق إذا كان في أوله بدينار وفي أوسطه نصف دينار وفي آخره ربع دينار، قال المجلسي: يمكن حمل أخبار الكفارة على التقية.[155]
وعن علي رضي الله عنه قال: لا تسجد الحائض إذا سمعت السجدة، قال المجلسي: الأظهر حمل الرواية على التقية، وكذا قال العاملي لأن أكثر العامة ذهبوا إلى المنع.[156]
وعن الصادق ان سئل عن النفساء كم تقعد حتى تصلي؟ قال: ثماني عشر سبع عشر ثم تغتسل وتحتشي وتصلي، قال العاملي: محمول على التقية.[157]
وعن الصادق عن الباقر عن علي رضي الله عنه قال: تقعد النفساء أربعين يوما، قال النوري الخبر محمول على ا لتقية.[158]
ويقول المجلسي بعد ان ذكر اختلاف الشيعة في عدد الضربات في التيمم، الأصوب عندي حمل أخبار الضربتين على التقية.[159]
وعن الصادق انه سئل عن التيمم؟ فوضع يده على الأرض فمسح بها وجهه وذراعيه إلى المرفقين، قال الطوسي: فالوجه في هذا الخبر ان نحمله على ضرب من التقية لأنه موافق لمذاهب العامة، وكذا قال العاملي.[160]
وقال الطوسي في روايات جواز اقعاد الميت عند غسله، انها محمولة على التقية.[161]
وعن زيد بن علي عن آبائه عن علي رضي الله عنهم قال: الغسل من سبعة من الجنابة وهو واجب ومن غسل الميت وان تطهرت اجزأك، قال الطوسي: قوله: وان تطهرت اجزأك، محمول على التقية.[162]
وعن الصادق انه نفض المسك عن الكفن وقال: ليس هذا من الحنوط في شيء، قال المجلسي: ما روي من تحنيط النبي صلى الله عليه وآله وسلم اما محمول على التقية أو مخصوص به.[163]
وعن علي رضي الله عنه قال: لا تجمروا الأكفان، قال المجلسي والطوسي: لا يبعد حمل الأخبار الواردة بالجواز على التقية.[164]
وعن الصادق عن الباقر عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نعم الكفن الحلة، قال الطوسي: فالوجه في هذا الخبر ان نحمله على التقية لأنه موافق لمذاهب العامة.[165]
وعن الباقر أنه قال في احق الناس بالصلاة على المرأة إذا ماتت زوجها، قال المجلسي: الروايات بأن الأخ اولى من الزوج محمولة على التقية، وكذا قال الطوسي لأنها موافقة لمذهب العامة.[166]
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا تصلوا على جنازة مرتين، قال المجلسي والعاملي: الأظهر عندي حمل أخبار المنع على التقية.[167]
وعن الرضا أنه قال: إذا صليا على جنازة مؤمن فقف عند صدره أو عند وسطه وارفع يديك بالتكبير الأول، قال المجلسي: الأخبار الدالة على عدم استحباب رفع اليدين في الجميع محمولة على التقية.[168]
وعن الصادق في كيفية الصلاة على الميت قال بعد ان ذكر الكيفية، فإذا فرغت سلمت عن يمينك، قال الطوسي: قوله فإذا فرغت سلمت عن يمينك فإنه خرج مخرج التقية لأنها موفقة لمذاهب العامة.[169]
وعن الرضا في الصلاة على الجنائز: تقرأ في الأولى بأم الكتاب وفي الثانية تصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتدعو في الثالثة للمؤمنين والمؤمنات وتدعو في الرابعة لميتك والخامسة تنصرف بها، قال الطوسي: لو صح الخبر لكان محمولا على ضرب من التقية لأنه موافق لمذهب العامة.[170]
وعن الباقر انه سئل عن التكبير على الجنازة هل فيه شيء موقت أو لا؟ قال: لا، كبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد عشر وتسعا وسبعا وخمسا وستا وأربعا، قال الطوسي: ماتضمن هذا الخبر من زيادة التكبير على الخمس مرات متروك بالإجماع – أي عند الشيعة – اما ما يتضمن من الأربع تكبيرات فمحمول على التقية لأنه مذهب المخالفين.[171]
وعن الكاظم انه سأل عن الصلاة على الجنازة إذا إحمرت الشمس اتصلح؟ قال: لا صلاه إلا وقت صلاة، فإذا وجبت الشمس فصل المغرب ثم صل على الجنازة، قال المجلسي والنوري: الرواية محمولة على التقية.[172]
وعن الصادق قال: تكره الصلاة على الجنائز حين تصفر الشمس وحين تطلع، قال الطوسي: يمكن ان يكون وجه الكراهة في ذلك انه مذهب بعض العامة فخرج مخرج التقية.[173]
وعن الصادق قال: ينبغي لمن شيع جنازة ان لا يجلس حتى توضع في لحده، قال المجلسي: لا يبعد ان يكون خبر النهي محمولا على التقية.[174]
ويقول الطوسي: يجوز ان ينزل القبر بالخفين عند الضرورة والتقية [175]
وعن علي رضي الله عنه ان قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفع من الأرض قدر شبر وأربع أصابع ورش عليه الماء، قال علي: والسنة ان يرش على القبر الماء، قال المجلسي: لعل زيادة الأربع أصابع محمول على التقية.[176]
وعن الصادق قال: كان المؤذن يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحر في صلاة الظهر فيقول له رسول الله: أبرد أبرد، قال المجلسي: حمله بعضهم على التقية.[177]
وعن الصادق قال: لا صلاة بعد العصر حتى تصلي المغرب ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، قال الطوسي: فالوجه في هذه الأخبار وما جانسها ان تكون محمولة على التقية.[178]
وعن الصادق: وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها، قال المجلسي: الأخبار المعتبرة الكثيرة تدل على القول الثاني وهو إستتار القرص، ولعل الأكثر إنما عدلوا عنها لموافقتها لمذاهب العامة فحملوها على التقية.[179]
وعن سماعة قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام في المغرب: انا ربما صلينا ونحن نخاف ان تكون الشمس خلف الجبل أو قد سترها الجبل فقال: ليس عليك صعود الجبل، قال المجلسي والعاملي: الأولى حمل الخبر على التقية.[180]
وعن الصادق قال: من أخّر المغرب حتى تشتبك النجوم من غير علة فأنا إلى الله منه بريء، قال المجلسي: يمكن حملها على التقية أيضاً.[181]
وعن أبي العرندس انه رأي الكاظم في رمضان حين قال المؤذن: الله أكبر صب له غلامه فناوله وشرب، قال المجلسي: يمكن حمله على التقية.[182]
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى آخر الليل، قال المجلسي: يمكن حمله على التقية.[183]
وسئل الصادق عن الصلاة في لباس الفراء والسمور والسنجاب والثعالب وجميع الجلود قال: لابأس بالصلاة به، قال الطوسي والعاملي: محمول على التقية لأنه تضمن على ذكر الثعالب والسمور.[184]
وعن داود الصرمي: سألت الصادق عن الصلاة في الخز يغش بوبر الأرانب، فكتب يجوز ذلك، قال الطوسي والمجلسي: الأظهر حمله على التقية.[185]
وعن الصادق قال: قال الله عزوجل لموسى عليه السلام: فأخلع نعليك، لأنها كانت من جلد حمار ميت، قال المجلسي: يظهر ان الخبر محمول على التقية، وكذا قال العاملي.[186]
وعن الباقر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجدا فإن الله عزوجل لعن الذين إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قال المجلسي: لا يبعد حمل أخبار المنع على التقية.[187]
وعن الصادق أنه قال الأذان الله أكبر الله أكبر.في آخره لا إله إلا الله مرة، قال المجلسي والعاملي:يمكن حمل وحدة التهليل في الأذان على التقية.[188]
وعن علي رضي الله عن قال: يستقبل المؤذن القبلة في الأذان والاقامة، فإذا قال: حي على الصلاة حي على الفلاح حول وجهه يمينا وشمالا، قال المجلسي: لعل الإلتفات محمول على التقية.[189]
وعن الصادق قال: لا بأس بالتطريب في الأذان إذا أتم وبين بالألف والهاء، قال المجلسي: لعله محمول على التقية.[190]
وعن الباقر قال: كان أبي ينادي في بيته الصلاة خير من النوم، ولو رددت ذلك لم يكن به بأس، قال الطوسي والمجلسي: حمله الأصحاب على التقية.[191]
لا أدري ممن كان يخشى الإمام في عقر داره في الفجر؟
وعن الصادق قال: الإقامة مرة مرة إلا قوله الله أكبر فإنه مرتين، وفي رواية: الأذان مثنى مثنى والإقامة واحدة واحدة، قال الطوسي: فالوجه في هذين الخبرين ضرب من التقية لأنهما موافقان لمذاهب بعض العامة.[192]
وعن الصادق عن أبيه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة وجهر فيها بالقراءة، فلما إنصرف قال لأصحابه: هل اسقطت شيئا في القرآن؟ فسكت القوم، فقال النبي: أفيكم أبي بن كعب؟ فقالوا: نعم، فقال: هل أسقطت فيها شيء؟ قال: نعم يا رسول الله، انه كذا وكذا، قال المجلسي: يمكن حملها على التقية.[193]
لا ادري علة حمل هذه الرواية على التقية، فهل ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنسى نفسه وأسقط آيات من القرأن تقية، ثم التقية ممن؟ أم أن الصادق رحمه الله قد إختلق هذه الرواية تقية؟
وعن الصادق في رجل عطس في الصلاة فشمته رجل، قال: فسدت صلاة ذلك الرجل، قال المجلسي والعاملي: لعل هذا الخبر محمول على التقية.[194]
وعن الباقر: إذا ارادت المرأة الحاجة وهي في صلاتها صفقت بيدها، قال المجلسي: يتوهم التقية في الخبر.[195]
وعن الكاظم انه سئل عن الرجل في الصلاة فيسلم عليه الرجل هل يصلح له ان يرد؟ قال: نعم يقول السلام عليك فيشير عليه باصبعه، قال المجلسي والعاملي: اما الإشارة فيمكن ان يكون محمول على التقية.[196]
وعن الباقر قال: لا تسلموا على المصلي لأن المصلي لا يستطيع ان يرد السلام، قال المجلسي: الظاهر ان النهي عن التسليم محمول على التقية.[197]
وعن الصادق في رجل صلى صلاة فريضة وهو معقوص الشعر، قال: يعيد صلاته، قال المجلسي: لا يبعد حملها على التقية.[198]
وعن الصادق في الرجل يضع يده على ذراعه في الصلاة؟ قال: لا بأس ان بني إسرائيل كانوا إذا دخلوا في الصلاة دخلوا متماوتين كأنهم موتى، قال المجلسي: يحتمل ان يكون الخبر بتمامه محمولا على التقية.[199]
وعن الكاظم عن رجل قرء سورتين في ركعة قال: إذا كانت الصلاة نافلة فلا بأس فأما الفريضة فلايصلح، قال المجلسي: يمكن حمل أخبار الجواز على التقية.[200]
وعن الصادق انه سئل عن السورة أيصلي الرجل بها في الركعتين من الفربضة؟ قال: نعم، قال الطوسي: الخبر محمول على التقية لأنه موافق مذهب العامة، وكذا قال العاملي.[201]
وعن الكاظم ان سئل عن الرجل يقرء في الفريضة سورة النجم ايركع بها؟ أو يسجد ثم يقوم فيقرء بغيرها؟ قال: يسجد ثم يقوم فيقرء بفاتحة الكتاب ويركع ولا يعود يقرء في الفريضة بسجدة، قال المجلسي: يمكن حمل الرواية على التقية.[202]
ويقول المجلسي في ما ورد من تجويز ترك البسملة في غير الفاتحة، محمول على التقية.[203]
وعن الصادق في الرجل يكون إماما فيستفتح بالحمد ولا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: لا يضره ولابأس به، قال الطوسي: محمول على التقية.[204]
وعنه أيضا في قول الناس في الصلاة جماعة حين تقرأ فاتحة الكتاب آمين، قال: ما أحسنها وأخفض الصوت بها، قال الطوسي: لو صح هذا الخبر لكان محمول على التقية.[205]
وعن الرضا أنه نهى عن قراءة المعوذتين في صلاة الفريضة، ولا بأس في النوافل، لأنها من الرقية ليستا من القرآن ادخلوها في القرآن، قال المجلسي: النهي عن قراءة المعوذتين في الفريضة محمول على التقية.[206]
وقال صاحب دعائم الإسلام: روينا عن رسول الله صلي الله عليه واله وسلم وعن علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد عليهم السلام انهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر فيه بالقراءة من الصلوات في اول فاتحة الكتاب واول السورة في كل ركعة ويخافتون بها فيما يخافت من السورتين جميعا، قال الحسن بن علي عليه السلام: إجتمعنا ولد فاطمة على ذلك، قال المجلسي: الاخفات بالبسملة في الاخفاتية محمول على التقية.[207]
وعن المهدي المنتظر انه سئل عن القراءة افضل في الركعتين الأخيرتين ام التسبيح، فجاء الجواب بالقراءه، قال العاملي: هذه يمكن حمله على التقية.[208]
ويقول المجلسي: اجمع الأصحاب على انه لا يجوز السجود على ما ليس من الأرض ولا نباتها، والأخبار الدالة على الجواز محمولة على التقية.[209]
وعن الكاظم انه سئل عن الرجل هل يجزيه ان يسجد في السفينة على القر ؟ قال: لابأس، قال المجلسي: يمكن حمل الخبر على التقية.[210]
وقال إبن ادريس في معرض كلامه عن سجود التلاوة انه يجب على السامع السجود وذكر انه إجماع الأصحاب، قال المجلسي: يمكن حمل ما دل على عدم الوجوب على التقية.[211]
وعن الصادق قال: القنوت في الوتر في الركعة الثالثة، قال المجلسي: يمكن حمله على التقية.[212]
وعن الباقر قال: القنوت قبل الركوع وان شئت فبعده، قال الطوسي: قوله: وان شئت فبعده محمول على التقية لأنه مذهب العامة.[213]
وعن الصادق انه سئل عن القنوت في أي الصلوات؟ فقال: لا تقنت إلا في الفجر، قال الطوسي: محمول على التقية لأن من العامة من يذهب إلى ذلك.[214]
وعن الصادق انه سئل عن القنوت في الجمعة فقال: ليس فيها قنوت، قال الطوسي: محمول على التقية.[215]
وعن أباالحسن انه سئل عن رجل نسي القنوت في المكتوبة قال: لا إعادة عليه، قال الطوسي: إنما اراد لا إعادة عليه إذا كانت الحال حال التقية.[216]
وعن الرضا انه سئل عن سجد الشكر فقال: أي شيء سحدة الشكر؟ فقيل: يسجدون بعد الفريضة سجده واحدة ويقولون هي سجدة الشكر، فقال: انما الشكر إذا انعم الله تعالى على عبده النعمة، قال الطوسي: هذا الخبر محمول على التقية.[217]
وعن هارون بن خارجه انه راي الصادق وهو ساجد وقد رفع قدميه من الأرض وإحدى قدميه على الأخرى، قال العاملي: حمله بعضهم على التقية.[218]
وعن زرارة قال رأيت الصادق والباقر إذا رفعا رؤسهما من السجدة الثانية نهضا ولم يجلسا، قال العاملي: يمكن حمل الخبر على التقية.[219]
وعن زين العابدين انه إذا سافر صلى ركعتين ثم ركب راحلته وبقي مواليه يتنفلون فيقف ينتظرهم فقيل ألا تنهاهم؟ فقال: إني أكره ان أنهى عبدا إذا صلى والسنة احب إلي، قال المجلسي: عدم نهيه وقوله السنة احب الي محمولان على التقية.[220]
وعن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي بعد كل صلاة ركعتين، قال المجلسي: يمكن حمله على التقية.[221]
وعن الصادق قال: ان الرب تبارك وتعالى ينزل في كل ليلة جمعة إلى السماء الدنيا من أول الليل وكل ليلة في الثلث الأخير – وفي بعض النسخ وأمامه ملكان – ينادي: هل من تائب يتاب عليه؟ هل من مستغفر فبغفر له؟ هل من سائل فبعطى سؤله.فإذا طلع الفجر عاد الرب إلى عرشه فقسم الأرزاق بين العباد، قال المجلسي: محمول على التقية.[222]
وعنه أيضا قال: قنوت الوتر بعد الركوع في الثالثة، قال المجلسي: محمول على التقية.[223]
وعنه أيضا عن الباقر عن آبائه عن علي رضي الله عنه قال: من صلى بالناس وهو جنب اعاد هو والناس صلاتهم، قال المجلسي:هذا الخبر يمكن حمله على التقية.[224]
ويقول المجلسي: أخبار البناء – في الشك والسهو في الصلاة - على الاقل محمولة على التقية.[225]
وقال المجلسي ان روايات سجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم للسهو محمولة على التقية.[226]
هل إفتعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته ما إستوجب سجود السهو من أجل التقية؟
وقال في روايات إختصاص الإمام بسجدتي السهو دون المأمومين بأنه يمكن حملها على التقية.[227]
وسأل الصادق عن رجل نسي المغرب حتى صلى ركعتين من العشاء، قال: يتم صلاته ثم يصلي المغرب بعد، قال المجلسي: يمكن حمله على التقية.[228]
وعن الرضا في سجدتي السهو قال: إذا نقصت قبل التسليم وإذا زدت فبعده، وعن الصادق انه سئل: متى اسجد سجدتي السهو؟ قال: قبل التسليم، قال الطوسي: الخبرين محمولان على ضرب من التقية لأنهما موافقان لمذاهب كثير من العامة.[229]
وعن الباقر قال في الرجل إذا جلس للتشهد فحمد الله أجزأه، قال الطوسي: قال محمد بن الحسن الوجه في هذا الخبر التقية لأنه مذهب العامة.[230]
وعن الصادق ان علي رضي الله عنه صلى بالناس على غير طهر وكانت الظهر ثم دخل فخرج مناديه ان أمير المؤمنين صلى على غير طهر فأعيدوا فليبلغ الشاهد الغائب، قال العاملي: الحديث محمول على التقية.[231]
من أين أتت التقية في هذه القصة؟ هل زعم أمير المؤمنين رضي الله عنه أنه كان جنب تقيةً، أم أن الصادق رحمه الله إختلق هذه الرواية من أجل التقية، كما مر بنا في روايات شبيهة. ثم الا تتعارض هذه الرواية وأمثالها مع القول بعصمة الأئمة؟
وذكر المجلسي في الإختلاف في مسافة القصر في الصلاة بين الاربعة والثمانية فراسخ، بعد ان رجح الأربعة، ومنهم من قال بالثمانية فالتعبير عن الأربعة بالثمانية يمكن ان يكون لنوع من التقية.[232]
وعن الصادق قال: كان أبي يقضي نوافل النهار في الليل، قال المجلسي: الأظهر عندي حملها على التقية.[233]
وعن الصادق قال: فرض الله على كل خائف ركعة، قال المجلسي: يمكن حمله على التقية.[234]
وعن الصادق انه سئل عن الجمعة؟ قال: اذان واقامة يخرج الإمام بعد الأذان فيصعد المنبر، قال المجلسي: يمكن حمله على التقية.[235]
وقال المجلسي في الإختلاف في جواز تخطي الرقاب يوم الجمعة من عدمه: يشكل حمله على التقية لعدم المعارض.[236]
وعن الباقر عن أبيه ان عليا رضي الله عنه كان يكره رد السلام والإمام يخطب، قال المجلسي: كراهة رد السلام لعله محمول على التقية.[237]
وعن الصادق: ليس على أهل القرى جماعة ولا خروج في العيدين، قال الطوسي: الرواية محمولة على التقية.[238]
وعن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي رضي الله عنهم قال: لا جمعة إلا في مصر تقام فيه الحدود، قال الطوسي: هذا الخبر ورد مورد التقية لأنه مذهب بعض العامة.[239]
وعن الباقر قال: لا بأس بأن تصلي خلف الناصب – أهل السُنة – ولا تقرأ فيما يجهر فيه فإن قراءته تجزيك إذا سمعتها، قال الطوسي: هذا الخير محمول على التقية.[240]
وقال المجلسي في تعارض روايات تكبيرات العيدين وكونها قبل القراءة أو بعدها: روايات التكبيرات قبل القراءة ينبغي حملها على التقية، وكذا قال الطوسي لأنها موافقة لمذهب بعض العامة.[241]
وعن الكاظم انه سئل عن التكبير في ايام التشريق قال: إلى آخر ايام التشريق من صلاة العصر، قال المجلسي عن التكبير بعد الظهرين في اليوم الثالث يمكن حمله على التقية.[242]
وعنه أيضا عن آبائه عن علي رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى الكسوف بالناس..الى ان قال: فمضت السنة ان صلاة الكسوف ركعتان فيها اربع ركعات واربع سجدات، قال الطوسي: محمول على التقية لأنهها موافقة لمذهب بعض العامة.[243]
وعن الصادق في ليلة السابع والعشرون من رمضان قال: وفيه ليلة القدر، قال المجلسي: محمول على التقية.[244]
وعنه أيضا في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان قال: عليه قضاؤه، قال الطوسي: يمكن حمله على التقية لأنه موافق لمذهب بعض العامة.[245]
وعنه أيضا في رجل صائم إرتمس في الماء متعمدا أعليه قضاء ذلك اليوم؟ قال: ليس عليه قضاء ولا يعودن، قال الطوسي: الوجه في هذه الأخبار حملها على التقية لأن ذلك موافق للعامة.[246]
وعن الرضا في رجل اصابتة جنابة في شهر رمضان فنام متعمدا حتى اصبح أي شيء عليه؟ قال: لا يضره هذا ولا يفطر ولا يبالي،قال الطوسي: نحمله على التقية لأن ذلك رواية العامة عن عائشة، وكذا قال العاملي.[247]
وعنه أيضا والباقر انهما قالا: زكاة الفطر صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو نصف ذلك كله حنطه أو دقيق أو سويق أو ذرة أو سلتن قال الطوسي: هذه الأخبار وما يجري مجراها خرجت مخرج التقية.[248]
وعن الرضا انه سئل: هل تجوز شهادة النساء في التزويج من غير ان يكون معهن رجل؟ قال: لا هذا لا يستقيم، قال الطوسي: الخبر ورد مورد التقية لأن ذلك مذهب العامة.[249]
وعن زيد بن علي عن آبائه عن علي رضي الله عنهم قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة، قال الطوسي: هذه الرواية وردت مورد التقية وعلى ما يذهب إليه مخالفوا الشيعة.[250]
وعن الصادق انه سئل: جارية بكر بين أبويها تدعوني إلى نفسها سرا من أبويها أفأفعل ذلك؟ قال: نعم وإتق موضع الفرج، قال: وان رضيت بذلك؟ قال: وان رضيت بذلك فإنه عار على الأبكار، وفي رواية: لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت من غير إذن وليها، قال الطوسي في أخبار النهي عن التمتع بالبكر ان الأخبار في ذلك خرجت مخرج التقية.[251]
وعن الباقر انه سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية؟ قال: لا بأس، قال الطوسي: ما جري مجري هذه الأخبار مما تضمن إباحة نكاح اليهوديات والنصرانيات فإنها تحتمل ان تكون خرجت مخرج التقية لأن كل من خالفنا يذهب إلى إباحة ذلك.[252]
وعن أبي الحسن انه سئل عن الذي يحرم من الرضاع؟ فقال: قليله وكثيره حرام، قال الطوسي: هذا الخبر يجوز ان يكون خرج مخرج التقية لأنه موافق لمذهب العامة.[253]
وعن الصادق قال: الرضاع بعد الحولين قبل ان يفطم يحرم، قال الطوسي: لأن هذا الخبر موافق للعامة خرج مخرج التقية.[254]
وعنه أيضا ان سئل عن إتيان النساء في أعجازهن؟ قال: ليس به بأس وما احب ان تفعله، قال الطوسي في أخبار النهي عن إتيان النساء في أدبارهن يحتمل أنها وردت مورد التقية.[255]
وعنه أيضا في الرجل يأتي أهله من خلفها قال: هو أحد المأتيين فيه الغسل، قال الطوسي في ذلك يمكن ان يكون الخبر ورد مورد التقية لأنه لا غسل على المرأة إذا أتييت في دبرها.[256]
وعن أباالحسن انه سئل عن قناع النساء الحرائر من الخصيان فقال: كانوا يدخلون على بنات أبي الحسن عليه السلام ولا يتقنعن، قال الطوسي: هذا الخبر خرج مخرج التقية.[257]
وعن الصادق عن علي رضي الله عنه ان امرأة سألته:ان زوجي طلقني قال: غسلت فرجك؟ قالت: لا، قال: فزوجك احق ببضعك ما لم تغسلي فرجك، وفي رواية: إذا طلق الرجل المرأة فهو احق بها مالم تغتسل من الثالثة، قال الطوسي: الخبران خرجا مخرج التقية.[258]
وعنه أيضا أنه قال: عدة التي تحيض ويستقيم حيضها ثلاثة اقراء وهي ثلاث حيض، قال الطوسي:الوجه في هذه الأخبار ان تكون محمولة على التقية.[259]
وعنه أيضا عن الباقر قال: قال علبي رضي الله عنه لا وصية لوارث، قال الطوسي: هذا الخبر ورد مورد التقية لأنة موافق لمذاهب جمبع العامة.[260]
وعن زرارة ان الصادق أراه صحيفة الفرائض فإذا فيها لا ينقص الجد من السدس شيئا ورأيت سهم الجد فيها مثبتا، قال الطوسي: فالوجه في هذه الأخبار انها وردت مورد التقية لموافقتها لبعض العامة.[261]
وعن الصادق انه سئل: ما تقول في زيارة قبر الحسين رضي الله عنه فإنه بلغنا عن بعضكم انه تعدل حجة وعمر؟ قال: ما اضعف هذا الحديث ما تعدل هذا كله ولكن زوروه ولا تجفوه لأنه سيد شباب أهل الجنة، قال المجلسي والعاملي: الأظهر انه محمول على التقية.[262]
وعنه أيضا انه سئل إذا اتي قبر الحسين رضي الله عنه: اجعله قبلة إذا صليت؟ قال: تنح هكذا ناحية، قال المجلسي: لعل الأمر بالتنحي محمولة على التقية.[263]
وعنه أيضا انه سئل عن زيارة قبر الحسين رضي الله عنه أنه قال زرة ولا تتخذه وطنا، قال المجلسي: لعل النهي عن إتخاذه وطنا محمول على التقية.[264]
وعنه أيضا عن الباقر ان علي رضي الله عنه لم يكن ينسب احدا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق ولكنه كان يقول هم إخواننا بغوا علينا، قال العاملي: هذا محمول على التقية.[265]
لا شك ان القاريء قد مل، وهو يظن بأننا قد اطلنا عليه بعض الشيء ولكن في حقيقة الأمر أننا لو اردنا نقل كل ما ورد في هذا الباب لأحتاج الأمر إلى مجلد أو أكثر.
الحوادث التاريخية التي وقعت في عصر الأئمة.
فالمسائل التي مرت بك أو جلها كانت بزعم الشيعة لأئمة أهل البيت رحمهم الله الذين عاصروا حكام بني أمية والعباس من مروان بن عبدالملك الأموي إلى المأمون العباسي. أي الإمام زين العابدين والباقر والصادق والكاظم والرضا رحمهم الله. وفي هذه الفترة مرت على الدولتين من الحوادث ما يحتاج بيانه إلى مجلدات، ولكن لا بأس أن نمر عليها على عجالة شديدة توطئة لبيان المقصود.
فمن هذه الحوادث وثوب عمرو بن سعيد بن العاص على دمشق في غيبة عبد الملك بن مروان ، وأراد الخلافة. فجاء عبد الملك وجرى بينهما قتال، وحصار ثم نزل إليه بالأمان.
ومنها ما كان بين الأزارقة وبين المهلب حرب شديد ودام القتال أشهرا. وفي سنة سبعين ثارت الروم ووثبوا على المسلمين. فصالح عبد الملك بن مروان ملك الروم على أن يؤدي إليه في كل جمعة ألف دينار خوفاً منه على المسلمين. حتى قالوا في ذلك: هذا أول وهن دخل على الإسلام. وما ذاك إلا لاختلاف الكلمة ولكون الوقت فيه خليفتان يتنازعان الأمر فما شاء الله كان.
ومنها الوقعة الهائلة بالعراق بدير الجاثليق. تجهز عبد الملك وطلب العراق. وسار مصعب أيضاً يقصد الشام. فالتقى الجمعان. فخان مصعباً بعض جيشه، وأفلت زياد بن عمرو ومالك بن مسمع وطائفة لديهم ولحقوا بعبد الملك. وكان عبد الملك قد كتب إليهم يعدهم ويمنيهم حتى أفسدهم. وجعل مصعب كلما قال لمقدم من أمرائه: تقدم، لا يطيعه. واستظهر عبد الملك فأرسل إلى مصعب يبذل له الأمان. فقال: إن مثلي لا ينصرف عن هذا الموطن إلا غالباً أو مغلوباً. ثم إنهم أثخنوه بالرمي. ثم شد عليه زائدة فطعنه وقال: يا لثارات المختار. وقتل مع مصعب ولداه عيسى وعروة، وإبراهيم بن الأشتر سيد النخع وفارسها. ومسلم بن عمرو الباهلي. واستولى عبد الملك على العراق وما يليها. فأمر أخاه بشراً على العراق وبعث الأمراء على الأعمال. وجهز الحجاج إلى مكة لحرب ابن الزبير.
وفيها نازل الحجاج ابن الزبير فحاصره. ونصب المنجنيق على أبي قبيس. ودام القتال شهراً. إلى أن قتل عبد الله بن الزبير بن العوام.
وفيها وجه الحجاج زائدة بن قدامة الثقفي، ابن عم المختار، لحرب شبيب والخوارج. فالتقوا، فاستظهر شبيب وقتل زائدة. واستفحل أمر شبيب وهزم العساكر مرات.
ومنها بعث الحجاج لحرب شبيب عندما قتل عثمان الحارثي عتاب بن ورقاء الخزاعي الرباحي. فالتقى شبيباً بسواد الكوفة فقتل أيضاً عتاب، وهزم جيشه. فجهز الحجاج لقتاله الحارث بن معاوية الثقفي. فالتقوا، فقتل الحارث. فوجه الحجاج أبا الورد النضري فقتل. فوجه طهمان مولى عثمان فقتل. ففرق الحجاج وسار بنفسه. فالتقوا واشتد القتال. وسار شبيب إلى ناحية الأهواز وبها محمد بن موسى بن طلحة التيمي. فخرج لقتال شبيب، ثم بارزه فقتله شبيب. وسار إلى كرمان فتقوى ورجع إلى الأهواز. فبعث الحجاج لحربه سفيان الأبرد الكلبي وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي. فالتقوا على جسر دجيل. واشتد القتال حتى حجز بينهم الظلام. ثم ذهب شبيب وعبر على الجسر فقطع به، فغرق. وكان إليه المنتهى في الشجاعة والبأس، وأكثر ما يكون في مائتي نفس من الخوارج فيهزمون الألوف. وفيها غزا عبد الملك بنفسه. فدخل الروم وافتتح مدينة هرقلة.
ومن الحوادث ما أصاب أهل الشام من طاعون كادوا يفنون من شدته. وفي السنة التالية بعث الحجاج على سجستان عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي. فلما استقر بها خلع الحجاج وخرج. ثم كانت بينهما حروب يطول شرحها. فيها قام مع ابن الأشعث عامة أهل البصرة مع العلماء والعباد. فاجتمع له جيش عظيم. والتقوا عسكر الحجاج يوم الأضحى، فانكشف عسكر الحجاج وانهزم هو، وتمت بينهما بعد ذلك عدة وقعات، حتى قيل كان بينهما أربع وثمانون وقعة على الحجاج، والآخرة كانت له.
ومنها الحروب التي إستعرت بالعراق بين الحجاج وابن الأشعث وكاد ابن الأشعث أن يغلب على العراق. وبلغ جيشه ثلاثة وثلاثين ألف فارس ومئة وعشرين ألف راجل. ولم يتخلف عنه كثير. قاموا معه على الحجاج لله.
وفيها وقعة دير الجماجم. وكان شعار الناس: يا ثارات الصلاة. لأن الحجاج، قاتله الله، كان يميت الصلاة ويؤخرها حتى يخرج وقتها.
ومنها غزو محمد بن مروان بن الحكم لأرمينية. وفيها كانت وقعة بين المسلمين والروم بطوانة أصيب فيها المسلمون واستشهد نحو الألف.
ومنها الملحمة الهائلة بناحية بخارا بين قتيبة والكفار. وفيها فتحت سردانية من المغرب.
ومنها زحف الترك وأهل فرغانة والصغد وعليهم ابن أخت ملك الصين في جمع لم يسمع بمثله. فيقال: كانوا مائتي ألف. فالتقاهم قتيبة بن مسلم فهزمهم. وفيها اقتتلت الروم في جمع عظيم. فالتقاهم مسلمة فكسرهم أيضاً. وافتتح مسلمة حرثومة وطوانة. وفيها جهز موسى بن نصير ولده عبد الله. فافتتح جزيرتي ميورقة ومنورقة. وجهز ولده الآخر مروان فغزا السوس الأقصى. وبلغ السبي أربعين ألفاً. وغزا مسلمة عمورية. فالتقى الروم وهزمهم.
ومنها غزو قتيبة وردان خداه الغزوة الثانية. فاستصرخ عليه بالترك، فالتقاهم قتيبة وكسرهم. وفيها غزا مسلمة سورية وافتتح الحصون الخمسة. وفيها غدر ملك الطالقان واستعان بترك طرخان على قتيبة. ثم ظفر قتيبة بأهل الطالقان فقتل منهم صبراً مقتلة لم يسمع بمثلها. وصلب منهم سماطين طول كل سماط أربعة فراسخ في نظام واحد.
ومنها فتتح إقليم الأندلس على يد طارق مولى موسى فتحه في سنة ثلاث.
ومنها فتتح قتيبة لعدة فتوح وهزم الترك. ونازل سمرقند في جيش عظيم، ونصب المنجنيق فجاءت نجدة الترك، فأكمن لهم كميناً فالتقوا في نصف الليل. فاقتتلوا قتالاً عظيماً، ولم يفلت من الترك إلا اليسير.
وافتتح سمرقند صلحاً وبنى بها الجامع والمنبر. وأما الباهليون فيقولون: صالحهم على مئة ألف فارس، وعلى بيوت النار، وعلى حلية الأصنام فسلبت. ثم وضعت قدامه فكانت كالقصر العظيم يعني الأصنام. فأمر بتحريقها. ثم جمعوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال واستعمل على البلد ابنه عبد الله. ورد إلى مرو.
ومنها كانت الفتوح بأرض المغرب والأندلس وبأرض الروم وبأرض الهند. ولم يفتتح المسلمون منذ خلافة عثمان مثل هذه الفتوح التي جرت بعد التسعين شرقاً وغرباً.
ومنها غزو قتيبة بن مسلم لفرغانة فافتتحها بعد قتال عظيم، وبعث جيشاً فافتتحوا الشاش. وفيها افتتح مسلمة من أرض الروم سندرة.
ومنها غزو المسلمون لقسطنطينية، وعلى الناس مسلمة. وفيها افتتح يزيد بن المهلب بن أبي صفرة جرجان.
ومنها وقعة بهرازان دون الباب بفرسخين. التقى المسلمون وعليهم الجراح الحكمي هم والخاقان. فهزموه بعد قتال عظيم. وقتل خلق من الكفار.
ومنها معارك الجراحِ الحكَمي وخاقان ملك الترك. ودام الحرب أياماً، ثم نصر الله دينه، وهزم الترك شر هزيمة. وكان المصاف بناحية إرمينية.
ومنها غزو المسلمون فرغانة والتقوا الترك، فقتل في الوقعة ابن خاقان. وفيها غزا الجراح الحكَمي ووغل في بلاد الخزر. فصالحوه وأعطوه الجزية.
ومنها غزو أسد بن عبد الله القسرِِيّ أمير خراسان فالتقاه الغوز في جمع عظيم فهزمهم. وفيها زحف ابن خاقان إلى اذربَيجان وحاصر مدينة ديان كذا ونصَب عليها المجانيق. فساد إليه المسلمون فهزموه، وقتلوا من جيشه خلقاً، ولكن استشهد أميرهم الحارث بن عمرو.
ومنها فتتح معاوية ولد هشام قلعتين من أرض الروم. وفيها كانت وقعة الطين التقى مسلمة وطاغية الخزر بقرب باب الأبواب. فاقتتلوا أياماً كثيرةَ. ثم كان النصر ولله الحمد في جُمادى الآخرة. وفيها كانت وقعة بالمغرب أسر فيها بطريقُ المشركين.
ومنها عُزل مسلمة عن أَذرَبيجان وأعيد الجراح الحكَمي. فافتتح مدينة البيضاء التي للخزر. فجمع ابن خاقان جمعاً عظيماً وساق فنازل أردبيل.
ومنها مسير مسلمة في شدة البرد والثلج في بلاد الترك حتى جاوز الباب. وافتتح مدائن وحصوناً. وافتتح معاوية بن هشام خرشنة من ناحية ملطية. وفيها زحف الجراح الحكمي من برذعة إلى ابن خاقان وهو محاصر أردبيل. فالتقى الجمعان واشتد القتال، فكسر المسلمون وقتل الجراح الحَكمي اليماني رضي الله عنه. وغلبت الخزر على اذربَيجان. وبلغت خيولهم إلى الموصل. وكان بأساً شديداً على الإسلام.
وفيها أخذت الخَزَزُ أردَبيل بالسيف. فبعث هشام إلى أذربيَجان سعيدَ بن عمرو الجرشي. فالتقى الخزر وهزمهم واستنقذَ شيئاً كثيراً وغنائم ولَطفَ الله.
ومنها لقاء المسلمون والترك بظاهر سمرقَند. فاستشهد أميرهم وعامة أصحابه. وهو الأمير َسوْرَةُ بن أَبجر الدارمي عامل سمرقند. ثم التقاهم الجُنيد المرّي فهزمهم. وفيها أعيدَ مَسْلَمة إلى ولاية أذربيجان وإرمينية. فالتقى خاقان. واقتتلوا قتالاً عظيماً وتحاجزوا، ثم التقوا بعدها فانهزم خاقان. وفيها غزا المسلمون وهم ثمانية آلاف وعليهم مالك بن شبيب الباهلي فوغل بهم في أرض الروم فحشدوا لهم، والتقوا. فانكسر المسلمون وقتل أميرهم مالك. وقتل معه عبد الوهاب بن بخت مولى بني مروان. وكان موصوفاً بالشجاعة والإقدام. وكان معه الأمير أبو محمد البطال، واسمه عبد الأنطاكي. أحد الشجعان الذين يضرب بهم المثل. وله مواقف مشهودة. وكان طليعةَ جيش مسلمة.
ومنها ثورة الترك بخراسان وانضم إليهم الحارث بن أبي شريح الخارجي. فاقتتوا وجاوزوا نهر جيحون. وأغاروا على مرو الروذ. فسار إليهم أسد بن عبد الله القسري، فالتقَوا، ونصَر الله، وقتلهم المسلمون قتلاً ذريعاً. وفيها افتتح مروان الحمار ثلاثةَ حصون، وأسر الملك تومان شاه، وبعث به إلى هشام. فمن عليه وأعاده إلى ملكه.
ومنها غزو مروِان. فأتى قلعة بيت السرير، فقتل وسبى، ثم دخل حصن غومشك كذا، وفيه سريرُ مُلكِهم، فهرب منه الملك. ثم إن مروان صالحهم في العام على ألف رأس ومئة ألف مديٍ. ثم إنه سار حتى دخل أرض أرز ونطران كذا، فصالحوه، وصالحه تومان شاه على بلاده. ثم سار حتى نازل حمرين كذا وحاصرها شهرين، ثم صالحهم، وافتتح مسدارة صُلحاً، وتهيأ لمروان في هذه السنة من الفتوحات أمرٌ عظيم، ووقع في قلوب الترك والخَزَر منه رعبٌ شديد.
ومنها ما كان في المغرب حيث حصلت حروب مزعجةّ وملاحم وخرجت طائفة كبيرة وبايعوا عبد الواحد الهواريَ. والتف عليه أممٌ من البربر. ثم نصير عليهم المسلمون وقتلوا منهم خلقاً.
ومنها في المغرب أيضا قتل كْلثوم بن عياض القشيري في عدة من أمرائه واستبيح عسكره ومُزقوا. هَزمهم أبو يوسف الأزري رأس الصُفرية. و كَان كلثوم قد ولي دمشق لهشام، ثم ولاه غزو الخَوارج بالمغرب. وأتبعت الصفرية من انكسر من المسلمين. فثبت لهم بلجٌ القًشَيري ابن عم كُلثوم. وكان النصر وللَه الحمد.
ومنها الوقعةٌ الكبيرة بالمغرب مع الصفرية. ورأسهم َمْيسَرَةُ الحقير. وذاق المسلمون منهم مشاقّ وبلاءً شديداً.
ومنها لما بلغ مروان بن محمد بن مروان وفاة يزيد الناقص سار من إرمينية في جيوشه يطلب الأمر لنفسه. فجهّز إبراهيم الخليفة أخويه بشراً ومسروراً في جيش فكسرهما مروان وحبسهما. ثم نزل بمرج دمشق، فحاربه سليمان بن هشام بن عبد الملك. ثم انهزم وعسكر الخليفة إبراهيم بن الوليد. فخلع نفسه وبايع مروان.
ومنها ظهور الضحّاكُ بن قَيس الخارجي، وقَتل متولّي الموصل. واستولى عليها. وكثرت جموعه وأغار على البلاد، وخافه مروان. فسار بنفس، فالتقى الجيشان بنصيبين. وكان قد أشار على الضحّاك أمراؤه أَن يتقهقر فقال: ما لي في دنياكم من حاجة. وقد جعلتُ لله علي إن رأيت هذا الطاغية أن أحمل عليه حتى يحكم الله بيننا. وعلي دينٌ سبعةُ دراهم. معي منها ثلاثة دراهم. ودام الحرب إلى آخر النهار، فقتل الضحاك في المعركة في نحو ستة آلاف من الفريقين أكثرهم من الخوارج. وانهزم مروان، لكن ثبت أمير الميمنة. وجاء الخبيريّ فملك مخيم مروان وقعد على سريره. فعطف نحو ثلاثة آلاف فأحاطت بالخبيري فقُتل، وقام بأمر الخوارج شيبان فتحيّز بهم. وخندقوا على نفوسهم. وجاءَ مروان فنازلهم وقاتلهم عشرة أشهر، كل يوم رايةُ مروان مهزومة. وكانت فتنةً هائلة تُشبه فتنة ابن الأشعث مع الحجاج. ثم رحل شيبان على حمية نحو شهرزور، ثم توجه إلى كَرمان ناحية البحرين فقتل هناك.
ومنها خروج بسطام بن الليث بأذربيجان، ثم قدم بلد نصيبين في نيف وأربعين رجلاً. فنهض لحربه عسكر الموصل، فبيتهم وأصاب منهم، ثم عاث بنصيبين، ثم قتل.
ومنها إستلاء أبو مسلم الخراساني ممالك خراسان. وهزم الجيوش. وبدأت دولة بني العباس، وَولت الدنيا عن بني أمية.
وفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة ابتدا أمر دولة العباسية بني العباس. وبويع السفاح بالكوفة. وِجهز عمه عبدَ الله بن علي لمحاربة مروان. فزحف مروان إليه في مئة ألف إلى أن نزل بالزاب دون الموصل. فالتقوا في جمادى الآخرة. فانكسر مروان واستولى عبد الله على الجزيرة، وطلب الشام. فهرب مروان إلى مصر وخْذل. وانقضت أيامه.
فنزل عبد الله على دمشق وحاصرها. وبها ابن عم مروان الوليد بن معاوية ابن مروان. فأخذت بالسيف. وقتل بها من الأمويين عدة ألوف، منهم أميرها الوليد وسليمان بن هشام بن عبد الملك.
وفيها كانت وقعة المسناة فقتل الأمير قحطبة بن شبيب الطائي المروزي أحد دعاة بني العباس. وتأمر على الجيش في الحال ولده.
وفيها قتل مروان الخليفة الملقب بالجعدي وبالحمار، عبر النيل طالباً بلاد الحبشة. فلحقه صالح بن علي عم السفاح وبيتوه ببوصير. وقاتل حتى قتل. وقتل معه زبان أخو عمر بن عبد العزيز. وكان أحد الفرسان ولكن تقنطر به فرسه فقتلوه.
وفيها قتل سليمان بن كثير الخزاعي المروزي الأمير، أحد نقباء بني العباس. قتله أبو مسلم الخراساني.
ومنها منازلة طاغية الروم اليون بن قسطنطين ملطية، وألح عليهم بالقتال حتى سلموها بالأمان. فهدم المدينة والجامع. ووجه مع المسلمين عسكر حتى يبلغوهم مأمنهم.
في سنة ست وثلاثين ومئة في ذي الحجة مات أبو العباس السفاح، وكانت دولته دون الخمس سنين. وفي أيامه تفرقت الكلمة وخرج عن طاعته الناحية الغربية من بلاد السودان، وإقليم الأندلس. وتغلبت على هذه الممالك خوارج وجماعة. وولي بعده أخوه أبو جعفر المنصوِر.
وفي سنة سبع وثلاثين ومئة في أولها بلغ عبد الله بن علي موت ابن أخيه السفاح فدعى بالشام إلى نفسه. وعسكر بدابق وزعم أن السفاح عهد إليه بالأمر. فجهز المنصور لحربه أبا مسلم الخراساني. فالتقى الجمعان بنصيبين في جمادى الآخرة. فاشتد القتال. ثم انهزم جيش عبد الله، وهرب هو إلى البصرة، وبها أخوه، وحاز أبو مسلم خزائنه، وكانت شيئاً عظيماً، لأنه استولى على جميع نعمة بني أمية فبعث المنصور إلى أبي مسلم: أن احتفظ بها في يدك، فصعب ذلك على أبي مسلم، وعزم على خلع المنصور. وسار نحو خراسان، فأرسل إليه المنصور يستعطفه ويمنيه وما زال به حتى وقع في براثنه، فأقدم على قتله.
وفي شعبان قتل أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم صاحب دعوة بني العباس، ومنشىءُ دولتهم. وكان قد دخل خراسان على بهيمة، وهو شابٌّ طري له ذؤابة فما زال يتحيل بإعانة وجوِه شيعة بني العباس ونقبائهم، حتى توثب على مرو ومَلَكَهَا. وحاصل الأمر أنه خرج من خراسان بعد أَن حكم عليها وضبطها. فقاد جيشاً هائلاً ومهد لبني العباس، بعد أن قتل خلقاً لا يحصون محاربة وصبراً. وكَان حجاج زمانه.
وفي سنة ثمان وثلاثين ومئة أقبل طاغية الروم قسطنطين بن اليون بن قسطنطين في مئة الف حتى نزل بدابق. فالتقاه صالح بن علي عم المنصور فهزمه.
وفي سنة تسع وثلاثين ومئة سار عسكر المنصور فنزلوا مَلَطية. وهي خراب، فزرعوا أرضها وطبخوا كلساً لبنائها ورجعوا فبعث طاغية الروم من حرق الزرع.
وفي سنة إحدى وأربعين ومئة ظهرت الريوندية. وهم قوم خراسانيون على رأي أبي مسلم صاحب الدعوة يقولون بتناسخ الأرواح، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم المنصور، وأن الهيثم بن معاوية جبريلُ. فأتوا قصر المنصور وطافوا به، فقبض على مئتين من كبارهم. فغضب الباقون وحفوا بنعشٍ وحملوا هيئة جنازة. ثم مروا بالسجن فشدوعلى الناس، وفتحوا السجن وأخرجوا أصحابهم. وقصدوا المنصور في ست مئة مقاتل. فأغلق البلد، وحاربهم العسكُر مع مَعْن بن زائدة. ثم وضعوا فيهم السيف. وأصيب عثمان بن نهيك الأمير. فاستعمل المنصور مكانه على الحرس أخاه عيسى. وكان ذلك بالهاشمية.
وفيها افتتح المسلمون طَبَرَسْتان بعد حروب طويلة.
وفي سنة ثلاث وأربعين ومئة ثارت الديلُم وبَدَعوا وقتلوا خلائق من المسلمين. فانتُدب الناس لغزوهم. وفيها سار الأمير محمد بن الأشعث إلى المغرب، فالتقى الأباضية وهَزَمَهم، وقُتل زعيمهم أبو الخطاب في المصاف.
وفي سنة خمس وأربعين ومئة ظهر محمد بن عبد الله بن حسن. فخرح في مئتين وخمسين نفساً بالمدينة، وهو على حمار. وذلك في أول رجب. فوثب على متولي المدينة رباح وسجنه. وتتبع أصحاب رباح. ثم خطب الناس، وبايعه بالخلافة أهل المدينة قاطبةً طوعاً وكرهاً. وأظهر أنه قد خرج غضباً لله، وما تخلف عنه من الوجوه إلا نفر يسير. واستعمل على مكة عاملاً وعلى اليمن وعلى الشام، وندب المنصور لحربة ابن عمه عيسى ابن موسى وقال: لا أبالي أيهما قتل صاحبه لأن عيسى كان ولي العهد بعد المنصور عقد له ذلك السفاح. وكان المنصور يود هلاكه ليولي مكانه ولده المهدي.
وسار عيسى في أربعة آلاف، وكتب إلى الأشراف يستميلهم ويمنيهم، فتفرق عن محمد بن عبد الله ناس كثير. وأشير عليه باللحاق بمصر ليتقوى منها. فأبى وتحصن بالمدينة. وعمق خندقها. فلما أظله عيسى قال: قد أحللتكم من بيعتي. فإن هذا قد جاء في عَددٍ وعُددٍ. فتسللوا عن محمد وبقي في طائفة فراسله عيسى يدعوه إلى الإنابة، ويبذل له الأمان فلم يسمع. ثم أنذر عيسى أهل المدينة ورغبهم ورهبهم أياماً ثم زحف على المدينة فظهر عليها و بادر محمداً وناشده الله، ومحمد لا يرعوي.
قال عثمان بن محمد بن خالد: إني لأحسب محمداً قتل بيده يومئذ سبعون رجلاً. وكان معه ثلاث مئة مقاتل. ثم قتل في المعركة وبعث عيسى برأسه إلى المنصور.
وفيها خرج أخوه إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة وكان قد سار من الحجاز إلى البصرة فدخلها سراً. في عشرة أنفس. فدعا إلى نفسه سراً بالبصرة حتى بايعه نحو أربعة آلاف. وجاءه خبر ظهور أخيه بالمدينة فوجم واغتم. ولما بلغ المنصور خروجه تحول فنزل الكوفة حتى يأمن غائلة أهلها. وألزم الناس بلبس السواد، وجعل يقتل كل من اتهمه أو يحبسه. وكان بالكوفة ابن ماعز يبايع لإبراهيم سراً. وتهاون متولي البصرة في أمر إبراهيم حتى اتسع الخرق.
وخرج إبراهيم أول ليلة من رمضان، وتحسس منه سفيان متولي البصرة. وأقبل الخلق إلى إبراهيم من بين ناصر وناظر. ونزل سفيان بالأمان ووجد إبراهيم في الحواصل ست مئة ألف. ففرضها لأصحابه خمسين خمسين. وبعث عاملاً على الأهواز ليفتحها. وبعث آخر إلى فارس، وآخر إلى واسط. فجهز المنصور لحربه خمسة آلافٍ عليهم عامر المسكي. فكان بين الفريقين عدة وقعات. وقتل خلق من أهل البصرة وواسط. وبقي إبراهيم سائر رمضان يفرق العمال على البلدان ليخرج على المنصور من كل جهة فتق. فأتاه مصرع أخيه بالمدينة قبل الفطر بثلاث. فعيد بالناس وهم يرون فيه الانكسار.
وكان المنصور في جمعٍ يسير وعامة جيوشه في النواحي. فالتزم بعدها أن لا يفارقه ثلاثون ألفاً. فلم يبرح أن رد من المدينة عيسى بن موسى. فوجهه لحرب إبراهيم.
ومكث المنصور لا يقر له قرار. وجهز العساكر، ولم يأو إلى فراش خمسين ليلة. وكل يوم يأتيه فتق من ناحية. هذا ومئة ألف سيف كامنة بالكوفة، ولولا السعادة لثل عرشه بدون ذلك. وكان ذلك صقراً أحوذياً مشمراً ذا عزم ودهاء. وعن داود بن جعفر قال: أحصي ديوان إبراهيم بالبصرة فبلغوا مئة ألف. وقال غيره: بل قام معه عشرة آلاف، فلو هجم بالكوفة لظفر بالمنصور، ولكنه كان فيه دين. قال: أخاف إن هجمتها أن يستباح الصغير والكبير، وكان أصحابه مع قلة رأيه يختلفون عليه. وكل يشير برأي إلى أن التقى الجمعان بباخمرا على يومين من الكوفة. فاشتد الحرب. واستظهر أصحاب إبراهيم.
وكان على مقدمة جيوش المنصور حميد بن قحطبة. فانهزم، وجعل عيسى بن موسى يثبت الناس، قد بقي في مئة من حاشيته. فأشاروا عليه بالفرار. فقال: لا أزل حتى أظفر أو أقتل. وكان يضرب به المثل بشجاعته ثم دار أبناء سليمان بن علي في طائفة وجاءوا من وراء إبراهيم. وحملوا على عسكره.
فاعترض لهم نهرٌ، ولم يجدوا مخاضة، فرجعوا. فوقعت الهزيمة على أصحاب إبراهيم، حتى بقي في سبعين، وأقبل حميد بن قحطبة فحمل بأصحابه. واشتد القتال حتى تفانى خلق تحت السيف طول النهار. وجاء سهم غرب لا يدرى من رمي به في حلق إبراهيم، فأنزلوه وهو يقول " وكان أمر الله قدراً مقدوراً " أردنا أمراً وأراد الله غيره. واجتمع أصحابه يحمونه. وأنكر حميداً اجتماعهم وحمل عليهم. فتفرقوا عن إبراهيم فنزل جماعة واحتزوا رأسه. وبعث به إلى المنصور. وذلك في الخامس والعشرين من ذي القعدة، وعمره ثمان وأربعون سنة.
وفيها خرجت الترك والخزرج بباب الأبواب وقتلوا واستباحوا بعض أرمينية.
وفي سنة سبع واربعين ومئة بدعت الكفرة الترك بناحية إرمينية وقتلوا أمماً. ودخلوا تفليس. فالتقاهم المسلمون فلم ينصروا. وهرب أميرهم جبريل بن يحيى، وقتل مقدمه الآخر حرب الريوندي الذي تنسب إليه الحربية ببغداد.
وفي سنة تسع وأربعين ومئة غزا الناس بلاد الروم وعليهم العباس بن محمد. فمات في الغزاة أكبر أمرائه محمد بن الأشعث الذي كان ولي إمرة مصر.
وفي سنة خمسين ومئة خرجت أهل خراسان على المنصور مع الأمير استاذ سيس حتى اجتمع له فيما قيل ثلاث مئة ألف مقاتل من بين فارس وراجل، سائرهم من أهل وسجستان. واستولى على أكثر خرسان. وعظم الخطب فنهض لحربه الأخثم المروروذي. فقتل الأخثم واستبيح عسكره. فسار حازم بن خزيمة في جيش عظيم بالمرة فالتقى الجمعان وصبر الفريقان وقتل خلق كثير، حتى قيل إنه قتل في هذه الوقعة سبعون ألفاً. وانهزم استاذ سيس في طائفة إلى جبل. وكانت هذه الوقعة في السنة الآتية سقناها استطراداً.
ثم أمر حازم بالأسرى فضربت أعناقهم كلهم. وكانوا أربعة عشر ألفاً. ثم حاصر استاذ سيس مدة. ثم نزل على حكمهم، فقيد هو وأولاده، وأطلق أصحابه، وكانوا ثلاثين ألفاً.
وفي سنة ثلاث وخمسين ومئة غلبت الخوارج الإباضية على إفريقية، وهزمواعسكرها، وقتلوا متوليها عمر بن حفص الأزدي وكان على رأسهم ثلاثة: أبو حاتم الإباضي، وأبو محمد. وأبو قرة الصفري. وكان أبو قرة في أربعين ألفاً من الصفرية قد بايعوه بالخلافة. وكان أبو حاتم وصاحبه في مئتي ألف فارس وأمم لا يحصون من الرجالة.
وفي سنة أربع وخمسين ومئة أهم المنصور أمر الخوارج واستيلاؤهم على المغرب، فسار إلى الشام، وزار القدس. وجهز يزيد بن حاتم في خمسين ألف فارس، وعقد له على المغرب. فبلغنا أنه أنفق على ذلك الجيش ثلاثة وستين ألف ألف درهم. ومر بدمشق فاستعمل على قضائها يحيى بن حمزة، فبقي قاضياً ثلاثين سنة.
وفي سنة اثنتين وستين ومئة ظهرت المحمرة ورأسهم عبد القهار إبراهيم بن أدهم واستولوا على جرجان. وقتلوا خلائق. فقصده عمر بن العلاء من طبرستان، فقتل عبد القاهر وخلق من أصحابه.
وفي سنة تسع وستين ومئة خرج الحسين بن علي بن حسن بن حسن بن علي الحسيني بالمدينة، وتابعة عدد كثير. وحارب العساكر التي بالمدينة، وقتل مقدمهم خالد البربري. ثم تأهب وخرج في جمع إلى مكة، فالتف عليه خلق كثير. فأقبل عليه ركب العراق معهم جماعة من أمراء بني العباس بعدة وخيل. فالتقوا بفخ، فقتل الحسين في مئة من أصحابه. وقتل الحسن بن محمد بن عبد الله بن حسن الذي خرج أبوه زمن المنصور.
وفي سنة خمس وسبعين ومئة هاجت العصبية والأهواء بالشام بين القيسية واليمانية.
ورأس القيسية يومئذ أبو الهيذام المري. وقتل بيهنم بشر كثير.
وفي سنة ست وسبعين ومئة افتتح المسلمون مدينة دبسة من أرض الروم بعد حرب طويلة.
وفيها اشتد البلاء والقتل بين القيسية واليمانية بالشام. واستمرت بينهم إحن وأحقاد ودماء يهيجون لأجلها في كل وقت وإلى اليوم.
وفي سنة ثمانين ومئة هاج الهوى والعصبية بالشام بين اليمانية والنزارية، وتفاقم الأمر واشتد الخطب.
وفيها كانت الزلزلة العظمى التي سقط منها رأس منارة الإسكندرية.
وفي سنة إحدى وثمانين ومئة غزا الرشيد، وافتتح حصن الصفصاف من أرض الروم بالسيف.
وفي سنة ثلاث وثمانين ومئة خرج الخزرُ و من قصتهم أن ستيت إبنة ملك الترك خاقان خطبها الأمير الفضل بن يحيى البرمكي وحُملت إليه في عام أول. فماتت في الطريق ببرذعة فرد من كان معها في خدمتها من العساكر وأخبروا خاقان أنها قتلت غيلة. فاشتد غضبه وتجهز للشر وخرج بجيوشه من الباب الحديد، وأوقع بأهل الإسلام وبالذمة، وقتل وسبى، وبدع وبلغ السبي مئة ألف، وعظمت المصيبة على المسلمين.فانزعج هارون الرشيد واهتم لذلك، وجهز البعوث. فاجتمع المسلمون وطردوا العدو عن إرمينية ثم سدوا الباب الذي خرجوا منه.
وفي سنة سبع وثمانين ومئة خلعت الروم من الملك الست ريني وهلكت بعد أشهر. وأقاموا عليهم نقفور. فكتب نقفور هذا الكتاب من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيدق. فحملت إليك من أموالها، وذلك لضعف النساء وحمقهن. فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل قبلك وافتد نفسك، وإلا فالسيفُ بيننا.
فلما قرأ الرشيد الكتاب اشتد غضبه، وتفرق جلساؤه خوفاً من بادرة تقعُ منه. ثم كتب بيده على ظهر الكتاب: من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم: قرأت كتابك يا ابن الكافرة. والجواب ما تراه دون ما تسمعه.
ثم ركب من يومه وأسرع حتى نزل على مدينة هرقلة، وأوطأ الروم ذلاً وبلاءً. فقتل وسبى. وذل نقفور وطلب الموادعة على خراج يحملُه.
وفي سنة ثمان وثمانين ومئة غزا المسلمون الروم من درب الصفصاف، والتقوا، فجرح الملك نقفور ثلاث جراحات. وانهزم، وقتل من جيشه عدة ألوف.
وفي سنة تسعين ومئة فيها فتح هرقلة في شوال. استعد للرشيد وأمعن في بلاد الروم.
فدخلها في مئة ألف وبضعة وثلاثين ألفاً، سوى المجاهدين تطوعاً. وبث جيوشه تغير وتغنم وتخرب. ولما افتتح هرقلة أخربها وسبى أهلها. وكان مقامه عليها شهراً. وسارت فرقة فافتتحت حصن الصقالبة. وفرقة افتنحت حصن الصفصاف ومقدونية.
وركب حميد بن معيوف في البحر، فغزا قبرص فخرب وسبى وأحرق، وبلغ السبي من قبرس ستة عشر ألفاً. وكان فيهم أسقف قبرس ابن علية، فنودي عليه فبلغ ألفي دينار وبعث نقفور الجزية عن رأسه وامرأته وخواصه. فكان ذلك خمسين ألف دينار. وبعث إلى الرشيد يخضع له ويلتمس منه أن لا يخرب حصوناً سماها. فاشترط عليه الرشيد أن لا يعمر هرقلة، وأن يحمل في العام ثلاث مئة ألف دينار.
وفي سنة اثنتين وتسعين ومئة أول ظهور الخرمية المارقة بجبال أذربيجان. فغزاهم حازم ابن خزيمة فقتل وسبى.
وفي سنة ثلاث وتسعين ومئة سار الرشيد إلى خراسان ليمهد قواعدها. وكان قد بعث في العام الماضي هرثمة بن أعين فقبض له على الأمير بن عيسى بن ماهان بحيلة وخديعة، واستصفى أمواله وخزائنه، فبعث بها الرشيد، وهو بجرجان. على ألف وخمسين مئة جمل. ثم سار إلى طوس في صفر. وهو عليل. وكان رافع بن الليث قد استولى على ما وراء النهر وعصى فالتقى جيشه وعليهم أخوه هم وهرثمة فهزمهم. وقتل أخو رافع. وملك هرثمة بخارى.
وفي سنة أربع وتسعين ومئة مبدأ الفتنة بين الأمين والمأمون. وكان الرشيد أبوهما قد عقد بالعهد للأمين، ثم من بعده للمأمون. وكان المأمون على إمرة خراسان. فشرع الأمين في العمل على خلع أخيه ليقدم ولده ابن خمس سنين وأخذ يهدي الأموال للقواد ليقوموا معه في ذلك. ونصحه أولو الرأي فلم يرعو، حتى آل الأمر إلى أن قتل.
وفي سنة خمس وتسعين ومئة تيقن المأمون أن الأمين خلعه تسمى بإمام المؤمنين وكوتب بذلك. وجهز الأمين علي بن عيسى بن ماهان في جيش عظيم أنفق عليهم أموالاً لا تحصى. فبلغ إلى الري. وأقبل طاهر بن الحسين الخزاعي في نحو أربعة آلاف. وبرز فارس من جند ابن ماهان فحمل عليه طاهر بن الحسين فقتله. وشد داود شباه على علي بن عيسى بن ماهان فطعنه وصرعه، وهو لا يعرفه، ثم ذبحه بالسيف. فانهزم جيشه وحمل رأسه على رمح. وندم المامون في الباطل على خلع أخيه وطمع في أمراؤه. ولقد فرق عليهم أموالاً لا تحصى حتى فرغ الخزائن وما نفعوه. وجهز جيشاً فالتقاهم طاهر أيضاً بهمدان. فقتل في المصاف خلق كثير من الفريقين، وانتصر طاهر بعد وقعتين أو ثلاث. وقتل مقدم الجيش الأمين عبد الرحمن الأساوي أخذ الفرسان المذكورين، بعد أن قتل جماعة. وزحف طاهر حتى نزل بحلوان.
وفيها ظهر بدمشق أبو العميطر السفياني، فبايعوه بالخلافة. واسمه علي بن عبد الله بن خالد بن الخليفة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. فطرد عاملها الأمير سليمان بن المنصور. فسير الأمين عسكراً لحربه. فنزلوا الرقة ولم يقدموا عليه.
وفي سنة ست وتسعين ومئة توثب الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان ببغداد. فخلع الأمين في رجب وحبسه. ودعا إلى بيعة المأمون فلم ينشب أن وثب الجند عليه فقتلوه. وأخرجوا الأمين. وجرت أمور طويلة وفتنة كثيرة.
وفي سنة سبع وتسعين ومئة حوصر الأمين ببغداد وأحاط به طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين، وزهير بن المسيب في جيوشهم. وقاتلت مع الأمين الرعية. وقاموا معه قياماً لا مزيد عليه، ودام الحصار سنة. واشتد البلاء وعظم الخطب.
وفي سنة سبع وتسعين ومئة فيها حوصر الأمين ببغداد وأحاط به طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين، وزهير بن المسيب في جيوشهم. وقاتلت مع الأمين الرعية. وقاموا معه قياماً لا مزيد عليه، ودام الحصار سنة. واشتد البلاء وعظم الخطب.
وفي سنة ثمان وتسعين ومئة في المحرم ظفر طاهر بن الحسين بعد أمور يطول شرحها بالأمين. فقتله ونصب رأسه على رمح.
وفي سنة تسع وتسعين ومئة فتنة ابن طباطبا العلوي. وهو محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. ظهر بالكوفة، وقام بأمره أبو السرايا السري بن منصور الشيباني. وسرع الناس إلى ابن طباطبا، وغلب على الكوفة. وكثر جيشه. فسار لحربه زهير بن المسيب في عشرة آلاف. فالتقوا. فهزم زهير واستبيح عسكره. وذلك في سلخ جمادى الآخرة. فلما كان بن الغد أصبح ابن طباطبا ميتاً. فقيل إن أبا السرايا سمه لكونه لم ينصفه في الغنيمة. وأقام بعده في الحال محمد بن محمد ابن زيد بن علي الحسيني. شاب أمرد.
ثم جهز الحسن بن سهل جيشاً عليهم عبدوس المروذي، فالتقوا، فقتل عبدوس. وأسر عمير، وقتل خلق من جيشه. وقوي العلويون.
ثم استولى أبو السرايا على واسط فسار لحربه هرثمة بن أعين. فالتقوا، فقتل خلق من أصحاب أبي السرايا، وتقهقر إلى الكوقة. ثم التقوا ثانياً وعظمت الفتنة ولا سيما بالحجاز.
وفي سنة مئتين من الهجرة في أولها أبو السرايا والعلويون بن الكوفة إلى القادسية وضعف سلطانهم. فدخل هرثمة الكوفة وآمن أهلها. ثم ظفر أصحاب المأمون بأبي السرايا ابن وبمحمد بن محمد العلوي، فأمر الحسن بن سهل فقتل أبو السرايا في ربيع الأول، وبعث بمحمد إلى المأمون.
وخرج بالبصرة خارجي وبالحجاز آخر. فلم تقم لهما قائمة بعد فتن وحروب.
وفي سنة إحدى ومئتين عهد المأمون إلى علي موسى الرضا العلوي. فعهد إليه بالخلافة من بعده. وأمر الدولة بترك السواد ولبس الخضرة. وأرسل من العراق بهذا. فعظم هذا على بن العباس الذين ببغداد. ثم خرجوا عليه وأقاموا منصور ابن المهدي. ولقبوه بالمرتضى. فضعف عن الأمر وقال: إنما أنا خليفة المأمون. فتركوه وعدلوا إلى أخيه بن إبراهيم بن المهدي الأسود. فبايعوه بالخلافة ولقبوه بالمبارك. وخلعوا المأمون. وجرت بالعراق حروب شديدة وأمور مزعجة.
وفيها أول ظهور بابك الخرمي فعاث وأفسد وكان يقول بالتناسخ.
وفيها قتل المسيب بن زهير أكبر قواد المأمون. وضععف أمر الحسن بن سهل بالعراق، وهزم جيشه مرات. ثم ترجح أمره. وحاصل القصة أن أهل بغداد أصابهم بلاء عظيم في هذه السنوات حتى كادت تتداعى بالخراب. وجلا خلق من أهلها عنها بالنهب والسبي والغلاء وخراب الدور.
العلة من ذكر هذه الحوادث وعلاقتها بالتقية.
وبعد، فهذا إيجاز للحوادث التي مرت على الدولتين إبان حياة أئمة أهل البيت رحمهم الله، فهل ترى أن خلفاء بني أمية وبني العباس قد تركوا كل هذا، أي شؤون الحكم، والجهاد ومقارعة الأعداء، وحفظ الثغور، واوقفوا الفتوحات الإسلامية، ومواجهة الكوارث والفتن والنزعات الإنفصالية وغيرها. وشرّعوا سيوفهم وجندوا رجالهم ونشروهم في الطرقات والمساجد والامصار وحلقات الدرس، واجروا عليهم الرواتب ليترقبوا من مِن أئمة أهل البيت يتكلم في حواء أخلقت من ضلع آدم ام لا وهل نزل آدم في الهند وعن عمر اسماعيل عندما توفاه الله عزوجل وكم مكث يونس عليه السلام في بطن الحوت أو عن من يتكلم في ان النورة يوم الجمعة والأربعاء تورث البرص أو من لا يقول ان مح البيض خفيف وبياضه ثقيل وحكم من وطأ دجاجة ميته فخرجت منها بيضه، وحكم الإكثار من الجرجير، وذرق الدجاج وبول الحمير وفتح العيون في الوضوء ومسح الوجه بالمنديل وحكم وضوء من يخرج الدود من دبره، ونزول القبر بالخف وهل كان نعال موسى عليه السلام من جلد حمار ميت..الى آخر ما مربك.
هل يريد لنا القوم أن نعتقد ذلك؟ كما يروون بالفعل أن هارون الرشيد مثلا ترك شؤون الخلافة والملك ليراقب بن يقطين كيف يتوضأ وهل يغسل رجليه ام يمسح عليهما. حيث أمر هارون بإحضاره ذات يوم وأشغله امتحانا له في بعض بيوت دار الخلافة بأمر من الأمور طول اليوم وكان ينظر إليه من كوة ذلك البيت سرا حتى رآه أنه توضأ عند دخول وقت صلاة الظهر وغسل رجليه.[266]
ليس هناك ما يستوجب لجوء الشيعة وأئمتهم للتقية.
إذن ومن كل هذا ، يتبين لنا أنه ليس هناك مايستوجب اللجوء إلى التقية وجعلها بهذه المنزلة التي اوصلها القوم لها، حتى أشتهروا بها وعدها البعض من مختصاتهم ومتفرداتهم، وقد أقر بعضهم بهذا مما يدل على أن تقية الشيعة مغايرة للتقية التي على فهمها سائر فرق المسلمين وهي التي أقرها القرآن وأكدتها السنة.
إشتهار الشيعة بالتقية وإعتراف علمائهم بذلك.
يقول النوري الطبرسي مثلاً: وأنت خبير بأن علماء العامة لا يجوزون التقية ، وينكرون على الشيعة قولهم بها.[267]
ويقول المظفر: ان التقية كانت شعارا لآل البيت عليهم السلام...وسمة تعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف. ..وقال بأنهم إمتازوا بالتقية وعرفوا بها دون سواهم.[268]
تبريرات الشيعة لإشتهارهم بالتقية دون سائر فرق المسلمين.
وقد تفطن القوم إلى هذا الأمر وكيف ان أمراً مشروعا كهذا اصبح وبالاً عليهم ومطعنا فيهم فكان أن إجتهدوا في إلتماس الأعذار وخلق الأسباب لإضفاء الشرعية على إشتهارهم بها دون غيرهم.
يقول الأردبيلي: أن ظروف التقية الشديدة التي عاشها الأئمة عليهم السلام ، مما جعلهم يضطرون في بعض الأحايين إلى اتخاذ مواقف قولية أو عملية مخالفة لآرائهم ، انسجاما مع الوضع السائد وحفاظا على وجود الشريعة ودعاتها.[269]
ويقول الشهيد الأول: وقد كانت الأئمة في زمن تقية واستتار من مخالفيهم ، فكثيراً ما يجيبون السائل على وفق معتقده ، أو معتقد بعض الحاضرين ، أو بعض من عساه يصل إليه من المناوئين.[270]
ويقول رسول جعفريان: أن الضغوط السياسية كانت تمارس ضد الشيعة على يد بني امية وبني العباس حيث لم يكن يسمح لهم بالتعبير عن وجودهم.[271]
وأضاف آخرة: ومن هذا الضغط التزم الشيعة طريق التقية ومعناها عندهم الحيطة والحذر من القوي الظالم الذي يأخذ المتهم دون ان يحاكمه ويأذن له بالدفاع عن نفسه. واليوم لا اثر للتقية عند الشيعة حيث لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. [272]
وقال: إن التقية كانت عند الشيعة حيث كان العهد البائد ، عهد الضغط والطغيان ، أما اليوم حيث لا تعرض للظلم في الجهر بالتشيع فقد أصبحت التقية في خبر كان.[273]
وأضاف غيره: ان السر يكمن في الأسس الفكرية للخط الشيعي الذي ينتهجه مذهب أهل البيت من حكام الجور والظلم والذي يشكل طرفا مضادا للسلطة الطاغوتية الحاكمة التي نزت على الأمة بالقهر والغلبة وتسلطت على رقاب الناس بالحديد والنار وهذا الموقف بنفسه يشكل نظرة عدائية لدى الحكام فيفرغون جام غضبهم وحقدهم على الشيعة لأنهم وحدهم الذين يكمن فيهم الخطر على ملكهم ودولتهم.فقد كان الحكام من الأمويين والعباسيين بل العثمانيين يتربصون بالشيعي لإهدار دمه فقد كان الكفر والزندقة أخف بنظرهم من شيعة آل محمد.[274]
وقال شرف الدين الموسوي: فقد كان ملوكها وعمالها وعلماؤها ورؤساؤها والعامة بأجمعها لا يتحملون ولا يطيقون ذكر الشيعة ، وكانت الكلمة متفقة على سحقهم ومحقهم فلولا خلودهم إلى التقية ما بقيت منهم هذه البقية ، فأي مسلم أو غير مسلم يرتاب في جوازها لهم ؟[275]
ويقول السبحاني: الذي دفع بالشيعة إلى التقية بين اخوانهم وابناء دينهم انما هو الخوف من السلطات الغاشمة فلو لم يكن هناك من عصر الأمويين ثم العباسيين والعثمانيين أي ضغط على الشيعة كان من المعقول ان تنسى الشيعة كلمة التقية وان تحذفها من ديوان حياتها.وان الشيعة تتقي الكفار في ظروف خاصة لنفس الغاية التي لأجلها يتقيهم السني غير ان الشيعة ولأسباب لا تخفى يلجأ إلى اتقاء اخيه المسلم لا قصور في الشيعي، بل في أخيه الذي دفعه إلى ذلك لأنه يدرك ان الفتك والقتل مصيره إذا صرح بمعتقده الذي هو موافق لأصول الشرع الإسلامي وعقائده.[276]
وأضاف: ومن المعلوم أن الإمامية وأئمتهم لاقوا من ضروب المحن ، وصنوف الضيق على حرياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أية طائفة ، أو أمة أخرى ، فاضطروا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية في تعاملهم مع المخالفين لهم ، وترك مظاهرتهم ، وستر عقائدهم ، وأعمالهم المختصة بهم عنهم ، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدنيا . ولهذا السبب امتازوا بالتقية وعرفوا بها دون سواهم.[277]
ويقول: إن كثيراً من إخوانهم – أي السنة - كانوا أداة طيعة بيد الأمويين والعباسيين الذين كانوا يرون في مذهب الشيعة خطرا على مناصبهم ، فكانوا يؤلبون العامة من أهل السُنة على الشيعة يقتلونهم ويضطهدونهم وينكلون بهم ، ولذا ونتيجة لتلك الظروف الصعبة لم يكن للشيعة ، بل لكل من يملك شيئا من العقل وسيلة إلا اللجوء إلى التقية أو رفع اليد عن المبادئ المقدسة التي هي أغلى عنده من نفسه وماله.[278]
ويناقض نفسه في مكان آخر قائلاً: إن تاريخ الخلفاء الأمويين والعباسيين زاخر بالظلم والعسف ، والحيف والجور . ففي تلك الأيام لم تكن الشيعة وحدهم هم المطرودون ، والمحجور عليهم بسبب إظهار عقائدهم ، بل سلك أغلب محدثي أهل السُنة في عصر المأمون أيضا مسلك التقية في محنة " خلق القرآن " ولم يخالف المأمون في خلق القرآن وحدوثه بعد صدور المرسوم الخليفي العام ، سوى شخص واحد ، وقصته معروفة في التاريخ وعامة المحدثين تظاهروا بالوفاق تقية.[279]
ولا يختلف بقية القوم عن تكرار هذه المزاعم لتبرير اشتهار القوم بالتقية.[280]
تفنيد القول بإقتصار وقوع الظلم على الشيعة دون سار المسلمين وأن ذلك كان سبب إشتهارهم بالتقية.
لا شك ان القول بالإضطهاد الذي وقع إبّان حكم الأمويين والعباسيين لا يخلو من الصحة، وإنما مجانبة الصواب القول بإقتصار ذلك على الشيعة، كما يدعى بعضهم، بل وقال: بأن أهل السُنة والجماعة كانوا بعيدين عن ذلك البلاء لأنهم كانوا في معظم عهودهم على وفاق تام مع الحكام فلم يتعرضوا لا لقتل ولا لنهب ولا لظلم.[281]
فهذا القول غير صحيح، فإن كثيراً من علماء أهل السُنة قد تعرضوا إلى شتى انواع التنكيل والتعذيب وعلى رأسهم ائمة المذاهب الذين ضربوا أروع الأمثلة في التصدي للباطل وإحقاق الحق ولم تخذهم في الله لومة لائم.
نماذج من علماء أهل السُنة تعرضوا لتنكيل الحكام.
فهذا أبي حنيفة النعمان رحمه الله عذب حتى قيل أنه قتل في سجن المنصور، لأن هواه كان مع أهل البيت رحمهم الله، وكان مؤيدا لخروج زيد بن علي رحمه الله على الأمويين.
ويروى أنه قال لما بلغه خروج زيد - ضاهى خروجه خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم بدر ، فقيل له : لم تخلف عنه ؟ قال : حبسني عنه ودائع الناس ، عرضتها على ابن أبي ليلى فلم يقبل ، فخفت أن أموت مجهلا.
وكان يحث الناس على نصرة الإمام زيد ، كما أمده بمعونة مالية ، - بلغت ثلاثين ألف درهم - يستعين بها على عدوه كما ذكرت بعض المصادر.
ومن بعده تأيده لخروج النفس الزكية محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنه على الخليفة العباسي المنصور في عام 145 هـ، وكذلك موقفه من خروج أخيه إبراهيم حيث أفتى الإمام أبو حنيفة بالخروج مع إبراهيم ، وكان المحدث الفقيه شعبة بن الحجاج يحث الناس على اتباعه ، ويقول : ما يقعدكم ؟ هي بدر الكبرى ، كما أمده الإمام أبو حنيفة بأربعة آلاف درهم ، وكتب إليه أنه لم يكن عنده غيرها .
وروى أن امرأة أتت أبا حنيفة فقالت : إنك أفتيت ابني بالخروج مع إبراهيم ، فخرج فقتل ، فقال لها : ليتني كنت مكان ابنك .
وكتب أبو حنيفة إلى إبراهيم يقول : أما بعد ، فإني جهزت إليك أربعة آلاف درهم ، ولم يكن عندي غيرها ، ولولا أمانات للناس عندي للحقت بك.
ويقال إن هذا الكتاب وقع في يد أبو جعفر المنصور ، وكان سبب تغيره على أبي حنيفة.
وكذلك الإمام مالك رحمه الله ضرب بالسياط حتى خلعت كتفه، بسبب التأيد نفسه، ولما سئل: هل يجوز قتال الخارجين على الخلفاء؟ اجاب: يجوز إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز.
وهو يؤكد بهذا شرعية جميع من خرج على الخلفاء.
ولما قيل: فإن لم يكونوا مثل عمر بن عبدالعزيز قال: دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما.
وأكثر من هذا انه كان يحث الناس على الخروج مع النفس الزكية على العباسيين ، وكان أهل المدينة قد استفتوه في الخروج مع محمد ( النفس الزكية ) وقالوا: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر ، فقال: إنما بايعتم مكرهين ، وليس على مكره يمين ، فأسرع الناس إلى محمد ، ولزم مالك بيته.
وهذه المسائل من اعظم الأسباب التي تبرر اللجؤ إلى التقية وهي هدف الحكام لإيقاع اشد انواع التنكيل بقائليها أو متبنيها، رغم ذلك لم يذكر لنا التاريخ مصانعتهم للحكام فيها أو لجوئهم الي جحور التقية هربا بجلودهم، لأنهم كانوا قدوة للناس فكان الأولى بهم الأخذ بالعزيمة.
وكذلك محنة الإمام احمد إبن حنبل رحمه الله المشهورة في كتب التاريخ ايام المأمون والمتوكل والواثق في مسألة خلق القرآن، والذي مات بسببها الكثيرون كمحمد بن نوح في قيده وهو مرافق لإبن حنبل حين اعيدا إلى بغداد فمات في الطريق، ونعيم بن حماد الفقيه المحدث ويوسف بن يحي البوطي المصري صاحب الشافعي وخليفته على حلقته اللذان ماتا في السجن، والعالم الجليل احمد بن نصر الخزاعي الذي قتله الواثق بنفسه بالسيف.
وكذلك الإمام الشافعي رحمه الله الذي قتله بعض متعصبي المالكية بمصر، وغيرهم، وسرد قصص البلاء والمحن التي نزلت بهؤلاء وغيرهم من علماء أهل السُنة فيها طول قد يخرجنا عن خطة الكتاب.
فالمقصود هنا ان إيهام الشيعة للعامة والسذج من بني جلدتهم أو غيرهم من أن أسباب اشتهار الشيعة بهذة العقيدة هو وقوع الظلم والاضطهاد عليهم أو اقتصاره عليهم دون بقية الفِرق هو المردود والمجانب للحق والصواب، لأنك لن تجد احد من المسلمين يختلف مع الشيعة في مشروعة التقية لهم إذا كانت أسبابها بالشكل الذي يرددونه.
سيرة الأئمة والقول بالتقية صورتان متضادتان.
ثم أعلم أن سيرة الأئمة رحمهم الله ابدا لم تكن شاهدةً على من وضع هذة العقيدة ونسبها اليهم، فقد كانوا مثالا للجهر بالحق والصدع به ومقارعة الظلم وفي كتب التاريخ بل وفي كتب القوم أنفسهم الف شاهد وشاهد على ذلك ليتأكد لنا من جديد ما ذكرناه من أن الذين وضعوا مذهب التشيع لا صلة لهم في الحقيقة بأئمة أهل البيت عليهم السلام بل من وضع زنادقة تستروا بحب آل البيت رحمهم الله.
هل تجور التقية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.؟
كيف وهم القائلون بأنهم رحمهم الله حجة مثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكما لا يجوز عليه التقية فكذا الامام، فكيف يجوزون عليه التقية فيما لا يعرف الا من جهته.
إلا أنهم يقولون: لما كان صلى الله عليه وآله مؤسسا للأحكام الشرعية ، لم يجز في فعله احتمال التقية لمنافاة التقية لمنصبه ، وكونها من إغراء بالقبيح . وأما الإمام عليه السلام فحيث هو حافظ للسنة وحاك لها ، جازت عليه التقية...نعم ، لو فرض حدوث ما لم يعلم جهته إلا منه عليه السلام كان كالنبي صلى الله عليه وآله في عدم جواز التقية عليه.[282]
الأئمة نصّبوا لبيان الشرايع والاحكام بزعم الشيعة ، فلو أخذوا بالتقية انتفت الفائدة من نصبهم.
لذا نعيب على القوم هذا الأمر ونقول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام في اعتقادكم نصبو لبيان الشرايع والاحكام فلو اتقوا من الأعداء ولم يبينوا بقيت الاحكام مستورة غير معلومة وانتفت الفائدة من نصبهم وأيضا لم يبق اعتماد على أقوالهم وأحكامهم إذ يحتمل التقية بيان خلاف الواقع وأنتم تقولون الإمام يجب أن يكون معصوما من الخطأ ليكون قوله حجة والتقية مثل الخطأ أو أشنع إذ يوجب عدم الاعتماد عليهم.
زعم الشيعة أن أصحاب الأئمة يسألون أئمتهم أن يجيبوهم دون تقية.
بل وذكروا روايات فيها أن السائل يرجو أمامة أن يجيب دون تقية، كرواية يحيى بن أبي عمران أنه قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام في السنجاب والفنك والخز وقلت : جعلت فداك أحب أن لا تجيبني بالتقية في ذلك.[283]
والطريف أنه حتى أمثال هذه الرويات حملوها على التقية. يقول القمي أن السائل ربما سأل عن حال شئ وقال : " أجب لي بغير تقية " وقال : " ما حكم هذا من دون تقية " فأجابوا عليهم السلام بأنه هكذا ، وهو أيضا موافق للتقية.[284]
فأي يخير يرتجي من هكذا مذهب؟
روايات من طرق الشيعة تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في تقية.
حتى هذا القول لم يسلم من التناقض كشأنهم في جُل أقوالهم وعقائدهم، فقد قالوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في تقية. كروايتهم عن الرضا رحمه الله أنه قال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في تقية حتى نزل قول الله عزوجل: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [المائدة : 67][285]
وقولهم أنه صلى الله عليه وآله وسلم سلك مسلك التقية ، حيث لم يصرح بعدم صلوح الجبتين للخلافة الحقيقية والرسالة الدينية والدنيوية.[286]
ورووا عن الباقر أنه قال: أوما علمت أن أنبياء الله وأوصياءهم في تقية إلى وقتنا هذا.[287]
تتمة ذكر سير الأئمة وما ينافي أخذهم بالتقية.
على أي حال نعود إلى ما كنا فيه وننقل مقتطفات من سير الأئمة عليهم السلام بما يناسب المقام.
فهذا أمير المؤمنين علي رضي الله عنه الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. فإن هارون عليه السلام لم تمنعه التقية من التصريح بالحق ودعوة الناس إلى نفسه والمنع من متابعة غيره، فلو كان الصحابة رضي الله عنه على خطأ لوجب عليه رضي الله عنه أن يفعل ما فعله هارون عليه السلام وأن يصعد على المنبر من غير تقية وخوف وأن يقول : وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [طه : 90]، فما الذي كان يخشاه؟ ألم يُذكر من سيرته أنه رضي الله عنه كان إذا خرج، خرج غلامه قنبر على اثره بالسيف، فرآه ذات ليلة فقال: يا قنبر مالك؟ قال: جئت لأمشي خلفك، فإن الناس كما تراهم يا أمير المؤمنين فخفت عليك قال: ويحك أمن أهل السماء تحرسني ام من أهل الأرض؟ قال: لا بل من أهل الأرض، قال: ان أهل الأرض لا يستطيعون بي شيئا إلا باذن الله عزوجل من السماء فارجع فرجع.[288]
فأي خوف وتقية تفترض من رجل هذا يقينه، حتى يقولون فيه انه رضي الله عنه كان بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم اربع وعشرون سنة وستة اشهر ممنوعا من التصرف مستعملا التقية والمداراة [289]، وان تزويجه ابنته ام كلثوم لعمر انما كان تقية [290] ..الخ، وهو الذي يروون عنه قوله رضي الله عنه: والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها.[291]
وقوله: إني والله لو لقيتهم واحداً وهم طلاع الأرض كلها ما باليت ولا استوحشت.[292]
والقائل رضي الله عنه: والله ما يبالي ابن أبي طالب أوقع على الموت أم وقع الموت عليه.[293]
وهذا إبنه الحسن رضي الله عنه يروي القوم ان معاوية قال له: انا خير منك يا حسن، قال: وكيف ذاك يا إبن هند؟ قال: لأن الناس قد أجمعوا علي ولم يجمعوا عليك، قال: هيهات هيهات لشر ما علوت يإبن آكلة الأكباد المجتمعون عليك رجلان: بين مطيع مكره فالطائع لك عاص لله والمكره معذور بكتاب الله وحاش لله ان اقول: انا خير منك فلا خير فيك ولكن الله برأني من الرذائل كما برأك من الفضائل.[294]
وروى القوم ان معاوية صعد المنبر وجمع الناس فخطبهم وقال: ان الحسن بن علي رآني أهلا للخلافة ولم ير نفسه لها أهلا، وكان الحسن عليه السلام اسفل منه فلما فرغ من كلامه قام وقال فيما قاله: ان معاوية زعم لكم اني رأيته للخلافة أهلا ولم ار نفسي لها أهلا، فكذب معاوية نحن أولى الناس بالناس.[295]
ولما قدم معاوية المدينة صعد ، فخطب ونال من أمير المؤمنين على عليه السلام فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ان الله تعالى لم يبعث نبيا الا جعل عدوا من المجرمين، قال الله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ..[الفرقان : 31] ) فأنا ابن علي ، وأنت ابن صخر وأمك هند ، وأمي فاطمة وجدتك نثيلة ، وجدتي خديجة فلعن الله ألأمنا حسبا وأخملنا ذكرا ، وأعظمنا كفرا ، وأشدنا نفاقا . فصاح أهل المسجد : آمين آمين وقطع معاوية خطبته ودخل منزله.[296]
وروى القوم انه رضي الله عنه قال في حضرة معاوية وعمرو بن عثمان بن عفان وعمرو بن العاص وعتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة بن أبي معيط والمغيرة بن شعبة ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن أباسفيان في سبعة مواطن، وان أباسفيان قال لعثمان لما بويع تداولوا الخلافة يا فتيان بني امية فوالذي نفس أبي سفيان بيده ما من جنة ولا نار.[297]
وهذا الحسين رضي الله عنه يروي القوم انه خطب بمنى ايام معاوية في أكثر من الف رجل قائلا: ان هذا الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم.ثم أخذ في ذكر ما انزل الله في أهل البيت وما قاله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، وأمرهم بأن يحدثوا بها عند رجوعهم إلى اوطانهم.[298]
وروى القوم ان معاوية قال له: هل بلغك ماصنعنا بحجر بن عدي وأصحابه شيعة أبيك؟ فقال الحسين رضي الله عنه: وما صنعت بهم؟ قال: قتلناهم وكفناهم وصلينا عليهم، فضحك الحسين فقال: خصمك القوم يا معاوية، لكنا لو قتلنا شيعتك لما كفناهم ولا غسلناهم ولا صلينا عليهم ولا دفناهم.[299]
وقال له مروان بن الحكم يوما: لو لا فخركم بفاطمة بما كنتم تفتخرون علينا؟ فوثب الحسين عليه السلام وكان شديد القبضة فقبض على حلقه ولوّى عمامته على عنقه حتى غشي عليه ثم تركه، ثم اقبل على جماعة من قريش فقال فيما قاله: لا أعلم في الأرض ملعون بن ملعون غير هذا وأبيه طريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.[300]
ولما كان مروان على المدينة خطب الناس فوقع في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال : فلما نزل عن المنبر أتى الحسين بن علي عليهما السلام المسجد فقيل له : إن مروان قد وقع في علي . قال : فما كان في المسجد الحسن عليه السلام ؟ قالوا : بلى . قال: فما قال له شيئا ؟ قالوا : لا . قال : فقام الحسين مغضبا حتى دخل على مروان فقال له : يا بن الزرقاء ويا بن أكلة القمل أنت الواقع في على ؟ ! قال له مروان : إنك صبي لا عقل لك . قال : فقال له الحسين : الا أخبرك بما فيك وفي أصحابك وفي على ؟ قال : فإن الله تبارك وتعالى يقول : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا . فذلك لعلى وشيعته فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين. فبشر بذلك النبي صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام وتنذر به قوما لدا فذلك لك ولأصحابك ).[301]
وفي الرواية فوائد أخرى لا تخفى على اللبيب، منها ما يعارض عقيدة العصمة، ففعل الحسين رضي الله عنه يناقض فعل أخيه الحسن رضي الله عنه. بل أكدوا ذلك بروايتهم في سياق هذه القصة: ثم دخل على الحسن فقال : تسمع هذا يسب أباك فلا تقول له شيئا ! فقال : وما عسيت ان أقول لرجل مسلط يقول ما شاء ويفعل ما شاء.[302]
وفي رواية شبيهة تناقض التقية والعصمة معاً، أن مروان بن الحكم - وكان واليا على المدينة رسولا - بعث إلى الحسن عليه السلام فقال له : يقول لك مروان : أبوك الذي فرق الجماعة ، وقتل أمير المؤمنين عثمان ، وأباد العلماء والزهاد - يعني الخوارج - وأنت تفخر بغيرك ، فإذا قيل لك : من أبوك ؟ تقول خالي الفرس . فجاء الرسول إلى الحسن فقال له : يا أبا محمد إني أتيتك برسالة ممن يخاف سطوته ويحذر سيفه ، فإن كرهت لم أبلغك إياها ووقيتك بنفسي . فقال الحسن : ( لا ، بل تؤديها ونستعين عليه بالله ) فأداها . فقال ( تقول لمروان : إن كنت صادقا فالله يجزيك بصدقك ، وإن كنت كاذبا فالله أشد نقمة ) فخرج الرسول من عنده فلقيه الحسين فقال : ( من أين أقبلت ؟ فقال : من عند أخيك الحسن . فقال عليه السلام : ( وما كنت تصنع ) ؟ قال : أتيت برسالة من عند مروان . فقال : ( وما هي ) ؟ فامتنع الرسول من أدائها . فقال : ( لتخبرني أو لأقتلنك ) ، فسمع الحسن فخرج وقال لأخيه : ( خل عن الرجل ) . فقال : ( لا والله حتى اسمعها ) ، فأعادها الرسول عليه فقال : ( قل له يقول لك الحسين بن علي بن فاطمة : يا ابن الزرقاء الداعية إلى نفسها بسوق ذي المجاز ، صاحبة الراية بسوق عكاظ ، ويا ابن طريد رسول الله ولعينه ، اعرف من أنت ومن أمك ومن أبوك ) فجاء الرسول إلى مروان فأعاد عليه ما قالا فقال له : ارجع إلى الحسن وقل له اشهد أنك ابن رسول الله ، وقل للحسين اشهد أنك ابن علي بن أبي طالب.[303]
ومنها أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام ، وبين الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان - والوليد يومئذ أمير على المدينة أمره عليها عمه معاوية ابن أبي سفيان - منازعة في مال كان بينهما بذي المروة . فكان الوليد تحامل على الحسين عليه السلام في حقه لسلطانه ، فقال له الحسين عليه السلام : ( أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ثم لأدعون بحلف الفضول ) . قال : فقال عبد الله بن الزبير وهو عند الوليد حين قال الحسين عليه السلام ما قال وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ، ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا . قال : فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري ، فقال مثل ذلك ، وبلغت عبد الرحمن ابن عثمان بن عبيد الله التيمي ، فقال مثل ذلك ، فلما بلغ ذلك الوليد بن - عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضى.[304]
وفي رواية: أنه كان بين الحسين وبين الوليد بن عقبة منازعة في ضيعة فتناول الحسين عليه السلام عمامة الوليد عن رأسه وشدها في عنقه ، وهو يومئذ وال على المدينة ، فقال مروان : بالله ما رأيت كاليوم جرأة رجل على أميره . فقال الوليد : والله ما قلت هذا غضبا لي ولكنك حسدتني على حلمي عنه ، وإنما كانت الضيعة له . فقال الحسين عليه السلام : ( الضيعة لك يا وليد ) ، وقام.[305]
وفى رواية: خرج الحسين عليه السلام من عند معاوية ، فلقى عبد الله بن الزبير ، والحسين مغضب ، فذكر الحسين أن معاوية ظلمه في حق له ، فقال الحسين : ( أخيره في ثلاث خصال ، والرابعة الصيلم ، أن يجعلك أو ابن عمر بيني وبينه ، أو يقر بحقي ثم يسألني فأهبه له ، أو يشتريه مني ، فإن لم يفعل فوالذي نفسي بيده لأهتفن بحلف الفضول ) . قال ابن الزبير : والذي نفسي بيده لئن هتفت به وأنا قاعد لأقومن ، أو قائم لأمشين ، أو ماش لأشتدن ، حتى تفنى روحي مع روحك أو ينصفك.[306]
وكتب مروان بن الحكم إلى معاوية وكان عامله على المدينة ان رجالا من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يجتمعون إلى الحسين بن علي، وذكر انه لا يأمن وثوبه. فكتب معاوية إلى الحسين رضي الله عنه يذكر ذلك ويحذره، فكتب اليه الحسين رضي الله عنه: اما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه انه قد بلغك عني أمور أنت لي عنها راغب وأنا بغيرها عندك جدير..الى أن قال له: ألست القاتل حجرا والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع ولا يخافون في الله لومة لائم ثم قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما كنت اعطيتهم الإيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة .اولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه بعد ما أمّنته واعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو اعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل ثم قتلته جرأة على ربك وإستخفافا بذلك العهد.اولست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف فزعمت انه إبن أبيك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر، فتركت سنة رسول الله تعمدا وتبعت هواك بغير هدى من الله ثم سلطته على العراقين يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم ويسمل أعينهم ويصلبهم على جذوع النخل كأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك.او لست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم إبن سمية انهم على دين علي صلوات الله عليه فكتبت إليه أن أقتل كل من كان على دين علي، فقتلهم ومثل بهم بأمرك.. إلى ان قال: وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها ولا أعلم نظرا لنفسي ولديني ولأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم علينا افضل من أن اجاهدك فإن فعلت فإنه قربة إلى الله وان تركته فإني استغفر الله لذنبي... فأبشر يا معاوية بالقصاص واستيقن بالحساب واعلم ان لله تعالى كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وليس الله بناس لأخذك بالظنة وقتلك أولياءه على التهم ونفيك من دورهم إلى دار الغربة واخذك الناس ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الخمر ويلعب بالكلاب، لا أعلمك إلا وقد خسرت نفسك وبترت دينك وغششت رعيتك وأخزيت أمانتك وسمعت مقالة السفيه الجاهل واخفت الروع التقي لأجلهم والسلام.[307]
وكتب مروان بن الحكم إلى معاوية : أني لست آمن أن يكون حسين مرصدا للفتنة ، وأظن أن يومكم من حسين طويلا . فكتب معاوية إلى الحسين : أن من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء ، وقد أنبئت أن قوما من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق ! وأهل العراق من قد جربت ، قد أفسدوا على أبيك وأخيك ، فاتق الله واذكر الميثاق فإنك متى تكدني أكدك . فكتب إليه الحسين عليه السلام: أتاني كتابك ، وأنا بغير الذي بلغك عني جدير ، والحسنات لا يهدي لها إلا الله ، وما أردت لك محاربة ولا عليك خلافا ، وما أظن أن لي عند الله عذرا في ترك جهادك ! ! وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة.[308]
ويروون أنه رضي الله عنه كتب إلى معاوية كتابا يقرعه فيه ويبكته بأمور صنعها . كان فيه: ثم وليت ابنك وهو غلام يشرب كتابا يقرعه فيه ويبكته بأمور صنعها . كان فيه: ثم وليت ابنك وهو غلام يشرب الشراب ويلهو بالكلاب ، فخنت أمانتك وأخربت رعيتك ، ولم تؤد نصيحة ربك ، فكيف تولي على أمة محمد من يشرب المسكر ؟ وشارب المسكر من الفاسقين ، وشارب المسكر من الأشرار . وليس شارب المسكر بأمين على درهم فكيف على الأمة ؟ ! فعن قليل ترد على عملك حين تطوى صحائف الاستغفار.[309]
وهذه سكينة بنت الحسين رحمها الله كانت تجيء يوم الجمعة تقوم بإزاء ابن مطير إذا صعد المنبر فإذا شتم عليا شتمته هي وجواريها . . . وكانت إذا لعن مروان جدها عليا لعنته وأباه وأبا أبيه.[310]
وهذا الصادق يروي القوم انه كان في عرفة ينادي بأعلا صوته: ايها الناس ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان الإمام ثم كان علي بن أبي طالب عليه السلام ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي ثم هه – أي انا.[311]
وهذا شيبة بن غفال لما ولاه المنصور على المدينة وحضرت الجمعة وصار إلى مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرقى المنبر فأخذ يطعن في علي رضي الله عنه ويقول بأنه اراد شق عصا المسلمين وحارب المؤمنين واراد الأمر لنفسه ومنعه أهله، فلم يجسر احد على الرد عليه فقام اليه الإمام الصادق فقال: اما ماقلت من سوء فأنت وصاحبك به أولى وأحرى، يا من ركب غير راحلته واكل غير زاده إرجع مأزورا ثم اقبل على الناس فقال: ألا أنبئكم بأخف الناس يوم القيامة ميزانا وأبينهم خسرانا، من باع آخرته بدنيا غيره وهو هذا الفاسق.[312]
فأين هذا من قولهم عنه رحمه الله: اني لأسمع الرجل يسب عليا فأستتر منه بالسارية وإذا فرغ أتيته فصافحته.[313]
وقال للمنصور وقد وقع عليه ذباب فذبه عنه ثم وقع عليه فذبه عنه ثم وقع عليه فذبه عنه فقال: يا أباعبدالله لأي شيئ خلق الله عزوجل الذباب؟ قال: ليذل به الجبارين.[314]
بل كان المنصور يتودده ويسعى في استمالة وجذب عطفه للنظام. فقد كتب إليه مره: لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟ فأجابه: ليس لنا مانخافك من أجله ولا عندك من أمر الآخرة مانرجوك له ولا انت في نعمة فنهنئك ولا تراها نقمة فنعزيك بها فما نصنع عندك؟ فكتب اليه: تصحبنا لتنصحنا، فأجابه: من اراد الدنيا لا ينصحك ومن اراد الآخرة لا يصحبك.[315]
وكان كثيراً ما ينصح الحكام، فعن الربيع صاحب المنصور ، قال : قال المنصور للصادق : حدثني عن نفسك بحديث أتعظ به ، ويكون لي زاجر صدق عن الموبقات ، فقال الصادق عليه السلام : عليك بالحلم فإنه ركن العلم ، واملك نفسك عند أسباب القدرة فإنك إن تفعل ما تقدر عليه كنت كمن شفى غيظا ، أو تداوي حقدا ، أو يحب أن يذكر بالصولة ، واعلم بأنك إن عاقبت مستحقا لم تكن غاية ما توصف به إلا العدل ، ولا أعرف حالا أفضل من حال العدل ، والحال التي توجب الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر . فقال المنصور : وعظت فأحسنت ، وقلت وأوجزت.[316]
وعن يونس بن يعقوب عن الصادق ، قال : قال لي أبي : يا جعفر قف من مالي كذا وكذا ، لنوادب يندبنني عشر سنين بمنى أيام منى.
قالوا في شرح الرواية: والمراد بذلك تنبيه الناس على فضائله واظهارها ليقتدي بها ، ويعلم ما كان عليه أهل هذا البيت لتقتفى آثارهم. و عدم انقطاع ذكره والتسليم عليه. وإن في ذلك إظهارا لما خفي من علو شأنهم في زمن زين العابدين عليه السلام ونقصا لظالميهم وتشييدا لمعرفتهم وحبهم.[317]
وهذا الكاظم رحمه الله روى القوم ان الرشيد لما حج وابتدا بالطواف ومنعت العامة من ذلك لينفرد وحده فينما هو في ذلك اذ ابتدر اعرابي البيت وجعل يطوف معه فقال الحاجب: تنح ياهذا عن وجه الخليفة فإنتهرهم الاعرابي وقال ان الله ساوى بين الناس في هذا الموضع فقال: سواءا العاكف فيه والباد، فأمر الحاجب بالكف عنه فكلما طاف الرشيد طاف الأعرابي امامه فنهض إلى الحجر الاسود ليقبله فسبقه الأعرابي اليه والتثمه ثم صار الرشيد إلى المقام ليصلي فيه فصلى الأعرابي امامه، فلما فرغ هارون من صلاته استدعى الأعرابي فقال الحجاب: اجب أمير المؤمنين فقال: ما لي اليه حاجة فاقوم اليه بل ان كانت الحاجة له فهو اولى بالقيام الي، فمشى اليه وسلم عليه ورد السلام فقال هارون: اجلس يا اعرابي؟ فقال: ما الموضع لي فتستأذننى فيه بالجلوس، انما هو بيت الله نصبه لعباده فإن احببت ان تجلس فاجلس وان احببت ان تنصرف فإنصرف، فدار بينهما حوار إلى ان انصرف الأعرابي.فسأل هارون عن اسم الأعرابي فإذا هو موسى الكاظم.[318]
وفي موطن آخر روى القوم انه لما ادخل عليه قال له هارون: ماهذه الدار؟ فقال: هذه دار الفاسقين. فقال له: فنحن كفار؟ قال: لا ولكن كما قال الله: أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم : 28]، فغضب الرشيد عند ذلك وغلظ عليه، فقد لقيه ابوالحسن عليه السلام بمثل هذه المقالة وما رهبه وهذا خلاف قول من زعم انه هرب منه من الخوف.[319]
وكذا ذمه للشاعر الكميت لما مدح بني أمية، فعن درست بن أبي منصور قال كنت عند أبي الحسن موسى ( ع ) وعنده " الكميت بن زيد " فقال للكميت أنت الذي تقول : فالآن صرت إلى أمية - والأمور لها إلى مصائر ؟ ! قال : قلت ذلك وما رجعت عن ايماني ، وانى لكم لموال ولعدوكم لقال ، ولكني قلته على التقية ، قال اما لئن قلت ذلك أن التقية تجوز في شرب الخمر ؟ !
وهذا يدل على اعتراض الإمام عليه السلام على " كميت " في شعره الذي معناه " الان رجعت إلى أمية وأمورها الان إلى ترجع " فإنه مدح بالغ لهم ودليل على رجوعه إليهم بعد أن كان معروفا بالموالاة لائمة أهل - البيت عليهم السلام . ولكن الكميت الناصر لأهل البيت بقلبه وبلسانه اعتذر بأنه إنما قالها بلسانه تقية وحفظا لظواهر الأمور ، واما الإمام لم يقنع بعذره فاجابه بان باب التقية لو كان واسعا بهذه الوسعة لجاز في كل شئ تقية حتى في شرب الخمر ، مع أنه لا يجوز . فهو دليل على عدم جواز التقية بمثل هذا المدح البالغ لبنى أمية الجائرة أو اظهار المحبة لهم ، وهذا من مثل الكميت الشاعر البارع المشهور بحبه للأئمة ( ع ) قد يوجب تقوية لدعائم الكفر والضلال وتأييدا لبقية احزاب الجاهلية وأشياعهم ، فلا يجوز له ، ولو جاز إنما جاز في شرايط و وظروف.[320]
وهذا الإمام الرضا رحمه الله يروي القوم ان كتب للمأمون محض الإسلام فذكر فيما كتبه له ان الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي رضي الله عنه ثم ذكر بقية الأئمة وقال وكل من خالفهم ضال مضل تارك للحق والهدى وانهم المعبرون عن القرآن والناطقون عن الرسول بالبيان، من مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية، ويجب البراءة منهم وعلى رأسهم الشيخين وذي النورين وعائشة رضي الله عنهم أجمعين.[321]
يقول إبن أبي الحديد: وم