سلسلة الحقائق الغائبة - 4

تنزيل الكتاب

 

 

 

 

 

 

 

   

الخُمُسُ وسَهمُ الإمامِ

فيصل نور

 

 

 


فهرس الموضوعات

الإهداء

مقدمة الكتاب

الباب الأول

تعريف الخمس.

الآية الوحيدة التي وردت في الخمس.

أقوال أهل السنة في الخمس.

المسألة الأولى: المراد بالغنيمة التي وردت في الآية، وبيان الفرق بينها وبين والفئ.

شواهد في السنة المطهرة على بيان معنى الغنيمة.

المسألة الثانية: في كيفية قسمة الغنائم  عند أهل السنة.

المسألة الثالثة: المقصود بذوي القربى.

موارد الخمس ومصارفه من السنة.

معنى الركاز.

علة عدم وجود باب للخمس في الكتب الفقهية عند أهل السنة.

بيان في أنه ليس في كتاب الكافي للكليني كتاباً أو باباً مستقلاً في الخمس.

إغفال بعض قدامى فقهاء الشيعة ذكر سهم الإمام وموارد صرفه.

عشرات الكتب والرسائل المستقلة في الخمس عند الشيعة.. لماذا؟.

أقوال علماء الشيعة في الخُمُسُ ومشروعيته وذكر موارده.

أولاً: وجوبه.

ثانياًً: ما يجب فيه الخمس عند الشيعة.

1- غنيمة الحرب مع الكفار.

رواية من طرق الشيعة في حصر الخمس في غنائم الحروب

إضطرب الشيعة في تأويل هذا الرواية.

الروايات التي إستدل بها الشيعة على وجوب خمس غنيمة الحرب.

دلالة هذه الروايات على إخراج مطلق المكاسب وتأويل الشيعة لهذا.

2- المعدن.

3- الكنز (الركاز).

4- الغوص.

5- المال المختلط بالحرام.

6- الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم.

7- أرباح التجارة والمعاملات والصنائع والزراعات وجميع الفوائد العائدة للانسان، وإن لم يكن من أرباح التجارة.

ثالثاً: قسمة الخمس.

رابعاً: مستحق الخمس.

إختلاف الشيعة في مستحق الخمس.

قول بعض الشيعة بأن من انتسب إلى هاشم بالأمومة استحق الخمس.

ذكر حجة من ذهب إلى هذا القول.

خامساً: حكم الخمس في زمن الغيبة.

إختلاف الشيعة في حكم الخمس.

القسم الأول: وجوب اخراج الخمس مطلقا في غيبة الإمام أو حضوره من أي نوع كان من أنواع الخمس.

القسم الثاني: الوجوب والتشديد في اخراجه وعدم الإباحة.

القسم الثالث: التحليل والإباحة مطلقا.

القسم الرابع: الأرض وما خرج منها كله للإمام.

بيان مذاهب الشيعة و إختلافهم في حكم الخمس في زمن غيبة المهدي.

1- عزله والوصية به من ثقة إلى آخر إلى وقت ظهور المهدي.

2- سقوطه.

3- دفنه.

4- دفع النصف إلى الأصناف الثلاثة وأما حق الإمام فيودع كما تقدم من ثقة إلى ثقة إلى أن يصل إليه وقت ظهوره أو يدفن.

5- كسابقه بالنسبة إلى حصة الأصناف وصرفها عليهم وأما حق الإمام فيجب حفظه إلى أن يوصل إليه.

6- ما تقدم أيضاً بالنسبة إلى حصة الأصناف وأما حصة الإمام فتقسم على الذرية الهاشمية.

7- صرف النصف إلى الأصناف الثلاثة أيضاً وأما حصة الإمام فيجب إيصالها مع الامكان وإلا فتصرف إلى الأصناف ومع تعذر الإيصال وعدم حاجة الأصناف تباح للشيعة.

8- ما تقدم من صرف حصة الأصناف عليهم وأما حصة الإمام فيسقط اخراجها لإباحتهم  عليهم السلام  ذلك للشيعة.

9- كسابقه إلا أنه خص صرف حصة الإمام بمواليه العارفين.

10- تخصيص التحليل بخمس الأرباح فإنه للإمام دون سائر الأصناف وأما سائر ما فيه الخمس فهو مشترك بينه وبين الأصناف.

11- عدم إباحة شئ بالكلية حتى من المناكح والمساكن والمتاجر.

12- قصر أخبار التحليل على جواز التصرف في المال الذي فيه الخمس قبل اخراج الخمس منه بأن يضمن الخمس في ذمته.

13- صرف حصة الأصناف عليهم والتخيير في حصة الإمام بين الدفن والوصية على الوجه المتقدم وصلة الأصناف.

14- صرف النصف إلى الأصناف الثلاثة وجوبا أو استحبابا وحفظ نصيب الإمام إلى حين ظهوره، ولو صرفه العلماء إلى من يقصر حاصله من الأصناف كان جائزا.

إقرار الشيعة أن آية الخمس هي الآية الوحيدة التي وردت في الخُمُس.

إقرار الشيعة أن الغنيمة المذكورة في الآية هي ما أخذ من اموال أهل الحرب من الكفار.

محاولات الشيعة لإثبات مطلق المكاسب عن طريق اللغة أو روايات الأئمة.

آية صريحة في التفريق بين المكاسب والخمس.

ليس في آية الخمس ذكر أن من مستحقي الخُمُس الفقية او المجتهد كما هو الحال الآن.

متى تم إقحام الفقيه في مستحقي الخمس؟

أول فقيه يطرح وجوب دفع سهم الإمام إلى مراجع التقليد.

ذكر بعض علماء الشيعة الذين قالوا بعدم وجوب دفع الخمس إلى الفقيه.

الباب الثاني

نبذة عن الوضع و الوضاعين في السنة المطهرة.

من أسباب وضع الحديث.

أهمية الإسناد.

علم الرجال.

كثرة الكذب على أئمة آل البيت رحمهم الله وتحذيرهم من ذلك.

شروط قبول الرواية عند الشيعة.

علة وجود المرويات المكذوبة في كتب المسلمين.

ذكر روايات الخمس، ودراسة أسانيدها.

بيان معنى الناصب.

تتمة ذكر روايات الخمس، ودراسة أسانيدها.

توثيق الشيعة للفطحية رغم إنكارهم للأئمة الأثنى عشر.

تتمة ذكر روايات الخمس، ودراسة أسانيدها.

الإضطراب في علوم الجرح والتعديل والحديث عند الشيعة.

إعتراف الشيعة أن كثيراً من مصنفيهم ينتحلون المذاهب الفاسدة.

إعتراف الشيعة أن مصطلح الحديث والجرح والتعديل أنما هو من علوم أهل السُنة.

إعتراف الشيعة بضعف أحاديثهم كلها عند التحقيق.

هل أسانيد الشيعة صنعت فيما بعد وركبت على نصوص أخذت من أصول قدمائهم؟

خلاصة دراسة أسانيد الخمس عند الشيعة أنه لم يصمد منها شيء أمام التحقيق.

لم يذكر لنا التاريخ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو علي أو الحسن أو الحسين رضي الله عنهم قد أخذوا شيء من الخمس.

إضطراب الشيعة في رد هذه الحقيقة. 

مراحل تطور الخُمُس عبر التاريخ.

بدايات القول بحصر التصرف في جميع موارد الخمس في الفقيه.

أدلة القائلين بجواز التصرف في سهم الإمام في زمن الغيبة.

القول بإحراز رضى الإمام المهدي.

تجويزهم التصرف بسهم الإمام بحجة إحراز رضاه، ورفضهم تصرف الأتباع بالخمس بحجة إحراز رضى الفقيه.

جواز التصرف بسهم الإمام من باب كون حكمه حكم المال المجهول المالك.

جواز التصرف بسهم الإمام من باب الولاية على أموال الغائبين.

القول بوجوب حصر التصرف في الخمس في الفقهاء.

تعليلهم لهذا الوجوب أن الفقيه أقدر على معرفة مستحقي الخمس.

قول المتأخرين بوجوب حصر التصرف في الخمس في المقلَد دون غيره.

هذا القول من أسباب الخلاف عند الشيعة بعدم جواز تقليد الميت.

تشدّد المراجع في أمر عدم جواز تصرف أصحاب الخمس بأموالهم.

خوف المراجع من تصرف وكلائهم في الخمس.

أصحاب نظرية ولاية الفقيه وقولهم بوجوب حصر التصرف في الخمس في الولي الفقيه دون غيره.

رد الإمام الخميني على أدلة القائلين بجواز تصرف الفقهاء في الخمس دون الولي الفقيه.

المنتظري يؤيد الخميني.

والخامنئي أيضاً.

أدلة أصحاب نظرية ولاية الفقيه في وجوب حصر التصرف في الخمس في الحاكم الإسلامي.

جُل صلاحيات الولي الفقيه محصور في الأموال.

الخُمُس هو علة الصراع بين أصحاب نظرية ولاية الفقيه ومخالفيهم.

نماذج من هذا الصراع.

إعتراف الشيعة أن مصطلح تقليد أو مصطلح مرجعية أو مرجع أعلى أخترعه المتأخرون.

ضعف الروايات التي إستدل بها من قال بوجوب بالتقليد.

الكلام في مسألة لزوم تقليد الأعلم.

بيان أنه لم يتطرق قدماء الشيعة إلى هذه المسألة.

الكلام فيما نسب إلى المرتضى في هذه المسألة.

بداية ظهور مسألة تقليد الأعلم.

إختلاف الشيعة في تحديد مفهوم الأعلم.

رد بعض الشيعة للمعايير التي وضعت لتحديد الأعلم.

لا يشترط في الأعلم أن يكون من السادة.

طريقة تحديد الأعلم منذ ظهور هذه المسألة.

نماذج من العلماء الذين حددوا المراجع من بعدهم.

الصراع بين المراجع من أجل الخمس.

نماذج من فضائح الحوزات الدينية بسبب مسألة الخمس.

دعوات شيعية لعدم الإقتصار على مرجع واحد.

دعوات شيعية لجواز تقليد الميت.

تابع..فضائح الحوزات الدينية بسبب المال.

بعض الآثار السيئة لقضية الخمس.

إعتراف الشيعة أن مبالغ الخمس ضخمة جداً ولا ينبغي أن تُحصر في السادة.

قول بعض الشيعة إن فساد الإنسان يأتي من طريقين (الجنس والمال) وكلاهما متوافر للسادة.

أمثلة على وسائل المراجع والمجتهدين للحصول على الخمس.

هل كل هؤلاء من أهل البيت؟

كيفية الحصول على شجرة الأنساب.

موقف المراجع من مدعي السيادة.

سيطرة أصحاب رؤوس الأموال على المرجعية من باب الخمس لتحقيق مآربهم.

موقف الإصلاحيين من مدارات المرجعية لأصحاب الخمس حرصاً على المصادر المالّية.

دخول المستعمر البريطاني على خط الخمس.

سيطرة العوام على المرجعية من باب الخمس.

مسألة طهارة الكتابي.. أنموذج.

مراسم العزاء في عاشوراء.. أنموذج آخر.

نماذج أخرى.

نماذج من معاناة العلماء من آفة العوام.

نماذج من دعوات الإصلاحيين لتصحيح الأوضاع.

من تناقضات دعوات الإصلاحيين.

سيطرة العوام.. مرة أخرى.

مراجع دين من فقر مدقع إلى أصحاب ملايين.

دعوات بوضع سجلات لتقييد الوارد والصادر من الخمس.

لولا الخمس لاندثر المذهب الشيعي.

من إستخدامات أموال الخمس السيئة.

الخمس والصراع بين قم والنجف.

علماء دفعوا حياتهم ثمناً للخمس.

الخمس الخليجي.. إلى أين؟

الخمس بين ثروات المراجع وسِير أهل البيت رحمهم الله.

الخمس بين السائل والمجيب.

هل يحل مال النواصب (أهل السنة) ويجب فيه الخمس ؟

هل في زجاجة العطر التي تم استخدام جزء منها خمس؟

هل المال المسروق يصبح حلالاً إذا أدي منه الخمس؟

طاحونة تطحن الحنطة، هل يتعلق بها الخمس؟

هل في أموال الخمس خمس؟

شخص هوايته جميع العملات من دول مختلفة هل يتعلق به الخمس؟

شخص لا يخمس بحجة أن كسبه لا يكفي إلا لمؤونة بيته ما هو الحكم؟

هل يوجد خمس على الكفن الذي يشتريه الانسان لتكفينه به بعد موته؟

ما هو حكم المتبقي من الكتب الاسلامية المطبوعة على نفقة المؤلف عند المؤلف؟

هل في مال الأجير الذي يأخذ مالاً لقضاء سنين من الصلاة والصيام خمس؟

الشجر الذي يوجد في دار الانسان، هل يجب الخمس في نموه كل سنة ؟

هل في الكتب التي يشتريها الانسان لأجل الاستفادة منها للمنبر وغيره خمس؟

هل يجب الخمس في الكوپونات المعدة لشراء المواد التي تدعمها الدولة؟

إذا اشترى كتاباً واستعاره آخر منه، فهل يجب عليه تخميسه؟

هل في الهبة وفي هدية العيد ( العيدية ) خمس أم لا ؟

هل في الهدايا النقدية التي يأخذها الإنسان من معارفه وأقربائه خمس؟

اقترضت قسماً من المال، وقسماً آخر من بيع سجادة البيت فهل علّى الخمس؟

إذا كان لشخص مكتبة شخصية وقد انتفع من كتبها في فترات معينة فهل عليه خمس؟

إذا حصل الطفل على هدية أو جائزة من المال أو الذهب، فهل يجب على وليه تخميسه؟

حصلت على هدية قطعة قماش فهل فيه خمس؟

حكم الخمس عند الإنتقال إلى مقلد آخر.

هل يجب على الطالب أن يخمس ما يعطى من كتب مدرسية و غيرها؟

الهدية مثل الساعة أو القلم أو الكتاب هل يجب فيها الخمس ؟

الخمس في راتب الموظف.

هل السنة الخمسية يجب أن تعتبر وتحاسب شمسية أو قمرية ؟

خمس من أراد الحج أو العمرة.

طالب فقير ومريض ويجمع المال للعلاج فهل عليه خمس؟

راتبي لا يكفيني حتى آخر الشهر وظروفي المالية الصعبة فهل عليّ خمس ؟

إذا قرأنا من كتاب عشر صفحات فهل عليه خمس؟

هل يجب الخمس في الأجزاء غير المقروءة من دورات الكتب؟

الأواني المعدة للطعام والشراب إذا استعملت للزينة فقط فهل يعد هذا استعمالاً مسقطا للخمس؟

ما حكم من اشترى كتباً ولم يقرأ بها في سنة الشراء؟

الأشجار والنباتات التي يزرعها المكلف للزينة، هل يجب فيها الخمس؟

أيهما الأولى بالتقديم الحج أم الخمس؟

هل يتعلق الخمس بالمبلغ المدفوع سلفا لشراء كتب من المعرض الدولي للكتاب؟

يوجد طقم من الأواني المنزلية، فهل استعمال بعضه يكفي في عدم وجوب الخمس فيه؟

هل الانتفاع من مجلد واحد من عدة مجلدات يمكن أن يكون مسقطا للخمس؟

الكفن الذي يشترى ويبقى عدة سنوات هل يجب تخميسه؟

هل في الأرز والدهن وأثاث البيت خمس؟

امرأة استفادت من حليها شهرا ثم انكسرت فأهملت اصلاحها فهل عليها الخمس ؟

إذا قرأنا من كتاب عشر صفحات فهل يطلق عليه أنه قد قرئ، بحيث لو دار عليه الحول لا يخمس ؟

ما حكم الماء الموجود في خزان فوق سطح الدار لاستعماله للمنزل هل يجب فيه الخمس؟

ما حكم شراء وتربية طيور الزينة للمنزل، هل يجب فيها الخمس؟

هل يجب الخمس في الكتاب الذي لم يقرأ؟

إذا كان الكتاب فوق مستوى القارئ فهل يجب الخمس فيه حتى مع قراءته ؟

قراءة الكتاب المفيد بقصد التهرب من الخمس، يسقط الخمس أم لا ؟

هل سهم السادة وسهم الإمام يتعلقان بأرباح مكاسب الصغار ؟

تطبيق مبدأ (البضائع المباعة لا ترد ولا تستبدل) في الخمس.

هل في الخمس مساومة ومحسوبيات في الخمس؟

الخمس مقدم على الزكاة.

وجوب الخمس حتى على الفقراء.

روايات في ذم المال.

خلاصة الكتاب.

مصادر الكتاب.


 

 

 

 

 

 

الإهداء

 

شـر الأزمنـة أن يتبجّـح الجـاهـل، ويسكـت العـاقـل،

ولكنَّ القبة الجوفاء لا ترجع غير الصدى..

فإلى القبـاب غيـر الجوفـاء أهـدي هـذا الكتـاب...

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

 

     أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة : 34].

 

    منذ أن نزلت آيات حب للمال والسعي لجمعه ومنها هذه الآية، عرفنا أن الإنسان لن يدع وسيلة لتحقيق هذه الغاية إلا وسلكها. وعندما ذكر الله عزوجل الأحبار والرهبان على سبيل التعيين في معرض آكلي أموال الناس بالباطل، علمنا أن الدِين من أعظم وسائل طلاب الدنيا للوصول إلى هذا الهدف، وعندما ذكر الله عزوجل في هذه الآية عن كنز الذهب والفضة دون إنفاق، علمنا أن من الناس من جمع بين هذه الصفات الثلاثة، التظاهر بالدِين، وأكل أموال الناس بالباطل وعدم إنفاقه ومن ثم توريثه.

 

    ومن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ. عرفنا أن في هذه الأمة أناس سيتبعون سنن من ذكرهم الله عزوجل في الآية السابقة، ولا بد أن يكونوا كثير لقوله عزوجل: إِنَّ كَثِيراً. ففتشنا عمن تنطبق عليهم هذه الأوصاف من هذه الأمة، فوجدنا طائفة من المنتسبين إلى الإسلام أخذ علمائها بأكل أموال أتباعهم بالباطل وأفتتنوا بالمال أيما إفتتان، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَإِنَّ فِتْنَةَ أُمَّتِي الْمَالُ. فتشبهوا بمن نزلت فيهم الآية، الذين كانوا يتسلمون أموالاً باهظة من الناس بشتى السبل والحجج ويبعونهم الجنة بصكوك الغفران. فتشددوا في أمر هذا السُحت وتساهلوا فيما دون ذلك من عقائد أيما تساهل كسائر العبادات والإباحة الجنسية وغيرها.

 

    تبدأ القصة عند هؤلاء بمولود لم يرى النور كما أثبت المحققين منهم ذلك، (والأمر كما قالوا). ثم زعموا أن هذا المولود قد إختفى وأنه المهدي الموعود، وأن نوابه هم القائمون بالواسطة بينه وبين شيعته، وانهم المخولون بإستلام الخمس الذي شرعه الله عزوجل لبني هاشم عوض الزكاة، كما في قوله: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى.. [الأنفال: 41]، وأنهم الباب بين الناس وقربى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وحيث أن الآية تتحدث عن غنائم الحروب، والحروب تخاض تحت إمرة خلفاء المسلمين وهم المتصرفون في الغنائم، وبهذا لا يصلهم منها شيء لأن الناس يعلمون أنه لا صلة لهم بآل البيت وإنما هم أدعياء لمعدوم. وكذلك لا يجري عليهم من العطايا والرواتب التي يجريها الخلفاء للعلماء لينشغلوا بطلب العلم عن طلب الرزق، لأنهم لا يرونهم على الإسلام، بما يؤمنون به من عقائد ما أنزل الله به من سلطان كالشرك والغلو والقول بتحريف القرآن والطعن في خير هذه الأمة، وغيرها. عمدوا إلى هذه الآية وهي الوحيدة في القرآن الواردة في الخمس، فحملوها على المتشابه، فزعموا أن المقصود من الغنيمة في الآية هو مطلق الكسب وليس غنائم الحروب وحسب، رغم ان القرآن قد فرق بينهما كما قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض... الآية [البقرة: 267]. فصدق فيهم قوله عزوجل: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران : 7].

 

    وعززوا دعمهم بحمل الآية على سار المكاسب بروايات نسبوها إلى أئمة آل البيت رحمهم الله. وروايات أخرى في وجوب إخراج الخمس والترهيب من منعه. إلا أن العقل لم يسعفهم في ذلك ، ولا أيدهم النقل، حتى أقروا بأن وجوب الخمس في جميع المغانم والمكاسب مما انفردت به الإمامية دون غيرهم من فرق المسلمين.

 

    ثم مهدوا لذلك بالقول بكفر الأنظمة الحاكمة وعدم شرعيتها، وأن هذه الأنظمة منعوا الأئمة حقوقهم، وهو من حقهم وضروري لشؤون الشيعة وحاجاتهم ولنشر دين الله. حينئذ فرضوا الأئمة الأرباح على شيعتهم، ثم أوجبوا على الشيعة دفع الخمس لهم بحجة أنهم يمثلون آل البيت. وقالوا بكفر من إستحل الخمس، فانفتح الباب ، وأشتد التنافس بينهم في أكل أموال الناس بالباطل، حتى قال الصادق رحمه الله: إن الناس قد أولعوا بالكذب علينا، وذلك أنهم كانوا لا يطلبون بأحاديثنا ما عند الله وإنما يطلبون الدنيا وكل يحب أن يدعى رأساً.[1] وقال شريك: كان جعفر بن محمد رجلا صالحا مسلما ورعا فاكتنفه قوم جهال يدخلون عليه ويخرجون من عنده ويقولون: حدثنا جعفر بن محمد ، ويحدثون بأحاديث كلها منكرات كذب موضوعة على جعفر ، ليستأكلون الناس بذلك ، ويأخذون منهم الدراهم.[2] وقد أكد الباقر رحمه الله ذلك حيث قال: الشيعة ثلاثة أصناف، وذكر منهم: وصنف يستأكلون بنا، وفي رواية صنف يأكلون الناس بنا.[3]

 

    بل بلغ بالبعض أن إدعى إنتسابه لآل البيت، كأبي منصور العجلي الذي عزى نفسه إلى الباقر رحمه الله فتبرء منه وطرده.[4] واليوم هناك العشرات من أبي منصور كما سترى، ولا باقر لهم. ومع إشتداد الصراع بين هؤلاء الزنادقة الذين تستروا بولاءات زائفة لأهل البيت من أجل المال، بان المستور، حتى قال أحدهم: ما دخلنا في هذا الامر إلا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه ، لقد كنا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلاب على الجيف. واليوم هناك المئات، دخلوا في هذا الأمر ويتهارشون عليه كما تتهارش الكلاب على الجيف، كما سترى. لا هم لهم سوى جمع المال بإسم آل البيت، ولا رادع يردعهم ولا دين يمنعهم، وهم يكررون أفعال أجدادهم الذين إندسوا في مدارس الأئمة رحمهم الله، والأئمة منهم براء، وهم براء من الأئمة أيضاً كما يروون من أن علي بن أبي حمزة البطائني وزياد بن مروان القندي ، وعثمان بن عيسى الرواسي ، كلهم كانوا وكلاء للإمام الكاظم ، وكان عندهم أموال جزيلة، فلما مضى الإمام الكاظم وقفوا عليه طمعاً في الأموال التي بين أيدهم، وأنكروا إمامة الرضا رحمه الله وجحدوه.

 

    ونحن إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب المختصر، سنتناول مسألة الخمس عند المسلمين عامة وعند الشيعة خاصه بإعتبار أنها من ضروريات مذهبهم بل ولا يقوم المذهب إلا به، ونبين حقيقتها، وذلك في بابين، الاول تعريف الخمس ومشروعيته من الكتاب والسنة وأقوال علماء المسلمين من شيعة وسنة، ثم بيان حقيقة الخمس عند الشيعة ومنزلتها وجذورها ومراحلها التاريخية. والباب الآخر دراسة الأسس الروائية لمسألة الخمس وبيان تهافت كل الروايات التي إستند عليها الشيعة في إثبات الخمس فيما سوى غنائم الحروب والركاز، ثم نعرج بإختصار على ذكر نماذج من مساوئ الخمس وذلك من خلال بيان الصراع الدائر في الحوزات الدينية عند الشيعة بين طلبة العلم والمراجع من أجل الخمس. وغيرها من مسائل تجدها في الكتاب.

 

ونسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

فيصل نور

  1428 هـ


الباب الأول

 

التعريف ومصادر الإستدلال من الكتاب والسنة.

 

    في لسان العرب: الخُمْسُ والخُمُسُ والخِمْسُ جزء من خمسة..والجمع أَخْماس والخَمْسُ أَخذك واحداً من خمسة تقول خَمَسْتُ مال فلان وخَمَسَهم يَخْمُسُهم بالضم خَمْساً أَخذ خُمْسَ أَموالهم وخَمَسْتُهم أَخْمِسُهم بالكسر إِذا كنتَ خامِسَهم أَو كملتهم خمسة بنفسك.

 

    وفي المقاييس: والخمس: واحد من خمسة. يقال: خَمَسْتُ القوم: أخذت خُمْسَ أموالهم.

 

والخُمُس تشريع مالي ورد في القرآن والسنة.

 

    يقول الله عزوجل: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنفال: 41]

 

    ففي هذه الآية بيان لمشروعية الخمس و إحدى موارده ومصارفه. وهي الآية الوحيد في كتاب الله عزوجل التي وردت في الخمس.

 

وتتلخص أقوال أهل السنة في مسألة الخمس في أمور عدة أهمها:

 

    المسألة الأولى: المراد بالغنيمة.

 

     قالوا: أن المراد بقوله تعالى: غنمتم من شئ مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر. ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص، ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع. وسمى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال بإسمين: غنيمة وفيئا. فالشئ الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة. ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا. والفئ ما كان عن صلح بغير قتال، كفيء بني النضير الذين نزلوا على حكم النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ومكنوه من أنفسهم وأموالهم يفعل فيها ما يشاء لشدة الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم، ورضي لهم صلى الله عليه وآله وسلم أن يرتحلو بما يحملون على الإبل غير السلاح.

 

   وعلى هذا اتفق أرباب سائر الكتب الفقهية واللغوية عند أهل السنة ومن نحى نحوهم من أن الغنيمة إصطلاحاً هو ما نِيل من أهل الشرك عنوة أي قهراً أو غلبة والحرب قائمة، وحكمها ان تخمّس.

 

و لا عبرة بحمل الالفاظ على محاملها اللغوية في المسائل الشرعية التوقفية.

 

    ويرى بعض المحققين من أهل الأصول من أن اللفظ العام قد يكون القصد به إلى معنى مخصوص، بقرائن وإمارات ترشد إليه فيقتصر عليه، ولو كان اللفظ متناولاً لغيره، لذا نجد بعض المفسرين آثر عدم الكلام في الآية المذكورة بحجة ان موضوع الغنائم بجملته ليس واقعاً اسلامياً يواجهنا اليوم اصلاً وذلك لغياب الدولة المسلمة والامامة المسلمة والأمة المسلمة التي تجاهد في سبيل الله، ثم تقع لهم غنائم تحتاج إلى التصرف فيها. مما يؤكد على حصر مورد الخمس في الآية بغنائم الحرب دون سواها.

 

وفي السنة المطهرة شواهد عدة على حمل مفهوم الغنيمة على ما ذكرناة، منها:

 

    قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة وأعطيت الشفاعة.[5]

 

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أُحِلت لكم الغنائم.

 

    وقال صلى الله عليه وآله وسلم: لم تحل الغنائم لمن قبلنا ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا. وغيرها.

 

    وكلها تدل على الحصر المذكور، فضلا عن أن سياق الآية تدل على ذلك لكونها نزلت في غزوة بدر وما غنمه المسلمين فيها بالإتفاق، هذا إذا علمت كما مر من أنها الآية الوحيدة في مسألة الخمس.

 

المسألة الثانية: في كيفية قسمة الغنائم.

 

    القول الأول: وهو المشهور أن ذلك الخمس يخمس، فسهم لرسول الله، وسهم لذوي قرباه، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل، وأما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فعند الإمام الشافعي رحمه الله: أنه يقسم على خمسة أسهم، سهم لرسول الله، يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين، كعدة الغزاة من الكراع والسلاح، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، والباقي للفرق الثلاثة وهم: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل.

 

    وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: إن بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سهمه ساقط بسبب موته، وكذلك سهم ذوي القربى، وإنما يعطون لفقرهم، فهو أسوة سائر الفقراء، ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل.

 

    وقال الإمام مالك: الأمر في الخمس مفوض إلى رأي الإمام إن رأى قسمته على هؤلاء فعل، وإن رأى إعطاء بعضهم دون بعض، فله ذلك.

 

    والقول الثاني: وهو قول أبي العالية: إن خمس الغنيمة يقسم على ستة أقسام، فواحد منها لله، وواحد لرسول الله، والثالث لذوي القربى، والثلاثة الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل. قالوا: والدليل عليه أنه تعالى جعل خمس الغنيمة لله، ثم للطوائف الخمسة، ثم القائلون بهذا القول منهم من قال: يصرف سهم الله إلى الرسول، ومنهم من قال: يصرف إلى عمارة الكعبة. وقال بعضهم: إنه عليه السلام كان يضرب يده في هذا الخمس، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، وهو الذي سمى لله تعالى.

 

    والقائلون بالقول الأول أجابوا عنه: بأن قوله: { لِلَّهِ } ليس المقصود منه أثبات نصيب لله. فإن الأشياء كلها ملك لله، وملكه وإنما المقصود منه افتتاح الكلام بذكر الله على سبيل التعظيم، كما في قوله: { قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول } واحتج القفال على صحة هذا القول بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال لهم في غنائم خيبر: مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم. فقوله: مالي إلا الخمس يدل على أن سهم الله وسهم الرسول واحد.

 

    هذا هو الكلام في قسمة خمس الغنيمة، وأما الباقي وهو أربعة أخماس الغنيمة فهي للغانمين.

 

المسألة الثالة: المقصود بذوي القربى.

 

    فمن قائل أنهم قريش كلها، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما نزلت هذه الآية وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214]. دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبدالمطلب أنقذوا أنفسكم من النار..الحديث.

 

وقائل: أنهم بنو هاشم. وهو قول مجاهد وعلي بن الحسين، مالك والثوري والاوزاعي وغيرهم.

 

    وقائل: هم بنو هاشم وبنو المطلب[6]. واحتج بما ما ثبت في البخاري والنسائي عن جبير بن مطعم قال لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعثمان بن عفان فقلنا يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله به منهم أرأيت بني المطلب أعطيتهم ومنعتنا فإنما نحن وهم منك بمنزلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه. وهذا قول الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور ومجاهد وقتادة وابن جريج ومسلم بن خالد.

 

    وقيل: آل علي، وجعفر، وعقيل، وآل عباس، وولد الحرث بن عبد المطلب، وهو قول أبي حنيفة.  

 

    هذا ما كان من شأن ذكر الاستدلال على مشروعية الخمس من الكتاب وبيان موارده ومصارفه.

 

موارد الخمس ومصارفه من السنة.

 

    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: في الرِّكَازِ الْخُمُسُ. أخرجه الشيخان؛ وأصحاب السنن؛ والإمام مالك وأحمد، وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

 

هذا كل ما ورد في السنة من ذكر  موارد الخمس سوى مغانم الحروب.

 

إذن يكون الكلام في بيان معنى الركاز.

 

    ذكر أهل اللغة ان الركاز: ما ركزه الله أي احدثه في المعادن ودفين أهل الجاهلية وقطع الذهب والفضة من المعدن.

 

    ومشتق من ركز يركز: اذا خفى، ومنه قوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أو تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً [مريم: 98]. أي صوتا خفياً.

 

    وذكر بعضهم أن الركاز عند أهل الحجاز كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض، وعند أهل العراق المعادن، والقولان تحتملهما اللغة، لأن كلا منهما مركوز في الأرض اي ثابت.

 

    وقال آخرون: وتسمية المعدن بالركاز إن لم توجد في أصل اللغة، فهي شائعة من طرق المقاييس اللغوية.

 

    وفرق البعض ذلك بالقول بأن الركاز دفين الجاهلية.والمعدن دفين أهل الاسلام، وإن المعدن جزء من الأرض من أصل الخلقة، بينما الركاز ليس جزءا من الأرض وإنما هو دفين مودع فيها، بفعل الانسان.

 

    ويرى جمهور العلماء أن الركاز يشمل كل مال ركز ودفن في الأرض، وخصه الشافعي بالذهب والفضة.

 

    وذكروا الفرق بينه و بين اللقطة بالعلامات الدالة عليه من كونها من دفن الجاهلية أو الاسلام.

 

    وخلاصة القول بعد الذكر الموجز للخلاف , أن الركاز لغة: المعدن والمال المدفون كلاهما، وشرعا: هو دفين الجاهلية، وهو ما حققة العلامة الألباني رحمه الله في رسالته احكام الركاز.

 

    والخلاف الآخر في مسألة الركاز هو مصارفه، فحيث ان الحديث لم يحدد ذلك فقد اختلف الفقهاء فيه:

 

فمذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه ان مصرفه مصرف الزكاة.

 

ومذهب ابوحنيفة ومالك وأحمد في رواية اخرى عنه والجمهور على ان مصرفه كالفيء.

 

علة عدم وجود باب للخمس في الكتب الفقهية عند أهل السنة.

 

    إذن فهذا جل ما يُستدل به على مشروعية الخمس، آية واحدة، وحديث واحد صحيح.

 

    والموردين المذكورين فيهما – الغنيمة والركاز – ليس لهما وجود فِعلي في زماننا هذا فضلا عن الأزمنة الغابرة غير القريبة يوم ان إنتفى أسباب وجودهما.

 

    لذا تجد أن مصادر أهل السنة في الفقه وما يتعلق به لا تخصص باباً أو كتاباً مستقل في مسألة الخمس. وإنما تجد ذكره عند بيان أحكام الغنائم في إحدى تفريعات أبواب الجهاد أو فيما يتعلق بإحد موارد الزكاة عند الكلام عن أحكام الركاز والمعادن. وهو لا يتجاوز صفحات قليلة. وكذلك كان حال بعض المتقدمين من الشيعة فكتاب الكافي للكليني، وهو أعظم كتب الإمامية والذي صنف في عصر الغيبة الصغرى عندهم، لا تجد فيه كتاباً أو باباً مستقلا في الخمس بل أدرج ما ورد من أخبار الخمس وأحكامه في مواضع متفرقة من الكتاب. وكذلك أغفل بعض قدامى فقهاء الشيعة ذكر سهم الإمام وموارد صرفه كالصدوق وإبن زهرة والحلبي.

 

    بينما تجد عند الشيعة بعد ذلك، أبواب خاصة بالخمس في مصنفاتهم تبلغ مئات الصفحات، إلى أن إنتهى بهم الأمر إلى وضع مصنفات ورسائل مستقله في الباب ككتاب الخمس للأنصاري، وكتاب الخمس للحائري، وكتاب الخمس، للزنجاني، وكتاب كتاب الخمس،  لأحمد بن محمد القمي،  ورسالة الخمس، للبهبهاني الحائري، ورسالة الخمس، للخوانساري، ورسالة الخمس، لمحمد حسن بن الشيخ باقر صاحب الجواهر، وكتاب الخمس، للكاظمي، ورسالة الخمس،  للخاتون آبادي، ورسالة الخمس، للمرعشي الحائري الشهير بالشهرستاني، وكتاب الخمس، لأبي القاسم الدهقان، ورسالة الخمس، للسيد شبر الحويزي، ورسالة الخمس، للأصفهاني، ورسالة الخمس، لمحسن الأردبيلي، وكتاب الخمس، لمحمد بن الحاج الميرزا حسين الطهراني، ورسالة الخمس، للميرزا محمود الشهابي. وغيرها. وكل هذا لا يخفى مقاصده على القاريء اللبيب.

 

ولنشرع الآن في الكلام في الخُمُس عند الشيعة.

 

أقوال علماء الشيعة في الخُمُسُ ومشروعيته وذكر موارده.

 

أولاً: وجوبه:

 

    قالوا: أن الخمس حق شرعي في أموال المكلف، بمقدار عشرين في المائة يجب دفعه سنويا وفق تفصيلات معينة.[7]

 

وأستدلوا على وجوبة بآية الخمس وروايات من طرقهم منها:

 

    عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام ما أيسر ما يدخل به العبد النار ؟ قال: من أكل من مال اليتيم درهما ونحن اليتيم.[8]

 

    وعن الصادق عليه السلام: إن الله لا إله إلا هو لما حرم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام، والخمس لنا فريضة، والكرامة لنا حلال.[9]

 

    وعن أبي عبد الله عليه السلام إنه قال: إني لآخذ من أحدكم الدرهم وإني لمن أكثر أهل المدينة مالا ما أريد بذلك إلا أن تطهروا.[10]

 

   وعن أبي جعفر عليه السلام قال: لا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا.[11]

   

    وعن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول من اشترى شيئا من الخمس لم يعذره الله، اشترى ما لا يحل له.[12]

 

    وعن عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: قرأت عليه آية الخمس فقال: ما كان لله فهو لرسوله، وما كان لرسوله فهو لنا، ثم قال: والله لقد يسر الله على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم، جعلوا لربهم واحدا وأكلوا أربعة أحلاء ثم قال: هذا من حديثنا صعب مستصعب لا يعمل به ولا يصبر عليه إلا ممتحن قلبه للإيمان.[13]

 

ثانياًً: ما يجب فيه الخمس:

 

    قالوا: أن الخمس يتعلق بسبعة أنواع من المال وهي:

 

Ø                الأول - في غنيمة الحرب مع الكفار.

Ø                الثاني - المعدن.

Ø                الثالث - الكنز.

Ø                الرابع - الغوص.

Ø                الخامس - المال المختلط بالحرام.

Ø                السادس - الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم.

Ø                السابع - أرباح التجارة والمعاملات والصنائع والزراعات. بل جميع الفوائد العائدة للانسان، وإن لم يكن من أرباح التجارة.

 

فنتعرض هنا للموضوعات السبعة بنحو الإجمال فنقول:

 

الأول - غنيمة الحرب مع الكفار. (ويسمى خمس الغنيمة)

 

    ويجب في كل ما يغنم من دار الحرب، ما يحويه العسكر، وما لم يحوه، وما يمكن نقله إلى دار الإسلام، وما لا يمكن، من الأموال والذراري والأرضين، والعقارات، والسلاح، والكراع، وغير ذلك مما يصح تملكه، وكان في أيديهم على وجه الإباحة، أو الملك، ولم يكن غصبا لمسلم.

 

وهم يوافقون أهل السنة في هذا، واستدلوا على ذلك بروايات من طرقهم منها:

 

    عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة.[14]

 

وهذه الرواية كما ترى نص صريح في حصر الغنائم بالحرب.

 

وقد أضطرب الشيعة في تأويل هذا الرواية، ونحن ننقل لكم طرفاً من هذا الإضطراب:

 

قال بعضهم: إنها لا تسقط نهائيا، لان فيها ثلاثة  احتمالات:

 

    الأول: ان يكون المراد من الغنائم فيها مطلق الفائدة، لا خصوص غنائم دار الحرب، فعندئذ لا معارضة بينها وبين غيرها من الروايات الدالة على وجوب الخمس في غير غنائم الحرب من الفوائد.

 

    الثاني: أن تكون الصحيحة في مقام بيان ان فريضة الخمس التي فرضها الله تعالى في كتابه العزيز منحصرة بغنائم الحرب دون غيرها من الفوائد كالمعادن، وارباح التجارات، وما شاكل ذلك، فان وجوب الخمس فيها قد ثبت بالسنة والروايات، لا بالكتاب. وان شئت قلت: ان الآية الكريمة ولو بقرينة السياق ظاهرة في أن المراد من الغنيمة فيها هو غنيمة دار الحرب، وعليه فالخمس الذي فرضه الله تعالى بنص القرآن انما هو خمس الغنيمة المزبورة دون مطلق الفائدة، فالصحيحة على أساس انها في مقام بيان ذاك الخمس الموجود في الكتاب وحصره بما عرفناه فلا تدل على نفي ثبوته في غيرها من الفوائد بالسنة وانما تدل على نفي ثبوته بالكتاب فاذن لا تنافي بينها وبين غيرها من الروايات الدالة على وجوبه في مطلق الفائدة.

 

    الثالث: ان الصحيحة تنحل إلى قضيتين:

الأولى: قضية ايجابية - وهي وجوب الخمس في غنائم دار الحرب -

الثانية: قضية سلبية - وهي عدم وجوب الخمس في غيرها من الفوائد...ألخ[15]

 

    وقال آخر: فهذا الخبر الوجه فيه أحد شيئين، أحدهما أن يكون المعنى فيه أنه ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة بظاهر القرآن لان ما عدا الغنائم إنما علم وجوب الخمس فيه في السنة ولم يعن أنه ليس في ذلك خمس أصلا، والوجه الثاني أن تكون هذه المكاسب والفوائد التي تحصل للانسان هي من جملة الغنائم التي ذكرها الله تعالى في القرآن.[16]

 

    وأكد ذلك في موضع آخر قائلاً: بأن المراد به ليس الخمس بظاهر القرآن إلا في الغنائم خاصة لأن ما عدا الغنائم التي أوجبنا فيها الخمس إنما يثبت ذلك كله بالسنة، ولم يرد عليه السلام انه ليس فيه الخمس على كل حال.[17]

 

    وأضاف آخر: ويمكن إرادة الحصر الإضافي بالنسبة إلى ما يسرق من الكفار أو يأخذ على وجه الغيلة كما سيجئ، بأن يراد من الغنائم هو ما يؤخذ قهرا بالسيف بإذن الإمام.[18]

 

    وقال: ويحتمل أن يكون الحصر فيها بالإضافة إلى الفيء والأنفال، ومحط النظر فيها خصوص ما يصل إلى المسلمين من أموال الكفار، فيكون المراد أن ما يصل إليهم من أموال الكفار لا تخمس إلا الغنائم التي تقسم بين المقاتلين، وأما الفيء الأنفال فكلها للإمام ولا خمس فيها.[19]

 

نعود إلى ذكر الروايات التي إستدل بها الشيعة على وجوب خمس غنيمة الحرب.

 

    وعن محمد بن أبي عمير أن الخمس على خمسة أشياء: الكنوز، والمعادن، والغوص، والغنيمة، ونسي ابن أبي عمير الخامسة.[20]

 

    وفي الرواية دليل على خروج الباقي من الخمس. ويدل على هذا أيضاً روايتهم عن علي رضي الله عنه أنه قال: وأما ما جاء في القرآن من ذكر معايش الخلق وأسبابها فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه: وجه الإمارة، ووجه العمارة، ووجه الإجارة، ووجه التجارة، ووجه الصدقات، فأما وجه الإمارة، فقوله: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين فجعل لله خمس الغنايم، والخمس يخرج من أربعة وجوه من الغنائم التي يصيبها المسلمون من المشركين، ومن المعادن، ومن الكنوز، ومن الغوص.[21]

 

      وقد أدرك القوم ذلك فقالوا: حصر الخمس في هذه الأشياء مبني على دخول الباقي في الغنائم، أو حصر إضافي بالنسبة إلى ما عدا المنصوصات.[22]

 

    وقال آخرون: إن كان المراد بالغنيمة: خصوص غنيمة دار الحرب كان مخالفا لما هو الثابت قطعا بالأخبار الكثيرة من أن الخمس في جميع الفوائد وأن المراد بالغنيمة هو الفائدة يوما بيوم، فلا بد أن يكون المراد منها مطلق الفوائد، أو بالحمل على التقية وصدور روايات العدد على نحو يناسب مذاق فقهاء العامة من حيث ورود الدليل عندهم على تعلق الخمس بالركاز، وإما بالحمل على أن غير الخمسة من سائر الفوائد مورد للتحليل، كما ينبئ عن ذلك غير واحد من الأخبار المتقدمة من كون خمس الأرباح كان موردا للتحليل إلى عصر أبي الحسن الرضا عليه السلام أو إلى عصر أبي الحسن الأول عليه السلام وأن الذي لا بد منه أداء الخمس تلك الخمسة. و  الجوابان كلاهما مبنيان على كون المراد بالغنائم غنائم دار الحرب. ويمكن أن يكون المراد بالغنائم الفوائد غير المترقبة التي لا يبنى عليها أساس المعيشة في العرف وأن يكون الاقتصار على الخمسة من حيث التحليل وأن الغنائم بالمعنى المذكور لا يكون موردا للتحليل أصلا ( فهي واجبة عليهم في كل عام ).[23]

 

عودة إلى الروايات:

 

    وعن العبد الصالح عليه السلام قال: الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم، والغوص، ومن الكنوز، ومن المعادن والملاحة.[24]

 

    وعن أبي جعفر عليه السلام قال: كل شئ قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  فإن لنا خمسه ولا يحل لأحد أن يشترى من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا.[25]

 

    وعن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم ويكون معهم فيصيب غنيمة، قال: يؤدي خمسا ويطيب له.[26]

 

    وعن أبي عبد الله عليه السلام في الغنيمة قال: يخرج منه الخمس ويقسم ما بقي بين من قاتل عليه وولى ذلك.[27]

 

الثاني - المعدن.

 

    وهو كل ما أخرجته المعادن من الذهب، والفضة، والرصاص، والنحاس، والأسرب، والحديد، والزئبق، والياقوت، والزبرجد، والبلخش، والفيروزج، والعقيق، والكحل، والزرنيخ، والملح، والكبريت، والنفط، والقير، والموميا، وكنوز الذهب، والفضة، وغيرهما إذا لم يعرف لها مالك. ويجب إخراج الخمس من المعادن والكنوز على الفور، بعد أخذها، ولا يعتبر مؤون السنة.

 

وأستدلوا على ذلك بروايات منها:

 

    فعن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن معادن الذهب والفضة والصفر والحديد والرصاص، فقال: عليها الخمس جميعا.[28]

 

    وعن عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكنز كم فيه ؟ قال: الخمس، وعن المعادن كم فيها ؟ قال: الخمس وعن الرصاص والصفر والحديد وما كان من المعادن كم فيها ؟ قال: يؤخذ منها كما يؤخذ من معادن الذهب والفضة.[29]

 

    وعن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن المعادن ما فيها ؟ فقال: كل ما كان ركازا ففيه الخمس، وقال: ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج الله سبحانه منه من حجارته مصفى الخمس.[30]

 

    وعن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الملاحة فقال: وما الملاحة؟ فقال: ( فقلت ): أرض سبخة مالحة يجتمع فيه الماء فيصير ( ويصير ) ملحا، فقال: هذا المعدن فيه الخمس، فقلت: والكبريت والنفط يخرج من الأرض قال: فقال: هذا وأشباهه فيه الخمس.[31]

 

    وفي الرواية جهل الإمام ببعض المسائل. هذا بالرغم من الرواية التي مرت بك آنفاً وفيها ذكر الإمام للملاحة.

 

    وعن عن محمد بن علي بن أبي عبد الله، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعن معادن الذهب والفضة هل فيها زكاة ؟ فقال: إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس.[32]

 

    وعن عمار بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس.[33]

 

    ومنها رواية الخمس على خمسة أشياء التي مرت بك.

 

الثالث - الكنز (الركاز).

 

    وهو المال المذخور تحت الأرض في دار الحرب مطلقا، أو دار الإسلام ولا أثر له للواجد، وعليه الخمس سواء كان الواجد حرا أو عبدا، صغيرا أو كبيرا.

 

    ومن رواياتهم في في هذا، ما عن الحلبي أنه سأل  أبا عبد الله عليه السلام عن الكنز كم فيه ؟ فقال: الخمس.[34]

 

    وعن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عما يجب فيه الخمس من الكنز، فقال: ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس.[35]

 

    وعن أبي الحسن الرضا عليه السلام ( في حديث ) قال: كان لعبد المطلب خمس من السنن أجراها الله له في الاسلام: حرم نساء الآباء على الأبناء، وسن الدية في القتل مأة من الإبل، وكان يطوف بالبيت سبعة أشواط، ووجد كنزا فأخرج منه الخمس، وسمى زمزم حين حفرها سقاية الحاج.[36]

 

    وعن الحرت بن حصيرة الأزدي قال: وجد رجل ركازا على عهد أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: أد خمس ما أخذت..الرواية.[37]

 

الرابع - الغوص.

 

    وهو كل ما يستخرج من البحر، كاللؤلؤ، والمرجان، أو العنبر، وغير ذلك، ويجب فيه الخمس إذا بلغ قيمته دينارا، وإن نقص لم يجب. ولو غاص فأخرج دون النصاب، ثم غاص أخرى فأكمله، فالأقرب وجوب الخمس.

 

    وأستدلوا على ذلك بروايات منها ما عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العنبر وغوص اللؤلؤ فقال: عليه الخمس.[38]

 

    ومرت بك رواية محمد بن علي بن الحسين قال: سئل أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعن معادن الذهب والفضة هل فيها زكاة ؟ فقال: إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس.

 

    وعن عن الصادق عليه السلام أنه قال: في العنبر الخمس.[39]

 

    والطريف هنا إختلافهم في معنى العنبر وإتفاقهم في وجوب الخمس فيه.

 

    يقول أحدهم: العنبر نبات من البحر. وقال آخر: هو من عين في البحر. وقال ثالث: العنبر يقذفه البحر إلى جزيرة، فلا يأكله شئ إلا مات، ولا ينقله طائر بمنقاره إلا نصل  منقاره، وإذا وضع رجله عليه، نصلت أظفاره ويموت. وقال رابع: هو جماجم تخرج من عين في البحر، أكبرها وزنه ألف مثقال،، وقيل: أنه شئ في البحر يأكله بعض دوابه لدسومته، فيقذفه رجيعا، فيطفو على وجه الماء، فيلقيه الريح إلى الساحل وقال آخر: أنه روث دابة بحرية.[40]

 

    أقول: إن كان الأخير وفيه الخمس فهو مصيبة. وعلى أي حال فقد قالوا: ولا إشكال ولا خلاف في وجوب الخمس فيه.

 

الخامس - المال المختلط بالحرام. (ويسمى خمس التحليل: وسمي كذلك لأنه يصبح المال حلالا بعد إخراج خمسه).

 

    وهو إذا اختلط مال حرام بحلال حكم فيه بحكم الأغلب فإن كان الغالب حراما احتاط في إخراج الحرام منه، وإن لم يتميز له أخرج منه الخمس وصار الباقي حلالاً وكذلك إن ورث ما لا يعلم أن صاحبه جمعه من جهات محظورة من غصب وربا وغير ذلك ولم يعلم مقداره أخرج منه الخمس واستعمل الباقي.

 

وأستدلوا على هذا بروايات منها:

 

    عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رجلا أتي أمير المؤمنين عليه السلام فقال، يا أمير المؤمنين إني أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه، فقال له: أخرج الخمس من ذلك المال، فان الله عز وجل قد رضي من ذلك المال بالخمس واجتنب ما كان صاحبه يعلم.[41]

 

    وعن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام إنه سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل قال: لا إلا أن لا يقدر على شئ يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه إلى أهل البيت.[42]

 

    وعن محمد بن علي بن الحسين قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين أصبت مالا أغمضت فيه، أفلي توبة ؟ قال: ايتني بخمسه فأتاه بخمسه، فقال: هو لك إن الرجل إذا تاب تاب ماله معه.[43]

 

    وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إني كسبت مالا أغمضت في مطالبه حلالا وحراما، وقد أردت التوبة ولا أدري الحلال منه والحرام وقد اختلط علي، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: تصدق بخمس مالك فإن الله قد رضي من الأشياء بالخمس وسائر المال لك حلال.[44]

 

السادس - الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم. (ويسمى خمس رقبة الأرض).

 

    فإنه يجب على الذمي خمسها، ويؤخذ منه قهراً إن لم يدفعه بالاختيار، ولا فرق بين كونها أرض مزرع أو بستان أو دار أو حمام أو دكان أو خان أو غيرها.

 

    ومن رواياتهم في ذلك ما عن أبي عبيدة الحذاء قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: أيما ذمي اشترى من مسلم أرضا فإن عليه الخمس.[45]

 

    وعن الصادق عليه السلام قال: الذمي إذا اشترى من المسلم الأرض فعليه فيها الخمس.[46]

 

السابع - أرباح التجارة والمعاملات والصنائع والزراعات. بل جميع الفوائد العائدة للانسان، وإن لم يكن من أرباح التجارة. (ويسمىخمس الأرباح، وخمس التفاوت، خمس الفائدة).

 

    وهو ما يفضل عن مؤونة سنته ومؤونة عياله من أرباح التجارات ومن سائر التكسبات من الصناعات والزراعات والإجارات حتى الخياطة والكتابة والتجارة والصيد وحيازة المباحات وأجرة العبادات الاستئجارية من الحج والصوم والصلاة والزيارات وتعليم الأطفال وغير ذلك من الأعمال التي لها أجرة، بل الأحوط ثبوته في مطلق الفائدة وإن لم تحصل بالاكتساب كالهبة والهدية والجائزة والمال الموصى به ونحوها. بل حتى الكتاب اذا لم يقرأ.

 

    وأستدلوا على ذلك بروايات منها:

 

    عن محمد بن الحسن الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع ؟ وكيف ذلك ؟ فكتب بخطه: الخمس بعد المؤنة.[47]

 

    وعن النيسابوري أنه سأل أبا الحسن الثالث عليه السلام عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مأة كر ما يزكى فأخذ منه العشر عشرة أكرار وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرا وبقي في يده ستون كرا ما الذي يجب لك من ذلك ؟ وهل يجب لأصحابه من ذلك عليه شئ ؟ فوقع لي منه: الخمس مما يفضل من مؤنته.[48]

 

    وعن علي بن مهزيار قال: قال لي أبو علي بن راشد قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقك فأعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: وأي شئ حقه فلم أدر ما أجيبه ؟ فقال: يجب عليهم الخمس، فقلت: ففي أي شئ ؟ فقال: في أمتعتهم وصنايعهم (ضياعهم)، قلت: والتاجر عليه والصانع بيده ؟ فقال: إذا أمكنهم بعد مؤنتهم.[49]

 

    وعنه قال: كتب إليه إبراهيم بن محمد الهمداني أقرأني على كتاب أبيك فيما أوجبه على أصحاب الضياع أنه أوجب عليهم نصف السدس بعد المؤنة، وأنه ليس على من لم يقم ضيعته بمؤنته نصف السدس ولا غير ذلك، فاختلف من قبلنا في ذلك فقالوا: يجب على الضياع الخمس بعد المؤنة مؤنة الضيعة وخراجها لا مؤنة الرجل وعياله، فكتب: وقرأه علي بن مهزيار عليه الخمس بعد مؤنته ومؤنة عياله وبعد خراج السلطان.[50]

 

    وعنه أيضاً قال: كتب إليه أبو جعفر عليه السلام: وقرأت أنا كتابه إليه في طريق مكة قال: إن الذي أوجبت في سنتي هذه وهذه سنة عشرين ومأتين فقط لمعنى من المعاني أكره تفسير المعنى كله خوفا من الانتشار، وسأفسر لك بعضه إن شاء الله إن موالي أسأل الله صلاحهم أو بعضهم قصروا فيما يجب عليهم، فعلمت ذلك فأحببت أن أطهرهم وأزكيهم بما فعلت من أمر الخمس في عامي هذا، قال الله تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم * ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم * وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملونولم أوجب عليهم ذلك في كل عام ولا أوجب عليهم إلا الزكاة التي فرضها الله عليهم، وإنما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول، ولم أوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة إلا في ضيعة سأفسر لك أمرها تخفيفا مني عن موالي ومنا مني عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم، فأما الغنائم والفوايد فهي واجبة عليهم في كل عام قال الله تعالى: واعلموا ا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قديرفالغنايم والفوايد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء، والفائدة يفيدها، والجايزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر، والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن، ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله، ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب، وما صار إلى موالي من أموال الخرمية الفسقة فقد علمت أن أموالا عظاما صارت إلى قوم من موالي، فمن كان عنده شئ من ذلك فليوصله إلى وكيلي، ومن كان نائيا بعيد الشقة فليتعمد لإيصاله ولو بعد حين، فان نية المؤمن خير من عمله، فأما الذي أوجب من الضياع والغلات في كل عام فهو نصف السدس ممن كانت ضيعته تقوم بمؤنته، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤنته فليس عليه نصف سدس ولا غير ذلك.[51]

 

    وعن سماعة قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس فقال: في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير.[52]

 

    وعن بن يزيد قال: كتبت جعلت لك الفداء تعلمني ما الفائدة وما حدها ؟ رأيك أبقاك الله أن تمن علي ببيان ذلك لكي لا أكون مقيما على حرام لا صلاة لي ولا صوم، فكتب: الفائدة مما يفيد إليك في تجارة من ربحها، وحرث بعد الغرام، أو جايزة.[53]

 

    وعن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: على كل امرئ غنم أو اكتسب الخمس مما أصاب لفاطمة عليها السلام ولمن يلي أمرها من بعدها من ذريتها الحجج على الناس فذاك لهم خاصة يضعونه حيث شاؤوا، وحرم عليهم الصدقة حتى الخياط ليخيط قميصا بخمسة دوانيق فلنا منه دانق إلا من أحللناه من شيعتنا لتطيب لهم به الولادة، إنه ليس من شئ عند الله يوم القيامة أعظم من الزنا إنه ليقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب سل هؤلاء بما أبيحوا.[54]

 

    وعن الريان بن الصلت قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام ما الذي يجب علي يا مولاي في غلة رحى أرض في قطيعة لي وفي ثمن سمك وبردي وقصب أبيعه من أجمة هذه القطيعة فكتب: يجب عليك فيه الخمس إن شاء الله تعالى.[55]

 

    وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ ألفي درهم أو أقل أو أكثر هل عليه فيها الخمس ؟ فكتب عليه السلام الخمس في ذلك، وعن الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة يأكله العيال إنما يبيع منه الشئ بمأة درهم أو خمسين درهما هل عليه الخمس ؟ فكتب أما ما اكل فلا، وأما البيع فنعم هو كسائر الضياع.[56]

 

ثالثاً: قسمة الخمس:

 

    قالوا يقسم الخمس ستة أقسام، فنصفه - وهو سهم الله وسهم رسوله وسهم ذي القربى - للإمام خاصة، ونصفه للثلاثة، فسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل.

 

ومن رواياتهم في الباب:

 

    عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سأله عن قول الله عز وجل: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فقال: أما خمس الله عز وجل فللرسول يضعه في سبيل الله، وأما خمس الرسول فلأقاربه وخمس ذوي القربى فهم أقربائه وحدها، واليتامى يتامى أهل بيته، فجعل هذه الأربعة أسهم فيهم وأما المساكين وابن السبيل فقد عرفت أنا لا نأكل الصدقة ولا تحل لنا فهي للمساكين وأبناء السبيل.[57]

 

    وعنه في قول الله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل قال: خمس الله للامام، وخمس الرسول للامام، وخمس ذوي القربى لقرابة الرسول الامام، واليتامى يتامى الرسول، والمساكين منهم، وأبناء السبيل منهم، فلا يخرج منهم إلى غيرهم.[58]

 

    وعنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له، ثم يقسم ما بقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه ثم يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه، ثم قسم الخمس الذي أخذه خمسة أخماس يأخذ خمس الله عز وجل لنفسه، ثم يقسم الأربعة أخماس بين ذوي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل يعطى كل واحد منهم حقا، وكذلك الإمام أخذ كما أخذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.[59]

 

    وعن سليم بن قيس قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: نحن والله الذين عنى الله بذي القربى والذين قرنهم الله بنفسه وبنبيه فقال: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكينمنا خاصة، ولم يجعل لنا سهما في الصدقة أكرم ( الله ) نبيه وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما في أيدي الناس.[60]

 

    وعن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربىقال: هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والخمس لله وللرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولنا.[61]

 

    وعن الرضا عليه السلام قال: سئل عن قول الله عز وجل: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى فقيل له: فما كان لله فلمن هو ؟ فقال: لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو للامام الحديث.[62]

 

    وعن العبد الصالح عليه السلام قال: الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم والغوص ومن الكنوز ومن المعادن والملاحة، يؤخذ من كل هذه الصنوف الخمس فيجعل لمن جعله الله له ويقسم الأربعة الأخماس بين من قاتل عليه وولي ذلك، ويقسم بينهم الخمس على ستة أسهم: سهم لله، وسهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، فسهم الله وسهم رسول الله لأولى الأمر من بعد رسول الله وراثة، وله ثلاثة أسهم: سهمان وراثة، وسهم مقسوم له من الله، وله نصف الخمس كملا، ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم وسهم لأبناء سبيلهم، يقسم بينهم على الكتاب والسنة ( الكفاف والسعة ) ( إلى أن قال: ) وإنما جعل الله هذا الخمس لهم خاصة دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم عوضا لهم من صدقات الناس تنزيلها من الله لهم لقرابتهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكرامة من الله لهم عن أوساخ الناس، فجعل لهم خاصة من عنده ما يغنيهم به عن أن يصيرهم في موضع الذل والمسكنة، ولا بأس بصدقات بعضهم على بعض وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين ذكرهم الله فقال: وأنذر عشيرتك الأقربينوهم بنو عبد المطلب أنفسهم الذكر منهم والأنثى، ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد، ولا فيهم ولا منهم في هذا الخمس من مواليهم وقد تحل صدقات الناس لمواليهم وهم والناس سواء ومن كانت أمه من بني هاشم وأبوه من ساير قريش فإن الصدقات تحل له وليس له من الخمس شئ، لأن الله يقول: ادعوهم لآبائهم ( إلى أن قال: ) وليس في مال الخمس زكاة لأن فقراء الناس جعل أرزاقهم في أموال الناس على ثمانية أسهم، فلم يبق منهم أحد، وجعل للفقراء قرابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نصف الخمس فأغناهم به عن صدقات الناس وصدقات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وولي الأمر فلم يبق فقير من فقراء الناس ولم يبق فقير من فقراء قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا وقد استغنى فلا فقير، ولذلك لم يكن على مال النبي والولي زكاة، لأنه لم يبق فقير محتاج، ولكن عليهم أشياء تنوبهم من وجوه، ولهم من تلك الوجوه كما عليهم.[63]

 

    وفي رواية: الخمس من خمسة أشياء ( إلى أن قال: ) فأما الخمس فيقسم على ستة أسهم: سهم لله، وسهم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، فالذي لله فلرسول الله، فرسول الله أحق به فهو له خاصة، والذي للرسول هو لذي القربى والحجة في زمانه فالنصف له خاصة والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد عليهم السلام الذين لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة عوضهم الله مكان ذلك بالخمس الحديث.[64]

 

    وعنه أيضا ( في حديث طويل ) قال: وأما الثامنة فقول الله عز وجل: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى فقرن سهم ذي القربى مع سهمه وسهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( إلى أن قال: ) فبدء بنفسه ثم برسوله ثم بذي القربى، فكل ما كان من الفئ والغنيمة وغير ذلك مما رضيه لنفسه فرضيه لهم ( إلى أن قال: ) وأما قوله: واليتامى والمساكين فان اليتيم إذا انقطع يتمه خرج من الغنائم ولم يكن له فيها ( منها ) نصيب وكذلك المسكين إذا انقطعت مسكنته لم يكن له نصيب من الغنم ولا يحل له أخذه، وسهم ذي القربى قائم إلى يوم القيامة فيهم للغني والفقير لأنه لا أحد أغنى من الله ولا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجعل لنفسه منها سهما، ولرسوله سهما فما رضيه لنفسه ولرسوله رضيه لهم، وكذلك الفئ ما رضيه منه لنفسه ولنبيه رضيه لذي القربى ( إلى أن قال: ) فلما جاءت قصة الصدقة نزه نفسه ورسوله ونزه أهل بيته فقال: إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية، ثم قال: فلما نزه نفسه عن الصدقة ونزه رسوله ونزه أهل بيته لا بل حرم عليهم لأن الصدقة محرمة على محمد وآله وهي أوساخ أيدي الناس لا تحل لهم لأنهم طهروا من كل دنس ووسخ.[65]

 

    وعن علي عليه السلام قال: الخمس يجرى ( يخرج ) من أربعة وجوه: من الغنائم التي يصيبها المسلمون من المشركين، ومن المعادن، ومن الكنوز، ومن الغوص، ويجري هذا الخمس على ستة أجزاء فيأخذ الإمام منها سهم الله وسهم الرسول وسهم ذي القربى ثم يقسم الثلاثة السهام الباقية بين يتامى آل محمد ومساكينهم وأبناء سبيلهم.[66]

 

    وعن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى، قال: هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسألته منهم اليتامى والمساكين وابن السبيل ؟ قال: نعم.[67]

 

    وعن إسحاق، عن رجل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن سهم الصفوة، فقال: كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعة أخماس للمجاهدين والقوام، وخمس يقسم فيه سهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن نقول: هو لنا، والناس يقولون: ليس لكم، وسهم لذي القربى وهو لنا وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وأبناء السبيل يقسمه الإمام بينهم، فان أصابهم درهم درهم لكل فرقة منهم نظر الإمام بعد فجعلها في ذي القربى، قال: يردها إلينا.[68]

 

رابعاً: مستحق الخمس.

 

    قالوا: يجب في مستحق الخمس الإنتساب إلى عبد المطلب بن هاشم، وهم الآن أولاد أبي طالب، والعباس، والحارث، وأبي لهب، ولا يعطى غيرهم شيئا. وجوز آخرين كابن الجنيد والمفيد في أحد قوليه إعطاء أولاد المطلب أيضا. وأشترطوا أيضا إنتسابهم إلى عبد المطلب بن هاشم بالأب لا بالأم. وخالفهم المرتضى[69]، وإبن حمزة، والأردبيلي[70]، والبحراني، وغيرهم في هذا وقالوا: من انتسب إلى هاشم بالأمومة استحق الخمس، وحرمت عليه الزكاة. لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( هذان ولداي إمامان قاما أو قعدا ) يشير بذلك إلى الحسن والحسين عليهما السلام، وانتسابهما بالولادة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو بالأم.

 

    ولابأس من ذكر طرفاً من قول وإستدلال هؤلاء على مذهبهم:

 

    الأول الآيات القرآنية التي هو أقوى حجة وأظهر محجة الواردة في باب النكاح وباب الميراث، فإنها متفقة في صدق الولد شرعا على ولد البنت والابن وصدق الأب على الجد منهما، ولذلك ترتبت عليه الأحكام الشرعية في البابين المذكورين، والأحكام الشرعية لا تترتب إلا على المعنى الحقيقي للفظ دون المجازي المستعار الذي قد يعتبر وقد لا يعتبر.

 

    ومن هذه الآيات: قوله عز وجل: وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً [النساء: 22]. فإنه لا خلاف في أنه بهذه الآية يحرم على ابن البنت زوجة جده من الأم لكونه أبا له بمقتضى الآية، فهي تدل على أن أب الأم أب حقيقة إذ لولا ذلك لما اقتضت تحريم زوجة جده عليه، فيكون ولدا البنت ولدا حقيقة.

 

    ومن ذلك قوله عز وجل في تعداد المحرمات: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً [النساء: 23]. فإنه لا خلاف في أنه بقوله: وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ. يحرم نكاح الرجل لزوجة ابن ابنته لصدق الأبنية عليه المذكورة.

 

 

    ومنه كذلك قوله: وَبَنَاتُكُمْ. فإنه بهذه الآية حرمت بنت البنت على جدها.

 

    ومنه أيضا في تعداد من يحل نظره إلى الزينة قوله سبحانه: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 31]. فإنه بقوله عزوجل: أَوْ أَبْنَائِهِنَّ. يحل لابن البنت النظر إلى زينة جدته لأمه بل زوجة جده بقوله أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ.

 

    ومنه في الميراث في حجب الزوجين عن السهم الأعلى وحجب الأبوين عن ما زاد على السدس قوله عز وجل: ..فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ....فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ.... [النساء: 12]. وقوله عزوجل: وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ...[النساء: 11]. فإن الولد في جميع هذه المواضع شامل باطلاقه لولد البنت، والأحكام المذكورة مرتبة عليه بلا خلاف كما ترتبت على ولد الصلب بلا واسطة.

   

    ومن الظاهر البين أنه لولا صدق الاطلاق حقيقة لما جاز ترتب الأحكام الشرعية المذكورة في جملة هذه الآيات ونحوها عليه.

 

    ومن الروايات في الباب:

 

    عن أبي الجارود قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام يا أبا الجارود ما يقولون لكم في الحسن والحسين عليهما السلام  ؟ قلت ينكرون علينا أنهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال فأي شئ احتججتم عليهم ؟ قلت احتججنا عليهم بقول الله عز وجل في عيسى بن مريم عليه السلام: ..وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ [الأنعام: 84-85]. فجعل عيسى بن مريم من ذرية نوح عليه السلام. قال عليه السلام: فأي شئ قالوا لكم ؟ قلت قالوا قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب. قال: فأي شئ احتججتم عليهم ؟ قلت احتججنا عليهم بقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ..تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ.. [آل عمران: 61]قال فأي شئ قالوا ؟ قلت قالوا قد يكون في كلام العرب أبناء رجل وآخر يقول: أبناؤنا. قال فقال أبو جعفر عليه السلام يا أبا الجارود لأعطينكها من كتاب الله عز وجل أنهما من صلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يردها إلا كافر. قلت: وأين ذلك جعلت فداك ؟ قال من حيث قال الله عز وجل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ..[النساء: 23].. الآية إلى أن انتهى إلى قوله تعالى: حَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْفسلهم يا أبا الجارود هل كان يحل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نكاح حليلتيهما ؟ فإن قالوا نعم كذبوا وفجروا وإن قالوا لا فهما ابناه لصلبه ".[71] فقالوا: في الخبر كما ترى دلالة واضحة على أن اطلاق الولد في الآيات المتقدمة على ابن البنت على جهة الحقيقة وأنه ولد للصلب حقيقة وإن كان بواسطة لا فرق بينه وبين الولد للصلب الذي هو متفق عليه بينهم.

 

    وعن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام أنه قال: لو لم تحرم على الناس أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقول الله عز وجل: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً [الأحزاب: 53]. حرمن على الحسن والحسين عليهما السلام  لقوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء. ولا يصلح للرجل أن ينكح امرأة جده، والتقريب فيها ما تقدم عند ذكر الآية المشار إليها.[72]

 

    ومنها في حديث طويل عن الكاظم عليه السلام يتضمن ذكر ما جرى بينه وبين الخليفة هارون الرشيد لما أدخل عليه، وموضع الحاجة منه أنه قال له الرشيد: لم جوزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون لكم يا بني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنتم بنو على وإنما ينسب المرء إلى أبيه وفاطمة إنما هي وعاء والنبي صلى الله عليه وآله وسلم جدكم من قبل أمكم ؟ فقال يا أمير المؤمنين لو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه ؟ فقال سبحان الله ولم لا أجيبه بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك. فقال لكنه لا يخطب إلى ولا أزوجه. فقال ولم ؟ فقلت لأنه ولدني ولم يلدك. فقال أحسنت يا موسى ثم قال كيف قلتم إنا ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم والنبي لم يعقب وإنما العقب للذكر لا للأنثى وأنتم ولد لابنته ولا يكون لها عقب ؟.. ثم ساق الخبر فذكر الآيات السابقة.[73]

 

    ولو كانت البنوة في هذه المواضع إنما هي على جهة المجاز فكيف تصلح هذه الآيات للاستدلال ؟ وكيف يسلم الخصم تلك الدعوى ؟ بل كيف يعترض الرشيد وغيره عليهم بتسمية الناس لهم أبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجازا وباب المجاز واسع.

 

    ومنها عن بعض أصحابنا قال: حضرت أبا الحسن الأول عليه السلام وهارون الخليفة وعيسى بن جعفر وجعفر بن يحيى بالمدينة وقد جاءوا إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال هارون لأبي الحسن عليه السلام تقدم فأبى فتقدم هارون فسلم وقام ناحية فقال عيسى بن جعفر لأبي الحسن عليه السلام تقدم فأبى فتقدم عيسى فسلم ووقف مع هارون فقال جعفر لأبي الحسن عليه السلام تقدم فأبى فتقدم جعفر فسلم ووقف مع هارون فتقدم أبو الحسن عليه السلام وقال السلام عليك يا أبه أسأل الله الذي اصطفاك واجتباك وهداك وهدى بك أن يصلي عليك. فقال هارون لعيسى سمعت ما قال ؟ قال: نعم. فقال هارون أشهد أنه أبوه حقاً.[74] فأنظر أيدك الله إلى شهادة هارون بأبوته صلى الله عليه وآله وسلم له عليه السلام حقا وأي مجال للحمل على المجاز في ذلك ؟

 

    ومنها عن عائذ الأحمسي قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أريد أن أسأله عن صلاة الليل فقلت السلام عليك يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: وعليك السلام أي والله إنا لولده وما نحن بذوي قرابته.. الحديث.[75]

 

    أقول: أنظر إلى صراحة كلامه عليه السلام في المطلوب والمراد وقسمه على ذلك برب العباد وأنه ليس انتسابهم إليه صلى الله عليه وآله وسلم بمجرد القرابة كما يدعيه ذوو العناد والفساد ومن تبعهم من أصحابنا ممن حاد في المسألة عن طريق السداد حيث حملوا لفظ الأبنية في حقهم  عليه السلام على المجاز وهي ظاهرة بل صريحة كما ترى في إرادة البنوة الحقيقية لا مسرح للعدول عنها والجواز.

 

    ومجمل القول في هذه الأخبار ونحوها أنها قد دلت على دعواهم  عليهم السلام البنوة له صلى الله عليه وآله وسلم وافتخارهم بذلك وأن المخالفين أنكروها عليهم، وهم  عليهم السلام قد استدلوا على اثباتها بالآيات القرآنية كما مرت، ولولا أن المراد بالنبوة الحقيقية لما كان لما ذكر من هذه الأمور وجه، لأن المجاز لا يوجب الافتخار ولا يصلح أن يكون محلاً للمخاصمة والجدال وطلب الأدلة وإيراد الآيات دليلا عليه بل هذه الأشياء إنما تترتب على المعنى الحقيقي.

 

    ويقول البحراني: وممن اختار هذا القول أيضا المحدث الفاضل السيد نعمة الله الجزائري في شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم إن إبني هذا سيد، حيث قال: وفي قوله ابني هذا نص على أن ولد البنت ابن علي الحقيقة والأخبار به مستفيضة، وذكر الرضا عليه السلام في مقام المفاخرة مع المأمون أن ابنته عليه السلام تحرم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بآية حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكموإليه ذهب السيد المرتضى ( طاب ثراه ) وجماعة من أهل الحديث، وهو الأرجح والظاهر من الأخبار، فيكون من أمه علوية سيدا يجري عليه ما يكون للعلويين. وإن وجد ما يعارض الأخبار الدالة على ما ذكرناه فسبيله إما الحمل على التقية أو التأويل كما فصلنا الكلام فيه في شرحنا على التهذيب والاستبصار. وممن صرح بهذه المقالة أيضا المحدث الصالح شيخنا الشيخ عبد الله بن صالح البحراني حيث قال في جواب سؤال عن هذه المسألة فأجاب بما ملخصه: إنه قد تحقق عندي وثبت لدي بأدلة قطعية عليها المدار والمعتمد من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وكفى بهما حجة مع اعتضادهما بالدليل العقلي أن أولاد البنات أولاد لأبي البنت حقيقة لا مجازا خلافاً للأكثر من علمائنا ووفاقاً للسيد المرتضى وأتباعه وهم جماعة من المتأخرين كما حققته في شرح كتاب من لا يحضره الفقيه مبسوطا منقحا بحيث لا يختلجني فيه الرين ولا يتطرق إلى فيه المين، ولكن حيث طلبت بيان الدليل فلنشر الآن إلى شئ قليل.. ثم ذكر آية عيسى عليه السلام وأنه من ذرية نوح عليه السلام وذكر آية وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ  إلى أن قال: ويدل عليه ما رواه الكليني في الكافي في صحيح محمد بن مسلم.. ثم ساق الرواية كما قدمناه ثم قال: فقد وضح من هذا أن الجد من الأم أب حقيقة لا مجازا.. ثم ذكر آيتي يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق: 7] وقوله إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان: 2] وعضدهما بالأخبار التي أشرنا إليها آنفا، ثم أضاف إلى ذلك أنه لو اختص الولد بنطفة الرجل لم يكن العقر من جانب المرأة وإنما يكون من جانب الرجل خاصة مع أنه ليس كذلك. ثم قال: وأما السنة فالأخبار فيها أكثر من أن تحصى، ومنها ما سبق، ومنها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ما تواتر عندنا للحسنين عليهما السلام ابناي هذان إمامان قاما أو قعداوقوله للحسين عليه السلام ابني هذا إمام ابن إمام أخو إمام وبالجملة فتسميتهما عليهما السلام ابنين وكونهما وجميع أولادهما التسعة المعصومين عليهم السلام يسمونه صلى الله عليه وآله وسلم أبا وخطاب الأمة إياهم بذلك من غير أن ينكر أمر متواتر، حتى أنه قد روى الكليني في الكافي والصدوق في الفقيه باسناديهما الصحيح عن عائذ الأحمسي.. ثم ساق الرواية كما قدمنا بزيادة ثلاث مرات بعد قوله والله إنا لولده وما نحن بذوي قرابته قال: ولا وجه لتقرير السائل على ما فعله وقسمه عليه السلام بالاسم الكريم وتكرير ذلك ثلاثاً للتأكيد لأنه في مقام الانكار، ونفيه انتسابهم إليه صلى الله عليه وآله وسلم من جهة القرابة بل من جهة الولادة دليل واضح وبرهان لائح على أنهم أولاد حقيقة وليس كونهم أولاده إلا من جهة أمهم لا من أبيهم، فما ادعاه الأكثر من علمائنا - من أن تسميته صلى الله عليه وآله وسلم إياهم أولادا وتسميتهم  عليهم السلام إياه صلى الله عليه وآله وسلم أبا مجاز - لا حقيقة له بعد ذلك. وقولهم - إن الاطلاق أعم من الحقيقة والمجاز - كلام شعري لا يلتفت إليه ولا يعول عليه بعد ثبوت ذلك، ولو كان الأمر كما ذكروه لما جاز لأئمتنا عليهم السلام الرضا بذلك إذا خاطبهم من لا يعرف كون هذا الاطلاق حقيقة ولا مجازا لأن فيه اغراء بما لا يجوز، مع أنه لا يجوز لأحد أن ينتسب لغير نسبه أو يتبرأ من نسب وإن دق فكيف بعد القسم والتأكيد ودفع ما عساه أن يتوهم.

 

    وعلى هذا فقد تبين لك   الجواب وأن من كانت أمه علوية أو أم أبيه أو أم أمه أو أم أم أبيه فقط أو أم أم أمه فصاعدا وأبوه من سائر الناس أنه علوي حقيقة وفاطمي إن كان منسوبا إلى جده أو جدته أبا أو أما إلى فاطمة بغير شك، ويترتب عليه كل ما يترتب على السيادة من جواز الانتساب إليهم عليه السلام والافتخار بهم بل لا يجوز اخفاؤه والتبري منه لما عرفت، وعلى هذا فيجوز النسبة في اللباس غير ذلك.

 

    نعم عندي توقف في استحقاق الخمس لحديث رواه الكليني في الكافي وإن كان خبرا واحدا ضعيف الاسناد محتملا للتقية وأن الترجيح لعدم العمل به للأدلة الصحيحة الصريحة المتواترة الموافقة للقرآن المخالفة للعامة، إلا أن التنزه عن أخذ الخمس أولى خصوصا عند عدم الضرورة والعلم عند الله. انتهى.

 

    وقال البحراني معلقاًً: ما ذكره ( قدس سره ) جيد إلا أن توقفه أخيراً في جواز أخذ الخمس للرواية المشار إليها وهي مرسلة حماد المتقدمة لا وجه له. نعم لو كانت الرواية قد منعت من الخمس بقول مجمل من غير ذكر هذه العلة لربما أمكن احتمال ما ذكره، ولكن مع وجود العلة وظهور بطلانها بما ذكر من الأدلة يبطل ما ترتب عليها. على أن هذا الكلام خلاف العهود من طريقته في غير مقام بل طريقة جملة العلماء الأعلام، فإنه متى ترجح أحد الدليلين ولا سيما بمثل هاتين القاعدتين المنصوصتين فإنهم يرمون بالدليل المرجوح ويطرحونه كما صرحت به النصوص من أن ما خالف القرآن يضرب به عرض الحائط وما وافق العامة يرمى به وليت شعري أي حكم من الأحكام سلم من اختلاف الأخبار ؟ مع أنهم في مقام الترجيح لأحد الخبرين يفتون به ويرمون الآخر، ولا سيما ما نحن فيه لما عرفت من الأدلة الظاهرة والبراهين الباهرة كتابا وسنة المعتضدة بمخالفة العامة.

 

    وبالجملة فكلامه وتوقفه لا أعرف له وجها، وكأنه تبع في ذلك شيخه العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني فإنه كان يرجح مذهب السيد المرتضى في هذه المسألة ولكن يمنع المنتسب بالأم من الخمس والزكاة احتياطا، والظاهر أنه جرى على ما جرى عليه. وظاهر صاحب المدارك أيضا التوقف في أصل المسألة وكذا ظاهر المولى الفاضل الخراساني في الذخيرة، ولعمري إن من سرح بريد نظره في ما ذكرناه وأرسل رائد فكره في ما سطرناه لا يخفى عليه صحة ما اخترناه ولا رجحان ما رجحناه وأن خلاف من خالف في هذه المسألة أو توقف من توقف إنما نشأ عن عدم اعطاء التأمل حقه في أدلة المسألة والتدبر فيها، ولم أقف على من أحاط بما ذكرناه من الأدلة والأخبار الواردة في هذا المضمار. وبالجملة فالحكم عندي فيها أوضح واضح والصبح فاضح.[76]

 

والكلام في الباب يطول.

 

خامساً: حكم الخمس في زمن الغيبة.

 

     كل ما مر بك فهو في حال ظهور الإمام. فأما الآن وفي حال غيبة الثاني عشر، فقد أضطربت أقوال علماء الشيعة إضطراباً كبيراً لا يكاد يضبط. ولعل أول وأفضل من تطرق إلى هذه المسألة بإسهاب هو العلامة يوسف البحراني حيث قال أن هذه المسألة من أمهات المسائل ومعضلات المشاكل وقد اضطربت فيها أفهام الأعلام وزلت فيها أقدام الأقلام ودحضت فيها حجج أقوام واتسعت فيها دائرة النقض والابرام، والسبب في ذلك كله اختلاف الأخبار وتصادم الآثار الواردة عن السادة الأطهار. ثم بسط القول في المسألة قائلاً: المسألة يقتضي بسطه في مقامات ثلاثة:

 

المقام الأول - في نقل الأخبار المتعلقة بالمسألة وهي على أربعة أقسام:

 

القسم الأول: ما يدل على وجوب اخراج الخمس مطلقا في غيبة الإمام عليه السلام أو حضوره من أي نوع كان من أنواع الخمس.

 

    ومن الأدلة على ذلك الآية الشريفة وهي قوله عز وجل: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى...الآية وقد عرفت من ما قدمناه في أول الكتاب دلالة جملة من الأخبار على أن المراد بالغنيمة في الآية ما هو أعم من غنيمة دار الحرب، وبه صرح أصحابنا رضوان الله عليهم إلا الشاذ.[77]

 

    ومنها...فذكر أكثر الروايات التي مرت بك.

 

القسم الثاني: في ما يدل على الوجوب والتشديد في اخراجه وعدم الإباحة.

 

    وهذا القسم وإن اشترك مع القسم الأول في الدلالة على وجوب الاخراج إلا أنه ينفرد عنه بالدلالة على تأكد الوجوب وعدم القبول للتقييد بأخبار الإباحة الآتية إن شاء الله تعالى في القسم الثالث.

 

    ومن ذلك ما صرح به الرضا عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي حيث قال: عليه السلام: إعلم يرحمك الله أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

 

    وأروى عن العالم عليه السلام أنه قال: ركز جبرئيل عليه السلام برجله حتى جرت خمسة أنهار ولسان الماء يتبعه: الفرات ودجلة والنيل ونهر مهران ونهر بلخ فما سقت وسقي منها فللإمام عليه السلام والبحر المطيف بالدنيا. وروي أن الله عز وجل جعل مهر فاطمة  عليه السلام خمس الدنيا فما كان لها صار لولدها  عليهم السلام. وقيل للعالم عليه السلام ما أيسر ما يدخل به العبد النار ؟ قال إن يأكل من مال اليتيم درهما ونحن اليتيم. وقال جل وعلا: " وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى.. إلى آخر الآية فتطول علينا بذلك امتنانا منه ورحمة إذ كان المالك للنفوس والأموال وسائر الأشياء الملك الحقيقي وكان ما في أيدي الناس عواري وأنهم مالكون مجازا لا حقيقة له. وكل ما أفاده الناس فهو غنيمة لا فرق بين الكنوز والمعادن والغوص ومال الفئ الذي لم يختلف فيه وهو ما ادعى فيه الرخصة وهو ربح التجارة وغلة الضيعة وسائر الفوائد من المكاسب والصناعات والمواريث وغيرها، لأن الجميع غنيمة وفائدة ومن رزق الله عز وجل، فإنه روي أن الخمس على الخياط من أبرته والصانع من صناعته، فعلى كل من غنم من هذه الوجوه مالا فعليه الخمس فإن أخرجه فقد أدى حق الله عليه وتعرض للمزيد وحل له الباقي من ماله وطاب وكان الله أقدر على إنجاز ما وعده العباد من المزيد والتطهير من البخل على أن يغني نفسه من ما في يديه من الحرام الذي بخل فيه بل قد خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، فاتقوا الله وأخرجوا حق الله من ما في أيديكم يبارك الله لكم في باقيه ويزكو فإن الله عز وجل الغني ونحن الفقراء وقد قال اللهلن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم فلا تدعو التقرب إلى الله عز وجل بالقليل والكثير على حسب الامكان وبادروا بذلك الحوادث واحذروا عواقب التسويف فيها فإنما هلك من الأمم السالفة بذلك وبالله الاعتصام. انتهى كلامه عليه السلام.

 

    ومنها عن محمد بن زيد الطبري قال: كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا عليه السلام يسأله الإذن في الخمس فكتب عليه السلام بسم الله الرحمان الرحيم إن الله واسع كريم ضمن على العمل الثواب وعلى الخلاف العقاب لا يحل مال إلا من وجه أحله الله، إن الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالاتنا وعلى موالينا وما نبذل ونشتري من أعراضنا ممن نخاف سطوته، فلا تزووه عنا ولا تحرموا أنفسكم دعاءنا ما قدرتم عليه فإن اخراجه مفتاح رزقكم وتمحيص ذنوبكم وما تمهدون لأنفسكم ليوم فاقتكم.. الحديث.

 

    ومنها أن قوم من خراسان قدموا على أبي الحسن الرضا عليه السلام فسألوه أن يجعلهم في حل من الخمس فقال ما أمحل هذا تمحضونا المودة بألسنتكم وتزوون عنا حقا جعله الله لنا وجعلنا له وهو الخمس لا نجعل أحدا منكم في حل.

 

    ومنها ما ورد على العمري في جواب مسائل محمد بن جعفر الأسديوأما ما سألت عنه من أمر من يستحل ما في يده من أموالنا ويتصرف فيه تصرفه في ماله من غير أمرنا فمن فعل ذلك فهو ملعون ونحن خصماؤه، فقد قال النبي صلى الله وعليه وآله المستحل من عترتي ما حرم الله ملعون على لساني ولسان كل نبي مجاب، فمن ظلمنا كان من جملة الظالمين لنا وكانت لعنة الله عليه لقول الله عز وجل: ألا لعنة الله على الظالمين ".

 

    وعن إبراهيم بن هاشم قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل وكان يتولى له الوقف بقم فقال يا سيدي اجعلني من عشرة آلاف درهم في حل فإني أنفقتها. فقال له أنت في حل. فلما خرج صالح قال أبو جعفر  عليه السلام أحدهم يثب على أموال آل محمد صلى الله وعليه وآله وأيتامهم ومساكينهم وفقرائهم وأبناء سبيلهم فيأخذها ثم يجئ فيقول اجعلني في حل، أتراه ظن إني أقول لا أفعل، والله ليسألنهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالا حثيثا.

 

    وعن أبي بصيرقال: قلت لأبي جعفر  عليه السلام ما أيسر ما يدخل به العبد النار ؟ قال من أكل من مال اليتيم درهما ونحن اليتيم.

 

    وعن عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله  عليه السلام أنه قالإني لآخذ من أحدكم الدرهم وأني لمن أكثر أهل المدنية مالا ما أريد بذلك إلا أن تطهروا.

 

    وعن أبي بصير عن أبي جعفر  عليه السلام قال: سمعته يقول من اشترى شيئا من الخمس لم يعذره الله، اشترى ما لا يحل له.

 

    وعن أبي بصير أيضاً عن أبي جعفر عليه السلام في حديث  قال: لا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا.

 

    وعن علي بن مهزيار قال: كتب إليه أبو جعفر  عليه السلام وقرأت أنا كتابه إليه في طريق مكة..وقد تقدمت الرواية بتمامها. وموضع الاستدلال منها قوله عليه السلام الذي أوجبت في سنتي هذه.. إلى أن قال: إن موالي أسأل الله صلاحهم أو بعضهم قصروا في ما يجب عليهم فعلمت ذلك فأحببت أن أطهرهم وأزكيهم بما فعلت في عامي هذا من أمر الخمس.. ثم أورد الآيات المتقدمة.. إلى أن قال: فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام.. إلى أن قال: فمن كان عنده شئ من ذلك فليوصل إلى وكيلي ومن كان نائيا بعيد الشقة فليعمد لايصاله ولو بعد حين فإن نية المؤمن خير من عمله.

 

القسم الثالث: في ما يدل على التحليل والإباحة مطلقا.

 

 وهي أخبار مستفيضة متكاثرة:

 

    منها عن حكيم مؤذن بني عبس قال: سألت أبا عبد الله  عليه السلام عن قول الله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ؟ فقال  عليه السلام: هي والله الإفادة يوما بيوم إلا أن أبي جعل شيعتنا من ذلك في حل ليزكوا.

 

    وعن الحارث النصري عن أبي عبد الله  عليه السلام قال: قلت له إن لنا أموالا من غلات وتجارات ونحو ذلك وقد علمت أن لك فيها حقا ؟ قال فلم أحللنا إذا لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم، وكل من والى آبائي فهو في حل من ما في أيديهم من حقنا فليبلغ الشاهد الغائب.

 

    وعن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبد الله  عليه السلام فدخل عليه رجل من القماطين فقال جعلت فداك يقع في أيدينا الأرباح والأموال وتجارات نعرف أن حقك فيها ثابت وإنا عن ذلك مقصرون ؟ فقال أبو عبد الله  عليه السلام ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليوم "

 

    وعن أبي بصير وزرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر  عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين  عليه السلام هلك الناس في بطونهم وفروجهم لأنهم لم يؤدوا إلينا حقنا، ألا وإن شيعتنا من ذلك وآباءهم في حل. ورواه الصدوق في كتاب العلل وفيه وأبناءهم عوض وآباءهم ولعله الأصح.

 

    وعن علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لأبي جعفر  عليه السلام من رجل يسأله أن يجعله في حل من مأكله ومشربه من الخمس فكتب بخطه: من أعوزه شئ من حقي فهو في حل. وظاهره أخص من ما ذكر من هذه الأخبار.

 

    وعن الثمالي قال: سمعته يقول: من أحللنا له شيئا أصابه من أعمال الظالمين فهو له حلال وما حرمناه من ذلك فهو حراموظاهره أعم من الخمس ولكنه أخص بالنسبة إلى الخمس من المدعى لاختصاص التحليل بمن حللوه لا مطلقا.

 

    وعن زرارة عن أبي جعفر  عليه السلام قال: إن أمير المؤمنين  عليه السلام حللهم من الخمس - يعني الشيعة - لتطيب مواليدهم ".

 

    وعن سالم بن مكرم عن أبي عبد الله  عليه السلام قال: قال رجل وأنا حاضر: حلل لي الفروج ففزع أبو عبد الله عليه السلام فقال له رجل ليس يسألك أن يعترض الطريق إنما يسألك خادما يشتريها أو امرأة يتزوجها أو ميراثا يصيبه أو تجارة وشيئا أعطيه. فقال هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم والغائب، والميت منهم والحي، وما يولد منهم إلى يوم القيامة، فهو لهم حلال، أما والله لا يحل إلا لمن أحللنا له، ولا والله ما أعطينا أحدا ذمة وما عندنا لأحد عهد ولا لأحد عندنا ميثاق.

 

    وعن محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام قال: إن أشد ما فيه الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول يا رب خمسي. وقد طيبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم وليزكوا أولادهم.

 

    وعن عمر بن أذينة قال: رأيت أبا سيار مسمع بن عبد الملك بالمدينة وقد كان حمل إلى أبي عبد الله عليه السلام مالا في تلك السنة فرده عليه فقلت له لم رد عليك أبو عبد الله عليه السلام المال الذي حملته إليه ؟ فقال إني قلت له حين حملت إليه المال إني كنت وليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم وكرهت أن أحبسها عنك أو أعرض لها وهي حقك الذي جعله الله لك في أموالنا ؟ فقال وما لنا من الأرض وما أخرج الله منها إلا الخمس ؟ يا أبا سيار الأرض كلها لنا فما أخرج الله منها من شئ فهو لنا. قال قلت له أنا أحمل إليك المال كله. فقال لي يا أبا سيار قد طيبناه لك وأحللناك منه فضم إليك مالك وكل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون ويحل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا.. الحديث وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى في القسم الرابع.

 

    وعن الحارث بن المغيرة النصري قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فجلست عنده فإذا نجية قد استأذن عليه فأذن له فدخل فجثى على ركبتيه ثم قال جعلت فداك أريد أن أسألك عن مسألة والله ما أريد بها إلا فكاك رقبتي من النار. فكأنه رق له فاستوى جالسا فقال يا نجية سلني فلا تسألني اليوم عن شئ إلا أخبرتك به. قال جعلت فداك ما تقول في فلان وفلان ؟ قال يا نجية إن لنا الخمس في كتاب الله ولنا الأنفال ولنا صفو المال وهما والله أول من ظلمنا حقنا في كتاب الله وأول من حمل الناس على رقابنا،، ودماؤنا في أعناقهما إلى يوم القيامة، وإن الناس ليتقلبون في حرام إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت. فقال نجية إنا لله وإنا إليه راجعونثلاث مراتهلكنا ورب الكعبة. قال فرفع فخذه عن الوسادة فاستقبل القبلة فدعا بدعاء لم أفهم منه شيئا إلا أنا سمعناه في آخر دعائه وهو يقول: اللهم إنا قد أحللنا ذلك لشيعتنا.

 

    وعن محمد بن عصام الكليني قال: حدثنا محمد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد ابن عثمان العمري أن يوصل إلى كتابا قد سألت فيه مسائل أشكلت على فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلامأما ما سألت عنه.. إلى أن قال: وأما المتلبسون بأموالنا فمن استحل منها شيئا فأكله فإنما يأكل النيران، وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا وقد جعلوا منه في حل إلى وقت ظهورنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث.

 

    وعن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال: إن الله جعل لنا أهل البيت سهاما ثلاثة في جميع الفئ.. إلى أن قال: فنحن أصحاب الخمس والفئ وقد حرمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا.. الحديث.

 

    وعن ضريس الكناسي قال: قال أبو عبد الله  عليه السلام أتدري من أين دخل على الناس الزنى ؟ فقلت لا أدري. فقال من قبل خمسنا أهل البيت إلا لشيعتنا الأطيبين فإنه محلل لهم ولميلادهم.

 

    وعن عبد العزيز بن نافع قال: طلبنا الإذن على أبي عبد الله  عليه السلام وأرسلنا إليه فأرسل إلينا أدخلوا اثنين اثنين فدخلت أنا ورجل معي، فقلت للرجل أحب أن تستأذنه بالمسألة فقال نعم فقال له جعلت فداك إن أبي كان ممن سباه بنو أمية وقد علمت أن بني أمية لم يكن لهم أن يحرموا ولا يحللوا ولم يكن لهم من ما في أيديهم قليل ولا كثير وإنما ذلك لكم فإذا ذكرت الذي كنت فيه دخلني من ذلك ما يكاد يفسد على عقلي ما أنا فيه ؟ فقال له أنت في حل من ما كان من ذلك وكل من كان في مثل حالك من ورائي فهو في حل من ذلك. قال فقمنا وخرجنا فسبقنا معتب إلى النفر القعود الذين ينتظرون إذن أبي عبد الله  عليه السلام فقال لهم عبد العزيز بن نافع بشئ ما ظفر بمثله أحد قط. فقيل له وما ذاك ؟ ففسره لهم فقام اثنان فدخلا على أبي عبد الله  عليه السلام فقال أحدهما جعلت فداك إن أبي كان من سبايا بني أمية وقد علمت أن بني أمية لم يكن لهم من ذلك قليل ولا كثير وأنا أحب أن تجعلني من ذلك في حل فقال وذلك إلينا ؟ ما ذلك إلينا ما لنا أن نحل ولا أن نحرم. فحرج الرجلان وغضب أبو عبد الله  عليه السلام فلم يدخل عليه أحد في تلك الليلة إلا بدأه أبو عبد الله  عليه السلام فقال ألا تعجبون من فلان يجيني فيستحلني من ما صنعت بنو أمية كأنه يرى أن ذلك إلينا. ولم ينتفع أحد في تلك الليلة بقليل ولا كثير إلا الأولين فإنهما عنيا بحاجتهما.

 

    وعن داود الرقي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: الناس كلهم يعيشون في فضل مظلمتنا إلا أنا أحللنا شيعتنا من ذلك.

 

    وعن علباء الأسدي قال: وليت البحرين فأصبت بها مالا كثيرا فأنفقت واشتريت ضياعا كثيرة واشتريت رقيقا وأمهات أولاد وولد لي ثم خرجت إلى مكة فحملت عيالي وأمهات أولادي ونسائي وحملت خمس ذلك المال فدخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت له إني وليت البحرين فأصبت بها مالا كثيرا واشتريت متاعا واشتريت رقيقا واشتريت أمهات أولاد وولد لي وأنفقت وهذا خمس ذلك المال وهؤلاء أمهات أولادي ونسائي قد أتيتك به. فقال أما إنه كله لنا وقد قبلت ما جئت حللتك من أمهات أولادك ونسائك وما أنفقت وضمنت لك علي وعلى أبي الجنة.

 

    وعن الفضيل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام قال أمير المؤمنين عليه السلام لفاطمة عليها السلام أحلى نصيبك من الفئ لآباء شيعتنا ليطيبوا. ثم قال أبو عبد الله عليه السلام إنا أحللنا أمهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا. وما رواه فيه أيضا عن معاذ بن كثير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: موسع على شيعتنا أن ينفقوا من ما في أيديهم بالمعروف فإذا قام قائمنا حرم على كل ذي كنز كنزه حتى يأتوه به يستعين به، ورواه في الكافي بزيادة يستعين به على عدوه "

 

    وما رواه الإمام العسكري عليه السلام في تفسيره عن آبائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لرسول الله صلى الله وعليه وآله قد علمت يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سيكون بعدك ملك عضوض وجبر فيستولي على خمسي من السبي والغنائم ويبيعونه ولا يحل لمشتريه لأن نصيبي فيه، وقد وهبت نصيبي منه لكل من ملك شيئا من ذلك من شيعتي لتحل لهم منافعهم من مأكل ومشرب ولتطيب مواليدهم ولا يكون أولادهم أولاد حرام. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما تصدق أحد أفضل من صدقتك، وقد تبعك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فعلك أحل للشيعة كل ما كان فيه من غنيمة أو بيع من نصيبه على واحد من شيعتي ولا أحلها أنا ولا أنت لغيرهم.

 

القسم الرابع: في ما دل على أن الأرض وما خرج منها كله للإمام عليه السلام.

 

    ومنها ما رواه في الكافي عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلق الله آدم وأقطعه الدنيا قطيعة فما كان لآدم فلرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو للأئمة  عليهم السلام  من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

        وعن يونس بن ظبيان أو المعلي بن خنيس قال: قلت لأبي عبد الله  عليه السلام ما لكم من هذه الأرض ؟ فتبسم ثم قال إن الله تعالى بعث جبرئيل وأمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار في الأرض: منها سيحان وجيحان وهو نهر بلخ والخشوع وهو نهر الشاش ومهران وهو نهر الهند ونيل مصر ودجلة والفرات، فما سقت أو استقت فهو لنا وما كان لنا فهو لشيعتنا وليس لعدونا منه شئ إلا ما غصب عليه، وإن ولينا لفي أوسع في ما بين ذه إلى ذه يعني ما بين السماء والأرض. ثم تلا هذه الآية: قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف: 32] بلا غصب.

 

    وعن أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر  عليه السلام قال: وجدنا في كتاب علي  عليه السلام أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض ونحن المتقون والأرض كلها لنا، فمن أحيى أرضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي وله ما أكل منها، فإن تركها أو أخر بها وأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها يؤدي خراجها إلى الإمام من أهل بيتي وله ما أكل منها حتى يظهر القائم  عليه السلام من أهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها كما حواها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنعها إلا ما كان في أيدي شيعتنا فإنه يقاطعهم على ما في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم.

 

    وعن مسمع بن عبد الملك في حديث قال فيه إن الأرض كلها لنا فما أخرج الله منها من شئ فهو لنا. إلى أن قال فيه زيادة على ما تقدم: حتى يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم، وأما ما كان في أيدي غيرهم فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخد الأرض من أيديهم ويخرجهم عنها صغرة قال في الكافي قال عمر بن يزيد: فقال لي أبو سيار ما أرى أحدا من أصحاب الضياع ولا ممن يلي الأعمال يأكل حلالا غيري إلا من طيبوا له ذلك.

 

    وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن جبرئيل عليه السلام كرى برجله خمسة أنهار ولسان الماء يتبعه: الفرات ودجلة ونيل مصر ومهران ونهر بلخ، فما سقت أو سقي منها فللإمام، والبحر المطيف بالدنيا وزاد في الفقيه وهو افسيكون.

 

    وعن محمد بن الريان قال: كتبت إلى العسكري عليه السلام جعلت فداك روي لنا أن ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الدنيا إلا خمس ؟ فجاء   الجواب أن الدنيا وما عليها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

 

    وعن من رواه قال: الدنيا وما فيها لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولنا، فمن غلب على شئ منها فليتق الله وليؤد حق الله وليبر إخوانه فإن لم يفعل ذلك فالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن برآء منه.

 

    وعن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له أما على الإمام زكاة ؟ فقال أحلت يا أبا محمد أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء جائز له ذلك من الله، إن الإمام يا أبا محمد لا يبيت ليلة أبدا ولله في عنقه حق يسأله عنه.

 

    وعن علي عن السندي بن الربيع قال: لم يكن ابن أبي عمير يعدل بهشام بن الحكم شيئا وكان لا يغب اتيانه ثم انقطع عنه وخالفه، وكان سبب ذلك أن أبا مالك الحضرمي كان أحد رجال هشام وقع بينه وبين ابن أبي عمير ملاحاة في شئ من الإمامة: قال بن أبي عمير: الدنيا كلها للإمام على جهة الملك وأنه أولى بها من الذين هي في أيديهم. وقال أبو مالك ليس كذلك أملاك الناس لهم إلا ما حكم الله به للإمام من الفئ والخمس والمغنم فذلك له، وذلك أيضا قد بين الله للإمام أين يضعه وكيف يصنع به. فتراضيا بهشام بن الحكم وصارا إليه فحكم هشام لأبي مالك على ابن أبي عمير فغضب ابن أبي عمير وهجر هشاما بعد ذلك.

 

    قال في الوافي بعد نقل الخبر: لعل هشاماًَ استعمل التقية في هذه الفتوى. والظاهر أنه كذلك لما عرفت من الأخبار المذكورة لأن عدم اطلاع هشام عليها بعيد جدا فالحمل على ما ذكره جيد، ومنها ما تقدم في أول أخبار القسم الثاني من كتاب الفقه الرضوي ويؤيد ذلك أيضا ما تقدم من حديث أبي خالد الكابلي عنه عليه السلام قال: إن رأيت صاحب هذا الأمر يعطي كل ما في بيت المال رجلا واحدا فلا يدخلن في قلبك شئ فإنه إنما يعمل بأمر الله.

 

المقام الثاني: في بيان المذاهب في هذه المسألة واختلاف الأصحاب فيها على أقوال متشعبة:

 

     أحدها - عزله والوصية به من ثقة إلى آخر إلى وقت ظهوره عليه السلام وإلى هذا القول ذهب شيخنا المفيد في المقنعة حيث قال: قد اختلف أصحابنا في حديث الخمس عند الغيبة وذهب كل فريق منهم فيه إلى مقال: فمنهم من يسقط فرض اخراجه لغيبة الإمام بما تقدم من الرخص فيه من الأخبار، وبعضهم يذهب إلى كنزه ويتأول خبرا ورد أن الأرض تظهر كنوزها عند ظهور الإمام وأنه عليه السلام إذا قام دله الله على الكنوز فيأخذها من كل مكان وبعضهم يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة على طريق الاستحباب، وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر فإن خشي ادراك الموت قبل ظهوره وصى به إلى من يثق به في عقله وديانته حتى يسلم إلى الإمام عليه السلام ثم إن أدرك قيامه وإلا وصى به إلى من يقوم مقامه في الثقة والديانة، ثم على هذا الشرط إلى أن يظهر إمام الزمان عليه السلام قال: وهذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدمه، لأن الخمس حق وجب لصاحبه لم يرسم فيه قبل غيبته حتى يجب الانتهاء إليه فوجب حفظه عليه إلى وقت إيابه والتمكن من إيصاله إليه أو وجود من انتقل بالحق إليه، ويجري ذلك مجرى الزكاة التي يعدم عند حلولها مستحقها فلا يجب عند عدم ذلك سقوطها ولا يحل التصرف فيها على حسب التصرف في الأملاك ويجب حفظها بالنفس أو الوصية إلى من يقوم بايصالها إلى مستحقها من أهل الزكاة من الأصناف، وإن ذهب ذاهب إلى ما ذكرناه في شطر الخمس الذي هو خالص للإمام عليه السلام وجعل الشطر الآخر لأيتام آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأبناء سبيلهم ومساكينهم على ما جاء في القرآن لم يبعد إصابته الحق في ذلك بل كان على صواب.

 

    وإنما اختلف أصحابنا في هذا الباب لعدم ما يلجأ إليه من صريح الألفاظ، وإنما عدم ذلك لموضع  تغليظ المحنة مع إقامة الدليل بمقتضى العقل في الأمر من لزوم الأصول في حظر التصرف في غير المملوك إلا بإذن المالك وحفظ الودائع لأهلها ورد الحقوق. انتهى

 

    وإنما أطلنا بنقله بطوله لدلالته ( أولا ) على أن الخلاف في هذه المسألة متقدم بين متقدمي الأصحاب، و ( ثانيا ) لاشتماله على سبب في الاختلاف والعلة في ما اختاره وذهب إليه ( رضوان الله عليه ).

 

    الثاني - القول بسقوطه كما نقله شيخنا المتقدم في صدر عبارته، وهو مذهب سلار على ما نقله عنه في المختلف وغيره، قال بعد أن ذكر المنع من التصرف فيه زمن الحضور إلا بإذنه عليه السلام: وفي هذا الزمان قد حللونا بالتصرف فيه كرما وفضلا لنا خاصة. واختار هذا القول الفاضل المولى محمد باقر الخراساني في الذخيرة وشيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني، وسيجئ نقل كلاميها ومستندهم فيه أخبار التحليل المتقدمة وسيجئ الكلام معهما فيه إن شاء الله تعالى، وهذا القول مشهور الآن بين جملة من المعاصرين.

 

    الثالث - القول بدفنه كما تقدم في عبارة شيخنا المفيد. كذا نقله الشيخ في النهاية استنادا إلى الخبر المذكور في كلاميهما.

 

    الرابع - دفع النصف إلى الأصناف الثلاثة وأما حقه عليه السلام فيودع كما تقدم من ثقة إلى ثقة إلى أن يصل إليه عليه السلام وقت ظهوره أو يدفن. وهو مذهب الشيخ في النهاية، حيث قال ( قدس سره ): وما يستحقونه من الأخماس في الكنوز وغيرها في حال الغيبة فقد اختلف قول أصحابنا فيه وليس فيه نص معين إلا أن كل واحد منهم قال قولا يقتضيه الاحتياط، فقال بعضهم إنه جار في حال الاستتار مجرى ما أبيح لنا من المناكح والمتاجر، وقال قوم إنه يجب حفظه ما دام الانسان حيا فإذا حضرته الوفاة وصى به إلى من يثق به من إخوانه ليسلمه إلى صاحب الأمر عليه السلام إذا ظهر ويوصي به حسبما وصى به إليه إلى أن يصل إلى صاحب الأمر وقال قوم يجب دفنه لأن الأرض تخرج كنوزها عند قيام الإمام  عليه السلام.

 

    وقال قوم يجب أن يقسم الخمس ستة أقسام فثلاثة للإمام  عليه السلام تدفن أو تودع من يوثق بأمانته والثلاثة الأخر تفرق على مستحقيه من أيتام آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومساكينهم وأبناء سبيلهم. وهذا من ما ينبغي أن يكون العمل عليه لأن هذه الثلاثة الأقسام مستحقها ظاهر وإن كان المتولي لتفريق ذلك فيهم غير ظاهر، كما أن مستحق الزكاة ظاهر وإن كان المتولي لقبضها وتفريقها ليس بظاهر، ولا أحد يقول في الزكاة أنه لا يجوز تسليمها إلى مستحقها. ولو أن انسانا استعمل الاحتياط وعمل على الأقوال المتقدم ذكرها من الدفن أو الوصاية لم يكن مأثوما، فأما التصرف فيه على ما تضمنه القول الأول فهو ضد الاحتياط والأولى اجتنابه حسبما قدمناه. انتهى. ويفهم من فحوى كلامه تجويز القول الأول على كراهة.

 

    وبمثل هذا الكلام صرح في المبسوط إلا أنه منع من الوجه الأول وقال لا يجوز العمل عليه، وقال في الوجه الأخير: وعلى هذا يجب أن يكون العمل وإن عمل عامل على واحد من القسمين الأولين من الدفن أو الوصاية لم يكن به بأس. انتهى.

 

    ومبنى كلامه وكذا كلام شيخنا المفيد على أن المسألة المذكورة وما يجب العمل به فيها زمن الغيبة غير منصوص والاحتمالات فيها متعددة فيؤخذ بكل ما كان أقرب إلى الاحتياط من تلك الاحتمالات. وستعرف إن شاء الله تعالى ما فيه، وقد تقدم في كلام الشيخ المفيد تصويب ما اختاره الشيخ هنا.

 

    الخامس - كسابقه بالنسبة إلى حصة الأصناف وصرفها عليهم وأما حقه  عليه السلام فيجب حفظه إلى أن يوصل إليه، وهو مذهب أبي الصلاح وابن البراج وابن إدريس واستحسنه العلامة في المنتهى واختاره في المختلف. وشدد أبو الصلاح في المنع من التصرف في ذلك فقال: فإن أخل المكلف بما يجب عليه من الخمس وحق الأنفال كان عاصيا لله سبحانه ومستحقا لعاجل اللعن المتوجه من كل مسلم إلى ظالمي آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآجل العقاب لكونه مخلا بالواجب عليه لأفضل مستحق، ولا رخصة في ذلك بما ورد من الحديث فيها لأن فرض الخمس والأنفال ثابت بنص القرآن والاجماع من الأمة وإن اختلف في من يستحقه، ولاجماع آل محمد صلى الله عليه آله على ثبوته وكيفية استحقاقه وحمله إليهم وقبضهم إياه ومدح مؤديه وذم المخل به، ولا يجوز الرجوع عن هذا المعلوم بشاذ الأخبار. انتهى.

 

    وقال العلامة في المختلف - بعد نقل القول بالإباحة عن سلار وايراد جملة من الأخبار الدالة على ذلك في زمن الحضور فضلا عن زمن الغيبة ما صورته: واعلم أن هذا القول بعيد من الصواب لضعف الأدلة المقاومة لنص القرآن، والاجماع على تحريم التصرف في مال الغير بغير إذنه. والقول بالدفن أيضا بعيد. والقول بايصائه بالجميع إلى من يوثق به عند إدراك المنية لا يخلو من ضعف لما فيه من منع الهاشميين من نصيبهم مع شدة حاجتهم وكثرة فاقتهم وعدم ما يتعوضون به من الخمس. والأقرب في ذلك قسمة الخمس نصفين فالمختص باليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم يفرق عليهم على حسب حاجتهم والمختص بالإمام عليه السلام يحفظ إلى أن يظهر عليه السلام فيسلم إليه إما بادراكه أو بالايصاء من ثقة إلى ثقة إلى أن يصل إليه عليه السلام وهل يجوز قسمته في المحاويج من الذرية كما ذهب إليه جملة من علمائنا ؟

 

    الأقرب ذلك لما ثبت بما تقدم من الأحاديث إباحة البعض للشيعة حال حضورهم فإنه يقتضي أولوية إباحة أنسابهم  عليهم السلام  مع الحاجة حال غيبة الإمام، ولاستغنائه عليه السلام واحتياجهم، ولما سبق من أن حصتهم لو قصرت عن حاجتهم لكان على الإمام عليه السلام الاتمام من نصيبه حال حضوره فإن وجوب هذا حال ظهوره يقتضي وجوبه حال  غيبته عليه السلام فإن الواجب من الحقوق لا يسقط بغيبة من عليه الحق خصوصا إذا كان لله تعالى. انتهى.

 

    السادس - ما تقدم أيضا بالنسبة إلى حصة الأصناف وأما حصته عليه السلام فتقسم على الذرية الهاشمية، وقد استقربه في المختلف كما تقدم في عبارته ونقله عن جماعة من علمائنا، وهو اختيار المحقق في الشرائع والشيخ على في حاشيته على الكتاب وهو المشهور بين المتأخرين كما نقله شيخنا الشهيد الثاني في الروضة، ونقل عن شيخنا الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني أنه اختاره أيضا، ووجهه معلوم من ما سبق في كلام المختلف، وعلله المحقق في الشرائع بالتعليل الأخير في كلام المختلف ومرجع هذا القول إلى قسمة الجميع في الأصناف إلا أنهم قد خصوا تولى قسمة حصة الإمام عليه السلام بالفقيه النائب عنه عليه السلام كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

 

     السابع - صرف النصف إلى الأصناف الثلاثة أيضا وأما حصته عليه السلام فيجب ايصالها مع الامكان وإلا فتصرف إلى الأصناف ومع تعذر الإيصال وعدم حاجة الأصناف تباح للشيعة، وهو اختيار المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في الوسائل.

 

    الثامن - ما تقدم من صرف حصة الأصناف عليهم وأما حصته عليه السلام فيسقط اخراجها لإباحتهم  عليهم السلام  ذلك للشيعة. وهو ظاهر السيد السند في المدارك حيث قال: والأصح إباحة ما يتعلق بالإمام عليه السلام من ذلك للأخبار الكثيرة الدالة عليه.. ثم ساق بعضا من الأخبار التي في التحليل.. إلى أن قال: وكيف كان فالمستفاد من الأخبار إباحة حقوقهم  عليهم السلام  من جميع ذلك. والله تعالى أعلم. انتهى. وهو مذهب المحدث الكاشاني في المفاتيح. والعجب من شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني في كتاب منية الممارسين أنه نقل أن مذهبه وكذا مذهب الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي صرف الجميع على الأصناف الثلاثة، وتعجب منهما في خروجهما عن أخبار التحليل واطراحها رأسا مع أنهما من الأخباريين، ولا ريب أن مذهب الشيخ الحر يرجع بالآخرة إلى ما ذكره كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى، وأما مذهب المحدث الكاشاني فهو ما ذكرناه لا ما توهمه ( قدس سره ) نعم جعل ما ذكره طريق الاحتياط.

 

    قال في كتاب المفاتيح بعد الإشارة إلى جملة من أقوال المسألة: أقول والأصح عندي سقوط ما يختص به عليه السلام لتحليلهم  عليهم السلام  ذلك لشيعتهم ووجوب صرف حصص الباقين إلى أهلها لعدم مانع منه. ثم قال: ولو صرف الكل إليهم لكان أحوط وأحسن. انتهى.

 

    ومثله كلامه في الوافي أيضا حيث قال بعد ذكر الكلام في زمن الحضور: وأما في مثل هذا الزمان حيث لا يمكن الوصول إليهم  عليهم السلام  فيسقط حقهم رأسا دون السهام الباقية لوجود مستحقيها، ومن صرف الكل حينئذ إلى الأصناف الثلاثة فقد أحسن واحتاط. والعلم عند الله. انتهى. وهذا القول عندي هو الأقرب على تفصيل فيه كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى

 

    التاسع - كسابقه إلا أنه خص صرف حصته عليه السلام بمواليه العارفين وهو منقول عن ابن حمزة، قال: والصحيح عندي أنه يقسم نصيبه على مواليه العارفين بحقه من أهل الفقر والصلاح والسداد. انتهى.

 

    العاشر - تخصيص التحليل بخمس الأرباح فإنه للإمام عليه السلام دون سائر الأصناف وأما سائر ما فيه الخمس فهو مشترك بينهم  عليهم السلام  وبين الأصناف، وهو اختيار المحقق الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني في كتاب منتقى الجمان حيث قال في ذيل صحيحة الحارث النصري المتقدمة ما هذا لفظه: لا يخفى قوة دلالة هذا الحديث على تحليل حق الإمام عليه السلام في خصوص النوع المعروف في كلام الأصحاب بالأرباح، فإذا أضفته إلى الأخبار السابقة الدالة بمعونة ما حققناه على اختصاصه عليه السلام بخمسها عرفت وجه مصير بعض قدمائنا إلى عدم وجوب اخراجه بخصوصه في حال الغيبة وتحققت أن استضعاف المتأخرين له ناشئ من قلة الفحص عن الأخبار ومعانيها والقناعة بميسور النظر فيها. انتهى. وأشار بقوله بمعونة ما حققناه إلى ما ذكره في   الجواب عن الاشكالات الواردة في صحيحة علي بن مهزيار كما قدمنا نقله عنه وأشرنا إلى ما فيه، وسيأتي مزيد ايضاح لضعفه إن شاء الله تعالى.

 

    الحادي عشر - عدم إباحة شئ بالكلية حتى من المناكح والمساكن والمتاجر التي جمهور الأصحاب على تحليلها بل ادعى الاجماع على إباحة المناكح، وهو مذهب ابن الجنيد فإنه قال: وتحليل من لا يملك جميعه عندي غير مبرئ من وجب عليه حق منه لغير المحلل، لأن التحليل إنما هو في ما يملكه المحلل لا في ما لا يملك وإنما إليه ولاية قبضه وتفريقه في الأهل الذين سماه الله لهم.

 

    الثاني عشر - قصر أخبار التحليل على جواز التصرف في المال الذي فيه الخمس قبل اخراج الخمس منه بأن يضمن الخمس في ذمته، وهو مختار شيخنا المجلسي ( قدس سره ) كما سيأتي نقل كلامه إن شاء الله تعالى.

 

     الثالث عشر - صرف حصة الأصناف عليهم والتخيير في حصته عليه السلام بين الدفن والوصية على الوجه المتقدم وصلة الأصناف مع الاعواز بإذن نائب الغيبة وهو الفقيه، وهذا مذهب الشيخ الشهيد في الدروس، ووجهه معلوم من ما سبق في الأقوال المتقدمة.

 

الرابع عشر - صرف النصف إلى الأصناف الثلاثة وجوبا أو استحبابا وحفظ نصيب الإمام عليه السلام إلى حين ظهوره، ولو صرفه العلماء إلى من يقصر حاصله من الأصناف كان جائزا، وهو اختيار الشهيد في البيان، ووجهه أيضا يظهر من ما سبق.[78]

 

    وبعد، فقد تبين لنا من كل ما مر ما يلي:

 

أولاً: إقرار الشيعة أن آية: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنفال: 41] هي الآية الوحيدة التي وردت في الخُمُس.

 

ثانياً: أن الغنيمة المذكورة في الآية هي ما أخذ من اموال أهل الحرب من الكفار. وقد أقر الشيعة بذلك.

 

    يقول الطوسي: الغنيمة ما أخذ من أموال أهل الحرب من الكفار بقتال. وهى هبة من الله تعالى للمسلمين... وعند اصحابنا الخمس يجب في كل فائدة تحصل  للإنسان  من المكاسب وارباح التجارات والكنوز والمعادن والغوص وغير ذلك. ويمكن الاستدلال على ذلك بهذة الآية، لأن جميع ذلك يسمى غنيمة.[79]

 

    وقال في موضع آخر: كل ما يؤخذ بالسيف قهرا من المشركين يسمى غنيمة بلا خلاف، وعندنا ان مايستفده الانسان من ارباح التجارات والمكاسب والصنايع يدخل ايضا فيه.. ثم قال ان دليلنا اجماع الفرقة، وايضا قوله تعالى: واعلموا انما غنتم من شيء..الآية، عام في جميع ذلك، فمن خصصه فعليه الدلالة.