الباب الرابع

الإمامة والصحابة

أيها القارئ الكريم: لعلك تتساءل بعد كل هذا عن تلك المواقف التي تروى عن الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم أجمعين، أعني: تلك الروايات التي يرددها الشيعة في كتبهم ومجالسهم، كمظلومية الزهراء رضي الله عنها، وغصب الخلافة من علي رضي الله عنه، وإجباره على البيعة.. ونحو هذا.

فأقول: ها قد حططنا رحالنا هناك لنقف على جلية الأمر، وحقيقة الحال.

إننا لم نبحث ونتعب أنفسنا في تحقيق الروايات الكثيرة السابقة سنداً ومتناً إلا لنعرف الحقيقة عن تلك القضية الجوهرية (قضية الإمامة والنص) والتي يعتبرها البعض -كما أسلفنا- أهم أركان الإسلام، بينما يرى البعض الآخر أنه لا وجود لها ألبتة في عهد النبوة وإنما أوجدت بعده بزمن طويل.

وقبل أن أدخل في المراد أقول:

إنك لو سألت شيعياً: هل ترضى أن نتهمكم أيها الشيعة بأنكم تقولون بأن جبريل عليه السلام أخطأ فنزل بالوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، أو أن عندكم ما يسمى بليلة الطفية ونحو ذلك؟ لقال لك فوراً: لا، ولا يمكن أن نرضى!

فإن قلت لـه: إن الناس يقولون ذلك!

فسيقول لك: لابد من التثبت، واسألنا فنحن نجيبك بالحقيقة، وحُسيْنِيَّاتنا مفتوحة، فلو أردت أن تنظر وتتأكد بنفسك فتعال.

ولهذا أقول لكل شيعي: لماذا لا يطبق الشيعة هذا على غيرهم؟ بل لماذا لا يطبقونه على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

إذا كانوا يجعلون الحسينيات دليلاً على رد هذا الادعاء، أفلا يكون القرآن دليلاً على رد تلك الادعاءات الكثيرة التي كُذبت على الصحابة؟ ولا أقل من تلك الآيات التي أخبر الله عز وجلفيها بأنه وعدهم جنات تجري تحتها الأنهار، كقوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].

أليس وعد الله للمهاجرين والأنصار حقٌ لا مرية فيه، والله لا يخلف الميعاد، وهو قد وعدهم بجنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، أم أن تلك الروايات الكاذبة كافية لرد كلام الله عز وجل وضربه عرض الحائط؟!!

ولنا أن نسأل العامي فضلاً عن المتعلم: هل كلام الله عز وجل مقدم عندك أم كلام علمائك وأسيادك؟!

أيهما أعظم في قلبك.. وأيهما تريد أن يكون شافعاً لك يوم القيامة.. وأيهما تتصور أن يكون عذراً لك يوم القيامة.. هل هو اتباعك للقرآن أم اتباعك للعلماء وترك القرآن أو تأويله وتفسيره كما تحب؟

الله يقول بأنه وعدهم جنات تجري تحتها الأنهار، وأنت تقول: ارتدوا وبدلوا وغيروا!!

أيحتمل عندك أن كلام الله خطأ، ولا يحتمل عندك أن تلك الروايات وأقوال العلماء هي الخطأ؟!

يا من تحب الرسول صلى الله عليه وسلم، بل وتؤمن بالله سبحانه وتعالى، أترضى أن ينال أحدٌ من الله سبحانه أو من رسوله صلى الله عليه وسلم؟ أيرضيك أن يسبهما أحد؟! وهل سمعت أحداً سبهما يوماً من الأيام؟

لا شك أنك ستقول: لا، ولكن ألا تعلم أن سبَّ زوجاتِ النبي صلى الله عليه وسلم سبٌ لله سبحانه وسبٌ لرسوله أيضاً؟! فإن قلت: كيف؟ قلت لك: إن النبي صلى الله عليه وسلم بقي مع زوجاته طيلة حياته ولم يطلقهن حتى توفي عنهن، أفيرضى أحد أن يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه بقي مع امرأة كافرة أو مرتدة أو منافقة أو حتى فاسدة؟! وهذا ما يقوله بعض الشيعة وللأسف الشديد، أوليس هذا من أعظم السب لـه صلى الله عليه وسلم؟! فهو اتهام لـه باختيار الزوجة الفاسدة، بل أليس هذا اتهام لله سبحانه الذي رضي لرسوله امرأة مثل هذه، وهو سبحانه يعلم ما سيحصل في المستقبل؟!

وكذا يقال بالنسبة لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. كيف يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصاحب رءوس المنافقين طيلة حياته، بل ويُؤمِّر أبا بكر على الحج، ويجعله يؤم الناس في حياته؟! أفليس الطعن في أبي بكر وكذا عمر رضي الله عنهما طعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! كيف لا، وهو قد غر الأمة بمثل هؤلاء كما يدعي الشيعة والعياذ بالله.

فإن قيل: إن ردتهم أو نفاقهم حصل بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فيقال: إذن أنتم أقررتم بأنه لا يوجد أي نص في كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم يدل على نفاقهم وارتدادهم زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا لكنتم متهمين لـه برعايته المنافقين وتقريبهم وغر الأمة بهم، وأما بعد وفاته فقد انقطع الوحي كما نعلم جميعاً، وسيأتي مزيد توضيح إن شاء الله.

وعليه أقول: إنه عند النظر في تلك الروايات، بل وفي الروايات الأخرى التي تعارضها، والتي فيها نفي للنص أو مدح للصحابة والتي تروى عن أئمة آل البيت رحمهم الله وهي الموافقة لظاهر القرآن، يتضح عدم وجود نص على إمامة علي رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الأمر إنما كان شورى، وهذا يبين لك بطلان تلك المزاعم في غصب الخلافة وإجبار علي رضي الله عنه على البيعة، وكذا مظلومية الزهراء رضي الله عنها، ونحو ذلك.

فبهذه القاعدة العامة النافعة يتبين لك أن تلك الروايات منها ما هو كذب صريح، ومنها ما هو صحيح لكن زيد فيه ونقص، أو غُيِّر عن وجهه وبولغ فيه، أو حُمل على غير محمله، ومع ذلك فهم بشر غير معصومين، يحصل منهم الخطأ والنسيان، والله هو الذين يحاسبهم، ولهم من فضل الصحبة ما لا يدانيهم فيه أحد.

ولست بصدد الحديث عن بيان تلك الروايات، لكن أقول: إن تلك الحقبة وذلك الجيل إنما هو نتاج تربية محمد صلى الله عليه وسلم، والذي لو تأملنا فيه بعين الإنصاف لا التبعية لوجدناه جيلاً مثالياً.. كيف لا وقد تربى في مدرسة المربي الأول، أفضل المربين، صلوات الله وسلامه عليه.

وإذا أردت الدليل الواضح البين على هذا فاقرأ قوله سبحانه وتعالى: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2].

فتأمل! من هم الذين تلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، وعلمهم إياه، وعلمهم السنة كذلك، ورباهم وزكاهم، وكانوا قبل كل ذلك في ضلال مبين، فإذا قرأت هذه الآية وتدبرت معناها عرفت منزلة أولئك الصحب الذين يكفرهم بعض الشيعة ويلعنونهم والعياذ بالله!

إن المتأمل لكتاب الله يجد الثناء العاطر على ذلك الجيل الفريد، سواء المهاجرين أو الأنصار، وسواء من أسلم قبل الفتح أو بعده، وهم درجات ولا شك ((وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [النساء:95].

قف عند ثناء الله على الصحابة الكرام، وكذا ذمه للمنافقين، فإنك ستجد أنهم صنفان متغايران، ولهذا ذكر الله الصحابة ومدحهم ثم ذكر المنافقين وذمهم، ولم يقل ولا في آية واحدة: إن هؤلاء المنافقين هم من وعدهم الله الحسنى قبل ذلك، بل تحدث سبحانه عن صنفين متغايرين، كما قال سبحانه: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100] ثم قال في الآية التي بعدها مباشرة: ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)) [التوبة:101].

فلاحظ أنه تكلم عن السابقين من المهاجرين والأنصار ووعدهم بالخلود في الجنة، ثم تكلم عن المنافقين، وإذا لم يكن الخلفاء الراشدون أول المهاجرين والأنصار فمن يكون إذن؟!

ومن المؤسف جداً أن يتدخل الهوى في دين المرء، فلا يقبل من الدين إلا ما وافق هواه، وأما ما خالفه فيرده بأي سبيل كان، ومثاله تعسفهم في تأويل قوله سبحانه: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)) [الفتح:29] فهذه الآية نص صريح في الثناءِ على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفِهم بأفضل الأوصاف، ومع ذلك حاول بعضهم رد الآية بكل ما استطاع من قوة، فقال: إن قوله في آخر الآية: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29] يدل على التبعيض! مع أن الآية لم تتحدث إلا عن المؤمنين وحدهم، الذين هم: ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)) [الفتح:29] فهل يوصف بهذه الأوصاف أحد منافق أو كافر حتى يقول هذا وأمثاله: إن الله وعد الذين آمنوا من هؤلاء فقط دون البقية؟!

و[منهم] في الآية لبيان الجنس أو للتأكيد، فمثال بيان الجنس قوله سبحانه: ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ)) [الحج:30] فلا يعني هذا أن نجتنب الرجس من الأوثان فقط دون بقية الأوثان، بل المراد: اجتنبوا الرجس من جنس هذه الأوثان، ومثال التأكيد قوله سبحانه: ((وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)) [الإسراء:82] فليست (من) هنا للتبعيض بل للتأكيد، فكذا آيتنا هذه.

أضف إلى ذلك أن الله وصفهم في التوراة بدون قولـه: منهم، أي: إلى قوله: ((سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ)) [الفتح:29] فهل الله عز وجل لم يبين البيان الكافي في التوراة؟! وكذا يقال في وصفه لهم في الإنجيل، ولهذا يتعين كون (منهم) في القرآن لبيان الجنس أو للتأكيد؛ لأن الكتب السماوية لا يمكن أن يعارض بعضها بعضاً.

فهل رأيت كيف يتحكم الهوى بصاحبه والعياذ بالله؟! أضف إلى ذلك: قول علي رضي الله عنه في نهج البلاغة لما تكلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما أرى أحداً يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم ويقبضون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله همرت أعينهم حتى ابتلت جيوبهم ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب) ([1]).

فبالله عليك: أيهما الذي يوافق القرآن، كلام علي رضي الله عنه، أم كلام أولئك القوم الذين يدعون محبة آل البيت رضوان الله عليهم دون أن يتبعوهم إلا فيما يوافق أهواءهم والعياذ بالله؟!

وتأمل مدحه -أيضاً- لعمر بن الخطاب رضي الله عنه [وقيل: لأبي بكر] قال رضي الله عنه: (لله بلاء فـلان([2])، لقـد قـوم الأود([3])، وداوى العمد([4])، وأقام السنة، وخلف البدعة، وذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها واتقى شرها، أدى لله طاعته واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي إليها الضال، ولا يستيقن المهتدي..)([5]).

وكما ذكرت لك فقد تدخل الهوى تجاه هذا الكلام الجزل من الإمام علي رضي الله عنه؛ وذلك لأنه ينسف مذهب الشيعة من أساسه، كما قال الشيخ ميثم البحراني([6]): (واعلم أن الشيعة قد أوردوا هنا سؤالاً، فقالوا: إن هذه الممادح التي ذكرها في حق أحد الرجلين تنافي ما أجمعنا عليه من تخطئتهما وأخذهما لمنصب الخلافة، فإما أن لا يكون هذا الكلام من كلامه رضي الله عنه، وإما أن يكون إجماعنا خطأ).

وقد ذهب الشيعة كل مذهب في محاولة رد هذا النص الواضح البين، كقولهم: إنه قاله لاستجلاب قلوب الناس لاعتقادهم في الشيخين أشد الاعتقاد، وهذا فيه اتهام لـه بالكذب من أجل الدنيا، حاشاه رضي الله عنه، ثم هل يحتاج رضي الله عنه إلى كل هذه التأكيدات والمبالغات لو لم يرد حقيقة المدح؟!

ولكن أقول للشيعة: بل كلام سيدنا علي رضي الله عنه صحيح، وإجماع الشيعة خطأ ولا شك، فارجعوا إلى كلام الله سبحانه وتعالى، وارجعوا إلى قول علي رضي الله عنه الواضح البين ففيه الرشاد.

ولعلنا في هذا الباب أن نعرج باختصار شديد على جوانب يسيرة تبين لنا حقيقة ذلك الجيل، وحقيقة العلاقة بين سائر الصحابة وبين آل البيت رضوان الله على الجميع.

فضائل أمة محمد صلى الله عليه وسلم:

لا جدال في أن الله عز وجل قد ختم بعثة رسله وأنبيائه بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا شك في أن من ختمت به رسالات السماء يجب أن يكون أفضل الأنبياء والرسل عليهم السلام.

ومن هنا فلا بد أن يكون من بعث فيهم وإليهم أفضل الأمم وأعظمها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله([7]).

والروايات من طرق القوم في إثبات هذا كثيرة، وسوف نورد بعضها:

فعن علي رضي الله عنه قال: لما خلق الله محمداً نوراً قبل خلق الماء والعرش والكرسي والسماوات والأرض واللوح والقلم والجنة والنار والملائكة وآدم وحواء، قال: أنت صفيي وأنت حبيبي وخير خلقي، أمتك خير أمة أخرجت للناس([8]).

وعنه أيضاً قال: إن الله تعالى بعث جبرئيل إلى النبي أن بشر أمتك بالزين والسناء والرفعة والكرامة والنصر والتمكين في الأرض([9]).

وروى القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أهل الجنة عشرون ومائة صف، هذه الأمة ثمانون صفاً.

وفي رواية: عشرون ومائة ألف صف، ثمانون ألف صف أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأربعون ألف صف من سائر الأمم([10]).

وقال صلى الله عليه وسلم: يدخل من أمتي سبعون ألفاً الجنة بغير حساب.

وفي بعض الروايات: ومع كل واحد سبعون ألفا([11]).

وقال صلى الله عليه وسلم: أنا أكثر النبيين تبعاً يوم القيامة([12]).

وقال رضوان خازن الجنة: إن الله قسم الجنة لأمة محمد أثلاثاً، فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث تشفع لهم فتشفع فيهم([13]).

وقد كان لإظهار الله عز وجل لفضل ومنزلة هذه الأمة سبب في أن يتمنى الأنبياء والرسل عليهم السلام أن يكونوا أمتهم أو أن يكونوا منهم، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن الله تعالى جلَّ ثناؤه أرى إبراهيم صورة محمد وأمته، فقال: يا رب، ما رأيت من أمم الأنبياء أنور ولا أزهر من هذه الأمة فمن هذا؟ فنودي هذا محمد([14]).

وهذا موسى عليه السلام يخبره ربه عز وجل: إن فضل أمة محمد على جميع الأمم كفضله -وفي بعض المصادر: كفضلي- على جميع خلقي؟ فقال موسى: يا رب، ليتني كنت أراهم، فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى، إنك لن تراهم، فليس هذا أوان ظهورهم، ولكن سوف تراهم في الجنات -جنات عدن والفردوس- بحضرة محمد، في نعيمها يتقلبون، وفي خيراتها يتبحبحون([15]).

ولما سأله أن يكون منهم أبى الله عز وجل عليه ذلك.

فعن الرضا قال: إن موسى عليه السلام سأل ربه عز وجل: يا رب، اجعلني من أمة محمد. فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى، إنك لا تصل إلى ذلك([16]).

وفي رواية: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هي خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون في الخلق السابقون في دخول الجنة فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر ويقاتلون الأعور الكذاب فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت لـه حسنة، وإن عملها كتبت لـه عشر أمثالها، وإن همَّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم السابقون وهم المشفوع لهم فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد، قال موسى عليه السلام: رب اجعلني من أمة أحمد([17]).

وهذا عيسى عليه السلام سأل ربه عن عين طوبى في الجنة؟ فقال لـه: حرام يا عيسى على الأمم أن يشربوا منها حتى يشرب منها أمة ذلك النبي.

وفي رواية: وتلك الجنة محرمة على الأمم حتى يدخلها أمة ذلك النبي([18]).

وعندما يمر الأنبياء على فقراء أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: هؤلاء من الملائكة، وتقول الملائكة: هؤلاء من الأنبياء، فيقولون: نحن لا ملائكة ولا أنبياء، بل نفر من فقراء أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فيقولون: بم نلتم هذه الكرامة؟ فيقولون: لم يكن أعمالنا شديداً، ولم نصم الدهر، ولم نقم الليل، ولكن أقمنا الصلوات الخمس، وإذا سمعنا ذكر محمد صلى الله عليه وسلم فاضت دموعنا على خدودنا([19]).

حتى الأبالسة -وكما ذكرنا- لم يخف عليهم منزلة هذه الأمة، فهاهم يقولون لإبليس: إن هذه أمة مرحومة معصومة، ومالنا ولا لك عليهم سبيل([20]).

وذلك لقول الله عز وجل بأنهم أمة مرحومة، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إن أمتي أمة مرحومة([21]).

فلا غرابة -إذاً- أن نرى الملائكة يوم القيامة يدعون ربهم أن يسلم هذه الأمة وييسر عليهم الحساب، فقد روى القوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نعي إليه نفسه قال وسألته الزهراء رضي الله عنها: أين ألقاك؟ قال: عند الصراط، جبرئيل عن يميني، وميكائيل عن يساري، والملائكة من خلفي وقدامي ينادون: رب سلم أمة محمد من النار ويسر عليهم الحساب([22]).

وقد ذكر صاحب روضة الواعظين أن الله سبحانه أعطى هذه الأمة مرتبة الخليل، ومرتبة الكليم، ومرتبة الحبيب:

فأما مرتبة الخليل فإن إبراهيم عليه السلام سأل ربه خمس حاجات فأعطاها إياه بسؤاله، وأعطى ذلك هذه الأمة بلا سؤال:

الأول: سأل الخليل المغفرة بالتعريض، فقال: ((وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)) [الشعراء:82]، وأعطى هذه الأمة بلا سؤال، فقال: ((قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) [الزمر:53].

والثاني: سأل الخليل، فقال: ((وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ)) [الشعراء:87]، وقال لهذه الأمة: ((يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)) [التحريم:8].

والثالث: سأل الخليل الوراثة، فقال: ((وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ)) [الشعراء:85]، وقال لهذه الأمة: ((أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [المؤمنون:10-11].

والرابع: سأل الخليل القبول، فقال: ((رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا)) [البقرة:127]، وقال لهذه الأمة: ((وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ)) [الشورى:25].

والخامس: سأل الخليل الأعقاب، فقال: ((رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ)) [الصافات:100] وقال لهذه الأمة: ((وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ)) [الأنعام:165].

ثم أعطى الخليل ست مراتب بلا سؤال، وأعطى هذه الأمة جميع ذلك بلا سؤال:

الأول: قال للخليل: ((مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً)) [آل عمران:67]، وقال لهذه الأمة: ((هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ)) [الحج:78].

والثاني: قال للخليل: ((قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ)) [الأنبياء:69]، وقال لهذه الأمة: ((وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا)) [آل عمران:103].

والثالث: قال للخليل: ((فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ)) [الصافات:101]، وقال لهذه الأمة: ((وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً)) [الأحزاب:47].

والرابع: قال للخليل: ((سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ)) [الصافات:109]، وقال لهذه الأمة: ((قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى)) [النمل:59].

والخامس: قال للخليل: ((وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ)) [ص:45]، وقال لأمة الحبيب: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ)) [الفرقان:63].

والسادس: قال للخليل: ((شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ)) [النحل:121]، وقال لهذه الأمة: ((هُوَ اجْتَبَاكُمْ)) [الحج:78].

وأما مرتبة الكليم فإن الله تعالى أعطى الكليم عشر مراتب، وأعطى أمة محمد عشر أمثالها:

الأول: قال للكليم: ((وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ)) [الشعراء:65]، وقال لأمة محمد: ((كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ)) [يونس:103].

والثاني: أعطى الكليم النصرة فقال: ((إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)) [طه:46]، وقال لأمة محمد: ((إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)) [النحل:128].

والثالث: القربة، قال: ((وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً)) [مريم:52]، وقال لهذه الأمة: ((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ)) [الواقعة:85].

والرابع: المنة، قال تعالى: ((وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ)) [الصافات:114]، وقال لهذه الأمة: ((بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ)) [الحجرات:17].

والخامس: الأمن والرفعة، فقال: ((قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى)) [طه:68]، وقال لهذه الأمة: ((وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) [آل عمران:139].

والسادس: المعرفة والشرح في الصدر، قال الكليم: ((رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي)) [طه:25]، فأعطاه ذلك بقولـه: ((قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)) [طه:36]، وقال لأمة محمد: ((أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ)) [الزمر:22].

والسابع: التيسير، قال: ((وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي)) [طه:26]، وقال لهذه الأمة: ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ)) [البقرة:185].

والثامن: الإجابة، قال تعالى: ((قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا)) [يونس:89]، وقال لهذه الأمة: ((وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)) [الشورى:26].

والتاسع: المغفرة، قال الكليم: ((فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) [القصص:16]، وقال لأمة محمد صلى الله عليه وسلم: ((يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)) [إبراهيم:10].

والعاشر: النجاح، قال: ((قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)) [طه:36]، وقال لهذه الأمة: ((وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ)) [إبراهيم:34]، وفي ضمنها وما لم تسألوه كقولـه: ((سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ)) [فصلت:10] أي: لمن سأل ولمن لم يسأل.

وأما مرتبة الحبيب فإن الله سبحانه أعطى حبيبه صلى الله عليه وسلم تسع مراتب، وأعطى أمته مثلها تسعاً:

الأول: التوبة، قال للحبيب: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ)) [التوبة:117].

وقال لأمته: ((وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)) [النساء:27]، وقال: ((ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا)) [التوبة:118].

والثاني: المغفرة، قال تعالى: ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ)) [الفتح:2]، وقال لأمته: ((إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً)) [الزمر:53].

والثالث: النعمة، قال لـه: ((وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ)) [الفتح:2]، وقال لأمته: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)) [المائدة:3].

والرابع: النصرة، قال تعالى: ((وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً)) [الفتح:3]، وقال لأمته: ((وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)) [الروم:47].

والخامس: الصلوات، قال له: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)) [الأحزاب:56]، وقال لأمته: ((هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ)) [الأحزاب:43].

والسادس: الصفوة، قال للحبيب: ((اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ)) [الحج:75] يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، وقال لأمته: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)) [فاطر:32].

والسابع: الهداية، قال للحبيب: ((وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً)) [الفتح:2]، وقال لأمته: ((وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) [الحج:54].

والثامن: السلام، قال للحبيب في ليلة المعراج: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) وقال لأمته: ((وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)) [الأنعام:54].

والتاسع: الرضا، قال للحبيب: ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)) [الضحى:5]، وقال لأمته: ((لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ)) [الحج:59]، يعني: الجنة.

وعن الصادق، عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: مما أعطى الله به أمتي وفضلهم به على سائر الأمم ثلاث خصال لم يعطها إلا نبي، وذلك أن الله تبارك وتعالى كان إذا بعث نبياً قال لـه: اجتهد في دينك ولا حرج عليك، وإن الله تبارك وتعالى أعطى ذلك لأمتي، حيث يقول: ((وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)) [الحج:78]، يقول: من ضيق.

وكان إذا بعث نبياً قال لـه: إذا أحزنك أمر تكرهه فادعني أستجب لك، وإن الله أعطى أمتي ذلك، حيث يقول: ((ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)) [غافر:60].

وكان إذا بعث نبياً جعله شهيداً على قومه، وإن الله تبارك وتعالى جعل أمتي شهداء على الخلق، حيث يقول: ((لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)) [الحج:78] ([23]).

ومن رحمة الله سبحانه على هذه الأمة وتخصيصه إياهم دون الأمم ما خص به شريعتهم من التخفيف والتيسير، فقال سبحانه: ((يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ)) [النساء:28].

وقال: ((مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ)) [المائدة:6].

وقال: ((وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)) [الحج:78].

وقال: ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ)) [البقرة:185].

وقال: ((وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)) [الأعراف:157] وغيرها من الآيات.

وكان مما أنعم الله تعالى على هذه الأمة أن الأمم الماضية كانوا إذا أصابهم بول أو غائط أو شيء من النجاسات كان تكليفهم قطعه وإبانته من أجسادهم، وخفف عن هذه الأمة بأن جعل الماء طهوراً لما يصيب أبدانهم وأثوابهم، قال الله تعالى: ((وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً)) [الفرقان:48].

ومنها: أنهم كانوا يعتزلون النساء في حال الحيض، فلم يكونوا يؤاكلونهن ولا يجالسونهن، وما أصاب الحائض من الثياب والفرش والأواني وغير ذلك نجس، حتى لا يجوز الانتفاع به، وأباح لنا جميع ذلك إلا المجامعة.

ومنها: أن صلاتهم كانت خمسين، وصلاتنا خمس، وفيها ثواب الخمسين، وزكاتهم ربع المال، وزكاتنا ربع العشر، وثوابه ربع المال.

ومنها: أنهم كانوا إذا فرغوا من الطعام ليلة صيامهم حرم عليهم الطعام والشراب والجماع إلى مثلها من الغد، وأحل الله لنا التسحر والوطء في ليالي الصوم، فقال: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ)) [البقرة:187] يعني: بياض النهار من سواد الليل، وقال: ((أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ)) [البقرة:187]، يعني: الجماع.

ومنها: كانت الأمم السالفة تجعل قربانها على أعناقها إلى بيت المقدس، فمن قبل ذلك منه أرسلت عليه نار فأكلته، ومن لم يقبل منه رجع مثبوراً، وقد جعل الله قربان أمة محمد صلى الله عليه وسلم في بطون فقرائها ومساكينها، فمن قبل ذلك منه ضعف لـه أضعافاً مضاعفة، ومن لم يقبل منه رفعت عنه به من عقوبات الدنيا.

ومنها: أن الله تعالى كتب عليهم القصاص في التوراة والدية في القتل والجراح ولم يرخص لهم في العفو وأخذ الدية، ولم يفرق بين الخطأ والعمد في وجوب القصاص، فقال: ((وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)) [المائدة:45]، ثم خفف عنا في ذلك فخير بين القصاص والدية والعفو، وفرق بين الخطأ والعمد، فقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)) [البقرة:178] إلى قولـه: ((فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ)) [البقرة:178].

ومن ذلك: تخفيف الله عنهم في أمر التوبة، فقال لبني إسرائيل: ((وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)) [البقرة:54]، فكانت توبتهم أن يقتل بعضهم بعضاً، الأب ابنه، والابن أباه، والأخ أخاه، والأم ولدها، ومن فر من القتل أو دفع عن نفسه أو اتقى السيف بيده أو ترحم على ذي رحمة لم تقبل توبته، ثم أمرهم الله بالكف عن القتل بعد أن قتلوا سبعين ألفاً في مكان واحد، فهذه توبتهم.

وجعل توبتنا: الاستغفار باللسان، والندم بالجنان، وترك العود بالأبدان، فقال عز وجل: ((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) [آل عمران:135]، وقال: ((أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ)) [المائدة:74]، وقال: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)) [الحديد:16].

ومن الأمم السالفة من ينظر إلى امرأة بريبة يؤمر بقلع العين لتقبل عنه التوبة، وكفارتنا فيه غض البصر، والتوبة بالقلب، والعزم على ترك العودة إليه.

وكان منهم من يلاقي بدنه امرأة حراماً، فيكون التوبة منه إبانة ذلك العضو من نفسه، وتوبتنا فيه الندم وترك العود إليه.

ومن يرتكب منهم الخطيئة في خفية وخلوة يخرج وخطيئته مصورة على باب داره: ألا إن فلان بن فلان ارتكب البارحة خطيئة كذا وكذا، وكان ينادى عليه من السماء بذلك فيفتضح وينتهك ستره، ومن يرتكب منا الخطيئة ويخفيها عن الأبصار فيطلع عليه ربه، يقول للملائكة: عبدي قد ستر منا الخطيئة ويخفيها عن الأبصار، فيطلع عليه ربه، فيقول للملائكة: عبدي قد ستر ذنبه عن أبناء جنسه لقلة ثقته بهم، والتجأ إلي لعله تتبعه رحمتي، اشهدوا أني قد غفرتها لـه لثقته برحمتي، فإذا كان يوم القيامة وأوقف للعرض والحساب يقول: عبدي أنا الذي سترتها عليك في الدنيا، وأنا الذي أسترها عليك اليوم.

ومما فضل الله به هذه الأمة أن قيض لهم الأكرمين من الملائكة يستغفرون لهم ويسترحمون لهم من الرحمة، فقال سبحانه: ((الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) [غافر:7]، قال صلى الله عليه وسلم: المؤمنون شهداء في الأرض، وما رأوه حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحاً فهو عند الله قبيح.

وقال صلى الله عليه وسلم: يا ليتني قد لقيت إخواني، فقيل: يا رسول الله، أولسنا إخوانك آمنا بك وهاجرنا معك واتبعناك ونصرناك؟ قال: بلى، ولكن إخواني الذين يأتون من بعدكم، يؤمنون بي كإيمانكم، ويحبوني كحبكم، وينصروني كنصركم، ويصدقوني كتصديقكم، ياليتني قد لقيت إخواني([24]).

ولا يسعنا هنا حصر كل ما ورد في بيان فضائل أمة الرسول صلى الله عليه وسلم، ففيما أوردناه كفاية.

فإذا علمت هذا فيقيناً أن الرعيل الأول من هذه الأمة الذين بعث فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل هذه الأمة وأعظمها، وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم هذا، حيث قال: إن الله أخرجني في خير قرن من أمتي([25]).

وعن الكاظم، عن آبائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القرون أربعة، أنا في أفضلها قرناً([26]).

وهذا أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام يقول لنبينا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء: مرحباً بالنبي الصالح، والابن الصالح، والمبعوث الصالح، في الزمان الصالح([27]).

وغيرها من روايات تظهر فضل أناس ذلك الزمان الصالح، والقرن المفضل، وهم جيل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

وقد ذكر القوم عن العسكري رحمه الله، أن آدم عليه السلام سأل الله عز وجل أن يعرفه بفضل صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال عز وجل: إن رجلاً من خيار أصحاب محمد لو وزن به جميع أصحاب المرسلين لرجح عليهم، يا آدم: لو أحب رجل من الكفار أو جميعهم رجلاً من آل محمد وأصحابه الخيرين لكافأه الله عن ذلك بأن يختم لـه بالتوبة والإيمان ثم يدخله الله الجنة، إن الله ليفيض على كل واحد من محبي محمد وآل محمد وأصحابه من الرحمة ما لو قسمت على عدد كعدد كل ما خلق الله من أول الدهر إلى آخره وكانوا كفاراً لكفاهم ولأداهم إلى عاقبة محمودة الإيمان بالله حتى يستحقوا به الجنة، ولو أن رجلاً ممن يبغض آل محمد وأصحابه الخيرين أو واحداً منهم لعذبه الله عذاباً لو قسم على مثل عدد ما خلق الله لأهلكهم الله أجمعين([28]).

وروى القوم عن الرضا، أن موسى عليه السلام سأل ربه: هل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟ فقال عز وجل: يا موسى، أما علمت أن فضل صحابة محمد على جميع صحابة الأنبياء المرسلين كفضل آل محمد على جميع آل النبيين، وفضل محمد على جميع المرسلين؟([29])

الفضل والخيرية التي من مستلزماتها الوسطية، أكدَّها الله عز وجل في آيات عدة، كقوله: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)) [البقرة:143].

ولا يخفى أن أول من خوطب بهذه الآية هم الصحابة رضوان الله عليهم، تماماً كما كانوا أول من خاطب الله عز وجل في قوله: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:110].

ويقول الطبرسي في تفسير الآية: معناه أنتم خير أمة، وإنما قال: (كنتم) لتقدم البشارة لهم في الكتب الماضية([30]). وقد ذكرنا بعضاً من ذلك.

ويقول الطباطبائي في ميزانه: الآية تمدح حال المؤمنين في أول ظهور الإسلام من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار([31]).

وفيهم قال صلى الله عليه وسلم: طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رأى من رآني، وطوبى لمن رأى من رأى من رآني.

وفي رواية: إلى السابع ثم سكت([32]).  

التكملة


([1]) نهج البلاغة (ص:190) شرح محمد عبده.

([2]) ورويت (لله بلاد فلان) وقال ابن أبي الحديد: سألت عنه النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي؟ فقال لي: هو عمر بن الخطاب، فقلت له: أيثني عليه أمير المؤمنين هذا الثناء؟ فقال: نعم، ويقول أيضاً: إذا اعترف أمير المؤمنين بأنه أقام السنة وذهب نقي الثوب قليل العيب، وأنه أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه فهذا غاية ما يكون المدح. [شرح نهج البلاغة:2/4].

([3]) الأود: العوج.

([4]) العمد بالتحريك: العلة، انظر صبحي الصالح في تعليقه على نهج البلاغة (ص:671).

([5]) نهج البلاغة (ص:430) شرح محمد عبده.

([6]) ميثم بن علي البحراني (كمال الدين) من شيوخ الإمامية، من أهل البحرين، من كتبه: (شرح نهج البلاغة)، توفي في البحرين سنة: (679هـ)، معجم المؤلفين: (13/55).

([7]) مجمع البيان: (1/810).

([8]) البحار: (15/29).

([9]) إرشاد القلوب: (2/217-226)، إعلام الورى: (20)، البحار:(16/342، 347، 349) (18/122)، إثبات الهداة: (1/363).

([10]) الخصال: (150)، الاحتجاج: (192)، الكافي: (2/596)، البحار: (7/130، 131)، نور الثقلين: (3/469) (5/219)، الصافي: (5/125).

([11]) مجمع البيان: (9/331)، نور الثقلين: (3/469) (5/220).

([12]) أمالي الصدوق: (179)، البحار: (8/22).

([13]) البحار: (17/298)، الخرائج: (183).

([14]) إرشاد القلوب: (2/217)، البحار: (16/347).

([15]) علل الشرايع: (416)، عيون الأخبار: (1/220)، تفسير العسكري: (31)، البحار: (13/341) (26/275) (92/224) (99/185)، تأويل الآيات: (1/418)، البرهان: (3/228)، نور الثقلين: (4/130).

([16]) عيون الأخبار:(200)، صحيفة الرضا: (29) كتاب أبي الجعد: (10)، البحار:(13/344)(16/354) (17/32) (26/268)، تفسير الكاشف: (7/88)، مجمع البيان: (5/178).

([17]) إثبات الهداة: (1/191)، البحار: (57/317).

([18]) أمالي الصدوق: (164)، البحار: (14/286)، إثبات الهداة: (1/171، 197)، وانظر روايات أخرى في تحريم دخول الأمم السابقة الجنة قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم: البحار: (8/5) (16/326) (26/318) (27/129)(36/64)(39/214، 218)(45/403)، تأويل الآيات:(2/629)، البرهان:(4/262)، كشف الغمة: (1/321)، المحتضر: (97).

([19]) جامع الأخبار: (129)، البحار: (72/48).

([20]) إثبات الهداة: (2/21)، البحار: (28/261).

([21]) نور الثقلين: (3/523)، البحار: (14/286)(16/145)(52/181)، أمالي الصدوق: (164)، كمال الدين: (96).

([22]) أمالي الصدوق: (507، 508)، البحار: (22/509).

([23]) قرب الإسناد: (56)، البحار: (22/443) (23/340) (93/290).

([24]) روضة الواعظين:(255)، البحار:(16/341)(22/444)، وانظرأيضاً:إرشاد القلوب:(2/217).

([25]) علل الشرايع: (45)، الخصال: (2/47)، معاني الأخبار: (19)، البحار: (16/92).

([26]) نوادر الراوندي: (16)، البحار: (22/309).

([27]) سعد السعود: (101)، البحار: (18/318)، المستدرك: (1/250)، تأويل الآيات: (1/266)، تفسير القمي: (1/397، 400، 401).

([28]) تفسير العسكري: (157)، البحار: (26/331).

([29]) علل الشرايع: (416)، عيون الأخبار: (1/220)، تفسير العسكري: (31)، البحار: (13/341) (26/275) (92/224) (99/185)، تأويل الآيات: (1/418)، البرهان: (3/228)، نور الثقلين: (4/130).

([30]) مجمع البيان: (1/810).

([31]) تفسير الميزان: (3/376).

([32]) أمالي الصدوق: (327)، أمالي الطوسي: (454)، البحار: (22/305، 313)(70/12).