بيان
عدم فهم علي
رضي الله عنه
من حديث
الغدير أن
الموالاة
فيها تعني
الخلافة
العامة:
مدح
الأمير
للشيخين رضي
الله عنهم
أجمعين:
ثم
إن علياً رضي
الله عنه لم
يفهم من رواية
الغدير ولا
غير الغدير أن
ولايته واجبة
وخلافها كفر
وبطلان وهو
يقول:
أما
بعد: فإن الله
سبحانه بعث
محمداً،
فأنقذ به من
الضلالة،
ونعش به من
الهلكة، وجمع
به بعد
الفرقة، ثم
قبضه الله
إليه وقد أدى
ما عليه،
فاستخلف
الناس أبا
بكر، ثم
استخلف أبو
بكر عمر،
فأحسنا
السيرة وعدلا
في الأمة، وقد
وجدنا عليهما
أن توليا
الأمر دوننا
ونحن آل رسول
الله وأحق
بالأمر،
فغفرنا ذلك
لهما([181]).
وفي
موطن آخر قال:
ثم إن
المسلمين من
بعده
استخلفوا
أميرين منهم
صالحين أحييا
السيرة ولم
يعدوا السنة([182]).
وقال
فيهما: فتولى
أبو بكر تلك
الأمور، وسدد
وقارب
واقتصد،
وتولى عمر
الأمر، فكان
مرضي السيرة،
ميمون
النقيبة([183]).
إقرار
الأمير رضي
الله عنه بعدم
إحداث من
سبقوه في الدين:
لم
يفهم الأمير
رضي الله عنه
من رواية
الغدير ولا
غير الغدير أن
ولاية من
سبقوه إحداث
في الدين، وهو
يتذكر قول
الرسول صلى
الله عليه
وسلم
وإخباره له
بما يلقى
بعده، فقال:
فعلام
أقاتلهم؟ قال:
على الإحداث
في الدين([184]).
فهل
قاتل الأمير
أبا بكر وعمر
وعثمان رضي
الله عنهم
أجمعين، أم
التزم التقية
خوفاً كما
يزعم الشيعة،
وهو القائل:
والله لو
تظاهرت العرب
على قتالي لما
وليت عنها، أم
قال عن
ولايتهم كما
روى القوم: فلم
أر بحمد الله
إلا خيرا([185])؟
هل
فهم رضي الله
عنه من رواية
الغدير وغير
الغدير ما
فهمه القوم
وهو يقول:
اللهم إنك
تعلم أنه لم
يكن الذي كان
منا منافسة في
سلطان، ولا
التماس شيء من
فضول الحطام،
ولكن لنرد
المعالم من
دينك، ونظهر
الإصلاح في
بلادك، فيأمن
المظلومون من
عبادك، وتقام
المعطلة من
حدودك..
إلى
أن قال: وقد
علمتم أنه لا
ينبغي أن يكون
الوالي على
الفروج
والدماء
والمغانم
والأحكام
وإمامة
المسلمين
البخيل،
فتكون في
أموالهم
نهمته، ولا
الجاهل
فيضلهم
بجهله، ولا
الجافي
فيقطعهم
بجفائه، ولا
الحائف للدول
فيتخذ قوماً
دون قوم، ولا
المرتشي في
الحكم فيذهب
بالحقوق ويقف
بها دون
المقاطع، ولا
المعطل للسنة
فيهلك الأمة([186]).
يقول
هذا عندما
اضطربت
الأمور في
عهده، ولم
يقله في
الشيخين أو ذي
النورين رضي
الله عنهم،
إنما قال
فيهما ما قال
من حسن
السيرة،
والعدل في
الأمة،
والخير الذي
رآه في
ولايتهم.
ويذكرني
هذا بروايتهم
عن أبي ذر
الغفاري رضي
الله عنه الذي
يروي فيه
الرضا، عن
آبائه، عن علي رضي
الله عنهم،
عن رسول الله صلى
الله عليه
وسلم أنه قال
فيه: أبوذر
صديق هذه
الأمة([187])،
وهو يقول
لعثمان رضي
الله عنه: اتبع
سنة صاحبيك،
لا يكن لأحدٍ
عليك كلام([188]).
وفي
رواية:
ويحك يا عثمان!
أما رأيت رسول
الله ورأيت
أبا بكر وعمر،
هل هديك
كهديهم؟([189]).
وقول
ابن عباس رضي
الله عنهما:
أمرني رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم أن أبرأ
من خمسة: من
الناكثين وهم
أصحاب الجمل،
ومن القاسطين
وهم أصحاب
الشام، ومن
الخوارج وهم
أهل
النهروان،
ومن القدرية
وهم الذين
ضاهوا
النصارى في
دينهم،
فقالوا: لا
قدر، ومن
المرجئة
الذين ضاهوا
اليهود في
دينهم،
فقالوا: الله
أعلم([190]).
فهل
أمره النبي صلى
الله عليه
وسلم
بالتبري من
أبي بكر وعمر
وعثمان رضي
الله عنهم،
وهم الذين
اغتصبوا حق
الأمير وأتوا
بأعظم من
أفعال هؤلاء
الخمسة الذين
أمر بالتبري
منهم بزعم
القوم.
أبداً:
لم يفهم علي
رضي الله عنه
أن خلافة
الشيخين خلاف
هدي النبي صلى
الله عليه
وسلم، أو أن
فلاناً دون
آخر أحق
بالخلافة من
غيره.
لم
يفهم رضي الله
عنه لا من
الغدير ولا
غير الغدير
أنه أحق
بالخلافة،
وهو لا يزال
يردد القول
بكراهيته
لها، وهو يعلم
يقيناً قول
الله تعالى: ((وَمَا
كَانَ
لِمُؤْمِنٍ
وَلا
مُؤْمِنَةٍ
إِذَا قَضَى
اللَّهُ
وَرَسُولُهُ
أَمْراً أَنْ
يَكُونَ
لَهُمْ
الْخِيَرَةُ
مِنْ
أَمْرِهِمْ))
[الأحزاب:36].
وقولـه:
((وَرَبُّكَ
يَخْلُقُ مَا
يَشَاءُ
وَيَخْتَارُ
مَا كَانَ
لَهُمْ
الْخِيَرَةُ
سُبْحَانَ
اللَّهِ
وَتَعَالَى
عَمَّا
يُشْرِكُونَ))
[القصص:68].
وقولـه:
((وَقَالُوا
لَوْلا
نُزِّلَ
هَذَا
الْقُرْآنُ
عَلَى رَجُلٍ
مِنْ
الْقَرْيَتَيْنِ
عَظِيمٍ)) [الزخرف:31].
ألم
يعلم رضي الله
عنه أن
الإمامة
كالنبوة لا
تكون إلا
بالنص من الله
عز وجل على
لسان رسوله صلى
الله عليه
وسلم، وأنها
مثلها لطف من
الله عز وجل،
ولا يجوز أن
يخلو عصر من
العصور من
إمام مفروض
الطاعة منصوب
من الله
تعالى، وليس
للبشر حق
اختيار
الإمام
وتعيينه، بل
وليس للإمام
نفسه حق تعيين
من يأتي من
بعده، وأن
الإمامة عهد
من الله عز وجل
معهود لرجل
مسمى ليس
للإمام أن
يرويها عمن
يكون من بعده،
وأن بها أخذ
الله
المواثيق من
الأنبياء عند
بعثهم، وأن
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم قد قال
له بزعمهم: يا
علي، ما بعث
الله نبياً
إلا وقد دعاه
إلى ولايتك
طائعاً أو
كارهاً،
والقائل: لم
يبعث الله
نبياً ولا
رسولاً إلا
وأخذ عليه
الميثاق
لمحمد
بالنبوة
ولعلي
بالإمامة،
والقائل صلى
الله عليه
وسلم:
التاركون
ولاية علي
خارجون عن
الإسلام،
والجاحد
لولاية علي
كعابد وثن،
وقولـه هو رضي
الله عنه
بزعمهم: لو أن
عبداً عبد
الله ألف سنة
لايقبل الله
منه حتى يعرف
ولايتنا أهل
البيت، ولو أن
عبداً عبد
الله ألف سنة
وجاء بعمل
اثنين وسبعين
نبياً مايقبل
الله منه حتى
يعرف ولايتنا
أهل البيت
وإلا أكبه
الله على
منخريه في نار
جهنم، وغيرها
من مئات بل
وألوف الآيات
والأحاديث
التي ذكرنا
منها القليل
في مقدمة
الباب الأول.
ألم
يفهم من كل هذا
أنه خليفة
للمسلمين بعد
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم، وأن
ذلك واجب
المعرفة،
وأنه لا يعذر
الناس بترك
الولاية، وأن
من مات ولا
يعرف إمامه أو
شك فيه مات
ميتَةَ
جاهليةٍ
وكفرٍ
ونفاقٍ، وأن
من أنكر
واحداً منهم
فقد أنكر
الجميع، حتى
حكى المفيد
إجماع
الإمامية على
أن من أنكر
إمامة أحد من
الأئمة وجحد
ما أوجبه الله
تعالى له من
فرض الطاعة
فهو كافر ضال
مستحق للخلود
في النار؟!
ألم
يعلم كل هذا
وهو يقول لمن
جاءه مبايعاً:
ألا وإن الله
عالم من فوق
سمائه وعرشه
أني كنت
كارهاً
للولاية على
أمة محمد حتى
اجتمع رأيكم
على ذلك؛ لأني
سمعت رسول
الله يقول:
أيما والٍ ولي
الأمر من بعدي
أقيم على حد
الصراط ونشرت
الملائكة
صحيفته، فإن
كان عادلاً
أنجاه الله
بعدله، وإن
كان جائراً
انتقض به
الصراط حتى
تتزايل
مفاصله، ثم
يهوي إلى
النار فيكون
أول ما يتقيها
به أنفه وحر
وجهه، ولكن
لما اجتمع
رأيكم لم
يسعني ترككم([191])؟!
هل
تفهم -عزيزي
القارئ- من هذه
الرواية أن
هناك نصاً على
من يأتي بعده صلى
الله عليه
وسلم، أو أن
هناك شروطاً
يجب أن تتوفر
فيه فحسب؟ وهل
من جاء بعده
سينجيه
بعدله، كما
قال رضي الله
عنه: (فاستخلف
الناس أبا
بكر، ثم
استخلف أبو
بكر عمر،
فأحسنا
السيرة،
وعدلا في
الأمة) أم
سينتقض بهم
الصراط
لجورهم، كما
يرى من يدعي
أنه من شيعته
رضي الله عنه؟
ألم
يعلم أنه
الخليفة الحق
والمنصوب من
الله عز وجل
وغيره غاصب
لهذا الحق،
وهو يقول
لطلحة
والزبير:
نشدتكما الله
هل جئتماني
طائعين
للبيعة
ودعوتماني
إليها وأنا
كاره لها وفي
موضع آخر:
فوالله ما
كانت لي في
الولاية رغبة
ولكنكم
دعوتموني
إليها
وحملتموني
عليها، فخفت
أن أردكم
فتختلف الأمة([192])؟!
ألم
يعلم كل هذا،
وهو يقول
للمهاجرين
والأنصار وقد
جاءوا لبيعته:
لا حاجة لي في
أمركم أنا بمن
اخترتم راض([193])؟!
فهل
فاته أن
الإمامة
كالنبوة لا
تكون إلا
بالنص من الله
عز وجل على
لسان رسوله صلى
الله عليه
وسلم، وليس
للبشر حق
اختيار
الإمام
وتعيينه؟!
هل
رأى ذلك وهو
يقول في أبي
بكر وعمر رضي
الله عنهما
كما يروى: أخذا
حقي وقد تركته
لهما تجاوز
الله عنهما([194])؟!
ويقول
لطلحة لما برز
الناس للبيعة
عند بيت المال:
ابسط يدك
للبيعة، فقال
له طلحة: أنت
أحق بذلك مني،
وقد استجمع لك
الناس ولم
يجتمعوا لي([195]).
فهل
كان له
الاختيار
والأمر في أن
يبايع هذا أو
يتركه لذاك،
أو أن ذلك إلى
الله وليس
للبشر حق
الاختيار،
وأن طلحة
وقبله
الشيخين رضي
الله عنهم سيكونون
بذلك أئمة
ليسوا من
الله؟!
ألم
يفهم رضي الله
عنه ما فهمه
مَن يرون أنهم
من شيعته أن كل
ما مر بك من
نصوص الله عز
وجل ورسوله صلى
الله عليه
وسلم إنما هي
في إمامته دون
غيره؟!
وهل
يرى القوم أن
الأمير نسي
تحذيره وكذا
بقية الأئمة
لشيعتهم
بزعمهم بأن لا
ينصبوا رجلاً
دون الحجة([196])؟!
ألم
يعلم رضي الله
عنه أنه منصوص
من الله
ورسوله صلى
الله عليه
وسلم وهو
يقول:
أتيتموني
لتبايعوني،
فقلت: لا حاجة
في ذلك، ودخلت
منزلي
فاستخرجتموني،
فقبضت يدي
فبسطتموها
وتداككتم علي
حتى ظننت أنكم
قاتلي، وأن
بعضكم قاتل
بعض،
فبايعتموني
وأنا غير
مسرور بذلك
ولا جذل، وقد
علم الله
سبحانه أني
كنت كارهاً
للحكومة بين
أمة محمد([197])؟!
ألم
يعلم كل ذلك
وهو يقول لما
أراده الناس
على البيعة
بعد قتل عثمان
رضي الله عنه:
دعوني
والتمسوا
غيري، فإنا
مستقبلون
أمراً له وجوه
وألوان، لا
تقوم له
القلوب ولا
تثبت عليه
العقول، وإن
الآفاق قد
أغامت
والمحجة قد
تنكرت،
واعلموا أني
إن أجبتكم
ركبت بكم ما
أعلم، ولم أصغ
إلى قول
القائل وعتب
العاتب، وإن
تركتموني
فأنا كأحدكم،
ولعلي أسمعكم
وأطوعكم لمن
وليتموه
أمركم، وأنا
لكم وزيراً
خير لكم مني
أميراً([198])؟!
فهل
رأى رضي الله
عنه أن
اختياره أو
اختيار
الصحابة خير
من اختيار
الله عز وجل،
وهو يقرأ: ((وَرَبُّكَ
يَخْلُقُ مَا
يَشَاءُ
وَيَخْتَارُ
مَا كَانَ
لَهُمْ
الْخِيَرَةُ))
[القصص:68]؟!
وقد
قال رسول الله صلى
الله عليه
وسلم بزعمهم:
إن الله خلق
آدم من طين كيف
يشاء، ثم قال:
ويختار، إن
الله اختارني
وأهل بيتي على
جميع الخلق
فانتجبنا،
فجعلني
الرسول وجعل
علي بن أبي
طالب الوصي،
ثم قال: ما كان
لهم الخيرة،
يعني: ما جعلت
للعباد أن
يختاروا ولكن
أختار من أشاء([199]).
فهل
رأى ذلك؟ وهل
هذا إلا كمن
يقول: إن رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم قد قال
لهذا أو ذاك:
ابسط يدك
للنبوة؟!
ألم
يقبل رضي الله
عنه ويطع
مشيئة الله في
جعله خليفة
بعد رسول الله صلى
الله عليه
وسلم كما
يزعم القوم
بهذه الرواية
من أن رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم قال في
ليلة الإسراء:
فتح لعلي
أبواب السماء
والحجب حتى
نظر إلي ونظرت
إليه، ثم قال:
إن أول ما
كلمني به أن
قال: يا محمد،
انظر تحتك
فنظرت إلى
الحجب قد
انخرقت، وإلى
أبواب السماء
قد فتحت،
ونظرت إلى علي
وهو رافع رأسه
إلي، فكلمني
وكلمته،
وكلمني ربي عز
وجل: يا محمد،
إني جعلت
علياً وصيك
ووزيرك
وخليفتك من
بعدك، فأعلمه
فهو يسمع
كلامك،
فأعلمته وأنا
بين يدي ربي عز
وجل، فقال لي:
قد قبلت
وأطعت، فأمر
الملائكة أن
تسلم عليه
ففعلت، فرد
السلام... إلى
آخر الرواية([200])؟!
فهل
علم رضي الله
عنه هذا وهو
يقول: والله ما
كانت لي في
الخلافة
رغبة، ولا في
الولاية
إربة، ولكنكم
دعوتموني
إليها
وحملتموني
عليها فكرهت
خلافكم([201])؟!
هل
كان يرى
مخالفة الله
الذي اختاره
من دون الناس
من فوق سبع
سموات، هل كان
يرى مخالفته
جائزة، وطاعة
البشر واجبة؟!
هل
علم هذا عندما
قال: وبسطتم
يدي فكففتها،
ومددتموها
فقبضتها، ثم
تداككتم علي
تداكك الإبل
الهيم على
حياضها يوم
وردها، حتى
انقطعت
النعل، وسقط
الرداء،
ووطيء الضعيف..
إلى آخر
ماقاله رضي
الله عنه
واصفاً بيعته
بالخلافة([202])؟!
هل
علم هذا وهو
يقول: إني لم
أرد الناس حتى
أرادوني، ولم
أبايعهم حتى
أكرهوني([203]).
وقال:
فلما رأيت ذلك
منكم رويت في
أمري وأمركم،
وقلت: إن أنا
لم أجبهم إلى
القيام
بأمرهم لم
يصيبوا أحداً
يقوم فيهم
مقامي ويعدل
فيهم عدلي([204])؟!
هل
وهل.. وهو لا
يزال يردد
ويقول
بكراهته لأمر
لولاه لما خلق
الله شيئاً،
حتى قال لابن
عباس رضي الله
عنه وقد رآه
يخصف نعله: ما
قيمة هذه
النعل؟ فقال:
لا قيمة لها،
فقال: والله
لهي أحب إلي من
إمرتكم([205]).
أبداً
لم يكن رضي
الله عنه يرى
أن مشروعية
خلافته
مستمدة من تلك
النصوص التي
زعمها القوم
له، وقد علمت
حالها
جميعاً، وأنه
لو كان من ذلك
شيء حق لقاتل
عليها حتى لو
تظاهرت العرب
كلها عليه، بل
كان يرى أن
شرعية خلافته
إنما هي
مستمدة من
مبدأ الشورى
الذي أقره
القرآن وأكده
الرسول صلى
الله عليه
وسلم بهديه
وسنته.
كيف
لا وهو القائل
رضي الله عنه:
إن رسول الله صلى
الله عليه
وسلم قال: من
جاءكم يريد أن
يفرق
الجماعة،
ويغصب الأمة
أمرها،
ويتولى من غير
مشورة
فاقتلوه، فإن
الله عز وجل قد
أذن ذلك([206]).
ويقول
لمعاوية: إن
الناس تبع
المهاجرين
والأنصار وهم
شهود
للمسلمين في
البلاد على
ولاتهم
وأمراء
دينهم، فرضوا
بي وبايعوني،
ولست أستحل أن
أدع ضرب
معاوية يحكم
على هذه الأمة
ويركبهم ويشق
عصاهم.
فلما
بلغ معاوية
ذلك قال: ليس
كما يقول، فما
بال من هو ههنا
من المهاجرين
والأنصار لم
يدخلوا في هذا
الأمر؟ فقال
رضي الله عنه:
ويْحَكُم! هذا
للبدريين دون
الصحابة،
وليس في الأرض
بدري إلا وقد
بايعني وهو
معي، أو قد
أقام ورضي،
فلا يغرنكم
معاوية من
أنفسكم
ودينكم([207]).
وقال
لمعاوية في
موطنٍ آخر: إن
بيعتي لزمتك
بالمدينة
وأنت بالشام؛
لأنه بايعني
القوم الذين
بايعوا أبا
بكر وعمر
وعثمان على ما
بايعوهم
عليه، فلم يكن
للشاهد أن
يختار، ولا
للغائب أن
يرد، وإنما
الشورى
للمهاجرين
والأنصار؛
فإن اجتمعوا
على رجل وسموه
إماماً كان
ذلك لله رضاً،
فإن خرج عن
أمرهم خارج
بطعن أو بدعة
ردوه إلى ما
خرج منه، فإن
أبى قاتلوه
على اتباعه
غير سبيل
المؤمنين،
وولاه الله ما
تولى ويصليه
جهنم وساءت
مصيراً([208]).
فهو
يرى إجماع
المهاجرين
والأنصار رضي
الله عنهم على
رجل هو رضاً
لله.
بل
ولا يرى بيعته
دون رضاهم كما
قال: إن بيعتي
لا تكون إلا عن
رضا المسلمين
وفي ملأ
وجماعة([209]).
وهو
القائل رضي
الله عنه: وما
كان الله
ليجعلهم على
ضلال ولا
يضربهم بعمى([210]).
وقال
له في موطن آخر:
إن بيعتي
بالمدينة
لزمتك وأنت
بالشام كما
لزمتك بيعة
عثمان
بالمدينة
وأنت أمير
لعمر على
الشام، وكما
لزمت يزيد
أخاك بيعة عمر
بالمدينة وهو
أمير لأبي بكر
على الشام.
أما
قولك: إن بيعتي
لم تصح لأن أهل
الشام لم
يدخلوا فيها،
فإنما هي بيعة
واحدة تلزم
الحاضر
والغائب لا
يستثنى فيها
النظر، ولا
يستأنف فيها
الخيار،
والخارج منها
طاعن،
والمروي فيها
مداهن([211]).
وكان
يقول له: واعلم
أنك من أبناء
الطلقاء
الذين لا تحل
لهم الخلافة
ولا يعرض فيهم
الشورى([212]).
وكذلك
قال ابنه
الحسن
لمعاوية في
كتاب الصلح
الذي استقر
بينهما: هذا ما
صالح عليه
الحسن بن علي
بن أبي طالب
معاوية بن أبي
سفيان: صالحه
على أن يسلم
إليه ولاية
أمر
المسلمين،
على أن يعمل
فيهم بكتاب
الله وسنة
رسوله صلى
الله عليه
وسلم وسيرة
الخلفاء
الراشدين،
وليس لمعاوية
بن أبي سفيان
أن يعهد إلى
أحد من بعده
عهداً، بل
يكون الأمر من
بعده شورى بين
المسلمين([213]).
فهل
ترى بعد كل هذا
أن الأمير أو
ابنه رضي الله
عنهما يرون
رأي من زعموا
أنهم من
شيعتهم من أن
الله عز وجل
ورسوله صلى
الله عليه
وسلم قد نصا
عليهما رضي
الله عنهما،
أو أنهم
يقررون مبدأ
الشورى وبه
يستمدون
شرعية
إمامتهم
للمؤمنين دون
أن يتطرقوا
إلى ذكر أي نص
من تلك النصوص
التي زعمها
القوم لهم،
وهم في تلك
الحال من
الخلاف، وفي
موطن هم بأمس
الحاجة فيه
إلى ذكر نص من
تلك النصوص لو
وجدت، ليرد به
على معاوية
الذي احتج
عليه بعدم
اجتماع أهل
الشام عليه؟
فهل
قال له علي رضي
الله عنه
مثلاً: ليس
لاختيار أهل
الشام أو
بيعتهم شأن أو
قيمة، ما دام
الله عز وجل
ورسوله صلى
الله عليه
وسلم قد نصا
على إمامتي؟
أو أنه رضي
الله عنه دلل
على بيعته
باجتماع أهل
المدينة
عليه، حتى لم
ير شرعية
لخلافته إلا
بقياس ذلك على
بيعة الصديق،
والفاروق،
وذي النورين رضي
الله عنهم أجمعين،
وأن بيعتهم
كانت لله
رضاً، وأنهم
كانوا خلفاء
راشدين،
يستحقون أن
يدعوا من جاء
بعدهم
بالاقتداء
بهم، لا أنهم
مغتصبون لحق
غيرهم.
ولم
ير خلاف ذلك
وهو يؤكد
شرعيتهم،
ويعلم يقيناً
باعتبار
معتقد القوم
أن الإمامة لا
تكون
بالاختيار أو
الشورى إنما
بنص من الله
ورسوله صلى
الله عليه
وسلم، ومن
جاء من غير هذا
الطريق فهو
كافر ومن
يتولاه فهو
مثله، وأن من
ترك ولايته
خارج عن
الإسلام كما
نسبوا ذلك إلى
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم، كما
مرَّ بك،
ووضعوا في ذلك
العشرات من
الروايات
وجعلوا لها
أبواباً، مثل:
باب: أنه لا
تقبل الأعمال
إلا
بالولاية،
وباب: كفر
المخالفين
والنصّاب،
وغيرها.
فهل
يرى القوم أنه
رضي الله عنه
ترك حقه وهو
يعلم أن تركه
ذلك خروج عن
الإسلام
وإحباط
للأعمال
والطاعات كما
يزعمون، وهو
يتولى من سبقه
ويؤكد شرعية
إمامتهم؛ بل
ويستمد شرعية
إمامته من
إمامتهم،
ويرى أن ذلك
كان لله رضاً،
وأنهما قد
أحسنا السيرة
وعدلا في
الأمة، وأنه
كان يرى
الخيرية في
وزارته لهم
دون إمامته،
ويدعو إلى
بيعة غيره،
ويؤكد لهم
التزامه لمن
اختاروه بأنه
سيكون أطوعهم
له كما قال؟
فلم
ير رضي الله
عنه باعتبار
معتقد القوم
أن الخير فيما
اختاره الله
عز وجل، بل رأى
خلاف ذلك،
فرأى أن كونه
وزيراً خير من
اختيار الله
عز وجل له بأن
يكون أميراً.
هكذا
يريد منا
القوم أن
نقول، وهكذا
يريد لنا
القوم أن
نعتقد فيه رضي
الله عنه.
بل
ويرى أن
اختيار ذلك
إلى البشر خير
من تولية إمام
منصوب من
الله، ويحث
الناس على
طاعة من
اختاروه،
ويتقدمهم في
ذلك، وهو يعلم
باعتبار
القوم أن ذلك
خلاف إرادة
الله عز وجل،
وأن الله عز
وجل قد نصَّ
على إمامته
قبل خلق كل شيء
بملايين
السنين، وأنه
علة خلق كل شيء.
ويرينا
القوم أنه ضرب
بعرض الحائط
كل هذا، وترك
كل تلك النصوص
التي زعمها
القوم له منذ
بدء العشيرة،
مروراً بـ:
إنما وليكم
الله، وإنما
يريد الله،
وعشرات
غيرها، بل
ومئات،
وانتهاء
بحادثة
الغدير، ليرى
تنصيب غيره،
وترك ما أمر به
الله عز وجل
ورسوله صلى
الله عليه
وسلم، ويطلب
بذلك رضا
الناس بسخط
الله عز وجل.
وكأنه
نسي قول رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم: من طلب
رضى الناس
بسخط الله جعل
الله حامده من
الناس ذاماً([214]).
وقولـه:
لا دين لمن دان
بطاعة من عصى
الله([215]).
وهو
يرى أن من تولى
على المسلمين
دونه غير عاص
لله، كيف وهو
يدعو إلى
طاعته، ويرى
أن ذلك لله
رضاً.
وكأنه
نسيَ قوله صلى الله
عليه وسلم: من
أرضى سلطاناً
جائراً بسخط
الله خرج من
دين الله([216]).
بل
قوله هو رضي
الله عنه: لا
دين لمن دان
بطاعة
المخلوق في
معصية الخالق([217])،
وغيرها.
فضلاً
عن عشرات
الروايات
الأخرى في
عقاب من ادعى
الإمامة بغير
حق أو أطاع
إماماً
جائراً،
كقولـهم عن
الصادق: ثلاثة
لا ينظر الله
إليهم يوم
القيامة ولا
يزكيهم ولهم
عذاب أليم: من
ادعى إمامة من
الله ليست له،
ومن جحد
إماماً من
الله، ومن زعم
أن لهما -أي:
أبا بكر وعمر
رضي الله
عنهما- في
الإسلام نصيب.
وقولـه
في قولـه
تعالى: ((وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ
تَرَى
الَّذِينَ
كَذَبُوا
عَلَى
اللَّهِ
وُجُوهُهُمْ
مُسْوَدَّةٌ))
[الزمر:60]،
قال: من ادعى
أنه إمام وليس
بإمام، وإن
كان علوياً
فاطمياً.
وقولـه:
من ادعى
الإمامة وليس
من أهلها فهو
كافر.
وقولـه:
إن هذا الأمر
لا يدعيه غير
صاحبه إلا بتر
الله عمره.
وقولـه:
من خرج يدعو
الناس وفيهم
من هو أفضل منه
فهو ضال مبتدع.
وقول
الباقر: من
ادعى مقامنا -يعني:
الإمامة- فهو
كافر. وغيرها
وهي كثيرة([218]).
بهذا
تكون أقوال
الأمير رضي
الله عنه
السابقة قد
أسقطت كل ما
أوردناه من
أول الكتاب من
أحاديث
وروايات
منسوبة إلى
الله عز وجل
ورسوله صلى
الله عليه
وسلم
والصحابة
والأئمة رضي
الله عنهم
أجمعين.
وأكد
إقراره رضي
الله عنه
بمنهج القرآن
الكريم: ((وَشَاوِرْهُمْ
فِي الأَمْرِ))
[آل عمران:159].
و:
((وَأَمْرُهُمْ
شُورَى
بَيْنَهُمْ))
[الشورى:38].
لذا
فلا عجب من أن
يردد رضي الله
عنه: إنما
الشورى
للمهاجرين
والأنصار،
فإن اجتمعوا
على رجل وسموه
إماماً كان
ذلك لله رضاً.
ولا
عجب من أن يقول
لمعاوية في
المهاجرين
والأنصار: وما
كان الله
ليجعلهم -وفي
لفظ: ليجمعهم-
على ضلالة ولا
يضربهم
بالعمى([219]).
ويقول
للخوارج وقد
خطئوه وضللوه:
فإن أبيتم إلا
أن تزعموا أني
أخطأت وضللت
فلم تضللون
عامة أمة محمد صلى
الله عليه
وسلم بضلالي([220])؟
كيف
لا وهو رضي
الله عنه قد
سمع رسول الله صلى
الله عليه
وسلم يقول: لا
تجتمع أمتي
على ضلالة([221]).
رأيت -عزيزي القاري- في هذا الباب كيف أن الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم هو من أعظم المطايا لأهل الأهواء