الرد
على
الاستدلال
بما صح من
الروايات
إذا
عرفت هذا
فيكون الكلام
فيما صح من أمر
الغدير وبيان
وجه
الاستدلال
به، ولكن قبل
هذا لا أرى
بأساً من
تعليق بسيط
فيما يتعلق
بشأن زعم نزول
الآيتين
الكريمتين: [التبليغ،
وإكمال الدين]
في قصة الغدير.
فأقول:
إن القوم
أثبتوا في
كتبهم أن
النبي صلى
الله عليه
وسلم كان
يتحارسه
أصحابه،
فأنزل الله: ((يَا
أَيُّهَا
الرَّسُولُ
بَلِّغْ مَا
أُنزِلَ
إِلَيْكَ
مِنْ رَبِّكَ))
[المائدة:67]،
فترك الحرس
حين أخبره
تعالى أنه
يعصمه من
الناس لقولـه: ((وَاللَّهُ
يَعْصِمُكَ
مِنْ
النَّاسِ)) [المائدة:67].
وفي
رواية:
قال لحراس من
أصحابه كانوا
يحرسونه -منهم:
سعد، وحذيفة-:
الحقوا
بملاحقكم،
فإن الله
سبحانه عصمني
من الناس([122])..
وغيرها.
وهذا
تماماً ما
أثبته أهل
السنة في
كتبهم من طرق
صحيحة عن
النبي صلى
الله عليه
وسلم، أضف
إلى ذلك أن
سورة المائدة -التي
منها هاتان
الآيتان- قد
نزلت
بالمدينة،
إلا آية إكمال
الدين، وقد
أثبت القوم
ذلك في
تفاسيرهم([123])،
وهو الصحيح،
وآية إكمال
الدين هذه
نزلت يوم
عرفات، كما
ثبت بالنقل
الصحيح، وقد
سلَّم القوم
بذلك([124]).
فتبين
عندك أنه لم
ينزل يوم
الغدير الذي
هو يوم الثامن
عشر من ذي
الحجة شيء من
القرآن، وحسب
هذا
الاستدلال كل
هذا الاضطراب.
وهذا
أيضاً يجرنا
إلى القول بأن
ما أنزل الله
بشأنه آية
إكمال الدين
يوم عرفة إنما
كان ركن الحج
الذي هو آخر
أركان الدين.
نعم،
نزلت بعض
مسائل الحلال
والحرام
بعدها، وإنما
القول هنا
بإكمال أركان
الإسلام،
وهذا يعني أن
الغدير وما
كان فيه لم يكن
من أركان
الإسلام، هذا
إن كان فيه
أصلاً ما يفيد
ذلك، وستقف
على خلافه.
وكان
للقوم في هذا
الإشكال -أعني:
أن أركان
الإسلام
اكتملت بركن
الحج ونزول
آية الإكمال،
وهي تفيد
الحصر الزمني
بذلك اليوم
والإكمال
بصيغة وقوع
الفعل لقولـه: ((الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ
لَكُمْ
دِينَكُمْ)) [المائدة:3]
أي: أن يوم
إكمال الدين
إنما كان يوم
عرفة، وهو
اليوم التاسع
من ذي الحجة،
وليس يوم
الغدير الذي
كان في اليوم
الثامن عشر
منه.
أقول:
وقد
كان للقوم في
هذا الإشكال
اضطرابٌ
بيِّنٌ وتكلف
واضح في رده:
فمن
ذلك: قول أحدهم:
إنه من الجائز
أن ينزل الله
سبحانه معظم
السورة وفيه
قولـه: ((الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ
لَكُمْ
دِينَكُمْ)) [المائدة:3]،
وينزل معه أمر
الولاية كل
ذلك يوم عرفة،
فأخر النبي صلى
الله عليه
وسلم بيان
الولاية إلى
غدير خم، وقد
كان تلا آيتها
يوم عرفة([125]).
وقبله
نسبوا إلى
الباقر أنه
قال في حديث
طويل عما فرض
الله عز وجل
على العباد،
ثم نزلت
الولاية،
وإنما أتاه
ذلك في يوم
الجمعة
بعرفة، أنزل
الله عز وجل: ((الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ
لَكُمْ
دِينَكُمْ)) [المائدة:3]
وكان كمال
الدين بولاية
علي بن أبي
طالب...
الرواية([126]).
فأنت
ترى هنا
تصريحاً
بنزولها يوم
عرفة، أي: يوم
التاسع من ذي
الحجة، فكيف
يزعم القوم
أنها نزلت يوم
الثامن عشر
منه، أي: يوم
الغدير، وقد
رد البعض على
هذه الرواية
بأن عرفة
يحتمل أن تكون
هنا بالضم،
وهي اسم
لثلاثة عشر
موضعاً، فلا
يبعد أن يكون
أحدها قريباً
من غدير خم([127])،
والقوم
معذورون، إذ
قد اضطربوا
بهذه
الروايات.
ثم
لا أدري كيف
يمكن تلاوة
آية تفيد وقوع
الإكمال
للدين، وفي
يوم محدد وهو
يوم عرفة في
هذا الحشد
الهائل ممن
كان معه صلى
الله عليه
وسلم والذي
بلغ في رواية
تسعين ألفاً.
وفي
أخرى:
مائة ألف
وأربعة عشر
ألفاً.
وأخرى:
مائة
ألف وعشرون
ألفاً.
وأخرى:
مائة ألف
وأربعة
وعشرون
ألفاً، وقيل
غير ذلك([128]).
وبعد
بيان مناسك
الحج الذي هو
آخر الأركان،
وذكرِ
القواعد
العامة
للإسلام كما
جاء في خطبة
الوداع
باتفاق
المسلمين،
وقولـه صلى
الله عليه
وسلم: ألا هل
بلغت؟ ألا هل
بلغت؟ فقال من
حضر: نعم، فقال:
اللهم اشهد،
وأمر بتبليغ
الحاضر
للغائب،
ويكون مما أمر
بتبليغه حصل
ذلك اليوم.
لا
أدري كيف يكون
هذا؟ ثم يأتي
قائل فيقول: إن
أمر الولاية
نزل يوم عرفة،
فأخر النبي صلى
الله عليه
وسلم بيان
ذلك حتى بلغ
غدير خم الذي
يقع على بعد
عشرة فراسخ من
المدينة،
وعلى أربعة
أميال من
الجحفة، حيث
إن كثيراً من
الذين حجوا
معه أو أكثرهم
لم يكونوا معه
يوم الغدير،
بل بقي أهل مكة
في موطنهم،
ورجع أهل
الطائف وأهل
اليمن وأهل
البوادي
القريبة من
ذاك إلى
مواطنهم،
وإنما رجع معه
أهل المدينة
ومن كان
قريباً منها،
حيث لم يبق معه
يوم الغدير -حسب
روايات القوم-
سوى اثني عشر
ألف رجل، أو
عشرة آلاف رجل
كما في أخرى،
أو ألف
وثلاثمائة
رجل كما في
رواية الباقر([129])،
من أصل المائة
ألف وأربعة
وعشرين ألفاً
الذين كانوا
معه يوم عرفة،
كما مرَّ بك.
فدل
ذلك على أن ما
جرى يوم
الغدير لم يكن
مما أمر
بتبليغه
كالذي بلغه صلى
الله عليه
وسلم في حجة
الوداع،
والذي لم يصح
فيه ذكر لعلي
رضي الله عنه،
وأن قولـه صلى
الله عليه
وسلم: هل
بلغت؟ دليل
على أن الله عز
وجل ضمن له
العصمة من
الناس إذا بلغ
الرسالة، مما
يدل على أن
نزول آية
التبليغ
سابقة ليوم
عرفة فضلاً عن
يوم الغدير،
حيث لم يكن
خائفاً من أحد
يحتاج أن
يعتصم منه، بل
كل من كان معه
مسلمون
منقادون له،
ليس فيهم
كافر،
والمنافقون
مقموعون
مسرون للنفاق
ليس فيهم من
يحاربه ولا من
يخاف الرسول صلى
الله عليه
وسلم منه،
كما قيل في ذلك.
ومن
الطرائف: أن
القوم ملئُوا
كتبهم من حماس
النبي صلى
الله عليه
وسلم في
تبليغ ولاية
علي رضي الله
عنه إلى قومه
قبل ذلك
بكثير،
خلافاً
لمشيئة الله
عز وجل كما
تروي
رواياتهم،
وهو الأمر
الذي نراه قد
انقلب تماماً
هنا، فمن هذه
الروايات:
ما
نسبوه إلى
الباقر أنه
قال في قولـه
تعالى: ((وَلا
تَجْهَرْ
بِصَلاتِكَ
وَلا
تُخَافِتْ
بِهَا
وَابْتَغِ
بَيْنَ
ذَلِكَ
سَبِيلاً)) [الإسراء:110]
قال: لا تجهر
بولاية علي
فهو الصلاة،
ولا بما
أكرمتك به حتى
آمرك، فأما
قوله: ((وَابْتَغِ
بَيْنَ
ذَلِكَ
سَبِيلاً)) [الإسراء:110]
يقول: تسألني
أن آذن لك أن
تجهر بأمر علي
بولايته،
فأذن له
بإظهار ذلك
يوم غدير خم،
فهو قولـه
يومئذٍ: اللهم
من كنت مولاه
فعلي مولاه،
اللهم وال من
والاه، وعاد
من عاداه([130]).
فأنت
ترى أنه صلى
الله عليه
وسلم بزعم
القوم أراد
إبلاغ ولاية
علي بن أبي
طالب رضي الله
عنه قبل
الغدير بأكثر
من عشر سنوات،
إذا علمنا أن
سورة الإسراء
التي منها هذه
الآية من
السور المكية.
بل
نراه يوم عرفة
غير هائب
لقومه في بيان
فضائل علي على
الملأ، كما
يروي القوم
أنه صلى
الله عليه
وسلم قال: إني
رسول الله
إليكم غير
هائب لقومي
ولا محاب
لقرابتي، هذا
جبرئيل
يخبرني أن
السعيد كل
السعيد حق
السعيد من أحب
علياً في
حياتي وبعد
موتي([131]).
ثم
يقولون
بتردده حتى
يوم الغدير،
والغريب أن
القوم وهم
يقولون بعصمة
النبي صلى
الله عليه
وسلم
والأئمة
بالصورة التي
ذكرناها لك
عند الكلام في
آية التطهير،
وبالرغم من
استماتتهم في
رد كل ما ينافي
تلك العصمة،
نراهم هنا
يستميتون في
بيان خلاف
ذلك، لأنهم
يرون أن في ذلك
خدمة
لمعتقدهم.
فلم
نر أحداً منهم
رد على هذا
الأمر الذي
فيه خلاف
النبي صلى
الله عليه
وسلم في
تبليغ أمرٍ من
أمور الشرع،
حتى بدأ الناس
ينفضون من
حوله ويعودون
إلى أوطانهم،
حتى لم يبق معه
سوى القليل،
وكان جبرئيل
عليه السلام
ينزل المرة
تلو الأخرى
بالأمر
بتبليغ رسالة
ربه، والنبي صلى
الله عليه
وسلم يتردد،
حتى استوجب
غضب الله عز
وجل وتهديده،
حتى قال هو صلى
الله عليه
وسلم كما
مرَّ بك بزعم
القوم: تهديد
بعد وعيد،
لأمضين أمر
الله عز وجل،
فإن يتهموني
ويكذبوني فهو
أهون علي من أن
يعاقبني
العقوبة
الموجبة في
الدنيا
والآخرة.
فلم
نجد أحداً
منهم رد هذا
الخلاف البين
المنافي
للعصمة بل نرى
العكس، فقد
وضعوا في
إثبات ذلك
روايات عدة،
منها ما هو في
غير هذه
المناسبة، بل
إن ذلك كان منه
صلى الله
عليه وسلم
بزعمهم منذ
بدء الدعوة،
فمن هذه
الروايات:
عن
علي رضي الله
عنه قال: لما
نزلت هذه
الآية على
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم: ((وَأَنذِرْ
عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ))
[الشعراء:214]
دعاني رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم، فقال
لي: ياعلي، إن
الله أمرني أن
أنذر عشيرتي
الأقربين،
قال: فضقت بذلك
ذرعاً وعرفت
أني متى
أناديهم بهذا
الأمر أرى
منهم ما أكره،
فَصَمتُّ على
ذلك وجاءني
جبرئيل عليه
السلام، فقال:
يا محمد، إنك
إن لم تفعل ما
أمرت به عذبك
ربك عز وجل...
الرواية([132]).
وعن
جابر الجعفي
قال: قرأت عند
أبي جعفر قول
الله تعالى: ((لَيْسَ
لَكَ مِنْ
الأَمْرِ
شَيْءٌ)) [آل
عمران:128]
قال: بلى
والله، إن له
من الأمر
شيئاً وشيئاً
وشيئاً، وليس
حيث ذهبت،
ولكني أخبرك،
ثم ذكر أن الله
عز وجل أمر
رسوله صلى
الله عليه
وسلم بإظهار
ولاية علي رضي
الله عنه،
ففكر في عداوة
قومه له
ومعرفته بهم..
إلى أن قال:
ضاق عن ذلك
صدره، فأخبر
الله أنه ليس
له من هذا
الأمر شيء([133]).
ومنها:
أن جبرئيل
عليه السلام
نزل على رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم بولاية
علي، فقال: يا
جبرئيل، أخاف
مِنْ تشتت
قلوب القوم -وفي
رواية: وبكى-
فقال له
جبرئيل عليه
السلام: مالك
يا محمد أجزعت
من أمر الله؟
فقال: كلا يا
جبرئيل، ولكن
قد علم ربي ما
لقيت من قريش
إذ لم يقروا لي
بالرسالة حتى
أمرني
بجهادي،
وأهبط إلي
جنوداً من
السماء
فنصروني،
فكيف يقروا
لعلي من بعدي؟
فانصرف عنه
جبرئيل، ثم
نزل عليه: ((فَلَعَلَّكَ
تَارِكٌ
بَعْضَ مَا
يُوحَى
إِلَيْكَ
وَضَائِقٌ
بِهِ
صَدْرُكَ)) [هود:12]
([134]).
وفي
أخرى
متصلة
بالغدير: عن
الباقر قال:
فلم يبلغ ذلك
وخاف الناس.
وفي
أخرى:
وامتنع رسول
الله من
القيام بها
لمكان الناس([135]).
بل
وجعلوا ذلك في
أدعية يوم
الغدير، حيث
ذكروا في ذلك
عن الصادق في
دعاءٍ طويل
فيه: أمرته أن
يبلغ عنك ما
أنزلت إليه من
موالاة ولي
المؤمنين
وحذرته
وأنذرته إن لم
يبلغ أن تسخط
عليه([136])..
وهكذا.
بل
وذكروا أن
حفيد إبليس
كان أحرص على
ذلك من النبي صلى
الله عليه
وسلم، حيث
رووا أنه أتى
النبي صلى
الله عليه
وسلم فسلم
عليه، وقال: من
تكون؟ فقال:
أنا الهام بن
الهيم بن
لاقيس بن
إبليس، فقال صلى
الله عليه
وسلم: بينك
وبين إبليس
أبوان؟ قال:
نعم يا رسول
الله، فذكر
حديثاً
طويلاً فيه: أن
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم سأل
الهام حاجته؟
فقال: حاجتي أن
تأمر أمتك أن
لا يخالفوا
أمر الوصي([137])،
وغيرها.
فكيف
يقرون بصدور
كل هذا منه صلى
الله عليه
وسلم من تردد
وخشية الناس،
وهو الذي نزل
عليه قولـه
تعالى: ((وَتَخْشَى
النَّاسَ
وَاللَّهُ
أَحَقُّ أَنْ
تَخْشَاهُ)) [الأحزاب:37]
في مسألة من
المباحات،
بينما نجده
هنا في مسألة
من أعظم أركان
الدين بزعم
القوم.
ومن
الطرائف:
أن من قال من
المسلمين
بجواز الخطأ
على الأنبياء
إنما قال ذلك
في الجانب
البشري لا
التشريعي، أو
فيما يبلغه صلى
الله عليه
وسلم عن ربه،
خلافاً
لمعتقد القوم
في العصمة من
أن الأنبياء
والأئمة
معصومون
مطهرون من كل
دنس، وأنهم لا
يذنبون ذنباً
صغيراً ولا
كبيراً ولا
يعصون الله ما
أمرهم
ويفعلون ما
يؤمرون، ومن
نفى عنهم
العصمة في شيء
من أحوالهم
فقد جهلهم،
وأن ذلك يكون
قبل النبوة
والإمامة
وبعدها، بل من
وقت ولادتهم
إلى أن يلقوا
الله سبحانه،
فلا يقع منهم
ذنب أصلاً لا
عمداً ولا
نسياناً ولا
خطأ في
التأويل ولا
إسهاءً من
الله سبحانه...
إلى آخر ما
قالوه في هذا
الشأن، وقد
مرَّ بك، ولكن
تراهم هنا قد
تغاضوا عن كل
ما بنوه
وأسسوه،
وجوزوا ذلك
عليه، وهذا في
الجانب
التبليغي،
وهذا من عجائب
التناقضات
عند القوم وما
أكثرها!
نعود
إلى الكلام
أيضاً في شأن
هذه الآية -أعني:
آية التبليغ-
فالاستدلال
هنا كما ترى
وكما ذكرنا
إنما هو
بالقرآن،
والآية عامة
في كل ما نزل،
وليس فيها ذكر
لشيء معين،
وما ذهب إليه
القوم هو
الاستدلال
بالخبر لا
بالقرآن
لخلوه من ذكر
علي رضي الله
عنه.
وعندما
تفطن بعضهم
إلى هذا -مع
يقينهم بعدم
صحة كل ما
أوردوه في
إثبات نزول
الآية في هذا
المقام كما مر
بك- ذهب إلى
القول بأن اسم
علي رضي الله
عنه كان من ضمن
ألفاظ الآية
إلا أنه حذف.
ومن
ذلك: قول القمي
صاحب التفسير
في مقدمته:
وأما ما هو
محرف، فمنه
قولـه: [يا
أيها الرسول
بلغ ما أنزل
إليك من ربك في
علي وإن لم
تفعل فما بلغت
رسالته]([138]).
ومنها:
ما رووه عن زر،
عن أبي
عبدالله قال:
كنا نقرأ على
عهد رسول الله صلى
الله عليه
وسلم: يا أيها
الرسول بلع ما
أنزل إليك من
ربك أن علياً
مولى
المؤمنين،
فإن لم تفعل
فما بلغت
رسالته،
والله يعصمك
من الناس([139]).
ومنها:
عن عيسى بن
عبدالله، عن
أبيه، عن جده
في قولـه: يا
أيها الرسول
بلغ ما أنزل
إليك في علي،
وإن لم تفعل
عذبتك عذاباً
أليما، فطرح
عدوي -أي: عمر-
اسم علي([140]).
وغيرها([141]).
فليس
هناك أدل من
هذا على تهافت
هذا
الاستدلال.
إلى
هنا تبين لنا
بالدلائل
القاطعة فساد
كل ما قيل في
شأن الغدير من
نزول آيات من
القرآن، ومن
تردد النبي صلى
الله عليه
وسلم في
تبليغ ما أمر
به، ومن كون
ذلك منذ يوم
عرفة، ومن
روايات
مصطنعة بتكلف
بَيّن، مثل
رَدِّ مَنْ
تقدم من القوم
وحبس من تأخر،
وأنه كان
يوماً هاجراً
يضع الرجل بعض
ردائه على
رأسه وبعضه
تحت قدميه من
شدة الرمضاء..
إلى آخر ما
وضعوه في ذلك،
حتى خلصنا إلى
بيان أن ما كان
من شأن غدير خم
ليس سوى قولـه صلى
الله عليه
وسلم: (من كنت
مولاه، فعلي
مولاه، اللهم
وال من والاه،
وعاد من عاداه)
ولكن ما الذي
استوجب قولـه صلى
الله عليه
وسلم لهذا في
حق علي رضي
الله عنه؟
لا
جدال في أن
علياً رضي
الله عنه كان
في اليمن عند
خروج الرسول صلى
الله عليه
وسلم إلى حجة
الوداع، وأنه
رضي الله عنه
لحق به وحج معه([142])،
وهناك في
اليمن حصلت
أمور بينه
وبين أصحابه
توضحها
روايات عدة:
منها:
ما
رواه عمرو بن
شاس الأسلمي:
أنه كان مع علي
بن أبي طالب في
اليمن، فجفاه
بعض الجفاة
فوجد عليه في
نفسه، فلما
قدم المدينة
اشتكاه عند من
لقيه، فأقبل
يوماً ورسول
الله صلى
الله عليه
وسلم جالس في
المسجد، فنظر
إليه حتى جلس
إليه، فقال: يا
عمرو بن شاس،
لقد آذيتني،
فقلت: إنا لله
وإنا إليه
راجعون، أعوذ
بالله
وبالإسلام أن
أؤذي رسول
الله، فقال: من
آذى علياً فقد
آذاني([143]).
وعن
الباقر قال:
بعث النبي صلى
الله عليه
وسلم علياً
إلى اليمن،
فذكر قضاءه في
مسألة فيها أن
علياً رضي
الله عنه قد
أبطل دم رجل
مقتول، فجاء
أولياؤه من
اليمن إلى
النبي يشكون
علياً فيما
حكم عليهم،
فقالوا: إن
علياً ظلمنا
وأبطل دم
صاحبنا، فقال
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم: إن
علياً ليس
بظلام([144]).
وفي
رواية:
أن النبي صلى
الله عليه
وسلم لما
أراد التوجه
إلى الحج كاتب
علياً رضي
الله عنه
بالتوجه إلى
الحج من
اليمن، فخرج
بمن معه من
العسكر الذي
صحبه إلى
اليمن ومعه
الحلل التي
كان أخذها من
أهل نجران،
فلما قارب مكة
خلف على الجيش
رجلاً، فأدرك
هو رسول الله صلى
الله عليه
وسلم، ثم
أمره بالعودة
إلى جيشه،
فلما لقيهم
وجدهم قد
لبسوا الحلل
التي كانت
معهم، فأنكر
ذلك عليهم،
وانتزعها
منهم،
فاضطغنوا
لذلك عليه،
فلما دخلوا
مكة كثرت
شكايتهم من
أمير
المؤمنين رضي
الله عنه،
فأمر رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم مناديه
فنادى في
الناس: ارفعوا
ألسنتكم عن
علي بن أبي
طالب؛ فإنه
خشن في ذات
الله عز وجل،
غير مداهن في
دينه([145]).
وعن
عمران بن حصين رضي
الله عنه
قال: بعث رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم
جيشاً
واستعمل
عليهم علي بن
أبي طالب رضي
الله عنه، فمشى في
السرية وأصاب
جارية،
فأنكروا ذلك
عليه، وتعاقد
أربعة من
أصحاب رسول
الله، فقالوا:
إذا لقينا
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم
أخبرناه بما
صنع علي.. فذكر
شكوى الأربعة
وإعراض رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم
عنهم، وقولـه: (من
كنت مولاه
فعلي مولاه)
([146]).
وهكذا
بدأت تتضح
الصورة.
وعن
بريدة رضي
الله عنه قال:
بعثنا رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم في
سرية، فلما
قدمنا قال: كيف
رأيتم صحابة
صاحبكم؟ قال:
فإما شكوته أو
شكاه غيري،
قال: فرفعت
رأسي وكنت
رجلاً
مكباباً، قال:
فإذا النبي قد
احمر وجهه وهو
يقول: من كنت
وليه فعلي
وليه([147]).
وفي
رواية
عنه أيضاً رضي
الله عنه قال:
غزوت مع علي
اليمن، فرأيت
منه جفوة،
فلما قدمت على
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم
تنقصته،
فرأيت وجه
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم يتغير،
فقال: يا
بريدة، ألست
أولى
بالمؤمنين من
أنفسهم؟ قلت:
بلى يا رسول
الله، قال صلى
الله عليه
وسلم: فمن كنت
مولاه فعلي
مولاه([148]).
وفي
أخرى:
أن رجلاً كان
باليمن فجفاه
علي بن أبي
طالب، فقال:
لأشكونك إلى
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم، فقدم
على رسول الله صلى
الله عليه
وسلم فسأله
عن علي فشنا
عليه، فقال:
أنشدك بالله
الذي أنزل علي
الكتاب
واختصني
بالرسالة عن
سخط تقول، ما
تقول في علي بن
أبي طالب؟ قال:
نعم يا رسول
الله، قال: ألا
تعلم أني أولى
بالمؤمنين من
أنفسهم؟ قال:
بلى، قال: فمن
كنت مولاه
فعلي مولاه([149]).
فدلت
هذه الروايات
على أن سبب
قولـه صلى
الله عليه
وسلم لذلك
إنما كان بسبب
ما ذكرناه من
شكوى الناس
منه رضي الله
عنه، وأنه ليس
المراد به
الدلالة على
الوصاية إليه
لجعله على
سبب، وبعد
تفرق الحجيج
وانصراف كل
أهل ناحية إلى
ناحيتهم.
والغريب
أن كتب القوم
تذكر أن قولـه صلى
الله عليه
وسلم في حق
علي رضي الله
عنه: من كنت
مولاه فعلي
مولاه، قد كان
تكرر منه قبل
الغدير بسنين
عديدة، مما
يدل على أنه
ليس فيما كان
في يوم الغدير
خاصية مختلفة
لقولـه هذا عن
ذي قبل سوى أن
قولـه يوم ذاك
كان في محضر
الكثير من
أصحابه الذين
خرجوا معه
للحج، ومن
تكرار شكوى
الناس منه في
اليمن، فتوهم
من توهم أن
قولـه ذلك
إنما كان
لبيان
إمامته،
وأضافوا من
عند أنفسهم ما
يؤيد هذا
الزعم؛ من
نزول آيات
التهديد
والوعيد
للنبي صلى
الله عليه
وسلم إن لم
يبلغ ذلك
الزعم... إلى
آخر ما مر بك.
وكما
ذكرنا أن ذلك
كان منه قبل
الغدير، فقد
ذكر القوم
الكثير من
الروايات في
ذلك:
منها:
ما كان يوم
المؤاخاة
الذي ذكرناه،
حيث آخى رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم بين
المهاجرين
والأنصار
وترك علياً
فبكى فذهب إلى
بيته، فأرسل
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم بلالاً رضي
الله عنه في
طلبه، فقال: يا
علي، أجب
النبي، فأتى
علي النبي،
فقال النبي: ما
يبكيك يا أبا
الحسن؟ فقال:
آخيت بين
المهاجرين
والأنصار يا
رسول الله
وأنا واقف
تراني وتعرف
مكاني ولم
تؤاخ بيني
وبين أحد، قال:
إنما ذخرتك
لنفسي، ألا
يسرك أن تكون
أخا نبيك؟ قال:
بلى يا رسول
الله، أنَّى
لي بذلك؟ فأخد
بيده فأرقاه
المنبر، فقال:
اللهم إن هذا
مني وأنا منه،
ألا إنه مني
بمنزلة هارون
من موسى، ألا
من كنت مولاه
فهذا علي
مولاه([150]).
والمؤاخاة
كانت في بداية
الهجرة.
ومنها:
ما كان يوم
التصدق
بالخاتم
بزعمهم، فعن
زيد بن الحسن،
عن جده رضي
الله عنه قال:
سمعت عمار بن
ياسر رضي الله
عنه يقول: وقف
لعلي بن أبي
طالب سائل وهو
راكع في صلاة
تطوع، فنزع
خاتمه فأعطاه
السائل، فأتى
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم فأعلمه
ذلك، فنزل على
النبي صلى
الله عليه
وسلم هذه
الآية: ((إِنَّمَا
وَلِيُّكُمْ
اللَّهُ
وَرَسُولُهُ
وَالَّذِينَ
آمَنُوا
الَّذِينَ
يُقِيمُونَ
الصَّلاةَ
وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ
وَهُمْ
رَاكِعُونَ))
[المائدة:55]،
فقرأها رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم علينا،
ثم قال: من كنت
مولاه فعلي
مولاه، اللهم
وال من والاه
وعاد من عاداه([151]).
ومنها:
ما جاء في حديث
الطير وقول
الرسول صلى
الله عليه
وسلم: اللهم
ائتني بأحب
خلقك إليك،
فجاء علي،
فقال: اللهم
وال من والاه
وعاد من عاداه([152]).
وغيرها.
فهذه
مواطن قال
فيها رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم: من كنت
مولاه فهذا
علي مولاه،
وهي مقولة
الغدير
تماماً، فما
الذي استوجب
كل ما ذكره
القوم في
حادثة الغدير
من قصص
وحكايات،
وتهديد ونزول
آيات، ما
داموا يقرون
أنه لم يكن منه
غير هذه
المقولة، وقد
وردت عنه صلى
الله عليه
وسلم منذ
سنين عدة كما
رأيت.
فإن
كان في هذا
دلالة على
الإمامة فقد
ذكرها قبل
الغدير، وإن
لم يكن فقد
أسقط في يد
القوم.
وهذا
تماماً
كقولنا الذي
كررناه، وهو
إن كان ما نحن
فيه من
استدلال هو
دليل النص على
الإمامة، فقد
أبطلوا
النصوص
السابقة منذ
بدء العشيرة،
مروراً
بحادثة ((وَالنَّجْمِ
إِذَا هَوَى))
[النجم:1]،
والتصدق
بالخاتم،
ناهيك عما
أوردناه في
مقدمة الباب
الأول([153])،
وإن كان العكس
فأي جديد في
الغدير؟!
ويذكرني
هذا بقول
الصدوق في
حديث الغدير:
ونظرنا فيما
يجمع له النبي
صلى الله عليه
وسلم الناس
ويخطب به
ويعظم الشأن
فيه، فإذا هو
شيء لا يجوز أن
يكونوا علموه
فكرره عليهم،
ولا شيء لا
يفيدهم
بالقول فيه
معنى، لأن ذلك
صفة العابث،
والعبث عن
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم منفي([154]).
فهذا
اعتراف من
صدوق القوم أن
كل ما مر بك من
أول الكتاب
إلى
الاستدلال
السابق ليس
فيه ما يفيد
النص على
الإمامة لعلي
رضي الله عنه؛
لأنه بزعمه لا
يجوز أن يكون
شيئاً علموه
فكرره عليهم.
وبعيداً
عن كل ما
ذكرناه،
لنتكلم الآن
في دلالة ما صح
من حديث غدير
خم وهو قولـه صلى
الله عليه
وسلم: (من كنت
مولاه فهذا
علي مولاه)،
حيث إن هذا
الجزء يكاد
يتفق عليه
جميع
المسلمين،
وهو صحيح كما
ذكرنا في
مقدمة هذا
الاستدلال.
فنقول:
ورد ذكر
الموالاة
ومشتقاتها في
القرآن
الكريم في
عشرات
المواضع منها: ((إِنَّمَا
وَلِيُّكُمْ
اللَّهُ
وَرَسُولُهُ
وَالَّذِينَ
آمَنُوا
الَّذِينَ
يُقِيمُونَ
الصَّلاةَ
وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ
وَهُمْ
رَاكِعُونَ))
[المائدة:55].
وقولـه: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْم