ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: يا علي، إن فاطمة بضعة مني، وهي نور عيني، وثمرة فؤادي، يسوؤني ما ساءها، ويسرني ما سرها، وإنها أول من يلحقني من أهل بيتي، فأحسن إليها بعدي، وأما الحسن والحسين فهما ابناي وريحانتاي، وهما سيدا شباب أهل الجنة، فليكرما عليك كسمعك وبصرك([137]).

ومثلها للزهراء، فعن الصادق قال: أوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم: قل لفاطمة: لا تعصي علياً، فإنه إن غضب غضبت لغضبه([138]).

فلا شك أن صدور أمثال هذه التحذيرات؛ بل ونزول وحي فيه لا يسعف القوم فيما ذهبوا إليه من القول بالعصمة، ولعلك من قراءة ما سيأتي ستقف على ما إذا كان الأمير والزهراء رضي الله عنهما قد أخذا بتلك الوصايا أم لا.

عن معاوية قال: دخل الحسن بن علي على جده صلى الله عليه وسلم وهو يتعثر بذيله، فأسر إلى النبي صلى الله عليه وسلم سراً فرأيته وقد تغير لونه، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى منزل فاطمة، فأخذ بيدها فهزها إليه هزاً قوياً، ثم قال: يا فاطمة، إياك وغضب علي فإن الله يغضب لغضبه ويرضى لرضاه، ثم جاء علي فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده ثم هزها إليه هزاً خفيفاً، ثم قال: يا أبا الحسن، إياك وغضب فاطمة، فإن الملائكة تغضب لغضبها وترضى لرضاها، فقلت: يا رسول الله، مضيت مذعوراً وقد رجعت مسروراً، فقال: يا معاوية، كيف لا أسر وقد أصلحت بين اثنين هما أكرم الخلق على الله([139]).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلياً رضي الله عنه دخلا على فاطمة، فقال صلى الله عليه وسلم: عشينا غفر الله لك، فأخذت الجفنة فوضعتها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب، فلما نظر علي بن أبي طالب إلى الطعام وشم ريحه رمى فاطمة ببصره رمياً شحيحاً، قالت له فاطمة: سبحان الله! ما أشح نظرك وأشده، هل أذنبت فيما بيني وبينك ذنباً استوجبت به السخطة؟ قال: وأي ذنب أعظم من ذنب أصبته، أليس عهدي إليك اليوم الماضي وأنت تحلفين بالله مجتهدة ما طعمت طعاماً مذ يومين؟ والقصة طويلة أخذنا منها موضع الحاجة([140]).

وفي قصة أخرى شبيهة بقصتنا هذه، قال: يا فاطمة، من أين لك هذا ولم يكن عهد عندنا شيئاً؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كل يا أبا الحسن ولا تسأل([141]).

وعن الباقر: تقاضى علي وفاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخدمة، فقضى على فاطمة بخدمة ما دون الباب، وقضى على علي بما خلفه، فقالت فاطمة: فلا يعلم ما داخلني من السرور إلا الله بإكفائي رسول الله صلى الله عليه وسلم تحمل رقاب الرجال([142]).

وكان كثيراً ما يصلح صلى الله عليه وسلم بينهما، وكان يخرج من بيتهما فرحاً، ويسأل عن ذلك، فيقول: كيف لا أفرح وقد أصلحت بين اثنين أحب أهل الأرض إلى أهل السماء([143]).

وعن سلمان رضي الله عنه قال: قالت فاطمة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فوالذي بعثك بالحق مالي ولعلي منذ خمس سنين إلا مسك كبش نعلف عليها بعيرنا، فإذا كان الليل افترشناه، وإن مرفقتنا لمن أدم حشوها ليف([144]).

وعن جابر رضي الله عنه في ذكر قصة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال: وقدم علي من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد فاطمة فيمن أحل ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، فأنكر علي ذلك عليها، فقالت: أبي صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا، وكان علي رضي الله عنه يقول بالعراق: فذهبتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشاً على فاطمة بالذي صنعَت، مستفتياً رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي ذكرت فأنكرت ذلك، قال: صدقت، صدقت([145]).

وما دمنا بصدد هذا الموضوع، نضيف هنا أن الزهراء رضي الله عنها كثيراً ما كانت تشكو حالها إلى أبيها صلى الله عليه وسلم، وإليك بعض روايات القوم في ذلك:

فعن أبي سعيد قال: أتت فاطمة النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت عنده ضعف الحال، فقال لها: أما تدرين ما منزلة علي عندي؟ الرواية([146]).

وعنه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لفاطمة وقد جاءته ذات يوم تبكي وتقول: يا رسول الله، عيرتني نساء قريش بفقر علي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما ترضين يا فاطمة أني زوجتك أقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً.

وفي رواية: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً فاطمة تحدثت نساء قريش وغيرهن وعيرنها، وقلن: زوجك رسول الله من عائل لا مال له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فاطمة، أما ترضين أن الله تبارك وتعالى اطلع اطلاعة إلى الأرض فاختار منها رجلين أحدهما أبوك والآخر بعلك؟

وفي رواية: قالت فاطمة رضي الله عنها: إنك زوجتني فقيراً لا مال له، فقال: زوجتك أقدمهم سلماً، وأعظمهم حلماً، وأكثرهم علماً([147]).

وعن خالد بن ربعي قال: إن علياً رضي الله عنه أتى منزلـه، فقالت له فاطمة رضي الله عنها: يا ابن عم، بعت الحائط الذي غرسه لك والدي؟ قال: نعم بخير منه عاجلاً وآجلاً، قالت: فأين الثمن؟ قال: دفعته إلى أعين استحييت أن أذلها بذل المسألة قبل أن تسألني، قالت فاطمة: أنا جائعة، وابناي جائعان، ولا أشك إلا وأنك مثلنا في الجوع، لم يكن لنا منه درهم؟ وأخذت بطرف ثوب علي، فقال علي: يا فاطمة خليني، فقالت: لا والله أو يحكم بيني وبينك أبي، فهبط جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، ربك يقرئك السلام ويقول: أقرئ علياً مني السلام، وقل لفاطمة: ليس لك أن تضربي على يديه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزل علي وجد فاطمة ملازمة لعلي، فقال لها: يا بنية، مالك ملازمة لعلي؟ قالت: يا أبه، باع الحائط الذي غرسته له باثني عشر ألف درهم، لم يحبس لنا منه درهماً نشتري به طعاماً، فقال: يا بنية، إن جبرئيل يقرئني من ربي السلام، ويقول: أقرئ علياً من ربه السلام، وأمرني أن أقول لك: ليس لك أن تضربي على يديه، قالت فاطمة: فإني أستغفر الله ولا أعود أبداً([148]).

وفي رواية: لما أراد أن يزوجها من علي أسر إليها، فقالت: يا رسول الله، أنت أولى بما ترى، غير أن نساء قريش تحدثني عنه أنه رجل دحداح البطن، طويل الذراعين، ضخم الكراديس، أنزع، عظيم العينين والسكنة، ضاحك السن، لا مال له([149]).

وفي رواية: قالت: يا رسول الله، زوجتني عائلاً؟ فهز رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده معصمها، وقال: لا يا فاطمة، ولكن زوجتك أقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً([150]).

وفي أخرى: قال صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا بنتي؟ قالت: قلة الطعام، وكثرة الهم، وشدة السقم، قال لها: أما والله ما عند الله خير لك مما ترغبين إليه يا فاطمة، أما ترضين أن زوجتك خير أمتي، وأقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً، وأفضلهم حلماً([151]).

وفي أخرى: قال صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا بنية محمد؟ فقالت: حالنا كما ترى في كساء نصفه تحتنا ونصفه فوقنا([152]).

وفي أخرى: عن الصادق: شكت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً، فقالت: يا رسول الله، لا يدع شيئاً من رزقه إلا وزعه على المساكين، فقال لها: يا فاطمة، أتسخطينني في أخي وابن عمي، إن سخطه سخطي وإن سخطي سخط الله عز وجل ([153]).

وروايات شكواها علياً رضي الله عنهما جميعاً واعتراضها عليه كثيرة جداً، وما أوردناه أقلَّ القليل، وقد ذكر القوم أن رسول صلى الله عليه وسلم قال في ذم بعض شكوى بناته زوجها: اقني حياءك، فما أقبح بالمرأة ذات حسب ودين في كل يوم تشكو زوجها! وفي لفظ: إني لأستحيي للمرأة أن لا تزال تجر ذيولها تشكو زوجها([154]).

وفي قصة فدك زعم القوم أنها رضي الله عنها لما انصرفت من عند أبي بكر رضي الله عنه أقبلت على علي رضي الله عنه، فقالت له: يا ابن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حَجرة الظنين، نقضت قادمة الآجل، فخانك ريش الأعزل، هذا ابن أبي قحافة قد ابتزني نحيلة أبي، وليغة ابني، والله أجهد في ظلامتي، وأَلَدَّ في خصامي، حتى منعتني القيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا مانع ولا دافع، خرجت والله كاظمة، وعدت راغمة ولا خيار لي، ليتني مت قبل ذلتي، وتوفيت دون منيتي، عذيري والله فيك حامياً، ومنك داعياً، ويلاه في كل شارق، ويلاه مات العمد، ووهن العضد، شكواي إلى ربي، وعدواي إلى أبي([155]).

وكأن القوم يريدون أن يقولوا: إن الزهراء رضي الله عنها لم تكن ترى في علي رضي الله عنه زوجاً مثالياً ولا نصيراً، وإنها لطالما شكت إلى أبيها الضيعة بعده عليه الصلاة والسلام، وهذه الرواية دليل على ذلك، وإليك أخرى: دخلت -أي: الراوي- على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الحالة التي قبض فيها، فإذا فاطمة عند رأسه، فبكت حتى ارتفع صوتها، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رأسه، فقال: حبيبتي فاطمة، ما الذي يبكيك؟ فقالت: أخشى الضيعة من بعدك، فقال: يا حبيبتي، أما علمت أن الله عز وجل اطلع على الأرض اطلاعة فاختار منها أباك، ثم اطلع اطلاعة فاختار منها بعلك، وأوحى إلي أن أنكحك إياه([156]).

وما دمنا نتحدث عن الزهراء رضي الله عنها؛ فلا بأس من ذكر بعض ما أورده القوم في شأنها مما ينافي العصمة.. دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها مرة وفي عنقها قلادة من ذهب كان قد اشتراها لها علي رضي الله عنه من فيء، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فاطمة، لا يقول الناس: إن فاطمة بنت محمد تلبس لباس الجبابرة، فقطعتها وباعتها واشترت بها رقبة فأعتقتها، فسُرَّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ([157]).

وفي قصة أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بفاطمة، فإذا هو بستر على بابها، ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضة فرجع فلم يدخل عليها، فعرفت رضي الله عنها غضبه لذلك، فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبعثت به إلى أبيها، فقال: ما لآل محمد وللدنيا فإنهم خلقوا للآخرة([158]).

ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم لها مراراً عن البكاء، ففي مرض موته صلى الله عليه وسلم كانت تقول: واكرباه لكربك يا أبتاه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة، إن النبي لا يشق عليه الجيب، ولا يخمش عليه الوجه، ولا يدعى عليه بالويل، ولكن قولي كما قال أبوك على إبراهيم: تدمع العينان، وقد يوجع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب([159]).

وفي رواية: عن الباقر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: إذا أنا مت فلا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا ترخي عليَّ شعراً، ولا تنادي بالويل، ولا تقيمي عليَّ نائحة([160]).

وفي رواية: يا بنية، لا تبكين ولا تؤذين جلساءك من الملائكة([161]).

وفي رواية: أنها أكبت تنظر في وجهه وتندبه وتبكي، وتقول:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه               ثمال اليتامى عصمة للأرامل

ففتح رسول الله صلى الله عليه وسلم عينه، وقال بصوت ضئيل: يا بنية، هذا قول عمك أبي طالب لا تقوليه، ولكن قولي: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) [آل عمران:144] ([162]).

ومنها: أنها طلبت من أبيها صلوات الله وسلامه عليه جارية، فقال: يا فاطمة، والذي بعثني بالحق إن في المسجد أربعمائة رجل ما لهم طعام ولا شراب ولا ثياب، ولولا خشيتي خصلة لأعطيتك ما سألت.

يا فاطمة، إني لا أريد أن ينفك عنك أجرك إلى الجارية، وإني أخاف أن يخصمك علي بن أبي طالب يوم القيامة بين يدي الله عز وجل إذا طلب حقه منك، ثم علمها صلاة التسبيح([163]).

ومنها: أنها رضي الله عنها لما ولدت الحسن رضي الله عنه لفته في خرقة صفراء خلافاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال: ألم أنهكم أن تلفوه في صفراء -وفي لفظ: ألم أعهد إليكن ألا تلفوا المولود في خرقة صفراء- ثم رمى بها وأخذ خرقة بيضاء فلفه فيها([164]).

وعلى أي حال، نكتفي بما أوردناه عنها رضي الله عنها، ونعود إلى ما كنا فيه من الحديث عن علي رضي الله عنه.

ومنها: أن الزهراء قالت في وصية موتها له: يا ابن العم، إني أجد الموت الذي لا محيص عنه، وأنا أعلم أنك بعدي لا تصبر على قلة التزويج، فإن أنت تزوجت امرأة اجعل لها يوماً وليلة واجعل لأولادي يوماً وليلة يا أبا الحسن، ولا تصح في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين، فإنهما بالأمس فقدا جدهما واليوم يفقدان أمهما([165]).

ومنها: عن الصادق في رواية طويلة فيها أن الزهراء رضي الله عنها أخبرت أن علياً رضي الله عنه خطب بنت أبي جهل، فدخلها من الغيرة ما لا تملك، فاشتد غمها من ذلك وبقيت متفكرة حتى أمست وجاء الليل، فحملت الحسن والحسين وأم كلثوم ثم تحولت إلى حجرة أبيها، فجاء علي فدخل حجرته فلم ير فاطمة، فاشتد لذلك غمه وعظم عليه ولم يعلم القصة، فاستحيا أن يدعوها من منزل أبيها فخرج إلى المسجد، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما بفاطمة من الحزن دخل المسجد فلم يزل يصلي، وكلما صلى ركعتين دعا الله أن يذهب ما بفاطمة من الحزن والغم، ثم أخذهم جميعاً إلى علي، فقال: يا علي، أما علمت أن فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله؟ فقال: بلى يا رسول الله، قال: فما دعاك إلى ما صنعت؟ فقال علي: والذي بعثك بالحق نبياً ما كان مني مما بلغها شيء ولا حدثت به نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت وصدقت، ففرحت فاطمة بذلك([166]).

ومنها: وصايا النبي صلى الله عليه وسلم له، فعن الصادق قال: كان فيما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً: يا علي، أنهاك عن ثلاث خصال عظام: الحسد، والحرص، والكذب.

وفي رواية: والكبرياء.

وفي رواية: يا علي، إياك والكذب؛ فإن الكذب يسود الوجه ثم يكتب عند الله كذاباً. وقال: يا علي، احذر الغيبة والنميمة؛ فإن الغيبة تفطر، والنميمة توجب عذاب القبر. وقال: يا علي، لا تحلف بالله كاذباً ولا صادقاً من غير ضرورة.

وفي أخرى: يا علي، أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها عني، ثم قال: اللهم أعنه، أما الأولى فالصدق ولا تخرجن من فيك كذبة أبداً... الحديث([167]).

وعنه أيضاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علياً رضي الله عنه إلى اليمن، فقال له وهو يوصيه: أنهاك من أن تخفر عهداً وتعين عليه، وأنهاك عن المكر فإنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، وأنهاك عن البغي فإنه من بُغي عليه لينصرنه الله([168]).

ومنها: قولـه صلى الله عليه وسلم: يا علي، لا تقاتلن أحداً حتى تدعوه([169]).

وعلى ذكر بعثة الأمير رضي الله عنه إلى اليمن، فقد أورد القوم في ذلك ما ينافي العصمة، منها: ما رواه عن نفسه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن: قلت: يا رسول الله، تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء([170]).

وفي رواية: فقلت له: يا رسول الله، إنهم قوم كثير وأنا شاب حدث([171]).

وفي أخرى: يا رسول الله، إنهم كهول وذو أسنان، وأنا فتى وربما لم أصب فيما أحكم به بينهم([172]).

نعود إلى حديثنا فنقول: ومما رووه في كتبهم مما ينافي العصمة: اعتراضه على كثير من أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فمنها: ما كان منه يوم الحديبية، فلما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح وقرأه على سهيل بن عمرو، قال: لو كنا نعلم أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبدالله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: امح رسول الله؟ فقال: يا رسول الله، إن يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوة.

وفي رواية: ما أمحو اسمك من النبوة أبداً.

وفي أخرى: لا والله لا أمحوك أبداً.

وفي أخرى: فجعل يتلكأ ويأبى، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمحاه([173]).

ومنها: ما كان منه يوم تبوك حيث خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة، فقال رضي الله عنه: يا رسول الله، تخلفني مع النساء والصبيان؟

وفي بعض الروايات: أنه لحق به، فقال صلى الله عليه وسلم: يا علي، ألم أخلفك على المدينة؟

وفي أخرى: لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن المنافقين يزعمون أنك خلفتني استثقالاً ومقتاً.

وفي أخرى: حتى جاء ثنية الوداع وهو يبكي، ويقول: تخلفني مع الخوالف؟

وفي أخرى: قال: أخرج معك؟ قال: لا، فبكى، فلا زال يعارض ذلك حتى استرضاه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى([174]).

ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر علياً بما يلقى بعده، فبكى علي رضي الله عنه، وقال: يا رسول الله، أسألك بحقي عليك وحق قرابتي وحق صحبتي لما دعوت الله عز وجل أن يقبضني إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تسألني أن أدعو ربي لأجل مؤجل؟([175])

ومنها: جهله بمسألة استدركها عليه إبليس، وذلك فيما يرويه القوم من أنه رضي الله عنه صرع إبليس يوماً وجلس على صدره ووضع يديه في حلقه ليخنقه، فقال له: لا تفعل يا أبا الحسن؛ فإني من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم([176]).

وفي رواية: قال: لأقتلنك إن شاء الله، فقال: لن تقدر على ذلك إلى أجل معلوم عند ربي([177]).

وفي رواية: بعد أن أخبره صلى الله عليه وسلم بأنه إبليس، قال: لو علمت يا رسول الله لضربته بالسيف فخلصت أمتك منه، فقال له إبليس: ظلمتني يا أبا الحسن، أما سمعت الله عز وجل يقول: ((وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ)) [الإسراء:64] ([178]).

وفي رواية: قال: أقتله يا رسول الله؟ وفي لفظ: لأقتلنه يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: أما علمت يا علي أنه قد أجل إلى يوم الوقت المعلوم؟ فتركه([179]).

ومنها: ما كان منه يوم المؤاخاة عندما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، حيث زعم القوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: آخيت بين أصحابك وتركتني؟

وفي لفظ: وتركتني فرداً لا أخ لي([180]).

وفي رواية: أنه رضي الله عنه جاء تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد([181]).

وفي أخرى: فانصرف باكي العين، فافتقده النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما فعل أبو الحسن؟ قالوا: انصرف باكي العين يا رسول الله، قال: يا بلال، اذهب فأتني به، فمضى بلال إلى علي وقد دخل منزلـه باكي العين، فقالت فاطمة: ما يبكيك لا أبكى الله عينك؟ قال: يا فاطمة، آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار وأنا واقف يراني ويعرف مكاني ولم يؤاخ بيني وبين أحد([182]).

وفي أخرى: فخرج مغضباً حتى أتى جدولاً من الأرض وتوسد ذراعه ونام فيه تسفي الريح عليه، فطلبه النبي صلى الله عليه وسلم فوجده على تلك الصفة، فركزه برجله، وقال له: قم فما صلحت أن تكون إلا أبا تراب، أغضبت حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم أؤاخ بينك وبين أحد منهم؟([183])

وفي أخرى قال: لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت، فإن كان هذا من سخط علي فلك العتبى والكرامة([184]).

ومنها: أن فاطمة رضي الله عنها دخلت بيتها، فإذا رأس علي في حجر جارية، فقالت: يا أبا الحسن، فعلتها؟ فقال: لا والله يا بنت محمد ما فعلت شيئاً، فما الذي تريدين؟ فلحقها من الغيرة ما يلحق المرأة على زوجها، فتبرقعت ببرقعها ووضعت خمارها على رأسها تريد النبي صلى الله عليه وسلم تشكو علياً، فنزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا محمد، الله يقرأ عليك السلام، ويقول لك: هذه فاطمة تأتيك تشكو علياً فلا تقبلن منها، فلما دخلت فاطمة قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ارجعي إلى بعلك، وقولي له: رغم أنفي لرضاك، فرجعت فاطمة، فقالت: يا ابن عم، رغم أنفي لرضاك رغم أنفي لرضاك، فقال علي: يا فاطمة، شكوتني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واحياءاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ([185]).

ومنها: أخذه رضي الله عنه لمفاتيح الكعبة من عثمان بن أبي طلحة يوم فتح مكة ولوى يده، فنزل قول الله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)) [النساء:58]، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه([186]).

ونكتفي بما أوردناه عن علي رضي الله عنه، وننقل بعض روايات القوم عن السبطين رضي الله عنهما مما ينافي العصمة المزعومة.

من ذلك: وصية الأمير للحسن رضي الله عنه: يا بني، اقتل قاتلي -أي: ابن ملجم- وإياك والمثلة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهها ولو بالكلب العقور([187]).

وفي رواية: يا بني، أنت ولي الأمر بعدي وولي الدم، فإن عفوت فلك، وإن قتلت فضربة مكان ضربة، ولا تأثم([188]).

وعلى ذكر مقتل الأمير رضي الله عنه فقد كان مضطرباً ليلتها اضطراباً أدى إلى تناقض أفعاله، كما تبينه رواية القوم هذه: قالت له أم كلثوم: ما هذا الذي أسهرك؟ فقال: إني مقتول لو قد أصبحت، وأتاه ابن النباح فآذنه بالصلاة، فمشى غير بعيد ثم رجع، فقالت له أم كلثوم: مر جعدة فليصل بالناس، فقال: نعم، مروا جعدة فليصل بالناس، ثم قال: لا مفر من الأجل، فخرج إلى المسجد... القصة([189]).

ومن وصاياه