روايات
من طرق الشيعة
تنافي عصمة
محمد
صلى الله
عليه وسلم:
نبدأ
بنبينا صلى
الله عليه
وسلم، إذ روى
القوم عن
الصادق في شأن
قولـه تعالى: ((وَإِذْ
تَقُولُ
لِلَّذِي
أَنْعَمَ
اللَّهُ
عَلَيْهِ
وَأَنْعَمْتَ
عَلَيْهِ
أَمْسِكْ
عَلَيْكَ
زَوْجَكَ
وَاتَّقِ
اللَّهَ
وَتُخْفِي
فِي نَفْسِكَ
مَا اللَّهُ
مُبْدِيهِ
وَتَخْشَى
النَّاسَ
وَاللَّهُ
أَحَقُّ أَنْ
تَخْشَاهُ)) [الأحزاب:37]،
إن زيد بن
حارثة أبطأ
يوماً عن رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم -وكان قد
زوجه من زينب
بنت جحش- فأتى
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم منزلـه
يسأل عنه،
فإذا زينب
جالسة وسط
حجرتها تسحق
طيباً بفهر -وفي
رواية: تغتسل-
فنظر إليها
وكانت جميلة
حسنة، فقال:
سبحان الله
خالق النور!
وتبارك الله
أحسن
الخالقين -وفي
رواية: سبحان
الذي خلقك- ثم
رجع رسول الله صلى
الله عليه
وسلم إلى
منزلـه ووقعت
زينب في قلبه
موقعاً
عجيباً، وجاء
زيد إلى
منزلـه،
فأخبرته زينب
بما قال رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم، فقال
زيد: هل لك أن
أطلقك حتى
يتزوجك رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم فلعلك
قد وقعت في
قلبه؟ فقالت:
أخشى أن
تطلقني ولا
يتزوجني رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم، فجاء
زيد إلى رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم، فقال:
بأبي أنت وأمي
يا رسول الله،
أخبرتني زينب
بكذا وكذا،
فهل لك أن
أطلقها حتى
تتزوجها؟
فقال رسول
الله: لا، اذهب
فاتق الله
وأمسك عليك
زوجك، فأنزل
الله هذه
الآيات([56]).
وروايات
نظر النبي صلى
الله عليه
وسلم إلى
النساء أمثال
هذه النظرة
كثيرة عند
القوم، نذكر
منها أيضاً: عن
الصادق: قال:
رأى رسول الله صلى
الله عليه
وسلم امرأة
فأعجبته،
فدخل على أم
سلمة وكان
يومها فأصاب
منها، فخرج
إلى الناس
ورأسه يقطر،
فقال: أيها
الناس، إنما
النظر من
الشيطان، فمن
وجد من ذلك
شيئاً فليأت
أهله([57]).
والغريب
أن القوم
أوردوا في
النهي عن
إتيان الأهل
في هذا الحال
روايات عدة([58]).
نعود
إلى حديثنا..
وفي سبب نزول
قولـه تعالى: ((وَإِنْ
عَاقَبْتُمْ
فَعَاقِبُوا
بِمِثْلِ مَا
عُوقِبْتُمْ
بِهِ
وَلَئِنْ
صَبَرْتُمْ
لَهُوَ
خَيْرٌ
لِلصَّابِرِينَ))
[النحل:126]
إن رسول الله صلى
الله عليه
وسلم لما رأى
مصرع حمزة رضي
الله عنه يوم
أحد قال: لئن
أمكنني الله
من قريش
لأقتلن سبعين
رجلاً منهم.
وفي
رواية:
لئن ظفرت
لأمثلن
ولأمثلن([59]).
وقال
تعالى: ((وَلا
تَقُولَنَّ
لِشَيْءٍ
إِنِّي
فَاعِلٌ
ذَلِكَ غَداً *
إِلاَّ أَنْ
يَشَاءَ
اللَّهُ
وَاذْكُرْ
رَبَّكَ
إِذَا
نَسِيتَ)) [الكهف:23-24]،
وذلك أن رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم أتاه
أناس من
اليهود
فسألوه عن
أشياء، فقال
لهم: تعالوا
غداً أحدثكم
ولم يستثن،
فاحتبس
جبرئيل عليه
السلام
أربعين
يوماً، ثم
أتاه فقال: ((وَلا
تَقُولَنَّ
لِشَيْءٍ
إِنِّي
فَاعِلٌ
ذَلِكَ غَداً))
[الكهف:23] ([60]).
والروايات
في آيات عتاب
الله عز
وجل لنبيه صلى
الله عليه
وسلم كثيرة:
كقولـه
تعالى: ((مَا
كَانَ
لِنَبِيٍّ
أَنْ يَكُونَ
لَهُ أَسْرَى
حَتَّى
يُثْخِنَ فِي
الأَرْضِ
تُرِيدُونَ
عَرَضَ
الدُّنْيَا
وَاللَّهُ
يُرِيدُ
الآخِرَةَ
وَاللَّهُ
عَزِيزٌ
حَكِيمٌ *
لَوْلا
كِتَابٌ مِنْ
اللَّهِ
سَبَقَ
لَمَسَّكُمْ
فِيمَا
أَخَذْتُمْ
عَذَابٌ
عَظِيمٌ)) [الأنفال:67-68].
وقولـه:
((عَفَا
اللَّهُ
عَنْكَ لِمَ
أَذِنتَ
لَهُمْ
حَتَّى
يَتَبَيَّنَ
لَكَ
الَّذِينَ
صَدَقُوا
وَتَعْلَمَ
الْكَاذِبِينَ))
[التوبة:43]
حيث أذن صلى
الله عليه
وسلم لقوم في
التخلف عن
الخروج معه
إلى الجهاد.
وقولـه:
((عَبَسَ
وَتَوَلَّى *
أَنْ جَاءَهُ
الأَعْمَى *
وَمَا
يُدْرِيكَ
لَعَلَّهُ
يَزَّكَّى *
أَوْ
يَذَّكَّرُ
فَتَنْفَعَهُ
الذِّكْرَى))
[عبس:1-4].
وقولـه:
((لَيْسَ
لَكَ مِنْ
الأَمْرِ
شَيْءٌ أَوْ
يَتُوبَ
عَلَيْهِمْ
أَوْ
يُعَذِّبَهُمْ
فَإِنَّهُمْ
ظَالِمُونَ))
[آل عمران:128].
وقولـه:
((إِنَّا
أَنزَلْنَا
إِلَيْكَ
الْكِتَابَ
بِالْحَقِّ
لِتَحْكُمَ
بَيْنَ
النَّاسِ
بِمَا
أَرَاكَ
اللَّهُ وَلا
تَكُنْ
لِلْخَائِنِينَ
خَصِيماً *
وَاسْتَغْفِرْ
اللَّهَ
إِنَّ
اللَّهَ
كَانَ
غَفُوراً
رَحِيماً *
وَلا
تُجَادِلْ
عَنْ
الَّذِينَ
يَخْتَانُونَ
أَنفُسَهُمْ
إِنَّ
اللَّهَ لا
يُحِبُّ مَنْ
كَانَ
خَوَّاناً
أَثِيماً)) [النساء:105-107].
وقولـه:
((وَلَوْلا
فَضْلُ
اللَّهِ
عَلَيْكَ
وَرَحْمَتُهُ
لَهَمَّتْ
طَائِفَةٌ
مِنْهُمْ
أَنْ
يُضِلُّوكَ))
[النساء:113]
وغيرها، ومن
أراد
التفاصيل
فعليه بطلبها
في التفاسير.
هذا
ما كان من شأن
القرآن، أما
الروايات
فحدث ولا حرج،
وإليك بعضها:
نبدأ
ذلك بذكر ما
يدل على جواز
نسيانه وسهوه صلى
الله عليه
وسلم، وهو
كما علمت خلاف
ما عليه القوم
كما مرَّ بك
عند ذكرنا
لعقيدة القوم
في عصمة
الأنبياء
والأئمة
صلوات الله
عليهم، يقول
الله عز وجل: ((وَإِذَا
رَأَيْتَ
الَّذِينَ
يَخُوضُونَ
فِي
آيَاتِنَا
فَأَعْرِضْ
عَنْهُمْ
حَتَّى
يَخُوضُوا
فِي حَدِيثٍ
غَيْرِهِ
وَإِمَّا
يُنسِيَنَّكَ
الشَّيْطَانُ
فَلا
تَقْعُدْ
بَعْدَ
الذِّكْرَى
مَعَ
الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ))
[الأنعام:68].
ويقول
تعالى: ((وَاذْكُرْ
رَبَّكَ
إِذَا
نَسِيتَ)) [الكهف:24].
ويقول:
((سَنُقْرِئُكَ
فَلا تَنسَى *
إِلاَّ مَا
شَاءَ
اللَّهُ
إِنَّهُ
يَعْلَمُ
الْجَهْرَ
وَمَا
يَخْفَى)) [الأعلى:6-7].
ويقول
الصدوق: إن
الغلاة
والمفوضة -لعنهم
الله- ينكرون
سهو النبي صلى
الله عليه
وسلم، وذكر
أن شيخه ابن
الوليد يقول:
أول درجة في
الغلو نفي
السهو عن
النبي صلى
الله عليه
وسلم، ولو
جاز أن ترد
الأخبار
الواردة في
هذا المعنى
لجاز أن نرد
جميع
الأخبار، وفي
ردها إبطال
الدين
والشريعة،
وأنا أحتسب
الأجر في
تصنيف كتاب
منفرد في
إثبات سهو
النبي صلى
الله عليه
وسلم والرد
على منكريه([61]).
وقد
تعرض الصدوق
بسبب قولـه
هذا إلى
انتقادات
شديدة
وتشنيعات
كثيرة من
القوم ليس هذا
مكان بيانها،
وإنما سنورد
بعض الروايات
التي تنافي
العصمة من طرق
القوم؛ لتجد
الاضطراب
الحاصل عندهم
بنفسك.
عن
جميل قال: سألت
أبا عبدالله
عن رجل صلى
ركعتين ثم قام
فذهب في
حاجته، قال:
يستقبل
الصلاة، قلت:
فيما يروي
الناس، فذكر
له حديث ذي
الشمالين،
فقال: إن رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم لم يبرح
من مكانه، ولو
برح استقبل([62]).
وعن
أبي بصير قال:
سألت أبا
عبدالله عن
رجل صلى
ركعتين ثم قام
فذهب في
حاجته، قال:
استقبل
الصلاة، قلت:
فما بالُ رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم لم
يستقبل حين
صلى ركعتين،
فقال: إن رسول صلى
الله عليه
وسلم لم
ينفتل من
موضعه([63]).
وعن
الحارث بن
المغيرة قال:
قلت لأبي
عبدالله: إنا
صلينا المغرب
فسها الإمام
فسلم في
الركعتين
فأعدنا
الصلاة، فقال:
لم أعدتم؟
أليس قد انصرف
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم في
الركعتين
فأتم
بركعتين؟ ألا
أتممتم([64])؟
وعنه
أيضاً قال: إن
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم سها
فسلم في
ركعتين، ثم
ذكر حديث ذي
الشمالين،
فقال: ثم قام
فأضاف إليها
ركعتين([65]).
وعن
علي رضي الله
عنه قال: صلى
بنا رسول الله صلى
الله عليه
وسلم الظهر
خمس ركعات، ثم
انفتل، فقال
له بعض القوم:
يا رسول الله،
هل زيد في
الصلاة شيء؟
فقال: وما ذاك؟
قال: صليت بنا
خمس ركعات،
قال: فاستقبل
القبلة وكبر
وهو جالس، ثم
سجد سجدتين
ليس فيهما
قراءة ولا
ركوع ثم سلم،
وكان يقول: هما
المرغمتان([66]).
والمضحك
حمل القوم
أمثال هذه
الروايات على
التقية، فهل
أن علياً رضي
الله عنه في
الرواية
الأخيرة
مثلاً اختلق
وألف تلك
القصة تقية،
فإما أن تكون
القصة قد وقعت
فيتحقق بها
المقصود،
وإما أن يكون
علي رضي الله
عنه قد
اختلقها،
وهذا لا يقول
به أحد من
المسلمين.
وعن
زيد الشحام
قال: إن نبي
الله صلى
بالناس
ركعتين، ثم
نسي حتى
انصرف، فقال
له ذو
الشمالين: يا
رسول الله،
أحدث في
الصلاة شيء؟
فقال: أيها
الناس أصدق ذو
الشمالين؟
فقالوا: نعم،
لم تصل إلا
ركعتين، فقام
فأتم ما بقي من
صلاته([67]).
وفي
رواية أخرى:
فقال: وما ذاك؟
فقال: إنما
صليت ركعتين،
فقال رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم:
أتقولون مثل
قولـه؟ قالوا:
نعم، فقام
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم فأتم
بهم الصلاة
وسجد بهم
سجدتي السهو([68]).
وعن
الصادق قال: إن
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم رقد عن
صلاة الفجر
حتى طلعت
الشمس، ثم
صلاها حين
استيقظ،
ولكنه تنحى عن
مكانه ذلك ثم
صلى([69]).
وعن
الباقر قال:
صلى النبي صلى
الله عليه
وسلم صلاة
وجهر فيها
بالقراءة،
فلما انصرف
قال لأصحابه:
هل أسقطت
شيئاً في
القرآن؟ قال:
فسكت القوم،
فقال النبي صلى
الله عليه
وسلم: أفيكم
أبي بن كعب؟
فقالوا: نعم،
فقال: هل أسقطت
فيها شيئاً؟
قال: نعم يا
رسول الله،
إنه كان كذا
وكذا... الحديث([70]).
والروايات
في الباب
كثيرة، وفيما
أوردناه
كفاية([71])،
ونختمها
برواية
الهروي قال:
قلت للرضا: يا
ابن رسول
الله، إن في
سواد الكوفة
قوماً يزعمون
أن النبي صلى
الله عليه
وسلم لم يقع
عليه السهو في
صلاته، فقال:
كذبوا لعنهم
الله، إن الذي
لا يسهو هو
الله الذي لا
إله إلا هو([72]).
ولا
يفوتك مصدر
أمثال هذه
العقائد.
هذا
ما كان من شأن
سهوه صلى
الله عليه
وسلم، وكما
ذكرنا فقد
أعرضنا عن ذكر
الكثير من
الروايات في
ذلك، وكذا ما
كان من شأن
بقية
الأنبياء
عليهم السلام
في ذلك.
ولنتكلم
الآن في باب
آخر مما
يتعارض مع
معتقد القوم
في العصمة،
وهو قصة سحر
النبي صلى
الله عليه
وسلم.
فقد
ذكرت
الروايات عن
علي رضي الله
عنه أن لبيد بن
أعصم اليهودي
قد سحر النبي صلى
الله عليه
وسلم، فأقام
ثلاثاً لا
يأكل ولا يشرب
ولا يسمع ولا
يبصر ولا يأتي
النساء، فنزل
عليه جبرئيل
عليه السلام
ونزل معه
بالمعوذتين،
فقال له: يا
محمد، ما
شأنك؟ قال: ما
أدري، أنا
بالحال الذي
ترى، ثم أخبره
بقصة سحر ابن
أعصم له([73]).
وفي
رواية
عن الصادق:
وكان صلى
الله عليه
وسلم يرى أنه
يجامع وليس
يجامع، وكان
يريد الباب
ولا يبصره حتى
يلمسه بيده([74]).
ومثلها
في بدء
الدعوة؛ حيث
كان يقول
لخديجة رضي
الله عنها: قد
خشيت أن يكون
خالط عقلي
شيء، وفي لفظ:
لقد خشيت على
عقلي([75]).
ويبدو
أن القوم أكثر
دراية من
النبي صلى
الله عليه
وسلم عن
نفسه، فهم
يرون عصمته من
كل ذلك منذ
مولده إلى
وفاته كما مر
بك، بينما هو صلى
الله عليه
وسلم لم يعرف
ذلك عن نفسه.
ومن
الروايات
الأخرى التي
تتعارض مع
اعتقادهم في
عصمته بحسب
تأويلهم: ما
زعموه أنه لما
فتر عنه الوحي
جزع جزعاً
شديداً،
فقالت له
خديجة: لقد
قلاك ربك([76]).
ومنها:
قولـه مرة
لليهود: يا
إخوة القردة
والخنازير،
فقالوا له: يا
أبا القاسم،
ما كنت جهولاً
ولا سباباً،
فاستحيا رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم ورجع([77]).
وفي
رواية:
قال الصادق:
فسقطت العنزة
من يده، وسقط
رداؤه من
خلفه، ورجع
يمشي إلى
ورائه حياءً
مما قال لهم([78]).
ومنها:
ما كان منه يوم
فتح مكة؛ حيث
أخرج صلى
الله عليه
وسلم
أصناماً من
المسجد، وكان
منها صنم على
المروة،
وطلبت إليه
قريش أن يتركه
وكان استحيا
فهمَّ بتركه،
ثم أمر بكسره
فنزلت هذه
الآية: ((وَلَوْلا
أَنْ
ثَبَّتْنَاكَ
لَقَدْ
كِدْتَ
تَرْكَنُ
إِلَيْهِمْ
شَيْئاً
قَلِيلاً)) [الإسراء:74] ([79])
ومنها:
أمره صلى
الله عليه
وسلم لعلي
رضي الله عنه
بقتل القبطي
على التهمة
بغير بينة في
قصة الإفك كما
يرويها
القوم، حتى
تبين لعلي
براءته([80]).
ومنها:
ما جاء في سورة
التحريم،
وملخصها في
بعض الروايات:
أن حفصة بنت
عمر رضي الله
عنهما قالت: يا
رسول الله، إن
لي إلى أبي
حاجة، فأذن
لها أن تزوره،
فلما خرجت
أرسل رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم إلى
جاريته مارية
القبطية،
وكان قد
أهداها له
المقوقس،
فأدخلها بيت
حفصة فوقع
عليها، فأتت
حفصة فوجدت
الباب
مغلقاً،
فجلست عند
الباب، فخرج
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم ووجهه
يقطر عرقاً،
فقالت حفصة:
إنما أذنت لي
من أجل هذا،
أدخلت أمتك
بيتي ثم وقعت
عليها في يومي
وعلى فراشي،
أما رأيت لي
حرمة وحقاً؟
فقال صلى
الله عليه
وسلم: أليس هي
جاريتي قد أحل
الله ذلك لي؟
اسكتي فهي
حرام علي،
ألتمس بذاك
رضاك فلا
تخبري بهذا
امرأة منهن.
وفي
رواية:
إن النبي خلا
في يوم لعائشة
مع جاريته أم
إبراهيم،
فوقفت حفصة
على ذلك، فقال
لها رسول الله صلى
الله عليه
وسلم: لا
تعلمي عائشة
ذلك، وحرم
مارية على
نفسه، فنزل
قولـه تعالى: ((يَا
أَيُّهَا
النَّبِيُّ
لِمَ
تُحَرِّمُ
مَا أَحَلَّ
اللَّهُ لَكَ
تَبْتَغِي
مَرْضَاةَ
أَزْوَاجِكَ
وَاللَّهُ
غَفُورٌ
رَحِيمٌ)) [التحريم:1]
([81]).
ومنها:
زعمهم أنه صلى
الله عليه
وسلم لما بعث
أبا بكر رضي
الله عنه
ببراءة إلى
أهل مكة، أنزل
الله عليه:
تترك من
ناجيته غير
مرة وتبعث من
لم أناجه؟
فأرسل رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم فأخذ
براءة منه
ودفعها إلى
علي رضي الله
عنه، فقال:
أوصني يا رسول
الله. فقال له:
إن الله يوصيك
ويناجيك، قال:
فناجاه يوم
براءة قبل
صلاة الأولى
إلى صلاة
العصر([82]).
وتذكرني
هذه الرواية
بالمثل
القائل:
كالمستجير من
الرمضاء
بالنار، حيث
أرادوا نفي
الفضيلة عن
أبي بكر رضي
الله عنه،
فنفوا عصمة
النبي صلى
الله عليه
وسلم.. فافهم!
ومنها:
أنه صلى
الله عليه
وسلم جاع
جوعاً
شديداً، فأتى
الكعبة فتعلق
بأستارها،
فقال: رب محمد
لا تجع محمداً
أكثر مما
أجعته، فهبط
جبرئيل عليه
السلام عليه
بورقة خضراء
مكتوب فيها: ما
أنصف الله من
نفسه من اتهم
الله في قضائه
واستبطأه في
رزقه([83]).
روايات
من طرق الشيعة
تنافي عصمة
الأئمة
وأما
علي بن أبي
طالب رضي الله
عنه فإليك
شيئاً من فعله
وقولـه مما
يتعارض مع ما
يدعيه القوم
له:
منها:
اعترافه
بذنبه، وخوفه
من سلامة
دينه،
والروايات في
ذلك كثيرة،
كقولـه: إلهي،
كيف أدعوك وقد
عصيتك([84]).
وقولـه:
إلهي.. كم من
موبقة حلمت عن
مقابلتها
بنقمتك! وكم من
جريرة تكرمت
عن كشفها
بكرمك!
إلهي..
إن طال في
عصيانك عمري
وعظم في الصحف
ذنبي، فما أنا
مؤمل غير
غفرانك، ولا
أنا براج غير
رضوانك.. إلهي،
أفكر في عفوك
فتهون علي
خطيئتي، ثم
أذكر العظيم
من أخذك فتعظم
علي بليتي.. آه
إن أنا قرأت في
الصحف سيئةً
أنا ناسيها
وأنت محصيها!
فتقول: خذوه،
فياله من
مأخوذ لا
تنجيه
عشيرته، ولا
تنفعه
قبيلته،
يرحمه الملأ
إذا أذن فيه
بالنداء.. آه
من نار تنضج
الأكباد
والكلى.. آه من
نار نزاعة
للشوى.. آه من
غمرة من
ملهبات لظى.
ثم
قال لأبي
الدرداء: فكيف
ولو رأيتني
ودعي بي إلى
الحساب،
وأيقن أهل
الجرائم
بالعذاب،
واحتوشتني
ملائكة غلاظ
وزبانية
فظاظ، فوقفت
بين يدي الملك
الجبار، قد
أسلمني
الأحباء
ورحمني أهل
الدنيا، لكنت
أشد رحمة لي
بين يدي من لا
تخفى عليه
خافية([85]).
وسئل:
كم تتصدق؟ كم
تخرج مالك؟
ألا تمسك؟ قال:
إني والله لو
أعلم أن الله
تعالى قبل مني
فرضاً واحداً
لأمسكت،
ولكني لا أدري
أقبل سبحانه
مني شيئاً أم
لا([86]).
وعندما
أخبره صلى
الله عليه
وسلم بمقتله
قال رضي الله
عنه: يا رسول
الله، في
سلامة من
ديني؟ قال صلى
الله عليه
وسلم: في
سلامة من دينك([87]).
وكان
يقول: أسال
الله أن لا
يسلبني ديني
ولا ينزع مني
كرامته([88]).
وتمنى
أنه من
الأربعة
الذين قال
فيهم رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم: إن
الجنة تشتاق
إلى أربعة،
فقال: والله
لأسألنه، فإن
كنت منهم
لأحمدن الله
عز وجل، وإن لم
أكن منهم
لأسألن الله
أن يجعلني
منهم([89]).
ولا
زال رسول الله صلى
الله عليه
وسلم يخبره
بغفران الله
لذنوبه.
ففي
رواية:
أنه صلى
الله عليه
وسلم خرج يوم
عرفة وهو آخذ
بيده رضي الله
عنه، فقال: يا
معشر
الخلائق، إن
الله تبارك
وتعالى باهى
بكم في هذا
اليوم ليغفر
لكم عامة، ثم
التفت إلى
علي، فقال له:
وغفر لك يا علي
خاصة([90]).
فالمغفرة
تقتضي
الذنوب، وصرف
الثاني عن
ظاهره يقتضي
بالضرورة صرف
الأول، فتأمل!
وقال
صلى الله
عليه وسلم:
إذا كان يوم
القيامة نادى
منادٍ: أين علي
بن أبي طالب؟
فيؤتى به
فيحاسب
حساباً
يسيراً([91]).
فلا
غرابة إذاً أن
يردد ويقول
رضي الله عنه:
لا تكفوا عن
مقالة بحق أو
مشورة بعدل،
فإني لست في
نفسي بفوق أن
أخطيء، ولا
آمن من ذلك من
فعلي([92]).
فهو
رضي الله عنه
لم يدع العصمة
لنفسه أصلاً
ولا ادعاها له
أحد من
أصحابه، ولا
زال أصحابه
يخالفونه في
كثيرٍ من
أفعاله
وأقواله، ولم
يكن يحتج
عليهم بأنه
معصوم، بل
كثيراً ما
يردد: اسمعوا
مني ما أقول
لكم، فإن يكن
حقاً
فاقبلوه، وإن
يكن باطلاً
فأنكروه.
وفي
رواية:
فإن قلت حقاً
صدقتموني،
وإن قلت
باطلاً ردوا
علي ولا
تهابوني،
إنما أنا رجل
كأحدكم.
وفي
أخرى:
إنما أنا رجل
منكم، فإن قلت
حقاً
فصدقوني، وإن
قلت غير ذلك
فردوه علي([93]).
وكان
رضي الله عنه
يفتقر إلى
آراء أصحابه
ويستشيرهم،
فلما كتب إليه
معاوية: إن كنت
تريد الصلح
فامح عنك اسم
الخلافة،
فاستشار بني
هاشم([94]).
وفي
رواية:
قال الأحنف بن
قيس: لا تمح
هذا الاسم
فإني أتخوف إن
محوته لا يرجع
إليك أبداً،
فامتنع رضي
الله عنه من
محوه، فتراجع
الخطاب فيه
ملياً من
النهار.
فقال
الأشعث بن قيس:
امح هذا الاسم
نزحه الله([95]).
وكان
يقول لطلحة
والزبير رضي
الله عنهما: لو
وقع حكم ليس في
كتاب الله
بيانه، ولا في
السنة
برهانه،
واحتيج إلى
المشاورة فيه
لشاورتكما
فيه([96]).
ولما
أراد المسير
إلى الشام دعا
من كان معه من
المهاجرين
والأنصار
فجمعهم، ثم
حمد الله
وأثنى عليه،
وقال: أما بعد،
فإنكم ميامين
الرأي،
مراجيح
الحلم،
مباركو
الأمر،
مقاويل
بالحق، وقد
عزمنا على
المسير إلى
عدونا وعدوكم
فأشيروا
علينا برأيكم.
فقام هشام بن
عتبة، وعمار
بن ياسر، وقيس
بن سعد بن
عبادة، وسهل
بن حنيف،
فصوبوا رأيه
وبذلوا إليه
نصرته([97]).
فلم
يكن يرى أبداً
أنه معصوم
مستغنٍ عن
مشورة غيره
وكذا أصحابه،
وإليك المزيد:
لما
سار إلى
معاوية بصفين
مكث أياماً لا
يرسل إلى
معاوية أحداً
ولا يأتيه من
عنده أحد، قال
أهل العراق: يا
أمير
المؤمنين،
خلفنا نساءنا
وذرارينا
بالكوفة،
وجئنا إلى
أطراف الشام
نتخذها
وطناً، فأْذن
لنا بالقتال،
فإن الناس
يظنون أنك
تكره الحرب
كراهية
الموت، ومنهم
من يظن أنك في
شك من قتال أهل
الشام([98]).
وهذا
هاشم لما صرع
في صفين مرَّ
على رجلٍ،
فقال وهو صريع
بين القتلى:
أقرئ أمير
المؤمنين
السلام ورحمة
الله، وقل له:
أنشدك الله
إلا أصبحت وقد
ربطت مقاود
خيلك بأرجل
القتلى، فإن
الدبرة تصبح
غداً لمن غلب
على القتلى،
فأخبر الرجل
علياً بذلك،
فسار علي رضي
الله عنه
في بعض الليل
حتى جعل
القتلى خلف
ظهره وكانت
الدبرة له
عليهم([99]).
ولما
أراد المسير
إلى الشام
اجتمع إليه
وجوه أصحابه،
فقالوا: لو
كتبت يا أمير
المؤمنين إلى
معاوية
وأصحابه قبل
مسيرنا إليهم
كتاباً
تدعوهم إلى
الحق،
وتأمرهم بما
لهم من الحظ
تزداد عليهم
قوة، فكتب
إليه([100]).
ولما
عزم على
الخروج من
الكوفة إلى
الحرورية
وكان في
أصحابه منجم،
فقال له: يا
أمير
المؤمنين، لا
تسر في هذه
الساعة وسر
على ثلاث
ساعات مضين من
النهار، فإنك
إن سرت في هذه
الساعة أصابك
وأصاب أصحابك
أذى وضر شديد،
وإن سرت في
الساعة التي
أمرتك بها
ظهرت وظفرت
وأصبت ما طلبت([101]).
وكذا
ما كان من قصة
قيس بن سعد
وتلفيق
معاوية
كتاباً
ونسبته إليه،
فقرأه على أهل
الشام، فشاع
في الشام كلها
أن قيساً صالح
معاوية وأتت
عيون علي رضي
الله عنه إليه
بذلك، فأعظمه
وأكبره وتعجب
له ودعا ابنيه
حسناً
وحسيناً
وابنه محمداً
وعبدالله بن
جعفر،
فأعلمهم
بذلك، وقال: ما
رأيكم؟ فقال
عبدالله بن
جعفر: دع ما
يريبك إلى ما
لا يريبك،
اعزل قيساً من
مصر، قال علي:
والله إني غير
مصدق بهذا على
قيس، فقال
عبدالله:
اعزله يا أمير
المؤمنين؛
فإن كان حقاً
ما قد قيل لا
يعتزلك إن
عزلته([102]).
وكذا
اختلاف
أصحابه عليه
بعد رفع
المصاحف في
صفين، فمن
قائل
بالقتال، ومن
قائل
بالمحاكمة
إلى الكتاب،
حتى قال رضي
الله عنه: إنها
كلمة حق يراد
بها باطل،
إنهم ما
رفعوها وإنهم
يعرفونها ولا
يعملون بها
ولكن الخديعة
والوهن
والمكيدة،
أعيروني
سواعدكم
وجماجمكم
ساعة واحدة،
فقد بلغ الحق
مقطعه ولم يبق
إلا أن يقطع
دابر
الظالمين،
فجاءه من
أصحابه زهاء
عشرين ألفاً
مقنعين في
الحديد شاكي
السلاح،
سيوفهم على
عواتقهم، وقد
اسودت جباههم
من السجود،
يتقدمهم مسعر
بن فدكي وزيد
بن حصين،
وعصابة من
القراء الذين
صاروا خوارج
من بعد،
فنادوه باسمه
لا بإمرة
المؤمنين،
قالوا: يا علي،
أجب القوم إلى
كتاب الله إذا
دعيت إليه
وإلا قتلناك
كما قتلنا ابن
عفان، فوالله
لنفعلنها إن
لم تجب، فحاول
إقناعهم
فأبوا،
وقالوا: فابعث
إلى الأشتر
ليأتيك([103]).
وكان رضي الله عنه يقول في ذلك: فمالت إلى المصاح