عقيدة الشيعة في العصمة:

لنشرع الآن في الكلام عن العصمة، ولكن قبل ذلك دعنا نبين عقيدة القوم في العصمة:

يقول الصدوق: إن جميع الأنبياء والرسل والأئمة أفضل من الملائكة، وأنهم مطهرون من كل دنس ورجس لا يهمون بذنب صغير ولا كبير ولا يرتكبونه([13]).

ويقول: اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة صلوات الله عليهم أنهم معصومون مطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم، واعتقادنا فيهم أنهم موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم إلى أواخرها، لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا جهل([14]).

ويقول علم الهدى: لا يجوز عليهم شيء من المعاصي والذنوب كبيراً كان أو صغيراً لا قبل النبوة ولا بعدها([15]).

ويقول المفيد: الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم مِن بعدِهم معصومون في حال نبوتهم وإمامتهم من الكبائر والصغائر كلها([16]).

ويقول المجلسي: الإمامية أجمعوا على عصمة الأنبياء والأئمة من الذنوب الصغيرة والكبيرة عمداً وخطأً ونسياناً قبل النبوة والإمامة وبعدها، بل من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله سبحانه([17]).

وعد ذلك من ضروريات مذهب الإمامية([18]).

ويقول: اعلم أن الإمامية اتفقوا على عصمة الأئمة من الذنوب صغيرها وكبيرها، فلا يقع منهم ذنب أصلاً، لا عمداً ولا نسياناً ولا لخطأ في التأويل ولا للإسهاء من الله سبحانه([19]).

ويقول المظفر: ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً، كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان([20]).

وعلى هذا القول سائر الإمامية مما يغنينا عن ذكر أقوالهم جميعاً.

بيان معنى الرجس:

يزعم القوم أن نفي الرجس في آية التطهير دال وموجب للقول بعصمة الأئمة.

وقد رُدَّ على ذلك من وجوه عقلية كثيرة، ليس هذا الكتاب مكان ذكرها، ولكننا سنقتصر على إيراد النصوص الدالة على خلاف هذا القول، فهو أبلغ في المقصود كما سترى، ونبدأ قبل ذلك بإيراد معنى الرجس الذي في الآية والذي هو موضوع حديثنا، فنقول:

وردت كلمة الرجس في القرآن في مواضع عدة، كقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) [المائدة:90].

وقوله: ((كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)) [الأنعام:125].

وقولـه: ((قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ)) [الأنعام:145].

وقولـه: ((قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ)) [الأعراف:71].

وقولـه: ((سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ)) [التوبة:95].

وقولـه: ((وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ)) [التوبة:125].

وقولـه: ((وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ)) [يونس:100].

وقوله: ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)) [الحج:30].

وليس فيما أوردناه من الآيات دليل على حمل مفهوم الرجس على الدلالة الموجبة للعصمة كما يدعيها هؤلاء في آية التطهير.

ويؤيد ذلك أيضاً روايات ذكرها القوم عن الأئمة في ذلك منها:

قول الصادق في قول الله عز وجل: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ)) [الأحزاب:33] قال: الرجس هو الشك([21]).

وقول الباقر: الرجس هو الشك، والله لا نشك في ربنا -وفي رواية: في ديننا، وفي أخرى: في الله الحق ودينه- أبداً([22]).

وقول الصادق في قولـه تعالى: ((كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)) [الأنعام:125]، قال: هو الشك([23]).

فهل ترى في هذه الروايات أو تلك الآيات ما يستوجب القول بالعصمة التي يراها القوم لأئمتهم؟ لا شك أنهم سيأبون هذا التأويل.

لذا لا نرى بداً من أن نورد عليهم ما ينافي تلك العصمة المزعومة، ففي ذلك غنىً عن كل كلام وترفع عن أي خصام، ولك بعدها أن تحكم بنفسك.

روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة الأنبياء عليهم السلام:

قبل الحديث عن هذا أشير إلى أن المذهب الحق هو القول بعصمة الأنبياء عليهم السلام في تبليغ الرسالة، وكذلك هم معصومون من الكبائر ومن الإصرار على الصغائر، وأيضاً هم معصومون مما يخل بالشرف والمروءة.. إلخ، أما الصغائر فقد تقع منهم لكنهم يتوبون منها ولا يصرون عليها، وتكون حالهم بعد التوبة خيراً منها قبل الوقوع في هذه الصغائر.. وهذا هو القول الحق؛ لموافقته لكتاب الله سبحانه من غير ليٍّ لأعناق النصوص أو تعسف في محاولة تأويلها، فمن الأدلة قولـه سبحانه: ((وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)) [طه:121]، وقولـه عن موسى عليه السلام: ((قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) [القصص:16]، وقولـه عن نبينا صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)) [الفتح:1-2]، وقولـه: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ)) [التحريم:1]، وقولـه: ((وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ)) [الأحزاب:37]، وقولـه: ((وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) [الأنعام:68] وغيرها من الآيات كثير، وكل هذا دال على وقوع الصغائر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فوقوعها من الأئمة من باب أولى.. ولكن يتوبون منها ويعود حالهم بعد التوبة أحسن منه قبل وقوع المعصية الصغيرة والتوبة منها.

هذا ملخص مذهب أهل الحق، وإليك بياناً موجزاً لما وقع عند القوم من روايات في هذا الشأن.

نبدأ كلامنا بذكر بعض ما أورده القوم مما يتعلق بشأن الأنبياء عليهم السلام، ونبدأ بذكر آدم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والتسليم:

ففي قول الله تعالى: ((وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)) [طه:121].

روى القوم عن الصادق أنه قال: كان لسان آدم العربية، فلما عصى ربه أبدله بالجنة ونعيمها الأرض والحرث، وبلسان العربية السريانية([24]).

وعنه أيضاً قال: إذا كان يوم القيامة وحشر الناس يأتون إلى آدم، فيقولون: أنت أبونا وأنت نبي، فسل ربك يحكم بيننا ولو إلى النار، فيقول: لست بصاحبكم، خلقني ربي بيده، وحملني على عرشه، وأسجد لي ملائكته ثم أمرني فعصيته([25]).

وذكروا في قولـه تعالى: ((فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ)) [البقرة:37] عن الصادق قال: إن آدم عليه السلام نظر إلى أرواح الأئمة ومنزلتهم في الجنة فحسدهم وتمنى منزلتهم([26]).

وفي رواية: لما أسكن الله تبارك وتعالى آدم الجنة مُثِّلَ له النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فنظر إليهم بحسد، ثم عرضت عليه الولاية فأنكرها فرمته الجنة بأوراقها، فلما تاب إلى الله من حسده وأقر بالولاية ودعا بحق الخمسة: محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، صلوات الله عليهم، وذلك قولـه: ((فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ)) [البقرة:37] ([27]).

وارجع كذلك إلى القول في الآيات الأخرى التي نزلت في شأنه وحواء عليهما السلام، كقولـه تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [الأعراف:189-190].

وقولـه تعالى: ((وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ)) [الأعراف:22].

ولك -أخي القارئ- أن تتأمل الآيات حتى ترى تعسف القوم في تأويلها لجعلها دالة على ما يريدون، فأين هذا التأويل من فصاحة القرآن الذي أنزل بلسان عربي مبين؟

ومنها: سهوه ونسيانه، فقد روي عن الباقر: أن آدم قد وهب ثلاثين سنة من عمره لداود عليه السلام لما رأى قصر عمره، فلما مضى عمر آدم عليه السلام هبط ملك الموت لقبض روحه، فقال له آدم: يا ملك الموت، إنه بقي من عمري ثلاثون سنة، فقال له ملك الموت: يا آدم، ألم تجعلها لابنك داود النبي عليه السلام وطرحتها من عمرك حين عرض عليك أسماء الأنبياء من ذريتك وعرضت عليك أعمارهم، فقال آدم عليه السلام: ما أذكر هذا، فقال له ملك الموت: يا آدم، لا تجحد، ألم تسأل الله عز وجل أن يثبتها لداود ويمحوها من عمرك فأثبتها لداود في الزبور ومحاها من عمرك في الذكر؟ قال آدم عليه السلام: حتى أعلم ذلك، قال الباقر: وكان آدم صادقاً لم يذكر ولم يجحد، فمن ذلك اليوم أمر الله تبارك وتعالى العباد أن يكتبوا بينهم إذا تداينوا وتعاملوا إلى أجل مسمى، لنسيان آدم وجحوده ما جعل على نفسه([28]).

وفي نوح عليه السلام رووا عن الصادق أنه قال: إذا كان يوم القيامة وحشر الناس، يأتون آدم عليه السلام فيدلهم على نوح عليه السلام، فيقولون: سل ربك يحكم بيننا ولو إلى النار، فيقول: لست بصاحبكم، إني قلت: إن ابني من أهلي([29]).

إشارة إلى قولـه تعالى: ((وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ)) [هود:45-46]، ثم ذكر أنه قال: ((قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ)) [هود:47].

وهذا إبراهيم عليه السلام ذكروا في قولـه تعالى: ((فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ)) [الصافات:88-89]، عن الصادق أنه قال في قصة حشر الناس يوم القيامة ومجيئهم إلى إبراهيم عليه السلام للشفاعة، فيقول: لست بصاحبكم، إني قلت: إني سقيم([30]).

ورووا عنه أيضاً: أن عرفات سميت بعرفات لاعتراف إبراهيم عليه السلام بذنبه([31]).

وعنه أيضاً: أن ملك الموت أتاه ليقبضه فكره إبراهيم الموت([32]).

وللمزيد في شأن إبراهيم عليه السلام راجع الكلام في قولـه تعالى: ((فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)) [الأنعام:76-78].

وقولـه تعالى: ((قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ)) [الأنبياء:62-63].

وقولـه تعالى: ((رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)) [البقرة:260].

وقولـه تعالى: ((وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)) [التوبة:114].

وقوله: ((يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ * يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ)) [هود:74-76].

ورووا في قصة يوسف وإخوته، وقوله تعالى: ((قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ)) [يوسف:79]، أن يعقوب عليه السلام بعث بمكتوب إلى عزيز مصر يسأله أن يخلي سبيله، فنزل جبرئيل على يعقوب، فقال له: يا يعقوب، ربك يقول لك: من ابتلاك بمصائبك التي كتبت بها إلى عزيز مصر؟

قال يعقوب: بلوتني بها عقوبة منك وأدباً، قال الله: فهل كان يقدر على صرفها عنك أحد غيري؟ قال يعقوب: اللهم لا، قال: فما استحييت مني حين شكوت مصائبك إلى غيري ولم تستغث بي وتشكو ما بك إلي؟

فقال يعقوب: أستغفرك يا إلهي وأتوب إليك، وأشكو بثي وحزني إليك، فقال الله تبارك وتعالى: قد بلغت بك يا يعقوب وبولدك الخاطئين العناية في أدبي، ولو كنت يا يعقوب شكوت مصائبك إلي عند نزولها بك واستغفرت وتبت إلي من ذنبك لصرفتها عنك بعد تقديري إياها، ولكن الشيطان أنساك ذكري فصرت إلى القنوط من رحمتي([33]).

وهذا ابنه يوسف عليه السلام، روى القوم عن الرضا أن يوسف عليه السلام شكى في السجن إلى الله، فقال: يا رب، بم استحققت السجن؟ فأوحى الله إليه أنت اخترته حين قلت: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه، هلاَّ قلت: العافية أحب إلي مما يدعونني إليه؟([34])

وقولـه لصاحبه في السجن: ((اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ)) [يوسف:42] حتى روى القوم في ذلك: أن جبرئيل أتاه بعد قولـه هذا، فضربه برجله حتى كشط له الأرض السابعة، فقال له: يا يوسف، انظر ماذا ترى؟ قال: أرى حجراً صغيراً ففلق الحجر، فقال: ماذا ترى؟ قال: أرى دودة صغيرة، قال فمن رازقها: قال: الله، قال: فإن ربك يقول: لم أنس هذه الدودة في ذلك الحجر في قعر الأرض السابعة، أظننت أني أنساك حتى تقول للفتى: اذكرني عند ربك، لتلبثن في السجن بمقالتك هذه بضع سنين، فبكى يوسف عند ذلك حتى بكى لبكائه الحيطان، فتأذى به أهل السجن، فصالحهم على أن يبكي يوماً ويسكت يوماً، وكان في اليوم الذي يسكت أسوء حالاً([35]).

وفي رواية: أن الله عز وجل قال ليوسف: ألست حببتك إلى أبيك وفضلتك على الناس بِالحُسْنِ؟ أَوَلَسْتُ الذي صرفت عنك كيد النساء؟ فما حملك على أن ترفع رغبتك أو تدعو مخلوقاً دوني؟ فالبث لما قلت في السجن بضع سنين([36]).

وروى القوم في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: عجبت من أخي يوسف كيف استغاث بالمخلوق دون الخالق؟

وفي رواية: لولا كَلِمَتُهُ ما لبث في السجن طول ما لبث([37]).

ورووا -أيضاً- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني، وحين أتاه الرسول، فقال: ارجع إلى ربك، ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الاختلاف وبادرتهم الباب وما ابتغيت العذر([38]).

ورووا أنه صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل: اجعلني على خزائن الأرض، لولاَّه من ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة([39]).

ونختم هذا برواية القوم عن الصادق: لما أقبل يعقوب عليه السلام إلى مصر خرج يوسف عليه السلام ليستقبله، فلما رآه يوسف همَّ بأن يترجل ليعقوب، ثم نظر إلى ما هو فيه من الملك فلم يفعل، فلما سلم على يعقوب نزل جبرئيل عليه السلام، فقال له: يا يوسف، إن الله تبارك وتعالى يقول لك: ما منعك أن تنزل إلى عبدي الصالح؟ ما أنت فيه؟ ابسط يدك، فبسطها فخرج من بين أصابعه نور، فقال: ما هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا أنه لا يخرج من صلبك نبي أبداً عقوبة لك بما صنعت بيعقوب إذ لم تنزل إليه([40]).

وللمزيد في شأن يوسف عليه السلام راجع الكلام في قوله تعالى: ((وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)) [يوسف:24].

وقولـه: ((قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ)) [يوسف:33].

وقولـه: ((مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)) [يوسف:100].

وقولـه: ((قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)) [يوسف:55].

وأيوب عليه السلام إذ أوحى الله عز وجل إليه: هل تدري ما ذنبك إلى حين أصابك البلاء؟ قال: لا، قال: إنك دخلت على فرعون فداهنت في كلمتين([41]).

وعلى ذكر أيوب عليه السلام فقد ذكر القوم أن الأنبياء عليهم السلام سيكونون يوم القيامة على قلب أيوب في السلامة من الغل([42])، فهل أن سواه لم يكونوا كذلك؟

وكذا من رواية القوم عن الصادق: ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه: التفكير في الوسوسة في الخلق، والطيرة، والحسد، إلا أن المؤمن لا يستعمل حسده([43]).

وفي موسى عليه السلام ذكر القوم عن الصادق، كما في رواية حشر الناس يوم القيامة الذي مر بك، فيأتون موسى عليه السلام فيقول: لست بصاحبكم إني قتلت نفساً([44]). إشارة إلى قتله للقبطي.

 وقول الله عز وجل على لسانه: ((قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)) [القصص:15]، وقوله: ((قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي)) [القصص:16].

وللمزيد في شأنه عليه السلام راجع القول في قولـه تعالى: ((قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ)) [الشعراء:12].

وقولـه تعالى: ((فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى)) [طه:67].

وقولـه تعالى: ((قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِي الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) [الأعراف:150].

وقولـه تعالى: ((لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ)) [الكهف:73].

وقولـه: ((وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ)) [يونس:88].

وشبيه به قولـه عليه السلام في القصة التي يرويها القوم من إعطاء الله عز وجل للصياد الكافر الرزق الوفير دون المؤمن، فقال موسى عليه السلام: يا رب، عبدك الكافر تعطيه مع كفره، وعبدك المؤمن لم تخرج له غير سمكة صغيرة؟([45])

وفي داود عليه السلام في قولـه تعالى: ((وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ ب