الباب الثالث

الإمامة والسنة

نبذة عن الوضع والوضاعين في الحديث:

لا يختلف اثنان في أن هناك الألوف من الأحاديث تحتويها مصادر المسلمين في شتى العلوم، كلها موضوعة على لسان رسول الله ومنسوبة إليه صلى الله عليه وسلم وإلى صحابته وإلى الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين.

وقد تعددت أسباب هؤلاء الوضاعين بين زنادقة أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ووضعوا الأحاديث؛ استخفافاً بالدين، وتلبيساً على المسلمين، وبين أصحاب أهواء وعصبيات ومذاهب، يضعون ما ينتصرون به لمذاهبهم، وبين من وضع ذلك ترغيباً عن فضائل الأعمال وترهيباً من النار.. إلى غير ذلك من أسباب ذكرها وحاول استقصاءها الذين تكلموا في هذا الباب.

وكان لانتشار هذه الروايات في كتب الفقه والتفسير والتاريخ والسير والمغازي وغيرها أثر سيء في نشوء عقائد ما أنزل الله بها من سلطان، أدَّت بدورها إلى ظهور فرق ومذاهب باطلة، جُلُّ بنيانها على هذه الموضوعات، ولم يكن يتورع أصحابها في أن يصيِّروا كل ما هوته قلوبهم حديثاً مكذوباً.

وكان المسلمون الأوائل لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة بين علي بن أبي طالب ومعاوية رضي الله عنهما، فلما وقعت صاروا يسألون عن الرجل، فإن كان من أهل السنة أخذوا حديثه، وإن كان من أهل البدعة ردوه.

فصار الإسناد المتصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو السبيل إلى معرفة الشرائع والأحكام، فتشددوا في معرفة حال كل من وقع في إسناد حديث، حتى قيل لهم: أتريدون أن تزوجوه؟ وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: (إن هذا العلم دِيْنٌ فانظروا عمن تأخذون دينكم) وكان من هدي الرعيل الأول أن يأتوا بالإسناد قبل الحديث، ويقولون: لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة، وقالوا: ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد، وإنما يعلم صحة الحديث من الإسناد، وإن الإسناد سلاح المؤمن؛ فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل، وإن الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، ومثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرقى السطح بلا سلم، ومثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى وهو لا يدري، وغيرها من أقوال بينوا فيها أهمية الإسناد.

ولذلك ظهر علم الرجال الذي يبحث في أحوال رجال الأسانيد المنتهية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو الأئمة رضي الله عنهم؛ لمعرفة صحة نسبة هذا الحديث أو ذاك إليهم من حيث خلو إسنادها من وضاعين إلى غيرها من علل وشذوذ.

وقد أورد القوم من طرقهم حثَّ الأئمة على التثبت في نقل الأخبار، فعن الصادق قال: إن المغيرة بن سعيد دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا محمد، فإنا إذا حدثنا قلنا: قال الله عز وجل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ([1]).

وقال أيضاً: إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس([2]).

وعن يونس بن عبدالرحمن قال: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه السلام، ووجدت أصحاب أبي عبدالله متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتبهم، وعرضتها من بعد على أبي الحسن فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أصحاب أبي عبدالله، قال: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبدالله، لعن الله أبا الخطاب وكذلك أصحاب أبي الخطاب، يدسون من هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبدالله، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن([3])، وغيرها.

ولهذا كله وضع القوم شروطاً لقبول الحديث، وهو ما اتصل سنده إلى الإمام المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات، وزاد البعض: أن يكون العدل ضابطاً، وأن لا يعتريه شذوذ، وأن لا يكون معللاً([4]).

ووضعوا معايير علمية تثبت بها الوثاقة أو الحسن، منها: نص أحد أئمتهم المعصومين، أو نص أحد أعلامهم المتقدمين، كالبرقي، وابن قولويه، والكشي، والصدوق، والمفيد، والنجاشي، والطوسي، وأضرابهم، أو نص أحد أعلامهم المتأخرين، كمنتجب الدين، وابن شهرآشوب، أو دعوى الإجماع من قبل الأقدمين([5]).

وقد اتفق القوم مع أهل السنة على حرمة نقل الحديث إذا كان موضوعاً لكونها إعانة على الإثم، وإشاعة للفاحشة، وإضلالاً للمسلمين، وأن من أراد أن يروي حديثاً ضعيفاً أو مشكوكاً في صحته بغير إسناد، يقول: رُوي، أو بلغنا، أو ورد، أو جاء، أو نقل، ونحوه من صيغ التمريض، ولا يذكره بصيغة الجزم، كقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أتى بالإسناد مع المتن لم يجب عليه بيان الحال، لأنه قد أتى به عند أهل الاعتبار([6]).

ولا شك أن قولهم: إن الإتيان بالخبر مع الإسناد يغني عن بيان الحال، صحيح على نحوٍ ما، فإن كثيراً من كتب المسلمين مليئة بالروايات الموضوعة بأسانيدها، ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أن علماءنا الأوائل كانوا يمرون بمراحل في التأليف، بدءاً بالجمع والذكر لكل ما سمعوه في المقام، وانتهاءً بتحقيق الروايات لتمييز الغث من السمين، كما فعل البخاري ومسلم، على خلاف في بعض الروايات، وقد يقتصر أكثرهم على الأول، أي: الجمع والذكر لكل ما سمعوه، معتقدين براءة ذمتهم ما داموا قد ذكروا الإسناد الذي يمكن من خلاله معرفة صدق الخبر من كذبه، وذلك لاستحالة تحقيق كل خبر في حينه لاعتبارات، منها: أنه ربما يكون للحديث المذكور طرق أخرى ينجبر بها، أو أن ضعف بعض الرواة لم يثبت عنده.. وغيرها، أضف إلى ذلك عدم اشتراطهم في ذكر الحديث أن يكون صحيحاً، كما صرحوا بذلك في مقدمة مصنفاتهم.

ومع هذا فلم يجز العلماء رواية أمثال هذه الموضوعات دون بيان وضعها، وعدوا من فعل ذلك مذنباً عليه التوبة.

ومن هنا جاء استغلال القوم لأمثال هذه الروايات المذكورة في كتب أهل السنة لإثبات معتقداتهم، رغم ما مرَّ بك من ذمهم لهذا السلوك، فعمدوا إلى الاحتجاج بها موهمين أتباعهم أن أمثال هذه الروايات متفق عليها بين الفريقين، وأن هذه العقائد من المسلّمات بين المسلمين، ملبسين بذلك الأمر على أكثر القراء الذين لا يميزون بين الإيعاز الذي هو مجرد ذكر الكتب التي ورد فيها هذا الحديث، وبين التحقيق الذي هو بيان صحة الحديث من ضعفه، أو ذكر من تكلم فيه من العلماء، وبيان عدم حجية تحقيق من عرف بتساهله في التصحيح، أو من لا يعتد بتصحيحه أصلاً.

والأمر في المسألة فيه طول، ونحن في هذا الباب -إن شاء الله- لن نتطرق إلى روايات أهل السنة أو نتكلم في أسانيدها، فإن هذا الأمر قد حسم بما ذكرناه، وللقوم ما شاءوا من الوقت ليدلونا على رواية من روايات الباب الآتية وردت بطرق صحيحة عند أهل السنة لا يشوبها ضعف أو شذوذ أو علة، أو تصحيح من عرف بتساهله، ولكننا سنورد جميع روايات الباب من طرق القوم، ثم ننظر في أسانيدها وهل يصح منها شيء باعتبارات الصحة التي مرَّت بك آنفاً، هذا ناهيك عن وجوب التواتر الذي يوجبه القوم في مرويات عقائدهم.

الدليل الأول: الاستدلال بحديث بدء العشيرة ذكر الروايات ودراسة الأسانيد والرد على هذا الاستدلال:

نبدأ كلامنا بحديث بدء الدعوة أو يوم الدار، وسنأخذ في الاعتبار التسلسل الزمني والتاريخي لروايات الباب، وسنورد أولاً جميع الروايات المسندة من كتب القوم وندرس أسانيدها، ومن ثمَّ نتكلم في متونها.

الرواية الأولى: وهي أقدمها، رواها سليم بن قيس، عن أبان، عن سليم وعمر بن أبي سلمة، قالا في حديثٍ طويلٍ ذكرا فيه أن قيس بن سعد بن عبادة عدد على معاوية مناقب الأمير وأهل البيت، منها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بني عبد المطلب فيهم أبو طالب وأبو لهب وهم يومئذٍ أربعون رجلاً، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه علي عليه السلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حجر عمه أبي طالب، فقال: أيكم ينتدب أن يكون أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن من بعدي؟ فأمسك القوم حتى أعادها ثلاثاً، فقال علي: أنا يا رسول الله، فوضع رأسه في حجره وتفل في فيه، وقال: اللهم املأ جوفه علماً وفهماً وحكماً، ثم قال لأبي طالب: يا أبا طالب، اسمع الآن لابنك وأطع فقد جعله الله من نبيه بمنزلة هارون من موسى، وآخى صلى الله عليه وسلم بين علي وبين نفسه([7]).

أقول: أبان بن أبي عياش تابعي ضعيف كما قال الطوسي، وقال فيه ابن الغضائري: ضعيف لا يلتفت إليه، وينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه([8]).

وسليم نفسه اضطربت أقوال القوم فيه وفي كتابه الذي حوى مسائل تخالف التاريخ وما عليه القوم، مثل: جعله الأئمة ثلاثة عشر، وقصة وعظ محمد بن أبي بكر أباه عند موته، مع أن عمر محمد وقتئذٍ كان أقل من ثلاث سنين، وهذه المخالفات تداركها علماء الشيعة وتمَّ حذفها من النسخ المطبوعة. وقد نسب البعض وضع الكتاب إلى أبان بن أبي عياش كما مرَّ بك، أو القول أنه لا يُعرف، ولا ذكِرَ في خبر، أو أن كتابه هذا موضوع لا مرية فيه، وأن تاريخ وضعه ربما يكون في أواخر الدولة الأموية.. إلى آخر ما قيل فيه([9]).

الرواية الثانية: روى الصدوق، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رحمه الله، قال: حدثني عبدالعزيز بن يحيى الجلودي بالبصرة، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا أبوعباية، عن عمرو بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، أن رجلاً قال لعلي: يا أمير المؤمنين، بما ورثت ابن عمك دون عمك؟

فقال: يا معشر الناس، فافتحوا آذانكم واستمعوا، فقال: جمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب في بيت رجلٍ منا -أو قال: أكبرنا- فدعا بمد ونصف من طعام، وقدح يقال له: الغمر، فأكلنا وشربنا وبقي الطعام كما هو، والشراب كما هو، وفينا من يأكل الجذعة ويشرب الفَرَق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قد ترون هذه فأيكم يبايعني على أنه أخي ووارثي ووصيي؟ فقمت إليه وكنت أصغر القوم، فقلت: أنا، قال: اجلس، ثم قال ذلك ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه، فيقول: اجلس، حتى كان في الثالثة، فضرب بيده على يدي، فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي([10]).

أقول: هذه الرواية آفتها شيخ الصدوق، الطالقاني، قال فيه الخوئي بعد أن ذكر رواية عنه: هذه الرواية دلالة واضحة على تشيع محمد بن إبراهيم، وحسن عقيدته، وأما وثاقته فهي لم تثبت، وليس في ترضي الصدوق [قده] عليه دلالة على الحسن فضلاً عن الوثاقة([11]).

وقال فيه الأردبيلي: لا أعلم حاله([12]).

وربيعة مجهول عند الشيعة، ومختلف فيه عند أهل السنة، قال عنه الذهبي: لا يكاد يعرف.

ومحمد بن زكريا هو ابن دينار الجوهري الغلابي البصري المتوفى سنة (298) هجرية([13])، ولا أظنه يروي عن ابن غياث الذي توفي قبله بحوالي (60) عاماً، والذي يبدو لي أن في السند انقطاعاً وتصحيفاً، فالمشهور الذي ورد من طرق أهل السنة، كما في مسند ابن حنبل رحمه الله [1/159]، عن القطيعي، قال: حدثنا عبدالله، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا أبوعوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، عن علي رضي الله عنه قال... وذكر القصة، وفيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي، وليس في الحديث ذكر للوصاية والخلافة، وكذا لفظة (ووارثي) التي وردت من طريق الطبري [2/321]، والتي عزاها الأميني في غديره إلى مسند الإمام أحمد، دون أن يبين أن هذه الزيادة إنما هي عند الطبري، وكذا عدم ذكره أن رواية المسند إنما هي من زيادات القطيعي، عن عبدالله بن حنبل عن أبيه([14]).

الرواية الثالثة: روى الصدوق، قال: حدثنا الطالقاني، قال: حدثنا عبدالعزيز، قال: حدثنا المغيرة بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عبدالرحمن الأزدي، قال: حدثنا قيس بن الربيع وشريك بن عبدالله، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل، عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت: وأنذر عشيرتك الأقربين، ورهطك المخلصين، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وهم إذ ذاك أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً، فقال: أيكم يكون أخي ووصيي ووارثي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي؟ فعرض عليهم ذلك رجلاً رجلاً كلهم يأبى ذلك، حتى أتى علَيَّ، فقلتُ: أنا يا رسول الله، فقال: يا بني عبد المطلب، هذا أخي ووارثي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي، فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع وتطيع لهذا الغلام([15]).

أقول: قد عرفت حال الطالقاني من الرواية السابقة، أما المغيرة بن محمد فلم أقف على من ترجم له، ولا يعرف من هو في الناس، وكذا حال إبراهيم الأزدي، وقيس بن الربيع من البترية وهو مجهول([16]).

وشريك بن عبدالله وإن كان صدوقاً إلا أنه يخطئ كثيراً، وقد تغيَّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وقد ورد في ذمه عن الصادق من طرق القوم رواية فيها قولـه لما علم بأنه يرد شهادة شيعته -كما يذكر القوم-: لا تذلوا أنفسكم([17]).

والأعمش ثقة لكنه يدلس، وكذا منهال، صدوق ربما وهم، وهو مجهول عند الرجاليين الشيعة([18]).

الرواية الرابعة: روى الطوسي، قال: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري سنة ثمانٍ وثلاثمائة، قال: حدثنا محمد بن حيد الرازي قال: حدثنا سلمة بن الفضل الأبرش قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، قال أبو المفضل: وحدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي واللفظ له، قال: حدثنا محمد بن الصباح الجرجرائي، قال: حدثني سلمة بن سالم الجعفي، عن سليمان الأعمش وأبي مريم جميعاً، عن المنهال بن عمرو، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل، عن عبدالله بن عباس، عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) [الشعراء:214] دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا علي، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، قال: فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أني متى أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت على ذلك، وجاءني جبرئيل صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، إنك إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك عز وجل، فاصنع لنا يا علي صاعاً من طعام واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عساً من لبن، ثم اجمع بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم أجمع وهم أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، فلما اجتمعوا له صلى الله عليه وسلم دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلمَّا وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم جذمة من اللحم فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: خذوا باسم الله، فأكل القوم حتى صدروا مالهم بشيء من الطعام حاجة، وما أرى إلا مواضع أيديهم.

وايم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم، ثم جئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا جميعاً.

وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام، فقال: لشد ما سحركم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال لي من الغد: يا علي، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثم اجمعهم لي، قال: ففعلت ثم جمعتهم، فدعاني بالطعام، فقربته لهم ففعل كما فعل بالأمس، وأكلوا ما لهم به من حاجة، ثم قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعاً، ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا بني عبد المطلب، أنا والله ما أعلم شاباً من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله عز وجل أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤمن بي ويؤازرني على أمري فيكون أخي ووصيي ووزيري وخليفتي في أهلي من بعدي؟

قال: فأمسك القوم وأحجموا عنها جميعاً، فقمت وإني لأحدثهم سناً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأخمشهم ساقاً، فقلت: أنا -يا نبي الله- أكون وزيرك على ما بعثك الله به، قال: فأخذ بيدي، ثم قال: إن هذا أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع([19]).

أقول: أبو المفضل وإن كان كثير الرواية إلا أن الأكثر على تضعيفه، فقد كان ثبتاً ثم خلط، وترك البعض الرواية عنه.

وقال آخرون: إنه وضاع، كثير المناكير([20]).

وبقية السند من طرق أهل السنة، فالطبري هو صاحب التاريخ، وقد أورده في تاريخه [1/319] بالسند المذكور.

والرازي إنما هو محمد بن حميد الرازي، وليس [حيد] كما في الأمالي والبحار، ولم يترجم له أحد من القوم، بل كل من جاء باسم [محمد بن حميد] في كتب الرجال عند الشيعة فهو مجهول الحال، ولكني وجدت الخوئي في معرض كلامه عن شريك ذكره وقال عنه: ليس بثقة([21]).

أما أهل السنة فقد أسهبوا في ترجمته، وهو خلاف ما أوهم صاحب الغدير قراءه من أنه ثقة، وهذا ديدنه في كتابه جله، حيث ملأه بالأكاذيب والمغالطات، وقد ذكرنا شيئاً من ذلك في كتابنا [التقية والوجه الآخر] فصاحب الغدير هذا يغالط نفسه بنفسه، ومن ذلك: أنه نفى القول بتحريف القرآن في موضع وأثبته في آخر، فصاحبنا الرازي هذا قال فيه البخاري: في حديثه نظر.

وقال النسائي: ليس بثقة، وفي موضع آخر قال: كذاب.

وقال الجوزجاني: رديء المذهب غير ثقة.

وقال فضلك الرازي: عندي عن ابن حميد خمسون ألفاً لا أحدث عنه بحرف.

وقال صالح بن محمد الأسدي: ما رأيت أحداً أجرأ على الله منه، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضه على بعض.

وقال أيضاً: ما رأيت أحداً أحذق بالكذب من رجلين: سليمان الشاذكوني ومحمد بن حميد.

وقال جعفر بن محمد بن حماد: سمعت محمد بن عيسى الدامغاني يقول: لما مات هارون بن المغيرة سألت محمد بن حميد أن يخرج إليَّ جميع ما سمع، فأخرج إليَّ جزازات، فأحصيت جميع ما فيه ثلاثمائة ونيفاً وستين حديثاً، قال جعفر: وأخرج ابن حميد عن هارون بعدُ بضعة عشر ألف حديث.

وقال أبو القاسم ابن أخي أبي زرعة: سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد؟ فأومأ بإصبعه إلى فمه، فقلت له: كان يكذب؟ فقال برأسه: نعم، فقلت له: كان قد شاخ لعله كان يُعمل عليه ويُدلس عليه، فقال: لا يا بني، كان يتعمد.

قال أبو نعيم بن عدي: سمعت أبا حاتم الرازي في منزلـه وعنده ابن خراش وجماعة من مشايخ أهل الري وحفاظهم، فذكروا ابن حميد، فأجمعوا على أنه ضعيف في الحديث جداً، وأنه يحدث بما لم يسمعه.

وقال البيهقي: كان إمام الأئمة -يعني: ابن خزيمة- لا يروي عنه.

وقال أبو علي النيسابوري: قلت لابن خزيمة: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه؟ فقال: إنه لم يعرفه، لو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلاً.

وكذا الأبرش سلمة بن الفضل، فالأميني في غديره وهو يقول عن رجال سند حديثنا هذا: بأنهم ثقات، لم يذكر أن الأبرش هذا لم يترجم له أحد من أضرابه، وأنه ورد من أقوال أهل السنة فيه قول البخاري: عنده مناكير.

وقول علي بن المديني: ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديثه.

وقول البرذعي عن أبي زرعة: كان أهل الري لا يرغبون فيه لمعان فيه من سوء رأيه وظلم فيه.

وأما إبراهيم بن موسى فسمعته غير مرة وأشار أبو زرعة إلى لسانه يريد الكذب.

وقول النسائي: إنه ضعيف.

وقول ابن حبان: يخطئ ويخالف.

وقول الترمذي: كان إسحاق يتكلم فيه.

وقال ابن عدي عن البخاري أيضاً: ضعفه إسحاق.

وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم.

ومحمد بن إسحاق وإن كان صدوقاً إلا أنه يدلس، ورمي بالتشيع والقدر، ومن طريق القوم لم يرد فيه تعديل بحسب اعتبار طرقه عندهم([22])، بل إن السيد التفريشي ذكر في [أبي عبدالله المغازي] بعدما قال: غال، ويحتمل أن يكون اسمه محمد بن إسحاق صاحب المغازي، وهو غريب كما قال الخوئي([23]).

أما أبو مريم عبد الغفار بن القاسم: فقال فيه أبو داود: أنا أشهد أن أبا مريم كذاب.

وقال شعبة: سمعت سماك الحنفي يقول لأبي مريم في شيء ذكره: كذبت والله.

وقال يحيى: ليس بثقة.

وقال ابن حنبل: كان يحدث بلايا في عثمان، وكان يشرب حتى يبول في ثيابه.

وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم.

وقال ابن المديني: كان يضع الحديث.

وقال ابن حبان: كان ممن يروي المثالب في عثمان بن عفان، ويشرب الخمر حتى يسكر، ومع ذلك يقلب الأخبار، لا يجوز الاحتجاج به، وتركه أبو حاتم والنسائي والدارقطني، وضعفه الساجي وابن الجارود وابن شاهين.

هذا ما كان من شأن سند الطبري المذكور، وقد أسهبنا بعض الشيء في بيانه وبالأخص من طرق أهل السنة، لأن الأميني -كما ذكرنا- عندما استشهد برواية الطبري هذه في غديره، قال: ورجال السند كلهم ثقات إلا أبا مريم عبد الغفار بن القاسم، فقد ضعفه القوم وليس ذلك إلا لتشيعه، فقد أثنى عليه ابن عقدة وأطراه وبالغ في مدحه، ولم يقذف أحد منهم الحديث بضعف أو غمز لمكان أبي مريم في إسناده...

إلى أن قال: وليس من العجيب ما هملج به ابن تيمية من الحكم بوضع الحديث فهو ذاك المتعصب العنيد، وإن من عادته إنكار المسلّمات، ورفض الضروريات، وتحكماته معروفة، وعرف منه المنقبون أن مدار عدم صحة الحديث عنده هو تضمنه فضائل العترة الطاهرة.

أقول: لسنا بصدد رد افتراءاته على شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- هذه وغيرها وهي كثيرة، وحسبك قولـه في إسناد روايتنا هذه، وقد عرفت حقيقتها.

ثم قال -وكأنه أخرج إلينا خبيئة أو وقف على حقيقة- تحت: جنايات على الحديث -وهو يتحدث عن روايتنا هذه- قال: منها: ما ارتكبها الطبري في تفسيره، فإنه بعد روايته له في تاريخه كما سمعت قلب عليه ظهر المجن في تفسيره، فأثبته برمته حرفياً متناً وإسناداً، غير أنه أجمل القول فيما لهج به رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل من يبادر إلى تلقي الدعوة بالقبول، قال: فقال: فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا؟ وقال في كلمته صلى الله عليه وسلم الأخيرة: ثم قال: إن هذا أخي وكذا وكذا، وتبعه على هذا التقلب ابن كثير في البداية والنهاية، وفي تفسيره فعل ابن كثير هذا وثقل عليه ذكر الكلمتين.

ومنها: خزاية تحملها محمد حسين هيكل؛ حيث أثبت الحديث كما أوعزنا إليه في الطبعة الأولى من كتابه [حياة محمد] وأسقطها من الطبعة الثانية([24]).

وكرر مغنية هذا القول في تفسيره، حيث قال: وذكر هذا الحديث محمد حسين هيكل في كتابه [حياة محمد] في الطبعة الأولى، وحذفه في الطبعة الثانية([25]).

وجاء آخر وكان أكثر دقة، فحدد الثمن الذي قبضه هيكل لقاء حذف كلمة [خليفتي]، وهو خمسمائة جنيه.

وادعى آخر أنه رفض التحž