الباب الثاني

الإمامة والقرآن

في القرآن الكريم مئات المواضع التي تتحدث عن التقوى والأخلاق الفاضلة وترغب فيهما وتحث عليهما؛ كالصبر والتوبة والاستغفار والإحسان والعفو والصفح والصدق وأداء الأمانة والحياء وغض البصر والشكر وغيرها.

فهذه الأخيرة -مثلاً- ورد فيها أكثر من سبعين آية، ونحن نعلم بأن فضيلة الشكر هذه ليست من أركان الدين أو أصوله، وإنما من تقوى القلوب وفضائل الأعمال.

واختيارنا للشكر وذكر عدد آياته لا يعني أنها الفضيلة الوحيدة التي جاء فيها هذا العدد من الآيات؛ بل إنها لا تقل شأناً عن الكثير من مسائل الأخلاق التي ذكرناها آنفاً.

فلا شك أنك أدركت أن القرآن الكريم إذا كان قد أورد كل هذه الآيات في فضيلة من فضائل الأعمال، فالأَولى أن يرد مئات الآيات في أركان الإسلام، فهذا حاصل تماماً، فقد أورد القرآن الكريم مئات الآيات الكريمة في الصلاة والزكاة، وعشرات الآيات في الصوم والحج، كما أورد مثلها في الإيمان بالملائكة، والكتب السماوية، والرسل، واليوم الآخر، والقضاء والقدر.

لا شك أن القارئ قد أدرك ما رمينا إليه من هذه التوطئة، فالإمامة التي مرَّت منزلتها بك في مقدمة الباب الأول، والتي هي من أعظم أركان الدين عند القوم، ولا تقبل أخواتها إلا بها، وعليها مدار قبول الأعمال، والله قد أخذ المواثيق على الأنبياء والرسل عند بعثتهم بها، والأئمة علة خلق السموات والأرض والجنة والنار والأفلاك والعرش والكرسي والملائكة والجن والإنس و.. و.. إلى آخر ما أوردناه في الباب الأول من كتب القوم.

فلاشك أن تناول مسألة بهذه الخطورة يجب أن ينزل فيها من الآيات أضعاف ما نزل في الأركان الأخرى، فضلاً عن فروع الدين وفضائل الأعمال، فإننا -مثلاً- نجد ذكر الكثير من الأنبياء عليهم السلام مع تفاصيل دعوتهم؛ بالرغم من أن الله عز وجل قد أخذ المواثيق عليهم عند بعثتهم بالإمامة -كما عرفت- فضلاً عن أن الأئمة أفضل من الأنبياء عليهم السلام عند القوم.

وقد نضطر هنا للوقوف بعض الشيء لبيان هذه المسألة -أعني: تفضيل الأئمة على الأنبياء عليهم السلام عند القوم- لرفع ما قد يقع من لبس عند بعض من ينكر نسبة هذا القول إلى الشيعة.

بيان عقيدة الشيعة في تفضيل الأئمة على الأنبياء عليهم السلام:

اعلم أن هذه المسألة من المسلمات عندهم، بل ومن ضروريات المذهب، ولست أجازف باتهامهم بما لا يعتقدونه، ولعل في ذكرنا لبعض رواياتهم وأقوالهم في المسألة ما يؤيد صحة ما ذهبنا إليه.

روى القوم عن الرضا أنه قال: إن آدم لما أكرمه الله - تعالى ذكره - بإسجاد ملائكته له، وبإدخاله الجنة، قال في نفسه: هل خلق الله بشراً أفضل مني؟ فعلم الله عز وجل ما وقع في نفسه، فناداه: ارفع رأسك يا آدم، فانظر إلى ساق عرشي، فرفع آدم رأسه فنظر إلى ساق العرش، فوجد عليه مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، فقال آدم عليه السلام: يا رب، من هؤلاء؟ فقال عز وجل: هؤلاء من ذريتك، وهم خير منك ومن جميع خلقي، ولولاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنة والنار ولا السماء والأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد فأخرجك عن جواري، فنظر إليهم بعين الحسد وتمنى منزلتهم، فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها، وتسلط على حواء لنظرها إلى فاطمة بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم منها، فأخرجهما الله عز وجل من جنته وأهبطهما عن جواره إلى الأرض([1]).

وقال: نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد، فينا نزل القرآن وفينا معدن الرسالة([2]).

وعن الصادق قال: إن الله أخذ ميثاق الخلائق ومواثيق الأنبياء والرسل لمحمد بالنبوة، ولعلي بن أبي طالب بالولاية([3]).

وعنه أيضاً قال: إن أمرنا صعب مستصعب لا يقر به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل([4]).

وعنه أيضاً قال: إن الله حمل دينه وعلمه الماء قبل أن تكون أرض أو سماء أو جن أو إنس أو شمس أو قمر، فلما أراد أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه، فقال لهم: من ربكم؟ فكان أول من نطق رسول الله وأمير المؤمنين والأئمة، فقالوا: أنت ربنا، فحملهم العلم والدين، ثم قال للملائكة: هؤلاء حملة علمي وديني وأمنائي في خلقي وهم المسؤولون([5]).

وعن الباقر قال: أخذ الله الميثاق على النبيين، فقال: ألست بربكم، وأن هذا محمداً رسول الله، وأن هذا علياً أمير المؤمنين؟ قالوا: بلى، فثبتت لهم النبوة، وأخذ الميثاق على أولي العزم: إني ربكم، ومحمد رسول الله، وعلي أمير المؤمنين، وأوصياؤه من بعده ولاة أمري، وخزان علمي، وإن المهدي أنتصر به لديني، وأظهر به دولتي، وأنتقم به من أعدائي، وأُعبد به طوعاً وكرهاً، قالوا: أقررنا وشهدنا يا رب، ولم يجحد آدم ولم يقر، فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به، وهو قولـه تعالى: ((وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)) [طه:115]، إنما يعني: فترك([6]).

وعن أبي الحسن: ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث الله نبياً إلا بنبوة محمد وولاية وصيه علي([7]).

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا علي، ما بعث الله نبياً إلا وقد دعاه إلى ولايتك طائعاً أو كارهاً ([8]).

وعن الباقر: إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق النبيين على ولاية علي، وأخذ عهد النبيين بولاية علي([9]).

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما تكاملت النبوة لنبي في الأظلة حتى عرضت عليه ولايتي وولاية أهل بيتي، ومثلوا له فأقروا بطاعتهم وولايتهم([10]).

وعن الصادق: ما نبئ نبي قط إلا بمعرفة حقنا، وبفضلنا على من سوانا([11]).

وعن الباقر: ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبياً قط إلا بها([12]).

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما أسري بي أتاني ملك، فقال: يا محمد، سل من أرسلنا قبلك من رسلنا على ما بعثوا؟ فقلت: معاشر الرسل والنبيين، على ما بعثكم الله قبلي؟ قالوا: على ولايتك يا محمد، وولاية علي بن أبي طالب([13]).

وعن الصادق قال: علم النبي صلى الله عليه وسلم علم النبيين بأسره، وأوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم فجعله محمد عند علي، فقال رجل: فعلي أعلم أو بعض الأنبياء؟ فنظر الصادق إلى بعض أصحابه، فقال: إن الله يفتح مسامع من يشاء، أقول له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ذلك كله عند علي، فيقول: علي أعلم أو بعض الأنبياء([14])!

وعن سيف التمار قال: كنا مع أبي عبدالله في الحجر، فقال: علينا عين؟ فالتفتنا يمنة ويسرة، وقلنا: ليس علينا عين، فقال: ورب الكعبة، ورب الكعبة، ورب الكعبة، إني لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما([15]).

أقول: الروايات في الباب كثيرة جداً، ولا يسعنا حصرها، ولعلَّ في سردنا لبعض الأبواب التي وضعها القوم في المقام كفاية لمن أراد المزيد، فانظر مثلاً:

باب: تفضيلهم على الأنبياء وعلى جميع الخلق، وأخذ ميثاقهم عنهم وعن الملائكة وعن سائر الخلق، وأن أولي العزم إنما صاروا أولي العزم بحبهم([16]).

باب: أنهم أعلم من الأنبياء([17]).

باب: أن عندهم جميع علم الملائكة والأنبياء، وأنهم أعطوا ما أعطاه الله الأنبياء عليهم السلام، وأن كل إمام يعلم جميع علم الإمام الذي قبله([18]).

باب: أن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والاستشفاع بهم صلوات الله عليهم([19]).

باب: أنهم يقدرون على إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء([20]).

باب: أنهم يظهرون بعد موتهم ويظهر منهم الغرائب، ويأتيهم أرواح الأنبياء عليهم السلام، وتظهر لهم الأموات من أوليائهم وأعدائهم([21]).

وغيرها من الأبواب التي أوردناها في مقدمة الباب الأول، فراجعها هناك.

وكذلك صنفوا في ذلك تصانيف مستقلة:

كتفضيل الأئمة على الأنبياء، لهاشم البحراني.

وتفضيل الأئمة على غير جدهم من الأنبياء، للمولى كاظم الهزاز.

وتفضيل أمير المؤمنين على من عدا خاتم النبيين، للمجلسي. والاسم ذاته للسيد دلدار اللكهنوي.

وتفضيل علي على أولي العزم من الرسل، لهاشم البحراني أيضاً، وغيرها([22]).

وقال الصدوق في اعتقاداته: يجب أن يُعتقد أن الله عز وجل لم يخلق خلقاً أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم والأئمة، وأنهم أحب الخلق إلى الله عز وجل وأكرمهم، وأولهم إقراراً به لما أخذ الله ميثاق النبيين في الذر، وأن الله تعالى أعطى كل نبي على قدر معرفته نبينا صلى الله عليه وسلم وسبقه إلى الإقرار به، ويُعتقد أن الله تعالى خلق جميع ما خلق له ولأهل بيته، وأنه لولاهم ما خلق السماء ولا الأرض ولا الجنة ولا النار ولا آدم ولا حواء ولا الملائكة ولا شيئاً مما خلق([23]).

وأكد المجلسي قول الصدوق وأيده، وقال: اعلم أن ما ذكره رحمه الله من فضل نبينا وأئمتنا صلوات الله عليهم على جميع المخلوقات، وكون أئمتنا أفضل من سائر الأنبياء، هو الذي لا يرتاب فيه من تتبع أخبارهم على وجه الإذعان واليقين، والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، وإنما أوردنا في هذا الباب قليلاً منها([24])، وهي متفرقة في الأبواب لاسيما باب: صفات الأنبياء وأوصافهم، وباب: أنهم كلمة الله، وباب: بدو أنوارهم، وباب: أنهم أعلم من الأنبياء، وأبواب فضائل أمير المؤمنين وفاطمة صلوات الله عليهم، وعليه عمدة الإمامية، ولا يأبى ذلك إلا جاهل بالأخبار([25]).

وقال المفيد: قد قطع قوم من أهل الإمامة بفضل الأئمة من آل محمد على سائر من تقدم من الرسل والأنبياء سوى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ([26]).

ويروي القوم أن عدد الأنبياء والأوصياء مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، ومائة ألف وصي وأربعة وعشرون ألف وصي.

وفي رواية: مائة ألف نبي وأربعة وأربعون نبياً، ومثلهم أوصياء([27]).

بيان أنه لم يرد في القرآن الكريم ذكر للإمامة وموقف الشيعة من هذه الحقيقة:

ونحن نجد في القرآن ذكر هؤلاء الأنبياء في مئات المواضع، ولكن لم نقف على موضع واحد فيه ذكر لأحد من هؤلاء الأوصياء، سواءً المائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، أو المائة ألف وأربعة وأربعون، بل ولا آية واحدة تتحدث عن أكرم هؤلاء وأفضلهم، بل وأفضل من الأنبياء كما عرفت.

والقرآن الذي لم يغادر شيئاً إلا وبَيّنَه، كما يؤكد ذلك القوم برواية الصادق: والله إني لأعلم ما في السموات وما في الأرض، وما في الجنة وما في النار، وما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، ثم سكت، ثم قال: أعلمه عن كتاب الله أنظر إليه هكذا، ثم بسط كفه، وقال: إن الله يقول: فيه تبيان كل شيء.

وفي رواية: ثم مكث هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه، فقال: علمت من كتاب الله أن الله يقول: فيه تبيان كل شيء([28]).

وقولـه: ما ترك الله شيئاً تحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد أن يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن إلا وقد أنزله الله فيه([29]).

فهذا القرآن قد ذكر السموات والأرض وما بينهما وما فيهما، والجنة والنار وما فيهما، في مئات المواضع، فكان لابد ألا يدع القرآن ذكر ما كان سبباً لخلق كل هذا وهو الإمامة والأئمة، وقد علمت منزلتهما، دون أن يكون له نصيب الأسد من البيان، ولكن شيئاً من هذا لم يكن.

فأمام هذه الحقيقة الخطيرة المتمثلة في خلو القرآن الكريم عن آحاد الآيات المؤيدة لعقيدة القوم في الإمامة، والتي تؤكدها صراحة بعض الروايات، كراوية أبي بصير الذي سأل الصادق: إن الناس يقولون: لِمَ لم يسم علي وأهل بيته في كتاب الله عز وجل؟ فقال: قولوا لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي فسر ذلك، ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهماً درهم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي فسَّر ذلك لهم، ونزل الحج... إلى آخر الرواية، حيث ذكر فيها بيان إمامة علي بالسنة لا بالقرآن([30]).

فأمام هذه الحقيقة لجأ الشيعة إلى وسائل ثلاث لحل هذا الإشكال، وقد عبرت عنها بالاتجاهات.

  أصحاب الاتجاه الأول وتأويل مُعظَم آيات القرآن الكريم لإثبات نزولها في الأئمة والإمامة:

الاتجاه الأول: أَوّلَ معظمَ آيات القرآن الكريم، وجعلها لا تخلو من كون نزولها في أهل البيت سواء في بيان منزلتهم أو ولايتهم.. أو ما شابه ذلك، بحيث تتعلق بهم على نحوٍ ما، أو في ذم أعدائهم من الصحابة رضوان الله عليهم، أو المخالفين للمذهب بزعمهم.. وهكذا.

وأصحاب هذا الاتجاه اجتهدوا في لَيِّ أعناق معظم آيات القرآن وتأويلها بحيث لا تخرج عن غرضهم، وأيسر السبل التي انتهجها هؤلاء في بيان ذلك هو وضع الأحاديث على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة، بدءاً ببسملة سورة الفاتحة، وانتهاءً بالمعوذتين.

ففي الأولى -مثلاً- رووا عن الصادق أنه سئل عن تفسير بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: الباء بهاء الله، والسين سناء الله، والميم ملك الله، قال السائل: فقلت: الله؟ قال: الألف آلاء الله على خلقه، والنعم بولايتنا، واللام إلزام خلقه بولايتنا، قال: قلت: فالهاء؟ قال: هوان لمن خالف محمداً وآل محمد صلى الله عليه وسلم، قال: قلت: الرحمن؟ قال: بجميع العالم، قال: قلت: الرحيم؟ قال: بالمؤمنين وهم شيعة آل محمد صلى الله عليه وسلم ([31]).

وفي الأخرى: رووا عنه أيضاً: أن جبرئيل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أن فلاناً سحرك، وجعل السحر في بئر بني فلان، فابعث إليه -يعني: إلى البئر- أوثق الناس عندك، وأعظمهم في عينك، وهو عديل نفسك حتى يأتيك بالسحر، قال: فبعث النبي صلى الله عليه وسلم علياً، فاستخرج حقاً وأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم... الرواية([32]).

وفي حقيقة الأمر قد أعرضنا عن ذكر أمثلة على هذا الاتجاه، وذلك لسهولة الوقوف عليها في أكثر التفاسير الشيعية المطبوعة والتي لا تخلو منها، وبالأخص تلك التي جعلت حكراً على الآيات التي تمثل هذا الاتجاه، كتأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، وهو مطبوع في مجلدين، وحوالي تسعمائة صفحة من الحجم المتوسط، وغيره.

  أصحاب الاتجاه الثاني والقول بتحريف القرآن وذكر بعض روايات التحريف عند الشيعة:

أما الاتجاه الثاني: فهو اتجاه خطير في العقيدة يؤدي بصاحبه إلى الكفر والخروج من الملة، والذي اضطر أصحابه إلى الأخذ به والقول به هو قناعتُهم التامة بخلو القرآن الكريم من الحجج والبراهين التي تؤيد عقيدتهم في الإمامة وتعارضه مع الكثير من العقائد الأخرى المنبثقة عن القول بالإمامة.

وأصحابنا هؤلاء لم يقنعوا بالاتجاه الأول لفساده البين فجاءوا بأفسد منه، ولا شك أن اضطرارهم إلى هذا من أبين الدلائل وأظهرها على فساد القول بالإمامة والنص.

ويتمثل هذا الاتجاه بالقول بتحريف القرآن.

ويبدأ أصحابنا هؤلاء بالتوطئة القائلة بأن القرآن الموجود بين الدفتين ليس هو ذلك القرآن الذي أنزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا القرآن الموجود بين أيدينا قد حذفت منه آيات كثيرة، بل وسور فيها ذكر الإمامة وآل محمد واسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكذلك فضائح المهاجرين والأنصار وغيرهم، مما سيتبين لك قريباً، وأن القرآن كما أنزل إنما جمعه أمير المؤمنين علي، ثم توارثه الأئمة، وهو عند المهدي الآن وسيظهره عند خروجه.

وأيدوا قولهم هذا بروايات وضعوها على لسان الأئمة، كقول الباقر: ما من أحدٍ من الناس يقول: إنه جمع القرآن كله كما أنزل الله إلا كذاب، وما جمعه وما حفظه كما أنزل الله إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده.

وفي رواية: ما أحد من هذه الأمة جمع القرآن إلا وصي محمد صلى الله عليه وسلم ([33]).

ووضعوا روايات في قصة هذا الجمع المزعوم.

منها: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع علي القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر، وقال: يا علي، اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه وانصرف، ثم أحضروا زيد بن ثابت -وكان قارئاً للقرآن- فقال له عمر: إن علياً جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فضيحة وهتكاً للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه قد بطل كل عملكم. قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما حيلته دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد، فلم يقدر على ذلك، فلما استخلف عمر، سأل علياً أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال: يا أبا الحسن، إن جئت بالقرآن الذي كنت قد جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه، فقال: هيهات ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم، ولا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا: ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، قال عمر: فهل لإظهاره وقت معلوم؟ فقال: نعم، إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه، فتجري السنة به صلوات الله عليه([34]).

وكذلك لا بأس من ذكر بعض حكايات القائم هذا والقرآن المزعوم:

ففي رواية: إن المهدي عند ظهوره يتلو القرآن، فيقول المسلمون: هذا والله القرآن حقاً الذي أنزله الله على محمد، وما أسقط وبدل وحرَّف لعن الله من أسقطه وبدَّله وحرَّفه([35]).

وفي أخرى: عن علي عليه السلام قال: كأني بالعجم في فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلمون الناس القرآن كما أنزل، قلت -أي: الراوي-: يا أمير المؤمنين، أو ليس هو هذا كما أنزل؟ فقال: لا، محي منه سبعون من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما ترك أبو لهب إلا للإزراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه عمه([36]).

وأيد القوم هذا الجزء الأخير من الرواية بروايات أخرى شبيهة، منها: عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: دفع إلي أبو الحسن مصحفاً، وقال: لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه: لم يكن الذين كفروا، فوجدت فيها أسماء سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم.

وفي رواية: ففتحته فوقعت بين يدي سورة لم يكن، فإذا هي أطول وأكثر مما يقرؤها الناس.

وعن أبي عبدالله قال: أنزل الله في القرآن سبعة بأسمائهم، فمحت قريش ستة وتركوا أبا لهب.

وفي رواية: أنه نقص أربعين اسماً من سورة تبت([37]).

وعنه قال: إن في القرآن ما مضى وما يحدث وما هو كائن، كانت فيه أسماء الرجال فألقيت([38]).

وعنه قال: لو قرىء القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمَّين([39]).

وعن الباقر: لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص ما خفي حقنا على ذي حجى، ولو قام قائمنا فنطق صدقه القرآن([40]).

وعنه أنه سئل: ليس في القرآن بنو هاشم؟ فقال: محيت والله فيما محي، ولقد قال عمرو بن العاص على منبر مصر: محي من القرآن ألف حرف بألف درهم، وأعطيت مائتي ألف درهم على أن يمحى [إن شانئك هو الأبتر] فقالوا: لا يجوز ذلك، فكيف جاز ذلك لهم ولم يجز لي؟([41])

وعنه قال: سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم يا ابن سنان -أي: الراوي- إن سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب، وكانت أطول من سورة البقرة؛ لكن نقصوها وحرَّفوها([42]).

وزعموا أن ربع هذا القرآن المزعوم قد اشتمل على ذكر الإمامة والأئمة، وآخر على أعدائهم، فعن الباقر: نزل القرآن أرباعاً: ربعاً فيه عدونا، وربعاً فينا، وربعاً فيه سنن وأمثال، وربعاً فيه فرائض وأحكام([43]).

ويقتضي هذا القول أن يكون أكثر من ألف وستمائة آية قد تناولت مسألة الإمامة والأئمة، ومثلها في أعدائهم، هذا باعتبار أن القرآن الموجود بين أيدينا الآن حوالي (6666) آية، أو (6263) آية، على خلاف([44]).

ومرد الاختلاف -كما لا يخفى عليك- راجع إلى تجزئة بعضهم للآية الطويلة واحتسابها أكثر من آية، بناءً على انقطاع النفس في أثنائها، فظنوها أكثر من آية، من غير زيادة أو نقصان في الألفاظ والأحرف، فتنبه، والله تعالى أعلم.

وقد علمت فساد هذا القول لخلو القرآن الكريم عن آحاد الآيات في الأئمة أو أعدائهم، حتى لو كان باعتبار الاتجاه الأول الذي ذكرناه، وكان بيّن الفساد، إلا أن يكون تدليلاً على أصحاب الاتجاه الذي نتحدث عنه الآن، وهو القول بحذف الكثير من الآيات، بل السور، ويؤيد أصحاب هذا الاتجاه رأيهم بروايات نسبوها إلى الأئمة، كقول الصادق: إن القرآن الذي جاء به جبرئيل إلى محمد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر ألف آية.

وفي رواية: ثمانية عشر ألف آية([45]).

وهذا بيّن في اختفاء أكثر من عشرة آلاف آية من القرآن الكريم الموجود بين أيدينا الآن.

ورواية الزنديق الطويلة مع علي عليه السلام الذي قال فيها فيما قال: وأما ظهورك على تناكر قوله: ((وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)) [النساء:3]، وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء، ولا كل النساء أيتام، فهو كما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن([46]).

وهذا الكلام -كما لا يخفى عليك أيها القارئ العزيز- جهل قبيح، إذ أن سبب نزول الآية: أن الرجل تكون عنده اليتيمة يحفظها فيرغب في نكاحها فربما حصل منه ميل وجور، فبيَّن الله أن النساء غيرهن كثر فقال: ((وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا)) [النساء:3] &