المهدي
المنتظر
واختلاف
الشيعة في:
مولده،
تاريخ ميلاده،
اسم أمه، جواز
تسميته:
وصل
بنا الحديث
إلى الإمام
الثاني عشر
محمد بن الحسن.
أقول:
اضطربت
الإمامية في
شأن المهدي
اضطراباً
شديداً لا
يكاد ينضبط
بحالٍ من
الأحوال، حتى
إنه لم يغادر
من شئونه
وأحواله شيء،
ويصعب علينا
إيراد ذلك كله
في هذه
العجالة من
أمر كتابنا
هذا، إلا أننا
-إن كان في
العمر بقية- أن
سنوفي هذا
الموضوع حقه،
ولكن إليك
بيان ذلك
بإيجازٍ شديد:
أول
اختلاف يفاجأ
به الباحث في
مسألة مهدي
القوم، هو
الاختلاف
الشديد عندهم
في مولده،
فاقرأ معي هذه
الروايات،
فهي واضحة
الدلالة
وتغني عن
التعليق
والإضافة.
يروي
القوم أن
حكيمة بنت
محمد بن علي بن
موسى بن جعفر
بن محمد بن علي
بن الحسين بن
علي بن أبي
طالب قالت: بعث
إليَّ أبو
محمد، فقال: يا
عمة، اجعلي
إفطارك
الليلة عندنا
فإنها ليلة
النصف من
شعبان، فإن
الله تبارك
وتعالى سيظهر
في هذه الليلة
الحجة وهو
حجته في أرضه،
فقلت له: ومن
أمه؟ قال لي:
نرجس، قلت له:
والله جعلني
فداك ما بها من
أثر.
وفي
رواية:
فوثبت إلى
نرجس،
فقلبتها
ظهراً لبطن
فلم أر بها
أثراً من حبل،
فعدت إليه
فأخبرته بما
فعلت فتبسم،
ثم قال لي: إذا
كان وقت الفجر
يظهر لك بها.
وفي
رواية:
قال: إنا معاشر
الأوصياء
لسنا نحمل في
البطون وإنما
نحمل في
الجنوب، ولا
نخرج من
الأرحام
وإنما نخرج من
الفخذ الأيمن
من أمهاتنا؛
لأننا نور
الله الذي لا
تناله
الدانسات،
فجاءت تنزع
خفي، وقالت لي:
يا سيدتي، كيف
أمسيت؟
فقلت:
بل أنت سيدتي
وسيدة أهلي،
فأنكرت قولي،
وقالت: ما هذا
يا عمة؟ فقلت
لها: يا بنية،
إن الله تبارك
وتعالى سيهب
لك في ليلتك
هذه غلاماً
سيداً في
الدنيا
والآخرة،
فجلست
واستحيت، فلم
أزل أرقبها
إلى وقت طلوع
الفجر وهي
نائمة بين يدي.
وفي
رواية:
فلما ورد وقت
صلاة الليل
قمت ونرجس
نائمة ما بها
أثر ولادة،
فأخذت في
صلاتي ثم
أوترت، فأنا
في الوتر حتى
وقع في نفسي أن
الفجر قد طلع،
فدخلتني
الشكوك، فصاح
بي أبو محمد من
المجلس: لا
تعجلي يا عمة
فإن الأمر قد
قرب، فبينا
أنا كذلك إذ
انتبهت فزعة
فوثبت إليها،
فقلت: اسم الله
عليك، ثم قلت
لها: تحسين
شيئاً؟ قالت:
نعم يا عمة،
فقلت لها:
اجمعي نفسك
واجمعي قلبك
فهو ما قلت لك،
فوقع علي سبات
لم أتمالك معه
أن نمت، ووقع
على نرجس مثل
ذلك ونامت،
فلم أنتبه إلا
بحس سيدي
المهدي،
وصيحة أبي
محمد يقول: يا
عمة، هاتي
ابني... الخبر([1]).
وفي
رواية:
عن سعد بن
عبدالله قال:
لما توفي
الحسن
العسكري بعث
السلطان إلى
داره من
يفتشها ويفتش
حجرها، وختم
على جميع ما
فيها وطلبوا
أثر ولده،
وجاءوا بنساء
يعرفن الحبل،
فدخلن على
جواريه،
فنظرن إليهن،
فذكر بعضهن أن
هناك جارية
بها حبل، فأمر
بها فجعلت في
حجرة ووكل بها
نحرير الخادم
وأصحابه
ونسوة معهم.
فلما
دفن وتفرق
الناس اضطرب
السلطان
وأصحابه في
طلب ولده وكثر
التفتيش في
المنازل
والدور،
وتوقفوا عن
قسمة ميراثه،
ولم يزل الذين
وكلوا بحفظ
الجارية التي
توهموا عليها
الحبل
ملازمين لها
سنتين وأكثر
حتى تبين لهم
بطلان الحبل
فقسم ميراثه([2]).
أما
متى ولد؟ ففي
رواية: سنة (254)
للهجرة، وفي
ثانية: (255)
للهجرة، وفي
ثالثة: (256)
للهجرة، وفي
رابعة: (257)
للهجرة، وفي
خامسة: (258)
للهجرة([3]).
أما
اسم أمه: ففي
رواية: نرجس،
وفي ثانية:
صقيل، وفي
ثالثة:
ريحانة، وفي
رابعة: سوسن،
وفي خامسة:
حكيمة، وفي
سادسة: خمط،
وفي سابعة:
مليكة، وفي
ثامنة: مريم
بنت زيد
العلوية([4]).
ومن
أطرف ما قرأت
في تفسير هذا
التعدد، قول
البعض: إن لها
كل يوم اسماً([5])!
كذلك
اختلفوا في
جواز تسميته
ورؤية شخصه،
ووضعوا في ذلك
روايات عن
معظم الأئمة،
منها:
ما
روي عن الباقر
قال: سأل عمر
أمير
المؤمنين عن
المهدي قال: يا
ابن أبي طالب،
أخبرني عن
المهدي ما
اسمه؟ قال: أما
اسمه فلا، إن
حبيبي وخليلي
عهد إليَّ ألا
أحدث باسمه
حتى يبعثه
الله عز وجل
وهو مما
استودع الله
عز وجل رسوله
علمه.
وعن
أبي خالد
الكابلي قال:
دخلت على محمد
بن علي
الباقر، فقلت:
جعلت فداك، قد
عرفت انقطاعي
إلى أبيك
وأنسي به
ووحشتي من
الناس، قال:
صدقت يا أبا
خالد، تريد
ماذا؟ قلت:
جعلت فداك، قد
وصف لي أبوك
صاحب هذا
الأمر بصفته
لو رأيته في
بعض الطرقات
لأخذت بيده،
قال: فتريد
ماذا يا أبا
خالد؟ قال:
أريد أن تسميه
لي حتى أعرفه
باسمه، فقال:
سألتني والله
يا أبا خالد عن
سؤال مجهد،
ولقد سألتني
عن أمرٍ ما لو
كنت محدثاً به
أحداً
لحدثتك، ولقد
سألتني عن
أمرٍ لو أن بني
فاطمة عرفوه
حرصوا على أن
يقطعوه بضعة
بضعة.
وعن
المفضل بن عمر
قال: كنت عند
أبي عبدالله
في مجلسه ومعي
غيري، فقال لي:
يا أبا
عبدالله،
إياكم
والتنويه،
يعني: باسم
القائم.
وعنه
قال: المهدي من
ولدي الخامس
من ولد
السابع، يغيب
عنكم شخصه ولا
يحل لكم
تسميته.
وعنه
أيضاً قال:
صاحب هذا
الأمر رجل لا
يسميه باسمه
إلا كافر.
وعن
الكاظم أنه
قال: يخفى على
الناس
ولادته، ولا
يحل لهم
تسميته.
وعن
الرضا قال: لا
يرى جسمه، ولا
يسمى باسمه.
وعن
الجواد قال:
القائم هو
الذي يخفى على
الناس
ولادته،
ويغيب عنهم
شخصه، ويحرم
عليهم
تسميته، وهو
سمي رسول الله صلى
الله عليه
وسلم وكنيّه.
وعن
أبي هاشم
الجعفري قال:
سمعت أبا
الحسن
العسكري يقول:
الخلف من بعد
الحسن ابني،
فكيف لكم
بالخلف من بعد
الخلف؟ قلت:
ولم جعلني
الله فداك؟
فقال: لأنكم لا
ترون شخصه،
ولا يحل لكم
ذكره باسمه،
قلت: فكيف
نذكره؟ فقال:
قولوا: الحجة
من آل محمد.
وعن
عبد العظيم
الحسني، عن
أبي الحسن
الثالث أنه
قال في القائم:
لا يحل ذكره
باسمه.
بل
روى القوم ذلك
عن المهدي
نفسه، فعن علي
بن عاصم
الكوفي قال:
خرج في
توقيعات صاحب
الزمان: ملعون
ملعون من
سماني في
محفلٍ من
الناس.
وفي
رواية:
من سماني في
مجمع من الناس
باسمي فعليه
لعنة الله.
وعن
الحميري أنه
سأل العمري عن
اسم القائم؟
فقال: إياك أن
تبحث عن هذا،
فإن عند القوم
أن هذا النسل
قد انقطع([6]).
ومسألة
النهي عن
تسميته من
أغرب المسائل
وأطرفها بعد
كل هذه المئات
من الروايات
التي ملأ
القوم كتبهم
منها، والتي
ذكرنا بعض
مصادرها في
مقدمة الباب
عند ذكر سلسلة
الأئمة، وأن
الإمام بعد
الحسن
العسكري ابنه
محمد، بنص
الله ورسوله صلى
الله عليه
وسلم وكذا
الأئمة.
ولعلماء
القوم في هذه
المسألة
تأويلات
وأقوال
وردود، منها:
أن الصدوق لما
أورد روايات
فيها ذكر
اسمه، قال
تعليقاً على
إحداها: جاء
هذا الحديث
هكذا بتسمية
القائم،
والذي أذهب
إليه النهي عن
تسميته([7]).
وقال
الإربلي: من
العجيب أن
الشيخ
الطبرسي
والشيخ
المفيد
رحمهما الله
تعالى قالا:
إنه لا يجوز
ذكر اسمه ولا
كنيته، ثم
يقولان: اسمه
اسم النبي صلى
الله عليه
وسلم،
وكنيته كنيته
عليهما
الصلاة
والسلام،
وهما يظنان
أنهما لم
يذكرا اسمه
ولا كنيته،
وهذا عجيب!
والذي أراه أن
المنع من ذلك
إنما كان
للتقية في وقت
الخوف عليه
والطلب له
والسؤال عنه،
فأما الآن
فلا، والله
أعلم([8]).
أقول:
وأعجب منه
تعليل
الإربلي نفسه -بما
لا أعرف وجهة
الحاجة إليه-
وهو القول
بالتقية في
هذه المسألة
في أمرٍ قد فرغ
منه بزعم
القوم بنص
الله ورسوله صلى
الله عليه
وسلم على
إمامته بعد
أبيه العسكري
كما مرَّ بك.
اضطراب
الشيعة في
تأويل حديث: (اسمه
اسمي
واسم أبيه
اسم أبي):
وعلى
ذكر قولـه:
اسمه اسم
النبي وكنيته
كنيته، فقد
وردت من طرق
عدة عن النبي صلى
الله عليه
وسلم في
المهدي قولـه:
يواطيء اسمه
اسمي واسم
أبيه اسم أبي([9]).
وهذه
الأحاديث
تعني ببساطة:
أن المهدي
الذي أخبر به
النبي صلى
الله عليه
وسلم اسمه
محمد بن
عبدالله، أما
مهدينا هذا
فاسمه محمد بن
الحسن، إذاً
ماذا كان موقف
القوم من هذا؟
في
حقيقة الأمر
اضطربت
آراؤهم في هذه
المسألة بين
مختصر
للطريق، وذلك
بالقول بضعف
أسانيد هذه
الروايات،
إلى مؤول لها
تأويلاً
بعيداً؛ كما
ستقف عليه من
هذه الأقوال:
منها
قولهم:
إنه سائغ
وشائع في لسان
العرب إطلاق
لفظة الأب على
الجد، أو أن
لفظة الاسم
تطلق على
الكنية وعلى
الصفة.
ومنهم
من قال:
إن المهدي من
ولد أبي
عبدالله
وكانت كنية
الحسين أبا
عبدالله،
فأطلق النبي صلى
الله عليه
وسلم على
الكنية لفظة
الاسم لأجل
المقابلة
بالاسم في حق
أبيه، وأطلق
على الجد لفظة
الأب، فكأنه
عليه السلام
قال: يواطيء
اسمه اسمي،
فأنا محمد وهو
محمد، وكنية
جده اسم أبي إذ
هو أبو
عبدالله([10]).
ومنهم
من قال:
إن كنية الحسن
العسكري أبو
محمد،
وعبدالله أبو
النبي صلى
الله عليه
وسلم أبو
محمد،
فتتوافق
الكنيتان
والكنية
داخلة تحت
الاسم([11]).
ومنهم
من قال:
لما كان
المهدي يخرج
بعد دهر طويل
من ولادته، لا
يمكنه في بدء
دعوته أن يعرف
نفسه ويحقق
نسبه بأنه
محمد بن الحسن
بن علي لعدم
الجدوى بذلك،
ولأن أهل مكة -حيث
يظهر- غير
معترفين
بغيبته دهراً
طويلاً ولا
بإمامة
آبائه، فهو
إنما يعرف
نفسه بأنه
محمد بن
عبدالله،
يعني: أن اسمه
الشريف محمد،
وأن أباه عبد
من عباد الله
الصالحين([12]).
ومنهم
من قال:
إن كلمة [أبي]
مصحفة، وإنما
هي [ابني]([13]).
ومنهم
من قال:
إنما هي [نبي]([14]).
ومنهم
من قال:
إن كلمة [أبي]
قد زيدت في هذه
الأحاديث([15]).
نبقى
مع القوم في
مسألة النهي
عن التسمية،
ونقول: إن هذا
النهي شمل
كتابة اسمه
أيضاً، فإذا
أراد أحد ممن
يرى هذا النهي
كتابة اسمه
نراه يكتبه
على هذا النحو:
(م ح م د) هكذا
بحروف مقطعة،
فلذا تجد هذه
الطريقة في
كتابة اسمه
مألوفة
وكثيرة في كتب
القوم([16]).
طريقة
نشأته، مدة
غيبته
الصغرى، علة
غيبته، تاريخ
خروجه، مكان
خروجه، عمره
عند خروجه،
مدة ملكه بعد
خروجه:
أما
طريقة نشأته،
فقد علمت من
تواريخ
ميلاده التي
ذكرناها أنه
بعد وفاة أبيه
العسكري لم
يكن قد تجاوز
السنتين إلى
الست سنوات من
عمره، بحسب
الاختلاف
الذي أوردناه
هناك في تاريخ
ميلاده.
إذاَ:
لابد للقوم من
حل لهذا
الإشكال،
ولهذا وضعوا
هذه الروايات:
عن
حكيمة -التي
مرَّت بك
روايتها
لمولد المهدي-
قالت: بعد أن
كان أربعون
يوماً دخلت
عليه فإذا أنا
بصبي متحرك
يمشي بين
يديه، فقلت:
سيدي، هذا ابن
سنتين؟ فتبسم
ثم قال: إن
أولاد
الأنبياء
والأوصياء
إذا كانوا
أئمة ينشؤون
بخلاف ما ينشأ
غيرهم، وإن
الصبي منا إذا
أتى عليه شهر
كان كمن يأتي
عليه سنة، وإن
الصبي منا
ليتكلم في بطن
أمه ويقرأ
القرآن ويعبد
ربه عز وجل،
وعند الرضاع
تطيعه
الملائكة
وتنزل عليه كل
صباح ومساء،
فلم أزل أرى
ذلك الصبي كل
أربعين يوماً
إلى أن رأيته
رجلاً قبل مضي
أبي محمد
بأيام قلائل
فلم أعرفه،
فقلت لأبي
محمد: من هذا
الذي تأمرني
أن أجلس بين
يديه؟ فقال:
ابن نرجس، وهو
خليفتي من
بعدي([17]).
وفي
رواية يبدو
فيها أن
واضعها قد
استبطأ
الطريقة
السابقة،
فروى عن
العسكري أنه
قال لحكيمة:
أما علمت أنا
معشر
الأوصياء
ننشأ في اليوم
ما ينشأ غيرنا
في الجمعة،
وننشأ في
الجمعة ما
ينشأ غيرنا في
السنة([18]).
وجاء
آخر يبدو أنه
في عجلة من
أمره، فجعل
أمر اليوم
كسنة، فروى أن
العسكري قال:
يا عمتي، أما
علمتِ أنا
معاشر الأئمة
ننشأ في اليوم
ما ينشأ غيرنا
في السنة([19]).
وهكذا
حل الإشكال.
وكذلك
الاختلاف حصل
في مدة غيبته
الصغرى بين (69)
سنة و(74) سنة([20])، بين من
جعل ابتداء
ذلك من تاريخ
مولده -وقد
عرفت
الاختلاف في
ذلك- وبين من
جعل ذلك من
وفاة أبيه
العسكري (260)
للهجرة، وحصل
بذلك عندك
خمسة تواريخ
لبدء غيبته،
والغريب من
جعل ذلك سنة ست
وستين
ومائتين([21])، وست
وسبعين
ومائتين
أيضاً([22]).
أما
علة الغيبة
فإليك
الاختلاف:
عن
حنان بن سدير
عن أبيه قال:
عن أبي
عبدالله قال:
إن للقائم منا
غيبة يطول
أمدها، فقلت
له: ولم ذاك يا
ابن رسول الله؟
قال: إن الله
عز وجل أبى إلا
أن يجري فيه
سنن الأنبياء
عليهم السلام
في غيباتهم،
وإنه لابد له
يا سدير من
استيفاء مدد
غيباتهم([23]).
ومنهم
من جعل علة
الغيبة الخوف
من القتل،
فرووا أن رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم قال: لا
بد للغلام من
غيبة، فقيل له:
ولم يا رسول
الله؟ قال:
يخاف القتل([24]).
وعن
زرارة قال:
سمعت أبا جعفر
يقول: إن
للغلام غيبة
قبل ظهوره،
قلت: ولم؟ قال:
يخاف، وأومأ
بيده إلى
بطنه، قال
زرارة: يعني
القتل([25]).
وفي
رواية:
يخاف على نفسه
الذبح([26]).
وعن
الباقر قال:
إذا ظهر
قائمنا أهل
البيت، قال: ((فَفَرَرْتُ
مِنْكُمْ
لَمَّا
خِفْتُكُمْ
فَوَهَبَ لِي
رَبِّي
حُكْماً
وَجَعَلَنِي
مِنْ
الْمُرْسَلِينَ))
[الشعراء:21]([27]).
ومنهم
من جعل علة
الغيبة لئلا
يكون في عنقه
لأحدٍ بيعة
إذا خرج، فعن
إسحاق بن
يعقوب قال: إنه
ورد عليه من
الناحية
المقدسة على
يد محمد بن
عثمان: وأما
علة ما وقع من
الغيبة فإن
الله عز وجل
يقول: ((يَا
أَيُّهَا
الَّذِينَ
آمَنُوا لا
تَسْأَلُوا
عَنْ
أَشْيَاءَ
إِنْ تُبْدَ
لَكُمْ
تَسُؤْكُمْ))
[المائدة:101]
إنه لم يكن أحد
من آبائي إلا
وقعت في عنقه
بيعة لطاغية
زمانه، وإني
أخرج حين أخرج
ولا بيعة
لأحدٍ من
الطواغيت في
عنقي([28]).
وعن
أبي عبدالله
قال: صاحب هذا
الأمر تعمى
ولادته على
الخلق؛ لئلا
يكون لأحد في
عنقه بيعة إذا
خرج([29]).
أقول: وفي
هذه الروايات
دليل على بيعة
كل إمام
لخليفة
زمانه، وفي
هذا إشكال لا
يخفى على
القارئ
البصير.
ومنهم
من جعل علة ذلك
سُوءَ أعمال
العباد
وكراهية الله
لجوار الأئمة
لهم، كما في
الرواية: ما هو
محجوب عنكم
ولكن حجبه سوء
أعمالكم([30]).
قال
الطوسي: وفيه
إشارة إلى أن
من ليس له عمل
سوء فلا شيء
يحجبه عن
إمامه([31]).
أقول:
وفيه
إشارة إلى عدم
خلو أناس هذا
الزمان من سوء
الأعمال..
فتدبر!
وعن
مروان
الأنباري قال:
خرج من أبي
جعفر: إن الله
إذا كره لنا
جوار قوم
نزعنا من بين
أظهرهم([32]).
أقول:
يبدو أن هذه
الكراهية
لازالت
قائمة، نسأل
الله العافية.
ومنهم
من لم ير كل ما
ذكرناه،
فأبهم العلة
وجعلها
خافية، فرووا
أن مهديهم قال:
أغلقوا أبواب
السؤال عما لا
يعنيكم، ولا
تتكلفوا على
ما قد كفيتم،
وأكثروا
الدعاء
بتعجيل الفرج([33]).
وعن
عبدالله بن
الفضل
الهاشمي قال:
سمعت الصادق
يقول: إن لصاحب
هذا الأمر
غيبة لا بد
منها، يرتاب
فيها كل مبطل،
فقلت له: ولم
جعلت فداك؟
قال: لأمر لم
يؤذن لنا في
كشفه لكم، وإن
هذا الأمر من
أمر الله، وسر
من سر الله،
وغيب من غيب
الله([34]).
أما
متى يخرج؟
فهذه
هي الطامة
الكبرى
والبلية
العظمى، ولا
زالت الشيعة
تربى
بالأماني إلى
يومنا هذا،
أما الاختلاف
في ذلك فإليك
بياناً
موجزاً عنه:
فعن
محمد بن
الفضيل، عن
أبي جعفر قال:
ستبقون ستة من
دهركم لا
تعرفون
إمامكم، قلت:
وكم الستة
جعلت فداك؟
قال: ستة أيام،
أو ستة أشهر،
أو ست سنين، أو
ستون سنة([35]).
ثم
جاءت
الروايات
أكثر
تحديداً، فعن
عبدالله بن
سنان، عن أبي
عبدالله قال:
في القائم سنة
من موسى بن
عمران، فقلت:
وما سنته من
موسى بن عمران؟
قال: خفاء
مولده وغيبته
عن قومه، فقلت:
وكم غاب موسى
عن أهله وقومه؟
قال: ثمانياً
وعشرين سنة([36]).
وعن
محمد بن مسلم،
عن أبي
عبدالله قال:
إذا فقد الناس
الإمام مكثوا
سبتاً لا
يدرون من أي،
ثم يظهر الله
عز وجل لهم
صاحبهم([37]).
وفي
رواية:
عن الباقر: ثم
يقيم سبتاً من
دهركم لا
تدرون أياً من
أي، فبينما
أنتم كذلك إذ
أطلع الله
نجمكم
فاحمدوه
واقبلوه([38]).
والسبت
-كما مرَّ بك-
ثلاثون سنة([39]).
وعلى
هذا فقد مرت
عشرات
السبتات منذ
غيبة صاحبنا،
ولم يظهر نجمه
لنحمد الله
ونقبله.
وعن
الأودي قال: إن
المهدي سأله:
أتعرفني؟
فقلت: اللهم
لا، قال: أنا
المهدي، أنا
قائم الزمان،
أنا الذي
أملؤها عدلاً
كما ملئت
ظلماً
وجوراً، إن
الأرض لا تخلو
من حجة، ولا
يبقى الناس في
فترة أكثر من
تيه بني
إسرائيل، وقد
ظهر أيام
خروجي، فهذه
أمانة في
رقبتك فحدِّث
بها إخوانك من
أهل الحق([40]).
أقول:
مضى على هذه
الرواية
حوالي (14)
قرناً، وتيه
بني إسرائيل
كما في سورة
المائدة: آية: (26)
إنما كان
أربعين سنة.
وعن
الثمالي قال:
قلت لأبي جعفر:
إن علياً كان
يقول: إلى
السبعين
بلاء، وكان
يقول: بعد
البلاء رخاء،
وقد مضت
السبعون ولم
نر رخاء؟
فقال
أبو جعفر: يا
ثابت، إن الله
تعالى كان وقت
هذا الأمر في
السبعين،
فلما قتل
الحسين اشتد
غضب الله على
أهل الأرض
فأخره إلى
أربعين ومائة
سنة،
فحدثناكم
فأذعتم
الحديث،
وكشفتم قناع
الستر فأخره
الله([41]).
أقول:
سواء كان
الأمر حسب
التوقيت
الأول (أي:
أيام الحسين
رضي الله عنه)
أو الآخر (أي:
أيام الصادق
رحمه الله)
فهما لا
يستقيمان إذا
علمنا أن
المهدي هو ابن
الحسن بن علي
بن محمد بن علي
بن موسى بن
جعفر، فكيف
يخرج من لم
يولد بعد؟
وأين القول
بالاثني عشر؟
ففي الرواية
إسقاط ثمانية
أئمة باعتبار
التوقيت
الأول، وخمسة
باعتبار
التوقيت
الآخر، وهذا
إشكال متروك
حله إلى
القوم،
والغريب قول
الصادق: كان
هذا الأمر
فيَّ فأخره
الله، ويفعل
بعدُ في ذريتي
ما يشاء([42])!
وعن
علي بن الحسين
قال: يقوم
قائمنا
لموافاة
الناس سنة،
قال: يقوم
القائم بلا
سفياني، إن
أمر القائم
حتم من الله،
وأمر
السفياني حتم
من الله، ولا
يكون قائم إلا
بسفياني، قلت:
جعلت فداك،
فيكون في هذه
السنة؟ قال: ما
شاء الله، قلت:
يكون في التي
يليها؟ قال:
يفعل الله ما
يشاء([43]).
وهذه
الرواية
كسابقتها،
فيها مع
افتراض
التوقيت
المذكور
إسقاط بقية
الأئمة، أما
مسألة حتمية
السفياني فهي
موضع نظر عند
القوم؛
لاحتمال
البداء فيه،
كما يروي
القوم عن داود
بن أبي القاسم
قال: كنا عند
أبي جعفر محمد
بن علي الرضا،
فجرى ذكر
السفياني وما
جاء في
الرواية أن
أمره من
المحتوم،
فقلت لأبي
جعفر: هل يبدو
لله في
المحتوم؟ قال:
نعم([44]).
وعن
البزنطي قال:
سمعت الرضا
يقول: يزعم ابن
أبي حمزة أن
جعفراً زعم أن
أبي القائم
وما علم جعفر
بما يحدث من
أمر الله،
فوالله لقد
قال الله
تبارك وتعالى
يحكي لرسوله صلى
الله عليه
وسلم: ((قُلْ
مَا كُنْتُ
بِدْعاً مِنْ
الرُّسُلِ
وَمَا
أَدْرِي مَا
يُفْعَلُ بِي
وَلا بِكُمْ
إِنْ
أَتَّبِعُ
إِلاَّ مَا
يُوحَى
إِلَيَّ)) [الأحقاف:9]
وكان أبو جعفر
يقول: أربعة
أحداث تكون
قبل قيام
القائم تدل
على خروجه،
منها أحداث قد
مضى منها
ثلاثة وبقي
واحد.
قلنا:
جعلنا فداك،
وما مضى منها؟
قال: رجب خلع
فيه صاحب
خراسان، ورجب
وثب فيه علي بن
زبيدة، ورجب
يخرج فيه محمد
بن إبراهيم
بالكوفة،
قلنا له:
فالرجب
الرابع متصل
به؟ قال: هكذا
قال أبو جعفر([45]).
قال
المجلسي في
بيان الحديث:
خلع صاحب
خراسان كأنه
إشارة إلى خلع
الأمين
المأمون عن
الخلافة،
وأمره بمحو
اسمه عن
الدراهم
والخطب.
والثاني:
إشارة إلى خلع
محمد الأمين.
والثالث:
إشارة إلى
ظهور محمد بن
إبراهيم بن
إسماعيل بن
إبراهيم بن
الحسن بن
الحسن
المعروف بابن
طباطبا
بالكوفة لعشر
خلون من جمادى
الآخرة في
قريب من
مائتين من
الهجرة،
ويحتمل أن
يكون المراد
بقولـه: هكذا
قال أبو جعفر،
تصديق اتصال
الرابع
بالثالث،
فيكون الرابع
إشارة إلى
دخوله
خراسان، فإنه
كان بعد خروج
محمد بن
إبراهيم بسنة
تقريباً، ولا
يبعد أن يكون
دخوله خراسان
في رجب([46]).
أقول:
مضى على هذه
الحوادث
الأربعة التي
تكون قبل قيام
القائم وتدل
على خروجه كما
في الرواية
اثنا عشر
قرناً.
وعن
البزنطي
أيضاً قال:
سألت الرضا عن
قرب هذا الأمر؟
فقال: قال أبو
عبد الله،
حكاه عن أبي
جعفر قال: أول
علامات الفرج
سنة خمس
وتسعين
ومائة، وفي
سنة ست وتسعين
ومائة تخلع
العرب
أعنّتها، وفي
سنة سبع
وتسعين ومائة
يكون الفنا،
وفي سنة ثمانٍ
وتسعين ومائة
يكون الجلاء،
فقال: أما ترى
بني هاشم قد
انقلعوا
بأهاليهم
وأولادهم؟
فقلت: لهم
الجلاء؟ قال:
وغيرهم، وفي
سنة تسع
وتسعين ومائة
يكشف الله
البلاء إن شاء
الله، وفي سنة
مائتين يفعل
الله ما يشاء،
فقلت له: جعلت
فداك، إنك قلت
لي في عامنا
الأول: حكيت عن
أبيك أن
انقضاء ملك آل
فلان على رأس
فلان وفلان،
وليس لبني
فلان سلطان
بعدهما، قال:
قد قلت ذاك لك،
فقلت: أصلحك
الله، إذا
انقضى ملكهم
يملك أحد من
قريش يستقيم
عليه الأمر؟
قال: لا، قلت:
يكون ماذا؟
قال: يكون الذي
تقول أنت
وأصحابك، قلت:
تعني خروج
السفياني؟
فقال: لا، فقلت:
فقيام
القائم، قال:
يفعل الله ما
يشاء، قلت:
فأنت هو؟ قال:
لا حول ولا قوة
إلا بالله([47]).
هذه
الرواية
بالرغم من كل
ما فيها من
تورية وجهل
بالقائم
كسابقتها،
ونحن الآن في
القرن الخامس
عشر للهجرة،
ولا حول ولا
قوة إلا بالله.
وعن الباقر أنه سئل عن قول الله عز وجل: