رسالة
تعزية من
الكاظم إلى
الخيزران
يسمي فيها
هارون
الرشيد بأمير
المؤمنين:
قبل أن ننتقل
إلى الإمام
التالي، نورد
هنا موقفاً
شبيهاً بموقف
زين العابدين
ورسائله إلى
الأسرة
الحاكمة، فقد
كتب الكاظم
إلى الخيزران
يعزيها بموسى
ابنها،
ويهنئها
بهارون ابنها
بما نصه:
بسم
الله الرحمن
الرحيم:
للخيزران أم
أمير
المؤمنين، من
موسى بن جعفر
بن محمد بن علي
بن الحسين،
أما بعد: أصلحك
الله وأمتع بك
وأكرمك
وحفظك، وأتم
النعمة
والعافية في
الدنيا
والآخرة لك
برحمته، ثم إن
الأمور -أطال
الله بقاءك-
كلها بيد الله عز
وجل
يمضيها
ويقدرها
بقدرته فيها،
والسلطان
عليها توكل
بحفظ ماضيها
وتمام
باقيها، فلا
مقدم لما أخر
منها، ولا
مؤخر لما قدم،
استأثر
بالبقاء،
وخلق خلقه
للفناء،
أسكنهم دنيا
سريعاً
زوالها،
قليلاً
بقاؤها، وجعل
لهم مرجعاً
إلى دار لا
زوال لها ولا
فناء، لم يكن -أطال
الله بقاءك-
أحد من أهلي
وقومك وخاصتك
وحرمتك كان
أشد لمصيبتك
إعظاماً،
وبها حزناً،
ولك بالأجر
عليها دعاءً،
وبالنعمة
التي أحدث
الله لأمير
المؤمنين -أطال
الله بقاءه-
دعاءً
بتمامها
ودوامها
وبقائها ودفع
المكروه فيها
مني، والحمد
لله لما جعلني
الله عليه
بمعرفتي
بفضلك،
والنعمة
عليك، وبشكري
بلاءك، وعظيم
رجائي لك أمتع
الله بك،
وأحسن جزاءك،
إن رأيت -أطال
الله بقاءك- أن
تكتبي إلي
بخبرك في خاصة
نفسك، وحال
جزيل هذه
المصيبة،
وسلوتك عنها
فعلت، فإني
بذلك مهتم،
وإلى ما جاءني
من خبرك وحالك
فيه متطلع،
أتم الله لك
أفضل ما عودك
من نعمته،
واصطنع عندك
من كرامته،
والسلام عليك
ورحمة الله
وبركاته([1]).
روايات
شيعية في
النهي عن
التسمية
بأمير
المؤمنين
لغير علي رضي
الله عنه
واختلافهم في
هذا وفيه
الكاظم يبشر
المأمون
بالخلافة:
الغريب
هنا هو أن
ينادي الكاظم
هارون الرشيد
وكذا غيره من
الأئمة خلفاء
الجور -بزعم
القوم- بأمير
المؤمنين،
رغم النهي
الشديد الذي
ورد عنهم في
ذلك،
كروايتهم عن
الصادق قولـه
لرجل دخل
عليه، وقال:
السلام عليك
يا أمير
المؤمنين،
فقام على
قدميه، فقال:
مه، هذا اسم لا
يصلح إلا
لأمير
المؤمنين
سماه الله به،
ولم يُسمَّ به
أحد غيره فرضي
به إلا كان
منكوحاً وإن
لم يكن به
ابتلي([2]).
وفي
رواية:
لا يسمى به أحد
قبله ولا بعده
إلا كافر([3]).
والروايات في
الباب كثيرة([4]).
رغم
هذا يروون عن
أبي الصباح بن
مولى آل سام
قال: كنت عند
أبي عبدالله
أنا وأبو
المغرا، إذ
دخل علينا رجل
من أهل
السواد، فقال:
السلام عليك
يا أمير
المؤمنين
ورحمة الله
وبركاته، ثم
اجتذبه
وأجلسه إلى
جنبه.
فقلت
لأبي المغرا:
إن هذا الاسم
ما كنت أرى أن
أحداً يسلم به
إلا على أمير
المؤمنين
علي، فقال لي
أبو عبدالله:
يا أبا صباح،
إنه لا يجد عبد
حقيقة
الإيمان حتى
يعلم أن
لآخرنا ما
لأولنا([5]).
وكان
الرشيد يجل
الكاظم إلى
درجة تثير معه
استغراب
الآخرين، فقد
كان لا يرضى
إذا دخل عليه
أن ينزل من فوق
حماره إلا على
بساطه، فقد
روى ابنه
المأمون ذلك،
وقال في ذكر
أحد لقاءات
الكاظم مع
أبيه: فلمَّا
رأى الرشيد
رمى بنفسه -أي:
الكاظم- عن
حمارٍ كان
راكبه، فصاح
الرشيد: لا
والله إلا على
بساطي، فمنعه
الحجاب من
الترجل،
ونظرنا إليه
بأجمعنا
بالإجلال
والإعظام،
فما زال يسير
على حماره حتى
سار إلى
البساط،
والحجاب
والقواد
محدقون به،
فنزل فقام
إليه الرشيد
واستقبله إلى
آخر البساط،
وقبَّل وجهه
وعينيه، وأخذ
بيده حتى صيره
في صدر
المجلس،
وأجلسه معه
فيه، وجعل
يحدثه ويقبل
بوجهه عليه،
ويسأله عن
أحواله...
الرواية([6]).
وفي
الرواية هذه
نفسها بشَّر
الكاظم
المأمون
بالخلافة،
وسأله أن يحسن
إلى ولده،
وكان كما
أراد، فقد
تزوج الرضا من
ابنة
المأمون، بل
وبويع له
بولاية العهد
فضلاً عن رغبة
المأمون في
التنازل له عن
الحكم، كما هو
معروف([7]).
فانظر
أين محل
التقية من كل
هذا؟
هذا
ما كان من شأن
الإمام موسى
الكاظم
وأصحابه وأهل
بيته وشأن
القول بالنص
على الاثني
عشر، وقد عرفت
حقيقة ذلك مما
مرَّ بك.
لنشرع
الآن في
التكلم عن
ابنه الإمام
علي الرضا
المتوفى سنة (203)
للهجرة.
أقول:
لم يشذ شيعة
الرضا عن شيعة
أبيه وأجداده
بخفاء النص
على الأئمة
الاثني عشر
عليهم مما
يستوجب بطلان
هذا الاعتقاد
أصلاً كما
سترى باعتبار
روايات القوم
أنفسهم.
رووا
أن ابن أبي
النصر قال:
سألت علي
الرضا: جعلت
فداك، إني
سألت أباك وهو
في هذا الموضع
[القادسية] عن
خليفته من
بعده، فدلني
عليك، وقد
سألتك منذ
سنين وليس لك
ولد عن
الإمامة فيمن
تكون من بعدك؟
فقلت: في ولدي،
وقد وهب الله
لك ابنين
فأيهما عندك
بمنزلتك التي
كانت عند أبيك؟
فقال لي: هذا
الذي سألت ليس
هذا وقته([8]).
وعن
دعبل بن علي
الخزاعي قال:
أنشدت مولاي
علي بن موسى
الرضا قصيدتي
التي أولها:
مدارس
آيات خلت من
تلاوة
ومنزل وحي
مقفر العرصات
فلما
انتهيت إلى
قولي:
خروج
إمام لا
محالـــة
خـارج
يقوم
على اسـم الله
والبركات
يميز
فينا كـل حـق
وبـاطــــل
ويجزي
على النعماء
والنقمات
بكى
الرضا بكاءً
شديداً ثم رفع
رأسه إليَّ،
فقال لي: يا
خزاعي، نطق
روح القدس على
لسانك بهذين
البيتين، فهل
تدري من هذا
الإمام؟ ومتى
يقوم؟
فقلت:
لا يا مولاي،
إلا أني سمعت
بخروج إمام
منكم يطهر
الأرض من
الفساد
ويملؤها
عدلاً، فقال:
يا دعبل،
الإمام بعدي
محمد ابني،
وبعد محمد
ابنه علي،
وبعد علي ابنه
الحسن، وبعد
الحسن ابنه
الحجة القائم
المنتظر في
غيبته،
المطاع في
ظهوره ([9]).
ولدعبل
هذا منزلة
عظيمة عند
القوم،
وتهالكه في
ولاء أهل
البيت غير
خافٍ([10])،
ولكن الخافي
هو جهله بركن
من أعظم أركان
الدين!
وآخر
هو جعفر بن
محمد النوفلي
قال: أتيت
الرضا فسلمت
عليه، ثم
جلست، وقلت:
جعلت فداك، إن
أناساً
يزعمون أن
أباك حي، فقال:
كذبوا لعنهم
الله، لو كان
حياً ما قسم
ميراثه ولا
نكح نساؤه،
ولكنه والله
ذاق الموت كما
ذاقه علي بن
أبي طالب، قال:
فقلت له: ما
تأمرني؟ قال:
عليك با بني
محمد من بعدي([11]).
وعن
صفوان بن يحيى
قال: قلت للرضا:
قد كنا نسألك
قبل أن يهب
الله لك أبا
جعفر، فكنت
تقول: يهب الله
لي غلاماً،
فقد وهب الله
لك وأقر
عيوننا، فلا
أرانا الله
يومك، فإن كان
كون فإلى من؟
فأشار بيده
إلى أبي جعفر
وهو قائم بين
يديه، فقلت له:
جعلت فداك،
وهو ابن ثلاث
سنين؟ قال: وما
يضره من ذلك؟
قد قام عيسى
بالحجة وهو
ابن أقل من
ثلاث سنين([12]).
وعلى
ذكر السن أقول:
إن الرضا توفي
رحمه الله سنة
(203) للهجرة،
والجواد ولد
سنة (195) للهجرة،
فاحسب عمره
عندما افترض
توليه لإمرة
المؤمنين.
وعلى
أي حال، فقد
ذكرنا تفاصيل
ذلك عند
كلامنا في
منازعة محمد
بن الحنفية مع
الإمام زين
العابدين.
وعن
مسافر قال:أمرني
أبو الحسن
بخراسان،
فقال: الحق
بأبي جعفر
فإنه صاحبك([13]).
وعن
ابن بزيع، عن
أبي الحسن علي
الرضا أنه سئل
أو قيل له:
تكون الإمامة
في عم أو خال؟
فقال: لا، فقال:
في أخ؟ قال:لا،
قال: ففي من؟
قال: في ولدي،
وهو يومئذٍ لا
ولد له([14]).
وعن
عبدالله بن
جعفر قال: دخلت
على الرضا أنا
وصفوان بن
يحيى، وأبو
جعفر قائم قد
أتى له ثلاث
سنين، فقلنا
له: جعلنا الله
فداك، إن -وأعوذ
بالله- حدث حدث
فمن يكون بعدك؟
قال: ابني هذا
وأومأ إليه،
قال: فقلنا له:
وهو في هذا
السن؟ قال:
نعم، وهو في
هذا السن، إن
الله تبارك
وتعالى احتج
بعيسى عليه
السلام وهو
ابن سنتين([15]).
وعن
محمد بن الحسن
بن عمار قال:
كنت عند علي بن
جعفر بن محمد
جالساً
بالمدينة،
وكنت أقمت
عنده عدة سنين
أكتب عنه ما
سمع من أخيه -يعني:
أبا الحسن- إذ
دخل عليه أبو
جعفر محمد بن
علي الرضا
المسجد -مسجد
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم- فوثب
علي بن جعفر
بلا حذاء ولا
رداء، فقبَّل
يده وعظمه،
فقال له أبو
جعفر: يا عم،
اجلس رحمك
الله، فقال: يا
سيدي، كيف
أجلس وأنت
قائم؟ فلما
رجع علي بن
جعفر إلى
مجلسه جعل
أصحابه
يوبخونه
ويقولون: أنت
عم أبيه وأنت
تفعل به هذا
الفعل؟ فقال:
اسكتوا، إذا
كان الله عز
وجل -وقبض على
لحيته- لم يؤهل
هذه الشيبة
وأهل هذا
الفتى ووضعه
حيث وضعه أنكر
فضله؟ نعوذ
بالله مما
تقولون بل أنا
له عبد([16]).
وعن
ابن أبي النصر
قال: قال لي
ابن النجاشي:
من الإمام بعد
صاحبك فأشتهي
أن تسأله حتى
أعلم؟ فدخلت
على الرضا
فأخبرته،
فقال: الإمام
ابني([17]).
وعن
بنان بن نافع
قال: سألت علي
بن موسى
الرضا، فقلت:
جعلت فداك، من
صاحب هذا
الأمر بعدك؟
فقال لي: يا
ابن نافع،
يدخل عليك من
هذا الباب من
ورث ما ورثته
ممن هو قبلي،
وهو حجة الله
تعالى من
بعدي، فبينا
أنا كذلك إذ
دخل علينا
محمد بن علي([18]).
وعن
الصقر بن دلف
قال: سمعت أبا
جعفر محمد بن
علي الرضا
يقول: إن
الإمام بعدي
ابني علي،
أمره أمري،
وقولـه قولي،
وطاعته
طاعتي،
والإمامة
بعده في ابنه
الحسن([19]).
ومن
أصحابه من ظنه
المهدي، فعن
أيوب بن نوح
قال: قلت لأبي
الحسن الرضا:
إنا نرجو أن
تكون صاحب هذا
الأمر، وأن
يسوقه الله
إليك عفواً
بغير سيف([20]).
وعن
الريان بن
الصلت قال: قلت
للرضا: أنت
صاحب هذا
الأمر؟ فقال:
أنا صاحب هذا
الأمر، ولكني
لست بالذي
يملؤها عدلاً
كما ملئت
جوراً([21]).
نجتزئ
بهذه الأمثلة
التي سردناها
سرداً لوضوح
المقصود
منها، ونذكر
الآن -وكما
عودناكم-
أمثلة على
موقف أهل بيته
معه:
فعن
علي بن
إبراهيم، عن
أبيه قال: لما
مات أبو الحسن
حججنا،
فدخلنا على
أبي جعفر وقد
حضر خلق من
الشيعة من كل
بلد لينظروا
إلى أبي جعفر،
فدخل عمه
عبدالله بن
موسى وكان
شيخاً كبيراً
نبيلاً، عليه
ثياب خشنة
وبين عينيه
سجادة، فجلس،
وخرج أبو جعفر
من الحجرة
وعليه قميص
قصب، ورداء
قصب، ونعل جدد
بيضاء،
فانتدب رجل من
القوم، فقال
لعمه: أصلحك
الله، ما تقول
في رجل أتى
بهيمة؟ فقال:
تقطع يمينه
ويضرب الحد،
فغضب أبو
جعفر، ثم نظر
إليه، فقال: يا
عم، اتق الله..
اتق الله، إنه
لعظيم أن تقف
يوم القيامة
بين يدي الله
عز وجل، فيقول
لك: لم أفتيت
الناس بما لا
تعلم؟ فقال له
عمه: أليس قال
هذا أبوك؟
فقال أبو جعفر:
إنما سئل أبي
عن رجل نبش قبر
امرأة
فنكحها، فقال
أبي: تقطع
يمينه للنبش
ويضرب حد
الزنا، فإن
حرمة الميتة
كحرمة الحية،
فقال: صدقت يا
سيدي وأنا
أستغفر الله،
فتعجب الناس،
فقالوا: يا
سيدنا، أتأذن
لنا أن نسألك؟
فقال: نعم،
فسألوه في
مجلس عن
ثلاثين ألف
مسألة
فأجابهم فيها
وله تسع سنين ([22]).
أقول:
يبدو أن
مجالسهم كانت
طويلة، إذ لو
افترضنا أن
سؤال وجواب كل
مسألة يستغرق
نصف دقيقة،
لكان مدة
المجلس أكثر
من عشرة أيام.
وعلى
أي حال، أنت
ترى أن عمه رغم
نبله وورعه
يفتي بلا علم
في حضرة إمام
منصوص من الله
لمثل هذه
المسائل لرجل
لم يوجه سؤاله
أصلاً إلى من
كان أولى
بتوجيه
السؤال إليه،
وأحداث هذه
القصة تذكرني
بمواقف كثيرة
للفاروق عمر
مع علي بن أبي
طالب رضي الله
عنهما أوردها
القوم في
مصنفاتهم،
ونذكر منها:
أن
رجلاً من شباب
اليهود سأل
عمر رضي الله
عنه: دلني على
أعلمكم بالله
وبرسوله
وبكتابه
وبنبيه؟
فأومأ بيده
إلى علي، فقال:
هذا.
وفي
رواية:
دونك هذا
الشاب، فقال:
ومن هذا الشاب؟
قال: علي بن
أبي طالب([23]).
ومنها:
أن رجلاً سأل
عمر رضي الله
عنه عن تفسير
سبحان الله؟
فقال: إن في
هذا الحائط
رجلاً كان إذا
سئل أنبأ،
وإذا سكت
ابتدأ، فدخل
الرجل فإذا هو
علي بن أبي
طالب رضي الله
عنه ([24])،
فتأمل الفرق!
وننهي
كلامنا عن
الرضا بذكر
منازعة أخيه
العباس لـه،
فعن الجعفري
قال: قال
العباس بن
موسى لابن
عمران القاضي
الطلحي: إن
أسفل هذا
الكتاب -أي:
وصية الكاظم-
كنز لنا وجوهر
يريد -أي:
الرضا- أن
يحتجزه
دوننا، ولم
يدع أبونا
شيئاً إلا
جعله لـه
وتركنا عالة،
فوثب عليه
إبراهيم بن
محمد الجعفري
فأسمعه، ووثب
إليه إسحاق بن
جعفر ففعل به
مثل ذلك، فقال
العباس
للقاضي: أصلحك
الله، فض
الخاتم واقرأ
ما تحته، فقال:
لا أفضه لا
يلعنني أبوك،
فقال العباس:
أنا أفضه، قال:
ذلك إليك، ففض
العباس
الخاتم -رغم
قول أبيه
الكاظم: وليس
لأحدٍ أن يكشف
وصيتي ولا
ينشرها وهو
على ما ذكرت
وسميت، فمن
أساء فعليه،
ومن أحسن
فلنفسه، وما
ربك بظلام
للعبيد، وليس
ذلك لأحد من
سلطان ولا
غيره أن يفض
كتابي الذي
ختمت عليه
أسفل، فمن فعل
ذلك فعليه
لعنة الله
وغضبه
والملائكة
بعد ذلك ظهير
وجماعة
المسلمين
والمؤمنين-
ففض العباس
الخاتم، فإذا
فيه إخراجهم
من الوصية،
وإقرار علي
وحده وإدخاله
إياهم في
ولاية علي إن
أحبوا أو
كرهوا أو
صاروا
كالأيتام في
حِجره
وأخرجهم من حد
الصدقة
وذكرها، ثم
التفت علي بن
موسى إلى
العباس، فقال:
يا أخي، أعلم
أنه إنما
حملكم على هذا
الغرام
والديون التي
عليكم،
فانطلق يا سعد
فتعين لي ما
عليهم واقضه
عنهم، واقبض
ذكر حقوقهم،
وخذ لهم
البراءة، فلا
والله لا أدع
مواساتكم
وبركم ما
أصبحت أمشي
على ظهر
الأرض،
فقولوا ما
شئتم، فقال
العباس: ما
تعطينا إلا من
فضول أموالنا
ومالنا عندك
أكثر، فقال:
قولوا ما
شئتم، فالعرض
عرضك، اللهم
أصلحهم وأصلح
بهم، وأخسئ
عنا وعنهم
الشيطان،
وأعنهم على
طاعتك، والله
على ما نقول
وكيل، فقال
العباس: ما
أعرفني
بلسانك وليس
لمسحاتك عندي
طين، ثم إن
القوم
افترقوا([25]).
لذا
لم يذكره بخير
كل من ترجم له([26])،
ورغم هذا يقول
المفيد في
إرشاده: إن لكل
واحد من أولاد
الكاظم فضلاً
ومنقبة([27]).
أما
عن موقف
الشيعة بعد
وفاة الرضا،
فإليك البيان:
فرقة
منهم كانت قد
قطعت عليه
وعلى موت
أبيه، ولما
توفي الرضا
رجعوا إلى
الوقف بعد
موسى بن جعفر،
وهذه الفرقة
تسمى المؤلفة.
وثانية
تسمى:
المحدثة،
كانوا من أهل
الإرجاء من
أصحاب
الحديث،
فدخلوا في
القول بإمامة
موسى بن جعفر،
وبعده بإمامة
علي بن موسى،
وصاروا شيعة
رغبة في
الدنيا
وتصنعاً،
فلما توفي علي
بن موسى الرضا
رجعوا إلى ما
كانوا عليه.
وفرقة
كانت من
الزيدية
الأقوياء
منهم
والبصراء،
فدخلوا في
إمامة الرضا
عندما أظهر
المأمون فضله
وعقد بيعته
تصنعاً
للدنيا
واستكانوا
الناس بذلك
دهراً، فلما
توفي الرضا
رجعوا إلى
قومهم من
الزيدية.
وفرقة
ائتمت بأحمد
بن موسى..
وهكذا([28]).
موقف
محمد الجواد
رحمه الله
وأهل بيته
وأصحابه
من النص:
وكذلك
حال أصحاب
محمد الجواد
رحمه الله
المتوفى سنة (220)
للهجرة، فعن
إسماعيل بن
مهران قال: لما
خرج أبو جعفر
من المدينة
إلى بغداد في
الدفعة
الأولى من
خرجتيه، قلت
له عند خروجه:
جعلت فداك،
إني أخاف عليك
في هذا الوجه،
فإلى من الأمر
بعدك؟ فكر
بوجهه إليَّ
ضاحكاً، وقال:
ليس الغيبة
حيث ظننت في
هذه السنة،
فلما استدعي
به إلى
المعتصم صرت
إليه، فقلت له:
جعلت فداك،
فأنت خارج
فإلى من هذا
الأمر من بعدك؟
فبكى حتى
اخضلت لحيته،
ثم التفت
إليَّ، فقال:
عند هذه يخاف
علي، الأمر من
بعدي إلى ابني
علي([29]).
فانظر
كم سنة انتظر
حتى علم أن
الأمر بعد
الجواد إلى
ابنه علي
الهادي؟!
وعن
ابن أكثم قال:
قلت للرضا:
والله إني
أريد أن أسألك
مسألة وإني
والله لأستحي
من ذلك، فقال
لي: أنا أخبرك
قبل أن
تسألني،
تسألني عن
الإمام؟ فقلت:
هو والله هذا،
فقال: أنا هو،
فقلت: علامة؟
فكان في يده
عصا، فنطقت
وقالت: إن
مولاي إمام
هذا الزمان
وهو الحجة([30]).
وعن
الخيراني، عن
أبيه قال: كنت
ألزم باب أبي
جعفر للخدمة
التي وكلت
بها، وكان
أحمد بن محمد
بن عيسى
الأشعري يجيء
في السحر من
آخر كل ليلة
ليتعرف خبر
علة أبي جعفر،
وكان الرسول
الذي يختلف
بين أبي جعفر
وبين
الخيراني إذا
حضر قام أحمد
وخلا به، قال
الخيراني:
فخرج ذات ليلة
وقام أحمد بن
محمد بن عيسى
عن المجلس
وخلا بي
الرسول،
واستدار أحمد
فوقف حيث يسمع
الكلام، فقال
الرسول: مولاك
يقرئك
السلام،
ويقول لك: إني
ماضٍ والأمر
صائر إلى ابني
علي، وله
عليكم بعدي ما
كان لي عليكم
بعد أبي، ثم
مضى الرسول
ورجع أحمد إلى
موضعه، فقال
لي: ما الذي
قال لك؟ قلت:
خيراً، قال: قد
سمعت ما قال،
وأعاد علي ما
سمع، فقلت: قد
حرَّم الله
عليك ما فعلت،
لأن الله
تعالى يقول: (وَلا
تَجَسَّسُوا)
فإن سمعت
فاحفظ
الشهادة
لعلنا نحتاج
إليها يوماً،
وإياك أن
تظهرها إلى
وقتها.
قال:
أصبحت وكتبت
نسخة من عشر
رقاع وختمتها
ودفعتها إلى
وجوه
أصحابنا،
وقلت: إن حدث
بي حدث قبل
الموت أن
أطالبكم بها
فافتحوها
واعملوا بما
فيها، فلما
مضى أبو جعفر
لم أخرج من
منزلي حتى
علمت أن رؤوس
العصابة قد
اجتمعوا عند
محمد بن الفرج
يتفاوضون في
الأمر، فكتب
إليَّ محمد بن
الفرج يعلمني
باجتماعهم
عنده، يقول:
لولا مخافة
الشهرة لصرت
معهم إليك
فأحب أن تركب
إليَّ، فركبت
وصرت إليه،
فوجدت القوم
مجتمعين
عنده،
فتجارينا في
الباب، فوجدت
أكثرهم قد
شكوا، فقلت
لمن عنده
الرقاع وهم
حضور: أخرجوا
تلك الرقاع،
فأخرجوها،
فقلت لهم: هذا
ما أمرت به،
فقال بعضهم: قد
كنا نحب أن
يكون معك في
هذا الأمر آخر
ليتأكد هذا
القول، فقلت
لهم: قد أتاكم
الله بما
تحبون، هذا
أبو جعفر
الأشعري يشهد
لي بسماع هذه
الرسالة،
فسأله القوم،
فتوقف عن
الشهادة،
فدعوته إلى
المباهلة
فخاف منها،
وقال: قد سمعت
ذلك وهي مكرمة
كنت أحب أن
يكون لرجلٍ من
العرب، فأما
مع المباهلة
فلا طريق إلى
كتمان
الشهادة، فلم
يبرح القوم
حتى سلموا
لأبي الحسن([31]).
أقول:
لم أقف على علة
كل هذه الرقاع
والاجتماعات
السرية
والمفاوضات
والاتهامات
وإقحام مسألة
القوميات
العربية
والفارسية و..
و.. مادام
الأمر
ببساطة،
القول بالنص
من الله
ورسوله على
الهادي بعد
الجواد.
وروى
القوم أن
جماعة من
الشيعة دخلوا
على الجواد
وفيهم رجل
زيدي يظهر
الإمامة مدة
أربعين سنة
ولا تعلم
الشيعة أنه
زيدي، فقال
الجواد لبعض
غلمانه: خذ بيد
هذا الزيدي
فأخرجه، فقال
بإمامته
وإمامة
الأئمة، وقال:
علمت مني ما لم
يعلمه إلا
الله([32]).
وعن
أمية بن
القيسي قال:
قلت لأبي جعفر
الثاني: من
الخلف بعدك؟
فقال: ابني علي([33]).
وعن
محمد بن عثمان
الكوفي أنه
سأل أبا جعفر
الثاني: إن حدث
بك -وأعوذ
بالله- حدث
فإلى من؟ فقال:
إلى ابني هذا،
يعني: أبا
الحسن الهادي([34]).
ولما
مات الجواد
كتبت الشيعة
إلى أبي الحسن
العسكري
يسألونه عن
الأمر، فكتب
إليهم: الأمر
لي مادمت حياً([35]).
افتراق
الشيعة بعد
وفاة الجواد:
أما
موقف الشيعة
بعد وفاته،
فقد نزل
أصحابه الذين
ثبتوا على
إمامته إلى
القول بإمامة
ابنه ووصيه
علي بن محمد،
فلم يزالوا
على ذلك سوى
نفر يسير منهم
عدلوا عنه إلى
القول بإمامة
أخيه موسى بن
محمد، ثم لم
يلبثوا على
ذلك إلا
قليلاً حتى
رجعوا إلى
إمامة علي بن
محمد ورفضوا
إمامة موسى بن
محمد، فلم
يزالوا كذلك
حتى توفي علي
بن محمد([36]).
موقف
علي الهادي
رحمه الله
وأصحابه من
النص:
وهذا
الإمام علي
الهادي رحمه
الله المتوفى
سنة (254) للهجرة
وأصحابه لا
نراهم
يختلفون عمن
سبق.
فعن
علي بن عمرو
النوفلي قال:
كنت مع أبي
الحسن
العسكري في
داره، فمرَّ
علينا أبو
جعفر، فقلت له:
هذا صاحبنا؟
فقال: لا،
صاحبكم الحسن([37]).
وعن
علي بن عمرو
العطار قال:
دخلت على أبي
الحسن، وابنه
أبو جعفر في
الأحياء وأنا
أظن أنه الخلف
من بعده، فقلت:
جعلت فداك، من
أخص من ولدك؟
فقال: لا تخصوا
أحداً من ولدي
حتى يخرج
إليكم أمري،
قال: فكتبت
إليه بعد: فيمن
يكون هذا
الأمر؟ قال:
فكتب إلي:
الأكبر من
ولدي، وكان
أبو محمد أكبر
من جعفر([38]).
وعن
عبدالله
الجلاَّب قال:
كتب إليَّ أبو
الحسن في كتاب:
أردت أن تسأل
عن الخلف بعد
أبي جعفر،
وقَلِقْتَ
لذلك فلا
تغتم، فإن
الله لا يضل
قوماً بعد إذ
هداهم حتى
يبين لهم ما
يتقون،
وصاحبك بعدي
أبو محمد ابني([39]).
وعن
عبدالعظيم بن
عبدالله
الحسني، عن
علي بن محمد
أنه قال:
الإمام من
بعدي الحسن،
فكيف للناس
بالخلف من بعد؟([40])
ولاشك
أن صاحبنا
عبدالعظيم
هذا بحاجة إلى
هذا البيان
مادام قد ظن في
الجواد أنه
المهدي، كما
روى هو عن نفسه
حيث قال: قلت
لمحمد بن علي
بن موسى: إني
لأرجو أن تكون
القائم من أهل
بيت محمد الذي
يملأ الأرض
قسطاً وعدلاً
كما ملئت
ظلماً وجوراً([41]).
وعن
عبدالله بن
محمد
الأصفهاني
قال: قال لي
أبو الحسن:
صاحبكم الذي
يصلي عليَّ
قال: ولم نعرف
أبا محمد قبل
ذلك، قال: فخرج
أبو محمد بعد
وفاته فصلى
عليه([42]).
وعن
علي بن مهزيار
قال: قلت لأبي
الحسن: إن كان
كون -وأعوذ
بالله- فإلى من؟
قال: عهدي إلى
الأكبر من
ولدي، يعني:
الحسن([43]).
وفي
رواية:
إني كنت سألت
أباك عن
الإمامة فنص
عليك، ففي من
الإمامة بعدك؟
فقال: في أكبر
ولدي، ونصَّ
على أبي محمد([44]).
وعن
يحيى بن يسار
القنبري قال:
أوصى أبو
الحسن إلى
ابنه الحسن
قبل مضيه
بأربعة أشهر،
وأشار إليه
بالأمر من
بعده،
وأشهدني على
ذلك وجماعة من
الموالي([45]).
وعن
أحمد بن عيسى
العلوي من ولد
علي بن جعفر
قال: دخلت على
أبي الحسن
بصرياً
فسلمنا عليه،
فإذا نحن بأبي
جعفر وأبي
محمد قد دخلا،
فقمنا إلى أبي
جعفر لنسلم
عليه، فقال
أبو الحسن: ليس
هذا صاحبكم
عليكم
بصاحبكم،
وأشار إلى أبي
محمد([46]).
وصاحبنا
هذا من أهل
البيت.
أقول:
على أي حال،
فإننا لم نعلق
على الروايات
السابقة حتى
نعلق على هذه،
ولكن حسبك أن
تسأل نفسك عند
كل رواية: أين
القول بالنص؟
ألم يزعم
القوم أن الله
ورسوله
والأئمة
الماضين قد
ذكروا أن
الإمامة بعد
الهادي في
ابنه العسكري؟!