موقف
موسى الكاظم
رحمه الله
وأصحابه وأهل
بيته
من النص:
جاء
دور الحديث عن
الإمام موسى
الكاظم رحمه
الله، الإمام
السابع
وأصحابه وأهل
بيته، وكما
ذكرنا عند
الحديث عن
أبيه ضرورة
اعتبار كون
النص أكثر
انتشاراً،
جيلاً بعد جيل
وليس العكس،
ولا أقل من كون
ذلك بين
الأصحاب
أنفسهم، وذلك
إذا علمنا أن
موت إمامنا
كان في سنة (183)
للهجرة، وقد
علمت مما مر بك
موقف الشيعة
بعد وفاة أبيه
وافتراقهم،
ولكن سنتحدث
هنا عمن قال
بإمامة
الكاظم بعد
أبيه،
وموقفهم من
النص.
عن
محمد بن
إسماعيل بن
الفضل
الهاشمي قال:
دخلت على أبي
الحسن موسى بن
جعفر وقد
اشتكى شكاية
شديدة، وقلت
له: إن كان ما
أسأل الله ألا
يرينا فإلى من؟
قال: إلى علي
ابني، وكتابه
كتابي، وهو
وصيي وخليفتي
من بعدي([1]).
وعن
علي بن يقطين
قال: كنت عند
العبد الصالح
موسى بن جعفر
جالساً، فدخل
عليه ابنه
الرضا، فقال:
يا علي، هذا
سيد ولدي، وقد
نحلته كنيتي،
فضرب هشام
براحته
جبهته، ثم قال:
ويحك! كيف قلت؟
فقال علي بن
يقطين: سمعت
والله منه كما
قلت لك، فقال
هشام: أخبرك
والله أن
الأمر فيه من
بعده([2]).
وفي
رواية:
قال: من لنا
بعدك يا سيدي؟
قال: علي هذا
خير من أخلف
بعدي، هو مني
بمنزلتي من
أبي([3]).
وعن
غنام بن
القاسم قال:
قال لي منصور
بن يونس بزرج:
دخلت على أبي
الحسن -يعني:
موسى بن جعفر-
يوماً فقال لي:
يا منصور، أما
علمت ما أحدثت
في يومي هذا؟
قلت: لا، قال:
قد صيرت علياً
ابني وصيي
والخلف من
بعدي، فادخل
عليه وهنئه
بذلك، وأعلمه
أني أمرتك
بهذا، قال:
فدخلت عليه
فهنأته بذلك
وأعلمته أن
أباه أمرني
بذلك، ثم جحد
منصور بعد
ذلك، فأخذ
الأموال التي
كانت في يده
وكسرها([4]).
اسأل
نفسك: ألم يذكر
القوم -كما مر
بك- أن الله عز
وجل ورسوله صلى
الله عليه
وسلم قالا: إن
الإمام بعد
الكاظم ابنه
الرضا.
وعلى
أي حال، إن كان
لابد من تهنئة
لأحدٍ
فلمنصور بن
يونس على ما
حصل عليه،
وليس هذا منه
بمستغرب، فقد
علمت عن أحوال
الكثير من
الشيعة مثل
ذلك، وكذا
سيمر بك
المزيد.
وعن
داود الرقي
قال: قلت لأبي
إبراهيم: إني
قد كبرت سني،
وخفت أن يحدث
بي حدث ولا
ألقاك،
فأخبرني من
الإمام من
بعدك؟ فقال:
ابني علي.
وفي
رواية:
فأشار إلى أبي
الحسن الرضا،
وقال: هذا
صاحبكم من
بعدي([5]).
لا
أدري كم بلغ من
الكبر ولا زال
جاهلاً بأعظم
أركان
الإسلام؟!
عن
سليمان
المروزي قال:
دخلت على أبي
الحسن موسى بن
جعفر وأنا
أريد أن أسأله
عن الحجة على
الناس بعده،
فابتدأني
وقال: يا
سليمان، إن
علياً ابني
ووصيي والحجة
على الناس
بعدي، وهو
أفضل ولدي،
فإن بقيت بعدي
فاشهد لـه
بذلك عند
شيعتي وأهل
بيتي
المستخبرين
عن خليفتي من
بعدي([6]).
لماذا
كل هذه
التوصيات
والمواثيق؟
هل الكاظم قد
أتى بأمر جديد
استوجب ذلك؟!
وعن
علي بن
عبدالله
الهاشمي قال:
كنا عند القبر
نحو ستين
رجلاً منا ومن
موالينا، إذ
أقبل أبو
إبراهيم موسى
بن جعفر ويد
علي ابنه في
يده، فقال:
أتدرون من أنا؟
قلنا: أنت
سيدنا
وكبيرنا، قال:
سموني
وانسبوني؟
فقلنا: أنت
موسى بن جعفر،
فقال: من هذا
معي؟ قلنا: هو
علي بن موسى بن
جعفر، قال:
فاشهدوا أنه
وكيلي في
حياتي، ووصيي
بعد موتي([7]).
أقول:
الحمد لله
أنهم عرفوا
ذلك وهم عند
القبر وليس
فيه، وإلا
ماتوا ميتة
جاهلية،
وكانت
أعمالهم
هباءً
منثوراً.
وعن
عبدالله بن
الحارث -وأمه
من ولد جعفر بن
أبي طالب- قال:
بعث إلينا أبو إبراهيم
فجمعنا، ثم
قال: أتدرون لم
جمعتكم؟ قلنا:
لا، قال:
اشهدوا أن
علياً ابني
هذا وصيي،
والقيم
بأمري،
وخليفتي من
بعدي، من كان
له عندي دين
فليأخذه من
ابني هذا، ومن
كانت له عندي
عدة
فليستنجزها
منه، ومن لم
يكن له بد من
لقائي فلا
يلقني إلا
بكتابه([8]).
وعن
زيد الهاشمي
قال: الآن تتخذ
الشيعة علي بن
موسى إماماً،
فقيل: وكيف ذاك؟
قال: دعاه أبو
الحسن موسى بن
جعفر فأوصى
إليه([9]).
وعن
عبد الرحمن بن
الحجاج قال:
أوصى أبو
الحسن موسى بن
جعفر إلى ابنه
علي، وكتب له
كتاباً أشهد
فيه ستين
رجلاً من وجوه
أهل المدينة([10]).
وعن
حسين بن بشير
قال: أقام لنا
أبو الحسن
موسى بن جعفر
ابنه علياً
كما أقام رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم علياً
يوم غدير خم،
فقال: يا أهل
المدينة، أو
قال: يا أهل
المسجد، هذا
وصيي من بعدي([11]).
لا
أزيد -عزيزي
القارئ- على
القول لك سوى
أن تقرأ مقدمة
هذا الباب مرة
أخرى.
وعن
عبدالله بن
مرحوم قال:
خرجت من
البصرة أريد
المدينة،
فلما صرت في
بعض الطريق
لقيت أبا
إبراهيم وهو
يذهب به إلى
البصرة،
فأرسل إلي
فدخلت عليه،
فدفع إليَّ
كتباً وأمرني
أن أوصلها إلى
المدينة،
فقلت: إلى من
أدفعها جعلت
فداك؟ قال: إلى
ابني علي،
فإنه وصيي،
والقيم
بأمري، وخير
بني([12]).
وعن
الحسن بن علي
الخزاز قال:
خرجنا إلى مكة
ومعنا علي بن
أبي حمزة ومعه
مال ومتاع،
فقلنا: ما هذا؟
قال: للعبد
الصالح أمرني
أن أحمله إلى
علي ابنه وقد
أوصى إليه.
وقال
الصدوق: إن علي
بن أبي حمزة
أنكر ذلك بعد
وفاة موسى بن
جعفر، وحبس
المال عن
الرضا([13]).
أذكرك
بتهنئتنا
لمنصور بن
يونس، وابن
أبي حمزة هذا
يروي لنا أنه
قال لأبي
الحسن: إن أباك
أخبرنا
بالخلف من
بعده فلو
خبرتنا به،
قال: فأخذ بيدي
فهزها، ثم قال:
((وَمَا
كَانَ
اللَّهُ
لِيُضِلَّ
قَوْماً
بَعْدَ إِذْ
هَدَاهُمْ
حَتَّى
يُبَيِّنَ
لَهُمْ مَا
يَتَّقُونَ))
[التوبة:115] قال:
فخفقت، فقال
لي: مه لا تعود
عينك كثرة
النوم، فإنها
أقل شيء في
الجسد شكراً([14]).
ولعلك
ترى معي أن في
خفقته هذه
تخطيطاً آخر
لحبس المال
كما فعل مع
الكاظم، أما
الطامة
الكبرى في
الرواية فهي
جهل الرضا
بالإمام
بعده، وقد
أورد المجلسي
هذه الرواية
في بحاره، ثم
عقَّبها
بقولـه: لعله
بيَّن لـه أن
الله سيظهر
لكم الإمام
بعدي ويبينه
ولا يدعكم في
ضلالة.
أقول:
يبدو أن
المجلسي
يشارك ابن أبي
حمزة كثرة
النوم، وإلا
أين كل تلك
المجلدات من
بحاره، والتي
ملأها
بالنصوص من
الله ورسوله صلى
الله عليه
وسلم على أن
الإمامة بعد
الرضا في ابنه
الجواد،
وكذلك عن
الأئمة الذين
سبقوه.
وعن
سلمة بن محرز
قال: قلت لأبي
عبدالله: إن
رجلاً من
العجلية قال
لي: كم عسى أن
يبقى لكم هذا
الشيخ، إنما
هو سنة أو
سنتان حتى
يهلك ثم
تصيرون ليس
لكم أحد
تنظرون إليه؟
فقال أبو
عبدالله: ألا
قلت لـه: هذا
موسى بن جعفر،
قد أدرك ما
يدرك الرجال،
وقد اشترينا
له جارية تباح
له([15]).
والعجلية
فرقتان:
الأولى:
تقول بإمامة
زكريا بن محمد
بن علي بن
الحسين بن علي
بن أبي طالب،
وهي
المغيرية،
أصحاب
المغيرة بن
سعيد العجلي.
والأخرى:
المنصورية
أصحاب أبي
منصور
العجلي، وقد
عزا نفسه إلى
الباقر،
فتبرأ منه
وطرده.
أقول:
وما أكثر
منصورية
زماننا هذا
ولا باقر لهم!
وعن
إسماعيل بن
الخطاب قال:
كان أبو الحسن
يبتدئ
بالثناء على
ابنه علي
ويطريه ويذكر
من فضله وبره
ما لا يذكر من
غيره كأنه
يريد أن يدل
عليه([16]).
ولا
أدري أين تكون
(كأنه) هذه من
أخبار النص
على الاثني
عشر.
وعن
الحسين بن
المختار قال:
خرجت إلينا
ألواح من أبي
إبراهيم موسى
وهو في الحبس،
فإذا فيها
مكتوب: عهدي
إلى أكبر ولدي([17]).
وعن
زياد بن مروان
القندي قال:
دخلت على أبي
إبراهيم
وعنده علي
ابنه، فقال لي:
يا زياد، هذا
كتابه كتابي،
وكلامه
كلامي،
ورسوله
رسولي، وما
قال فالقول
قولـه([18]).
قال
الصدوق: إن
زياد بن مروان
روى هذا
الحديث ثم
أنكره بعد مضي
موسى، وقال
بالوقف، وحبس
ما كان عنده من
مال موسى بن
جعفر.
أود
هنا أن أنقل ما
أورده الكشي
في زيادٍ هذا:
يقول:
عن يونس بن
عبدالرحمن،
قال: مات أبو
الحسن وليس
عنده من قوامه
أحد إلا وعنده
المال
الكثير، وكان
سبب وقفهم
وجحدهم موته،
وكان عند زياد
القندي سبعون
ألف دينار،
وعند علي بن
أبي حمزة
ثلاثون ألف
دينار، قال:
رأيت ذلك
وتبين لي الحق
وعرفت مِنْ
أمر أبي الحسن
ما علمت،
فكلمت ودعوت
الناس إليه،
قال: فبعثا
إليَّ، وقالا:
لا تدع إلى هذا
إن كنت تريد
المال فنحن
نغنيك، وضمنا
لي عشرة آلاف
دينار، وقالا
لي: كُفَّ([19]).
ولا
أزيد على
القول: إن
هذه الظاهرة
لا زالت
موجودة في
منصورية هذا
الزمان.
وعن
محمد بن سنان،
عن أبي الحسن
قال: من ظلم
ابني هذا حقه
وجحد إمامته
من بعدي كان
كمن ظلم علي بن
أبي طالب حقه
وجحد إمامته
من بعد محمد صلى
الله عليه
وسلم. فعلمت
أنه قد نعى إلي
نفسه ودل على
ابنه، فقلت:
والله لئن
مدَّ الله في
عمري لأسلمن
إليه حقه،
فلأقرن له
بالإمامة،
وأشهد أنه من
بعدك حجة الله
على خلقه
والداعي إلى
دينه، فقال لي:
يا محمد، يمد
الله في عمرك
وتدعو إلى
إمامته
وإمامة من
يقوم مقامه من
بعده، قلت: من
ذاك جعلت فداك؟
قال: محمد
ابنه، قال: قلت:
فالرضا
والتسليم،
قال: نعم، كذلك
وجدتك في كتاب
أمير
المؤمنين،
أما إنك من
شيعتنا في
أبين من البرق
في الليلة
الظلماء([20]).
وعن
داود بن زربي
قال: كان لأبي
الحسن موسى بن
جعفر عندي
مال، فأخذ
بعضه وترك
عندي بعضه،
وقال: من جاءك
بعدي يطلب ما
بقي عندك فإنه
صاحبك، فلما
مضى أرسل
إليَّ علي
ابنه: ابعث
إليَّ بالذي
عندك وهو كذا
وكذا، فبعثت
إليه ما كان له
عندي([21]).
أقول:
لا أدري كم سنة
انتظر صاحبنا
حتى عرف صاحبه.
وعن
محمد بن إسحاق
بن عمار قال:
قلت لأبي
الحسن الأول:
ألا تدلني على
من آخذ منه
ديني؟ فقال:
هذا ابني علي([22]).
وعن
العباس بن
النجاشي
الأسدي قال:
قلت للرضا: أنت
صاحب هذا
الأمر؟ قال: إي
والله، على
الإنس والجن([23]).
وعن
داود بن
سليمان قال:
قلت لأبي
إبراهيم: إني
أخاف أن يحدث
حدث ولا
ألقاك،
فأخبرني عن
الإمام بعدك؟
فقال: ابني أبو
الحسن([24]).
وعن
نصر بن قابوس
قال: قلت لأبي
إبراهيم: إني
سألت أباك: من
الذي يكون
بعدك؟
فأخبرني أنك
أنت هو، فلما
توفي أبو
عبدالله ذهب
الناس يميناً
وشمالاً،
وقلت: بك أنا
وأصحابي،
فأخبرني من
الذي يكون من
بعدك من ولدك؟
قال: ابني علي([25]).
أقول:
يبدو
أن جهل صاحبنا
هذا جهل مستمر.
وعن
الحسن بن
الحسن في
حديثٍ له قال:
قلت لأبي
الحسن موسى:
أسألك؟ فقال:
سل إمامك،
فقلت: من تعني
فإني لا أعرف
إماماً غيرك؟
قال: هو علي
ابني قد نحلته
كنيتي، قلت:
سيدي، أنقذني
من النار فإن
أبا عبدالله
قال: إنك
القائم بهذا
الأمر، قال:
أولم أكن
قائماً؟ قال:
يا حسن، ما من
إمام يكون
قائماً في أمة
إلا وهو
قائمهم، فإذا
مضى عنهم
فالذي يليه هو
القائم
والحجة حتى
يغيب عنهم،
فكلنا قائم،
فاصرف جميع ما
كنت تعاملني
به إلى ابني
علي، والله ما
أنا فعلت ذاك
به، بل الله
فعل به ذاك
حباً ([26]).
أقول: قد
أدت أقوال
الصادق هذه
إلى اضطراب
كبير عند
القوم بعد
رحيله، كما
ستقف عليه.
ولم
يقتصر الجهل
وغياب النص
على الأفراد
فحسب، بل طال
ذلك المدن
والأمصار بمن
فيها، فعن
محمد بن الفضل
الهاشمي قال:
لما توفي موسى
بن جعفر أتيت
المدينة،
فدخلت على
الرضا، فسلمت
عليه بالأمر،
وأوصلت إليه
ما كان معي،
وقلت: إني سائر
إلى البصرة
وعرفت كثرة
خلاف الناس -وقد
نعي إليهم
موسى- وما أشك
أنهم
سيسألونني عن
براهين
الإمام...
والرواية
طويلة جداً
أخذنا منها
موضع الحاجة([27]).
حتى
من ظن أنهم سبب
إخفاء النص
على الأئمة -كما
يزعم القوم- لم
يسلموا من
العلة نفسها،
فعن موسى بن
مهران قال:
سمعت جعفر بن
يحيى يقول:
سمعت عيسى بن
جعفر يقول
لهارون حين
توجه من الرقة
إلى مكة: اذكر
يمينك التي
حلفت بها في آل
أبي طالب،
فإنك حلفت: إن
ادعى أحد بعد
موسى الإمامة
ضربت عنقه
صبراً، وهذا
علي ابنه يدعي
هذا الأمر،
ويقال فيه ما
يقال في أبيه،
فنظر إليه
مغضباً، فقال:
وما ترى؟ تريد
أن أقتلهم
كلهم؟([28])
وعن
صفوان بن يحيى
قال: لما مضى
أبو الحسن
موسى بن جعفر
وتكلم الرضا
خفنا عليه من
ذلك، فقلت له:
إنك قد أظهرت
أمراً عظيماً
وإنما نخاف
عليك هذا
الطاغي، فقال:
ليجهد جهده
فلا سبيل له
علي([29]).
وعن
محمد بن سنان
قال: قلت لأبي
الحسن الرضا
في أيام هارون:
إنك قد شهرت
نفسك بهذا
الأمر وجلست
مجلس أبيك
وسيف هارون
يقطر الدم؟
قال:
جوابي على هذا
ما قال رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم: إن أخذ
أبو جهل من
رأسي شعرة
فاشهدوا أني
لست بنبي،
وأنا أقول لكم:
إن أخذ هارون
من رأسي شعرة
فاشهدوا أنني
لست بإمام([30]).
وعن
أبي مسروق قال:
دخل على الرضا
جماعة من
الواقفة،
فيهم: علي بن
أبي حمزة
البطائني،
ومحمد بن
إسحاق بن
عمار،
والحسين بن
عمران،
والحسين بن
أبي سعيد
المكاري،
فقال له علي بن
أبي حمزة: جعلت
فداك، أخبرنا
عن أبيك ما
حاله؟
فقال:
قد مضى، فقال
له: فإلى من
عهد؟ فقال:
إليَّ، فقال
له: إنك تقول
قولاً ما قاله
أحد من آبائك؛
علي بن أبي
طالب فمن
دونه، قال: لكن
قد قاله خير
آبائي
وأفضلهم رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم، فقال
له: أما تخاف
هؤلاء على
نفسك؟
فقال:
لو خفت عليها
كنت عليها
معيناً، إن
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم أتاه
أبو لهب
فتهدده، فقال
له رسول الله صلى
الله عليه
وسلم: إن
خُدشت من قبلك
خدشة فأنا
كذاب، فكانت
أول آية نزع
بها رسول الله صلى
الله عليه
وسلم وهي أول
آية أنزع بها
لكم، إن خُدشت
خدشاً من قبل
هارون فأنا
كذاب، فقال له
الحسين بن
مهران: قد
أتانا ما نطلب
إن أظهرت هذا
القول، قال:
فتريد ماذا؟
أتريد أن أذهب
إلى هارون
فأقول له: إني
إمام وأنت لست
في شيء؟ ليس
هكذا صنع رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم في أول
أمره، إنما
قال ذلك لأهله
ومواليه ومن
يثق به، فقد
خصهم به دون
الناس، وأنتم
تعتقدون
الإمامة لمن
كان قبلي من
آبائي،
وتقولون: إنه
إنما يمنع علي
بن موسى أن
يخبر أن أباه
حي تقية، فإني
لا أتقيكم في
أن أقول: إني
إمام، فكيف
أتقيكم في أن
أدعي أنه حي لو
كان حياً([31]).
فاسأل
نفسك: لِمَ كل
هذه
التهديدات
والوعيد
والحذر
والانتظار من
الجميع
مادامت
الإمامة في
الرضا بعد
أبيه الكاظم
بنص من الله
ورسوله صلى
الله عليه
وسلم كما
يزعم القوم،
ثم تدبر في
أقوال الرضا،
وانظر أين
موقع التقية
التي يصر
القوم على
نسبتها إلى
الأئمة، أما
بقية الشبهات
فلم تعد خافية
عليك، فقد مر
بك بعضها،
ويحضرني هنا
رواية عن أحد
الذين دخلوا
عليه، وهو أبو
سعيد
المكاري، حيث
قال للرضا:
أبلغ الله من
قدرك أن
تدَّعي ما
ادَّعى أبوك؟
فقال: مالك
أطفأ الله
نورك وأدخل
الفقر بيتك([32]).
وكشأن
بقية الأئمة
الذين تكلمنا
عنهم لم يقتصر
غياب النص على
الأصحاب
فحسب، بل طال
أهل البيت،
فعن علي بن
الحكم، عن
حيدر بن أيوب،
عن محمد بن زيد
بن علي، أنه
قال: دعانا أبو
إبراهيم
اليوم سبعة
عشر رجلاً من
ولد علي
وفاطمة،
فأشهدنا لعلي
ابنه بالوصية
والوكالة في
حياته وبعد
موته، وأن
أمره جائز
عليه وله، ثم
قال: والله يا
حيدر، لقد عقد
له الإمامة
اليوم،
ولتقولن
الشيعة به من
بعده، قال
حيدر: بل يبقيه
الله وأي شيء
هذا؟
فقال:
يا حيدر، إذا
أوصى إليه فقد
عقد له
الإمامة، قال
علي بن الحكم:
مات حيدر وهو
شاك([33]).
وها
هي أم أحمد
زوجة الكاظم
لما توجه من
المدينة إلى
بغداد أودعها
ودائع
الإمامة،
وقال لها: كل
من جاءك وطلب
منك هذه
الأمانة في أي
وقت من
الأوقات
فاعلمي بأني
قد استشهدت،
وأنه هو
الخليفة من
بعدي والإمام
المفترض
طاعته عليك
وعلى سائر
الناس([34]).
وعن
علي بن جعفر،
عن أخيه موسى
بن جعفر، قال:
إذا فقد
الخامس من ولد
السابع فالله
الله في
أديانكم لا
يزيلكم أحد
عنها، فقلت: يا
سيدي، من
الخامس من ولد
السابع؟ قال:
يا بني،
عقولكم تصغر
عن هذا،
وأحلامكم
تضيق عن
حمله، ولكن إن
تعيشوا فسوف
تدركونه([35]).
وعنه
أيضاً قال: كنت
عند أخي موسى
بن جعفر، إذ
طلع ابنه علي،
فقال لي: يا
علي، هذا
صاحبك وهو مني
بمنزلتي من
أبي، فثبتك
الله على دينه([36]).
وعن
يزيد بن سليط
قال: دعانا أبو
الحسن
وأشهدنا -ونحن
ثلاثون رجلاً
من بني هاشم-
أن علياً ابنه
ووصيه
وخليفته من
بعده([37]).
وعن
ظريف بن ناصح
قال: كنت مع
الحسين بن زيد
ومعه ابنه
علي، إذ مرَّ
بنا أبو الحسن
موسى بن جعفر،
فسلَّم عليه
ثم جاز، فقلت:
جعلت فداك،
يعرف موسى
قائم آل محمد؟
قال: فقال لي:
إن يكن أحد
يعرفه فهو، ثم
قال: وكيف لا
يعرفه وعنده
خط علي بن أبي
طالب وإملاء
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم! فقال
علي ابنه: يا
أبه، كيف لم
يكن ذاك عند
أبي زيد بن علي؟
فقال: يا بني،
إن علي بن
الحسين ومحمد
بن علي سيدا
الناس
وإمامهم،
فلزم يا بني
أبوك زيد
أخاه، فتأدب
بأدبه وتفقه
بفقهه، قال:
فقلت: فإنه يا
أبه إن حدث
بموسى حدث
يوصي إلى أحد
من إخوته؟ قال:
لا والله ما
يوصي إلا إلى
ابنه، أما ترى
-أي بني- هؤلاء
الخلفاء لا
يجعلون
الخلافة إلا
في أولادهم([38]).
خلاف
أهل البيت مع
الكاظم وذكر
من ادعى
الإمامة
من أهل بيته:
لا
شك -أيها
القارئ- أنك
تنتظر ذكر من
نازعه وخرج
عليه من أهل
البيت كما
عودناك،
فإليك أمثلة
على ذلك:
عن
محمد بن الحسن
العلوي قال:
كان السبب في
أخذ موسى بن
جعفر أن
الرشيد جعل
ابنه في حجر
جعفر بن محمد
بن الأشعث،
فحسده يحيى بن
خالد
البرمكي،
وقال: إن أفضت
الخلافة إليه
زالت دولتي
ودولة ولدي،
فاحتال على
جعفر بن محمد -وكان
يقول
بالإمامة- حتى
داخله وآنس
إليه وكثر
غشيانه في
منزلـه، فيقف
على أمره
فيرفعه إلى
الرشيد ويزيد
عليه بما يقدح
في قلبه، ثم
قال يوماً
لبعض ثقاته:
أتعرفون لي
رجلاً من آل
أبي طالب ليس
بواسع الحال
يعرّفني ما
أحتاج إليه؟
فدل على علي بن
إسماعيل بن
جعفر بن محمد،
فحمل إليه
يحيى بن خالد
مالاً، وكان
موسى يأنس
إليه ويصله،
وربما أفضى
إليه بأسراره
كلها، فكتب
ليشخص به،
فأحس موسى
بذلك، فدعاه
فقال: إلى أين
يا ابن أخي؟
قال: إلى
بغداد، قال:
وما تصنع؟ قال:
عليّ دين وأنا
مملق، قال:
فأنا أقضي
دينك، وأفعل
بك وأصنع، فلم
يلتفت إلى
ذلك، فقال له:
انظر يا ابن
أخي لا تؤتم
أولادي، وأمر
له بثلاثمائة
دينار وأربعة
آلاف درهم،
فلما قام من
بين يديه قال
أبو الحسن
موسى لمن حضره:
والله ليسعين
في دمي ويؤتمن
أولادي([39]).
وكذا
شأن أخيه
محمد، فعن علي
بن جعفر بن
محمد قال:
جاءني محمد بن
إسماعيل ابن
جعفر يسألني
أن أسأل أبا
الحسن موسى أن
يأذن له في
الخروج إلى
العراق وأن
يرضى عنه
ويوصيه.. إلى
أن قال: فقال
محمد بن
إسماعيل: يا
عم، أحب أن
توصيني؟ فقال:
أوصيك أن تتقي
الله في دمي،
فقال: لعن الله
من يسعى في
دمك، ثم قال:
يا عم، أوصني؟
فقال: أوصيك أن
تتقي الله في
دمي، ثم ذكر
خروج محمد بن
إسماعيل إلى
العراق
وملاقاته
لهارون
الرشيد،
وقولـه له: يا
أمير
المؤمنين،
خليفتان في
الأرض موسى بن
جعفر
بالمدينة
يجبى له
بالخراج،
وأنت في
العراق يجبى
لك الخراج،
فقال: والله؟
فقال: والله([40]).
أما
من خرج في
أيامه ودعا
الناس إلى
بيعته من أهل
البيت فإليك
بيانه:
عن
عبدالله بن
المفضل مولى
عبدالله بن
جعفر بن أبي
طالب قال: لما
خرج الحسين بن
علي المقتول
بفخ([41])
واحتوى على
المدينة دعا
موسى بن جعفر
إلى البيعة،
فأتاه فقال له:
يا ابن عم، لا
تكلفني ما كلف
ابن عمك عمك
أبا عبدالله
فيخرج مني ما
لا أريد كما
خرج من أبي
عبدالله ما لم
يكن يريد،
فقال له
الحسين: إنما
عرضت عليك
أمراً، فإن
أردته دخلت
فيه، وإن
كرهته لم
أحملك عليه،
والله
المستعان، ثم
ودعه([42]).
وللحسين
بن علي صاحب
الفخ هذا رحمه
الله منزلة
عظيمة، حيث
أورد فيه
القوم عن
الرسول صلى
الله عليه
وسلم أنه
مرَّ بفخ فنزل
فصلَّى ركعة،
فلما صلَّى
الثانية بكى
وهو في
الصلاة، فلما
رأى الناس
النبي صلى
الله عليه
وسلم يبكي
بكوا، فلما
انصرف قال: نزل
عليّ جبرئيل
لما صليت
الركعة
الأولى، فقال
لي: يا محمد،
إن رجلاً من
ولدك يقتل في
هذا المكان
وأجر الشهيد
معه أجر
شهيدين([43]).
كما
رووا عن
الصادق أنه
قال لنضر بن
قرواش وهو في
طريقه إلى
المدينة: يا
نضر، إذا
انتهيت إلى فخ
فأعلمني. فلما
وصل وأبلغه
بذلك قال:
ناولني
الإداوة
والركوة،
فتوضأ وصلى ثم
ركب، فقلت له:
جعلت فداك،
رأيتك قد صنعت
شيئاً، أفهو
من مناسك الحج؟
قال: لا، ولكن
يقتل ههنا رجل
من أهل بيتي في
عصابة تسبق
أرواحهم
أجسادهم إلى
الجنة([44]).
وذكروا
أن الكاظم جاء
إلى الحسين
صاحب الفخ
فانكب عليه
شبه الركوع،
وقال: أحب أن
تجعلني في سعة
وحل مِنْ
تخلفي عنك،
فأطرق الحسين
طويلاً لا
يجيبه، ثم رفع
رأسه إليه،
فقال: أنت في
سعة([45]).
ولعل
في إطراقه
الطويل هذا
تساؤلاً عن سر
رفضه الأول ثم
ندمه، وهو
إمام معصوم لا
يصدر عنه
فعلان
متضادان،
ولما عرضت
عليه رأسه
رحمه الله قال:
إنا لله وإنا
إليه راجعون،
مضى والله
مسلماً
صالحاً
صواماً آمراً
بالمعروف
ناهياً عن
المنكر، ما
كان في أهل
بيته مثله([46]).
وقال
فيه الجواد: لم
يكن لنا بعد
اللطف مصرع
أعظم من فخ([47]).
ومنهم:
أخوه عبدالله
المعروف
بالأفطح، وقد
ذكرنا نبذة
عنه عند
كلامنا عن
موقف الشيعة
بعد الإمام
الصادق،
ونزيد هنا
رواية المفضل
بن عمر، قال:
لما مضى
الصادق كانت
وصيته في
الإمامة
لموسى، فادعى
أخوه عبدالله
الإمامة،
وكان أكبر ولد
جعفر في ذلك
الوقت، فأمر
موسى بجمع حطب
كثير في وسط
داره، فأرسل
إلى عبدالله
يسأله المصير
إليه، فلما
صار عنده مع
جماعة من وجوه
الإمامية،
فلما جلس إليه
أخوه عبدالله
أمر موسى أن
تضرم النار في
ذلك الحطب
فأضرمت، ولا
يعلم الناس ما
سبب ذلك حتى
صار كله
جمراً، ثم قام
موسى وجلس
بثيابه في وسط
النار وأقبل
يحدث الناس
ساعة، ثم قام
فنفض ثيابه
ورجع إلى
المجلس، فقال
لأخيه
عبدالله: إن
كنت تزعم أنك
الإمام بعد
أبيك فاجلس في
ذلك المجلس؟
قالوا: فرأينا
عبدالله تغير
لونه، ثم قام
يجر رداءه حتى
خرج من دار
موسى([48]).
افتراق
الشيعة بعد
وفاة الكاظم:
رجع
بنا الحديث
إلى موقف
الشيعة بعد
وفاة الكاظم،
فقد ذكر القوم
أن الشيعة
افترقت بعد
وفاته إلى عدة
فرق:
فرقة منهم قالوا بوفاته في حبس السندي بن شاهك، وأن يحيى بن خالد البرمكي سمَّهُ في رطب وعنب بعثهما إ