وعلى
أي حال، نجتزئ
بذكر هذه
الأمثلة عن
أصحابه،
وننتقل إلى
ذكر موقف أهل
بيته من النص:
فهذا
عيسى بن
عبدالله بن
عمر بن علي بن
أبي طالب يقول
للصادق كما
يروي القوم: إن
كان كون ولا
أراني الله
يومك فبمن
أأتم؟ فأومأ
إلى موسى،
فقلت لـه: فإن
مضى فإلى من؟
قال: فإلى
ولده، قلت: فإن
مضى ولده وترك
أخاً كبيراً
وابناً
صغيراً فبمن
أأتم؟
قال:
بولده، ثم
هكذا أبداً،
فقلت: فإن أنا
لم أعرفه ولم
أعرف موضعه
فما أصنع؟ قال:
تقول: اللهم
إني أتولى من
بقي من حججك من
ولد الإمام
الماضي، فإن
ذلك يجزيك([1]).
وهنا
أتساءل:
أليسوا
مسمَّيْن كما
سبق؟
وآخر
هو علي بن عمر
بن علي سأله:
جعلت فداك،
إلى من نفزع
ويفزع الناس
بعدك؟
فقال:
إلى صاحب هذين
الثوبين
الأصفرين
والغديرتين،
وهو الطالع
عليك من
الباب، فما
لبثنا أن طلع
علينا كفان
آخذتان
بالبابين،
حتى انفتحا
ودخل علينا
أبو إبراهيم
موسى بن جعفر
وهو صبي وعليه
ثوبان أصفران([2]).
ولم
يقتصر الأمر
على ما مرَّ
بك، بل اقرأ
هذا: عن الصادق:
العجب
لعبدالله بن
الحسن بن
الحسن يقول:
ليس فينا إمام
صدق وما هو
بإمام ولا كان
أبوه إماماً،
يزعم أن علي بن
أبي طالب لم
يكن إماماً
ويردد ذلك([3]).
النزاع
بين بني الحسن
وبني الحسين
رضي الله
عنهما:
يبدو
أن أمر الخلاف
والمنازعة
بين بني الحسن
وبني الحسين
كان
مستفحلاً،
وقد تكلمنا
قليلاً عن
أبعاد ذلك عند
ذكرنا: (علة
جعل الإمامة
في ولد الحسين
دون الحسن)
وإليك المزيد
مما يؤيد ذلك:
فعن
علي بن سعيد
قال: كنت
جالساً عند
أبي عبدالله،
فقال رجل: جعلت
فداك، إن
عبدالله بن
الحسن يقول:
مالنا في هذا
الأمر ما ليس
لغيرنا، فقال
أبو عبدالله -بعد
كلام-: أما
تعجبون من
عبدالله،
يزعم أن أباه
علياً لم يكن
إماماً،
ويقول: إنه ليس
عندنا علم،
وصدق والله ما
عنده علم،
ولكن والله -وأهوى
بيده إلى صدره-
إن عندنا سلاح
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم وسيفه
ودرعه،
وعندنا والله
مصحف فاطمة ما
فيه آية من
كتاب الله،
وإنه من إملاء
رسول الله
وخطه علي
بيده، والجفر
وما يدرون ما
هو، مسك من
شاة، أو مسك من
بعير([4]).
وفي
رواية:
وقع بين
الصادق
وعبدالله بن
الحسن كلام في
صدر يوم،
فأغلظ له في
القول
عبدالله بن
الحسن، ثم
افترقا وراحا
إلى المسجد،
فالتقيا على
باب المسجد،
فقال الصادق
لعبدالله بن
الحسن: كيف
أمسيت يا أبا
محمد؟ فقال:
بخير، كما
يقول المغضب،
فقال: يا أبا
محمد، أما
علمت أن صلة
الرحم تخفف
الحساب، فقال:
لا تزال تجيء
بالشيء لا
نعرفه، قال:
فإني أتلو
عليك قرآناً،
قال: وذلك
أيضاً؟ قال:
نعم، قال:
فهاته، قال:
قول الله عز
وجل: ((وَالَّذِينَ
يَصِلُونَ
مَا أَمَرَ
اللَّهُ بِهِ
أَنْ يُوصَلَ
وَيَخْشَوْنَ
رَبَّهُمْ
وَيَخَافُونَ
سُوءَ
الْحِسَابِ))
[الرعد:21]
قال: فلا تراني
بعدها قاطعاً
رحمنا([5]).
وعن
علي بن جعفر
قال: بعث
عبدالله بن
الحسن إلى أبي:
يقول لك أبو
محمد: أنا أشجع
منك، وأنا
أسخى منك،
وأنا أعلم
منك، فقال
لرسوله: أما
الشجاعة
فوالله ما كان
لك موقف يعرف
به جبنك من
شجاعتك، وأما
السخيّ فهو
الذي يأخذ
الشيء فيضعه
في حقه، وأما
العلم فقد
أعتق أبوك علي
بن أبي طالب
ألف مملوك،
فسم لنا خمسة
منهم، وأنت
عالم، فعاد
إليه فأعلمه،
ثم عاد إليه،
فقال: يقول:
إنك رجل صحفي،
فقال له أبو
عبدالله: قل:
إي والله، صحف
إبراهيم
وموسى وعيسى
ورثتها عن
آبائي([6]).
وكان
بنو الحسن
يرشدون
ويدلون الناس
إليهم، فعن
عبدالرحمن بن
كثير أن رجلاً
دخل يسأل عن
الإمام
بالمدينة،
فاستقبله رجل
من ولد
الحسين، فقال
له: يا هذا،
إني أراك تسأل
عن الإمام،
قال: نعم، قال:
فأصبته؟ قال:
لا، قال: فإن
أحببت أن تلقى
جعفر بن محمد
فافعل،
فاستدله
فأرشده إليه،
فلما دخل عليه
قال له: إنك
دخلت مدينتنا
هذه تسأل عن
الإمام،
فاستقبلك
فتىً من ولد
الحسن فأرشدك
إلى محمد بن
عبدالله،
فسألته
وخرجت، فإن
شئت أخبرتك
بما سألته عنه
وما رده عليك،
ثم استقبلك
فتى من ولد
الحسين، وقال
لك: إن أحببت
أن تلقى جعفر
بن محمد
فافعل، قال:
صدقت، كان كل
ما ذكرت ووصفت([7]).
وكذلك
شأن محمد بن
عبدالله بن
الحسن بن
الحسن بن علي
بن أبي طالب مع
الصادق، فكما
فعل أبوه من
قبل، فعل هو مع
الصادق، حيث
قال له: والله
إني لأعلم منك
وأسخى وأشجع([8]).
ولما
بويع -أي: محمد
بن عبدالله بن
الحسن- على أنه
مهدي هذه
الأمة، جاء
أبوه عبدالله
إلى الصادق
وقد كان
ينهاه، وزعم
أنه يحسده،
فضرب الصادق
يده على كتف
عبدالله،
وقال: إيهاً
والله، ما هي
إليك ولا إلى
ابنك، وإنما
هي لهذا -يعني:
السفاح- ثم
لهذا -يعني:
المنصور-
يقتله على
أحجار الزيت([9]).
رغم
هذا كان يبارك
خروج ابنه
ويؤيده، فلما
بلغ أبا مسلم
موت إبراهيم
الإمام وجه
بكتبه إلى
الحجاز، إلى
جعفر بن محمد،
وعبدالله بن
الحسن، ومحمد
بن علي بن
الحسين يدعو
كلَّ واحد
منهم إلى
الخلافة،
فبدأ بجعفر،
فلما قرأ
الكتاب
أحرقه، وقال:
هذا الجواب،
فأتى عبدالله
بن الحسن،
فلما قرأ
الكتاب قال:
أنا شيخ ولكن
ابني محمد
مهدي هذه
الأمة، فركب
وأتى جعفراً
فخرج إليه
ووضع يده على
عنق حماره،
وقال: يا أبا
محمد، ما جاء
بك في هذه
الساعة؟
فأخبره، فقال:
لا تفعلوا فإن
الأمر لم يأتِ
بعد، فغضب
عبدالله بن
الحسن، وقال:
لقد علمت خلاف
ما تقول،
ولكنه يحملك
على ذلك الحسد
لابني([10]).
وكان
الناس يرون
إمامته دون
الصادق، فعن
عبد الكريم بن
عتبة
الهاشمي، قال:
كنت عند أبي
عبدالله
بمكة، إذ دخل
عليه أناس من
المعتزلة
فيهم: عمرو بن
عبيد، وواصل
بن عطاء، وحفص
بن سالم،
وأناس من
رؤسائهم،
وذلك حين قتل
الوليد
واختلف أهل
الشام بينهم،
فتكلموا
وأكثروا
وخطبوا
فأطالوا،
فقال لهم أبو
عبدالله جعفر
بن محمد: إنكم
قد أكثرتم
عليَّ
وأطلتم،
فأسندوا
أمركم إلى رجل
منكم فليتكلم
بحجتكم
وليوجز،
فأسندوا
أمرهم إلى
عمرو بن عبيد
فأبلغ وأطال،
فكان فيما قال
أن قال: قتل
أهل الشام
خليفتهم،
وضرب الله
بعضهم ببعض،
وتشتت أمرهم،
فنظرنا
فوجدنا رجلاً
له دين وعقل
ومروءة ومعدن
للخلافة وهو
محمد بن
عبدالله بن
الحسن،
فأردنا أن
نجتمع معه
فنبايعه، ثم
نظهر أمرنا
معه وندعو
الناس إليه([11]).
وقد
خرج أخوه
إبراهيم
أيضاً، فعن
عبيد بن زرارة
قال: لقيت أبا
عبدالله في
السنة التي
خرج فيها
إبراهيم بن
عبدالله بن
الحسن، فقلت
له: جعلت فداك،
إن هذا قد ألف
الكلام وسارع
الناس إليه،
فما الذي تأمر
به؟ قال: فقال:
اتقوا الله
واسكنوا ما
سكنت السموات
والأرض([12]).
ويبدو
أن الصادق قد
ضاق ذرعاً
بهذا الأمر،
فما زال يفتش
ويبحث في كتبه
عمن يملك من
بني الحسن،
ولا زال يقول
بـحسدهم،
فلما سُئِلَ
عنهم وعما إذا
كانوا يعرفون
لمن الحق؟ قال:
بلى ولكن
يمنعهم الحسد([13]).
وفي
أخرى:
فقال له بعضنا:
يعرف هذا ولد
الحسن؟ قال:
نعم، كما
يعرفون أن هذا
ليل، ولكن
يحملهم
الحسد، ولو
طلبوا الحق
بالحق لكان
خيراً لهم،
ولكنهم
يطلبون
الدنيا([14]).
وعن
أبي يعفور قال:
لقيت أنا
ومعلى بن خنيس
الحسن بن
الحسن بن علي
بن أبي طالب،
فقال: يا
يهودي،
فَأَخْبَرَنَا
بما قال جعفر
بن محمد، فقال:
هو والله أولى
باليهودية
منكما، إن
اليهودي من
شرب الخمر([15]).
وعنه
أيضاً قال:
سمعت أبا
عبدالله يقول:
لو توفي الحسن
بن الحسن
بالزنا وشرب
الخمر كان
خيراً مما
توفي عليه([16]).
ويبدو
أن المودة
كانت متبادلة
بينهما، فعن
سلمان بن خالد
قال: لقيت
الحسن بن
الحسن، فقال:
أما لنا حق؟
أما لنا حرمة؟
إذا اخترتم
منا رجلاً
واحداً
كفاكم، فلم
يكن له عندي
جواب، فلقيت
أبا عبدالله
فأخبرني بما
كان من قولـه،
فقال لي: القه،
فقل له:
أتيناكم
فقلنا: هل
عندكم ما ليس
عند غيركم؟
فقلتم: لا،
فصدقناكم
وكنتم أهل
ذلك، وأتينا
بني عمكم
فقلنا: هل
عندكم ما ليس
عند الناس؟
فقالوا: نعم،
فصدقناهم
وكانوا أهل
ذلك، قال:
فلقيته فقلت
له ما قال لي،
فقال لي الحسن:
فإن عندنا ما
ليس عند
الناس، فلم
يكن عندي شيء،
فأتيت أبا
عبدالله
فأخبرته،
فقال لي:القه،
وقل: إن الله
عز وجل يقول في
كتابه: ((اِئْتُونِي
بِكِتَابٍ
مِنْ قَبْلِ
هَذَا أَوْ
أَثَارَةٍ
مِنْ عِلْمٍ
إِنْ
كُنْتُمْ
صَادِقِينَ))
[الأحقاف:4]
فاقعدوا لنا
حتى نسألكم،
قال: فلقيته
فحاججته
بذلك، فقال:
أفما عندكم
شيء إلا
تعيبونا إن
كان فلان تفرغ
وشغلنا فذاك
الذي يذهب
بحقنا([17]).
أما
شأن كتاب
الملوك الذين
يملكون
الأرض، ونظر
الصادق فيه،
فإليك بعض هذه
الروايات:
عن
خنيس قال: كنت
عند أبي
عبدالله إذ
أقبل محمد بن
عبدالله بن
الحسن فسلم
عليه ثم ذهب،
ورق له أبو
عبدالله
ودمعت عينه،
فقلت له: لقد
رأيتك صنعت به
ما لم تكن تصنع؟
قال: رققت له؛
لأنه ينسب في
أمرٍ ليس له،
لم أجده في
كتاب علي من
خلفاء هذه
الأمة ولا
ملوكها([18]).
وفي
رواية:
عن الصادق أنه
سئل عن محمد؟
فقال: إن عندي
لكتابين
فيهما كل نبي
وكل ملك يملك،
لا والله ما
محمد بن
عبدالله في
أحدهما([19]).
وفي
ثالثة:
عن فضيل سكرة
قال: دخلت على
أبي عبدالله،
قال: يا فضيل،
أتدري في أي
شيء كنت أنظر
فيه قبل؟ قال:
قلت: لا، قال:
كنت أنظر في
كتاب فاطمة،
فليس ملك يملك
إلا وفيه
مكتوب اسمه
واسم أبيه،
فما وجدت لولد
الحسن فيه
شيئاً([20]).
وفي
أخرى:
عن ابن خنيس -أيضاً-
قال: قال أبو
عبدالله: ما من
نبي ولا وصي
ولا ملك إلا في
كتاب عندي، لا
والله، ما
لمحمد بن
عبدالله بن
الحسن فيه اسم([21]).
وأخرى:
عن سليمان بن
خالد قال: سمعت
أبا عبدالله
يقول: إن عندي
لصحيفة فيها
أسماء
الملوك، ما
لولد الحسن
فيها شيء([22]).
وذكر
النزاع بين
بني الحسن
والحسين رضي
الله عنهما
يطول([23]).
والغريب
أن بني الحسن
قد ملكوا عبر
التاريخ،
وأسسوا
الممالك
والدول،
كدولة
الأدارسة في
المغرب،
والتي أنشأها
إدريس بن
عبدالله بن
الحسن بن
الحسن بن علي
بن أبي طالب
رضي الله
عنهم، وملوك
المغرب في
أيامنا هذه،
ولا أدري
لماذا أغفلهم
كتاب الملوك
هذا؟!
ولم
يقتصر الأمر
عليهم، بل
امتد إلى سائر
بني هاشم بما
فيهم بنو
الحسين رضي
الله عنهم،
فها هو أبوه
يحذره من
أخيه، يروي
القوم عن
الصادق: قال لي
أبي: اعلم أن
عبدالله أخاك
سيدعو الناس
إلى نفسه،
فدعه فإن عمره
قصير، فكان
كما قال أبي،
وما لبث
عبدالله إلا
يسيراً حتى
مات([24]).
وهذا
عمه عبدالله،
يروي القوم عن
الوليد بن
صبيح قال: كنا
عند الصادق في
ليلة، إذ يطرق
الباب طارق،
فقال للجارية:
انظري من هذا؟
فخرجت ثم
دخلت، فقالت:
هذا عمك
عبدالله بن
علي، فقال:
أدخليه، وقال
لنا: ادخلوا
البيت،
فدخلنا
بيتاً،
فسمعنا منه
حساً ظننا أن
الداخل بعض
نسائه، فلصق
بعضنا ببعض،
فلما دخل أقبل
على أبي
عبدالله، فلم
يدع شيئاً من
القبيح إلا
قاله في أبي
عبدالله، ثم
خرج وخرجنا،
فأقبل يحدثنا
من الموضع
الذي قطع
كلامه، فقال
بعضنا: لقد
استقبلك هذا
بشيء ما ظننا
أن أحداً
يستقبل به
أحداً، حتى
لقد همَّ
بعضنا أن يخرج
إليه فيوقع
به، فقال: مه،
لا تدخلوا
فيما بيننا([25]).
ولابن
عبدالله هذا
محمد الملقب
بالأرقط شأن
مع الصادق،
وهو سبب
تسميته بهذا
اللقب، فقد
جرى بينه وبين
الصادق أمر،
فبصق في وجه
الصادق، فدعا
عليه الصادق
فصار أرقط
الوجه، به نمش([26])،
كريه المنظر([27]).
وها
هو ابن عمه
الملقب
بالأفطس،
يقول القوم: إن
سالمة مولاة
الصادق قالت:
كنت عند أبي
عبدالله حين
حضرته
الوفاة،
وأغمي عليه،
فلما أفاق قال:
أعطوا الحسن
بن علي ابن علي
بن الحسين -وهو
الأفطس- سبعين
ديناراً،
وأعط فلاناً
كذا وفلاناً
كذا، فقلت:
أتعطي رجلاً
حمل عليك
بالشفرة يريد
أن يقتلك؟ قال:
تريدين أن لا
أكون من الذين
قال الله عز
وجل فيـهم:
((وَالَّذِينَ
يَصِلُونَ
مَا أَمَرَ
اللَّهُ بِهِ
أَنْ يُوصَلَ
وَيَخْشَوْنَ
رَبَّهُمْ
وَيَخَافُونَ
سُوءَ
الْحِسَابِ))
[الرعد:21]([28]).
وعن
عمر بن علي قال:
إن جماعة من
بني هاشم
اجتمعوا
بالأبواء،
وفيهم:
إبراهيم بن
محمد بن علي بن
عبدالله بن
عباس، وأبو
جعفر
المنصور،
وصالح بن علي،
وعبدالله بن
الحسن،
وابناه: محمد
وإبراهيم،
ومحمد بن
عبدالله بن
عمرو بن
عثمان، فقال
صالح بن علي:
قد علمتم أنكم
الذين تمد
الناس إليهم
أعينهم، وقد
جمعكم الله في
هذا الموضع،
فاعقدوا
بيعةً لرجلٍ
منكم تعطونه
إياها من
أنفسكم،
وتواثقوا على
ذلك حتى يفتح
الله وهو خير
الفاتحين،
فحمد الله
عبدالله بن
الحسن وأثنى
عليه، ثم قال:
قد علمتم أن
ابني هذا هو
المهدي فهلم
لنبايعه،
وقال أبو جعفر:
لأي شيء
تخدعون
أنفسكم،
والله لقد
علمتم ما
الناس إلى
أحدٍ أصور
أعناقاً ولا
أسرع إجابة
منهم إلى هذا
الفتى -يريد به
محمد بن
عبدالله-
قالوا: قد
والله صدقت،
إن هذا الذي
نعلم،
فبايعوا
محمداً
جميعاً،
ومسحوا على
يده، قال عيسى:
وجاء رسول
عبدالله بن
الحسن إلى أبي:
أن ائتنا فإنا
مجتمعون
لأمر، وأرسل
بذلك إلى جعفر
بن محمد، وقال
غير عيسى: إن
عبدالله بن
الحسن قال لمن
حضر: لا تريدوا
جعفراً؛ فإنا
نخاف أن يفسد
عليكم أمركم،
قال عيسى بن
عبدالله بن
محمد: فأرسلني
أبي أنظر ما
اجتمعوا له؟
فجئتهم ومحمد
بن عبدالله
يصلي على
طنفسة رحل
مثنية، فقلت
لهم: أرسلني
أبي إليكم
أسألكم لأي
شيء اجتمعتم؟
فقال عبدالله:
اجتمعنا
لنبايع
المهدي محمد
بن عبدالله،
قال: وجاء جعفر
بن محمد،
فأوسع له
عبدالله بن
الحسن إلى
جنبه، فتكلم
بمثل كلامه،
فقال جعفر: لا
تفعلوا فإن
هذا الأمر لم
يأتِ بعد، إن
كنت ترى -يعني:
عبدالله- أن
ابنك هذا هو
المهدي فليس
به، ولا هذا
أوانه، وإن
كنت إنما تريد
أن تخرجه
غضباً لله
وليأمر
بالمعروف
وينهي عن
المنكر، فإنا
والله لا ندعك
وأنت شيخنا
ونبايع ابنك
في هذا الأمر،
فغضب عبدالله
بن الحسن،
وقال: لقد علمت
خلاف ما تقول،
والله ما
أطلعك على
غيبه ولكن
يحملك على هذا
الحسد لابني([29]).
فانظر
-أيها القارئ-
كيف توفق بين
هذه الرواية
والقول بالنص
على الاثني
عشر.
قصة
خروج زيد بن
علي بن الحسين
بن علي بن أبي
طالب رحمه
الله
وذكر
منزلته
ورواية تفيد
معرفة بدء
القول بالنص
على الأئمة:
نختم
حديثنا عن
مدعي الإمامة
من أهل البيت
أيام الصادق
بذكرنا قصة
زيد بن علي بن
الحسين بن أبي
طالب رضي
الله عنهم،
وما أدراك من
زيد هذا! الذي
أرانا القوم
برواياتهم أن
جذور تخطيطه
للخروج
وادعاء
الإمامة
ضاربة في
القدم.
يروي
القوم أن
الباقر عند
الوفاة دعا
بابنه الصادق
ليعهد إليه
عهداً، فقال
له أخوه زيد بن
علي: لو امتثلت
في تمثال
الحسن
والحسين رجوت
أن لا تكون
أتيت منكراً،
فقال له: يا
أبا الحسين،
إن الأمانات
ليست
بالتمثال،
ولا العهود
بالرسوم،
وإنما هي أمور
سابقة عن حجج
الله عز وجل ([30]).
فواضح
لمن تدبر في
رواية القوم
هذه أنه يهيئ
لأمرٍ ما، أما
مسألة انتفاء
النص فلن
نكرره عليك،
فقد طلبنا منك
استحضاره
واصطحابه منذ
المقدمة.
نعود
إلى روايتنا،
ويبدو أن
الباقر قد فطن
إلى ذلك، فقد
روى القوم عنه
أنه قال: سيخرج
زيد أخي بعد
موتي، ويدعو
الناس إلى
نفسه، ويخلع
جعفراً ابني،
ولا يلبث إلا
ثلاثاً حتى
يقتل ويصلب،
ثم يحرق
بالنار،
ويذرى في
الريح، ويمثل
به مثلة ما مثل
بها أحد قبله([31]).
وفي
رواية:
إن زيداً
سيدعو بعدي
إلى نفسه،
فدعه ولا
تنازعه فإن
عمره قصير([32]).
ولا
شك أن الباقر
يذكر يوم أن
دخل عليه زيد
ومعه كتب أهل
الكوفة
يدعونه فيها
إلى أنفسهم
ويخبرونه
باجتماعهم
ويأمرونه
بالخروج،
فقال له: هذه
الكتب ابتداء
منهم، أو جواب
ما كتبت به
إليهم
ودعوتهم إليه؟
فقال: بل
ابتداء من
القوم
لمعرفتهم
بحقنا
وبقرابتنا من
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم، ولما
يجدون في كتاب
الله عز وجل من
وجوب مودتنا
وفرض طاعتنا،
ولما نحن فيه
من الضيق
والضنك
والبلاء،
فقال الباقر:
فلا تعجل، فإن
الله لا يعجل
لعجلة
العباد، ولا
تسبقن الله
فتعجزك
البلية
فتصرعك، فغضب
زيد عند ذلك،
ثم قال: ليس
الإمام منا من
جلس في بيته،
وأرخى ستره،
وثبط عن
الجهاد، ولكن
الإمام منا من
منع حوزته،
وجاهد في سبيل
الله حق
جهاده، ودفع
عن رعيته، وذب
عن حريمه([33]).
ثم
ها هو يجس نبض
الأصحاب،
فيقول لزرارة
كما يروي
القوم: ما تقول
يا فتى في رجل
من آل محمد
استنصرك؟
فقلت: إن كان
مفروض الطاعة
نصرته، وإن
كان غير مفروض
الطاعة فلي أن
أفعل ولي ألا
أفعل، فلما
خرج قال
الصادق: أخذته
والله من بين
يديه ومن خلفه
وما تركت له
مخرجاً([34]).
وعن
مؤمن الطاق
عند القوم، أن
زيداً قال له:
ما تقول إن
طرقك طارق منا
أتخرج معه؟
قال: قلت له: إن
كان أباك
وأخاك خرجت
معه، قال: فقال
لي: فأنا أريد
أن أخرج أجاهد
هؤلاء القوم
فاخرج معي،
قال: قلت: لا
أفعل جعلت
فداك، قال:
فقال لي: أترغب
بنفسك عني؟
قال: فقلت له:
إنما هي نفس
واحدة، فإن
كان لله عز وجل
في الأرض معك
حجة فالمتخلف
عنك ناج،
والخارج معك
هالك، وإن لم
يكن لله معك
حجة فالمتخلف
عنك والخارج
معك سواء، قال:
فقال لي: يا
أبا جعفر، كنت
أجلس مع أبي
على الخِوان،
فيلقمني
اللقمة
السمينة،
ويبرد لي
اللقمة
الحارة حتى
تبرد من شفقته
عليَّ، ولم
يشفق عليَّ من
حر النار إذ
أخبرك بالدين
ولم يخبرني به؟
قال: فقلت له:
من شفقته عليك
من حر النار لم
يخبرك، خاف
عليك ألا
تقبله فتدخل
النار... إلى أن
قال: فحججت،
فحدثت أبا
عبدالله
بمقالة زيد
وما قلت له:
فقال لي: أخذته
من بين يديه
ومن خلفه، وعن
يمينه وعن
يساره، ومن
فوق رأسه ومن
تحت قدميه،
ولم تترك له
مسلكاً يسلكه([35]).
وكان
قبل ذلك يقول
بأن الأئمة
أربعة، ثلاثة
مضوا والرابع
هو القائم([36]).
ففي الرواية
دليل على
معتقده في أن
من لم يخرج
بالسيف ليس
بإمام، لذا
فهو لم يعد
أباه زين
العابدين
إماماً.
وكان
يقول: من أراد
الجهاد
فإليّ، ومن
أراد العلم
فإلى ابن أخي
جعفر([37]).
ويقول:
جعفر إمامنا
في الحلال
والحرام([38]).
ولم
يكن يرى رحمه
الله من قولـه:
[إمامنا] بأنه
إمام بمفهوم
القوم
المستوجب
للخلافة
العامة، بل
كان يبين
شرائط
الإمامة
العامة في
قولـه: ليس
الإمام منا من
أرخى عليه
ستره، إنما
الإمام من شهر
سيفه([39]).
ثم
شرع فيما عقد
العزم عليه،
فكانت هذه
الحادثة التي
يرويها معتب،
حيث يقول بزعم
القوم: قُرِع
باب مولاي
الصادق
فخرجت، فإذا
بزيد بن علي،
فقال الصادق
لجلسائه:
ادخلوا هذا
البيت وردوا
الباب، ولا
يتكلم منكم
أحد، فلما دخل
قام إليه
فاعتنقا
وجلسا طويلاً
يتشاوران، ثم
علا الكلام
بينهما، فقال
زيد: دع ذا عنك
يا جعفر،
فوالله لئن لم
تمد يدك حتى
أبايعك أو هذه
يدي فبايعني
لأتعبنك
ولأكلفنك ما
لا تطيق، فقد
تركت الجهاد،
وأخلدت إلى
الخفض،
وأرخيت
الستر،
واحتويت على
مال الشرق
والغرب، فقال
الصادق: يرحمك
الله يا عم،
يغفر الله لك
يا عم([40]).
ولم
يكن يأبه
بتحذير
الصادق له: يا
عم، أعيذك
بالله أن تكون
المصلوب
بالكناسة،
وكانت أم زيد
ترد: والله ما
يحملك على هذا
القول غير
الحسد لابني،
ويرد: يا ليته
حسداً، يا
ليته حسداً،
ثلاثاً..([41]).
إلى
أن جاءت
الأخبار
بخروجه
وادعائه
الإمامة، فعن
داود الرقي
قال: دخلت على
جعفر بن محمد،
فقال: ما الذي
أبطأ بك عنا يا
داود؟ فقلت:
حاجة عرضت لي
بالكوفة هي
التي أبطأت بي
عنك، جعلت
فداك، فقال لي:
ماذا رأيت بها؟
قلت: رأيت عمك
زيداً على فرس
ذنوب، قد تقلد
مصحفاً، وقد
حف به فقهاء
الكوفة، وهو
يقول: يا أهل
الكوفة، إني
العلم بينكم
وبين الله
تعالى، قد
عرفت ما في
كتاب الله من
ناسخه
ومنسوخه،
فقال أبو عبد
الله: يا سماعة
بن مهران،
ائتني بتلك
الصحيفة،
فأتاه بصحيفة
بيضاء،
فدفعها
إليَّ، وقال
لي: اقرأ هذه
بما أخرج
إلينا أهل
البيت، يرثه
كابر عن كابر
من لدن رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم،
فقرأتها فإذا
فيها سطران:
السطر
الأول:
لا إله إلا
الله محمد
رسول الله.
والسطر
الثاني:
أسماء الأئمة
مكتوبة من قبل
أن يخلق آدم
بألفي عام،
فقال أبو
عبدالله: فأين
يتاه بزيد
ويذهب به؟ إن
أشد الناس لنا
عداوة وحسداً
الأقرب إلينا
فالأقرب([42]).
وعن
أبي الصباح
قال: دخلت على
أبي عبد الله،
فقال: ما وراءك؟
فقلت: شر ورائي
من عمك زيد،
خرج يزعم أنه
ابن ستة، وأنه
قائم هذه
الأمة، وأنه
ابن خيرة
الإماء، فقال:
كذب، ليس هو
كما قال، إن
خرج قتل([43]).
وقبل
أن نختم
حديثنا عن زيد
بن علي بن
الحسين بن علي
بن أبي طالب
رضي الله عنه،
لابد من بيان
حاله وذكر
منزلته حتى
تستقيم
المسألة.
فعن
الحسين بن علي
رضي الله عنه
قال: وضع رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم يده على
صلبي، فقال: يا
حسين، يخرج من
صلبك رجل يقال
لـه: زيد، يقتل
شهيداً، فإذا
كان يوم
القيامة
يتخطى هو
وأصحابه رقاب
الناس ويدخل
الجنة([44]).
وعن
حذيفة بن
اليمان قال:
نظر رسول الله صلى
الله عليه
وسلم إلى زيد
بن حارثة،
فقال: المقتول
في الله
المصلوب في
أمتي
والمظلوم من
أهل بيتي سمي
هذا -وأشار
بيده إلى زيد
بن حارثة- فقال:
ادن مني يا
زيد، زادك
اسمك عندي
حباً، فأنت
سمي الحبيب من
أهل بيتي([45]).
وعن
محمد بن
الحنفية قال:
ليقتلن من ولد
الحسين رجل،
يقال لـه: زيد
بن علي،
وليصلبن
بالعراق، من
نظر إلى عورته
فلم ينصره
أكبه الله على
وجهه في النار([46]).
وعن
زين العابدين
قال: يخرج من
ولدي رجل يقال
له: زيد، يقتل
بالكوفة،
ويصلب
بالكناسة،
يُخرج من قبره
نبشاً، تفتح
لروحه أبواب
السماء،
يبتهج به أهل
السموات،
يجعل روحه في
حويصلة طير
خضر يسرح في
الجنة حيث
يشاء([47]).
وعن
أبي الجارود -وكان
رأس الزيدية-
قال: كنت عند
أبي جعفر
جالساً، إذ
أقبل زيد بن
علي، فلما نظر
إليه أبو جعفر
قال: هذا سيد
أهل بيتي،
والطالب
بأوتارهم([48]).
أما
الصادق فقد
جاء عنه في زيد
رحمه الله
الكثير، منها:
أنه لما جاءه
خبر استشهاده
بكى، وقال: مضى
والله زيد عمي
وأصحابه
شهداء مثلما
مضى عليه علي
بن أبي طالب
وأصحابه([49]).
وقال
فيه أيضاً: إنا
لله وإنا إليه
راجعون، عند
الله أحتسب
عمي، إنه كان
نِعم العم، إن
عمي كان رجلاً
لدنيانا
وآخرتنا، مضى
والله عمي
شهيداً
كشهداء
استشهدوا مع
رسول الله
وعلي والحسن
والحسين([50]).
وفرَّق
من ماله في
عيال من أصيب
معه من أصحابه
ألف دينار([51]).
وقال
في هشام الذي
قتله: إن الله
نزع منه الملك([52]).
وسأل أبا ولاد الكاهلي: رأيت عمي زيداً؟ ق