لم
يقتصر الجهل
بالأئمة
الاثني عشر
على الأصحاب
فحسب([1]) بل طال
أهلَ البيت،
فهذا يحيى بن
زيد بن علي زين
العابدين -رحمهم
الله- يقول:
سألت أبي عن
الأئمة؟ فقال:
الأئمة اثنا
عشر: أربعة من
الماضين
وثمانية من
الباقين، قلت:
فسمهم يا أبه؟
قال: أما
الماضون: فعلي
بن أبي طالب،
والحسن،
والحسين،
وعلي بن
الحسين، ومن
الباقين: أخي
الباقر،
وبعده جعفر
الصادق ابنه،
وبعده موسى
ابنه -ثم ذكر
بقية الأئمة-.
قال:
فقلت له: يا
أبه، ألست
منهم؟ قال: لا
ولكني من
العترة، قلت:
فمن أين عرفت
أساميهم؟ قال:
عهد معهود
عهده إلينا
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم([2]).
فتدبر
في الروايات
السابقة
وقارن بينها
وبين ما يدعيه
القوم من
النص، وانظر
هل يمكن
التوفيق
بينها، وهل
يستقيم خفاء
تلك النصوص
على المقربين؟
وهل يستقيم
القول باللطف
ووجوب معرفة
إمام الزمان
مع تعسر
معرفته إلا
بسؤال أو
تنبيه من إمام؟
فما مصير صلاة
وصيام وزكاة
وحج وسائر
أعمالِ مَن
جهل بهم حتى
يسأل أو يعلم؟
ولا
شك أنهم لم
يسألوا عن شهر
الصيام أو
الحج أو نصاب
الزكاة وعدد
ركعات العصر،
ولعلَّ ما
يخرجك من
الحيرة أو
يزيدها مزيد
من روايات
القوم.
عن
عبد الأعلى
مولى آل سام،
عن الصادق،
قال: إن أبي
استودعني ما
هناك، فلمَّا
حضرته الوفاة
قال: ادع لي
شهوداً،
فدعوت أربعة
من قريش، فيهم:
نافع مولى عبد الله بن
عمر، فقال:
اكتب: هذا ما
أوصى به يعقوب
بنيه: ((يَا
بَنِيَّ
إِنَّ
اللَّهَ
اصْطَفَى
لَكُمْ
الدِّينَ
فَلا
تَمُوتُنَّ
إِلاَّ
وَأَنْتُمْ
مُسْلِمُونَ))
[البقرة:132]،
وأوصى محمد بن
علي إلى جعفر
بن محمد،
وأمره أن
يكفنه في برده
الذي كان يصلي
فيه يوم
الجمعة، وأن
يعممه
بعمامته، وأن
يرفع قبره،
ويرفعه أربع
أصابع، وأن
يحل عنه
أطماره عند
دفنه، ثم قال
للشهود:
انصرفوا
رحمكم الله،
فقلت لـه: يا
أبت، ما كان في
هذا أن يشهد
عليه، فقال: يا
بني، كرهت أن
تغلب، وأن
يقال: لم يوصِ
إليه، وأردت
أن تكون لك
الحجة([3]).
أقول:
لم أقف على علة
الوصية هذه
والتي فيها
أمور لم يأخذ
بها القوم حتى
يومنا هذا،
ولا الإشهاد
عليها، ألم
يعلم الناس
وهؤلاء
الأربعة من
قريش أن رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم قد نصَّ
على الصادق
بعد أبيه، حتى
اضطر الباقر
إلى ذلك خشية
أن يغلب أو
يقال: لم يوصِ
إليه وتكون
الحجة له؟ وإن
لم تكن حجة
الله ورسوله
مجزئة فماذا
تكون حجة
الباقر؟ ثم
اسأل نفسك ما
هي هذه الحجة
التي كانت
للباقر أصلاً
وأرادها
لابنه؟
وعن
أبي عبيدة
الحذاء قال:
كنا زمن أبي
جعفر حين قبض
نتردد كالغنم
لا راعي لها،
فلقينا سالم
بن أبي حفصة،
فقال: يا أبا
عبيدة، من
إمامك؟ قلت:
أئمتي آل
محمد، فقال:
هلكت وأهلكت،
أما سمعت أنا
وأنت أبا جعفر
وهو يقول: من
مات ليس له
إمام مات ميتة
جاهلية؟ قلت:
بلى لعمري لقد
كان ذلك([4]).
ولا
أظن أن القارئ
يحتاج منا إلى
تعليق، فأطلق
العنان
لفكرك، وتدبر
في هذه
الرواية،
فستجدها
مليئة
بالشبهات
والدلائل.
والباقر
لم يسلم من
خروج إخوته
وأهله
وخلافهم
عليه، شأنه في
ذلك شأن بقية
الأئمة،
وسأورد عليك
بعضاً من تلك
الروايات،
ولن أحتاج
معها إلى
تعليق، وحسبك
أن تستحضر
عنوان كتابنا
هذا، ثم انظر
كيف توفق
بينها، أو إن
كنت تستطيع أن
تخرج منها
بالقول بالنص
أو عدمه؟
روى
القوم عن
الصادق أنه
قال: لما حضر
علي بن الحسين
الموت، قبل
ذلك أَخْرَج
السفط أو
الصندوق
عنده، فقال: يا
محمد، احمل
هذا الصندوق،
قال: فحمل بين
أربعة رجال،
فلما توفي جاء
إخوته يدعون
في الصندوق؟
فقالوا: أعطنا
نصيبنا من
الصندوق،
فقال: والله ما
لكم فيه شيء،
ولو كان لكم
فيه شيء ما
دفعه إليَّ،
وكان في
الصندوق سلاح
رسول الله
وكتبه([5]).
وعن
الباقر قال:
كان فيما أوصى
أبي إلي: إذا
أنا مت فلا يلي
غسلي أحد
غيرك، فإن
الإمام لا
يغسله إلا
إمام، واعلم
أن عبدالله
أخاك سيدعو
إلى نفسه
فدعه، فإن
عمره قصير([6]).
ونختم
ذلك بطامة
شبيهة بطامة
زين العابدين
وابن الحنفية:
يروي القوم عن
الصادق أنه
قال: كان زيد
بن الحسن
يخاصم أبي في
ميراث رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم، ويقول:
أنا من ولد
الحسن وأولى
بذلك منك،
لأني من ولد
الأكبر،
فقاسمني
ميراث رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم وادفعه
إلي، فأبى
أبي، فخاصمه
إلى القاضي،
فكان زيد معه
إلى القاضي،
فبينما هم
كذلك ذات يوم
في خصومتهم،
إذ قال زيد بن
الحسن لزيد بن
علي: اسكت يا
ابن السندية،
فقال زيد بن
علي: أف لخصومة
تذكر فيها
الأمهات،
والله لا
كلمتك
بالفصيح من
رأسي أبداً
حتى أموت،
وانصرف إلى
أبي، فقال: يا
أخي، إني حلفت
بيمين ثقة بك
وعلمت أنك لا
تكرهني ولا
تخيبني، حلفت
أن لا أكلم زيد
بن الحسن ولا
أخاصمه، وذكر
ما كان
بينهما،
فأعفاه أبي
واغتنمها زيد
بن الحسن،
فقال: يلي
خصومتي محمد
بن علي فأعتبه
وأؤذيه
فيعتدي علي،
فعدا على أبي،
فقال: بيني
وبينك
القاضي، فقال:
انطلق بنا،
فلما أخرجه
قال أبي: يا
زيد، إن معك
سكينة قد
أخفيتها،
أرأيتك إن
نطقت هذه
السكينة التي
تسترها مني
فشهدت أني
أولى بالحق
منك، أفتكف
عني؟ قال: نعم،
وحلف له بذلك،
فقال أبي:
أيتها
السكينة،
انطقي بإذن
الله، فوثبت
السكينة من يد
زيد بن الحسن
على الأرض، ثم
قالت: يا زيد،
أنت ظالم،
ومحمد أحق منك
وأولى، ولئن
لم تكف لألين
قتلك، فخر زيد
مغشياً عليه،
فأخذ أبي بيده
فأقامه، ثم
قال: يا زيد،
إن نطقت
الصخرة التي
نحن عليها
أتقبل؟ قال:
نعم، فرجفت
الصخرة التي
مما يلي
زيداً، حتى
كادت تفلق،
ولم ترجف مما
يلي أبي، ثم
قالت: يا زيد،
أنت ظالم،
ومحمد أولى
بالأمر منك،
فكف عنه وإلا
وليت قتلك،
فخر زيد
مغشياً عليه،
فأخذ أبي بيده
وأقامه، ثم
قال: يا زيد،
أرأيت إن نطقت
هذه الشجرة
وتسير إليَّ
أتكف؟ قال:
نعم، فدعا أبي
الشجرة
فأقبلت تخد
الأرض حتى
أظلتهم، ثم
قالت: يا زيد،
أنت ظالم،
ومحمد أحق
بالأمر منك،
فكف عنه وإلا
قتلتك، فغشي
على زيد، فأخذ
أبي بيده،
وانصرفت
الشجرة إلى
موضعها، فحلف
زيد أن لا يعرض
لأبي ولا
يخاصمه،
فانصرف وخرج
زيد من يومه
إلى عبد الملك
بن مروان،
فدخل عليه،
وقال: أتيتك من
عند ساحر كذاب
لا يحل لك
تركه، وقص
عليه ما رأى،
وكتب عبد
الملك إلى
عامل
المدينة، أن
ابعث إليَّ
محمد بن علي
مقيداً، وقال
لزيد: أرأيتك
إن وليتك قتله
قتلته؟ قال:
نعم([7]).
أهؤلاء
هم أهل البيت؟
أجيبوا أيها
الشيعة! ألا
يستقيم مدح
أحدهم إلا بذم
الآخر؟
وكما
ذكرت من قبل أن
هذه الروايات
لا تحتاج إلى
تعليق، ولكن
لا بأس بالقول:
إن أهل مكة
أدرى
بشعابها، كما
أود القول: إن
في الرواية
دليلاً على أن
السكاكين
والصخور
والأشجار لم
تكن تتكلم يوم
أن ادعى أبو
بكر رضي الله
عنه الإمامة
دون علي بن أبي
طالب رضي الله
عنه، ولا تنس -أيضاً-
أن عبد الملك
بن مروان هذا
هو الذي شكر
الله له وثبت
ملكه وزاد فيه
برهة كما مرَّ
بك، ولعل
إرساله في طلب
الباقر
مقيداً كان في
هذه البرهة
التي ذكرها
والده زين
العابدين.
افتراق
الشيعة بعد
وفاة الباقر:
قبل
أن أنتقل إلى
الإمام
التالي، أذكر
هنا موقف
الشيعة بعد
الباقر كما
ذكر ذلك القوم
أنفسهم:
يقول
النوبختي:
فلما توفي أبو
جعفر افترقت
أصحابه
فرقتين، فرقة
منها قالت
بإمامة محمد
بن عبد الله بن
الحسن بن
الحسن بن علي
بن أبي طالب،
الخارج
بالمدينة
المقتول بها،
وزعموا أنه
القائم، وأنه
الإمام
المهدي، وأنه
لم يقتل،
وقالوا: إنه حي
لم يمت، مقيم
بجبل يقال له:
العلمية، وهو
الجبل الذي في
طريق مكة ونجد
الحاجز عن
يسار الطريق
وأنت ذاهب إلى
مكة، وهو
الجبل
الكبير، وهو
عنده مقيم فيه
حتى يخرج، لأن
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم قال:
القائم
المهدي اسمه
اسمي، واسم
أبيه اسم أبي،
وكان أخوه
إبراهيم بن
عبدالله بن
الحسن، خرج
بالبصرة ودعا
إلى إمامة
أخيه محمد بن
عبدالله،
واشتدت
شوكته، فبعث
إليه المنصور
بالخيل،
فقُتل بعد
حروب كانت
بينهم، وكان
المغيرة بن
سعيد قال بهذا
القول لما
توفي أبو جعفر
محمد بن علي
وأظهر
المقالة
بذلك، فبرئت
منه الشيعة
أصحاب أبي
عبدالله جعفر
بن محمد
عليهما
السلام
ورفضوه، فزعم
أنهم رافضة،
وأنه هو الذي
سمَّاهم بهذا
الاسم، ونصب
بعض أصحاب
المغيرة
إماماً، وزعم
أن الحسين بن
علي أوصى
إليه، ثم أوصى
إليه علي بن
الحسين، ثم
زعم أن أبا
جعفر محمد بن
علي أوصى
إليه، فهو
الإمام إلى أن
يخرج المهدي،
وأنكروا
إمامة أبي
عبدالله جعفر
بن محمد،
وقالوا: لا
إمامة في بني
علي بن أبي
طالب بعد أبي
جعفر محمد بن
علي، وأن
الإمامة في
المغيرة بن
سعيد إلى خروج
المهدي، وهو
عندهم محمد بن
عبدالله بن
الحسن بن
الحسن وهو حي
لم يمت ولم
يقتل، فسموا
هؤلاء
المغيرية
باسم المغيرة
بن سعيد مولى
خالد بن
عبدالله
القسري، ثم
تراقى الأمر
بالمغيرة إلى
أن زعم أنه
رسول نبي، وأن
جبرئيل يأتيه
بالوحي من عند
الله، فأخذه
خالد بن
عبدالله
القسري فسأله
عن ذلك فأقر به
ودعا خالداً
إليه،
فاستتابه
خالد فأبى أن
يرجع عن قولـه
فقتله وصلبه،
وكان يدَّعي
أنه يحيي
الموتى، وكان
يقول
بالتناسخ،
وكذلك قول
أصحابه إلى
اليوم.
وأما
الفرقة
الأخرى من
أصحاب أبي
جعفر محمد بن
علي فنزلت إلى
القول بإمامة
أبي عبدالله
جعفر بن محمد،
فلم تزل ثابتة
على إمامته
أيام حياته
غير نفر يسير
منهم، فإنهم
لما أشار جعفر
بن محمد إلى
إمامة ابنه
إسماعيل، ثم
مات إسماعيل
في حياة أبيه،
رجعوا عن
إمامة جعفر،
وقالوا:
كَذبنا ولم
يكن إماماً؛
لأن الإمام لا
يكذب ولا يقول
ما لا يكون،
وحكموا على
جعفر أنه قال:
إن الله عز وجل
بدا له في
إمامة
إسماعيل،
فأنكروا
البداء
والمشيئة من
الله، وقالوا:
هذا باطل لا
يجوز، ومالوا
إلى مقالة
البترية
ومقالة
سليمان بن
جرير، وهو
الذي قال
لأصحابه بهذا
السبب: إن أئمة
الرافضة
وضعوا
لشيعتهم
مقالتين لا
يظهرون معهما
من أئمتهم على
كذب أبداً،
وهما: القول
بالبداء،
وإجازة
التقية، فأما
البداء فإن
أئمتهم لما
أحلوا أنفسهم
من شيعتهم محل
الأنبياء من
رعيتها في
العلم فيما
كان ويكون،
والإخبار بما
يكون في غد،
وقالوا
لشيعتهم: إنه
سيكون في غد
وفي غابر
الأيام كذا
وكذا، فإن جاء
ذلك الشيء على
ما قالوا،
قالوا لهم: ألم
نعلمكم أن هذا
يكون فنحن
نعلم من قبل
الله عز وجل ما
علمته
الأنبياء،
وبيننا وبين
الله عز وجل
مثل تلك
الأسباب التي
علمت بها
الأنبياء عن
الله ما علمت،
وإن لم يكن ذلك
الشيء الذي
قالوا إنه
يكون على ما
قالوا، قالوا
لشيعتهم: بدا
لله في ذلك
بكونه.
وأما
التقية فإنه
لما كثرت على
أئمتهم مسائل
شيعتهم وحفظ
عنهم شيعتهم
جواب ما
سألوهم
وكتبوه
ودونوه ولم
يحفظ أئمتهم
تلك الأجوبة
لتقادم العهد
وتفاوت
الأوقات؛ لأن
مسائلهم لم
ترد في يوم
واحد ولا في
شهر واحد بل في
سنين
متباعدة،
وأشهر
متباينة،
وأوقات
متفرقة، فوقع
في أيديهم في
المسألة
الواحدة عدة
أجوبة مختلفة
متضادة، وفي
مسائل مختلفة
أجوبة متفقة،
فلما وقفوا
على ذلك منهم
ردوا إليهم
هذا الاختلاف
والتخليط في
جواباتهم،
وسألوهم عنه
وأنكروه
عليهم؛
فقالوا: من أين
هذا
الاختلاف،
وكيف جاز ذلك؟
قالت أئمتهم:
إنما أجبنا
بهذا للتقية،
ولنا أن نجيب
بما أحببنا
وكيف شئنا،
لأن ذلك إلينا
ونحن نعلم بما
يصلحكم، وما
فيه بقاؤنا
وبقاؤكم، وكف
عدوكم عنا
وعنكم، فمتى
يظهر من هؤلاء
على كذب؟ ومتى
يعرف لهم حق من
باطل؟ فمال
إلى سليمان بن
جرير لهذا
القول جماعة
من أصحاب أبي
جعفر، وتركوا
القول بإمامة
جعفر([8]).
وذكر
النوبختي قبل
ذلك أن من
نزلوا على
القول بإمامة
أبي جعفر محمد
بن علي بن
الحسين باقر
العلم أقاموا
على إمامته
إلى أن توفي،
غيرَ نفرٍ
يسير منهم،
فإنهم سمعوا
رجلاً منهم
يقال له: عمر
بن رياح، زعم
أنه سأل أبا
جعفر عن مسألة
فأجابه فيها
بجواب، ثم عاد
إليه في عام
آخر فسأله عن
تلك المسألة
بعينها
فأجابه فيها
بخلاف الجواب
الأول، فقال
لأبي جعفر: هذا
خلاف ما
أجبتني في هذه
المسألة
العام
الماضي، فقال
له: إن جوابنا
ربما خرج على
وجه التقية،
فشكك في أمره
وإمامته،
فلقي رجلاً من
أصحاب أبي
جعفر يقال له:
محمد بن قيس،
فقال له: إني
سألت أبا جعفر
عن مسألة
فأجابني فيها
بجواب، ثم
سألته عنها في
عام آخر
فأجابني فيها
بخلاف جوابه
الأول، فقلت
لـه: لم فعلت
ذلك؟ فقال:
فعلته
للتقية، وقد
علم الله أني
ما سألته عنها
إلا وأنا صحيح
العزم على
التدين بما
يفتيني به
وقبوله
والعمل به،
فلا وجه
لاتقائه
إياي، وهذه
حالتي، فقال
له محمد بن قيس:
فلعله حضرك من
اتقاه؟ فقال:
ما حضر مجلسه
في واحدة من
المسألتين
غيري، لا،
ولكن جوابيه
جميعاً خرجا
على وجه
التبخيت، ولم
يحفظ ما أجاب
به في العام
الماضي
فيجيبَ
بمثله، فرجع
عن إمامته،
وقال: لا يكون
إماماً من
يفتي بالباطل
على شيء بوجه
من الوجوه،
ولا في حال من
الأحوال، ولا
يكون إماماً
من يفتي تقية
بغير ما يجب
عند الله، ولا
من يرخي ستره
ويغلق بابه،
ولا يسع
الإمام إلا
الخروج
والأمر
بالمعروف
والنهي عن
المنكر، فمال
بسببه إلى قول
البترية،
ومال معه نفر
يسير([9]).
ويحضرني
هنا قول صاحب
الحدائق في
التقية حيث
ذكر: فلم يعلم
من أحكام
الدين على
اليقين إلا
القليل؛
لامتزاج
أخباره
بأخبار
التقية([10]).
وفي
مكان آخر قال:
فإن جُلَّ
الاختلاف في
أخبارنا بل
كله عند
التأمل
والتحقيق
إنما نشأ من
التقية([11])،
حتى قال
الطوسي شيخ
الطائفة: لا
يكاد يتفق خبر
إلا وبإزائه
ما يضاده، ولا
يسلم حديث إلا
وفي مقابله ما
ينافيه.. إلى
أن ذكر أنه
وبسبب ذلك ترك
الكثير من
الشيعة
مذهبهم([12]).
موقف
الإمام جعفر
الصادق رحمه
الله وأصحابه
من النص:
وصلنا
إلى الحديث عن
الإمام
الصادق رحمه
الله
وأصحابه،
ولكن لا شك
أننا بوصولنا
إلى هنا قد
ابتعدنا
كثيراً عما
ذكرناه عن
الإمامة
ومنزلتها في
مقدمة هذا
الباب، لذا
أنصح القارئ
أن يمر مروراً
سريعاً عليها
حتى يقف على
أوجه الدلالة
فيما سيمر به.
ثم
لا تنس أن ما
ستقرؤه يكون
أشد انتشاراً
يوماً بعد يوم
إلى زماننا
هذا، أعني زمن
الصادق
المتوفى سنة (148)
هجرية، أي: بعد
مرور حوالي
قرن ونصف
القرن على
البعثة
النبوية على
صاحبها وآله
أفضل الصلاة
وأزكى
التسليم، مما
يدل على أن
خفاء أي نص من
النصوص
الآتية يقترب
من الاستحالة
إن لم يكن
مستحيلاً،
سواء على
الأعداء
الذين أخفوا
تلك النصوص
وتكتموا
عليها بزعم
القوم، أو على
الأئمة
وشيعتهم.
ولنشرع
في المقصود،
فنقول: لم يكن
أصحاب الصادق
بأفضل حالاً
من أصحاب أبيه
أو جده في
جهلهم
بالإمام
والأئمة، مما
يستوجب من ذلك
أن من مات على
ذلك مات ميتة
جاهلية، أو
مُنِي برد
أعماله وعدم
قبولها حتى
لحظة سؤاله،
ويبدو أن أمر
الجهل بالنص
هذا لم يغادر
أحداً من
أصحابه، بل
حتى وأهل بيته
كما سترى، إلا
أننا -وكما
ذكرنا- سنقتصر
على ذكر بعض
الأمثلة في كل
موضوع خشية
الإطالة
والإطناب.
عن
داود بن كثير
قال: قلت لأبي
عبدالله: جعلت
فداك، وقدمني
للموت قبلك،
إن كان كون
فإلى من؟ قال:
إلى ابني
موسى، فكان
ذلك الكون،
فوالله ما
شككت في موسى
طرفة عين قط،
ثم مكث نحواً
من ثلاثين
سنة، ثم أتيت
أبا الحسن
موسى، فقلت
لـه: جعلت
فداك، إن كان
كون فإلى من؟
قال: فإلى علي
ابني([13]).
ولا
نمل القارئ
بتعليقاتنا،
فأوجه
الدلالة
واضحة في
الرواية
ومثيلاتها.
عن
المفضل بن عمر
قال: دخلت على
سيدي جعفر بن
محمد، فقلت: يا
سيدي، لو عهدت
إلينا في
الخلف من بعدك؟
فقال لي: يا
مفضل، الإمام
من بعدي ابني
موسى([14]). وحسب
هذه الروايات
أن كل واحدة
منها تسقط
الأخرى.
وعن
إبراهيم
الكرخي قال:
دخلت على أبي
عبدالله،
فإني لجالس
عنده إذ دخل
أبو الحسن
موسى بن جعفر
وهو غلام،
فقمت إليه
فقبلته
وجلست، فقال
أبو عبدالله:
يا إبراهيم،
أما إنه صاحبك
بعدي([15]).
وعن
معاذ بن كثير،
قال: قلت لأبي
عبد الله: أسأل
الله الذي رزق
أباك منك هذه
المنزلة أن
يرزقك من عقبك
قبل الممات
مثلها، فقال:
قد فعل الله
ذلك، قلت: من
هو جعلت فداك؟
فأشار إلى
العبد
الصالح، وهو
راقد، فقال:
هذا الراقد،
وهو يومئذٍ
غلام، أي:
الكاظم([16]).
وعن
عبد الرحمن بن
الحجاج قال:
دخلت على جعفر
بن محمد في
منزلـه، وهو
في بيت كذا من
داره في مسجد
لـه وهو يدعو،
وعلى يمينه
موسى بن جعفر
يؤمن على
دعائه، فقلت
لـه: جعلني
الله فداك، قد
عرفت انقطاعي
إليك وخدمتي
لك، فمن ولي
الأمر بعدك؟
قال: يا عبد
الرحمن، إن
موسى قد لبس
الدرع فاستوت
عليه، فقلت له:
لا أحتاج
بعدها إلى شيء([17]).
ولم
أقف على فائدة
هذا الانقطاع
والخدمة مع
الجهل
بالأئمة.
عن
ابن حازم قال:
قلت لأبي
عبدالله: بأبي
أنت وأمي، إن
الأنفس يغدى
عليها ويراح،
فإذا كان ذلك
فمن؟ قال أبو
عبدالله: إذا
كان ذلك فهذا
صاحبكم، وضرب
بيده على منكب
أبي الحسن([18]).
وعن
صفوان
الجمال، قال:
سألت أبا
عبدالله عن
صاحب هذا
الأمر؟ قال:
صاحب هذا
الأمر لا يلهو
ولا يلعب،
وأقبل أبو
الحسن وهو
صغير ومعه
بهمة عناق
مكية، ويقول
لها: اسجدي
لربك، فأخذه
أبو عبدالله
وضمه إليه،
وقال: بأبي أنت
وأمي من لا
يلهو ولا يلعب([19]).
قارن
بين هذه
الرواية
ورواية محمد
بن مسلم: كنت
عند أبي جعفر
إذ دخل جعفر
ابنه وعلى
رأسه ذؤابة
وفي يده عصاه
يلعب بها،
فأخذه الباقر
وضمه إليه
ضماً، ثم قال:
بأبي أنت وأمي
لا تلهو ولا
تلعب([20]).
فتأمل
في الروايتين
وانظر
تناقضهما،
حيث نجد في
الأولى كيف أن
الصادق يرى أن
الإمام لا
يلهو ولا
يلعب، بينما
في الأخرى
نراه هو وفي
يده عصاه يلعب
بها.
وعن
عمر بن يزيد
قال: كنت عند
أبي عبدالله
وهو وجع
فولاَّني
ظهره ووجهه
إلى الحائط،
فقلت في نفسي:
ما أدري ما
يصيبه في مرضه
وما سألته عن
الإمام بعده،
فأنا أفكر في
ذلك إذ حوَّل
وجهه إليَّ،
فقال: إن الأمر
ليس كما تظن،
ليس من وجعي
هذا بأس([21]).
وعن
يحيى بن
إسحاق، عن
أبيه قال: دخلت
على أبي
عبدالله
فسألته عن
صاحب الأمر من
بعده، فقال لي:
صاحب البهمة،
وكان موسى
ناحية الدار
صبياً ومعه
عناق مكية،
وهو يقول لها:
اسجدي لله
الذي خلقك([22]).
وعن
سلمة بن محرز
قال: قلت لأبي
عبدالله: إن
رجلاً من
العجلية قال
لي: كم عسى أن
يبقى لكم هذا
الشيخ، إنما
هو سنة أو
سنتان حتى
يهلك ثم
تصيرون ليس
لكم أحد
تنظرون إليه؟
فقال أبو
عبدالله: ألا
قلت لـه: هذا
موسى بن جعفر،
قد أدرك ما
يدرك الرجال،
وقد اشترينا
له جارية تباح
له([23]).
والعجلية
إحدى فرق
الزيدية وهي
من ضعفائها،
وهم منسوبون
إلى هارون بن
سعيد العجلي،
ولك أن تسأل عن
ضلالة العجلي
هذا، بل وجهل
هارون بن سعيد
نفسه، وجهل
صاحبنا ابن
محرز الذي
أسقط في يده،
أما زيد
والزيدية
فسيأتي
بيانهم
قريباً.
وعن
نصر بن قابوس
قال: قلت لأبي
إبراهيم موسى
بن جعفر: إني
سألت أباك: من
الذي يكون
بعدك؟
فأخبرني أنك
أنت هو، فلما
توفي أبو
عبدالله ذهب
الناس يميناً
وشمالاً،
وقلت: أنا
وأصحابي بك،
فأخبرني من
الذي يكون
بعدك؟ قال:
ابني علي([24]).
ويشاركه
في قضيته هذه
أخوه نعيم بن
قابوس حيث
يقول: قال أبو
الحسن: علي
ابني، أكبر
ولدي،
وأسمعهم
لقولي،
وأطوعهم
لأمري، ينظر
معي في كتاب
الجفر
والجامعة،
وليس ينظر فيه
إلا نبي أو وصي
نبي([25]).
ولا
شك أن ما أخبره
به ليس أمراً
جديداً، إذ لا
حاجة إلى
تكرار ما هو
معلوم.
وعن
عيسى بن شلقان:
دخلت على أبي
عبدالله وأنا
أريد أن أسأله
عن أبي
الخطاب، فقال
لي مبتدئاً
قبل أن أجلس:
يا عيسى، ما
منعك أن تلقى
ابني فتسأله
عن جميع ما
تريد؟ قال
عيسى: فذهبت
إلى العبد
الصالح -فأجابه
مبتدئاً بكل
ما يريد- ثم
رجع إلى أبي
عبد الله،
فقال لـه: ما
صنعت يا عيسى؟
قلت لـه: بأبي
أنت وأمي،
أتيته
فأخبرني
مبتدئاً من
غير أن أسأله
عن جميع ما
أردت أن أسأله
عنه، فعلمت
والله عند ذلك
أنه صاحب هذا
الأمر، فقال:
يا عيسى، إن
ابني هذا الذي
رأيت لو سألته
عما بين دفتي
المصحف
لأجابك فيه
بعلم، ثم
أخرجه ذلك
اليوم من
الكتّاب،
فعلمت ذلك
اليوم أنه
صاحب هذا
الأمر([26]).
ولا
أدري أين يكون
ذلك اليوم من
ابن شلقان هذا؟
وعن
هشام بن سالم
قال: دخلت على
عبد الله بن
أبي عبدالله،
فسألته فلم أر
عنده شيئاً،
فدخلني من ذلك
ما الله به
عليم، وخفت
ألا يكون أبو
عبد الله ترك
خلفاً، فأتيت
قبر النبي صلى
الله عليه
وسلم، فجلست
عند رأسه أدعو
الله وأستغيث
به، ثم فكرت،
فقلت: أصير إلى
قول
الزنادقة، ثم
فكرت فيما
يدخل عليهم،
ورأيت قولهم
يفسد، ثم قلت:
لا، بل قول
الخوارج،
فآمر
بالمعروف،
وأنهى عن
المنكر،
وأضرب بسيفي
حتى أموت، ثم
فكرت في قولهم
وما يدخل
عليهم،
فوجدته يفسد،
ثم قلت: أصير
إلى المرجئة،
ثم فكرت فيما
يدخل عليهم،
فإذا قولهم
يفسد، فبينا
أنا أفكر في
نفسي وأمشي إذ
مرَّ بي بعض
موالي أبي
عبدالله،
فقال لي: أتحب
أن أستأذن لك
على أبي الحسن؟
فقلت: نعم،
فذهب فلم يلبث
أن عاد إليَّ،
فقال: قم وادخل
عليه، فلمَّا
نظر إليّ أبو
الحسن قال لي
مبتدئاً: يا
هاشم، لا إلى
الزنادقة،
ولا إلى
المرجئة، ولا
إلى القدرية،
ولكن إلينا،
قلت: أنت
صاحبي، ثم
سألته
فأجابني عما
أردت([27]).
ولا
أدري على ماذا
كان صاحبنا
قبل تفكيره في
هذه الفرق
والمذاهب،
والغريب أن له
مودة إلى آل
البيت
وانقطاع،
ولكن لا أعلم
لم غاب عنه أمر
لولاه لما خلق
الله عز وجل
هشام بن سالم،
وذلك باعتبار
أن الأئمة هم
علة خلق كل شيء
كما يزعم
القوم.
وعن
محمد بن فلان
الرافعي قال:
كان لي ابن عم
يقال له: الحسن
بن عبدالله،
وكان زاهداً،
وكان من أعبد
أهل زمانه،
وكان يلقاه
السلطان
وربما استقبل
السلطان
بالكلام
الصعب، يعظه
ويأمره
بالمعروف،
وكان السلطان
يحتمل له ذلك
لصلاحه، فلم
يزل هذه حاله
حتى كان يوماً
دخل أبو الحسن
موسى المسجد
فرآه فأدنى
إليه، ثم قال
له: يا أبا
علي، ما أحب
إلي ما أنت فيه
وأسرني بك إلا
أنه ليست لك
معرفة، فاذهب
فاطلب
المعرفة، قال:
جعلت فداك،
وما المعرفة؟
قال لـه: اذهب
وتفقه واطلب
الحديث، قال
عمن؟ قال: عن
فقهاء أهل
المدينة، ثم
اعرض عليَّ
الحديث، قال:
فذهب فتكلم
معهم ثم جاءه
فقرأه عليه
فأسقطه كله،
ثم قال له:
اذهب واطلب
المعرفة،
وكان الرجل
معنياً
بدينه، فلم
يزل يترصد أبا
الحسن حتى خرج
إلى ضيعة له،
فتبعه ولحقه
في الطريق،
فقال له: جعلت
فداك، إني
أحتج عليك بين
يدي الله
فدلني على
المعرفة، قال:
فأخبره بأمير
المؤمنين،
وقال له: كان
أمير
المؤمنين بعد
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم،
وأخبره بأمر
أبي بكر وعمر،
فقبل منه، ثم
قال: فمن كان
بعد أمير
المؤمنين؟
قال: الحسن
والحسين، حتى
انتهى إلى
نفسه، ثم سكت،
قال: جعلت
فداك، فمن هو
اليوم؟ قال: إن
أخبرتك تقبل؟
قال: بلى جعلت
فداك، فقال:
أنا هو، قال:
جعلت فداك،
فشيء أستدل به؟
قال: اذهب إلى
تلك الشجرة -وأشار
إلى أم غيلان-
فقل لها: يقول
لك موسى بن
جعفر: أقبلي،
قال: فأتيتها،
قال: فرأيتها
والله تجب
الأرض جبوباً
حتى وقفت بين
يديه، ثم أشار
إليها فرجعت([28]).
أقول:
لا أدري فيما
كان أعبد
وأزهد أهل
زمانه، وكيف
لم تقوداه إلى
معرفة
الإمامة
والأئمة حتى
اضطر الكاظم
أن يجعل أم
غيلان تجب
الأرض جبوباً.
وعلى
أي حال،
فالرواية لا
تخلو من
فوائد، منها:
1-
أن أم غيلان
يبدو أنها لم
تكن مطيعة زمن
الإمام
الأول، وإلا
لكان قد احتج
بها على
الخليفة
الأول.
2-
أن أحاديث
فقهاء
المدينة
رحمهم الله
كلها ساقطة.
وعن أبي إبراهيم الكوفي قال: دخلت على أبي عبد الله، فكنت عنده إذ دخل أبو الحسن موسى بن جعفر وهو غلام، فقمت إليه وقبَّلت رأسه وجلست، فقال لي أبو عبد الله: يا أبا إبراهيم، أَمَا إنه صاحبك من بعدي، أَمَا ليهلكن فيه أقوام ويسعد آخرون، فلعن الله قاتله وضاعف على روحه العذاب، أَمَا ليخرجن الله من صلبه خير أهل الأرض في زمانه... إلى أن قال: فدخل رجل من موالي بني أمية فانقطع الكلام، وعدت إلى أبي عبد الله خمس عشرة مرة أريد استتمام الكلام فما قدرت على ذلك، فلمَّا كان من قابل دخلت عليه وهو جالس، فقال لي: يا أبا إبراهيم، هو المفرج للكرب عن