الإمام زين العابدين وأصحابه والنص:

نبدأ حديثنا عن الإمام الرابع زين العابدين علي بن الحسين رحمه الله، وأصحابه وأهل بيته، وموقف هؤلاء من الإمامة والنص، بسرد هذه الرواية التي تعيد إلى أذهاننا مسألة السرية والكتمان في مسألة جاهلها لا يعذر، وأعمال منكرها لا تقبل، ولكن كما عودناكم سنقتصر على النصوص دون اللجوء إلى التفسيرات والتعليلات، حيث إن هذه النصوص في ذاتها تغني عن ذلك.

نشرع في المقصود فنقول:

روى القوم عن أحمد بن إبراهيم، قال: دخلت على حكيمة بنت محمد بن علي الرضا أخت أبي الحسن صاحب العسكر، فقلت: إلى من تفزع الشيعة؟ فقالت: إلى الجدة أم أبي محمد، فقلت: أقتدي بمن وصيته إلى امرأة؟ فقالت: اقتدِ بالحسين بن علي، والحسين بن علي أوصى إلى أخته زينب بنت علي في الظاهر، وكان ما يخرج عن علي بن الحسين من علم ينسب إلى زينب ستراً على علي بن الحسين.

وفي رواية عن الباقر: إن الحسين لما حضره الذي حضره دعا ابنته فاطمة الكبرى، فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصية ظاهرة، وكان علي بن الحسين مريضاً لا يرون أنه يبقى بعده، فلما قتل الحسين ورجع أهل بيته إلى المدينة، دفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين، ثم صار ذلك الكتاب والله إلينا([1]).

أقول: إذاً أين تلك النصوص كلها التي تقول: إن الإمامة بعد الحسين تكون في زين العابدين، وتلك القائلة: إن معرفة ذلك ركن من أركان الدين ولا يتم إيمان المؤمن إلا بها؟ وأين هو محل هذه الوصية -ظاهرة كانت أم باطنة- من أمر قد عُلِمَ مسبقاً فيمن تكون؟ ولِم لَمْ ينكر أحد من الشيعة جعل الوصاية إلى امرأة، حتى لو كانت زينب رضي الله عنها، أم فاطمة الكبرى على الخلاف الذي مرَّ بك في الروايتين، وهم يعلمون سلفاً بأن الأئمة مسمَّون بأسمائهم، وبوصية نزلت من السماء، وعهدٍ من رسول الله رجل فرجل مسمَّى حتى تنتهي إلى صاحبها، وليس للإمام أن يرويها عمن يكون من بعده، كما مرَّ بك؟

وعلى ذكر ما جاء في الرواية بأنهم لا يرون أن زين العابدين يبقى بعده، فقد كان للحسين موقف شبيه بموقف جده من وصييه، وأبيه منه ومن أخيه صلوات الله عليهم أجمعين، هذا الموقف هو افتراض موت اللاحق قبل السابق.

ففي فاجعة كربلاء خرج زين العابدين وكان مريضاً لا يقدر أن يقل سيفه وأم كلثوم تنادي خلفه: يا بني، ارجع، فقال: يا عمتاه، ذريني أقاتل بين يدي ابن رسول الله، فقال الحسين رضي الله عنه: يا أم كلثوم، خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل رسول الله صلى الله عليه وسلم([2]).

فهل غاب عنه رضي الله عنه أن زين العابدين سيكون الإمام من بعده نصاً من الله ورسوله، وأن الأرض لا تخلو من حجة من آل الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا لساخت.

والغريب أن زين العابدين كان جاهلاً بكل أحداث كربلاء، حتى بينت له ذلك زينب بنت علي رضي الله عنها، وعزَّته وسلَّته وبشرته بدرجات الشهداء([3]).

وعلى أي حال، نشرع في بيان موقف الأصحاب من الإمامة والنص، فنقول: روى القوم عن الباقر أنه قال: كان أبو خالد الكابلي يخدم محمد بن الحنفية دهراً، وما كان يشك في أنه إمام حتى أتاه ذات يوم، فقال لـه: جعلت فداك، إن لي حرمة ومودة وانقطاعاً، فأسألك بحرمة رسول الله وأمير المؤمنين إلا أخبرتني، أأنت الإمام الذي فرض الله طاعته على الخلق؟

وفي موضع آخر: قال لعلي بن الحسين: الحمد لله الذي لم يمتني حتى عرفت إمامي، فقال له علي بن الحسين: وكيف عرفت إمامك يا أبا خالد؟ قال: إنك دعوتني باسمي الذي سمتني أمي التي ولدتني، وقد كنت في عمياء من أمري، ولقد خدمت محمد بن الحنفية دهراً من عمري، ولا أشك إلا وأنه إمام([4]).

فاسأل نفسك: كيف خفي على رجل كهذا، وهو من الثلاثة الذين لم يرتدوا بعد قتل الحسين رضي الله عنه -بزعم القوم([5])- كيف خفي عليه أمر الإمام وهو يعرف أنه لابد من إمام مفروض الطاعة على الخلق، وكان لصيقاً بأهل البيت ومن شيعتهم؟

على أي حال، سنوقفك قريباً على علة جهله بهذا الأمر رغم خدمته دهراً من عمره لابن الحنفية، وهو عم زين العابدين، ولا شك أنه يعرف أن إيمان العبد ومدار قبول أعماله متوقف على القول بإمامة أبيه أمير المؤمنين رضي الله عنه، وأخويه: الحسن والحسين، وابن أخيه، وبقية الأئمة، وهو يعرف أن خادمه هذا ضال بجهله بالإمام، بل وكافر لتوليه إماماً ليس من الله، أي: ابن الحنفية.

ثم ها هو -أي: الكابلي- ينتقل إلى خدمة إمامه بعد أن عرفه وأنقذ نفسه من النار، وضمن قبول أعماله وطاعاته، نراه يلاحقه بتلك الأسئلة، فيقول: دخلت على سيدي علي بن الحسين زين العابدين، فقلت له: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبرني بالذين فرض الله طاعتهم ومودتهم، وأوجب على خلقه الاقتداء بهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إلى تمام الرواية، وفيها ذكر زين العابدين للأئمة([6]).

ويبدو الأمر طبيعياً حيث سؤاله، ولكن يبدو أنه نسي كل ذلك، فتراه يسأل زين العابدين: من الحجة والإمام بعدك؟ فقال: ابني محمد([7]).

ولا أدري إن كان قد اقتنع بكل ما مر أو أنه نسي مرة أخرى، وذهب إلى إمامه وهو في محرابه، وانتظره حتى فرغ من صلاته ليكرر عليه السؤال، حيث يقول: دخلت على علي بن الحسين وهو جالس في محرابه، فجلست حتى انثنى وأقبل عليَّ بوجهه يمسح يده على لحيته، فقلت: يا مولاي، أخبرني كم يكون الأئمة بعدك؟ قال: ثمانية، قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأن الأئمة بعد رسول الله اثنا عشر إماماً عدد الأسباط([8]). ولا أدري كيف صبر عليه الإمام إلى هذا الحد.

وآخر هو عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، قال: كنت عند الحسين بن علي، إذ دخل علي بن الحسين الأصغر، فدعاه الحسين وضمه إليه ضماً، وقبَّل ما بين عينيه، ثم قال: بأبي أنت ما أطيب ريحك وأحسن خلقك!

فتداخلني من ذلك، فقلت: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله، إن كان ما نعوذ بالله أن نراه فيك فإلى من؟ قال: علي ابني، هذا هو الإمام أبو الأئمة، قلت: يا مولاي، هو صغير السن؟ قال: نعم، إن ابنه محمداً يؤتم به وهو ابن تسع سنين([9]).

وفي الرواية إشكال آخر، وهو كون الإمام هو علي الأصغر، إذ المعروف أنه استشهد مع أبيه الحسين في كربلاء، وهكذا شأن الكثير من أصحابه، ولا بأس من ذكر أمثلة أخرى.

عن زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه قال: بينا أبي مع بعض أصحابه إذ قام إليه رجل، فقال: يا ابن رسول الله، هل عهد إليكم نبيكم كم يكون بعده أئمة؟([10])

ولا يفوتك أن تتأمل في قولـه: مع بعض أصحابه!

وعن أخيه الحسين بن علي بن الحسين رضي الله عنه: سأل رجل أبي عن الأئمة؟ فقال: اثنا عشر، سبعة من صلب هذا، ووضع يده على كتف أخي محمد([11]).

ومنهم من ظن أن أباه هو المهدي، فعن عيسى الخشاب قال: قلت للحسين بن علي: أنت صاحب هذا الأمر؟ قال: لا([12]).

خلاف أهل البيت مع زين العابدين رحمه الله:

على أي حال، نكتفي بذكر حال أصحابه المقربين خشية الإطالة، ونقترب إلى حال أهل بيته وهم من لا يفترض أن يغيب عنهم أو يخفى عليهم أمر لولاه لما خلق الله شيئاً، ولو أن أحداً منهم صف رجليه بين الركن والمقام وعبد ربه هناك ألف عام ثم ألف عام ما تقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يقول بالإمام، فذكرهم أبلغ في المقصود.

فها هو ابنه عمر بن علي زين العابدين يسأل أباه -كما يزعم القوم- عن علة تسمية أخيه الباقر بهذا الاسم؟ فيرد عليه أبوه: يا بني، إن الإمامة في ولده إلى أن يقوم قائمنا، فيملأها قسطاً وعدلاً، وإنه الإمام، وأبو الأئمة، ومعدن الحلم، وموضع العلم، يبقره بقراً، والله لهو أشبه الناس برسول الله، فقال: فكم الأئمة بعده.. الرواية([13]).

كيف رضي أن يبقى ابنه جاهلاً بأعظم أركان الدين دون أن يبين لـه حتى كان هو الذي سأله، أو كان تاركه يموت على ضلالة لو لم يكن قد سأله، وعمر هذا قال عنه المفيد: وكان عمر بن علي بن الحسين فاضلاً جليلاً، وولي صدقات النبي صلى الله عليه وآله وصدقات أمير المؤمنين عليه السلام، وكان ورعاً سخياً، وقد روى داود بن القاسم، قال: حدثنا الحسين بن زيد، قال: رأيت عمي عمر بن علي بن الحسين يشترط على من ابتاع صدقات علي عليه السلام أن يثلم في الحايط كذا وكذا ثلمة، ولا يمنع من دخله أن يأكل منه([14]).

وعن جرير القطان قال: سمعت عمر بن علي بن الحسين يقول: المفرط في حبنا كالمفرط في بغضنا، لنا حق بقرابتنا من جدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق جعله الله لنا، فمن تركه ترك عظيماً، أنزلونا بالمنزل الذي أنزلنا الله به، ولا تقولوا فينا ما ليس فينا، إن يعذبنا الله فبذنوبنا، وإن يرحمنا الله فبرحمته وفضله([15]).

ولعل في قولـه: أنزلونا بالمنزل الذي أنزلنا الله به، ولا تقولوا فينا ما ليس فينا، ما يزيل شبهة عدم علمه بالأئمة، واللبيب بالإشارة يفهم.

وعلى أي حال، فقبل أن أنتقل إلى حديث آخر أود ألا يفوتك اسم صاحبنا هذا -أي: عمر بن علي- فتدبر وجهة الدلالة، ولنا مع مثل هذا وقفات في كتابنا هذا ستجدها في حينها إن شاء الله.

وهذا عمر آخر، وهو عمه، سترى أنه لم ينكر إمامته فحسب، بل ورأى منازعته في الصدقات، فقد روى القوم أن عمر بن علي خاصم علي بن الحسين إلى عبد الملك في صدقات النبي صلى الله عليه وسلم وأمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا ابن المصدق وهذا ابن ابن، فأنا أولى بها منه، فتمثل عبد الملك بقول ابن أبي الحقيق:

لا تجعل الباطل حقّا ولا           تلطّ دون الحقّ بالباطل

ادعاء محمد بن علي بن أبي طالب [ابن الحنفية] رحمه الله للإمامة:

قبل أن أنتقل إلى الكلام عن الإمام الباقر وأصحابه، أختم حديثي عن زين العابدين برواية القوم هذه.

تقول الرواية: إنه لما قتل الحسين بن علي أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين فخلا به، وقال له: قد قتل أبوك ولم يوص، وأنا عمك وصنو أبيك، وولادتي من علي في سني وقدمتي، وأنا أحق بها منك في حداثتك، لا تنازعني في الوصية والإمامة ولا تجانبني، فقال له علي بن الحسين: يا عم، اتق الله ولا تدّع ما ليس لك بحق، إني أعظك أن تكون من الجاهلين، إن أبي -يا عم- قد أوصى إليَّ في ذلك قبل أن يتوجه إلى العراق، وعهد إليَّ في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وهذا سلاح رسول الله عندي، فلا تتعرض لهذا فإني أخاف عليك نقص العمر وتشتت الحال، إن الله تبارك وتعالى لما صنع الحسن مع معاوية ما صنع أبى أن يجعل الوصية والإمامة إلا في عقب الحسين، فإن رأيت أن تعلم ذلك فانطلق بنا إلى الحجر الأسود حتى نتحاكم إليه ونسأله عن ذلك، قال أبو جعفر: وكان الكلام بينهما بمكة، فانطلقا حتى أتيا الحجر، فقال علي بن الحسين لمحمد بن الحنفية: ائته يا عم وابتهل إلى الله تعالى أن ينطق لك الحجر، ثم سله عما ادعيت، فابتهل في الدعاء وسأل الله ثم دعا الحجر، فلم يجبه، فقال علي بن الحسين: أما إنك يا عم لو كنت وصياً وإماماً لأجابك، فقال له محمد: فادع أنت يا ابن أخي فاسأله، فدعا الله علي بن الحسين بما أراده، ثم قال: أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء والأوصياء وميثاق الناس أجمعين لما أخبرتنا مَن الإمام والوصي بعد الحسين؟ فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثم أنطقه الله بلسان عربي مبين، فقال: اللهم إن الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي إلى علي بن الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله.

وفي رواية: عن أبي بجير -عالم الأهواز- وكان يقول بإمامة ابن الحنفية، قال: حججت فلقيت إمامي، وكنت يوماً عنده، فمرَّ به غلام شاب فسلم عليه، فقام فتلقاه وقبَّل ما بين عينيه وخاطبه بالسيادة، ومضى الغلام وعاد محمد إلى مكانه، فقلت له: عند الله أحتسب عنائي، فقال: وكيف ذاك؟ قلت: لأنا نعتقد أنك الإمام المفترض الطاعة تقوم تتلقى هذا الغلام وتقول له: يا سيدي؟ فقال: نعم، هو والله إمامي، فقلت: ومن هذا؟ قال: علي ابن أخي الحسين، اعلم أني نازعته الإمامة ونازعني، فقال لي: أترضى بالحجر الأسود حكماً بيني وبينك؟ فقلت: وكيف نحتكم إلى حجر جماد؟ فقال: إن إماماً لا يكلمه الجماد فليس بإمام، فاستحييت من ذلك، وقلت: بيني وبينك الحجر الأسود، فقصدنا الحجر... فذكر القصة([16]).

وفي أخرى: عن أبي خالد الكابلي، قال: دعاني محمد بن الحنفية بعد قتل الحسين ورجوع علي بن الحسين إلى المدينة وكنا بمكة، فقال: صر إلى علي بن الحسين، وقل له: إني أكبر ولد أمير المؤمنين بعد أخويَّ الحسن والحسين، وأنا أحق بهذا الأمر منك، فينبغي أن تسلمه إلي، وإن شئت فاختر حكماً نتحاكم إليه، فصرت إليه وأديت رسالته، فقال: ارجع إليه، وقل له: يا عم، اتق الله ولا تدّع ما لم يجعله الله لك، فإن أبيت فبيني وبينك الحجر الأسود، فمن أجابه الحجر فهو الإمام... إلى آخر القصة([17]).

هذا غير منازعته له في الصدقات، فعن سفيان بن عيينة، قال: قيل للزهري: من أزهد الناس؟

قال: علي بن الحسين حيث كان، وقد قيل له فيما بينه وبين محمد بن الحنفية من المنازعة في صدقات علي بن أبي طالب: لو ركبت إلى الوليد بن عبد الملك ركبة لكشف عنك من غرر شره وميله عليك بمحمد، فإن بينه وبينه خلة، قال: وكان هو بمكة والوليد بها، فقال: ويحك! أفي حرم الله أسأل غير الله عز وجل؟ إني آنف أن أسأل الدنيا خالقها، فكيف أسألها مخلوقاً مثلي؟

وقال الزهري: لا جرم أن الله عز وجل ألقى هيبته في قلب الوليد حتى حكم له على محمد بن الحنفية([18]).

وفي رواية: عن ابن غندر قال: جاء مال من خراسان إلى مكة، فقال محمد بن الحنفية: هذا المال لي وأنا أحق به، فقال علي بن الحسين: بيني وبينك الصخرة، فأتيا الصخرة، فكلمها ابن الحنفية فلم تنطق، فكلمها علي بن الحسين فنطقت، وقالت: المال مالك وأنت الوصي ابن الوصي، والإمام ابن الإمام، فبكى محمد، وقال: يا ابن أخي ظلمتك([19]).

فهذه بعض مواقف ابن الحنفية من زين العابدين رحمهما الله، ولكن قبل الشروع في التعليق على هذه الروايات، أود أن أذكر هنا نبذة وجيزة عن منزلة ابن الحنفية:

قال الصدوق: كان محمد مورداً لعطف أمير المؤمنين -يعني: علياً رضي الله عنه- وشفقته، وقال: فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان -وأومأ بيده إلى الحسن والحسين- فينقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وذريته من أمته، ومخافة أن يقتل هذا وهذا، وأومأ بيده إلى عبدالله بن جعفر، ومحمد بن الحنفية([20]).

وقال ابن شهر آشوب: وجعله أمير المؤمنين في حرب صفين مع محمد بن أبي بكر وهاشم المرقال على ميسرة العسكر، وجعل الحسن والحسين ومسلم بن عقيل وعبد الله بن جعفر على الميمنة([21]).

وأعطاه أمير المؤمنين الراية يوم البصرة، وقال له: أنت ابني حقاً([22])، وغيرها([23]).

نرجع إلى روايتنا فنقول: لو لم يكن في كتابنا سوى هذه الرواية فهي حسبه، فقول ابن الحنفية: قد قتل أبوك ولم يوصِ، ورد زين العابدين: إن أبي يا عم أوصى إليَّ في ذلك، من أعظم الدلالات على بطلان كل ما مرَّ بك من القول بالنص على الاثني عشر، ويكفيك عدم احتجاجه بذلك، وإلا كان حسبه القول: يا عم، إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على الأئمة من بعده، وعينهم بأسمائهم، وأنه لولاهم لما خلق الله شيئاً وأنت منهم، ولا قبل أعمال العباد وأنت منهم إلا باعتقاد إمامتهم... وهكذا، إلى ذكر كل ما مرَّ بك في مقدمة هذا الباب، بدلاً من قولـه: إن أبي -يا عم- أوصى إليَّ في ذلك قبل أن يتوجه إلى العراق، وعهد إليَّ في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وإن كنا لا نرى توجيهاً لعهد الحسين رضي الله عنه هذا لذات العلة.

ثم إن احتجاجه بعامل السن رغم كون زين العابدين قد جاوز العشرين سنة لا يخلو من علة، وهي أهمية هذا العامل في مثل هذه المسائل، وما دمنا قد تطرقنا إلى هذه المسألة فلا أرى بأساً من ذكر بعض الدلائل التي تشير إلى أهمية ذلك، فزين العابدين نفسه لم يرَ في سن ابنه الباقر ما يجعله أهلاً للمحرمية، وذلك عندما أمر يزيد بقتله كما يروي القوم، فقال زين العابدين: فإذا قتلتني فبنات رسول صلى الله عليه وسلم من يردهن إلى منازلهن وليس لهن محرم غيري؟ فقال: أنت تردهن إلى منازلهن([24]).

وكان الباقر حينذاك لم يتجاوز الرابعة من العمر، ناهيك أن افتراض مقتله يقتضي أن يتولى أمر المؤمنين من لم يبلغ الخامسة من عمره، لذا يروي القوم أنه -أي: الباقر- تكلم بعد موت أبيه بسبع سنين([25]).

أي: أن الأرض تركت من غير حجة يفزع الناس إليها في حلالهم وحرامهم كما تقتضيه مسألة اللطف عند القوم.

والغريب أن القوم يقولون: إن الشيعة لم تعرف الحلال أو الحرام حتى تكلم الباقر([26]).

أهمية عامل السن في متولي الخلافة:

وعلى أي حال، ليس هذا موضوعنا، ونعود إلى مسألة السن، فقضية السن قضية فطرية أزلية لا يكاد يختلف فيها اثنان، ولا ينتطح فيها كبشان، فمنذ بدء الخليقة وهذا الاعتبار آخذ مأخذه.

فقد ذكر القوم: أن قابيل أتى هبة الله، فقال: إن أبي أعطاك العلم الذي كان عنده وأنا أكبر منك وأحق به منك.

وفي رواية: إن الله تبارك وتعالى أوصى إلى آدم أن يدفع الوصية واسم الله الأعظم إلى هابيل، وكان قابيل أكبر منه، فبلغ ذلك قابيل فغضب، فقال: أنا أولى بالكرامة والوصية([27]).

وتستمر هذه القضية، فها هم بنو إسرائيل ينكرون على داود عليه السلام استخلافه سليمان لصغر سنه([28]).

ولا يكاد يخلو عصر من العصور من اعتقاد الناس بعامل السن هذا، ففي عصر الرسول صلى الله عليه وسلم يروي القوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس: قم من مكان علي؟ فقال: تقيم الشيخ وتجلس الغلام، فأعادها عليه ثلاث مرات، فقام العباس فنهض مغضباً، وجلس عليٌّ مكانه، فقال رسول الله: يا عباس، يا عم رسول الله، لا أخرج من الدنيا وأنا ساخط عليك فيدخلك سخطي عليك النار، فرجع فجلس([29])، مما يوحي إليك بتقديم اعتبار السن حتى لو أدَّى ذلك إلى سخط رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب ما يعتقدون.

وها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قصة الكهف يرى ما تقدم، ففي روايات أوردها القوم في كتبهم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً رضي الله عنهم إلى أهل الكهف -في قصة طويلة- فيها أن علي بن أبي طالب قال لأبي بكر رضي الله عنهما: يا أبا بكر، سلِّم فإنك أسننا، وكذلك قولـه لعمر.

وفي رواية: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: وتقدم أنت يا أبا بكر فإنك أسن القوم، ثم عمر، ثم عثمان([30]).

وكان علي رضي الله عنه يحتج ويعتذر بهذا، حتى يوم أن أرسله النبي صلى الله عليه وسلم بسورة براءة، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك خطيب وأنا حديث السن، فقال: لابد أن تذهب بها أو أذهب بها، قال: أما إذا كان كذلك فأنا أذهب يا رسول الله، قال: اذهب فسوف يثبت الله لسانك، ويهدي قلبك([31]).

كل هذا في تبليغ سورة إلى مكة لا قرآن إلى أمة.

وبعدها لما أرسله إلى اليمن، قال: بعثني رسول الله إلى اليمن، فقلت: بعثتني يا رسول الله وأنا حدث السن لا أعلم بالقضاء([32]).

فأنت ترى أن ذلك رغم كونه في السنة العاشرة من الهجرة، وجاوز الأمير الثلاثين، ومع هذا لم ير التغاضي عن صغر سنه، أو إقراره بجهله بالقضاء، وكل هذا في توليه جزءاً صغيراً من العالم الإسلامي الذي عليه أن يكون أميراً عليها بعد أشهر قليلة من هذه الحادثة.

ولعل هذا ينسجم تماماً مع قول أبي عبيدة رضي الله عنه له يوم البيعة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا الحسن، إنك حدث السن، وهؤلاء مشيخة قريش ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور([33]).

وكذا كان الأمر في أولاده، فلا زال يحتج أهل البيت بعضهم على بعض بهذا العامل حتى ولو كان الفارق عاماً واحداً مما ينبئك بأنه أمر لا يمكن التغاضي عنه.

يروي القوم عن الربيع بن عبدالله أنه قال: وقع بيني وبين عبدالله بن الحسن كلام في الإمامة، فقال عبدالله بن الحسن: إن الإمامة في ولد الحسن والحسين، فقلت: بل في ولد الحسين إلى يوم القيامة دون ولد الحسن، فقال لي: وكيف صارت في ولد الحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة، وهما في الفضل سواء، إلا أن للحسن على الحسين فضلاً بالكبر، وكان الواجب أن تكون الإمامة إذن في ولد الأفضل([34])؟

هذا مع العلم بأن بين الحسن والحسين رضي الله عنهما طهر واحد فقط، ويؤيد ذلك روايتهم عن الصادق: نزل أمر الحسن والحسين معاً، فتقدمه الحسن بالكبر([35]).

ونراه مرة أخرى يجادل الصادق في ذات المسألة، ويقول له: جعلت فداك، إن السن لي عليك، فإن في قومك من هو أسن منك([36]).

وهذا عبد الله بن جعفر الصادق نراه يدَّعي الإمامة بعد وفاة أبيه على أساس السن، محتجاً بأنه أكبر أولاد الصادق بعد أخيه إسماعيل الذي توفي في حياة أبيه، وقد اتبعه جماعة من الشيعة من أصحاب الصادق، وإن عاد أكثرهم عن القول بإمامته([37])، والإمام الكاظم رحمه الله كان يومها في العشرين من عمره([38]).

ثم ها هو حفيده الإمام الجواد رحمه الله، يتولى إمرة المسلمين -بزعم القوم- وعمره لم يتجاوز على اختلاف الروايات التاسعة([39])، حتى روى القوم في ذلك أن الناس أنكروا عليه حداثة سنه([40]).

وعندما أراد هو أن يوصي إلى ابنه الإمام الهادي استصغره([41]).

ولم أقف على علة الوصية وكذا الاستصغار في أمرٍ أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم في وصية مكتوبة فيها أسماء الأئمة بعده، كما مرَّ بك بزعم القوم.

رغم هذا فالهادي رحمه الله تولَّى الإمامة وله من العمر ست سنين وخمسة أشهر([42]). ونراه يقول لابنه العسكري: يا بني، أحدث لله شكراً، فقد أحدث فيك أمراً([43]).

أي: جعلك إماماً بموت أخيك محمد، ولنا مع هذه الرواية مقال في حينه.

أما المهدي فهو أمر آخر نرجئه إلى حينه.

ولا شك أن هذه الروايات وغيرها كثير لم نذكرها، تحمل في طياتها أموراً كثيرة لم تخف علينا، ولا أظن أن القارئ اللبيب قد يفوته منها شيء، ولكن أعرضنا عن ذكرها هنا خشية التكرار، إذ إننا سنأتي على التعليق عليها في أماكنها، ولكن اقتصرنا هنا على إيراد موضع الشاهد منها وهو أهمية عامل السن([44]).

نŸ