مبايعة الحسن لمعاوية وإنكار الكثير من أصحابه عليه ذلك ورجوع جماعة من الشيعة عن القول بالإمامة ودخولهم في مقالة جمهور الناس:

كان من مواقف الحسن رضي الله عنه أن رجع جماعة من أصحابه عن القول بإمامته، فدخلوا في مقالة جمهور الناس([1]).

وقبل ذلك كله نرى -أو يرينا القوم- أن مسألة افتراض موت أو قتل اللاحق تتكرر هنا أيضاً، فها هو أبوه رضي الله عنه يقول في معركة صفين: فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان -وأومأ بيده إلى الحسن والحسين- فينقطع نسل رسول الله وذريته من أمته([2]).

وتكررت المسألة في وصيته رضي الله عنه حيث يقول: وإن حدث بحسن حدث وحسين حي فإنه إلى -وفي لفظ: من قام بالأمر بعده- الحسين بن علي([3]).

وعلى ذكر الوصية، فقد روى القوم عن الباقر، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه جمع بنيه وهم اثنا عشر ذكراً، فقال لهم: إن الله أحب أن يجعل فِيَّ سنة من يعقوب؛ إذ جمع بنيه وهم اثنا عشر ذكراً، فقال لهم: إني أوصي إلى يوسف فاسمعوا لـه وأطيعوا، وأنا أوصي إلى الحسن والحسين فاسمعوا لهما وأطيعوا، فقال لـه عبد الله ابنه: دون محمد بن علي؟ يعني: ابن الحنفية، فقال له: أجرأة عليّ في حياتي؟([4])

فها هو ابن الخليفة والوزير ويوم الدار والغدير يعترض عليه حتى استوجب غضبه، ذاهلاً عن أن هؤلاء قد نص الله على إمامتهم قبل ملايين السنين، وقديماً قالوا: أهل البيت أدرى بما فيه، ولعلنا نلتمس له العذر في هذا الالتباس ما دام أبوه رضي الله عنه قد أوصى في أمرٍ هو تحصيل حاصل، وذلك للفراغ منه بكل ما أوردناه من قبل، وكذا صمت الأحد عشر الآخرين، وعلى رأسهم: السبطان رضي الله عنهما؛ بل كيف لا نعذره ونحن نجد القوم يقولون: إن الحسن رضي الله عنه - الذي احتج عبدالله على أبيه بسببه وأخيه دون ابن الحنفية - سأل جده صلى الله عليه وسلم عن الأئمة بعده([5]).

وعلى أي حال، فتأخر تاريخ هذه الرواية واضح فتدبّر.

  روايات من طرق الشيعة تدل على عدم علم الحسين رضي الله عنه بالنص على افتراضه وأخرى على جهله بكون النبي صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء:

أما شأن الحسين رضي الله عنه فأَعْجَب! فقد روى القوم عنه أنه لما أنزل الله تبارك وتعالى: ((وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ)) [الأنفال:75] قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تأويلها؟ فقال: والله ما عنى بها غيركم وأنتم أولو الأرحام، فإذا مت فأبوك علي أولى بي وبمكاني، فإذا مضى أبوك فأخوك الحسن أولى به، فإذا مضى الحسن فأنت أولى به، قلت: يا رسول الله، فمن بعدي أولى بي؟

وفي رواية: يا رسول الله، من بعدي؟([6])

وروى القوم عنه -أيضاً- أنه رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله وهو متفكر مغموم، فقلت: يا رسول الله ما لي أراك متفكراً؟ فقال: يا بني، إن الروح الأمين قد أتاني، فقال: يا رسول الله؛ العلي الأعلى يقرئك السلام، ويقول لك: إنك قد قضيت نبوتك، واستكملت أيامك، فاجعل الاسم الأكبر، وميراث العلم، وآثار علم النبوة عند علي بن أبي طالب، فإني لا أترك الأرض إلا وفيها عالم تعرف به طاعتي وتعرف به ولايتي، فإني لم أقطع علم النبوة من الغيب من ذريتك كما لم أقطعها من ذريات الأنبياء الذين كانوا بينك وبين أبيك آدم، قلت: يا رسول الله، فمن يملك هذا الأمر بعدك؟ قال: أبوك علي بن أبي طالب أخي وخليفتي([7]).

ولن أجدني مضطراً إلى بيان تأخر هذه الرواية وقربها من وفاته صلى الله عليه وسلم، أو بيان كيف خفي النص حتى هذا الوقت، فهو أمر قد اصطحبته معك من أول الكتاب وعبر كل الروايات السابقة، ولكن لا يفوتني أن أبدي حيرتي وتعجبي من سؤاله رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم عمن يملك هذا الأمر بعده، رغم ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم لقول جبرئيل: فاجعل الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة عند علي بن أبي طالب، وكأن واضع الرواية يريد أن يقول: إن الحسين رضي الله عنه لم يفهم أن من جعل عنده كل هذا فإنه أولى بالإمامة، وأعجب من سؤاله هذا سؤاله للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل يكون بعدك نبي؟([8])

فمن جهل بكون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والرسل، فجهله بالإمام من بعده أولى، ولكن أن يخبرنا القوم أن ذلك صدر منه رضي الله عنه وهو من الأئمة المنصوص عليهم من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بزعمهم، فهو أمر لا يمكن توجيهه بحال.

أما الطامة الكبرى، فهي هذه الألوف المؤلفة من الرسائل التي بعث بها شيعة أبيه وأخيه رضي الله عنهم، يسألونه المجيء إلى العراق للبيعة، وأنهم ليس عليهم إمام بعد الحسن رضي الله عنه ([9]).

ألم يعلم هؤلاء أن بيعتهم لـه لازمة في أعناقهم بعد الحسن رضي الله عنه، بنص الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، سواء أتى الكوفة أو لم يأتها؟

ألم يسمعوا أو يسمع واحد منهم وهم اثنا عشر ألفاً كما في بعض الروايات، أو أكثر كما في روايات أخرى([10])؟

ألم يسمعوا من أبيه أو أخيه -وهم شيعتهم- أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على أبيه وأخيه وعليه وعلى تسعة من ولده بعده بالاسم، وأنهم الخلفاء والأئمة بعده([11])؟

الزهراء رضي الله عنها والنص:

ولم يكن شأن أمهما الزهراء رضي الله عنها أيضاً بأحسن حالاً منهما أو من بعلها وأبيها صلوات الله عليهم أجمعين، كما يتبين ذلك من روايات القوم، فموقفها من زوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكذا من الحسين رضي الله عنه لما علمت بمقتله غير خافٍ على ذي لب، وسوف نوقفك عليه في حينه، ولكن أورد هنا رواية تتصل بموضوعنا.

فقد ذكر القوم أنها بكت لما عادت أباها صلى الله عليه وسلم في مرض موته، حتى أرضاها بالبشرى بجعل بعلها وصياً له، فذكروا أنها أتته في مرضه تعوده، فلما رأت ما برسول الله من المرض والجهد استعبرت وبكت حتى سالت دموعها على خديها، فقال لها النبي: يا فاطمة، إني لكرامة الله إياك، زوّجتك أقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً، إن الله تعالى اطلع إلى أهل الأرض اطلاعة فاختارني منها فبعثني نبياً، واطلع ثانية فاختار بعلك فجعله وصياً، فسرّت فاطمة رضي الله عنها واستبشرت([12]).

فما الذي استوجب سرورها واستبشارها -وهي في هذا الموقف- سروراً طغى على ألم مصيبة فقدها أباها صلى الله عليه وسلم؟ هل أن أباها صلى الله عليه وسلم قد أتى بأمرٍ جديد كانت تجهله؟ أو أمر كانت تعلم أن مدار قبول الأعمال على الإيمان به، وأن الله قد افترضه قبل خلق الخلق بكذا وكذا سنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال ينادي به منذ بدء الدعوة؟ ومن ثم لا نجد في ذكره أمراً ذا بالٍ يستوجب سرورها واستبشارها.

الصحابة رضي الله عنهم والنص:

وقبل الشروع في ذكر أحوال بقية الأئمة وأصحابهم، أجد لزاماً أن أذكر نتفاً قليلة من شأن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع النص على أمير المؤمنين رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، هؤلاء الذين لزموا النبي صلى الله عليه وسلم منذ بدء الدعوة وجلسوا إليه وسافروا معه وشاركوه الحروب والغزوات وتزوجوا بناته وصاهرهم، ولم يدع من أمر الدين شيئاً مما يقربهم إلى الله عز وجل إلا وأخبرهم به، ولا أمراً مما يدخلهم النار إلا وقد نهاهم عنه، حتى بيَّن لهم أي رجل يقدمون عند دخولهم الخلاء وبأيٍ يخرجون، فضلاً عن أركان الإسلام والإيمان، ناهيك عن أعظمها وعلة فرض غيرها وهي الإمامة بزعم القوم.

ومثل هذا الأمر لا يمكن أن يخفى على من لازموه كظله، وكيف يخفى؟ وقد روى القوم عن الباقر في قولـه تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)) [محمد:28]، قال: كرهوا علياً وكان أمر الله بولايته يوم بدر وحنين ويوم بطن نخلة ويوم التروية ويوم عرفة، نزلت فيه خمس عشرة آية في الحجة التي صدَّ فيها رسول الله عن المسجد بالجحفة وخم([13]).

وعنه -أيضاً- في قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)) [المائدة:1] قال: إن رسول الله أخذ لعلي بما أمر أصحابه، وعقد لـه عليهم الخلافة في عشرة مواطن، ثم أنزل عليه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)) [المائدة:1]، يعني: التي عقدت عليهم لعلي أمير المؤمنين([14]).

ولاشك أن القول بغياب النص عنهم مع كل هذا الذي أوردناه، سواء الروايتان السابقتان أو الباب كله منتفٍ وبعيد جداً، ولكن ما أورده القوم في شأنهم يختلف تماماً إلا مع موقف الأئمة من النص، كما سبق ذكره وسيأتي أيضاً.

فها هن أزواجه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن أجمعين، أقرب الناس إليه ملازمة، يروي القوم عنهن ما يدل على المقصود، ألا وهو غياب النص، هذا إن وجد النص أصلاً، فقد ذكر القوم أن جبرئيل عليه السلام قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: قد دنا يا محمد مصيرك إلى ربك وجنته، وهو يأمرك أن تنصب لأمتك من بعدك علي بن أبي طالب وتعهد إليه، فهو الخليفة القائم برعيتك وأمتك، وإن الله يأمرك أن تعلمه جميع ما علمك، وتستحفظه جميع ما حفظك واستودعك، فإنه الأمين المؤتمن.

يا محمد، إني اخترتك من عبادي نبياً، واخترته لك وصياً، فدعا علياً يوماً فخلا به يومه ذلك وليلته واستودعه العلم والحكمة التي آتاه إياها، وعرفه ما قال جبرئيل، وكان ذلك يوم عائشة، فقالت: يا رسول الله، لقد طال استخلاؤك بعلي منذ اليوم، فأعرض عنها، فقالت: لم تعرض عني يا رسول الله بأمر لعله يكون لي صلاحاً؟ فقال: صدقت وايم الله، إنه لأمر صلاح لمن أسعده الله بقبوله والإيمان به، وقد أمرني بدعاء الناس جميعاً إليه، وستعلمين ذلك إذا أنا قمت به في الناس، قالت: يا رسول الله، ولم لا تخبرني به الآن لأتقدم بالعمل به والأخذ بما فيه الصلاح؟ قال: سأخبرك به فاحفظيه إلى أن أؤمر بالقيام به في الناس جميعاً، فإنك إن حفظتيه حفظك الله في العاجلة والآجلة جميعاً، وكانت لك الفضيلة للأسبقية والمسارعة إلى الإيمان بالله ورسوله...

إلى أن قال: إن الله أخبرني أن عمري قد انقضى، وأمرني أن أنصب علياً للناس، وأجعله فيهم إماماً، وأستخلفه كما استخلف الأنبياء من قبلي أوصياءهم([15]).

ويستشعر القارئ من الرواية تأخرها إلى أيامه الأخيرة صلى الله عليه وسلم، ورغم ذلك ترى كل هذا التضارب في النص، وتجد فيها بطلان ما ورد من نصوص قبل ذلك، وهو أمر غدا لك واضحاً مع كل رواية جديدة، مما يغنينا عن التعليق عليها جميعاً.

وكذا شأن أم سلمة رضي الله عنها، حيث قالوا: إن النبي دفع إليها كتاباً، فقال: من طلب هذا الكتاب منك ممن يقوم بعدي فادفعيه إليه، ثم ذكرت قيام أبي بكر وعمر وعثمان وأنهم ما طلبوه، ثم قالت: فلما بويع علي نزل عن المنبر ومرّ، وقال لي: يا أم سلمة، هاتي الكتاب الذي دفعه إليك رسول الله، فقالت: أنت صاحبه؟ فقال: نعم، فدفعته إليه، قيل: ما كان في الكتاب؟ قالت: كل شيء دون قيام الساعة([16]).

وفي رواية: قالت: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً، قال: أمسكي هذا، فإذا رأيت أمير المؤمنين صعد المنبر فجاء يطلب هذا الكتاب فادفعيه إليه، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد أبو بكر المنبر فانتظرته فلم يسألها، فلما مات صعد عمر المنبر فانتظرته فلم يسألها، فلما مات عمر صعد عثمان فانتظرته فلم يسألها.. الرواية([17])، وغيرها([18]).

وكذا حال خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه الذي خدمه منذ هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى وفاته، فقد روى القوم عنه أنه قال: كان رسول الله في بيت أم حبيبة بنت أبي سفيان، فقال: يا أم حبيبة، اعتزلينا فإنا على حاجة، ثم دعا بوضوء فأحسن الوضوء، ثم قال: إن أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين، وسيد العرب، وخير الوصيين، وأولى الناس بالناس، فقال أنس: فجعلت أقول: اللهم اجعله رجلاً من الأنصار، قال: فدخل علي وجاء يمشي حتى جلس إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله يمسح وجهه بيده، ثم مسح بها وجه علي بن أبي طالب، فقال علي: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: إنك تبلغ رسالتي من بعدي، وتؤدي عني، وتسمع الناس صوتي، وتعلم الناس من كتاب الله ما لا يعلمون([19]).

وفي رواية: من هذا يا أنس؟ فقلت: علي، فقام مستبشراً فاعتنقه، ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه، ويمسح عرق علي بوجهه، فقال علي: صنعت شيئاً ما صنعت بي قبل هذا، قال: وما يمنعني وأنت تؤدي عني وتسمع صوتي وتبين لهم ما اختلفوا فيه من بعدي([20]).

ومتى كان هذا السلوك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فهذه القصة لا أقل من افتراض حدوثها في أواخر السنة السابعة من الهجرة أو بعدها؛ وذلك أن قدوم أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما إلى المدينة إنما كان في ذي الحجة من السنة المذكورة، حيث كانت مهاجرة إلى الحبشة مع زوجها عبيدالله بن جحش الذي ارتد عن الإسلام وتنصر، ثم بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ليخطبها... إلى آخر القصة([21]).

فموضع الشاهد في القصة هو جهل أنس بن مالك بإمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه رغم مرور أكثر من سبعة أعوام من خدمته للرسول صلى الله عليه وسلم، حتى دعا ربه أن يجعله رجلاً من قومه، والعجيب قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي: إنك تبلغ رسالتي من بعدي، وتؤدي عني، مما يوحي بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان جاهلاً به حتى ذلك الوقت.

ولا يرد على هذا أن معرفته بإمرة المؤمنين كانت واقعة، وأن مقولة الرسول صلى الله عليه وسلم له إنما هي استزادة مسئوليات، وذلك أن الإمامة -كما يراها القوم- تستلزم تبليغ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم والأداء عنه، وتعليم الناس من كتاب الله ما لا يعلمون مما يستقبح تكراره وصدوره عنه صلى الله عليه وسلم للناس فضلاً عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأعجب من هذا كله: الإبهام في ذكر اسم أمير المؤمنين، فلا يخلو الأمر من أنه صلى الله عليه وسلم كان عالماً به، حيث يكون الأولى به أن يقول: إن أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أو يكون جاهلاً به، وهذا الأخير يشهد لـه قولـه لأنس كما في الرواية الأخرى: من هذا يا أنس؟ رغم قولـه: إن أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين.

وهذا ابن عمه عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، فقد روى القوم أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم والحسن على عاتقه والحسين على فخذه يلثمهما ويقبلهما، ويقول: اللهم وال من والاهما وعاد من عاداهما، ثم قال: يا ابن عباس، كأني به وقد خضبت شيبته من دمه، يدعو فلا يجاب، ويستنصر فلا ينصر، قلت: فمن يفعل ذلك يا رسول الله؟ قال: شرار أمتي، لا أنالهم الله شفاعتي، ثم قال: يا ابن عباس، من زاره عارفاً بحقه كتب له ثواب ألف حجة وألف عمرة، ألا ومن زاره فكأنما قد زارني، ومن زارني فكأنما زار الله، وحق الزائر على الله أن لا يعذبه بالنار، وإن الإجابة تحت قبته، والشفاء في تربته، والأئمة من ولده. قلت: يا رسول الله، فكم الأئمة بعدك؟ قال: بعدد حواريي عيسى، وأسباط موسى، ونقباء بني إسرائيل، قلت: يا رسول الله، فكم كانوا؟ قال: كانوا اثني عشر، والأئمة بعدي اثنا عشر، أولهم: علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي: الحسن والحسين، فإذا انقضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمد، فإذا انقضى محمد فابنه جعفر، فإذا انقضى جعفر فابنه موسى، فإذا انقضى موسى فابنه علي، فإذا انقضى علي فابنه محمد، فإذا انقضى محمد فابنه علي، فإذا انقضى علي فابنه الحسن، فإذا انقضى الحسن فابنه الحجة، قال ابن عباس: قلت: يا رسول الله، أسامي ما أسمع بهم قط، قال لي: يا ابن عباس، هم الأئمة بعدي([22]).

فابن عباس رضي الله عنهما كان مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين، وانتقل إلى دار الهجرة بعد فتح مكة الذي كان في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وهذا يعني أنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم نحواً من ثلاثين شهراً، فلا شك إذاً في أن هذه الرواية يفترض حصولها في أحد أيام هذه الشهور الأخيرة.

رغم ذلك تأمل عدم علم ابن عباس رضي الله عنهما بمسألة الإمامة والأئمة، واستغرابه هذه الأسماء التي لم يسمع بها قط، وهو من هو من قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بل ونراه يسأل النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته بزعم القوم: إذا كان ما نعوذ بالله منه فإلى من؟ فأشار إلى علي رضي الله عنه، فقال: إلى هذا فإنه مع الحق والحق معه، ثم يكون من بعده أحد عشر إماماً مفترضة طاعتهم كطاعتي([23]).

وكتب القوم مليئة بالروايات الشبيهة عنه رضي الله عنه ([24]).

وكذا شأن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وهو من السابقين الأولين، بل من أوائل الذين أسلموا؛ مما يستحيل أن يخفى عليه من شأن الإمامة شيء، نراه لا يختلف عن سابقيه في هذا الشأن.

فتأمل -مثلاً- رواية القوم هذه، وحصولها لا شك أنه بعد عشرين سنة من مبعثه صلى الله عليه وسلم، إذ توحي عباراتها بقرب أجله صلى الله عليه وسلم، تقول الرواية: إن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله لما رجع من حجة الوداع: يا ابن مسعود، قد قرب الأجل ونعيت إليّ نفسي فمن لك بعدي؟ فأقبلت أعد عليه رجلاً رجلاً، فبكى ثم قال: ثكلتك الثواكل! فأين أنت من علي بن أبي طالب لم تقدمه على الخلق أجمعين([25]).

وفي رواية: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن مسعود، نُعيَتْ إلي نفسي، فقلت: استخلف يا رسول الله، قال: من؟ قلت: أبا بكر، فأعرض عني، ثم قال: يا ابن مسعود، نعيت إلي نفسي، فقلت: استخلف، قال: من؟ قلت: عمر، فأعرض عني، قال: يا ابن مسعود، نعيت إلي نفسي، قلت: استخلف، قال: من؟ قلت: علياً، قال: أما إن أطاعوه دخلوا الجنة أجمعون أكتعون([26]).

وروى القوم عنه -أيضاً- رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، من يغسلك إذا مت؟ فقال: يغسل كل نبي وصيه، قلت: فمن وصيك يا رسول الله؟ قال: علي بن أبي طالب([27]).

وهذا صحابي آخر وهو جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه، وزيادةً عما أوردناه عنه في أول الباب نورد هنا رواية أخرى يرويها القوم عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال: من لم يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي، أو شهد أن محمداً عبدي ورسولي، أو شهد بذلك ولم يشهد أن علي بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك ولم يشهد أن الأئمة من ولده حججي، فقد جحد نعمتي، وصغر عظمتي، وكفر بآياتي وكتبي، إن قصدني حجبته، وإن سألني حرمته، وإن ناداني لم أسمع نداءه، وإن دعاني لم أسمع دعاءه، وإن رجاني خيبته، وذلك جزاؤه مني، وما أنا بظلام للعبيد، فقام جابر بن عبدالله، فقال: يا رسول الله، ومَن الأئمة من ولد علي بن أبي طالب؟ والرواية طويلة أخذنا منها موضع الحاجة([28]).

وهذا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه يقول: كنا ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد قباء ونحن نفر من أصحابه، إذ قال: معاشر أصحابي، إنه يطلع عليكم من هذا الباب رجل هو أمير المؤمنين وإمام المسلمين، قال: فنظروا وكنت فيمن نظر، فإذا نحن بعلي بن أبي طالب قد طلع، فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا إمامكم من بعدي([29]).

وذكر مسجد قباء يؤكد لك تاريخ الرواية، وأنها بعد الهجرة، وأبو ذر رضي الله عنه من أوائل من أسلموا، حتى روي عنه أنه قال: كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع، فاستمع إليه بعد ثلاثة عشر سنة من إسلامه وهو يقول: وكنت فيمن نظر، ليرى مع أصحابه من يكون أمير المؤمنين هذا.

وعن أنس رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلاة الفجر، ثم أقبل علينا، وقال: معاشر أصحابي، من أحب أهل بيتي حشر معنا، ومن استمسك بأوصيائي من بعدي فقد استمسك بالعروة الوثقى، فقام إليه أبو ذر الغفاري، فقال: يا رسول الله، كم الأئمة بعدك؟ قال: عدد نقباء بني إسرائيل، فقال: كلهم من أهل بيتك؟ قال: كلهم من أهل بيتي، تسعة من صلب الحسين والمهدي تاسعهم([30]).

وفي رواية أخرى أوردها القوم عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه -والرواية طويلة- وفيها أن أبا ذر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، فكم الأئمة بعدك؟ قال: عدد نقباء بني إسرائيل([31]).

وتذكرني هذه الرواية بالمثل القائل: كلام الليل يمحوه النهار، حيث أظهر القوم صاحبنا كمن نسي أسئلة الفجر التي في الرواية السابقة، ولكن لا تنس -عزيزي القارئ- أن الرواية الأخيرة كانت في مرض موته صلى الله عليه وسلم، لتعرف مدى تأخرها.

وهذا سلمان الفارسي رضي الله عنه كما يروي القوم، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله، إن لكل نبي وصياً، فمن وصيك؟ قال: فسكت عني، فلمَّا كان بعدُ رآني من بعيد، فقال: يا سلمان، قلت: لبيك وأسرعت إليه، فقال: تعلم من كان وصي موسى؟ قلت: يوشع بن نون، فقال: ذاك لأنه يومئذٍ خيرهم وأعلمهم، ثم قال: وإني أشهد اليوم أن علياً خيرهم وأفضلهم، وهو وليي ووصيي ووارثي([32]).

وفي رواية أخرى: يا رسول الله، إنك قلت: من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية، من هذا الإمام؟ قال: من أوصيائي يا سلمان([33]).

ولا أدري كيف سمع سلمان الفارسي رضي الله عنه هذا الحديث، وكيف كان الصحابة رضوان الله عليهم يتداولونه رغم خطورته، مع عدم معرفة الإمام، ثم تنقلب الآية، فيروي القوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي سأل سلمان رضي الله عنه: يا سلمان، إن الله عز وجل لم يبعث نبياً ولا رسولاً إلا جعل له اثني عشر نقيباً، قال: قلت: يا رسول الله، قد عرفت هذا من الكتابين -التوراة والإنجيل- قال: يا سلمان، فهل علمت نقبائي الاثني عشر الذين اختارهم الله للإمامة من بعدي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم([34]).

لا أدري كيف وهو يؤكد ورود هذه العقيدة في كتب الأولين، ثم يبقى على جهله بهم حتى يسأله الرسول عن ذلك، ويرد بقولـه: الله ورسوله أعلم، ألم يخش أن يموت ميتة جاهلية؟ ثم أليست إجابة السؤال موجودة في التوراة كما زعموا؟ وقد ذكرنا ذلك فيما سبق.

وعلى ذكر قول سلمان: عرفت هذا من الكتابين -التوراة والإنجيل- فقد أورد القوم الكثير من الروايات في بيان ورود مسألة الإمامة والأئمة في الكتب السماوية، ومن أراد تفصيل ذلك فعليه بطلبها من مظانها، ولكن نذكر هنا رواية واحدة تقول: إن أسماء الأئمة وردت في التوراة، وهي: تقوبيت، قيذوا، دبيراً، مفسوراً، مسموعاً، دوموه، مثبو، هذار، يثمو، بطور، نوقس وقيدموا([35]).

رجعنا الآن إلى ذكر سلمان الفارسي وغياب النص عنه، وكما أوردنا في الرواية السابقة عنه قولـه: عرفت هذا من الكتابين، ونسوق الرواية التالية التي تنسجم معها، فعن علي رضي الله عنه قال: كنت عند النبي