روايات
من طرق الشيعة
عن النبي صلى
الله عليه
وسلم تتعارض
مع مسألة النص:
أول
ذلك حديث يوم
الدار أو بدء
الدعوة، لما
نزل قولـه
تعالى: ((وَأَنذِرْ
عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ))
[الشعراء:214]
حيث روي أن
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم دعا بني
عبد المطلب
وهم يومئذٍ
أربعون
رجلاً، فيهم
أعمامه: أبو
طالب، وحمزة،
والعباس،
وأبو لهب،
وكان قد أولَم
لهم، وبعد أن
أكلوا
وشربوا، قال:
يا بني عبد
المطلب، إني
قد جئتكم بخير
الدنيا
والآخرة، وقد
أمرني الله أن
أدعوكم إليه،
فمن يجيبني
إلى هذا الأمر
ويؤازرني يكن
أخي ووزيري
ووصيي ووارثي
وخليفتي من
بعدي؟ فأحجم
القوم جميعاً
إلا علياً قال:
أنا يا نبي
الله، فأخذ
النبي صلى
الله عليه
وسلم
برقبته، وقال:
هذا أخي
ووزيري ووصيي
ووارثي
وخليفتي من
بعدي،
فاسمعوا له
وأطيعوا.
وهذا
يعني أنه لم
يكن وزيره ولا
وصيه قبل ذلك.
وسنسهب
في مناقشة
أسانيد هذه
القصة
ومتونها في
حينه، ولكن ما
يعنينا من هذه
الرواية الآن
هو ما نحن
بصدده، ولا شك
أنه قد تبادر
إلى ذهنك شيء
وهو: كيف خفي
على النبي صلى
الله عليه
وسلم وعلى
علي رضي الله
عنه وعلى كل من
حضر الوليمة
مسألة النص
بعد كل ما مر
حتى لم نجد
أحداً منهم قد
استدرك ذلك،
لا أقلَّ من
علي بن أبي
طالب رضي الله
عنه وهو يجد أن
إمامته توشك
أن تذهب إلى
غيره بعرضها
عليهم، أو
أبيه الذي
انتظر سبتاً
ليرى وصي محمد صلى
الله عليه
وسلم وقد ولد؟
فإن
أبطلنا كل ما
مرَّ بك
باعتبار هذه
الرواية، لا
نلبث أن نرى
أخرى تسقطها
هي أيضاً..
وهكذا، وهذه
الأخرى تتمثل
في أن النبي صلى
الله عليه
وسلم لما
أخذت الدعوة
منحىً عاماً
أخذ يعرض نفسه
على القبائل،
فجاء إلى بني
كلاب، فقالوا:
نبايعك على أن
يكون لنا
الأمر بعدك،
فقال: الأمر
لله، فإن شاء
كان فيكم أو في
غيركم، فمضوا
ولم يبايعوه،
وقالوا: لا
نضرب لحربك
بأسيافنا ثم
تحكم علينا
غيرنا([1]).
فما
الذي اضطره صلى
الله عليه
وسلم إلى هذا
القول مع ما
تقدم؟ أليس
كان عليه أن
يبين أن هذا
الأمر قد تم
قبل أشهر حين
قال لعشيرته
وهو ممسك
برقبة ابن عمه:
هذا أخي
ووزيري ووصيي
ووارثي
وخليفتي من
بعدي،
فاسمعوا له
وأطيعوا،
فضلاً عن أن
ذلك قد تم منذ
مليوني عام
قبل الخلق؟
وقد
تكرر منه صلى
الله عليه
وسلم القول
نفسه بعد ذلك
بسنين طويلة،
وذلك لما جاءه
عامر بن
الطفيل في وفد
بني عامر بن
صعصعة في
السنة
العاشرة من
الهجرة، وقال
له: ما لي إن
أسلمت؟ فقال:
لك ما
للمسلمين
وعليك ما
عليهم، قال:
تجعل لي الأمر
من بعدك؟ قال:
ليس ذلك
إليَّ، إنما
ذلك إلى الله
عز وجل يجعله
حيث يشاء([2]).
وهكذا..
يستمر مسلسل
خفاء النص
عليه صلى
الله عليه
وسلم، حتى
أواخر أيامه
بمكة قبل
الهجرة، وذلك
في ليلة
الإسراء
والمعراج([3])، وقد
أعرضنا عن ذكر
الكثير من
الروايات
السابقة لذلك
تحاشياً
للتكرار، إذ
إننا سنورد
بعضها في
حينها.
تقول
رواية القوم:
إن النبي صلى
الله عليه
وسلم قال: إني
لما بلغت بيت
المقدس في
معراجي إلى
السماء وجدت
على صخرتها: لا
إله إلا الله
محمد رسول
الله، أيدته
بوزيره
ونصرته به،
فقلت: يا
جبرئيل، ومن
وزيري؟ فقال:
علي بن أبي
طالب([4]).
والطريف
أن القوم
يروون عنه صلى
الله عليه
وسلم أنه قال:
كنت نائماً
بالحجر، إذ
أتاني جبرئيل
فحركني
تحريكاً
لطيفاً، ثم
قال: عفا الله
عنك يا محمد،
قم واركب
فَفِدْ إلى
ربك، فأتاني
بالبراق
فركبت -ثم ذكر
ما لاقاه في
مسيره.. -إلى أن
قال-: فإذا أنا
برجل أبيض
الوجه، جعد
الشعر، فقال
لي: يا محمد،
احتفظ بالوصي -ثلاث
مرات- علي بن
أبي طالب
المقرب من
ربه، قال: لما
جزت الرجل
وانتهيت إلى
بيت المقدس،
إذا أنا برجل
أحسن الناس
وجهاً، وأتم
الناس جسماً،
وأحسن الناس
بشرةً، فقال:
يا محمد،
احتفظ بالوصي -ثلاث
مرات- علي بن
أبي طالب
المقرب من
ربه، الأمين
على حوضك صاحب
شفاعة الجنة...
ثم ذكر بقية
القصة، وفي
نهايتها قال
لـه جبرئيل:
الذين
لقيتهما في
الطريق وقالا
لك: احتفظ
بالوصي، كانا
عيسى وآدم
عليهما
السلام([5]).
أي:
رغم هذه
الوصايا الست
منهما عليهما
السلام، لم
يدرك صلى
الله عليه
وسلم مَنْ
وزيره الذي
أيده ونصره
به، وافترض أن
يكون رجلاً
آخر سوى علي
رضي الله عنه.
والطريف
-أيضاً- ذكرهم
على لسانه صلى
الله عليه
وسلم عشرات
الروايات،
يقول له فيها:
إنه وزيره،
ولعل أقربها
إليك ما
أوردناه
آنفاً عند
حديثنا عن بدء
الدعوة.
وعلى
أي حال، لنعرج
مع القوم إلى
السماء،
وننظر ماذا
حصل هناك..
قالوا: لما صعد
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم إلى
السماء، قالت
الملائكة:
نشهد أنك رسول
الله، فما فعل
وصيك علي؟ قال:
خلفته في
أمتي، قالوا:
نعم الخليفة
خلفت، أما إن
الله عز وجل
فرض علينا
طاعته، ثم صعد
إلى السماء
الثانية،
فقالت
الملائكة
مثلما قالت
ملائكة
السماء
الدنيا، فلما
صعد إلى
السماء
السابعة لقيه
عيسى عليه
السلام فسلم
عليه، وسأله
عن علي، فقال
له: خلفته في
أمتي، قال: نعم
الخليفة
خلفت، أما إن
الله فرض على
الملائكة
طاعته، ثم
لقيه موسى
عليه السلام
والنبيون
نبياً نبياً،
فكلهم يقول
مقالة عيسى
عليه السلام ([6]).
وفي
السماء
الرابعة زعم
القوم أنه صلى
الله عليه
وسلم رأى
ديكاً بدنه
درة بيضاء،
وعيناه
ياقوتتان
حمراوان،
ورجلاه من
الزبرجد
الأخضر، وهو
ينادي: لا إله
إلا الله محمد
رسول الله،
علي بن أبي
طالب أمير
المؤمنين ولي
الله، فاطمة
وولداها
الحسن
والحسين صفوة
الله، يا
غافلين
اذكروا الله،
على مبغضيهم
لعنة الله([7]).
وفي
نفس السماء
صلَّى
بالأنبياء
وكانوا مائة
وأربعة
وعشرين ألف
نبي، وسألهم
جبريل: بم
بعثتم؟ ولم
نشرتم الآن يا
أنبياء الله؟
فقالوا
بلسان واحد:
بعثنا ونشرنا
لنقر لك يا
محمد
بالنبوة،
ولعلي بن أبي
طالب
بالإمامة([8]).
وعندما
وصل صلى
الله عليه
وسلم إلى
السماء
السابعة سأله
الله عز وجل:
من لأمتك من
بعدك؟ فقال:
الله أعلم. قال:
علي بن أبي
طالب أمير
المؤمنين
وسيد
المسلمين([9]).
وكأن
القوم أرادوا
أن يقولوا: إن
صوت مائة
وأربعة
وعشرين ألف من
الأنبياء -ولك
أن تتخيل حجمه-
وهم يقولون
بإمامة علي بن
أبي طالب، لم
يكن له هذا
التأثير؛ حيث
إنه صلى
الله عليه
وسلم لم
يتذكر ذلك بعد
لحظات لما
سأله الله عز
وجل: من لأمتك
من بعدك؟
ليقول: الله
أعلم، ولعلها
غفلة استوجبت
تحذير ديكهم،
ليقول: يا
غافلين،
فتأمل!
نبقى
مع القوم في
السماء
السابعة،
لنراهم يروون
عن الرضا، عن
آبائه، قال:
قال رسول الله صلى
الله عليه
وسلم: لما عرج
بي إلى السماء
نوديت: يا
محمد، فقلت:
لبيك ربي
وسعديك،
تباركت
وتعاليت،
فنوديت: يا
محمد، أنت
عبدي وأنا
ربك، فإياي
فاعبد، وعلي
فتوكل، فإنك
نوري في
عبادي،
ورسولي إلى
خلقي، وحجتي
على بريتي، لك
ولمن تبعك
خلقت جنتي،
ولمن خالفك
خلقت ناري،
ولأوصيائك
أوجبت
كرامتي،
ولشيعتهم
أوجبت ثوابي،
فقلت: يا رب،
ومن أوصيائي؟
فنوديت: يا
محمد،
أوصياؤك
المكتوبون
على ساق عرشي،
فنظرت وأنا
بين يدي ربي جل
جلاله إلى ساق
العرش، فرأيت
اثني عشر
نوراً، في كل
نور سطر أخضر
عليه اسم وصي
من أوصيائي،
أولهم: علي بن
أبي طالب،
وآخرهم: مهدي
أمتي، فقلت: يا
رب، هؤلاء
أوصيائي؟
فنوديت: يا
محمد، هؤلاء
أوليائي،
وأحبائي،
وأصفيائي،
وحججي بعدك([10]).
ويرى
القوم أنه بعد
قراءته
للأسماء نسي -أيضاً-
أنهم
أوصياؤه، كما
أخبره بذلك
ربه، فسأله في
رواية أخرى
للقوم: يا رب،
من هؤلاء
الذين قرنتهم
بي؟ فنودي: يا
محمد، هم
الأئمة بعدك،
والأخيار من
ذريتك([11]).
وحين
سأله: يا محمد،
فيم اختصم
الملأ الأعلى؟
قال: إلهي، لا
علم لي، فقال
له: يا محمد،
هل اتخذت من
الآدميين
وزيراً أو
أخاً ووصياً
من بعدك؟ فقال:
إلهي، ومن
أتخذ تخير لي
أنت؟ فأوحى
الله إليه: يا
محمد، اختر
علياً، فقلت:
إلهي، ابن عمي؟..
الرواية([12]).
ولكن
هل وقف الأمر
على هذا؟
انظر
إلى القوم -وبعد
كل هذه
التأكيدات
والمواثيق
وفي طريق
العودة إلى
الأرض وفي
السماء
الرابعة حيث
ديكهم
وتنبيهه
للغافلين
ومنهم واضع
هذه الرواية-
يروون أنه لما
هبط النبي صلى
الله عليه
وسلم إلى
السماء
الرابعة
ناداه ربه: يا
محمد، قال:
لبيك ربي، قال:
من اخترت من
أمتك يكون من
بعدك لك خليفة؟
قال: اختر لي
ذلك، فتكون
أنت المختار
لي، فقال:
اخترت لك
خيرتك علي بن
أبي طالب([13]).
وعلى
أي حال، حتى لا
يطول مكثنا في
السماء،
نجتزئ
بالإيجاز
الذي
أوردناه،
فالروايات
الشبيهة
الواردة في
ليلة الإسراء
كثيرة([14])، وقد
أوردنا شيئاً
منها في أول
الباب أيضاً،
وكل واحدة
منها تناقض
سابقتها
وتسقطها،
فضلاً عن
إسقاطها
للباب
بأكمله،
وهكذا جميع
الروايات
الآتية.
نعود
إلى الأرض،
وتحديداً إلى
مكة؛ حيث لا
زلنا مع القوم
ورواياتهم
قبل الهجرة.
روى
القوم أن رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم قال
لعلي رضي الله
عنه ليلة
الهجرة: أرضيت
أن أُطلب فلا
أُوجد وتوجد
فلعله أن
يبادر إليك
الجهال
فيقتلوك؟ قال:
بلى يا رسول
الله، رضيت أن
تكون روحي
لروحك فداء،
ونفسي لنفسك
فداء([15]).
لا
شك أن وجه
الدلالة غير
خافٍ في
الرواية،
فافتراض
القتل هنا،
وفي روايات
عدة سنأتي على
ذكر بعضها لا
يمكن توجيهها
باعتبار أن
علي بن أبي
طالب رضي الله
عنه يلي
الخلافة بعده صلى
الله عليه
وسلم، فكيف
يفترض أن يقتل
أو يموت قبله،
والأمر واضح
ولا أعتقد أنه
يحتاج إلى
زيادة تعليق.
فهذا
يدل على خفاء
النص على
النبي صلى
الله عليه
وسلم الذي
يزعمون أنه نص
على إمامة علي
رضي الله عنه
وهو في مكه قبل
الهجرة
للمدينة.
أما
بعد الهجرة،
فقد رووا عن
ابن عباس رضي
الله عنهما
أنه قال: قال
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم: إن الله
تبارك وتعالى
أوحى إليَّ
أنه جاعل لي من
أمتي أخاً
ووارثاً
وخليفةً
ووصياً، فقلت:
يا رب، من هو؟
فأوحى إليَّ
عز وجل: يا
محمد، إنه
إمام أمتك،
وحجتي عليها
بعدك، فقلت: يا
رب، من هو؟
فأوحى إلي عز
وجل: يا محمد،
ذاك من أحبه
ويحبني، ذاك
المجاهد في
سبيلي،
والمقاتل
لناكثي عهدي،
والقاسطين في
حكمي،
والمارقين من
ديني، ذاك
وليي حقاً،
زوج ابنتك،
وأبو ولدك علي
بن أبي طالب([16]).
لا
أقل في تاريخ
هذه الرواية
من أنه بعد
السنة
الثالثة
للهجرة،
بدليل قول
الله عز وجل:
زوج ابنتك
وأبو ولدك،
ولا شك -وباعتبار
كل ما مرَّ بك
في هذا الباب-
أنه سيتبادر
إلى ذهنك عند
قراءتك
لبداية
الرواية أن
المقصود هو
علي بن أبي
طالب رضي الله
عنه.
فواعجباً
هل غاب ذلك عمن
كان سبباً في
النص على
إمامة علي رضي
الله عنه، بل
يستفصل ويسأل
حتى يبين الله
أوصافه ثم
يذكر له اسمه.
ثم
يروي لنا
القوم بعد هذا
أن النبي صلى
الله عليه
وسلم لا يزال
يسأل ربه أن
يجعل علياً
وصيه وخليفته
من بعده، وأن
يجعل الإمامة
في الحسن
والحسين([17]).
وحين
سأله جابر بن
عبدالله
الأنصاري رضي
الله عنه -بزعمهم-
عن وصيه من
بعده أمسك عنه
عشراً لا
يجيبه
معتذراً
بانتظار وحي
السماء، ثم
قال له: يا
جابر، ألا
أخبرك عما
سألتني؟ فقلت:
بأبي أنت
وأمي، والله
لقد سكتَّ عني
حتى ظننت أنك
وجدت
عَلَيَّ،
فقال: ما وجدت
عليك يا جابر،
ولكن كنت
أنتظر ما
يأتيني من
السماء،
فأتاني
جبرئيل عليه
السلام فقال:
يا محمد، ربك
يقول: إن علي
بن أبي طالب
وصيك،
وخليفتك على
أهلك وأمتك([18]).
ومثلها
عن سلمان
الفارسي رضي
الله عنه حين
سأله: من وصيك
من أمتك فإنه
لم يُبْعث نبي
إلا كان له وصي
من أمته؟ فقال
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم: لم
يبيَّن لي
بعد، فمكثت ما
شاء الله أن
أمكث، ثم دخلت
المسجد
فناداني،
فقال: يا
سلمان،
سألتني عن
وصيي من أمتي
فهل تدري من
كان وصي موسى
من أمته؟ فقلت:
يوشع بن نون
فتاه، فقال: هل
تدري لِم كان
أوصى إليه؟
فقلت: الله
ورسوله أعلم،
قال: أوصى إليه
لأنه كان أعلم
أمته بعده،
ووصيي وأعلم
أمتي بعدي علي
بن أبي طالب([19]).
ولا
تحتاج هذه
الروايات إلى
تعليق، فكيف
يستقيم أن
يجهل جابر بن
عبدالله
الأنصاري
وسلمان
الفارسي رضي
الله عنهما([20])،
مما علم من
الدين
بالضرورة
باعتقاد
القوم، حتى
سألا رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم الذي
غاب عنه هو
أيضاً بزعم
القوم من قال
عنه: إن مدار
قبول الأعمال
على القول
بإمامته،
ولولاه لما
خلق الله
الأكوان... إلى
آخر ما مرَّ
ذكره، حتى
انتظر نزول
الوحي به بعد
عشر، ولا أدري
أهي أيام أو
شهور أو سنين،
ولكن لا يغب عن
بالك أنه لا
يجوز تأخير
البيان عن وقت
الحاجة كما هو
معلوم من علم
الأصول.
وفي
يوم الخندق
ذكر القوم أن
النبي صلى
الله عليه
وسلم قال لما
انتدب عمروٌ
للمبارزة،
وجعل يقول: هل
من مبارز؟
والمسلمون
يتجاوزون
عنه، فركز
رمحه على خيمة
النبي صلى
الله عليه
وسلم، وقال:
ابرز يا محمد،
فقال النبي صلى
الله عليه
وسلم: من يقوم
إلى مبارزته
فله الإمامة
بعدي؟ فنكل
الناس عنه،
فقال: ادن مني
يا علي، فنزع
عمامته
السحاب من
رأسه وعممه
بها وأعطاه
سيفه، وقال:
امض لشأنك، ثم
قال: اللهم
أعنه. وروي أنه
لما قتل عمراً
أنشد أبياتاً
منها:
قد
قال إذ عممني
عمامة
أنت الذي
بعدي له
الإمامة ([21])
فانظر
معي إلى هذه
الرواية،
فرغم أن
أحداثها وقعت
في السنة
الخامسة
للهجرة حيث
غزوة الخندق،
لكن لا زال
أعظم أركان
الدين عند
القوم غير
مبيّن، وكنت
أنتظر من علي
بن أبي طالب
رضي الله عنه
أن يستدرك
الأمر ويخبر
النبي صلى
الله عليه
وسلم بأن أمر
الإمامة قد
انتهى
بتعيينه
خليفة له منذ
أن نزل قوله عز
وجل: ((وَأَنذِرْ
عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ))
[الشعراء:214]،
ولكن لم يحصل
ذلك، فضلاً عن
الروايات
التي
أوردناها،
وفضلاً عن
مليوني عام
قبل الخلق،
ويزيد من
حيرتي صمت
الصحابة
رضوان الله
عليهم، وعدم
استدراك أحد
منهم ذلك،
وَلَعَلِّي
أجد عند القوم
ما يذهب عني
حيرتي.
نعود
إلى مسألة
الخوف من موت
اللاحق قبل
السابق، ففي
الغزوة نفسها
وبعد أن خرج
علي بن أبي
طالب رضي الله
عنه لمبارزة
عمرو، قال
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم: اللهم
إنك أخذت مني
عبيدة بن
الحارث يوم
بدر، وحمزة بن
عبد المطلب
يوم أحد، وهذا
أخي علي بن أبي
طالب، رب لا
تذرني فرداً
وأنت خير
الوارثين([22]).
وتتكرر
القضية في
موطن آخر، فقد
روى القوم أن
علياً خرج في
سرية ثلاثة
أيام لا يأتيه
جبرئيل بخبره
ولا خبر من
الأرض،
وأقبلت فاطمة
بالحسن
والحسين تقول:
أوشك أن يؤتم
هذين
الغلامين،
فأسبل النبي
عينيه يبكي،
ثم قال: معاشر
الناس، من
يأتيني بخبر
علي أبشره
بالجنة،
وافترق الناس
في الطلب لعظم
ما رأوه
بالنبي، وخرج
العواتق،
فأقبل عامر بن
قتادة يبشره
بعلي، وهبط
جبرئيل عليه
السلام على
النبي فأخبره
بما كان فيه([23]).
ولسائل
أن يسأل القوم
عن كل هذا
الخوف والقلق
والاضطراب
الذي استدعى
إعلان حالة
الطوارئ،
وتفرق الناس
في الأرض،
وخروج
العواتق،
ونزول جبرئيل
من أجل الخوف
من موت أمير
المؤمنين علي
رضي الله عنه،
وهم يرون أن
الرسول صلى
الله عليه
وسلم لا زال
حياً ماثلاً
أمامهم، فكيف
يفترض موت
الخلف قبل
السلف مادام
هناك نص على
خلافته بعد
النبي صلى
الله عليه
وسلم؟
وفي
فتح مكة وجد
متعلقاً
بأستار
الكعبة يسأل
الله عز وجل
العضد،
ناسياً كل ما
ذكرناه من
مقدمة الباب
حتى الرواية
السابقة، حتى
استوجب غضب
جبريل عليه
السلام بزعم
القوم، فعن
ابن عباس رضي
الله عنهما
قال: رأيت رسول
الله صلى
الله عليه
وسلم يوم فتح
مكة متعلقاً
بأستار
الكعبة وهو
يقول: اللهم
ابعث إليَّ من
بني عمي من
يعضدني، فهبط
جبرئيل
كالمغضب،
فقال: يا محمد،
أوليس قد أيدك
الله بسيف من
سيوف الله
مجرد على
أعداء الله؟
يعني بذلك علي
بن أبي طالب([24]).
فلاحظ
متى كان فتح
مكة!
ثم
نراه في غدير
خم وقد هبط
عليه جبرئيل
عليه السلام
بأمر من الله
عز وجل بنصب
علي رضي الله
عنه بزعمهم،
متسائلاً عن
هذا الولي
الذي سيكون من
بعده، حيث
قالوا: إن
جبرئيل عليه
السلام نزل
يوم غدير خم،
فقال: يا محمد،
إن الله يأمرك
أن تعلم أمتك
ولاية من فرضت
طاعته ومن
يقوم بأمرهم
من بعدك،
وأكَّد ذلك في
كتابه، فقال: ((يَا
أَيُّهَا
الَّذِينَ
آمَنُوا
أَطِيعُوا
اللَّهَ
وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ
وَأُوْلِي
الأَمْرِ
مِنْكُمْ)) [النساء:59]،
فقال: إي ربي،
ومن ولي أمرهم
بعدي؟ فقال: من
هو لم يشرك بي
طرفة عين، ولم
يعبد وثناً
ولا أقسم
بزلم، علي بن
أبي طالب أمير
المؤمنين([25]).
ولما
قرب أجله، روى
القوم أنه صلى
الله عليه
وسلم قال: ما
قبض الله
نبياً حتى
أمره أن يوصي
إلى عشيرته من
عصبته، وفي
لفظ: إلى أفضل
عشيرته من
عصبته،
وأمرني أن
أوصي، فقلت:
إلى من يا رب؟
فقال: أوص يا
محمد إلى ابن
عمك علي بن أبي
طالب، فإني قد
أثبته في
الكتب
السالفة،
وكتبت فيها
أنه وصيك،
وعلى ذلك أخذت
ميثاق
الخلائق
ومواثيق
أنبيائي
ورسلي، وأخذت
مواثيقهم لي
بالربوبية،
ولك يا محمد
بالنبوة،
ولعلي بن أبي
طالب
بالولاية([26]).
أقول:
لا شك أن ورود
إمامته في
الكتب
السالفة
يقتضي ورود
ذلك في القرآن
من باب أولى،
فبذلك يكون
جهله صلى
الله عليه
وسلم
ممتنعاً من
هذه الجهة،
أما خلافه
ففيه إسقاط
للمعتقد من
أصله، وسنأتي
على بيان ذلك
في حينه([27]).
وأمر
آخر في
الرواية: وهو
أن الله تعالى
إن كان قد أخذ
المواثيق
بإمامته رضي
الله عنه على
الخلائق بما
فيهم
الأنبياء
والرسل عليهم
السلام، فلا
شك أن خير
البشر صلى
الله عليه
وسلم على
رأسهم، فكيف
جهل بهذا
الميثاق؟
ثم
يروي لنا
القوم أنه صلى
الله عليه
وسلم بكى عند
موته، فجاءه
جبرئيل، وقال:
لم تبكي؟ قال:
لأجل أمتي، من
لهم بعدي؟
فرجع، ثم قال:
إن الله تعالى
يقول: أنا
خليفتك في
أمتك([28]).
فنِعمَ
سببُ البكاء،
ونعم الخليفة
الله عز وجل
الذي لم يشأ أن
يجمع هذه
الأمة
المرحومة على
ضلالة، فقد
كان صلى
الله عليه
وسلم كثيراً
ما يخشى على
أمر أمته من
بعده كما تذكر
روايات
القوم، وكان
يُذَكِّر
الوالي بعده،
ويقول:
أُذَكِّر
الله الوالي
من بعدي على
أمتي إلا
ترحّم على
جماعة
المسلمين،
فأجلّ
كبيرهم، ورحم
ضعيفهم، ووقر
عالمهم، ولم
يُضرَّ بهم
فيذلهم، ولم
يفقرهم
فيكفرهم، ولم
يغلق بابه
دونهم فيأكل
قويهم ضعيفهم...
إلخ، وكان ذلك
آخر كلام تكلم
به رسول الله صلى
الله عليه
وسلم على
منبره، كما
ذكر القوم ذلك
عن الصادق([29]).
وهذه
النصائح إن
كانت موجهة
إلى الإمام
المعصوم فهي
عبث لا فائدة
منها، إذ إن
المعصوم ليس
بحاجة إلى
توجيه علني
على رءوس
الملأ كهذا،
أما إن كانت
النصائح
موجهة إلى من
سيغتصب
الخلافة من
الإمام
المعصوم -حسب
معتقد القوم-
فإن عبثيتها
ستكون أشد، إذ
إن من تجرأ على
اغتصاب
الخلافة من
الإمام
المعصوم رغم
كل ما مرَّ من
نصوص
لإثباتها لن
يردعه حديث أو
حديثان، فما
هي الفائدة
المرجوة من
هذه النصائح؟
وبهذه
الروايات
التي لا تخلو
من فوائد أخرى
لا تخفى على
القارئ
اللبيب، تسقط
جميع
الروايات
الآنفة الذكر
من مليوني سنة
قبل الخلق إلى
موته صلى
الله عليه
وسلم في
السنة
الحادية عشرة
للهجرة.
ونجتزئ
بهذا القدر من
الروايات في
جهل أو غياب
النص عنه صلى
الله عليه
وسلم بزعم
القوم([30])،
لما التزمنا
به في المقدمة
من الاقتصار
على ذكر بعض
الأمثلة في كل
موضوع لا حصر
جميع
الروايات،
ولما سنورده
من روايات
أخرى تجدها
مبثوثة في
طيات هذا
الكتاب.
روايات
من طرق الشيعة
عن علي بن أبي
طالب رضي
الله عنه
تتعارض مع
مسألة النص:
هذا
ما كان من شأن
صاحب الرسالة صلى
الله عليه
وسلم والنص،
أما شأن صاحب
الشأن وهو علي بن
أبي طالب رضي
الله عنه
فإليك بياناً
موجزاً بذلك.
ذكرنا
ما يتعلق به صلى
الله عليه
وسلم منذ
حديث بدء
الدعوة وما
بعدها،
وننتقل إلى
السنة
الثالثة عشرة
من البعثة،
وتحديداً
ليلة الهجرة،
لنضيف التالي:
يروي
القوم أنه رضي
الله عنه لما
بات في فراش
النبي صلى
الله عليه
وسلم قال:
وأمرني أن
أضطجع في
مضجعه وأقيه
بنفسي،
فأسرعت إلى
ذلك مطيعاً له
مسروراً
لنفسي بأن
أقتل دونه([31]).
وفي
رواية:
فلما نامت
العيون جاء
أبو طالب ومعه
أمير
المؤمنين،
فأقام رسولَ
الله واضطجع
أمير
المؤمنين
مكانه، فقال
أمير
المؤمنين: يا
أبتاه، إني
مقتول ([32]).
ولا
شك أنك أدركت
وجه
الاستدلال
هنا، فافتراض
القتل يتعارض
مع إرادة الله
عز وجل في أن
تكون الإمامة
فيه بعد النبي صلى
الله عليه
وسلم بزعم
القوم، ناهيك
عن تذكره -وهو
يرى القتل- ما
سأل عنه النبي صلى
الله عليه
وسلم قبل
أشهر من
مبيته، لما
قال له بزعمهم:
لما أسري بي
إلى السماء
نظرت إلى ساق
العرش؛ فإذا
مكتوب: لا إله
إلا الله محمد
رسول الله،
أيدته بعلي،
ونصرته به،
ورأيت اثني
عشر نوراً،
فقلت: يا رب،
أنوار من هذه؟
فنوديت: يا
محمد، هذه
أنوار الأئمة
من ذريتك،
فقال علي رضي
الله عنه: يا
رسول الله،
ألا تسميهم لي؟
قال: نعم، أنت
الإمام
والخليفة
بعدي... ثم ذكر
أسماء بقية
الأئمة([33]).
أما
سؤاله وسؤال
الرسول صلى
الله عليه
وسلم قبله،
فلا أذكرك به،
فهو موضوع
الباب كله.
وفي
المدينة وبعد
الهجرة يروي
لنا القوم
التالي: دخل
علي على رسول
الله وعنده
جبرئيل في
صورة دحية
الكلبي
وسلَّم، فقال
جبرئيل: وعليك
السلام يا
أمير
المؤمنين
ورحمة الله
وبركاته،
فقال رسول
الله: يا علي،
سلمت عليك
ملائكة الله
وسكان سمواته
بإمرة
المؤمنين من
قبل أن يسلم
عليك أهل
الأرض.
يا
علي، إن
جبرئيل فعل
ذلك من أمر
الله وقد أوحى
إليَّ عن ربي
عز وجل من قبل
دخولك أن أفرض
ذلك على الناس
وأنا فاعل ذلك
إن شاء الله
تعالى... إلى
آخر الرواية،
وفيها بيعة
المهاجرين
والأنصار له([34]).
وهذه
الرواية تؤكد
بطلان كل ما
مرَّ بك.
ونواصل
مشوارنا مع
غياب النص في
أعظم الأركان
عند القوم وعن
صاحبه علي بن
أبي طالب رضي
الله عنه،
ونعود إلى
مسألة افتراض
الموت أو
الرغبة في
الشهادة، ففي
رده على رجل
سأله في أيام
خلافته عن
الفتنة، قال
رضي الله عنه
فيما قاله: قلت
لرسول الله: أو
ليس قد قلت لي
يوم أحد حيث
استشهد من
استشهد من
المسلمين
وحِيزت عني
الشهادة فشق
ذلك عليَّ،
فقلت: أبشر،
فإن الشهادة
من ورائك...
الرواية([35]).
وفي
رواية:
بأبي أنت وأمي
كيف حرمت
الشهادة([36])؟
ثم
رأيناه يوم
الخندق يشارك
النبي في
نسيانه عندما
قال: من يقوم
إلى مبارزة
عمرو بن ود
وله الإمامة
بعدي؟
بل
نراه ينظم في
ذلك شعراً،
وقد مرَّ بك
تفصيل ذلك،
والعجيب أن
هذا أيضاً
نسيه بعد أيام([37])،
ففي غزوة وادي
الرمل أو ذات
السلسلة لما
أمره النبي صلى
الله عليه
وسلم أن يكون
فيها بكت
الزهراء رضي
الله عنها،
فدخل النبي
وهي على تلك
الحال، فقال
لها: مالك
تبكين؟
أتخافين أن
يقتل بعلك،
كلا إن شاء
الله، فقال
علي: لا تنفَسْ
علي بالجنة يا
رسول الله، ثم
خرج([38]).
ثم يروي لنا القوم بشارة النبي صلى الله عليه وسلم له رضي الله عن